← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35111

سلسلة الآداب - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (576 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من أدب الحوار قبول الحق ولو من عدو فقد تقدم الكلام في الحلقة الأولى عن آداب الحوار، ونتابع الحديث اليوم في الحلقة الثانية من هذا الأدب الذي يحتاجه كل باحثٍ عن الحق، وكل داعيةٍ إلى الله، وكل أخ في مناقشة إخوانه من المسلمين، ويحتاجه حتى الزوج مع زوجته، والولد مع أبيه وأمه، وهذه المسألة -وهي مسألة الحوار- إذا كانت في الحق فإن الله يوفق أطراف الحوار للوصول إلى الحق؛ لأن القصد الأول من الحوار هو معرفة الحق. ولذلك -أيها الإخوة- لابد أن يوطن أطراف الحوار أنفسهم على قبول الحق من أي الأطراف جاء، فإذا تبين الحق فلا يجوز الجدال فيه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال:٦] ويجب المصير إليه، والنبي ﷺ كان يقبل الحق ولو جاء من عدو، وقد روت طفيلة بنت صيفي الجهنية قالت: (أتى حبرٌ من الأحبار رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، فقال ﷺ : سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة، قالت: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً ثم قال: إنه قد قال: فمن حلف فليحلف برب الكعبة، قال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً، قال: سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون: ما شاء الله وشئت، قالت: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً ثم قال: إنه قد قال حقاً فمن قال: ما شاء الله فليفصل بينهما بقوله ثم شئت) رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وكذلك صححه الألباني في السلسلة الصحيحة. ومعروفٌ أيضاً قصة أبي هريرة ﵁ مع الشيطان الذي جاء بصورة رجلٍ يسرق الطعام من مال الزكاة، فأمسكه ثم أطلقه حتى قال له في الثالثة: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دعني وأعلمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: وما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح، قال أبو هريرة: فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك وأخبره بالخبر، فقال ﵊: أمَا إنه قد صدقك وهو كذوب). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز إذا قال يهوديٌ أو نصرانيٌ فضلاً عن الرافضي قولاً فيه أي حق لا نقبله، ولا يجوز أن نرفضه؛ لأنه جاء من عدو، ولذلك ينبغي في الحوار سماع كلام الخصم، وتقبل الحق الذي جاء منه بقبول حسن، والاعتراف بالخطأ والتسليم بالحق الذي يظهره الخصم، والمسألة كما ترون -أيها الإخوة- مسألة تجرد، فمن تجرد لله وفقه الله. ثم من آداب الحوار المهمة ألا يكون قصد المحاور الانتصار للنفس، والعلو على المحاورين الآخرين، أو إفحام الخصم واستعراض القوة، وقد تقدم الكلام على ذلك، ومن أهم أسباب الانتصار للنفس أن المحاور يرجو في حواره مع غيره أن يرفع كفته، أو كفة شيخه أو مذهبه أو طائفته وحزبه وجماعته، ويغفل على أن ظهور الحق على يديه أو على يد صاحبه خيرٌ له وفضلٌ عليه من الله تعالى، قال الجويني ﵀: فأول شيءٍ على المناظر أن يقصد التقرب إلى الله سبحانه، ويطلب مرضاته في امتثال أمره فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى الحق، ويتقي الله أن يقصد بنظره أو بمناظرته المباهاة وطلب الجاه، والمماراة والرياء، ويحذر أليم عقاب الله، ولا يكون قصده الظفر بالخصم، والسرور بالغلبة والقهر، فإنه من دأب الأنعام الفحولة كالكباش والديكة. والإنسان إذا كان قصده بالحوار أن يتغلب على خصمه فقط فإنه لا يرعوي عن إتيانه بأي حجة من حقٍ أو باطل، ولا يقبل الحق إذا جاء من الخصم، وكذلك فإن الرسول ﷺ لما عرَّف الكبر قال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) فبطر الحق أي: رده، وغمط الناس: ظلمهم وعدم إعطائهم حقوقهم وبخسهم إياها، وهو عين الكبر، ولذلك لابد في الحوار من التواضع، والنبي ﷺ قد قال: (ما من آدمي إلا في رأسه حكمةٌ في يد ملك) طبعاً هذا شيءٌ من الغيب لا نعلمه (فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، فيرفع الله ذكره وشأنه بين الناس، وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته) رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقال عمر بن الخطاب: [إن العبد إذا تواضع لله رفع حكمته، وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه حقير وفي أعين الناس كبير، فإذا تكبر وعد صوره ووهصه، أي: ضرب به الأرض]

стр. 107

الحذر من المراء والجدال ثم من الآداب المهمة في الحوار الحذر من الجدال، فإن اللدد والخصومة من الآفات القاتلة، فيصطبغ الحوار بصبغة التعنت والعناد، ولا يعود القصد هو الحق ولا الهدى، ويتحول الحوار إلى مراء وجدل، فما هو المراء والجدل بالباطل؟ المراء: أن تنكر الحق الذي ظهرت دلالته ظهوراً واضحاً وتتعصب للباطل، والتعصب للمذهب أو الشيخ أو الفئة يحول الحوار إلى مراء وجدال، وينتهي إلى خصومة وفرقة، وتمتلئ الصدور بالأحقاد وتشحن النفوس بالكراهية، والجدل آفة يصاب بها الإنسان غالباً في المحاورات، والجدل من طبيعة الناس الفارغين، الذي عنده عمل وإنتاج لا يقع في الجدال في الغالب، الذي يقع في الجدال هم أهل الفراغ، ولذلك يهدرون أوقاتهم بالجدال، ومع الأسف فإن عدداً من الشباب يحولون المجالس العلمية، والمحاضن التربوية، والمجتمعات الدعوية إلى مراء وجدال تقضي على البذور الكريمة والفائدة والنفع، وقد قال النبي ﷺ محذراً: (ما ضل قوماً بعد هدىً آتاهم إلا أوتوا الجدل) وقال: حسَّان بن عطية ﵀: إذا أراد الله بقومٍ شراً ألقى بينهم الجدل وخزن العلم، فلا يكون علماً وإنما يعطون الجدل. لو قال قائل: إن من الجدال ما هو مفيد، ألم يقل الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فنقول: إنه تعالى ما قال: ﴿وجادلهم﴾ فقط، وإنما قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ومعنى ذلك أن الجدال أنواع، فما هي أنواع الجدال؟ الجدال محمودٌ ومذموم. أولاً: فالجدال المذموم ما كان بغير حجة ولا دليل. ثانياً: الجدال لنصرة الباطل والشغب للتمويه على الحق، وكان الكفار يفعلونه كثيراً، قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر:٥] وهؤلاء مهما نصحتهم لا يستفيدون، كما قال نوح لقومه: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]. ومن الجدال ما يكون محموداً ومنه ما يكون مذموماً. قال إمام الحرمين الجويني ﵀: من الجدال ما يكون محموداً مرضياً، ومنه ما يكون مذموماً محرماً، فالمذموم منه ما كان لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليلبس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرف ولا تقرب، أو للمماراة، أو لطلب الجاه، أو إظهار التفوق على الخصوم، أو أنه يعرف أن عنده لسانة وقدرة على الحوار، وأنه لا يتوقف ولا ينقطع، والله ضرب أوجه الجدال المذمومة في قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]. أما الجدال المحمود: فهو الذي يحقق الحق ويكشف عن الباطل، ويهدف إلى الرشد، ويرجى به رجوع المبطل إلى الحق، وهذا المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقول الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فالمقصود به الجدال المذموم، أما لو تناقش بعض طلبة العلم في مسائل مثلاً في الحج ليستدلوا بها على السنة؛ كأن يتناقشوا في مكان الوقوف عند رمي الجمرات، وأين يضع الجمرة، فمثل هذا لا يكون جدالاً مضيعاً للوقت ولا منهياً عنه في الحج؛ لأنه لمصلحة الحج، فإذاً هذا الجدال لمصلحة الحج، ويعظم به الأجر وتصاب السنة

стр. 108

الهدوء عند الحوار ومن الآداب المهمة في الحوار: الهدوء، وكثيراً ما تتحرك الطبائع الكامنة في النفوس، ويحدث غليان وغضب وانفعال وعصبية، وتندفع الكلمات، وتتسابق الأطراف كالسيل الجارف بالتهكم والسخرية وتراشق التهم ونحو ذلك، وهذا من أخطر آفات الحوار؛ لأنه لم يعد هناك حوار مثمر، وهذا مفسد للعلاقات، ولذلك بعض الناس تحس أنك لو ما دخلت معه في حوار لكان أحسن، كنت صاحباً له قبل الحوار، وبعد الحوار صار بينكما قطيعة، ولذلك تتنافر القلوب من آثار الحوار المذموم. إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يجبر والصراخ والشتائم كل إنسان قد يقدر عليه، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير وجاهل وعالم، وكما قال قائل: صغار الأسد أكثرها زئيراً وأصرمها اللواتي لا تزير أي: لا تزأر، والذي يميز الرجل الرباني الصادق في حواره هدوء نفسه، وعفة لسانه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٣ - ٤٤] والنبي ﷺ كما قال أنس: (لم يكن سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً)، وشيخ الإسلام ﵀ خاض غمار حوارات كثيرة، ومناظرات مع أهل البدعة، وكان من الخلاصات التي خرج بها يقول: الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يكبر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم، فقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]. والإنسان إذا جلس في مجالس أهل العلم ينبغي أن يتأدب، ولذلك الحوار العلمي ينبغي أن يأخذ أدباً أعلى بكثير من الحوار في المسائل الدنيوية، أو في الأسعار، أو في السلع، أو في مساومات أو في نحو ذلك، وبعض الإخوان قد يظن أن الحوار مع أهل البدع يقتضي أن ترفع الصوت، وتظهر الغضب، وتقطب الجبين، وتحمر العينان، وتتسارع الأنفاس، وهذا غير صحيح. ولكي يتقبل الشخص الآخر فلابد أن تظهر الهدوء في النقاش؛ لأن القصد الآن ليس ألا تتيح له فرصة في الكلام إذا كان الحديث بينك وبينه، وإنما المقصود أن يصل الرجل إلى الحق ويقتنع به، ولذلك عامة الناس لا يحبون التشنج والانفعالات في النقاشات، ويقولون: هذا الشيخ الذي خرج من البرنامج الفلاني ما عنده إلا العصبية والانفعال، وتلك المرأة غلبته وتفوقت عليه، مع أنه خرج لينصر الحق بزعمه، وهي تمثل أهل الباطل، فالناس ينفرون من التشنج والانفعال، نعم بعض الأحيان يلزم إظهار شيء من الشدة، لكن لا إلى أن يتحول الحوار إلى صراخ، والغضب لا يبقي سداداً للفكر، ويتعكر المنطق بسببه، وتتقطع مادة الحجة، وقال ابن القيم ﵀: الغضب نوعٌ من الغلق تستغلق به على الإنسان الأمور، وكيف يأتي المرء بحجة أو ينقض حجة للخصم إذا كان في حال الغضب، الغضب عدو العقل وهو للعقل كالذئب للشاة قلما يتمكن منه إلا اغتال العقل، هكذا صوره ابن القيم رحمه في إغاثة اللهفان، والرسول ﷺ كان يدعو فيقول: (أسألك كلمة الحق في الرضا والغضب) وكلما ازداد انفعال المتحاورين ازدادت الشقة بينهما وابتعد الواحد منهما عن الآخر (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب). روي أن المزني ﵀ ناظره إنسان كثير الصياح والشغب فقال المزني: أخبرنا الشافعي أن أبا حنيفة ناظر رجلاً فكثر صياح أبي حنيفة فمر به رجل آخر وقال: أخطأت يا أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ما هذه المسألة؟ -أنت أيها المار ما الذي نتحدث عنه؟ - فقال الرجل: لا أدري، فقال أبو حنيفة: وكيف عرفت أني أخطأت؟ فقال الرجل: لأنك إذا أخطأت صحت، وإذا أصبت رفقتَ، فعلمت أنك أخطأت حيث رأيتك تصيح. إذاً فمسألة الصياح هذه تفسد الحوار. إذا ما كنت ذا فضلٍ وعلمٍ بما اختلف الأوائل والأواخر فناظر من تناظر في سكونٍ حليماً لا تلح ولا تكابر يفيدك ما استفاد بلا امتنانٍ من النكت اللطيفة والنوادر وإياك اللدود ومن يرائي بأني قد غلبت ومن يفاخر فإن الشر في جنبات هذا يمني بالتقاطع والتدابر وروي أن رجلاً من بني هاشم اسمه عبد الصمد رفع صوته في النقاش عند أحد الخلفاء، فقال له: لا ترفع صوتك يا عبد الصمد إن الصواب في الأسدّ لا في الأشدّ، الأسد: القول السديد، الأشد: وليس بالصوت الشديد. وإذا أفحش الخصم في جوابه فينبغي عدم الحدة؛ لأن الصياح لا يقابل بالصياح والاستخفاف؛ فهذا من أخلاق السفهاء، ومن الطرائف أن أحد الشعراء سمع اثنين ينتسبان إلى الفقه ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس. فقال: البغل والجاموس في جدليهما قد أصبحا عظةً لكل مناظر برزا عشية ليلة فتباحثا هذا بقرنيه وذا بالحافر ما أتقنا غير الصياح كأنما لقنا جدال المرتضى ابن عساكر فالمناقشة ليست بالقرون والحوافر، وإنما بالكلام المتزن الهادئ، والإنسان إذا كان عصبياً فلا ينصح بخوض حوارات، ومن كان حاد المزاج فقد يفسد أكثر مما يصلح، وإذا أردنا أن نرشح أشخاصاً للحوار، فلنرشح أشخاصاً عُرفوا بهدوء الطبع؛ لأن المحاور خصوصاً في هذا الزمان ينتدب على أنه يمثل فكرة من الأفكار، أو منهجاً من المناهج، فإذا كان إنساناً حاداً عصبياً يمكن أن يؤدي إلى إقناع الناس بالباطل، أو ينفروا من الحق، فينبغي أن يعتنى بالحوارات ولا يدخل فيها إلا من عنده صفات علمية وأخلاقية تؤهله للدخول.

стр. 109

حسن الاستماع والإصغاء للآخرين ومن لوازم الهدوء في الحوار: حسن الاستماع والإصغاء للآخرين، وإعطاؤهم الفرصة للتعبير عن آرائهم، أحياناً ينشغل المحاور بإخراج كل ما في جعبته، ويكون هذا همه، لكن هذه طريقة قد لا تكون مقنعة للآخر؛ لأنه ليس المهم فقط أن يفرِّغ الإنسان كل ما في جعبته، بل من المهم أيضاً أن يستفرغ ما في جعبة الطرف الآخر، إذا استفرغت ما في جعبة الآخرين سهل عليك الرد، لا أن تقول كل ما عندك، ثم يقول هو كل ما عنده. والقضية قد لا تحتاج لكل هذا، فيكفي قليل من الكلام، ولذلك فإعطاء الخصم فرصة ليتكلم يساعد على إخماد ما لديه من الشبهات، والمحاور الجاد هو الذي يهتم بصاحبه ويصغي لكلامه، وعدم الإصغاء وكثرة المقاطعة والاعتراض سيجعل الأمر أكثر صعوبةً، والمشكلة أننا أحياناً لا نتناقش مع أهل البدع والعلمانيين والمنافقين، نتناقش مع إخواننا وأصحابنا وزملائنا، وربما عاملنا هذا مثل هذا، وهذا ظلم، إذ كيف تعامل أخاك بالحوار مثلما تعامل المبتدع والضال والكافر والمنافق؟ ولا يكن ديدن الواحد كما قال القائل: إذا كنت تريد أن ينفض الناس من حولك ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك، فهاك الوقفة: لا تعط أحداً فرصةً للحديث، تكلم بغير انقطاع، وإذا خطرت لديك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يتم حديثه لأنه ليس ذكياً مثلك، فلماذا تضيع وقتك بالاستماع إلى الكلام السخيف، اقتحم عليه الحديث واعترضه في منتصف كلامه. ولا شك أن مثل هذا لا يمكن أن يحبه الناس، ولذلك فالعبرة بكسب الأشخاص لا بكسب المواقف، يعني: أنت قد تدخل في نقاش وتسجل نقطة على الخصم، لكن لم تكسبه، لأنك لم تعطه فرصةً للحديث، فقد يقول الناس: فلان غلب فلاناً، لكنك خسرت الرجل وإن كسبت الموقف، فالذكي لا ينظر إلى كسب المواقف فقط، ينظر إلى كسب الأشخاص أيضاً. وبعض المحاورين يسارع إلى الرد، ويبادر في المقاطعة قبل أن يستقبل صاحبه الحجج والبراهين التي لديه، وهذا يؤدي إلى شحن وإثارة النفوس، والشريعة قد جاءت بكل ما يقطع النزاع ويغلق أبواب الخصام والنفور، وبعض الناس ربما إذا جاء الشخص الآخر بالحديث يقول: هذا معروف، أو أعلم ذلك إلخ. كان عطاء بن أبي رباح ﵀ يقول: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً، وقال: إن الشاب ليتحدث بحديثي كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد، وقال بعضهم: أسمعه كأني أسمعه منه المرة الأولى وقد سمعته من غيره ثلاثين مرة. وتراهم يفضي بالحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به، كما قال الشاعر: وتراه مصغٍ للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به فإذا خرج الخصم من الحوار وقد عرف بأنك إنسان تريد الوصول إلى الحق، وأنك مؤدب في النقاش، فهذا مكسب، وينبغي أن يكون كل واحدٍ من الخصمين مقبلاً على صاحبه بوجهه في حال المناظرة، مستمعاً إلى كلامه إلى أن ينهيه، فإن ذاك طريق معرفته والوقوف على حقيقته كما ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه وتقطيعه عليه، وإظهار التعجب منه، ولا يمكنه من إظهار حجته، فإنما يفعل ذلك المبطلون والضعفاء. قال حكيم من الحكماء لابنه: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام؛ فإن حسن الاستماع انتباهك للمتكلم حتى يفضي إليك بحديثه، والإقبال في الوجه والنظر والصبر حتى ينهي الآخر ما لديه من الأخلاق التي يحتاج إليها في المناظرة، وليس حسن الاستماع مجرد الإنصات، فبعض المحاورين يسكت ويجعلك تتكلم وتتم الحديث دون مقاطعة، لكن يتغافل عنك ويتشاغل بكتابٍ بين يديه يقلب أوراقه، أو يعبث بالقلم أو ينظر إلى السماء، وربما انتهيت وهو لا يدري أنك انتهيت، فهذا في الحقيقة ما أنصت وإنما سكت، والإنصات هو الانتباه لما يقوله الآخر.

стр. 110

عدم اتهام النيات ومن الآداب المهمة أيضاً: عدم اتهام النيات؛ فبعض المتحاورين يتهم نية الشخص الآخر وهو لم يطلع عليها، وهذا يثير الطرف الآخر ولا شك، فإذا قال: أنت صاحب هوى، أنت تقصد كذا، فإذا لم يتبين هذا من كلامه فالحكم عليه يعتبر اتهاماً لنيته، واتهام النيات لا يقبله المستمعون، فإنهم إنما يريدون رداً مقنعاً، أما أن يقول الواحد للآخر: أنت تقصد كذا فهذا لا يقبله الناس، ويفعل هذا كثير من الناس لإسقاط الأطراف الأخرى في الحوار، مع أن المسألة -كما قلنا- ليس المقصود منها إسقاط الطرف الآخر، المقصود منها الوصول إلى الحق.

стр. 111

التهيؤ للحوار بالمكان والوقت المناسبين وينبغي أن يهيأ للحوار جو مناسب بعيد -مثلاً- عن الضجيج فيراعي فيه تهيئة الجو، التعارف بين الطرفين، والدخول مع شخص مجهول في حوار دون التعرف عليه مما يبعد فرصة الوصول إلى الحق معه، وتحديد أيضاً موعد مناسب للحوار مثلما فعل موسى ﵇: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طه:٥٩] فاختار موسى ﵇ يوم العيد الذي تتعطل فيه الأعمال ويجتمع فيه كل الناس، واختار الوقت الذي لا يكون فيه ليلٌ ما يرى الناس ماذا يحدث، ولا تكون فيه الشمس ضاربة في العين فلا يبصرون أو لا يكادون يبصرون من شدتها وتوهجها، قال: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طه:٥٩] ففي الضحى اختيار حكيم من موسى ﵇ لإجراء الحوار والمناظرة أو المغالبة.

стр. 112

عدم التأثر من أساليب أصحاب الباطل وينبغي كذلك في الحوار ألا يتأثر صاحب الحق بهجوم صاحب الباطل عليه ومقاطعته، وإنما يكمل كلامه بالحق كما فعل موسى ﵇ لما ناظر فرعون، موسى ﵇ لما ناظر فرعون أراد فرعون أن يقطع عليه الحديث، قال فرعون: وما رب العالمين؟ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٤] فخاف الطاغية أن تتسرب الكلمة إلى قلوب السامعين، فعارض موسى وحول الحوار إلى السامعين وقال: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:٢٥] فلم يلبث موسى إلى أن أعطاه الصفة الثانية من صفات رب العالمين: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:٢٦] طبعاً هذا كلام يمس العقيدة التي عليها فرعون مساً مزعجاً له جداً؛ لأن فرعون يقول: أنا ربكم الأعلى، وهذا يقول: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:٢٦] فما ملك فرعون إلا أن يقول كلاماً سخيفاً، قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧]، وهذا استهزاء وتهكم، لكن لم يفت ذلك في عضد موسى فتابع الكلام: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٨] فالآن لاحظ أن موسى يتكلم وفرعون يحاول أن يغير مجرى الحديث إلى الناس، يتكلم فيشغب على موسى، فمرة يقول: أنت مجنون، وأن يقول: ﴿قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء:٣٤ - ٣٥] هذا الموقف الضعيف من فرعون كان له أثر ولا شك، وعندما صارت المعركة أسقط في أيدي السحرة بسبب التأييد الذي أيده الله به.

стр. 113

لا بأس من طلب التريث وعدم الاستعجال ولا بأس أن الإنسان في الحوار يطلب الإنظار وعدم الاستعجال، فإن بعض الأطراف إذا أراد أن يحاورك قطع عليك، فتقول: انتظر حتى أتم كلامي. ولما اختصم علي والعباس إلى عمر رضي الله عن الجميع جاءا في قضية الميراث فقال عمر: اتئدا! أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث معاشر الأنبياء، ما تركنا صدقة)؟ فأوقفهما. لما جاء رجل إلى ابن عمر قال: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة هل أطيل فيهما القراءة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى يوتر بركعة، قال السائل: إني لست عن هذا أسألك؟ فقال ابن عمر: إنك لضخم -أي: وصفه بوصفٍ فيه إشارة إلى شيءٍ من الغباء- إنك لضخم، ألا تدعني أستقرئ لك الحديث؟ (كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة ويصلي ركعتين قبل الغداة) فقاطع السائل ابن عمر قبل أن يجيبه، وهذا نلاحظه كثيراً في أسئلة العلماء، إن بعض السائلين يسأل العالم، وقبل أن يتم العالم كلامه يدخل السائل مرةً أخرى في مسألة ثانية، ولذلك تجد العالم من أولي الخبرة في الإفتاء يتكلم، ثم إذا انتهى كلامه قال: نعم. يعني: انتهى كلامي، وإذا عندك شيء آخر فائت به، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على أن الكلام انتهى، فمن حسن الأدب مع العالم أنك إذا دخلت معه في حوار أو نقاش أو مساءلات ألا تقطع الكلام عليه، وتنتظر حتى يقول: نعم. فإذا شككت هل هو أنهى كلامه أم لا فاصبر ولا تعجل، والإنسان خلق عجولاً، ولذلك كثيراً ما يقع السائل في مزالق بسبب عجلته، وتفوته بذلك فوائد، وربما أن الشيخ طفش منه ولم يسمح له بمزيد من الأسئلة بسبب مداخلاته ومقاطعته المستمرة.

стр. 114

الالتزام بطرق الإقناع ومن الأمور المهمة في الحوار الالتزام بطرق الإقناع الصحيحة، من تقديم الأدلة المثبتة للدعوة صحةً وطريقة في الاستدلال، لأن بعض الناس يستدلون بأدلة ضعيفة، وبعضهم يستدل بأدلة صحيحة لكن بطريقة خاطئة، فالحديث صحيح لكن يستعمله بطريقة خاطئة، اليوم أحد الناس قال لي: إن رسول الله ﷺ قال- حديث في مسند أحمد -: (ليس منا من حَلَقْ) كيف يقول: ليس منا من حلق وهو قد حلق في الحج والعمرة؟ طيب -يا أخي- هذا الحديث: (ليس منا من حَلَقْ) وفي رواية: (ليس منا من حلق وخرق وسلق) هذا المقصود به الذي يحلق شعره أو التي تحلق شعرها عند المصيبة، وسلق: أي: يصرخ نياحة، وخرق: قطع ثيابه، فهو جاء بحديث صحيح: (ليس منا من حَلَقْ) فنقول: الحديث صحيح، لكن ما وجهه؟ وما معناه؟ وكيف فهمه العلماء؟ وفي أي مناسبة جاء الحديث؟ ثم من أراد أن يبدأ في حوار فلا يبدأ بالأدلة الضعيفة، بل يأتي بالأدلة القوية؛ لأنك إذا أتيت بالأدلة المحتملة يصير النقاش في الاحتمالات، والشخص الآخر يورد عليك إيرادات قد تكون صحيحة، ويضيع الوقت فيها، هات الأدلة الأقوى أولاً، وهذه مسألة يغفل عنها بعض طلبة العلم أثناء النقاشات، يأتي بالدليل الأضعف، مع أن الحكمة تقتضي أن يأتي بالدليل الأقوى أولاً. ثم بعضهم إذا أراد أن يناقش فلا تخرج من نقاشه إلا بتكراره للدعوى التي يقولها دون أدلة، يرجع ويكرر الدعوى بدون دليل، تريد دليلاً فلا تجد دليلاً، ما عنده إلا التكرار وترديد أصل الدعوى، ثم يجب احترام أدلة الطرف الآخر إذا كانت صحيحة ووجيهة، ولا يقول كما يقول بعض المتعصبين للمذاهب: هذا الدليل ساقط لأن إمامي لم يقل به، ولو كان صحيحاً لعرفه وقال به، فكونه ما قال به لا يعني أنه ليس بصحيح وهذا خطأ من الأخطاء.

стр. 115

الحذر من القفز إلى النتائج دون مقدمات صحيحة ثم أيضاً من الأخطاء في الحوار أن الإنسان يقفز إلى النتائج دون مقدمات صحيحة تؤدي إليها (بما أن إذاً) فيقول: (بما أن) لا علاقة لها بإذاً، فكيف يجوز أن يقفز إلى النتيجة دون مقدمات صحيحة، فعندنا مقدمات ونتائج، مثلاً: الرياضيات بما أن إذاً فلابد أن تكون (بما أن وإذاً) لهما علاقة ببعضهما واضحة، وألا ترتب نتائج على مقدمات لا علاقة لها بها، أو على مقدمات خاطئة، فهذا خطأ كبير في الحوار.

стр. 116

الحذر من إهمال الاستدلال بالقرآن والسنة وتقديم الأدلة العقلية ثم إن بعض الناس أحياناً يهملون الاستدلال بالآيات والأحاديث ويقدمون الأدلة العقلية، مع أن الحوار قد يكون بين شخصين مسلمين من أهل السنة، لست تناقش الآن كافراً، أنت تناقش الآن شخصاً من أهل السنة فقدم الأدلة من القرآن والسنة، ثم الانتباه إلى القول باللازم، يعني: أحياناً يُستدل على فسادِ القول من لازمه، فيقال: يلزم من هذا الكلام الذي تقوله: كذا وكذا، واللازم هذا صحيح، وعند ذلك يسقط الاحتجاج، ثم لو أخذنا مثالاً على هذا: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٠٠ - ١٠١] فنسبة الولد لله يلزم منه وجود زوجة، فمن هي الزوجة؟ ولذلك ناقش النصراني وقل له: أنت تقول: لله ولد، من أين جاء الولد؟ خلقه، لو خلقه صار مخلوقاً مثلنا ما كان له ميزة على بقية المخلوقين، فإن قال: هذا ولد له صفات من صفات الله، نقول له: هو ولد، من أين خرج؟ فإذا سلم أنه خرج من امرأة، طبعاً نسبة الزوجة لله مصيبة، ثم نقول له: تعرف -يا أيها النصراني- ماذا يلزم من القول بأنه خرج من زوجة، يلزم أنه صار هناك وطءٌ وشهوةٌ، ولذلك الاستدلال على فساد القول من لوازمه، هذه من الطرق المهمة في الحوارات والنقاشات.

стр. 117

محاصرة الخصم بكلماته الباطلة ثم مما يستعان به على إفحام الخصم خصوصاً المبتدعة أن تمسك عليه الكلمات الباطلة التي يقولها وتسجلها، قد لا تعترض الآن اتركه يتكلم مع أنه يقول كلاماً خطأً لتسجل ألفاظاً تُدِينه من خلالها، وتقول: أنت قلت كذا في كلامك، والمناقضة تظهر في أهل البدعة أثناء النقاشات؛ لأنه لا يوجد مبتدع إلا وتتناقض أقواله، فتجده يقول شيئاً، وبعد صفحات أو بعد مسافة زمنية يخالفه ويأتي بشيء آخر؛ لأنه ما دام الأصل فاسداً فلابد أن تضطرب أقواله، فعليك باكتشاف المتناقضات في أقوال المبتدعة أو المخطئين، أو الذين هم على ضلالة وأنت تناقشهم، وهذا ما كان يفعله علماء الإسلام في المناظرات، فمثلاً: من المشهورين بالمناظرات مع النصارى الإمام الباقلاني رحمه الله تعالى، وهو من أذكياء المسلمين وعلمائهم، وكان الخليفة قد أرسله إلى النصارى لمناقشتهم، فجاءوا له بالبطريك فاحتفى الباقلاني به واحتفل، ورحب وسأله أحسن سؤال وقال له: كيف الأهل والولد -طبعاً الراهب عندهم لا يمكن أن يتزوج، ولذلك هذا البابا ما عنده زوجة ولا أولاد، وفي الفاتيكان رهبانهم لا يتزوجون لأنهم يعتقدون حرمة ذلك- فـ الباقلاني لما جاء البطريك احتفى به واحتفل ورحب به ثم قال: كيف أهلك وأولادك؟ فعظم عليه وعلى الحاضرين من النصارى جداً، وتغيروا وقطبت وجوههم وقالوا: كيف تسأل عن أهله وأولاده؟ قال: وما تنكرون؟ قالوا: إنا ننزه هذا عن الصاحبة والولد، قال: يا هؤلاء! تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحب والولد وتربئون به عن ذلك، ولا تستعظمون لربكم أن تضيفوا له هذه السوءة وهذا الكلام؟ فسقط في أيديهم، وبهتوا، وانكسروا، ولم يثيروا جواباً، أي: لم يرجعوا بجواب. ويروى أن يهودياً قال لـ علي ﵁: ما نفضتم أيديكم من تراب نبيكم حتى قلتم: منا أمير ومنكم أمير، فقال علي ﵁: وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر الذي جمده الله لموسى حتى قلتم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة: من الأسوأ الأعظم؟ وكذلك ما حصل في مناظرة الباقلاني مع النصارى وسؤال أحدهم الباقلاني قال: ما فعلت زوجة نبيكم وما كان من أمر الإفك هذا؟ فيريد أن يطعن في عائشة ﵂، فقال الباقلاني على البديهة مجيباً: هما امرأتان ذكرتا بسوء - مريم وعائشة - فبرأهما الله ، وكانت عائشة ذات زوجٍ ولم تأت بولد، ومريم أتت بولد ولم يكن لها زوج، فبهت النصراني. وذكر أن المقوقس قال لـ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ لما أرسل إليه، كيف الحرب بين محمد وبين المشركين؟ قال: سجال يدال عليهم ويدالون عليه، فقال المقوقس: أنبي الله يغلب؟ فقال حاطب: وابن الله يصلب؟ فسكت. ولما استعمل عمر ﵁ المغيرة بن شعبة على أهل البحرين فكرهه بعضهم، فعزله عمر ﵁، فخافوا أن يرده إليهم فجاءوا إلى الدهقان يقولون: نخشى أن عمر يرد المغيرة أميراً علينا، ونحن لا نريده، فانظر ماذا تعمل في أمره؟ قال: اجمعوا مائة ألف درهم حتى أذهب بها إلى عمر وأقول: إن المغيرة اختلس هذه الأموال ووضعها عندي أمانة، فجمعوا له مائة ألف درهم وأعطوها للدهقان فذهب إلى عمر في المدينة، وقال: يا أمير المؤمنين! إن المغيرة الأمير الذي جعلته علينا اختلس مائة ألف وسرقها من الأموال العامة، وجئتك الآن أردها لك، فدعا عمر للمغيرة قال: ما يقول هذا؟ قال: كذب أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة، فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ قال: لا والله لأصدقنك، والله ما دفع إليَّ لا قليلاً ولا كثيراً، ولكن كرهناه وخشينا أن ترده علينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على ما صنعت من الكلام؟ قال: إن الخبيث كذب عليَّ فأحببت أن أخزيه. ولما قال ملك النصارى للباقلاني: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قال: صحيح، انشق على عهد رسول الله ﷺ حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحاضرون ومن اتفق معهم في النظر إلى القمر في ذلك الوقت، فقال الملك: وكيف ولم يره جميع الناس؟ -يعني: كل الناس في العالم ما رأوا انشقاق القمر- قال: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعدٍ من انشقاقه وحضوره -أي ليس كل الناس في العالم كانوا يتطلعون إلى القمر في ذلك الوقت- فقال الملك: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة أو قرابة؟ لأي شيءٍ يظهر لكم ولا يظهر لهم، ورأيتموه أنتم خاصة ولم يره بقية الناس؟ فقال الباقلاني: وهذه المائدة التي نزلت عليكم؛ هل بينك وبينها نسبة قرابة؟ فلماذا رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة، وأهل الإلحاد واليونان جيرانكم، وهم ينكرون المائدة؟ فتحير الملك وقال: سبحان الله! ثم قال القاضي الباقلاني لقسيس عندهم: ألست تزعم أن الأرض كروية؟ قال: بلى. قال: أفتنكر أن يرى في هذا الإقليم ما لم يُرَ في إقليمٍ آخر؟ كالكسوف يرى في موضعٍ دون موضع، وكواكب السماء ترى في موضعٍ دون موضع، أم تقول: أن الكسوف يحدث لأهل الأرض كلهم؟ فقال القسيس: بل لا يراه إلا من كان في محاذاته، قال الباقلاني: كما أنكرت من انشقاق القمر إذا كان في ناحيةٍ لا يراه إلا أهل تلك الناحية ومن تأهب للنظر إليه، فأما من أعرض عنه وكان في مكانٍ آخر من الأرض لا يرى القمر منها كان عندهم نهار، أو بعد أن طلع القمر عندهم في ذلك الوقت فلا يرى، فقال: هو كما قلت، وسلم له. على أية حال المناظرات بين أهل الإسلام والنصارى، واليهود والمبتدعة، والمناظرات بين أهل السنة والمبتدعة كثيرة جداً وكلها دالة على اعتنائهم بتبليغ الدعوة وإقامة الحجة. والغرض من الحوار هو إقامة الحجة على الناس، وأما الحوار بين الإخوان فلابد أن يكون فيه اعتناء زائد بالأدب؛ لأن الله قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] فلا يصلح أننا إذا ناقشنا كافراً ونصرانياً تأدبنا وجلسنا نحاول في هداية الرجل، وإذا تناقشنا مع إخواننا المقربين ارتفعت الأصوات وهاجت العبارات وصار الكلام بلا حساب ولا ضبط. على أية حال فن المناظرات هذا يحتاج إلى درسٍ خاص لكي يتم معرفة محاصرة الخصم، وكيف يصل الإنسان إلى الإقناع ونحو ذلك، المسألة فيها مزيد من الكلام، لكن الكلام في الحوار وليس في المناظرة، واعلموا أيها الإخوة أن مسألة الحوار قد اتخذت في عصرنا ذريعة لإزالة الفوارق العقدية وتلميع الإسلام في الأرض، تارةً باسم الحوار بين الأديان، أو الصداقة الدينية، أو الملة الإبراهيمية ونحو ذلك، وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أهمية إزالة الفوارق العقدية من نفوس المسلمين، حتى نقبلهم ونقبل ما يأتون به، وأنه لابد من أن تتحطم الحواجز العقدية في نفوسنا مثل بغضهم وكرههم، وإذا حطموا هذه الحواجز، دخل علينا منهم كل شيء، إخوة وأبناء عم ونحو ذلك من الكلام، فيهتمون بقضية حوار الحضارات، أو الحوار بين الأديان، فما هو مقصودهم من قضية الحوار بين الأديان؟ المقصود من قضية الحوار بين الأديان هو: السعي لإزالة الفوارق والحواجز بيننا وبينهم، وإذا زال الولاء والبراء، وزال كره الكافر والكفر، وكره اليهود والنصارى مع نفوسنا؛ إذا زال هذا الحاجز وصار بيننا محبة وأخوة وعلاقات حميمة وود؛ قبلنا ما يأتي منهم من الباطل بعد ذلك، ولذلك لابد أن نحذر من هذه المسألة حذراً شديداً. ثانياً: تحدث الآن حوارات في القنوات الفضائية يستضاف فيها أناس من المنافقين الذين يمثلون اتجاه فصل الدين عن الحياة، ويستضاف فيها أناس من المبتدعة، ويستضاف فيها أناس من أرباب الشهوات وهذا أمر خطير جداً لابد أن نحذر منه، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 118

آداب السواك إن السواك من السنن التي حث عليها النبي ﷺ ، فهو من سنن الفطرة التي ينبغي المحافظة عليها، وقد كان النبي ﷺ يحافظ عليه ولا يتركه أبداً؛ لهذا كان لا بد من معرفة أحكامه وآدابه وما يستحب فيه، والمواضع التي يستحب فيها.

стр. 119

السواك معناه وحكمته وما ورد في فضله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: ففي هذه المجموعة الثانية من الآداب الشرعية نتحدث -إن شاء الله- عن أدب السواك. قال أهل اللغة: السِّواك بكسر السين، وهو يطلق على الفعل -فعل التسوك- وعلى العود -الآلة- الذي يتسوك به. وهو مذكر وتؤنثه العرب أيضاً. قاله الأزهري. والسواك فعلك بالسواك، يقال: ساك فمه يسوكه سوكاً، وجمع سواك ليس مساويك جمعه سوك، مثل: كتاب كُتُب، سواك سُوك، وقيل: السواك مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تساوك أي تمايل. وأما في اصطلاح العلماء فإن السواك هو: استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها -عن الأسنان-. ويقال: ساك فمه بالعود يسوكه إذا دلكه. وهناك تخليل الأسنان، والفرق بين هذا وبين السواك أن تخليل الأسنان هو إخراج ما بينها من فضلات بالخلال، مثل العود ونحوه، فالفرق بين الاستياك والتخليل أن التخليل خاص بإخراج ما بين الأسنان، أما السواك فهو لتنظيف الفم والأسنان واللسان بنوعٍ من الدلك، فهو مطهر للفم عموماً، وأما التخليل بالعود وغيره فهو لإخراج البقايا المنحشرة بين الأسنان. وأما حكمته: فإن النبي ﷺ قد قال عنه: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) أي: سبب لتطهير الفم، وسبب لمرضاة الرب ، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي علقه البخاري ووصله أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب). وأما بالنسبة للأحاديث الواردة للحث عليه فهي كثيرة، منها هذا الذي تقدم في الحكمة منه، ومنها: حديث البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي -أو على الناس- لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة) لأمرتهم بالسواك، أي: باستعمال السواك. وقوله: (مع كل صلاة) جاء في رواية: (عند كل صلاة) وجاء في رواية: (مع كل وضوء).

стр. 120

حكم السواك وقوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم) فانتفى الأمر لثبوت المشقة؛ لأن (لولا) في اللغة حرف امتناع لوجود، فامتنع الوجوب، لوجود المشقة، فهذه (لولا) في اللغة حرف امتناع لوجود، أي: يمتنع شيء لوجود شيء آخر لولا كذا لحصل كذا. وهذا فيه دليل على أن السواك في الأصل ليس بواجب؛ لأن المشقة في إيجابه نفت وجوبه، إذ الندب في هذه الحالة هو المفهوم. وقوله في حديث آخر: (لفرضت عليهم) بدل (لأمرتهم) يبين هذا، قال الشافعي رحمه الله تعالى: فيه دليل على أن السواك ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لأمرهم، شق عليهم به أو لم يشق. إذاً: القول بعدم وجوبه صار قول أكثر أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حكي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: هو واجب لكل صلاة. عند الصلاة يكون واجباً، وعن داود الظاهري أنه واجب للصلاة ولكنه ليس شرطاً، وأما إسحاق فإنه قال: هو شرط، واحتج من قال بوجوبه بالأمر به، كما جاء في حديث ابن ماجة: (تسوكوا) وفي الموطأ: (عليكم بالسواك) لكن قال ابن حجر ﵀: ولا يثبت منها شيء. أي: هذه الأوامر لم تثبت في أحاديث صحيحة. إذاً: القول بالندب هو قول المذاهب الأربعة، وأما من قال بالوجوب كـ إسحاق وداود، واحتج بظاهر الحديث فليس قوله بقوي. ومن العلماء من قال بكراهته للصائم بعد الزوال، أي: إذا استاك الصائم بعد الزوال، كما هو عند الشافعية ورواية عند الحنابلة، ولكن هذا القول ليس بقوي، وأكثر العلماء -وهو التحقيق- أنه لا يكره في الصيام لا قبل الزوال ولا بعد الزوال، وعمدة الذين يقولون بالكراهة بعد الزوال قالوا: لأنه يزيل الخلوف الذي هو من مميزات الصائم، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. فأجيب عن هذا: بأن هذا الخلوف من خلو المعدة، والسواك لا يزيل ما يخرج من المعدة ولا يدخل المعدة، فمصدر الخلوف من المعدة، وهذا السواك للأسنان، فهو يزيل وسخ الأسنان ولا يزيل الخلوف الذي بسبب خلو المعدة من الطعام. ثم استدل بعضهم بقوله: (عند كل صلاة) على استحبابه للفرائض والنوافل؛ لأن قوله: (عند كل صلاة) يشمل كل الصلوات، الفريضة والنافلة، ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة وما ضاهاها من النوافل التي ليست تبعاً لغيرها، بمعنى: أنه إذا كان قبل الظهر أربع وبعدها اثنتان، فيصليها مباشرة، فالسواك لهذه كلها واحد، فيتسوك سواكاً واحداً للصلاة في السنة الراتبة والفريضة والسنة التي بعدها، وكذلك سنة المغرب لا تحتاج إلى سواك منفصل، وسنة العشاء، لكن هب أن هناك سنة منفصلة عن الفرض لا علاقة لها به، مثل صلاة العيد، فعند ذلك يكون السواك لها وجيهاً؛ لأنها صلاة نافلة ليست تبعاً لغيرها. وجاء في رواية عند أحمد: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضئون) وفي رواية: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك) فسوى بينهما. وكما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة إلا إذا طال الفصل كما قال بعضهم، أو قالوا: لا يندب الوضوء إلا إذا دخل وقت الصلاة الجديدة؛ فلذلك لا يندب أن تتوضأ إذا لم ينتقض وضوءك بعد الظهر مثلاً إلا إذا دخل وقت صلاة العصر، فعند ذلك يكون تجديد الوضوء سنة ومستحباً، ولا يشرع لك ولا يندب أن تجدد الوضوء من غير ناقض داخل وقت الصلاة الواحدة. فإذا ربطنا السواك بالوضوء سنخرج بنتيجة أيضاً: أن السواك للصلاة الفريضة وما يتبعها من تحية المسجد والسنن النوافل -مثلاً- لا يندب كالوضوء، ويمكن أن يقال: إن الوضوء أشق من السواك. وقد جاء عند ابن ماجة من حديث ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ثم ينصرف فيستاك) وإسناده صحيح، لكن هذا بالبحث -كما ذكر ابن حجر ﵀ يتضح أنه مختصر من حديث طويلٍ رواه أبو داود، بين فيه أنه تخلل بين الانصراف والسواك نومٌ، أي: أن حديث ابن ماجة المذكور هنا: (كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ثم ينصرف فيستاك) فيه اختصار من حديثٍ آخر يبين أنه تخلل الانصراف من الركعتين والسواك نوم، فلما قام من النوم صار هناك وجاهة للسواك، كما أنه إذا قام من النوم سيتوضأ.

стр. 121

الحكمة من استحباب السواك عند كل صلاة والحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة: كون الصلاة مناجاة للرب ، فاقتضى أن تكون على حال كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة وهي الصلاة. ومن الفوائد أيضاً: أن الأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي؛ فإنه قد جاء في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم: (أن الإنسان إذا قام فتسوك وتطهر وصلى وقرأ القرآن، لا يزال الملك يدنو منه حتى يضع فاه على فيه -حتى يضع الملك فاه على فم المصلي- فلا يخرج منه قرآن إلا دخل في جوف الملك). إذاً: حتى يكون الملك غير متأذٍ، فإن السواك يفيد بالإضافة للأدب مع الرب الأدب مع الملائكة. وقد ذكر النبي ﵊ أنه قد أكثر علينا في السواك فقال: (أكثرت عليكم في السواك) أي: بالغت في تكرير طلبه منكم وإيراد الأخبار المرغبة فيه؛ فحقيق أن تفعلوا ما دام أني قد أكثرت عليكم ورغبتكم فالمتوقع منكم أن تفعلوا، وحديث: (أكثرت عليكم في السواك) رواه البخاري رحمه الله تعالى. إذاً: السواك عند كل صلاةٍ مندوبٌ إليه.

стр. 122

السواك من سنن الفطرة ولا ننس أن السواك من سنن الفطرة التي ذكرها النبي ﷺ وقال: (عشرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم -وهي العقد التي في الأصابع ويمكن أن تحتشي فيها الأوساخ- ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء -أي: الاستنجاء- قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) الحديث رواه مسلم. إذاً: السواك من سنن الفطرة.

стр. 123

وقت استعمال السواك عند الوضوء أما بالنسبة لقوله ﷺ : (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي رواية: (عند كل وضوء) فنحتاج أن نعرف متى يستعمل السواك. اتفق أهل المذاهب الأربعة على أن السواك سنة عند الوضوء، لكن اختلفوا هل هو من سنن الوضوء، أم سنة منفصلة عن الوضوء؟ وهذا التفريق ليس من ورائه طائل كبير فذهب الحنفية والمالكية وهو رأي عند الشافعية: أن الاستياك سنة من سنن الوضوء؛ لأنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) وفي رواية: (لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء). وقال الحنابلة -وهو الرأي الأوجه عند الشافعية-: أن السواك سنة خارجة عن الوضوء، متقدمة عليه وليست منه، إذاً: متى تفعل؟ تفعل قبل الوضوء، والمذاهب الأربعة متفقة على أن السواك قبل الوضوء. ماذا يترتب على هذا الخلاف؟ ذكرنا أن هناك خلافاً هل هو من سنن الوضوء، أم هو منفصل عن الوضوء، فماذا يترتب على الخلاف من الناحية العملية؟ العلماء متفقون على أنه قبل الوضوء، لكن لو كان من سنن الوضوء فمعنى ذلك أن نقول: باسم الله، ونتسوك ثم نغسل الكفين، ولو أنه ليس من سنن الوضوء فنتسوك ثم نقول: باسم الله، ثم نغسل الكفين. فهل هو قبل التسمية أو بعدها؟ هذا هو فائدة الخلاف أو ثمرة الخلاف من الناحية العملية، والمسألة سهلة إن شاء الله. فإذا قلنا: إنه خارج عن الوضوء -سنة منفصلة- فإنك إذا أردت أن تطبق السنة وتأخذ أجر تطبيق السنة فتستاك أولاً، ثم تسمي الله، ثم تشرع في غسل الكفين. وماذا لو تيمم أو اغتسل؟ إذا كان التيمم بديلاً عن الوضوء فأن الاستياك يشرع حتى ولو تيمم، وتبعاً لهذا فإنه يستاك قبل التيمم؛ قبل أن يبدأ بضرب الكفين على الأرض، وكذلك في الغسل قبل أن يفيض الماء عليه. وماذا بالنسبة للصلاة؟ ذكرنا قبل قليل أن الاستياك للصلاة فرضها ونفلها، وذكرنا التفصيل في قضية الوقت، ولو نسي قبل الفريضة وتذكر قبل الراتبة التي بعد الفريضة فماذا يفعل؟ أي: واحد نسي التسوك قبل الفريضة، ولما انتهى من الفريضة وأراد أن يصلي السنة الراتبة التي بعد الفريضة -بعد المغرب أو العشاء أو الظهر- فإنه يستاك بعد الفريضة وقبل الراتبة.

стр. 124

مواضع يستحب فيها السواك وهناك أمورٌ أخرى يستحب لها السواك، مثل: قراءة القرآن ولو كان خارج الصلاة، وألحق العلماء بهذا الأمر قراءة الحديث أو حضور مجالس العلم، حتى قال بعضهم: يستحب في سجدة التلاوة؛ لأنها من جنس الصلاة، وقد اشترطوا لها الوضوء واستقبال القبلة وستر العورة -وهم الجمهور- قياساً على الصلاة، فقالوا: حتى إذا أراد أن يسجد للتلاوة يستاك، لكنهم قالوا: محلها بعد فراغ الآية وقبل سجدة التلاوة، لذا كان خارج الصلاة، فالسواك قبل الصلاة. ويستحب عند ذكر الله عموماً، قال بعضهم: يندب أن يزيل وسخ الفم وقلح الأسنان بالسواك لذكر الله تعالى، والملائكة تحضر مجالس العلم، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كانوا يحضرون مجالس العلم فإن السواك من آداب مجالس العلم، ولأن الملائكة يحضرون الميت قالوا: لو تسنى للمحتضر أن يستاك فليستك، وقد ورد أن النبي ﵊ تسوك قبيل موته، فقالوا: إذا تمكن المحتضر من الاستياك أو أشار أن يعطوه سواكاً فليعطوه قبل الموت، فالملائكة تحضر، حتى قالوا: إنه يسهل خروج الروح ونحو ذلك، وهذا الله أعلم به وهو من أمور الغيب، لكن النبي ﷺ ثبت أنه استاك وهو يحتضر. ويستحب كذلك الاستياك عند قيام الليل، وسيأتي الحديث فيه عن النبي ﷺ . ويستحب -أيضاً- الاستياك لمجامع الناس؛ فإن الإنسان إذا أراد أن يذهب إلى الناس، خصوصاً إذا كان قادماً من سفر وهناك معانقة كأن يسلم على عالم مثلاً، ويقترب منه، ويضع وجهه قبل وجهه، أو سائل يسر إلى عالمٍ بشيء أو نحو ذلك. وكذلك عند الذهاب إلى المسجد، فإنه من تمام الزينة، والمسجد فيه اجتماع الملائكة واجتماع الناس، وتطييب الرائحة فيه مؤكد. وقالوا أيضاً: إن السواك مستحب للالتقاء بالأهل، ودليله قوي وهو حديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك) الحديث رواه مسلم فيتزين للقاء زوجته وأهله كما يحب أن تتزين له، ولذلك قالوا: حتى عند الجماع؛ لأن فيه ملامسة الرجل المرأة والاقتراب منها، وكذلك عند القيام من النوم لتغير رائحة الفم، وإذا تغير بعطشٍ أو جوعٍ أو اصفرار أو غير ذلك، ويستعمل السواك عند الفراغ من الطعام أيضاً. وعموماً حديث: (السواك مطهرةٌ للفم مرضاة للرب) معناه: في أي وقتٍ من ليل أو نهار يمكن أن يستعمله.

стр. 125

مسائل متفرقة في السواك وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ في كيفية التسوك أشياء فمن ذلك:

стр. 126

إمرار السواك على اللسان وهي سنة مجهولة عند كثيرين، عن أبي بردة عن أبيه قال: (أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواكٍ بيده يقول: أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع) رواه البخاري. ومعنى يستن: من السِّن أو من السَّن، بكسر السين من السِّن؛ لأن السواك يمر على الأسنان، وبالفتح يقال: السَّن؛ لأنه يسن الأسنان أي يحدها، فيكون مأخوذاً من سن السكين وسن المقص، وهذا السواك يسن الأسنان. وقوله: (أع) يسمى في اللغة: حكاية فعل، الراوي يريد أن يحكي ما هو الصوت الذي صدر من النبي ﵊. فجعل السواك على طرف لسانه، والمراد الطرف الداخل وليس الطرف الخارج، كما جاء في رواية أحمد: (يستن إلى فوق) ولهذا قال هنا: كأنه يتهوع، أي: يتقيأ، له صوتٌ كصوت المتقيئ، كما ذكر في الحديث، فيستفاد منه مشروعية السواك على اللسان طولاً، وهذه سنة مجهولة، فلا يقتصر على الأسنان، بل يسوك اللسان طولاً حتى يدخل إلى الداخل حتى كأنه يتهوع. ففيه أن السواك لا يختص بالأسنان، وإنما يشمل اللسان أيضاً، وأن التنظيف والتطييب فيه إزالة الأذى عن كل ما هو داخل الفم.

стр. 127

التسوك عند الاستيقاظ من النوم وقد كان ﵊ يستاك ليلاً، ويحضر له سواكه، وقد جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً سأل عائشة ﵂ فقال: (أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ألست تقرأ (يا أيها المزمل)؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء -إذاً: سورة المزمل نزلت على دفعتين بينهما سنة- حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة، قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كنا نعد له سواكه -فالمرأة من برها بزوجها وإعانتها له على العبادة وعلى تطبيق السنة أن تعد السواك لزوجها- قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه -وهذه إحدى الكيفيات لقيام الليل- فيقرأ ويقوم الليل). وأيضاً جاء عن ابن عباس ﵄: (أنه رقد عند رسول الله ﷺ ، قال: فاستيقظ وتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ) الحديث رواه مسلم. وهذا فيه سنة مهجورة أو مجهولة، وهي قراءة آيات آل عمران عند القيام من النوم، فبعد القيام من النوم يتسوك ويتوضأ ويقرأ الآيات ثم يفتتح صلاة الليل فمتى تكون قراءة آيات آل عمران؟ بعد السواك والوضوء يقرأ آيات آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠] إلى آخر السورة، ثم ويكبر ويصلي قيام الليل، والحديث في صحيح مسلم. وإذا تكرر نومه واستيقاظه فيكرر قراءته لها، ولو نام يكرر أيضاً السواك، فلو أن رجلاً قام وقرأ الآيات وصلى، ثم نام، ثم قام قبل الفجر وأراد أن يصلي فإنه يقرأ، كما جاء في روايةٍ أخرى عند مسلم: عن ابن عباس: (أنه بات عند النبي ﷺ ذات ليلة، فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل، فخرج فنظر في السماء ثم تلا هؤلاء الآيات من آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية) فإذاً: لو تكرر القيام يكرر هؤلاء الآيات. وفيه سنة أخرى وهي: النظر إلى السماء عند تلاوة الآيات، كما ذكر النووي ﵀: يستحب السواك عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠] وهو ينظر إلى السماء. وقد جاء في كيفية السواك في الليل حديث حذيفة: (كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) رواه البخاري. (يشوص) هو الغسل والتنظيف والتنقية، وقيل: هو الإمرار على الأسنان من أسفل إلى فوق، وهو مأخوذ من الشوصة، وهي ريح ترفع القلب عن موضعه، وقيل: هو دلك الأسنان بالسواك أو الأصابع عرضاً، وهذا عكس الأول فهذه من الأقوال في الشوص، فإذا أراد أن يفعله طولاً أو يفعله عرضاً فله ذلك كله؛ لأن المقصود أن يحصل التطييب والتنقية. وهذا فيه فضل السواك عند القيام من النوم؛ لأن الفم يكون متغير الرائحة لتصاعد الأبخرة من المعدة، والسواك آلة للتنظيف. وقوله: (من الليل) عام في كل حالة، فلو نام شخص في النهار حتى في القيلولة، وقام وقد تغيرت رائحة الفم فإنه يستاك، ولكن يتأكد إذا قام من الليل للصلاة فإن الملك يأتي، وفيها مناجاة الرب، فيتأكد أكثر، ويكون به كمال الهيئة والتأهب للصلاة، وهو يدل على طول القيام. وقوله: (إذا قام للتهجد) أي: لعادته، وقد سبق التنبيه إلى أن التهجد لا يسمى تهجداً إلى إذا كان بعد نوم، أما قيام الليل فيسمى قياماً ولو لم يسبقه نوم، فلو قام بعد صلاة العشاء بعدما صلى الراتبة يصلي الوتر أو قيام الليل، فإنه يسمى قيام ليل، لكن لا يسمى تهجداً إلا إذا سبقه نوم، وقام من النوم إلى الصلاة.

стр. 128

دفع السواك إلى الأكبر ومن السنن المتعلقة بالسواك: ما عنون له البخاري ﵀ في صحيحه: باب دفع السواك إلى الأكبر عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما) رواه البخاري. قوله: (أراني) من الرؤية، وفي رواية: (رأيت في المنام) وعلى هذا فيكون من الرؤيا بالألف، (فقيل لي) القائل هو جبريل ﵇، (كبر) أي: قدم الأكبر في السن، وجاء هذا الحديث عند أحمد والبيهقي بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ يستن فأعطاه أكبر القوم ثم قال: إن جبريل أمرني أن أكبر) وهذه الرواية تقتضي أن القصة هذه وقعت يقظةً، والذي قبلها يفهم منها أنها وقعت في المنام، فكيف نجمع بينهما؟ نقول: إن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم ﵊ بما رآه في المنام تنبيهاً على أن أمره بذلك بوحي متقدم. وجاء بإسنادٍ حسنٍ عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان، فأوحي إليه أن أعط السواك الأكبر) وفي هذا احترام كبير السن وتقديم ذي السن في السواك. وهنا في كلام ابن بطال ﵀ في شرح صحيح البخاري جوابٌ على سؤالٍ يرد كثيراً: بمن نبدأ؟ قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، فإذا كان عندك جماعة يريدون أن يتحدثوا فإنه يبدأ الأكبر فيهم، وإذا أردت أن تدخل مع أحد من الباب وهو الأكبر قدِّم الأكبر، وإذا أردت أن توزع أشياء على أشخاص كأن تريد أن تعطي شراباً في المجلس فابدأ بالأكبر ثم من عن يمينه، لتجمع بين هذا وهذا، لكن إذا لم يكونوا مترتبين في الجلوس، كأن يكونوا واقفين وجئت ومعك إناء لبن فإنك تعطي الأكبر، فإذا ترتبوا في المجلس فالسنة تتعين إعطاء الأيمن، قال بعضهم: أيمن الأكبر، أي: يبدأ بالأكبر، ثم من عن يمينه، كما قدم للنبي ﵊ الإناء فأعطى الأعرابي ولم يعط أبا بكر؛ لأن الأعرابي كان عن يمين النبي ﵊، هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة حينئذٍ تقديم الأيمن، وقد أقر ابن حجر هذا الكلام بقوله: وهو صحيح.

стр. 129

جواز التسوك بسواك الغير بإذنه والحديث السابق فيه إشارة إلى مسألة، وهي التسوك بسواك الغير (أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان فناولت الأصغر فقيل: كبر، فدفعته للأكبر) لذلك أخذوا منه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن المستحب أن يغسله ثم يستعمله، وفيه حديث عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك ثم أغسله ثم أدفعه إليه) ترجو بركة ريقه. إذاً: من السنن غسل السواك، فكان يعطيها السواك لتغسله فتستاك به ثم تغسله ثم تناوله إياه، وهذا يدل على عظيم أدبها وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداءً حتى لا يفوتها الاستشفاء أو التبرك المشروع بريقه ﷺ ، ثم غسلته تأدباً وامتثالاً لما أمرها به ﷺ . ومن فوائد غسل السواك: تليينه بعد جفافه؛ لأن السواك يتعرض للجفاف، فالغسل يفيد في تنظيفه وتليينه، وهذه سنة الغسل؛ لأن التسوك بالسواك الجاف يسبب جرح اللثة وخروج الدم. وقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه: باب من تسوك بسواك غيره وساق حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه ﷺ -وكان في حجر عائشة في آخر العمر عند وفاته- فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقلت له: -تقول عائشة لأخيها-: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن! فأعطانيه فقصمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله ﷺ ، فاستن به وهو مستند إلى صدري) رواه البخاري. إذاً: النبي ﵊ استعمل سواك غيره بإذنه، فدل على أن استعمال سواك الغير بإذنه لا حرج فيه، لكن يغسل أولاً ثم يستعمله، أو يقص مكان الاستعمال ثم يستعمله بعد ذلك، كما بينت ذلك بقولها: (فقصمته) أي: كسرته، قال بعضهم: (قضمته) بالضاد، وهو الأكل بأطراف الأسنان، فيحمل الكسر على كسر موضع الاستياك، ولا ينافي حصول الثاني وهو القضم، فتعيين عائشة موضع الاستياك بالقطع والمضغ حتى يلين، وريق الزوجة لزوجها والزوج لزوجته حاصل، فقد كان ﵊ يمص لسان عائشة ﵂. والنبي ﵊ مع كونه في هذه الحالة، في فراش الموت، والمرض الذي شغله، لكنه ما نسي السواك، وهو لم يستطع أن يتكلم فأشار، أو أنه لم يرد أن يتكلم فأشار وفهمت عائشة الإشارة؛ ودلَّ ذلك على التمسك بالسواك حتى في المرض، فقد كان النبي ﵊ حريصاً عليه حتى في مرضه، وقد جاء عند البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل عبد الرحمن على النبي ﵊ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبدَّه رسول الله ﷺ بصره -أي: مد نظره إلى السواك- فأبدَّه رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك -هذه عائشة عندها فطنة وانتباه وذكاء- فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استناناً قط أحسن منه -استعداداً للقاء الملأ الأعلى- فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى ثلاثاً، ثم قبض، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي) وقالت: [مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري] والسحر هو: الرئة، يقال: انتفخ سحره، أي: انتفخت رئته، ويكون ذلك من الخوف وغيره. فإذاً: حصل ذلك الاستياك على مشارف خروج روحه ﵊، وكان ذلك تهيئاً للقاء ملك الموت وملائكة الرحمة.

стр. 130

الوضوء بالماء المنقوع فيه السواك ومما يتعلق بالسواك: ما جاء عن جرير بن عبد الله ﵁ أنه أمر أهله أن يتوضئوا بفضل سواكه، والمقصود به التطهر، والمقصود بفضل السواك الماء الذي يبقى. قال بعضهم: إن الوضوء بفضل الماء المنقوع فيه السواك هو المقصود بحديث جرير، أي: إن وضع السواك في الماء لا يغير الماء بل يبقى على الطهارة، فإذا استعمله فلا بأس بذلك: [توضئوا من هذا الذي أدخل فيه سواكي] كما جاء في رواية، فلو توضأ إنسان من ماءٍ وضع فيه سواك شخصٍ آخر فلا حرج في ذلك، وكان جرير يقوله لزوجته.

стр. 131

السواك ليوم الجمعة والتسوك للمرأة السواك ليوم الجمعة من الأمور المؤكدة؛ لما خصت به الجمعة من طلب تحسين الظاهر من الغسل والتنظيف والتطيب، ويناسب ذلك تطييب الفم الذي هو محل الذكر والمناجاة، وإزالة ما يؤذي الملائكة وبني آدم. وأما بالنسبة للمرأة فإن السواك لها أيضاً، وليس هو من خصائص الرجل، ومما يدل على ذلك حديث مسلم عن عروة بن الزبير قال: [كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن] أي: تتسوك؛ لأن السواك له صوت.

стр. 132

آلة السواك يتسوك بكل عودٍ لا يضر وقسمه بعض الفقهاء إلى أربعة أقسام بحسب أفضليته، فاتفقوا على أن أفضلها هو الأراك -عود الأراك المعروف المشهور- لما فيه من طيبٍ وريحٍ وتشعيرٍ، فهذا النوع فيه تشعير، فشعرات السواك هي التي تخرج ما احتشى في الأسنان وتنقي، وقد جاء في حديث وفد عبد القيس أنه أمر لهم بأراك وقال: (استاكوا بهذا) وفي إسناده من تفرد به. ويليه بعد ذلك جريد النخل، وقيل: إن النبي ﵊ قد تسوك به، وهذا يحتاج إلى إثبات الحديث. ثم يليه ما أخذ من شجر الزيتون لأنها شجرة مباركة. ثم بعد ذلك بكل ما له رائحة طيبة ولا يضر، من قضبان الأشجار الناعمة التي لا تضر ولها رائحة طيبة، فالمقصود: أي شيء يحصل به التطييب والتنظيف. فإن قيل: فرشاة الأسنان؟ ف الجواب فرشاة الأسنان يحصل بها المقصود من جهة التنظيف والتطييب؛ لأن الشعيرات هذه هي شعيرات بلاستيكية أو مصنوعة من نايلون أو غيره من المواد الصناعية، فيحصل بها المقصود، لكن إذا قال قائل: ما هو الأفضل السواك أم فرشاة الأسنان؟ الجواب: السواك أفضل، فإن قال: أجمع بينهما؟ نقول: خيرٌ على خير اجمع بينهما، خصوصاً أن بعض المعاجين قد يكون فيها علاج أو تقوية، لكن هؤلاء الكفار اكتشفوا أن السواك فيه مواد مقوية للثة، حتى جعلوا معاجين أسنان مستخلصة من السواك. ويكره الاستياك بكل عودٍ يدمي، مثل: الآس والطرفاء، أو يحدث ضرراً مثل الرمان أو الريحان كما قال بعضهم، وهذا يعرف بالاستعمال والتجربة. ويحرم الاستياك بكل عودٍ سام، ويستحب أن يكون السواك عوداً متوسطاً في غلظ الخنصر وهو أنحف أصابع اليد، خالٍ من العقد، لا رطباً يلتوي، ولا يابساً يجرح، وألا يتفتت في الفم، أن ويكون ليناً، ليس في غاية النعومة ولا غاية الخشونة، وهذه مسألة تعرف بالتجربة، فالواحد يختار السواك الذي فيه الفائدة. وأما بالنسبة للعلك؛ فإن بعض العلك يمكن أن يؤدي شيئاً من الدور في التنظيف أو التقوية، ولكنه لا يؤدي كل الوظيفة، خصوصاً أنه لا يزيل ما احتشى بين الأسنان، أما الاستياك بالإصبع فقد تكلموا أنه لا بأس به، فإذا ما وجد الإنسان سواكاً بعد الأكل فإنه يغسل إصبعه ويدلك بها أسنانه فهم تكلموا عن مسألة الاستياك بالإصبع عند عدم وجود غيره.

стр. 133

هل يمسك السواك باليمنى أو اليسرى ؟ بعضهم يستحب إمساك السواك باليمنى؛ لأن المنقول عن النبي ﷺ : (كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) جاء في رواية: (وسواكه) لكن بعض العلماء فصل في هذا فقال: إذا كان عند الصلاة وعند الوضوء استعمل اليمنى، وإذا كان لمجرد التنظيف، تريد أن تنظف أسنانك فقط لا عند وضوء ولا عند صلاة ولا عند قيام الليل فاجعله باليسرى. وإذا كان المقصود به العبادة وكان على مشارف العبادة فباليمنى، وإذا كان لمجرد التنظيف، فالتنظيف مثل: الاستنجاء والاستنثار من الأنف، فيكون باليسرى، والمسألة واسعة.

стр. 134

كيف يكون الاستياك ؟ يكون الاستياك طولاً أو عرضاً، ولا بأس بذلك، لكن استعماله طولاً ثبت في السنة في اللسان، واستعماله طولاً في الأسنان وارد لكنه يجرح اللثة، وقد ورد حديث أنه كان يستاك عرضاً ولا يستاك طولاً، لكنه لم يصح عن النبي ﵊، فيتبع ما يريح الإنسان ويؤدي القصد، فإذا كان الاستياك عرضاً على الأسنان أنفع وطولاً على اللسان كما ثبت في السنة فليكن ذلك. ومن لا أسنان له فله أن يستاك على اللثة واللسان وسقف الحلق؛ لأن تغيير الرائحة حاصل حتى في هذا. ويستحب ألا يستاك بحضرة الجماعة؛ لأنه ينافي المروءة، ولعل من الأحسن ألا يكون في حال التنظيف، لكن النبي ﵊ استاك أمام الآخرين، وجاءه مرة ناس يكلمونه، وطلب واحد منهم عمل، فقلصت شفته على السواك ﵊، وامتعظ من الطلب، فقد كان يتسوك وقلصت شفته على السواك. أما الاستياك في المسجد فينبغي أن يحذر منه الذين يفتتون بقايا السواك في المسجد، فإن هذا ليس من الأدب؛ لا بحضرة الناس ولا في بيت الله، بل هو من قلة الأدب، والإخلال بالمروءة، والإسلام دين يراعي كل هذه الأشياء. ويحفظ السواك بعيداً عما يستقذر؛ لأن بعض الناس يضعونه في الأماكن المكشوفة، ويلقيه بأي مكان ثم يأخذه ويستاك به، وربما يكون علق به من الأوساخ ما علق، ولذلك يغسله في هذه الحالة ويكرر التسوك حتى تزول الرائحة ويطمئن إلى النظافة، ولا حد لأكثره، وأقله بحسب ما يحصل به المقصود. ومن السنة أن يبدأ باليمين -يمين الفم- قبل الشمال للعموم في التيامن، وإذا عرف من عادته إدماء السواك فمه استاك بلطف. فإذا كان أحد يعرف أنه مجرد ما يستعمل السواك على اللثة ينزل دم لضعفها، فليستك بلطف، وإذا لم يتمضمض فلا يستك قبل الصلاة إذا كان يعلم أنه يخرج دم، فلا يستك على اللثة، بل يجعله على اللسان والأسنان. هذه بعض الأمور المتعلقة بالسواك. نسأل الله أن يرزقنا اتباع سنة نبيه ﷺ ، والله تعالى أعلم.

стр. 135

آداب الصحبة إن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يكون له أصدقاء وإخوان؛ لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، وقد جاءت أحاديث في السنة النبوية تدل على فضل الأخوة وعِظَم منزلتها إذا كانت خالصة لله تعالى ليس فيها أي غرض من أغراض الدنيا، وإن أفضل طريقة لدوام الصحبة والمحافظة عليها هي الالتزام بآداب الصحبة، والتي ذكر الشيخ منها في هذا الدرس آداباً كثيرة.

стр. 136

أهمية الالتزام بآداب الصحبة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة أيها الإخوة عن أدب آخر من الآداب الشرعية ألا وهو "آداب الصحبة". وآداب الصحبة كثيرة, والصحبة ولا شك من الأمور المهمة للغاية, فإن الإنسان اجتماعي بطبعه ولا بد أن يكون له إخوان وأصحاب و (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) كما قال النبي ﷺ . والله قد أوصى النبي ﷺ بأصحابه خيراً فقال الله : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣] وإذا كان الإنسان على دين خليله فلا بد أن يكون لهذا الخليل صفات تجعل مصاحبته في مرضاة الله , والصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك، وقد أوصى أهل العلم بوصايا فقال أحدهم: لا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه فكم من جاهل أردى حليماً حين آخاه يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه وللشيء من الشيء مقاييس وأشباه وللقلب من القلب دليل حين يلقاه ولا شك أن الاعتناء بآداب الصحبة يربط الإخوان ببعضهم البعض, ويجعل المسلمين جسداً واحداً كما يريد الله ، وكما قال النبي ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وإذا اعتنى الإنسان بإخوانه فصفت العشرة ودامت المودة، وأصبح المؤمنون كالجسد الواحد؛ كان ذلك بناء عظيماً للمجتمع الإسلامي، وسداً منيعاً في وجه الشرّ وأهل الكفر.

стр. 137

آداب الأخوة فتعالوا بنا نستعرض بعض آداب الأخوة التي ذكرها بعض أهل العلم, فمن آداب الأخوة: أولاً: حسن الخلق، وقد أخبر النبي ﷺ أن خير ما يُعطَى الإنسان خلق حسن, كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وأمر النبي ﷺ بمخالطة الناس بالخلق الحسن, فقال ﷺ : (وخالق الناس بخلق حسن) وهو اقتداء بالرسول ﷺ . ولا شك أن حسن الخلق يولد الأخوة ويؤلف الطباع. ومن آداب الصحبة أيضاً أن تعطي كل أحد من الذين تصاحبهم حقه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم, قال بعض أهل العلم: للمعاشرة أوجه، فللمشايخ والأكابر بالاحترام والخدمة والقيام بأشغالهم, وللأقران والأوصاف بالنصيحة وبذل الموجود، وللتلاميذ بالإرشاد والتأديب، والحمل على ما يوجبه العلم وآداب السنة. ومن آداب الأخوة كذلك: الإغضاء عن العثرات, فعثرات الإخوان لا بد من حصولها, والصفح عنها من قيم الصاحب المؤمن, قال الفضيل بن عياض ﵀: "الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان" وكما يحب الإنسان أن يعامل إذا أخطأ بالصفح والتغافر فينبغي كذلك أن يعامل إخوانه, قال ابن الأعرابي: "تناسَ مساوئ الإخوان يدم لك ودهم ". ولا شك أن الذين لا يتناسون عثرات إخوانهم يقعون في مأزق عندما يفقدونهم الواحد تلو الآخر, والله قال لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] ما هو الصفح الجميل؟ الذي ليس فيه تقريع ولا تأنيب وإنما هو معاتبة للرفيق, والمؤمن يألف ويؤلف, ومن الأشياء التي تجعل الإنسان يؤلف أن يتغاضى عن عثرات إخوانه. وكذلك من الآداب: ستر عيوب الإخوان وتحسين عيوبهم, فبعض الناس قد يجد في أخيه عيباً؛ فالموقف أن يحاول إصلاح عيبه، وأن يرشده إلى الطريقة التي به يقوم عيبه, ويستر عيوبهم؛ بمعنى أنه لا يشيعها ولا يتطلبها, ولذلك قال بعض السلف: المؤمن يطلب معاذير إخوانه, والمنافق يطلب عثرات إخوانه, وينبغي على الإنسان إذا أخطأ أخاه أن يلتمس له الأعذار الكثيرة، وإذا لم يقبل عذره فليتهم نفسه، كيف تطلب كل هذه الأعذار ثم لا تقبلها؟ ومن آداب الأخوة: أن يعاشر من يوثق بدينه وأمانته في الظاهر والباطن؛ لأن الله قال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ولذلك لا خير في مصاحبة أهل الدنيا؛ لأن أهل الدنيا يدلون على طلبها وجمعها ومنعها, ولا شك أن هذا يبعد الإنسان عن سبيل النجاة، وإنما يعاشر أهل الخير ومن يدله على طلب الآخرة، ولذلك أوصى بعضهم صاحباً له يريد مفارقته بقوله: "عليك بصحبة من تسلم منه بظاهر أمرك، وتبعثك على الخير صحبته، ويذكرك الله رؤيته أي: رؤيته تذكرك بالله، هذا الذي تحرص على صحبته. وكذلك من آداب الصحبة: ألا يحسد إخوانه على ما يراه من النعم عندهم, لأن الله قد فاوت بين العباد في الأرزاق والعطيات، والمواهب والأموال، ونحو ذلك, فينبغي على الأخ إذا آخى أخاً له ألا يحسده على نعمة عنده, وأن يحمد الله أن وهبها الله لأخيه, والله قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] وقال النبي ﷺ : (لا تحاسدوا). وكذلك من آداب الصحبة: ألا يواجه أخاً من إخوانه بما يكرهه, فإذا كان يكره أمراً معيناً فلا يواجهه به، ما لم يكن في ذات تلك المواجهة مصلحة له أو نصيحة في الدين. ومن آداب الصحبة: ملازمة الحياء مع الأخ، فقد قال النبي ﷺ : (الحياء من الإيمان) وقال ﵊: (استحي من الله كما تستحي رجلاً صالحاً من قومك) بل استحي من الله أعظم مما تستحي من رجل صالح من قومك, لكن ضربه مثلاً للتقريب. وكذلك من آداب الأخوة: بشاشة الوجه، ولطف اللسان، وسعة القلب، وإسقاط الكبر. ومن آداب الأخوة: ألا يصحب إلا عاقلاً وعالماً، وحليماً تقياً فإن صاحب العقل مهم, بالإضافة إلى كونه صاحب دين. وكذلك من آداب الأخوة: سلامة الصدر للإخوان والأصحاب، والنصيحة لهم، وقبول النصيحة منهم, وأن يكون كما قال الله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] وأن يكون صاحب صدر سليم؛ خال من الأحقاد والضغائن على إخوانه. وكذلك من آداب الأخوة: ألا يخلف الإنسان وعده, إذا وعد أخاه لا يخلفه؛ لأن إخلاف الوعد من علامات النفاق كما قال ﷺ : (آية المنافق ثلاث وذكر منها إذا وعد أخلف) وقال الثوري ﵀: "لا تعد أخاك موعداً فتخلفه فتستبدل المودة بغضه " يحل محل المودة البغض, وقال نصر المروزي ﵀: يا واعد الوعد الذي أخلفا ما الخلف من سيرة أهل الوفا ما كان ما أظهرت من ودنا إلا سراجاً لاح ثم انطفا ومن آداب الأخوة: أن يصحب من يستحي منه ويحتشمه وقال بعضهم: أحب الطاعات بمجالسة من يستحيا منه, وقالوا كذلك: ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشم, وما المقصود بصحبة من لا تحتشم أي: الذي لا تستحي أن تفعل أمامه من المنكرات ما شئت, هذا لا تصحبه, لأنك مهما فعلت من الأخطاء والمنكرات فإنك لا تشعر بالحشمة. لا تحتشم أي: لا تقيم له وزناً, احرص على مصاحبة الشخص الذي تستحي من فعل أو قول المنكر أمامه، احرص على مصاحبة الشخص الذي تحتشم وتحرص على ألا يظهر منك عيب ولا خلل أمامه, لأن كثرة مصاحبة هؤلاء توجب للإنسان الابتعاد عن هذه السيئات, أما إذا صاحب أشخاصاً من السفلة الذين لا يستحي أن يسمع أمامهم منكراً أو يقول أمامهم منكراً؛ فلا شك أن هذا سيجرؤه على المنكرات, بل ربما أعانوه عليها. وكذلك من آداب الأخوة: أن يحفظ إخوانه فيما يصلحهم لا ما يريدونه, فإن الصاحب قد يريد منكراً أو يريد شراً فأنت لا تحرص على تلبية رغبته لأنه يريد منكراً, والمؤمن يعاشرك بالمعروف، ويدلك على صلاح دينك ودنياك, والمنافق يعاشرك بالممادحة ويدلك على ما تشتهيه, فهذا الفرق بين مصاحبة المؤمن ومصاحبة المنافق. وكذلك من آداب الصحبة: ترك ما يؤذيه عموماً بالمواجهة أو بغيرها, لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] ومن آداب الصحبة: أن تحب له ما تحب لنفسك، كما قال النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). ومن آداب الصحبة: أن تحرص على ما يجلب المودة بينك وبينه كما قال عمر ﵁: [ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته, وتوسع له في المجلس, وتدعوه بأحب الأسماء إليه]. ولا شك أن السلام من أسباب المحبة وإذا وسعت له في المجلس إذا دخل دل ذلك على قيمته عندك, وعلى حرصك على راحته, وعلى إكرامك له, والنفوس ترتاح لمن يكرمها، وإذا دعوته بأحب الأسماء إليه فإن ذلك أيضاً من أسباب محبته لك, فإن النفوس لا ترد من يناديها باسم فيه عيب أو فيه نوع من السخرية. وكذلك من آداب الأخوة: أن تحمل كلامه على أحسن الوجوه: فإذا وجدت لكلامه وجهاً حسناً فاحمله عليه, وضع أمر أخيك على أحسنه. ومن آداب الأخوة: السؤال عن اسمه واسم أبيه وعن منزله، لئلا تقصر في حقه, فإنك إذا عرفت أسماء أقاربه كان ذلك سبباً في مودته, لأنك إذا عرفتهم في مناسبة أو مكان فأكرمتهم من أجله؛ فإن هذا من الأسباب التي تقوي العلاقة بينك وبينه, فإذا عرفت أن أباه فلان وأخاه فلان وابن عمه فلان وغير ذلك, وأن صديقه فلان، كان برك لهم من برك له. وكذلك من آداب الأخوة: أن تلازم الأخوة ولا تقطعها ولا تمل منها, فإن بعض الناس يصاحبون الأشخاص لفترات قصيرة ثم يتركونهم, ويكون همه هو التعارف والمداخلة ثم الخروج وهكذا, والأخوة الحقيقة هي التي تدوم ويحرص الإنسان على الالتزام بها, لا تركها ومفارقتها, ولا شك أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل, وقد قال بعضهم: ليس لملول صديق, والملول: الذي يمل من كل أحد فيعاشر معاشرة بسيطة ثم يترك ويستبدل بالإخوان آخرين، وهكذا، ثم يستغني عنهم, ويمل من مصاحبتهم, فلا شك أن الملول لا يدوم له أخ. وكذلك من آداب الأخوة: ألا تقطع صديقاً بعد إذ صادقته، ولا ترده بعد أن قبلته, قال الخليل بن أحمد: لا تواصلنّ صديقاً إلا بعد تجربة, يعني: لا تصادق وتواصل إلا بعد تجربة, فإذا خبرته وسألت عنه وعرفت حاله فصاحبه وآخه, وإذا صادقته فلا تقاطعه, فمؤمن بلا صديق خير من مؤمن كثير الأعداء. ولا شك أن الإخوان إذا قاطعهم الإنسان ربما انقلب بعضهم عدواً, ولذلك لا تصاحب صديقاً إلا بعد تجربة, وإذا صاحبته فلا تقطعه؛ لأن من آداب الأخوة أن المؤمن إذا ظفر بأخ أو صديق لا يضيعه؛ لأن الأخوة والصداقة عزيزة, أي: أن الإخوان الذين عندهم الوفاء والصدق والبر قلة, فإذا ظفرت به فلا تتخل عنه ولا تقطعه, وكتب بعض الحكماء لصاحب له: استوحش ممن لا إخوان له, وأشد الناس تفريطاً من وجد أخاً ثم ضيعه بعد أن وجده, وإن وجدان الكبريت الأحمر أيسر من وجدان أخ, والكبريت الأحمر نوع خالص منه معروف يضرب به المثل لندرة وجوده, وإني لفي طلب الإخوان منذ خمسين سنة واعلم أن الناس ثلاث: معارف وأصدقاء وإخوان, فالمعارف بين الناس كثير, أي: من جهة المعارف قد يتعرف الإنسان على أشخاص كثيرين ويعرف أشخاصاً كثيرين, لكن الأصدقاء من المعارف أقل, والصديق عزيز، والأخ قلما يوجد, فقد تتعرف على شخص، وقد تصادق أشخاصاً في مكان العمل أو في فصل دراسي, والإخوان من هؤلاء الذين تصطفيهم بصفاتهم التي يؤمن جانبهم، وتأمن على نفسك إذا صادقتهم ندرة قلة

стр. 138

الأسئلة

стр. 139

لا يشترط وجود جميع الآداب في الصاحب السؤال يقول: قد يجد بعضنا بعض الأخطاء وبعض الزلات من قبل بعض الأخوة! وكذلك نجد بعض التقصير فيما ذكرته من الصفات، ومع هذا كله تجد فيهم الخير الكثير, هل تركهم وعدم مخالطتهم في الكثير من نشاطاتهم المفيدة والنافعة أمر ممكن بما سبق من الأخطاء؟ الجواب طبعاً عندما نقول الآن: آداب الأخوة وآداب الصحبة وهي هذه التي تقدم ذكرها، فإن اجتماعها في شخص واحد لا أظنها توجد, وإن وجدت فنادر جداً جداًَ, لكن احرص على أن تصاحب من اجتمع فيه أكبر قدر من هذه الخصال, ثم إننا الآن نتكلم فيما يجب علينا ولا ننظر للمسألة من قبل الآخرين؛ نقول: مَنْ تتوفر فيه هذه الصفات حتى أصاحبه؟ لا. أنت وفر هذه الصفات فيك فيمن تصاحبه, ولو أن كل واحد منا نظر هذه النظرة لتقاربت النفوس, أما كل واحد يقول: هذه غير موجودة في فلان, وهذه غير موجودة في فلان, لا يصفى لك شيء.

стр. 140

ذم كثرة السؤال السؤال أحد الإخوان كثير الأسئلة، في الجلوس معه مشكلة تحقيق, وكثير ما يقع في الغيبة أو يوقع غيره فيها بكثرة أسئلته؟ الجواب أولاً: انصحه, وقل له: إن الجلسة معك أشبه بالتحقيق. ثانياً: فإنه إذا سأل سؤالاً يترتب على الجواب غيبة, فلست ملزماً بالجواب, بل لا يجوز لك أن تجيب.

стр. 141

حقيقة الاحتجاب عن الإخوان السؤال يقول: إننا في السكن الجامعي نضع أحياناً لافتات على الباب مثلاً: الرجاء عدم الإزعاج ونحو ذلك, حين يكون لدينا اختبارات أو نكون مشغولين, فهل هذا من باب الاحتجاب عن الإخوان؟ الجواب نعم. هذا من الاحتجاب عن الإخوان, لكن إذا كان لعذر مثل أن تخشى أن يضيع الوقت من مجيء واحد تلو الآخر؛ خصوصاً في هذه الأماكن التي فيها سكن متقارب، والغرف متجاورة, والطارقون كثر، والمارون متعددون, فليس من المصلحة أن يجعل الإنسان غرفته كالمجلس العام, مفتوحاً، ثم بعد ذلك يصاب بما يصاب به من الرسوب وتدني المستوى ونحو ذلك, فلا شك أن هناك أوقاتاً للزيارة، وأوقاتاً للمدارسة؛ لكن الذي يكون دائماً مكتوب على غرفته: الرجاء عدم الإزعاج فلا شك أن هذا ممن يحتجب على إخوانه. وكذلك يمكن للإنسان أن يرد رداً جميلاً، ويعتذر اعتذاراً مؤدباً، أما أن يكون إذا طرق عليه الباب فتح النافذة وقال: ماذا تريد؟ "هات من الشباك, خذ من الشباك، ومع السلامة" فلا شك أن هذا نوع من التعامل يؤدي إلى جفوة ووحشة, وكذلك يظهر النرفزة يقول: ضيعتم أوقاتي ضيعتم مستقبلي ضيعتم دراستي أنتم السبب لولا فلا شك أن هذا لا ينبغي، وأن على الإنسان أن يعالج الأمر من بدايته, وينبغي على الجميع أن يعذر بعضهم بعضاً في مثل هذه الأشياء، ثم إن الزيارات في أوقات الامتحانات ليست مناسبة, هل من الضروري أن تزوره في أوقات الامتحانات؟ يمكن أن تكون في غير أوقات الامتحانات، ثم الامتحانات النهائية الكبيرة التي فيها النسبة الكبرى والتي يتوقف عليها النجاح والرسوب أكثر من غيرها, يتشدد فيها الإنسان بشيء من العزلة من أجل المذاكرة، بينما الأشياء الصغيرة والأشياء التي تأتي على مدار السنة هذه الظروف اسمح فيها, فالمسألة إذاً مسألة تقدير ظروف من الجميع.

стр. 142

كثرة الاختلاط بشخص معين السؤال يقول: إن مما نجد في وسط الشباب والملتزمين صحبة شخصين فيما بينهما، فيزعمون أنها لله, ولكن في حقيقتها ليست كذلك, إنما هي لتشاكل أو استحسان أحدهما للآخر، وقد تؤدي لأمور لا يحمد عقباها؟! الجواب نعم. هذه مسألة تكاد تكون كالظاهرة في كثير من الأوساط, فصحيح أن الطيور على أشكالها تقع, لكن بعضهم يقع على أم رأسه في مثل هذه المسألة، فيتورط في علاقة تعلق تؤدي إلى إتلاف قلبه, وتؤدي إلى استحكام المحبة بحيث تصل إلى درجة من العشق، ولا شك أن هذا أمر مذموم؛ ولهذا علامات، وفرقان يفرق بين الحق والباطل فيه, فأرى في مثل هذه الحالة أن يوعظ هذان ويذكرا بالله تعالى وبالأخوة الحقيقية, ويقال لهما: لو كنتما صادقين في أخوتكما لصاحبتما فلاناً وفلاناً ممن هو أتقى لله منكما, فلماذا عكفت عليه وهناك من هو أتقى لله منه, وأعلم بالعلم الشرعي، وأنشط في الدعوة إلى الله، وأكثر تخلقاً بالأخلاق الحسنة, فإن كنت صادقاً في جعلك الأخوة المعيار فيها أنها لله فأين صحبتك للآخرين؟

стр. 143

سؤال الله الوجه الحسن السؤال هل يجوز دعاء الله بأن يرزقه وجهاً حسناً؟ الجواب نعم. لا بأس, وورد في حديث المرآة وهو ضعيف: اللهم كما حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي؛ لكن لا بأس أن يدعو الإنسان أن يحسن خَلْقه وخُلُقه.

стр. 144

حكم قول القائل: في ذمتك السؤال ما حكم قول: في ذمتك, على سبيل التأكيد؟ الجواب إذا كان يميناً لا يحلفه بالذمة؛ لأنه لا يحوز الحلف إلا بالله.

стр. 145

المسح على رأس اليتيم السؤال هل يؤجر من مسح على رأس أخيه؟ الجواب هذا ورد في اليتيم, إذا كان أخوك يتيماً أو صاحبك يتيماً, وكان يؤتى بالصبيان فيمسح ﷺ رء وسهم ويدعو لهم بالبركة.
следующие страницы →