Полный текст (576 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أذية الجار من أسباب دخول النار
وكذلك فإنه ﵊ قد أخبر عن امرأة أنها من أهل النار مع صلاتها وصدقتها وصيامها، لماذا؟ لأنها كانت تؤذي جيرانها، والحديث رواه أحمد والبزار وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ورواه ابن أبي شيبة، قال رجل: (يا رسول الله! إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها -باللسان- قال: هي في النار، قال: يا رسول الله! فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الإقط -الإقط هو اللبن المجفف، وهو من الشيء الزهيد- ولا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة) فما نفع تلك كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها؛ لأنها تؤذي جيرانها، وهذه نفعها الإحسان وعدم إيذاء الجار، فأخبر ﵊ أنها في الجنة، فهذه من الأدلة على خطورة هذا الموضوع، وأنه لابد من الاهتمام به.
стр. 72
حال جيران الرسول ﷺ والصحابة
كان النبي ﷺ وأصحابه يطبقون ذلك عملياً، فكان جيرانه ﵊ يهدون إليه، ولذلك لما جاع أبو هريرة ﵁؛ أرسل له ﷺ قدحاً من لبن، فأشرك أهل الصفة فيه، وقد كانت أسماء امرأة الزبير رضي الله تعالى عنهما عندما جاءوا من مكة إلى المدينة في حالة هجرة وحالتهم صعبة، وعليهم إنشاء بيت جديد وأسرة في مكان غريب، فليس الأمر سهلاً، مع قلة ما في أيديهم، فقد خرجوا بلا مال مهاجرين إلى الله ورسوله، فتقول أسماء موضحة أن مما سهل عليها المعيشة أنه كان لها جارات صدق يخبزن لها، يساعدنها في الخبز والعجن، فقالت: [جيران من الأنصار نسوة صدق] كن يساعدنها.
стр. 73
حاجة الجيران إلى بعضهم بعضاً
الإنسان لا يزال محتاجاً إلى جاره؛ لأن هناك طوارئ كثيرة لا يعينه فيها إلا الجار، ولذلك رأى أبو بكر الصديق ﵁ ولده عبد الرحمن وهو يناصي جاراً له، فقال: [لا تناص جارك، فإن هذا يبقى والناس يذهبون] ناصى جاره أي: أخذ بناصيته، وصار بينهما أمر فيه شدة، وكذلك فإن رجلاً جاء إلى ابن مسعود ﵁، فقال: [إن لي جاراً يؤذيني ويشتمني ويضيق علي، قال: اذهب فإن هو عصى الله فيك، فأطع الله فيه].
وكذلك فإن الحسن البصري ﵀ من شدة حق الجار كان لا يرى بأساً أن يطعم الإنسان جاره اليهودي أو النصراني من أضحيته.
وجاء الحسن بن عيسى النيسابوري إلى عبد الله بن المبارك، فقال: الجار المجاور يأتيني، فيشكو غلامي أنه أتى إليه أمراً، والغلام ينكره، فأكره أن أضربه ولعله بريء.
أي: فإن ضربت غلامي قد يكون الغلام بريئاً، وإن سكت فقد يكون الجار صادقاً وغلامي مخطئاً مخطئ، فكيف أصنع؟ قال: إن غلامك لعله يحدث حدثاً يستوجب فيه الأدب فاحفظ عليه -الآن هذا يحتاج إلى مراقبة وأن تحسب عليه تصرفاته- فإذا شكاه جارك فأدبه على ذلك الحدث، فتكون قد أرضيت جارك وأدبته على ذلك الحدث.
أي يقول: هذا الغلام الذي عندك لا يخلو أن يخطئ، وليس ضرورياً في حق الجار، بل يخطئ أي خطأ آخر، يهمل فيكسر شيئاً مثلاً؛ فأنت الآن جارك يشتكي من الغلام والغلام ينكر، وأنت لا تعلم أهذا الغلام صادق أم الجار، فماذا تعمل؟ قال: عدَّ على هذا الغلام مواقفه، فإذا جاء أمر أخطأ فيه؛ فعاقبه بعلم جارك، فيظن الجار أنك عاقبته من أجله، والغلام يعلم أن العقوبة من أجل خطئه، فما ظلمت وأرضيت الجار، وهذا تلطف في الجمع بين الحقين.
стр. 74
حقوق الجار في الإسلام
إن حقوق الجار متعددة وكثيرة، ومما ذكره العلماء في حقوق الجار: إذا استعانك فأعنه، وإذا استقرضك فأقرضه، وإذا افتقر عد إليه، وإذا مرض فعده، وإذا أصابه خير فهنئه، وإذا أصابته مصيبة فعزه، وإذا مات فاتبع جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سراً؛ لأن ذلك من الإيذاء النفسي، فهذا يرى جاره يدخل الكراتين، وهو ليس عنده شيء، لا كيلو ولا حبة من الفواكه، فإذا لم ترد أن تعطيه منها فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، فهذا ولده يخرج وفي يده الحبة الكبيرة من الفواكه وولد ذاك مسكين ليس عنده شيء، فلا تجعل ولدك يغيظ ولد جارك، بأن يخرج إليه بشيء لا يملك مثله، فيتألم الغلام الآخر.
وكذلك من الحقوق: إيصال الخير إليه بكل الطرق، مثل كف الضرر عنه بكل طريقة، ثم البدء بالسلام؛ لأنك لا بد أن تلقاه على باب البيت كثيراً، هو يدخل ويخرج، وأنت تدخل وتخرج، فابدأه بالسلام، ولا تطل معه الكلام بحيث تضايقه، ولا تجمع له الزلات ثم تحاسبه عليها كما تحاسب موظفاً أو سائقاً أو خادماً عندك، وأظهر السرور بما أسره، واصفح عن زلاته، ولا تطلع على عوراته، ولا تضايقه بوضع الجذع على جداره، ولا تطرح القمامة أمام بابه، ولا تضيق عليه الطريق، ولا تقف بسيارتك أمام باب (الكراج) -كما في هذه الأيام- أو تأخذ مكان سيارته المظلل الذي أمام بيته؛ لأنه -الآن- هناك مواقف قد تكون مخصصة، كل عمارة مثلاً تخصص لكل شقة موقفاً للسيارة، أو يأخذ المكان الذي أمام البيت بالضبط، أو يسد عليه مكان الخروج، واستر ما انكشف من عوراته.
стр. 75
حفظ دار الجار في غيبته
ولا تغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، فقد يسافر ويرجع ويجد البيت كله مسروقاً، قال: والله رأينا سيارة شركة جاءت وحملت، فقلنا: يمكن أنك نقلت! والمشكلة الآن أنهم لا يدرون عن أحوال بعضهم، فهذا ينقل من المنطقة ولا تدري عنه أنه سينتقل من البيت، ثم بعد ذلك يقول: فكرنا أنك نقلت من البيت، وما هو إلا لص محترف، أتى بسيارة شركة وقال: عندي بيت، ومن الشركة التي تتأكد أن هذا بيت ملك فلان؟ بمجرد أنه عرف أن هذا البيت قد غاب صاحبه، فتح الباب وأتى بشركة، وقال: انقلوا الأثاث، وهو من بعيد لو وقع شيء لهرب، وإذا لم يقع شيء أخذ الأثاث، وهذا جاره يقول: أنا لا أدري، ظننتك نقلت، الجار نقل، خبر كبير كيف لا يدرى عنه؟! فلذلك إذا سافر الجار؛ من حق الجار عليه أن يلاحظ داره في غيبته، ولو رأى شيئاً أمام بيت الجار كأناس غرباء واقفين، فإنه يسألهم: ماذا عندكم؟ ماذا تريدون؟ لا بد أن تعتبر بيته مثل بيتك.
ولا تسمع كلاماً فيه بدون دليل، ولا تسمح لأحد أن يوغر صدرك عليه.
стр. 76
غض البصر عن نساء الجار
وغض بصرك عن نسائه؛ لأن الجار لا يخلو أن تخرج نساء بيته أو بناته من الدار، إذا خرجن فربما تكون المرأة لم تعدل ملابسها بعد، فبعض النساء تخرج وتعدل على الطريق، من قلة الدين تجد بعض النساء وهي خارجة تكمل لبس العباءة، وهي قد صارت في الشارع، ومن المفترض أنها قبل أن تخرج من بيتها يكون الحجاب قد اكتمل كله، لكن مع الأسف بعض النساء لا تكمل لبس حجابها إلا وهي في الشارع، فما على الجار إلا أن ينصح وأن يغض بصره.
كذلك تقف السيارة -مثلاً- أمام باب الجار فتنزل منها نساؤه، والمرأة إذا نزلت لا تخلو أن تنكشف ساقها مثلاً، فغض البصر عن نساء الجيران وهن يدخلن ويخرجن، وهن ينزلن من المركبة وهن يصعدن إليها.
كذلك بعض الخادمات تخرج لرمي القمامة مشمرة فلابد من نصح الجار أن الخادمة التي عنده لابد أن تحتشم، وخروجها لإلقاء القمامة في البرميل لابد أن يكون بحشمة وحجاب، وإذا لم تحتشم فإنه يمنعها من الخروج، ويجعل السائق أو هو بنفسه يخرج القمامة، فإذا خرجت الخادمة غض بصره لحق الجار؛ لأن هذه خادمة الجار، وبعض الناس يقول لك: خادمة الجار ليس لها قيمة، لو أننا عبثنا معها هي سيرلانكيه.
حتى وإذا كانت سيرلانكية، هل يعني هذا سقطت الحرمة؟! فمن حقوق الجار أن تحترم حتى حرمة خادمته وتقوم بالنصيحة.
وأن تتلطف مع أولاده؛ لأن من المشكلات الكبيرة أن بعض الناس يعتبر أن له الأحقية في معاقبة أولاد الجيران، فتجده يأخذ راحته في ضرب ولد الجار، كأن يكون الولد يلعب بالكرة، وهو ولد من طبيعته اللعب، فالأشياء العادية تحتمل، وإذا كان قد زودها فلا بأس أن تحتمل أنت، وإذا أصبح الأمر لا يطاق كلم أباه، لكن أن تعطي لنفسك الأحقية بضرب ولد الجار فوراً بدون إعلام ولا إخبار أبيه فهذا غير صحيح، والإنسان المطلوب منه أن يتحمل.
والآن حق الجار أن يتحمل أذاه، وليس أن يرصد له تحركاته.
جاء واحد من الإخوان، قال: يا أخي -والله- أنا لا استريح لهذا الجار، لا أجدهم إلا يحركون الستارة، وإذا نظرت لهم يغلقون الستارة طول الوقت، يكشفون الستارة وينظرون إلى مدخل البيت وإلى شبابيكه، فهذا في الحقيقة قلة دين وقلة مروءة، وضعف في الأخلاق.
стр. 77
نصيحة الجار وتعليمه أمور الدين
ثم إن من حقوق الجار أن تعلمه أمور دينه، وأن ينصح في الأشياء التي فيها واجبات، مثلاً ينصح بصلاة الجماعة، ويزار ويكلم ويناصح ويوعظ، وكذلك إذا جعل منكراً في بيته ينصح بإزالته، وهذه المسألة من المسائل التي تكلم فيها العلماء، وهي قضية إنكار منكر الجار، نقل عن مهنا الأنباري ﵀ عن أحمد أنه سمع صوت طبل عند جيرانه، فأرسل إليهم ونهاهم.
فيرسل إليه الولد ويقول: لو سمحتم! لا تشغلوا هذا المنكر في البيت، فإن أذاه قد وصل إلينا، فاتقوا الله.
وأما بالنسبة للمنكرات التي في قعر بيت الجار، فهذه لها تعامل خاص، جاء عن الإمام أحمد ﵀ في رواية محمد بن أبي حرب في الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه، قال: يأمره، فإن لم يقبل جمع عليه الجيران ويهول عليه، يقول: يا فلان! بيت فيه كذا، ويخرج منه كذا، ويدخل إليه كذا، نحن الآن في شارع وحي واحد، وهناك نساء أجنبيات من أشكال وألوان مختلفة داخلات خارجات، إما أنك ترى لك حلاً وإلا نرفع بك إلى المحكمة، فإذا صار بيت الجار موضع اشتباه يوعظ ويخوف بالله، وإذا ما اتعظ يجمع عليه الجيران ثلاثة أو أربعة أو خمسة ويذهبون معاًَ؛ لأنه قد لا يخاف من الواحد لكن يخاف من المجموعة، فإن لم؛ هدده، فيقول: سأشتكي وأرفع الأمر إلى القاضي، لأن مصلحة الجار في الحقيقة أن يكف عن المنكر، إذا أردت أن ترحمه؛ فعليك أن تسعى لمنعه من المنكر الذي يعذب بسببه في الآخرة، وتدرأ عنه عذاب الآخرة بنصيحته.
وأما بالنسبة لقضية التجسس، لو قال واحد: جاري أخاف أن يكون عنده بلاء، أريد أن أتجسس، نقول: المسلم الذي ظاهره العدالة لا يجوز التجسس عليه، لا يوجد هناك قرائن على الفساد، ولا رأيت مناظر وأشياء مريبة، فلا يجوز أن تقول: يمكن أن هناك شيئاً وأنا لا أدري، ما الذي أدخلك في الموضوع؟ لا يجوز لك أن تتجسس مطلقاً في هذا الجانب، لقول ابن مسعود ﵁: [إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به].
стр. 78
احتمال أذى الجار
وكذلك من حقوق الجار: ليس كف الأذى، وإنما احتمال الأذى، فأنت تكف أذاك وتحتمل أذاه، وأن تبتدئ معه بالخير، وأن تحذر من إتباع النظر إليه فيما يحمله إلى داره، وتحذر من الاستماع إلى كلامه.
والآن بسبب تقارب هذه البيوت بعض الجيران عندهم أخبار الجيران كلها بالتفصيل، الخصومات التي بينه وبين زوجته بالتفصيل، والخصومات التي بين زوجة الجار والخادمة بالتفصيل، وكل الأشياء، مثلاً: افرض أن هناك غرفة يصل إليك منها الصوت، وصار عندهم كلام خاص حتى لو كان مشكلة بين الرجل وزوجته فإن عليك أن تخرج إلى غرفة أخرى لكيلا تستمع الكلام، ولو سمعت شيئاً لا تنقله في المجالس، فتقول: عندنا جارنا فلان يقول لزوجته كذا، وهي ترد عليه كذا، وتنقل الحوارات الخاصة؛ لأن هذه من أسرار البيوت في الحقيقة، فينبغي حفظ سره، وقضاء حاجات أهل الجار إذا غاب.
стр. 79
عدم إزعاج الجار بالأصوات العالية
وكذلك الحذر من إزعاجه بالأصوات، فإن بعض الناس يشغل أقصى ما يمكن من صوت المسجل ونحوه ويؤذي جاره، وهذا مشاهد وكثير، وبعض أنواع البيوت قد تكون أسقفها مشتركة فالصوت يصل بسرعة للاشتراك في السقف أو البناء، فيكون ما يشغله من أصوات في بيته واصل إلى الجار، سواءً كان طاعة أو كان معصية، أو كان شيئاً مباحاً، فلا يجوز الإزعاج به مطلقاً، قد يكون في وقت القيلولة، وقد يكون في وقت الليل، وقت نومه وراحته.
وكم من جيران يرمون قماماتهم أمام أبواب جيرانهم، وكم من جيران يستعيرون بعض المتاع من جيرانهم ثم لا يردونه، وكم من جيران لا أمانة لهم على أموال جيرانهم، وكم من رجل فاضل هجر داره من أجل جاره المؤذي، وربما وسط الإنسان وسائط لكي يكف الجار أذاه.
стр. 80
دعوة الجار إلى الخير
وكذلك فإن من حقوق الجار أيضاً: أن الإنسان يدعوه إلى الخير، افرض جارك شيخاً أو عالماً أو إمام مسجد، تذكره بالخير في دعوته ليحضر معك في هذا، فتوصل إليه نفعاً، مثلاً: أهل الحي لهم مجلس يأتون فيه بأمور من الخير، فإذاً ينبغي عليك أن تدعو جارك ليستفيد من الخير، ولو غاب وقد تناقلوا فيما بينهم كتاباً مفيداً أو شريطاً إسلامياً نافعاً فخذ نسخة لجارك، تقول: فلان غائب نصيبه وحصته عندي، من الوفاء له أن تتذكره في غيبته لتأخذ له ما يستفيد منه.
والإنسان أحياناً إذا آذاه جاره لا يستطيع أن يرد الأذى بالأذى، لكن قضية تأليب الناس الآخرين عليه كعامل ضغط -الذي سبقت الإشارة- بأن يجمع الجيران مثلاً، هذا العامل من الضغط قد نبه إليه النبي ﷺ رجلاً قد آذاه جاره، والحديث عند أبي داود وهو حديث صحيح، أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يشكو جاره، قال: (اطرح متاعك على الطريق) يقول للمُؤْذَى الذي أُوذي: أنزل عفشك على الرصيف، فهذا الرجل امتثل لأمر النبي ﵊ وأنزل متاعه على الرصيف، فجعل الناس يمرون به لما طرح متاعه على الطريق، ويسألونه: لماذا وضعت متاعك على الطريق؟ يقول: جاري هذا مؤذ، ولم أستطع تحمله، فجعل الناس يلعنون هذا الجار، يقولون: فعل الله به وفعل الله به، فجاء إليه جاره فقال: ارجع لا ترى مني شيئاً تكرهه.
فبعض الناس لا يخافون من الله، ولكن يخافون من الرأي العام، ومن عموم الناس، ومن ضغط المجتمع إذا اجتمع عليهم الناس، وهذا الذي نبه إليه ﷺ هذا الرجل ليتخلص من أذية جاره.
وكذلك فإن الجيران يختلفون في الأحوال من جهة الصلاح وعدمه، قال ابن حجر ﵀: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح، والذي يشمل الجميع إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له، إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى، على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق، ويعظ الجار الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضاً، ويستر عليه زلله غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فيه وإلا فيهجره قاصداً تأديبه.
стр. 81
الجار في الشعر العربي
وقد كان الشعراء المسلمون يتمدحون بكيفية كف الأذى عن جيرانهم، فيقول أبو جعفر العدوي:
شراء جارتي ستراً فضول لأنني جعلتُ جفوني ما حييت لها سترا
وما جارتي إلا كأمي وإنني لأحفظها سراً وأحفظها جهرا
بعثت إليها أنعمي وتنعمي فلست محلاً منك وجهاً ولا شعرا
لا أنظر إلى الوجه ولا إلى الشعر.
وقال حاتم الطائي في القديم:
ناري ونار الجار واحدة وإليه قبلي تنزل القدر
أي: قبل ما ينزل قدري لطعامي يكون قدر الجار نزل.
ما ضر جاراًً لي أجاوره ألا يكون لبابه ستر
حتى إذا ليس له باب لا يتضرر مني.
أغضي إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر
وقال أحمد بن علي الحراني:
والجار لا تذكر كريمة بيته واغضب لابن الجار إن هو أغضبا
احفظ أمانته وكن عزاً له أبداً وعما ساءه متجنبا
كن ليناً للجار واحفظ حقه كرماً ولا تك للمجاور عقربا
стр. 82
أناس عرفوا قيمة الجوار
ويروى أن جاراً لـ ابن المقفع أراد بيع داره في دين ركبه، وكان ابن المقفع يجلس في ظل داره، فقال: ما قمت إذاً بحرمة ظل داره إن باعها معدما، فدفع إليه ثمن الدار وقال: لا تبعها.
وكذلك يروى أن رجلاً أراد أن يبيع داره، فلما أراد المشتري أن يشتري، قال: لا أسلمك الدار حتى تشتري مني الجوار، قال: جوار من؟ قال: جوار سعيد بن العاص.
جاره أراد أن يبيع بيته، فمن غلاوة الجوار، قال: أنا أبيع بيتي وأبيع الجوار، من الذي يشتري جوار سعيد بن العاص؟ وتزايدوا في الثمن، فقال له شخص: هل رأيت أحداً يشتري جواراً أو يبيعه؟ قال: ألا تشترون جوار من إن أسأت إليه أحسن إليّ، وإن جهلت عليه حلم عليّ، وإن أعسرت وهب لي حاجتي، فبلغ ذلك سعيد بن العاص، فبعث إليه بمائة ألف درهم.
فكان الجار يباع قبل الدار، قالت امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً﴾ [التحريم:١١] عندك أولاً ثم بيتاً.
أين هؤلاء من أكثر جيران زماننا، الذي لا تكاد تهدأ أذيتهم وشتائمهم وسبهم وهجرانهم ومشاجراتهم وتقاطعهم وكيد بعضهم لبعض رجالاً ونساءً وأولاداً؟! قال بعض من بلي بجار السوء:
ألا من يشتري جاراً نئوماً بجار لا ينام ولا ينيم
ويلبس بالنهار ثياب نسك وشطر الليل شيطان رجيم
يقول: أريد جاراً ينام، فأنا جاري لا ينام بل يسعى في الشر.
قال علي بن أبي طالب للعباس: ما بقي من كرم إخوانك؟ قال: الإفضال على الإخوان، وترك أذى الجيران.
وقال بعضهم:
سقياً ورعياً لجيران نزلت بهم كأن دار اغترابي عندهم وطني
إذا تأملت من أخلاقهم خلقاً علمت أنهم من حلية الزمن
فالجيران خصوصاً في بلد الغربة، كهؤلاء الجيران الذين جاءوا من بلدان أخرى للعمل في هذه البلاد، أناس جاءوا من مصر والشام واليمن وأفريقيا وباكستان والهند ومن غيرها، فما الذي يهون عليهم المعيشة في بلد الغربة؟ إن أهم شيء -في الحقيقة- يهون عليهم لهو الجار، إذا كان جاره طيباً ظن كأنه في وطنه، كما قال هذا الرجل:
سقياً ورعياً لجيران نزلت بهم كأن دار اغترابي عندهم وطني
كأني أصبحت في وطني، بل يمكن أحسن، وهذا بسبب هؤلاء الجيران.
مما رأى من الخير أصبح مثل وطنه أو أحسن.
стр. 83
من أحكام الجوار
стр. 84
تعلق التزكية بالجار
وكذلك فإن مما يتعلق بالجوار من الأحكام، أن التزكية عند العلماء غير الشهادة، فالتزكية لها شروط، إذا أردت أن تزكي شخصاً، وانتبه لهؤلاء الذين يذهبون للمحكمة، يقول: احضر لنا شهوداً فيحضر مزكين، فما أسهل التساهل بقضية المزكين! يقول أهل العلم في التزكية: لابد للتزكية من أمرين زيادة على ما يشترط في الشاهد -أي: من العقل والضبط والعدالة إلخ- أحدهما: معرفة أسباب الجرح والتعديل؛ لأنه يشهد بهما، والأمر الثاني: خبرة باطن من يعدله أو يجرحه بصحبة أو جوار أو معاملة.
القاضي الذكي الفاهم إذا جاءته قضية تزكية -والتزكية مهمة- قال: أحضر لي أناساً من جيرانك يزكونك.
ولكن انظر الآن في المحكمة، يأتي بعض الناس في طرقات المحكمة، يقول: ماذا تريد؟ يقول: أريد مزكياً، يقول: وأنا أريد شاهداً، تعال أزكيك وأنت اشهد لي، سبحان الله! لا يعرفه، كيف يزكيه؟! لا يجوز، لابد أن يكون قد عايشه ورافقه وجاوره وسافر معه، وأمضى معه وقتاً طويلاً، وشاركه في مال أو في شيء، كيف يزكي شخصاً لا يعرف حقيقته؟! لا يجوز ذلك مطلقاً.
стр. 85
الزوجة في السكن بين جيران صالحين
وكذلك مما ذكر أيضاً في موضوع إسكان الزوجة، قالوا: إن من شروط شرعية المسكن الزوجي أن يقع بين جيران صالحين تأمن فيه الزوجة على نفسها.
أي: لو أن الزوج أسكن زوجته وسط أناس سيئين؛ فإن لها الحق أن تذهب إلى القاضي وتقول: ما سكني السكنى الشرعية، فالسكنى الشرعية يجب أن تكون بين أناس صالحين، هذا سكني وسط أناس سيئين، أنا لا آمن على نفسي، هذا زوجي إذا ذهب إلى العمل يضربون عليَّ الباب والهاتف، وهذا يناديني من الشباك، طبعاً إذا كانوا أهل فسق وهكذا.
стр. 86
عظم إثم الزنا بزوجة الجار
ولذلك كان الزنا بزوجة الجار من أعظم الكبائر عند الله، ويتفاوت إثم الزنا ويعظم جرمه بحسب موارده، فالزنا بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنا بأجنبية أو بمن لا زوجة لها؛ لأن فيه انتهاكاً لحرمة الزوج وإفساداً لفراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه يدخل عليه ولد وليس من أولاده، سيضاف إلى نسبه، وهذا أعظم إثماً وجرماً من الزنا بغير ذات البعل والأجنبية، فإن كان زوجها جاراً انظم له سوء الجوار، وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق، لو كان الجار أخاً أو قريباً من الأقارب، وانظم إليه قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار، فإن كان الجار غائباً في طاعة الله والعبادة وطلب العلم والحج والجهاد؛ تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله، يوقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، قال رسول الله ﷺ : (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟) أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ يمكن يأخذها كلها، لأنه يقال: خذ ما تريد من حسناته، والناس محتاجون إلى حسنة واحدة.
стр. 87
أحقية الجار المحتاج بالصدقة وحقوق أخرى
ثم إن الجار المحتاج أولى بالصدقة، نص على ذلك العلماء، كما قالوا في مسألة الصلاة في المساجد: المسجد المجاور لك أولى لحرمة الجوار، ثم قالوا في مسألة انتشار الحريق إلى بيت الجار: إذا انتقل بتفريط، مثلاً: شخص أوقد شرارة في يوم عاصف، وهو يعلم أن الريح تنقل الشرر، فاحترق بيت الجار، فإنه يضمن ذلك.
ثم من أثر الجيرة في مسألة القرض، أن الإنسان المقرض لا يجوز له أن يقبل هدية من المقترض في فترة القرض، إلا إذا جرت العادة من قبل القرض بهدايا بينهما، وذكروا مثالاً للجيران، أي: يهدونا طعاماً نهديهم طعاماً، أنا اقترضت من جاري فأهديته فيجوز أن يقبل هديتي؛ لأن بيننا علاقات سابقة في الهدايا، لكن إذا ما كانت هناك علاقات سابقة ولا جوار، فلا يجوز أن يقبل أصلاً هدية ولا أن يأخذ المقرض من المقترض هدية في وقت القرض.
هذا ما تيسر ذكره مما يتعلق بالجيران.
ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من القائمين بحقوق جيراننا، وأن يهدينا سبل السلام، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 88
آداب الحوار [١، ٢]
في هذا الدرس يتكلم الشيخ عن آداب الحوار، وقبل ذلك يتحدث عن تعريف الحوار، وأهميته التي تكمن في معرفة الحق والرد على أهل الباطل، ثم ذكر بعض الحوارات التي وردت في الكتاب والسنة.
بالإضافة إلى ذلك وضح الشيخ الأخطاء التي تقع من المتحاورين، محذراً من قضية الحوار بين الأديان، ومبيّناً المقصود منها.
стр. 89
تعريف الحوار
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذه هي المجموعة الثانية من سلسلة الآداب الشرعية، وقد مضت المجموعة الأولى، وكنا قد انتهينا منها في سلسلة سابقة في عام مضى.
وهذا الموضوع -أيها الإخوة- موضوع عظيم؛ وذلك لأن الإنسان لا يخلو في حياته في حركاته وسكناته، بل حتى إذا خلا بنفسه، فهو إما أن يكون في علاقةٍ مع الله ، أو مع الخلق، أو مع النفس من جاجته إلى الأدب.
وقد سبق تعريف الأدب في السلسة الأولى وبيان أمورٍ تتعلق به، وفي هذه السلسلة -أو المجموعة الثانية- سنتحدث عن مجموعة أخرى -إن شاء الله- من الآداب، ونستهل ذلك بأدب الحوار في هذا الدرس.
أما بالنسبة للحوار: فهو من حار يحور إذا رجع، والمحاورة الجواب، والحوار هو تراجع الكلام والتجاوب فيه بالمخاطبة والرد، وقد ذكر الله حواراتٍ في كتابه العزيز، وهذه اللفظة وردت في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:٣٤] وفي قوله : ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] الحوار خطاب وكلام.
وقلنا: حار أي: عاد ورجع، والحوار يعيد فيه الشخص ويبدئ، والمحاورة مراجعةٌ وكلامٌ في المخاطبة، وهي مجاوبة وتجاوب، فمراجعة المنطق والكلام في المخاطبة تسمى حواراً.
والفرق بين الحوار والمناظرة والجدال والمحاجة: أن الحوار أعمها جميعاً وكلها تدخل فيه؛ لأنها كلها تشترك معه في أنها مراجعة في الكلام ومداولة له بين الطرفين، فهي تدخل في معنى الحوار من هذه الجهة، ثم تخرج المناظرة في دلالتها على النظر والفكر، والجدال والمحاجة في دلالتهما على المخاصمة والمنازعة
стр. 90
أهمية الحوار
وأهمية الحوار في حياتنا كبيرة جداً، فمن جهة نحتاج أن نعرف أدب الحوار؛ لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى الحوار، حوار الداعي مع المدعو، والله قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل:١٢٥] وهذا أمرٌ بالحوار في الدعوة.
ثانياً: الوصول إلى الحق نحتاج إلى الحوار للوصول إلى الحق، وهدفٌ عظيم أن يصل المسلم إلى الحق.
ثالثاً: الرد على أهل الباطل، وهذا يتم بالحوار لإقناعهم، وهو فرعٌ من الدعوة التي تقدم الحديث عنها، وعلى سبيل المثال: المنافقون في عصرنا يتكلمون عن تحرير المرأة، ويدْلون بحجج هي واهية، لكن لابد من الحوار مع هؤلاء لإسقاط الحجج التي احتجوا بها وبيان وهيها؛ فمثلاً يقولون: لماذا تنكرون الاختلاط وهناك اختلاط في الحرم؟ فنقول: فرقٌ بين الاختلاطين الاختلاط العارض والاختلاط الدائم، فهذه حال امرأة تدخل الحرم لكي تؤدي العمرة أو الحج في الطواف والسعي، ثم بعد ذلك تنفصل عن الرجال في الصلاة، ثم أنتم تقولون: تختلطوا في الأعمال وأماكن الدراسة والعمل طيلة العام؛ فأين هذا من هذا؟ ثم هذه عبادة أقل شيء أن الإنسان يستحي فيها من أن يعمل شيئاً محرماً، أو أن تتبرج المرأة وتتزين أو تغري، أو أن تجذب إليها الفسقة وغيرهم، ثم أين هذا من وقوع ذلك يومياً وباستمرار في الأعمال وأماكن الدراسة ونحو ذلك؟ ثم إن هذا الاختلاط في تلك الأماكن لا يخلو من زينة ودنيا، بخلاف ما يحدث في الحرم من دين وعبادة ونحو ذلك من أوجه الرد، والشاهد أن المسألة مسألة حوار للرد عليهم.
عندما تأتي امرأة عاهرة لا تضع حجاباً على وجهها ولا على شعرها، وتقول: لماذا تأمروننا بتغطية الوجه، وكشف الوجه مذهب الأئمة الثلاثة؟ فنقول: أولاً من سمح لكِ أن تتكلمي في الفقه؟ وما علاقتك بالأحكام الشرعية؟ إن الذي يتكلم في الأحكام هم العلماء وطلبة العلم، أما الفاسق والفاسقة من هؤلاء المنافقين والعلمانيين فلا دخل لهم بالعلم الشرعي، ولا يجوز لهم أن يتحدثوا في هذا الأمر، ولا أن يرجحوا وينظروا في الأدلة.
ثم هل يريدون الذي يناقش في ذلك من أرباب الأهواء والشهوات بالتأكيد أنه لا يريد الوجه فقط؛ بل يريد ما بعد الوجه من كشف الشعر وبقية الجسم والاختلاط إلخ.
فإذاً يريدون مسألة الوجه أن يدقق الكلام فيها للتوصل إلى ما بعدها من الفساد، وهكذا فالمقصود أننا في الواقع نتعرض لكلام هؤلاء فيجب أن نجيب عليهم، وأن نقيم عليهم الحجة، وقد ندخل في حوارات مع مثل هؤلاء، فلابد أن يكون لهذه الحوارات شروطاً وآداباً، ثم إننا نعيش -أيها الإخوة- في عصرٍ قد كثرت فيه الآراء والاجتهادات، والوصول إلى تنقيح هذه الآراء ومعرفة الصواب منها يحتاج إلى حوار، نحن الآن في أمرٍ مريج قلة العلم، وكثرة القضايا، وهي مشكلة كبيرة، وهذا لا شك يحتاج إلى إجادة الحوار.
ثم من فوائده أيضاً: التعليم، فهناك حواراتٌ تعليمية؛ كما حدث بين النبي ﷺ وجبريل ﵇ في الحديث المشهور بحديث جبريل، وهذا الذي ندعو الشباب إلى إقامته كبديلٍ نافع عن التمثيليات التي فيها شبهات من الكذب، أو تقمص الشخصيات، أو ادعاء أشياء ونحو ذلك، فنقول لهم: إذا أردتم بديلاً عن التمثيليات التي فيها كلامٌ كثير فأعطونا الحوارات العلمية أو الحوارات المفيدة، أقيموا حوارات بين اثنين أو أكثر يظهر فيها تعلم أمور نافعة بدلاً من هذه التمثيليات التي يكون فيها غناء، أو يكون في بعضها محرم أو شبهة.
وكذلك فإن الحوار فيه استرجاع للصفاء عند حصول الشحناء؛ فإن مما يزيل الشحناء الحوار أو المعاتبة، والمعاتبة حوار؛ لأن كلاً من الطرفين سيبدي معذرته ولماذا فعل ما فعل، وإزالة الشحناء والبغضاء في الحوار بالمعاتبة هي نوعٌ من الحوار
стр. 91
بعض الحوارات في الكتاب والسنة
والله قد ذكر في كتابه العزيز حوارات كما تقدم
стр. 92
الحوارات في كتاب الله
ومن الحوارات في القرآن الكريم الحوار الذي دار بينه وملائكته الكرام: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٠ - ٣٣] فهذا حوار.
كذلك دارت حوارات بين الأنبياء وأقوامهم، وهذه كثيرة جداً ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٥ - ٧] وبسبب هذه الحوارات دخل أناس في دين الإسلام، والآن على شبكة الأنترنت -مثلاً- حوارات بين مسلمين وكفار ينتج منها دخول أشخاص في الدين، وفي الشركات والأعمال -لمن ابتغى وجه الله من الدعاة إلى الله تعالى- حوارات بينهم وبين زملائهم في العمل، يهتدي بها أشخاص، أنت تريد أن تقنع شخصاً بعدم إدخال جهاز مفسد إلى البيت فبالحوار؛ لأنه سيبدي ما عنده من الأسباب ويقول لك: تحتوي على أخبار، تحتوي على فوائد، تحتوي على منافع، تحتوي على أشياء تعليمية، وتحتوي على حياة الحيوان، وتحتوي على كذا، ثم أنت تبين له الأضرار والمفاسد، وتدور على ذلك مناقشة، هذا حوار.
وقد كان إبراهيم الخليل ﵇ ممن اشتهر بالحوار، وقوة الحجة، وظهور البرهان، والقدرة على الإفحام، كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٣] وحاور الملك الكافر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] ثم صار جدالاً عقيماً: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] فقطع عليه الخط وألزمه بهذه الحجة الباهرة، وكذلك لما حاج قومه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٣] هذه هي الحجة، قال: ما هذه التماثيل؟ قالوا: وجدنا آباءنا إلخ ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٤ - ٥٦] ولما كسر الأصنام استدعي للتحقيق: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٤] الآيات.
وموسى ﵇ كان له حوارات مع فرعون، ومؤمن آل فرعون كان له حوار جميل جداً ذكره الله في سورة المؤمن.
стр. 93
الحوارات من السنة
وسيرة نبينا الخاتم ﷺ العطرة زاخرة بالمواقف والحوارات مع المشركين وغيرهم، ولما حاور عتبة بن ربيعة وقال: قل يا أبا الوليد أسمع، وانتهت بأن مضى عتبة فزعاً مما سمع.
وكذلك لما جاءه ضمام بن ثعلبة وافداً إليه ﷺ دخل المسجد وقال: (أيكم محمد؟ فقال الصحابة: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال: يابن عبد المطلب: قال النبي ﷺ : قد أجبتك، قال: إني سائلٌ فمشددٌ عليك في المسألة فلا تجد عليَّ في نفسك، قال: اسأل ما بدا لك، قال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء وبسط الأرض ونصب الجبال أألله أرسلك؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أن علينا زكاةً في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك أألله أمرك بهذا؟ وسأله عن الحج، فلما ولى قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن).
стр. 94
حوار ابن عباس مع الخوارج
وسار الصحابة على هدي نبيهم ﷺ في الحوارات والمناظرات
стр. 95
ابن عباس يسمع جميع الشبه
ولما خرج الخوارج على علي ﵁، واعتزلت الحرورية في حروراء، قال ابن عباس لـ علي ﵄: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة -أخر الصلاة قليلاً - فلعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم قال: إني أتخوفهم عليك، قال: قلت: كلا إن شاء الله، فلبست أحسن ما عندي ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة فدخلت على قومٍ لم أر قوماً أشد منهم اجتهاداً -يعني: في العبادة- أيديهم كأنها ثكن الإبل، ووجوهاً معلمةً من آثار السجود، فقالوا: مرحباً بك يـ ابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال بعضهم: لا تحدثوه؛ هذا من قريش الذين قال الله فيهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] وقال بعضهم: لنحدثنه، قال: قلت: أخبروني ما تخصمون على ابن عم رسول الله ﷺ وختنه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله ﷺ معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثاً، قال: وما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكَّم الرجال في دين الله ورضي بالحكمين، عمرو بن العاص من طرف معاوية، وجعل أبا موسى من طرفه، فحكم الرجال في دين الله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] قلت: وماذا؟ -لا بد من استفراغ الشبه كلها قبل الجواب لأن ذهن السامع ينشغل بشبهه حتى لو سمع جواب الشبهة الأولى- قال: وماذا؟ قالوا: قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، قاتل معاوية وقاتل في الجمل ولا أخذ سبياً ولا غنائم، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم، قلت: وماذا؟ قالوا: نحى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم كتاب الله المحكم، وحدثتكم عن سنة نبيكم ما تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم.
стр. 96
مسألة تحكيم الرجال
قال ابن عباس: أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥].
أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق؛ أم في أرنبٍ ثمنها ربع درهم؟ قالوا: في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم، فرجعوا واعترفوا، قال: أخرجتم من هذه؟ قالوا: الله منعنا.
стр. 97
مسألة قتال علي بدون سبي ولا غنم
قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، أتسبون أمكم -لأنه كان في الطرف الآخر في القتال في معركة الجمل عائشة، أتسبون أمكم ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ -أتأخذون عائشة في السبي وتطئونها ملك يمين وفي السبي؟ - فقد كفرتم إن فعلتم هذا، وإن زعمتم أنها ليست أمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] فإذا قلتم: ليست أمنا كذبتم الله، وإذا قلتم أمنا فهل تسبون أمكم وتطئونها؟ وأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت من هذه؟ قالوا: الله منعنا.
والجهاد في الإسلام يكون لأسباب، فمنها: جهاد الكفار الذين رفضوا الإسلام أن ينتشر في بلادهم، ووقفوا سداً أمام الدعوة، فيقاتلون لكسر شوكتهم ليكون الدين لله، لكن لو فتحوا لنا بلادهم قالوا: ادخلوا إلى بلادنا واحكموهم بالإسلام فلا نقاتلهم.
قتال آخر: وهو قتال الدفع، إذاً يوجد جهاد هجومي وجهاد دفاعي، والذي ينكر الجهاد الهجومي كذاب أشر، منهزم بغيض، سفيه جاهل؛ فإن الصحابة في عهد أبي بكر وعمر بن الخطاب جاهدوا فارس والروم وهجموا عليهم وغزوهم إلى بلادهم حتى فتحوها، فالذي ينكر أن في الإسلام جهاداً هجومياً؛ مثل انهزام العقلانيين أصحاب المدرسة التنويرية الذين ينكرون الجهاد الهجومي على الكفار، وإنما حملهم على ذلك الانهزام النفسي، فقالوا: أين نذهب بوجوهنا من الكفار فإنهم يقولون: أنتم تهاجمون وتظلمون، فإذاً الجهاد في الإسلام للدفاع عن النفس.
ونقول: وماذا فعل النبي ﷺ والصحابة؟ هل كانوا يفعلون الباطل والظلم والاعتداء على الناس، فتباً لهم! وهناك جهاد الدفع، إذا هجم الأعداء لزم دفعهم وجهادهم، وهناك قتال شرعي، كما لو خرجت طائفة على إمام المسلمين وخليفتهم؛ فإنهم إذا أبوا الرجوع وتسلحوا قوتلوا لإرغامهم على الدخول في بيعة الخليفة، (إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما) هذا قتال شرعي، بين مسلمين وعلي ﵁ قاتل من هذا الباب، ولا يلزم أن يكون قتال علي لمن خرج عن بيعته وهو الخليفة أن يكون مثل جهاد المشركين فيه سبي وغنائم، لكن الخوارج ما فهموا هذا، وقالوا: لماذا قاتل علي معاوية وقاتل عائشة والجيش الذي فيه عائشة، وما أخذ غنائم؟
стр. 98
مسألة تنحي علي عن كلمة أمير المؤمنين
قال: وأما قولكم أن علياً ﵁ نحى نفسه عن أمير المؤمنين فإن رسول الله ﷺ دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينهم وبينه كتاباً فقال: للكاتب -وهو علي ﵁ اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك وما قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله.
ورسول الله ﷺ كان أفضل من علي، فلما جاء علي يكتب الصلح بينه وبين معاوية قال: كتب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ورفضت كلمة أمير المؤمنين وتركها علي لأجل الصلح، وهذا رسول الله ﷺ ترك كتابة رسول الله للمصلحة الشرعية، ولعقد الصلح الذي أمره الله به، ورسول الله ﷺ كان أفضل من علي؛ أخرجتم من هذه؟ قالوا: الله منعنا.
من هذا الحوار رجع من الخوارج عشرون ألفاً وانضموا إلى علي ﵁، وبقي من الخوارج أربعة آلاف، وهؤلاء هم الذين واجهوا في معركة النهروان وقتلهم علي ﵁.
стр. 99
آداب في الحوار
стр. 100
معرفة المسألة المتحاور فيها
قبل الدخول في الحوار لابد من علمٍ بالمسألة التي سيكون الحوار عنها، وتكون محور الحوار، وإذا لم يكن الإنسان ذا علمٍ بما يحاور من أجله فلا يجوز أن يدخل في الحوار أصلاً، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] فبعض الناس يدخلون في الحوارات بغير علمٍ فيفسدون أكثر مما يصلحون، لأنه إما أن ينزلق للإفتاء والكلام في دين الله بغير علم وهذه مصيبة، أو أن يخرج الطرف الآخر منتصراً عليه، وهذه مصيبة وكارثة أخرى؛ وصاحب الباطل يخرج منتصراً؛ لأن صاحب النزاع لا حجة له، دخل في الحوار دون إعداد ودون علم، فإذاً لابد من علم بشرع الله المطهر كتاباً وسنةً، وبالواقع الذي يتعلق بموضوع الحوار والنقاش، والله قال لأهل الكتاب: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٦]
стр. 101
فهم حجج الطرف الآخر فهماً صحيحاً
ثم لابد أن يكون هناك حسن فهم لحجج الطرف الآخر وأدلته وأقواله، والخلفيات المؤثرة في واقعه وتصرفاته، وفي كثير من الأحيان يتحاور الطرفان، ويطول الحوار، وتتشعب المسائل، ويستمر الخلاف ولا يصلان إلى نتيجة، والسبب أن كل واحدٍ منهما لم يفهم مراد الآخر
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
ولذلك لا يرد أحد على آخر حتى يفهم كلامه
إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ أسأت إجابة وأسأت فهماً
ولذلك لا ينبغي أن يناقش الإنسان ويدخل في حوار وهو لم يفهم مراد وقصد الطرف المحاور، فسماع حجة الطرف الآخر نصف الطريق، ولابد من هذه الخطوة.
وبعض أسباب سوء الفهم التي تحدث بين الناس عموماً، وبين الشباب وبين الدعاة والمدعوين، وبين الدعاة وبعضهم البعض؛ قد تكون راجعة إلى قلة العلم، أو أن يأخذ جزءاً من حديثه ويترك أجزاءً، فتجد واحداً أول ما يسمع كلام الثاني يقول: بس قف ثم ينهال عليه قبل أن يسمع بقية كلامه، ثم يكون ما رد عليه موجود في كلام الآخر وليس هو موضوع النقاش أصلاً، ولو أنه تأنى وسمع الباقي لاكتفى وعرف الكثير.
ثم -أحياناً- من أسباب سوء الفهم: أن الإنسان يقرأ أقوال الآخرين أو يسمعها بخلفيات معدة عنده مسبقاً، يحمل عليها أقوال الآخرين، كأن تسمع عن شخص أشياء ثم تأتي تتناقش معه، فتفسر كلامه بناءً على ما سمعته عنه، وقد يكون ما سمعته عنه غير دقيق ولا صحيح، فتبدأ من باب اتهام النيات تفسر كلامه على ما في ذهنك أنت، ولا تتجرد بحيث تفهم كلامه على حقيقته، والإنسان لا يخلو من خلفية معينة عند النقاش مع أي شخص.
وأحياناً يكون من أسباب سوء الفهم: عدم اللقاء بين المتحاورين وإنما يعتمدان على المراسيم وعلى الرواة والنقلة، قال كذا، وقال: كذا، وقد يكون الناقل غير دقيق فيسيء في النقل من هذا لهذا، فتزداد الفرقة وتعظم الهوة بينهما، ولو أنهما التقيا في مجلسٍ واحد لاتضحت لديهم الصورة وزال اللبس، ولا يلزم أن يكون اللقاء علنياً أمام الناس إذا لم يكن من المصلحة النقاش أمام العامة، وليكن في مجلس خاص.
ثم من أسباب سوء الفهم: الاختلاف باستخدام الألفاظ والمصطلحات، وقد يستخدم إنسان مصطلحاً يفهمه الخصم فهماً آخر، فأحياناً لابد من ضبط المصطلحات قبل النقاش.
وهذه قصة لطيفة صارت في مجلس زواج عند القاضي، جاءت المرأة وأبوها وجاء الشخص الذي يريد الزواج ومعه شهود، وجلسوا عند القاضي، قال القاضي لأبي الفتاة: ابنتك هذه بكر؟ قال: لا.
فهذا الشاب يقول: نظرت وكأن الشيطان صار جالساً بجانبي، وجلست أضرب أخماساً في أسداس أنا أريد أن أتزوج، وعرفنا أنه ما سبق لها الزواج، والآن القاضي يقول له: أهي بكر؟ يقول: لا.
يقول: وتلون وجهي بجميع الألوان وصرت في أمرٍ مريج، وكأن صاعقة وقعت في المجلس، ووجم الناس والشهود، فوجئ الجميع بهذه العبارة، يقول: حتى تدخل واحد بنباهته وقال: يا أخ فلان عفواً ما تعريف كلمة بكر عندك؟ قال: بكر أي: أول الأولاد، قال القاضي: يا أخي! لكل مقامٍ مقال، نحن الآن لا نسألك عن بكرك نحن نقول: البنت بكر، قال: إيه هذه بكر، عندما فهم معنى كلمة بكر.
وسبحان الله! الواحد قد يفهم بوجهٍ غير الوجه الذي يفكر فيه الآخرون، فلابد من تفسير المصطلحات؛ لأنها قد تجعل النقاش والجدال عقيماً إن لم تفهم.
стр. 102
تحديد الأصول والمراجع عند الاختلاف
حتى يكون النقاش مفيداً فلابد أن يكون هناك أصول يرجع إليها، والأصول التي يرجع إليها في النقاشات -وخصوصاً النقاشات العلمية- هي الكتاب والسنة بطبيعة الحال؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] فلابد أن يكون هناك تسليم بهذا، وليس إذا أتيت له بآية قال: لا.
كما قال الشيخ عبد الرحمن الصمد ﵀، قال: لما أراد أن يناظر واحداً من الصوفية في بلاد الشام، فدخلوا في قضية الأموات والمقبورين فقال الشيخ: هذا الميت الذي تقولون عنه إنه ولي هو بشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وكيف يملك لكم أنتم نفعاً، كيف يملك لغيره نفعاً وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟ قال: بلى عنده ما عنده، فأتى الشيخ بالآية وقال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤] فقال ذاك الصوفي: يا ابني! هذه آية وهابية نشرك فيها.
فسبحان الله! صار القرآن مقسماً إلى قرآن وهابية، وقرآن صوفية، إنها لمصيبة! فإذاً لابد أولاً من التسليم بالمرجع، أي: لنحتكم إليه إذا تنازعنا ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩].
ولذلك لما جرت مناظرة بين الشافعي وإسحاق رحمهما الله في كراء بيوت مكة، والمسألة الأخرى؛ ما حكم تملك بيوت مكة؟ فالمهم أن الشافعي ﵀ كان يرى جواز التملك والإجارة، ما دام أنه ملكه فليفعل فيه ما يشاء، وإسحاق كان لا يرى كراء بيوت مكة، فقال الشافعي في النقاش والحوار قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر:٨] فنسب الديار إلى مالكها أو إلى غير مالكها؟ الإضافة هذه (ديارهم) تدل على أن هذه ملك لهم، وقال النبي ﷺ : (من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فنسب الديار إلى أربابها أم إلى غير أربابها؟ واشترى عمر بن الخطاب داراً للسجن من مالكٍ أو من غير مالك؟ فقال إسحاق: الدليل على صحة قولي أن بعض التابعين قال: كذا كذا، فقال الشافعي لبعض الحاضرين: من هذا الذي يناقش؟ فقيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، قال إسحاق: هكذا يزعمون! قال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك فكنت آمر بعرك أذنيه، يعني: لو كان غيرك أمامي لأمرت بعرك أذنيه، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: قال عطاء وطاوس والحسن، وهل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟ فإذاً لابد أن يكون هناك مرجع عند الاختصام وأقصد: أصولاً وضوابط يرجع إليها لكي يكون الحوار مجدياً
стр. 103
تحديد موضوع النقاش والحذر من التشعبات
لابد من تحديد الهدف، وتحديد الهدف مسألة مهمة، والشافعي ﵀ كان إذا ناظره إنسان في مسألة فدخل في غيرها قال: نفرغ من المسألة الأولى ثم نصير إلى ما تريد، يعني: دعنا نأخذها واحدةً واحدةً، قال الخطيب البغدادي ﵀ في ذكر آداب الجدل والمناظرة: ويكون كلامه يسيراً جامعاً بليغاً، فإن التحفظ من الزلة مع الإقلال دون الإكثار، وفي الإكثار ما يخفي الفائدة ويضيع المقصود، ويورث الحاضرين الملل.
وقال الجويني ﵀: وعليك بمراعاة كلام الخصم، وتفهم معانيه على غاية الاستقصاء، فإن فيه أماناً من اضطراب ترتيب حصول الكلام عليك، فيسهل عليك عند ذلك وضع كل شيءٍ موضعه، وإن طول عليك بعباراته الطويلة فلخص من جميعها موضع الحاجة إليه فتحصرها عليه، يعني: تقول في النهاية: يا أخي! طيب وأصل كلامك ورأيك أنك تقول: كذا كذا، تلخص كلامه الطويل الذي قاله، فإن وافق على هذا التلخيص فاشرع في نقد ما قاله وتفنيده إذا كان ضد الحق بحسب ما تعلمه أنت.
فإذاً لابد من حصر موضوع النقاش؛ لأن التشعبات والنقاشات الكثيرة جداً تضيع المقصود، وتدخل في متاهات، وهذا كثيراً ما نلاحظه في الحوارات العقلية.
стр. 104
الإخلاص عند المناظرة
لابد أن يتصف المحاور بالإخلاص، وأن يكون القصد وجه الله تعالى، ويخلص النية في جداله بأن يبتغي وجه الله وليس المغالبة للخصم.
الشافعي ﵀ قال: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة - أي: ما دخلت في نقاش مع أحد قط ونيتي أن أغلبه فقط- وإنما دخلت في النقاش للوصول إلى الحق مني أو منه، وعندي أو عنده.
والمقصود هو طلب الحق، فإذا توافرت الرغبة للوصول إلى الحق لدى الطرفين وصل إليه بإذن الله، لكن المشكلة أن يكون الغرض من الحوار أن ينصر الإنسان رأيه بغض النظر عن كونه خطأً أو صحيحاً، ولذلك لابد أن يدخل الإنسان ساحة الحوار وهو يبحث عن الحق حتى لو كان عند خصمه، قال الله تعالى في حوار أهل الكتاب: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] (وإنا أو إياكم) أحد الطرفين، لا نقل: نحن على حق وأنتم على باطل من أول الطريق؛ فلن يجدي النقاش إذا كان كل من الطرفين يدعي أنه وحده على الحق: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] وينبغي أن يكون المحاور لا فرق عنده بين أن يظهر الحق على يديه أو على يدي الآخر، المهم الوصول إلى الحق.
ومن إخلاص الشافعي ﵀ قال: ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ، وقال: ما كلمت أحداً إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبالِ بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه، وهذا تجرد صعب، لكن من أراده وفقه الله تعالى إليه، بل ربما وصلت القضية إلى أن بعض المتحاورين من السلف لما تحاورا رجع كل منهما إلى الطرف الآخر.
ومع الشافعي وإسحاق مرة أخرى، لكن الآن الطرف الآخر، إسحاق ناظر الشافعي -والإمام أحمد موجود في المجلس- في جلود الميتة إذا دبغت، قال الشافعي: دباغها طهورها، يعني: تستعمل، قال إسحاق: ما الدليل؟ فقال الشافعي: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ميمونة: (أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بجلدها) فقال إسحاق: حديث ابن عكيم (كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل موته بشهر لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ -أي جلد- ولا عصب).
وهذا الحديث أشبه أن يكون ناسخاً لحديث ميمونة، حديث ميمونة يقول: (هلا انتفعتم) وهذا يقول: (لا تنتفعوا) وهذا الثاني متأخر قبل موته بشهر، فقال الشافعي: هذا كتابٌ وهذا سماع -يقول: حديثي الذي احتججت به سنده السماع وحديثك -يا إسحاق - بالكتابة (كتب إلينا رسول الله) يريد أن يقول: إن حديثي أقوى، السماع أقوى من الكتابة- فقال إسحاق: إن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر رسائل وكانت حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي؛ لأن إسحاق أتى له بالحديث المتأخر، وهو حديث حجة ولو كان كتاباً؛ بدليل أن رسائل النبي ﷺ قامت بها الحجة على كسرى وقيصر، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي فأفتى بحديث ميمونة، يعني: انتهى النقاش بأن تبنى إسحاق رأي الشافعي، وقضية السكوت عن الكلام كانت اعتباراً، لكن الإنسان ممكن أن يرد بأي كلام
стр. 105
المناظر يذكر ما له وما عليه
ثم من أدب الحوار أن الإنسان يذكر ما له وما عليه، يعني: لو أراد أن يناقش في مسألة فقهية؛ كطهارة الدم، أو قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية وراء الإمام، أليس الطرفين في مسائل خلافية؟ أليس لكل منهما أدلة؟ بلى.
فإذاً نورد ما لهذا القول وما عليه، وليس له أن يخفي أدلة الفريق الآخر، فإنه ليس من الإنصاف، بل هو من اللبس والتلبيس -إخفاء وكتم- ولذلك بعض الجهلة إذا أرادوا النقاش مع النصارى يخفون فضائل عيسى ﵇، يقولون: نتحدث بفضائل محمد ﵊، بل بعضهم يبتدع، لما رأوا الرافضة يسبون أبا بكر وعمر قال واحد منهم:
سبوا علياً كما سبوا عقيقكم كفرٌ بكفرٍ وإيمانٌ بإيمان
أي: واحدة بواحدة.
فإذاًً عندما ندخل في حوار فلابد أن نقيم الوزن لحجج الطرف الآخر، وفي كثير من الأحيان -خصوصاً في المسائل الاجتهادية والآراء- لا تستطيع أن تزن رأي الآخر، لكن تقول: يا أخي! هناك رأيان، وأرى أن أدلة هذا الرأي أقوى وأرجح فقط، أما أن تقول هذا حق وهذا باطل، فهذا لا يأتي في المسائل الاجتهادية، وإلا ما صارت اجتهادية ولا حدث الخلاف فيها، ولكن نتكلم الآن على قضية الرجحان.
سنكمل -إن شاء الله- بقية الموضوع في الحلقة القادمة
стр. 106
من أدب الحوار قبول الحق ولو من عدو
فقد تقدم الكلام في الحلقة الأولى عن آداب الحوار، ونتابع الحديث اليوم في الحلقة الثانية من هذا الأدب الذي يحتاجه كل باحثٍ عن الحق، وكل داعيةٍ إلى الله، وكل أخ في مناقشة إخوانه من المسلمين، ويحتاجه حتى الزوج مع زوجته، والولد مع أبيه وأمه، وهذه المسألة -وهي مسألة الحوار- إذا كانت في الحق فإن الله يوفق أطراف الحوار للوصول إلى الحق؛ لأن القصد الأول من الحوار هو معرفة الحق.
ولذلك -أيها الإخوة- لابد أن يوطن أطراف الحوار أنفسهم على قبول الحق من أي الأطراف جاء، فإذا تبين الحق فلا يجوز الجدال فيه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال:٦] ويجب المصير إليه، والنبي ﷺ كان يقبل الحق ولو جاء من عدو، وقد روت طفيلة بنت صيفي الجهنية قالت: (أتى حبرٌ من الأحبار رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، فقال ﷺ : سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة، قالت: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً ثم قال: إنه قد قال: فمن حلف فليحلف برب الكعبة، قال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً، قال: سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون: ما شاء الله وشئت، قالت: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً ثم قال: إنه قد قال حقاً فمن قال: ما شاء الله فليفصل بينهما بقوله ثم شئت) رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وكذلك صححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
ومعروفٌ أيضاً قصة أبي هريرة ﵁ مع الشيطان الذي جاء بصورة رجلٍ يسرق الطعام من مال الزكاة، فأمسكه ثم أطلقه حتى قال له في الثالثة: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دعني وأعلمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: وما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح، قال أبو هريرة: فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك وأخبره بالخبر، فقال ﵊: أمَا إنه قد صدقك وهو كذوب).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز إذا قال يهوديٌ أو نصرانيٌ فضلاً عن الرافضي قولاً فيه أي حق لا نقبله، ولا يجوز أن نرفضه؛ لأنه جاء من عدو، ولذلك ينبغي في الحوار سماع كلام الخصم، وتقبل الحق الذي جاء منه بقبول حسن، والاعتراف بالخطأ والتسليم بالحق الذي يظهره الخصم، والمسألة كما ترون -أيها الإخوة- مسألة تجرد، فمن تجرد لله وفقه الله.
ثم من آداب الحوار المهمة ألا يكون قصد المحاور الانتصار للنفس، والعلو على المحاورين الآخرين، أو إفحام الخصم واستعراض القوة، وقد تقدم الكلام على ذلك، ومن أهم أسباب الانتصار للنفس أن المحاور يرجو في حواره مع غيره أن يرفع كفته، أو كفة شيخه أو مذهبه أو طائفته وحزبه وجماعته، ويغفل على أن ظهور الحق على يديه أو على يد صاحبه خيرٌ له وفضلٌ عليه من الله تعالى، قال الجويني ﵀: فأول شيءٍ على المناظر أن يقصد التقرب إلى الله سبحانه، ويطلب مرضاته في امتثال أمره فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى الحق، ويتقي الله أن يقصد بنظره أو بمناظرته المباهاة وطلب الجاه، والمماراة والرياء، ويحذر أليم عقاب الله، ولا يكون قصده الظفر بالخصم، والسرور بالغلبة والقهر، فإنه من دأب الأنعام الفحولة كالكباش والديكة.
والإنسان إذا كان قصده بالحوار أن يتغلب على خصمه فقط فإنه لا يرعوي عن إتيانه بأي حجة من حقٍ أو باطل، ولا يقبل الحق إذا جاء من الخصم، وكذلك فإن الرسول ﷺ لما عرَّف الكبر قال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) فبطر الحق أي: رده، وغمط الناس: ظلمهم وعدم إعطائهم حقوقهم وبخسهم إياها، وهو عين الكبر، ولذلك لابد في الحوار من التواضع، والنبي ﷺ قد قال: (ما من آدمي إلا في رأسه حكمةٌ في يد ملك) طبعاً هذا شيءٌ من الغيب لا نعلمه (فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، فيرفع الله ذكره وشأنه بين الناس، وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته) رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقال عمر بن الخطاب: [إن العبد إذا تواضع لله رفع حكمته، وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه حقير وفي أعين الناس كبير، فإذا تكبر وعد صوره ووهصه، أي: ضرب به الأرض]
стр. 107
الحذر من المراء والجدال
ثم من الآداب المهمة في الحوار الحذر من الجدال، فإن اللدد والخصومة من الآفات القاتلة، فيصطبغ الحوار بصبغة التعنت والعناد، ولا يعود القصد هو الحق ولا الهدى، ويتحول الحوار إلى مراء وجدل، فما هو المراء والجدل بالباطل؟ المراء: أن تنكر الحق الذي ظهرت دلالته ظهوراً واضحاً وتتعصب للباطل، والتعصب للمذهب أو الشيخ أو الفئة يحول الحوار إلى مراء وجدال، وينتهي إلى خصومة وفرقة، وتمتلئ الصدور بالأحقاد وتشحن النفوس بالكراهية، والجدل آفة يصاب بها الإنسان غالباً في المحاورات، والجدل من طبيعة الناس الفارغين، الذي عنده عمل وإنتاج لا يقع في الجدال في الغالب، الذي يقع في الجدال هم أهل الفراغ، ولذلك يهدرون أوقاتهم بالجدال، ومع الأسف فإن عدداً من الشباب يحولون المجالس العلمية، والمحاضن التربوية، والمجتمعات الدعوية إلى مراء وجدال تقضي على البذور الكريمة والفائدة والنفع، وقد قال النبي ﷺ محذراً: (ما ضل قوماً بعد هدىً آتاهم إلا أوتوا الجدل) وقال: حسَّان بن عطية ﵀: إذا أراد الله بقومٍ شراً ألقى بينهم الجدل وخزن العلم، فلا يكون علماً وإنما يعطون الجدل.
لو قال قائل: إن من الجدال ما هو مفيد، ألم يقل الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فنقول: إنه تعالى ما قال: ﴿وجادلهم﴾ فقط، وإنما قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ومعنى ذلك أن الجدال أنواع، فما هي أنواع الجدال؟ الجدال محمودٌ ومذموم.
أولاً: فالجدال المذموم ما كان بغير حجة ولا دليل.
ثانياً: الجدال لنصرة الباطل والشغب للتمويه على الحق، وكان الكفار يفعلونه كثيراً، قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر:٥] وهؤلاء مهما نصحتهم لا يستفيدون، كما قال نوح لقومه: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤].
ومن الجدال ما يكون محموداً ومنه ما يكون مذموماً.
قال إمام الحرمين الجويني ﵀: من الجدال ما يكون محموداً مرضياً، ومنه ما يكون مذموماً محرماً، فالمذموم منه ما كان لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليلبس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرف ولا تقرب، أو للمماراة، أو لطلب الجاه، أو إظهار التفوق على الخصوم، أو أنه يعرف أن عنده لسانة وقدرة على الحوار، وأنه لا يتوقف ولا ينقطع، والله ضرب أوجه الجدال المذمومة في قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨].
أما الجدال المحمود: فهو الذي يحقق الحق ويكشف عن الباطل، ويهدف إلى الرشد، ويرجى به رجوع المبطل إلى الحق، وهذا المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقول الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فالمقصود به الجدال المذموم، أما لو تناقش بعض طلبة العلم في مسائل مثلاً في الحج ليستدلوا بها على السنة؛ كأن يتناقشوا في مكان الوقوف عند رمي الجمرات، وأين يضع الجمرة، فمثل هذا لا يكون جدالاً مضيعاً للوقت ولا منهياً عنه في الحج؛ لأنه لمصلحة الحج، فإذاً هذا الجدال لمصلحة الحج، ويعظم به الأجر وتصاب السنة
стр. 108
الهدوء عند الحوار
ومن الآداب المهمة في الحوار: الهدوء، وكثيراً ما تتحرك الطبائع الكامنة في النفوس، ويحدث غليان وغضب وانفعال وعصبية، وتندفع الكلمات، وتتسابق الأطراف كالسيل الجارف بالتهكم والسخرية وتراشق التهم ونحو ذلك، وهذا من أخطر آفات الحوار؛ لأنه لم يعد هناك حوار مثمر، وهذا مفسد للعلاقات، ولذلك بعض الناس تحس أنك لو ما دخلت معه في حوار لكان أحسن، كنت صاحباً له قبل الحوار، وبعد الحوار صار بينكما قطيعة، ولذلك تتنافر القلوب من آثار الحوار المذموم.
إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
والصراخ والشتائم كل إنسان قد يقدر عليه، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير وجاهل وعالم، وكما قال قائل:
صغار الأسد أكثرها زئيراً وأصرمها اللواتي لا تزير
أي: لا تزأر، والذي يميز الرجل الرباني الصادق في حواره هدوء نفسه، وعفة لسانه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٣ - ٤٤] والنبي ﷺ كما قال أنس: (لم يكن سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً)، وشيخ الإسلام ﵀ خاض غمار حوارات كثيرة، ومناظرات مع أهل البدعة، وكان من الخلاصات التي خرج بها يقول: الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يكبر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم، فقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦].
والإنسان إذا جلس في مجالس أهل العلم ينبغي أن يتأدب، ولذلك الحوار العلمي ينبغي أن يأخذ أدباً أعلى بكثير من الحوار في المسائل الدنيوية، أو في الأسعار، أو في السلع، أو في مساومات أو في نحو ذلك، وبعض الإخوان قد يظن أن الحوار مع أهل البدع يقتضي أن ترفع الصوت، وتظهر الغضب، وتقطب الجبين، وتحمر العينان، وتتسارع الأنفاس، وهذا غير صحيح.
ولكي يتقبل الشخص الآخر فلابد أن تظهر الهدوء في النقاش؛ لأن القصد الآن ليس ألا تتيح له فرصة في الكلام إذا كان الحديث بينك وبينه، وإنما المقصود أن يصل الرجل إلى الحق ويقتنع به، ولذلك عامة الناس لا يحبون التشنج والانفعالات في النقاشات، ويقولون: هذا الشيخ الذي خرج من البرنامج الفلاني ما عنده إلا العصبية والانفعال، وتلك المرأة غلبته وتفوقت عليه، مع أنه خرج لينصر الحق بزعمه، وهي تمثل أهل الباطل، فالناس ينفرون من التشنج والانفعال، نعم بعض الأحيان يلزم إظهار شيء من الشدة، لكن لا إلى أن يتحول الحوار إلى صراخ، والغضب لا يبقي سداداً للفكر، ويتعكر المنطق بسببه، وتتقطع مادة الحجة، وقال ابن القيم ﵀: الغضب نوعٌ من الغلق تستغلق به على الإنسان الأمور، وكيف يأتي المرء بحجة أو ينقض حجة للخصم إذا كان في حال الغضب، الغضب عدو العقل وهو للعقل كالذئب للشاة قلما يتمكن منه إلا اغتال العقل، هكذا صوره ابن القيم رحمه في إغاثة اللهفان، والرسول ﷺ كان يدعو فيقول: (أسألك كلمة الحق في الرضا والغضب) وكلما ازداد انفعال المتحاورين ازدادت الشقة بينهما وابتعد الواحد منهما عن الآخر (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب).
روي أن المزني ﵀ ناظره إنسان كثير الصياح والشغب فقال المزني: أخبرنا الشافعي أن أبا حنيفة ناظر رجلاً فكثر صياح أبي حنيفة فمر به رجل آخر وقال: أخطأت يا أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ما هذه المسألة؟ -أنت أيها المار ما الذي نتحدث عنه؟ - فقال الرجل: لا أدري، فقال أبو حنيفة: وكيف عرفت أني أخطأت؟ فقال الرجل: لأنك إذا أخطأت صحت، وإذا أصبت رفقتَ، فعلمت أنك أخطأت حيث رأيتك تصيح.
إذاً فمسألة الصياح هذه تفسد الحوار.
إذا ما كنت ذا فضلٍ وعلمٍ بما اختلف الأوائل والأواخر
فناظر من تناظر في سكونٍ حليماً لا تلح ولا تكابر
يفيدك ما استفاد بلا امتنانٍ من النكت اللطيفة والنوادر
وإياك اللدود ومن يرائي بأني قد غلبت ومن يفاخر
فإن الشر في جنبات هذا يمني بالتقاطع والتدابر
وروي أن رجلاً من بني هاشم اسمه عبد الصمد رفع صوته في النقاش عند أحد الخلفاء، فقال له: لا ترفع صوتك يا عبد الصمد إن الصواب في الأسدّ لا في الأشدّ، الأسد: القول السديد، الأشد: وليس بالصوت الشديد.
وإذا أفحش الخصم في جوابه فينبغي عدم الحدة؛ لأن الصياح لا يقابل بالصياح والاستخفاف؛ فهذا من أخلاق السفهاء، ومن الطرائف أن أحد الشعراء سمع اثنين ينتسبان إلى الفقه ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس.
فقال:
البغل والجاموس في جدليهما قد أصبحا عظةً لكل مناظر
برزا عشية ليلة فتباحثا هذا بقرنيه وذا بالحافر
ما أتقنا غير الصياح كأنما لقنا جدال المرتضى ابن عساكر
فالمناقشة ليست بالقرون والحوافر، وإنما بالكلام المتزن الهادئ، والإنسان إذا كان عصبياً فلا ينصح بخوض حوارات، ومن كان حاد المزاج فقد يفسد أكثر مما يصلح، وإذا أردنا أن نرشح أشخاصاً للحوار، فلنرشح أشخاصاً عُرفوا بهدوء الطبع؛ لأن المحاور خصوصاً في هذا الزمان ينتدب على أنه يمثل فكرة من الأفكار، أو منهجاً من المناهج، فإذا كان إنساناً حاداً عصبياً يمكن أن يؤدي إلى إقناع الناس بالباطل، أو ينفروا من الحق، فينبغي أن يعتنى بالحوارات ولا يدخل فيها إلا من عنده صفات علمية وأخلاقية تؤهله للدخول.
стр. 109
حسن الاستماع والإصغاء للآخرين
ومن لوازم الهدوء في الحوار: حسن الاستماع والإصغاء للآخرين، وإعطاؤهم الفرصة للتعبير عن آرائهم، أحياناً ينشغل المحاور بإخراج كل ما في جعبته، ويكون هذا همه، لكن هذه طريقة قد لا تكون مقنعة للآخر؛ لأنه ليس المهم فقط أن يفرِّغ الإنسان كل ما في جعبته، بل من المهم أيضاً أن يستفرغ ما في جعبة الطرف الآخر، إذا استفرغت ما في جعبة الآخرين سهل عليك الرد، لا أن تقول كل ما عندك، ثم يقول هو كل ما عنده.
والقضية قد لا تحتاج لكل هذا، فيكفي قليل من الكلام، ولذلك فإعطاء الخصم فرصة ليتكلم يساعد على إخماد ما لديه من الشبهات، والمحاور الجاد هو الذي يهتم بصاحبه ويصغي لكلامه، وعدم الإصغاء وكثرة المقاطعة والاعتراض سيجعل الأمر أكثر صعوبةً، والمشكلة أننا أحياناً لا نتناقش مع أهل البدع والعلمانيين والمنافقين، نتناقش مع إخواننا وأصحابنا وزملائنا، وربما عاملنا هذا مثل هذا، وهذا ظلم، إذ كيف تعامل أخاك بالحوار مثلما تعامل المبتدع والضال والكافر والمنافق؟ ولا يكن ديدن الواحد كما قال القائل: إذا كنت تريد أن ينفض الناس من حولك ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك، فهاك الوقفة: لا تعط أحداً فرصةً للحديث، تكلم بغير انقطاع، وإذا خطرت لديك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يتم حديثه لأنه ليس ذكياً مثلك، فلماذا تضيع وقتك بالاستماع إلى الكلام السخيف، اقتحم عليه الحديث واعترضه في منتصف كلامه.
ولا شك أن مثل هذا لا يمكن أن يحبه الناس، ولذلك فالعبرة بكسب الأشخاص لا بكسب المواقف، يعني: أنت قد تدخل في نقاش وتسجل نقطة على الخصم، لكن لم تكسبه، لأنك لم تعطه فرصةً للحديث، فقد يقول الناس: فلان غلب فلاناً، لكنك خسرت الرجل وإن كسبت الموقف، فالذكي لا ينظر إلى كسب المواقف فقط، ينظر إلى كسب الأشخاص أيضاً.
وبعض المحاورين يسارع إلى الرد، ويبادر في المقاطعة قبل أن يستقبل صاحبه الحجج والبراهين التي لديه، وهذا يؤدي إلى شحن وإثارة النفوس، والشريعة قد جاءت بكل ما يقطع النزاع ويغلق أبواب الخصام والنفور، وبعض الناس ربما إذا جاء الشخص الآخر بالحديث يقول: هذا معروف، أو أعلم ذلك إلخ.
كان عطاء بن أبي رباح ﵀ يقول: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً، وقال: إن الشاب ليتحدث بحديثي كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد، وقال بعضهم: أسمعه كأني أسمعه منه المرة الأولى وقد سمعته من غيره ثلاثين مرة.
وتراهم يفضي بالحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به، كما قال الشاعر:
وتراه مصغٍ للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به
فإذا خرج الخصم من الحوار وقد عرف بأنك إنسان تريد الوصول إلى الحق، وأنك مؤدب في النقاش، فهذا مكسب، وينبغي أن يكون كل واحدٍ من الخصمين مقبلاً على صاحبه بوجهه في حال المناظرة، مستمعاً إلى كلامه إلى أن ينهيه، فإن ذاك طريق معرفته والوقوف على حقيقته كما ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه وتقطيعه عليه، وإظهار التعجب منه، ولا يمكنه من إظهار حجته، فإنما يفعل ذلك المبطلون والضعفاء.
قال حكيم من الحكماء لابنه: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام؛ فإن حسن الاستماع انتباهك للمتكلم حتى يفضي إليك بحديثه، والإقبال في الوجه والنظر والصبر حتى ينهي الآخر ما لديه من الأخلاق التي يحتاج إليها في المناظرة، وليس حسن الاستماع مجرد الإنصات، فبعض المحاورين يسكت ويجعلك تتكلم وتتم الحديث دون مقاطعة، لكن يتغافل عنك ويتشاغل بكتابٍ بين يديه يقلب أوراقه، أو يعبث بالقلم أو ينظر إلى السماء، وربما انتهيت وهو لا يدري أنك انتهيت، فهذا في الحقيقة ما أنصت وإنما سكت، والإنصات هو الانتباه لما يقوله الآخر.
стр. 110
عدم اتهام النيات
ومن الآداب المهمة أيضاً: عدم اتهام النيات؛ فبعض المتحاورين يتهم نية الشخص الآخر وهو لم يطلع عليها، وهذا يثير الطرف الآخر ولا شك، فإذا قال: أنت صاحب هوى، أنت تقصد كذا، فإذا لم يتبين هذا من كلامه فالحكم عليه يعتبر اتهاماً لنيته، واتهام النيات لا يقبله المستمعون، فإنهم إنما يريدون رداً مقنعاً، أما أن يقول الواحد للآخر: أنت تقصد كذا فهذا لا يقبله الناس، ويفعل هذا كثير من الناس لإسقاط الأطراف الأخرى في الحوار، مع أن المسألة -كما قلنا- ليس المقصود منها إسقاط الطرف الآخر، المقصود منها الوصول إلى الحق.
следующие страницы →