← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35111

سلسلة الآداب - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (576 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حكم قراءة الفاتحة بعد الإمام السؤال هل تقرأ الفاتحة بعد قراءة الإمام؟ الجواب هذه المسألة طويلة ولكن الخلاصة: اختلف العلماء فيها في الصلاة الجهرية، منهم من قال تجب القراءة، ومنهم من قال: لا تجوز القراءة، ومنهم من قال: إذا كانت الصلاة جهرية لا يقرأ، وإذا كانت سرية يقرأ، وهذا أوسط الأقوال وأعدلها، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 247

تعليم الطفل قول: باسم الله السؤال بعض الأطفال لا يقولون: باسم الله؟ الجواب يسقط عن الطفل إذا لم يستطع أن يقول، لكن يذكره أمامه أبوه أو أمه من باب التعليم.

стр. 248

كيفية الأكل جماعة السؤال إذا أكل جماعة مجتمعين ولكن في صحون صغيرة، كلٌ على حدة على مائدةٍ واحدة؟ الجواب نعم. إنهم ليسوا متفرقين تماماً لكن لو اجتمعوا في صحنٍ واحد يكون أحسن.

стр. 249

عدم جواز رمي الأكل المكشوف السؤال الأكل المكشوف من غير تعمد هل يرمى لأنه قد يخاف منه الداء الذي ينزل كما في حديث النبي ﷺ ؟ الجواب سبق أن سألت هذا السؤال الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: لا. يؤكل أو إذا خشي أن يكون نزل عليه الداء، يطعم للبهائم ولا يرمى.

стр. 250

حكم اللحوم تذبح في ديار أهل الكتاب السؤال يوجد في الأسواق كثير من اللحوم التي ذبحت في ديار أهل الكتاب؟ الجواب إذا كان هؤلاء لم يعرف عنهم أنهم يقومون بقتلها بطرق غير شرعية فإننا نأكل، هذا الأصل من حل أكل طعام أهل الكتاب، لكن إذا وردت الأخبار، وتكاثرت الأنباء، وتعددت المصادر، وجاءت الروايات والصور وشهادات الناس الذين زاروا تلك المصانع، أنهم يصعقون ويرمون الدجاج في أحواض المياه المغلية، وهي حية، أو يضربون البقر بالمسدس مثلاً فيقتلونها فعند ذلك لا نأكل، لأن الشبهة صارت قوية جداً، الآن جاءت الأخبار وتكاثرت وأصلاً عندهم جمعيات الرفق بالحيوان، تمنع الذبح وتقول: رفقاً بالحيوان لا تذبح، ورفق بالإنسان الذي يأكل هذه الميتة!!

стр. 251

كيفية أكل التمر المسوس السؤال ما كيفية أكل النبي ﷺ التمر المسوس؟ الجواب سبق أن ذكرنا الحديث الذي رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح: (أن النبي ﷺ إذا أراد أن يأكل التمر فتشه وأخرج ما فيه من السوس ثم أكله).

стр. 252

عيب الطعام بعد الانتهاء منه السؤال ماذا لو عاب شخص الطعام بعد انتهائه بفترة؟ الجواب إذاً دخلنا في عيب الطعام قبله أو بعده أو معه، ما دام أنه حصل العيب فهو عيب، ولكن إذا أراد أن يبين لصاحب المطعم عيوب الطعام لا بأس، فهذا لمصلحة المسلمين لكن الآن ما صار لأجل مصلحة المسلمين كأن يقول: يا أخي اهتم بطعامك أنتَ تفعل فيه كذا وكذا ونحو ذلك، فهذا لا بأس، هذا قصده نصيحة للمسلمين.

стр. 253

الفرق بين التربع والقرفصاء السؤال هل التربع هو القرفصاء؟ الجواب لا. يختلف التربع عن القرفصاء.

стр. 254

تحريم الجمع بين اليد اليمنى واليسرى في الأكل السؤال استعمال الأكل باليد اليسرى مع اليمنى أثناء الأكل كأن يمسك باليد اليمنى طعاماً ويمسك باليد اليسرى شراباً؟ الجواب العبرة بالذي يوصل الطعام إلى الفم، فإذا كانت اليسرى فهو حرام.

стр. 255

سؤال صاحب المطعم عن مصدر طعامه السؤال هل أسأل صاحب المطعم عن الطعام؟ الجواب إذا كثرت الشبه عن هذا اللحم الذي يستخدمه أو الدجاج فإنك تسأله، لكن إذا كان يستخدم طعاماً مستورداً من بلاد المسلمين لا تسأل، أو من بلاد أهل كتاب لا يعرف عنهم شيء غير الذبح فلا تسأل.

стр. 256

حكم استخدام الملاعق والسكاكين من الذهب أو الفضة السؤال الملاعق والسكاكين مصنوعة من الذهب والفضة؟ الجواب حرام، لا تجوز، الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر في بطنه نيران جهنم، ومثلها الأواني والصحون والملاعق والسكاكين والشوك وكلها داخلة فيها.

стр. 257

اشتراط الأكل من الوليمة في إجابة الدعوة السؤال هل إجابة دعوة الوليمة تقتضي الأكل من الطعام؟ الجواب هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، بعضهم قال: يشترط لكي تكون مجيباً للدعوة أن تأكل من الطعام، الذي هو وليمة الزواج، وقال بعضهم: لا يشترط ولعله هو الأرجح.

стр. 258

أكل الشيطان مع من يأكل بشماله السؤال هل الشيطان يأكل مع الذي يأكل بشماله حتى وإن كان قد ذكر اسم الله عند الأكل؟ الجواب نعم. لأنه قال: الشيطان يأكل بشماله، ولا مانع أن يكون هناك عدة وسائل للشيطان تمكنه من الأكل مع الإنسان، منها: ألا يذكر اسم الله، ومنها: أن يأكل بشماله، وإذا أكل بشماله وما سمى الله شبع الشيطان.

стр. 259

حكم دفع الفوائد من البنك للضرائب السؤال دفع الفوائد من البنك إلى الضرائب؟ الجواب حرام. لأنه استفاد من الربا لشيءٍ وهو دفع الضرر عن نفسه. هذا بالنسبة لأسئلة هذا الدرس والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 260

آداب المساجد [١، ٢] المساجد بيوت الله، التي يسبح له فيها بالغدو والآصال. لهذا كان لابد من صيانتها والمحافظة على نظافتها، والتأدب بآدابها، والاستنان بسننها. وفي هذا الدرس ذكر لكثير من آدابها التي لابد من التأدب بها وتطبيقها.

стр. 261

من آداب المسجد: الخروج على أحسن هيئة الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: ففي هذه الحلقة من سلسلة الآداب الشرعية المجموعة الثانية، سنتحدث إن شاء الله تعالى عن آداب حضور المساجد. لما كانت الصلاة جماعة في بيتٍ من بيوت الله من واجبات الدين، وسنن الهدى، كان لا بد للمسلم أن يعرف كيف يأتي المسجد ويتأدب مع بيوت الله هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، لكي ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. والأدب الأول من آداب حضور المساجد: هو الخروج على أحسن هيئة، ومن هنا وجبت طهارة البدن والثوب، وكانت الطهارة من الأحداث والأنجاس شرطاً لصحة الصلاة، وكثير من المصلين لا يهتم أو يلقي بالاً لحضور المساجد بالهيئة الحسنة، وأخذ الزينة الظاهرة، والرائحة الطيبة والسواك، والزينة الظاهرة يراد بها جمال الثياب، فينبغي للمصلي أن يلبس عند مناجاة ربه أحسن ثيابه في صلواته من غير تفريق بين صلاة ليلية أو نهارية، صلاة فجر أو غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]. وأهل العلم يستحبون للرجل أن يتجمل في صلاته ما استطاع من ثيابه وطيبه وسواكه، كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: وأما الذين يأتون إلى المسجد في هيئة رثة، ورائحة كريهة، وثياب المهنة، ورداء العمل، وملابس النوم؛ فلا شك أن هؤلاء لم يكلفوا أنفسهم الاعتناء بأخذ الأدب اللازم في بيوت الله تعالى، وهم قد خالفوا قول الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]. فيتأذى المصلون بالرائحة، وتزكم الأنوف بالنتن والعرق، ولو أن الإنسان أراد مقابلة شخص له جاه دنيوي لم يأتِ بهذه الملابس، بل إنه يرتدي أحسن ثيابه، ويتطيب بأحسن ما يجد، فكيف يهتم للوقوف أمام المخلوق، ولا يهتم بالوقوف أمام الخالق، ثم إن لقاء المصلين، واجتماع إخوانه لا بد أن يكون فيه ما يفتح نفوسهم للقيا أخيهم، فإذا جاء بلباس غير حسن، فكيف تكون الألفة والإقبال؟ ثم أيضاً هناك نفر من عباد الله وهم الملائكة يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم، وبعض الناس لا يكلفون أنفسهم تبديل ثياب النوم عند المجيء إلى صلاة الفجر، ولا يحملون عناء تبديلها، وربما أحياناً يخافون على الثياب أن تتأثر طياتها، ويتبدل صقلها؛ فيتركونها للعمل، وأما بيوت الله فلا يحدث لها ما يجب من الزينة. ومن الزينة ستر العاتق، ومعلوم أن ستر العاتقين ليسا من ستر العورة، وأن العورة ليس منها العاتق، وقد قال ﵊ (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد وليس على عاتقه شيء)، وفي رواية: (على عاتقيه) وإذا ثبت أن العاتقين ليس من العورة، فمعنى ذلك أن الأمر بسترهما ليس من شروط الصلاة، ولكن من أدب الصلاة، والمذهب عند أصحاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن كشف المنكبين يبطل الصلاة، وذهب الجمهور إلى الاستحباب، ومن الخطأ ما يفعله بعض المصلين عندما يصلي بهذه القمصان (الشيالة) التي لا يستر الكتفين منها إلا شيء يسير، فهذا لا يعتبر مطبقاً لحديث النبي ﷺ في ستر العاتقين. وأما بالنسبة لستر الرأس؛ فإن الله أحق أن يتزين له، كما جاء في الحديث: (الله أحق أن يتزين له) فإذا كان الإنسان في بلد يتزين أهله بتغطية رءوسهم كهذا البلد؛ فإنه يتأكد في حقه تغطية الرأس، لأن عرف الناس في البلد تغطية رءوسهم، ليس هذا واجباً ولا يأثم بكشف الرأس، لكن يجري على فهم أهل بلده أنه من الزينة، وما تعارفوا عليه في هذا القضية؛ لأن قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف:٣١] يشمل -أيضاً- الزينة العرفية التي تعارف عليها الناس، ولكن لو كنت في بلد لا يهتمون بتغطية رءوسهم أو جلهم لا يغطون رءوسهم، فعند ذلك لا يمكن تحديد حكم شرعي في تغطية الرأس في هذه الحالة في هذا البلد الذي لم يتعارفوا فيه على تغطية رءوسهم، لكن عادة المسلمين من القديم تغطية الرأس، وكانوا يضعون العمائم. وكذلك من الأدب أن الإنسان لا يُغطي فاه في الصلاة، كما جاء أن النبي ﷺ : (نهى أن يغطي الرجال فاه في الصلاة) وليس من الزينة تغطية الفم والتلثم، وتخصيص الفم بالنهي عن تغطيته، ولعل من أسباب ذلك: ألا تختنق الحروف في أثناء القراءة في الصلاة، بالإضافة إلى أن ذلك ليس من الزينة، فمن الخطأ أن يحضر الإنسان عند أناس ويغطي فمه في اجتماع حافل، لأنه ليس من الزينة.

стр. 262

من آداب المسجد: أن يكون طيب الرائحة وكذلك مما يتعلق بآداب حضور المساجد أن يكون الإنسان طيب الرائحة، ولذلك قال ﵊: (من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن مصلانا ولا يغشانا في مساجدنا)، وفي رواية: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما تتأذى منه بنو آدم). وهذه النصوص الصريحة تدل على أن الرائحة الطيبة لا بد منها لمن أراد حضور المسجد بالمفهوم، وتدل بمنطوقها على أن من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً؛ فهو مأمور باعتزال مساجد المسلمين وجماعتهم، ومأمور بالجلوس في منزله، وهو قد فوَّت على نفسه بأكل الثوم والبصل فضيلة وأجر الجماعة، وإباحة أكل هذه الأشياء لا يدل على عدم وجوب حضور الجماعة، لكن يدل على عدم جواز إتيان الجماعة لمن أكلها. وأيضاً يقال: من أكل الثوم والبصل قاصداً التحيل على إسقاط الجماعة أو عدم حضور الجماعة، فيكون آثماً بهذه الحالة، ولكن لو اشتهته نفسه، فأكل دون قصد التحيل على عدم حضور المسجد فلا بأس بذلك، لكن يكون قد حرم نفسه من أجر صلاة الجماعة، وهذا النهي ليس خاصاً بالجزء الداخل من المسجد، بل إن رحبة المسجد وساحة المسجد يشملها هذا الحكم أيضاً، لأنها من المسجد، فلا يدخل فيها وقد أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً. وقد جاء عن عمر ﵁ أنه قال: [أيها الناس! إنكم تأكلون من شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، ولقد رأيت نبي الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع] ليس إلى رحبة المسجد ولا إلى الساحة، ولا إلى الباب، لكن إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً، وإذا كان هذا في البصل والثوم والكراث وهي في الأصل مباحة فكيف بشرب الدخان! لا شك أن ذلك يكون حراماً، وإثمه في إيذاء عباد الله من الملائكة والمصلين معلوم وواضح، وكيف يؤذي إخوانه في مساجدهم، وبرائحة هذا المشروب الخبيث!

стр. 263

من آداب المسجد: التسوك ومن آداب حضور المساجد التسوك؛ لأنه تنظيف للفم مما علق به من الروائح الكريهة، وقد قال ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) وثبت أنه يفوق فرشات الأسنان والمعجون من ناحية الصحة، ولو استخدم أموراً أخرى غير السواك من الفرشاة فلا بأس؛ فقد أدى جزءاً من المقصود ولا شك.

стр. 264

من آداب المسجد: التبكير والمسارعة ومن آداب حضور المساجد: التبكير إليها، وانتظار إقامة الصلاة، والاشتغال بالذكر والنوافل، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال في مدح صفوة عباده الصالحين: ﴿إنْهم كَانوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون:٦١]. وهذه المسابقة تكون حسية وتكون معنوية لا حسية، والمسابقة على الأقدام حساً تقتضي الجري والسرعة، ولكن الجري هنا والسرعة ممنوعان لحديث آخر، فلم يبق إلا أن تكون بمعنى الشغل ومراقبة الوقت، والمبادرة والتبكير، وليس معنى: (سارعوا) أي: عليكم بالجري، كلا. وقد كان السلف ﵏ يهتمون بذلك جداً، وكانوا يشتاقون إلى الصلاة وقلوبهم متعلقة بالمساجد، قال عدي بن حاتم ﵁: [ما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها]، وقال: [ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء]، وكذلك قال سعيد بن المسيب ﵀: [ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد]، وقال: [[ما سمعت تأذيناً في أهلي منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد] أردد معهم في المسجد، وما فاتته صلاة الجماعة أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم، أي: ما نظر في قفا مصلي، ومعنى ذلك: أنه كان دائماً في الصف الأول. وكان الأعمش ﵀ من المحافظين على ذلك، حتى قال وكيع: اختلفت إليه قرابة سنتين فما رأيته يقضي ركعة، وكان قريباً من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى. وبشر بن الحسن كان يقال له: صفي؛ لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين عاماً. وكان إبراهيم بن ميمون المروزي من الذين يمتهنون صياغة الذهب والفضة، فكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء، ألقاها ولم يردها ولم يطرق بها. ولا شك أن المبادرة إلى المساجد والتبكير إليها من الآداب العظيمة التي تسبب للإنسان أن يظله الله في ظله، وأنه في صلاة مادام ينتظر الصلاة، وأن الملائكة تصلي عليه وتستغفر له. وكذلك فإن من آداب الحضور إلى المساجد الترديد مع الإقامة، وهذا يفوت كثيراً من المصلين، وقد قال ﵊: (إذا سمعتم المنادي يثوب بالصلاة، فقولوا مثلما يقول) والإقامة لا شك أنها أذان؛ لأنه ﵊ قال: (بين كل أذانين صلاة) فسمَّى الإقامة أذاناً، وقال: (إذا سمعتم النداء، فقولوا مثلما يقول المؤذن). قال ابن حجر ﵀: "اُستدل به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة". وقول بعض الناس عند قول المقيم: "قد قامت الصلاة"، يقولون: أقامها الله وأدامها، وهذا مبني على حديث ضعيف فلا ينبغي أن تقال. وكذلك من ثمار المبادرة والإسراع إلى المسجد: إدراك تكبيرة الإحرام، وقد جاء في الحديث الحسن، أن النبي ﵊ قال: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك تكبيرة الإحرام، كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) وما معنى يدرك تكبيرة الإحرام؟ أي: أن يحضر تكبير الإمام ويشتغل عقبها بعقد صلاته. إذاً: تدرك تكبيرة الإحرام بما يلي: ١ - أن يكون قائماً في الصف عندما يكبر الإمام تكبيرة الإحرام. ٢ - أن يحرم بعده مباشرة، فإذا دخل المسجد والإمام قد كبر فلا يعتبر أنه قد أدرك تكبيرة الإحرام، وإذا وصل إلى الصف بعدما شرع الإمام في الفاتحة؛ لا يعتبر مدركاً تكبيرة الإحرام، ولا يدرك تكبيرة الإحرام إذا بقي واقفاً في الصف، بعدما يكبر الإمام وهو منشغل؛ لأن بعض الناس إذا كبر الإمام بقي منشغلاً في تعديل اللباس وعمل أشياء كثيرة، حتى يشرع الإمام في القراءة وهو ما كبر بعد. إذاً: متى تحصل هذه الفضيلة وهذا الأجر؟ إذا كان قائماً في الصف، عندما يكبر الإمام للإحرام، وأحرم بعده مباشرة، عند ذلك نطلق عليه أنه أدرك تكبيرة الإحرام. وبناءً على هذا فإن الذي يتم صلاة نافلة كتحية المسجد وقد كبر الإمام وشرع في القراءة وهو لم يقم بعد الصلاة، فإنه لا يعتبر أنه أدرك تكبيرة الإحرام، لكن إذا كان في آخر صلاته أتمها خفيفة. ومن هنا يظهر وجه قول الذي ذهب إليه بعض أهل العلم أن الإنسان يقطع صلاته -إذا أقيمت الصلاة- فوراً، لكي يدرك تكبيرة الإحرام، لكن لو أخذ بالقول الآخر وأتمها خفيفة فله ذلك، إذا كان في آخر الصلاة، أما إذا كان في أولها أو وسطها، فإنه يقطعها مباشرة بغير سلام، وهذا يدل على أن التبكير يجعل تحية المسجد قبل الإقامة بفترة حتى يدرك تكبيرة الإحرام، لكن لو أنه تأخر ستكون تحية المسجد أو بعضها في وقت الإقامة، فلا يدرك تكبيرة الإحرام.

стр. 265

من آداب المسجد: الصلاة بخشوع ومن الآداب أيضاً: الصلاة بخشوع، وهذا موضوع طويل، وهو لب الصلاة، ومن صلَّى صلاة لم يخشع فيها، من أولها إلى آخرها أعادها، إذا دخل في تكبيرة الإحرام وهو لم يحضر قلبه ألبتة، ولم يع شيئاً إطلاقاً، فهذا يعيد الصلاة، أما من كان يحضر ويغيب؛ فإن صلاته صحيحة، ولكن يفوته من الأجر بقدر ما غاب عن صلاته، وليس لك من صلاتك إلا ما عقلت.

стр. 266

من آداب المسجد: الدعاء عند الذهاب إليه ومن آداب حضور المساجد: الدعاء عند الخروج إلى الصلاة، جاء عن ابن عباس ﵄ قال: (رقدت عند رسول الله ﷺ ، فاستيقظ فتسوك وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، فأطال فيهن القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات، ستة ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً) رواه مسلم. فهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء، وقد كان ﵊ كما نقله ابن عباس، قاله عند الخروج إلى صلاة الفجر بعد قيام الليل، فينبغي فعله. وأيضاً من الأدعية: الدعاء للخروج من البيت؛ سواء للمسجد أو لغير المسجد، وهو: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضِِل أو أُضَل) الحديث المعروف.

стр. 267

من آداب المسجد: المشي إليه بسكينة ووقار ومن آداب حضور المساجد -أيضاً-: أن يمشي إليها بسكينة ووقار؛ لقول النبي ﷺ : (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: (إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن أُتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة؛ فهو في صلاة)، وفي رواية: (ولكن يمشي وعليه السكنية والوقار) فهذا يبين الأدب في حضور المساجد فما تعريف السكينة وما تعريف الوقار؟ أما السكينة فهي التأني في الحركات واجتناب العبث؛ فإذا كان الماشي إلى المسجد يتقفز في مشيته أو يعبث بأي شيء من العبث يفرقع الأصابع يعمل حركات بيديه أو رجليه؛ فإن هذا لا يعتبر أنه جاء إلى المسجد وعليه السكينة. وأما الوقار فقد عرفوه بأنه: غض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات، وإذا جاء إلى المسجد بهذه الصفات يكون قد حصل ثلاثة أمور: أولاً: الراحة والطمأنينة؛ لأنه إذا أسرع ودخل الصلاة على هذه الحال من السرعة؛ فإنه يدخل في الصلاة فلا يحصل له تمام الخشوع، بخلاف ما لو إذا دخل الصلاة وهو ساكن مرتاح، فإنه يكون إلى الخضوع والخشوع أقرب. ثانياً: أنه يكون قد امتثل قوله ﷺ : (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة). أي: في حكم المصلي، فينبغي عليه اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه. ثالثاً: يحصل له كثرة الخطا التي يفوت منها شيء من السرعة، وقد قال ﵊: (إن لكم بكل خطوة درجة) رواه مسلم، وفي رواية: (إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنه، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطَّ الله عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد). فعلى المصلي أن يخرج بسكينة ووقار ويجتنب العبث، ولا يتكلم بالكلام القبيح، وهذه السكينة والوقار مأمور بها عموماً، وكذلك منهي عن الإسراع عموماً، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام، أو يخاف فوات الركعة، أو يخاف فوات الصلاة بالكلية. إذاً: لا يسرع ولا يهرول ولا يعدو؛ سواء خاف فوات تكبيرة الإحرام، أو خاف فوات الركعة، أو خاف فوات الصلاة بالكلية؛ لأنه وهو يمشي إلى الصلاة فهو في صلاة، فلا يليق به أن يهرول وهو في صلاة، والأصل أن هذا الحكم يعم صلاة الجمعة وغير الجمعة، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اجتهد في أن من خشي أن تفوته الركعة الأخيرة من الجمعة إذا لم يسرع، فلا بأس أن يسرع حتى لا تفوته الركعة الأخيرة من الجمعة؛ لأنه إذا فاتته، فاتته الجمعة وصلَّى ظهراً وليس له جمعة، وهذا اجتهاده ﵀ في هذه المسألة. وأما بقية الحالات فلا يجوز الإسراع، وأكثر الداخلين إلى المساجد يُخلِّون بهذا الأدب، فيسرعون ويشوشون على أنفسهم بالعجلة وعدم التأني، ويشوشون -أيضاً- على إخوانهم المسلمين والمصلين، بأصوات الأحذية، وحركات الأرجل، وعلى الإمام بالنحنحة وغير ذلك، وربما اجتهد أحدهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] وجهر بها ونحو ذلك، أو قعقع بمفاتيحه، وكل هذا مخالف لآداب الصلاة وحضور المساجد. إن قال قائل: ما معنى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]؟ فقد تقدم الكلام بأنه لا يكون معناه الإسراع والعدو مطلقاً، وإنما المعنى: سرعة المبادرة والاجتهاد في الحضور، على أن النبي ﵊ ربما أسرع لصلاة الكسوف بالذات، قام مسرعاً إليها فزعاً أن تكون الساعة قد قامت.

стр. 268

من آداب المسجد: الذهاب إليه ماشياً ومن آداب حضور المسجد: أن يذهب ماشياً، وأبعد الناس منزلاً أعظمهم أجراً، والسنة مقاربة الخطا وعدم المباعدة بين الخطوات، مقاربة الخطا لتكثر حسنات الماشي، قال ﵊: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) رواه مسلم. وقال: (إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى)، ففي هذه الأحاديث دليل على فضل المنزل البعيد عن المسجد لحصول كثرة الخطا، وكثرتها تكون ببعد الدار، وتكون بكثرة التردد إلى المسجد. وعن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه الصلاة، فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : قد جمع الله لك ذلك كله) رواه مسلم. إذاً: الأجر ليس بالمجيء إلى المسجد فقط، بل حتى تعود إلى البيت أيضاً، فبالأولى تمحو خطيئة، والأخرى ترفع حسنة، كما جاء في صحيح مسلم في المشي إلى بيتٍ من بيوت الله، لصلاة الفريضة من فرائض الله (بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة) والأجر لهم إن شاء الله حتى بعد اختراع الكهرباء وإنارة الشوارع في الليل؛ لأن الأصل أن هاتين الصلاتين في ظلمة الليل تصليان. والإتيان إلى المسجد فيه فوائد صحية، ولا بد أن يحتسب الإنسان الأجر قبل الفوائد الصحية، ولكن يظهر أثر هذا على من كان يمشي، فهذا شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين، يمشي يومياً كما أخبرني الشيخ عبد الله بن جبرين عنه، يقول: يمشي يومياً ثمانية كيلو متر يعني من بيته إلى المسجد، قال الشيخ عبد الله بن جبرين: ولذلك صحته جيدة، فعدونا مرة معه في المسعى بين العلمين الأخضرين، فسبقنا جميعاً وهو في السبعين من عمره! أي: يتضح فيه بجلاء قضية أثر المشي إلى المسجد.

стр. 269

من آداب المسجد: عدم تشبيك الأصابع ومن آداب الحضور إلى المسجد: عدم التشبيك بين الأصابع، والدليل على ذلك: ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا وشبك بين أصابعه) رواه الدارمي والحاكم. وكذلك جاء عن أبي ثمامة الحناط، أن كعب بن عجرة أدركه وهو يريد المسجد، فقال: فوجدني وأنا مشبك بيدي في الطريق إلى المسجد؛ فنهاني عن ذلك، وقال: (إن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة) رواه أبو داود وصححه الألباني. وهذا النهي عن التشبيك علله بأنه في صلاة، فلا يليق وهو في صلاة أن يشبك بين أصابعه، وهذا النهي عن تشبيك الأصابع حال المشي إلى المسجد للصلاة. قال الخطابي ﵀: تشبيك اليد: هو إدخال الأصابع بعضها في بعض والاشتباك بهما، وقد يفعله بعض الناس عبثاً، وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجده من التمدد فيها، وربما قعد الإنسان فشبك يبن أصابعه واحتبا بيده يريد الاستراحة، وربما استجلب به النوم؛ فيكون ذلك سبباً لانتقاض طهره، فقيل لمن تطهر وخرج متوجهاً إلى الصلاة: لا تشبك بين أصابعك، لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه -على اختلافها- لا يلائم شيء منها الصلاة ولا يشاكل حال المصلي. إذاً عرفنا أن من الآداب أثناء الحضور إلى المسجد: ألا يشبك بين أصابعه، سواء جعلهما أمامه أو خلفه، أو على جنب، أو فوق رأسه. بعض الناس يمشي وهو يشبك أصابعه فوق رأسه، فهذه ليست حال من كان عنده سكينة ووقار (وإذا حضر إلى المسجد للصلاة فلا يشبكن بين أصابعه). أليس قد ورد أن النبي ﷺ عندما صلى صلاة نسي فيها، قام كهيئة المغضب إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها وشبك بين أصابعه؟ الجواب نعم، والحديث متفق عليه، فكيف نجمع بين هذا وبين ما تقدم؟ فالجواب: إن التشبيك هنا قد حصل بعد انقضاء الصلاة، فهو في حكم المنصرف من صلاته، فيكون النهي إذاً خاصاً بمن جاء إلى المسجد وبما كان قبل الصلاة، وأما ما حصل بعد الصلاة، أو إذا جلس للدرس بعد الصلاة، وقال: (مثل المؤمنين كمثل الجسد الواحد) وشبك بين أصابعه، فلا حرج في ذلك، وكذلك فليس من الأدب أن يفرقع الذي يأتي إلى الصلاة أصابعه ولا يفعل ذلك في المسجد ولا في انتظار الصلاة؛ لأنه ليس من السكينة ولا من الوقار ولا من الخشوع، وغمز المفاصل هي فرقعة الأصابع، وقد جاء عن شعبة مولى ابن عباس قال: [صليت إلى جنب ابن عباس ففرقعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة قال: لا أم لك! تفرقع أصابعك وأنت في الصلاة؟!] رواه ابن أبي شيبة وحسَّن الألباني إسناده في إرواء الغليل.

стр. 270

من آداب المسجد: صيانته من الأوساخ ومن آداب حضور المساجد: تعاهد النعلين، والمسلم مطالب بنظافة جسده ولباسه، وصيانة المساجد عن الأوساخ، ولا يخلو الطريق إلى المسجد من وجود أوساخ، والصلاة بالنعال قد ثبتت عن النبي ﵊، وهذا محله إذا لم يكن المسجد مفروشاً، أو صلى في رحبته على البلاط، أو على الرمل، أو صلى في الصحراء في السفر أو في مصلى العيد غير المفروش، وفي هذه الحالة يتأكد قبل أن يدخل إلى المصلى أو إلى مسجد العيد، أو المسجد المفروش بالحصى، أو مكان الصلاة الذي يصلي في الصحراء أو في السفر، أن ينظر في نعليه، فإذا رأى ما يريبه؛ فليدلكهما بالتراب؛ فإن التراب لهما طهور، فمسح النعل ودلكها بالأرض مطهر لها من القذر والأذى، وأما بالنسبة للمساجد المفروشة فإن من إتلاف الفراش أن يصلي عليها بالنعال، ولذلك لا يجوز أن يفعله؛ لأن هذا السجاد وقف على المسجد فلا يتلف، ولا يعرض لما يتلفه، وإذا أراد أن يضع نعاله داخل المسجد فلا يؤذي بهما من أمامه ولا من عن يمينه، ولا من عن شماله، ولا من خلفه، فأين يجعلهما؟ بين قدميه، هذا المكان الذي لا يؤذي به أحداً إذا احتاج أن يدخل بالنعال المسجد، يجعلهما بين قدميه، فهذا من آداب حضور المساجد: (إذا صلى أحدكم فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلي فيهما) رواه أبو داود وهو حديث صحيح.

стр. 271

من آداب المسجد: تقديم الرجل اليمنى عند الدخول ومن آداب حضور المسجد: تقديم الرجل اليمنى عند الدخول، لما جاء عن أنس ﵁ أنه قال: [من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى]، أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وهذا كما ترى موقوف وليس بمرفوع. قال ابن حجر ﵀: والصحيح أن قول الصحابي: من السنة كذا محمول على الرفع، وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب التيمن في دخول المسجد وغيره، و [كان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، حتى إذا خرج بدأ برجله اليسرى]، ثم ذكر حديث عائشة ﵂ بلفظ: (كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع، في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله). فيستحب البداءة باليمين عند دخول المسجد. وقال ابن علان: وخصت اليمنى بالدخول لشرفه، واليسرى بالخروج للأشياء، لأن الخروج نفسه من المسجد ليس كالدخول، وهذا مما ينبغي الاعتناء به كسائر الآداب.

стр. 272

من آداب المسجد: الدعاء عند دخوله ومن آداب حضور المسجد: الدعاء عند دخول المسجد: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وعند الخروج: اللهم إني أسألك من فضلك)، وورد أيضاً في الحديث الصحيح: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم) رواه أبو داود بإسناد جيد. فإذا قال ذلك عند دخوله، قال الشيطان: حُفظ مني سائر اليوم، وأيضاً ورد الصلاة على النبي ﷺ ، وقول: (اللهم أجرني من الشيطان الرجيم) رواه ابن خزيمة وغيره، وإسناده حسن لشواهده؛ فلماذا طلبت الرحمة في الدخول وطلب الفضل في الخروج؟ لأن المصلي إذا دخل المسجد اشتغل بما يقربه إلى الله تعالى وإلى رضوانه وجنته من الصلاة والذكر والدعاء فناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠]. فإذا دخل المسجد وانتهى إلى الصف، سن له أن يدعو بما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أن رجلاً جاء إلى الصلاة ورسول الله ﷺ يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: (اللهم ائتني أفضل ما تأتي عبادك الصالحين، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: من المتكلم آنفاً؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله! قال: أيضاً يعقر جوادك، وتستشهد في سبيل الله) الحديث رواه النسائي، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. فإذا اقترب من الصف، وقال هذا الدعاء: (اللهم ائتني أفضل ما تأتي عبادك الصالحين) فهو دعاء مستحب قد جاء في السنة.

стр. 273

من آداب المسجد: الدنو من الإمام من آداب حضور المساجد -أيضاً- التقدم إلى الصف الأول، والقرب من الإمام، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) رواه مسلم. لو تعلمون ما في الصف الأول ما في الصف المقدم؛ لكانت قرعة بينكم، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) رواه مسلم. إذاً: فضيلة الصف الأول عظيمة، والمقصود بالصف الأول هو ما يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدماً أو متأخراً، ولكن المتقدم يكون قد جمع أجر التبكير بالإضافة إلى الصف الأول، أي: لو جاء رجل متأخراً ثم حصل له مكاناً فله أجر الصف الأول، لكن ليس له أجر التبكير مثلما حصل للمبكر. وفي الصف الأول مزايا عظيمة، ذكر ابن حجر بعضاً منها، فمن ذلك: المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع القراءة، والتعلم منه، والفتح عليه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قداماً من المصلين، ربما يشتغلون بأشياء؛ لأن الصف الأول لا ترى أمامك أحداً إلا الإمام، وسلامة موضع السجود من أذيال المصلين. ومن الأخطاء: أن بعض الناس إذا دخل المسجد لا يتجه إلى الصف الأول، إنما يتجه إلى الصف الثاني، أو وسط المسجد، أو مؤخرة المسجد وهذا خلاف ما عليه صحابة الرسول ﷺ ، فقد كانوا إذا جاءوا قبل الصلاة ابتدروا الصف الأول، مادام في الصف الأول متسع يتسع لأشخاص، ثم يبدءون بالثاني، خلاف ما عليه الناس اليوم من الجهل وعدم اتباع السنة، والرغبة عن الخير والزهد في الثواب، فلماذا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فمن جاء أول الناس وصف في غير الأول فقد خالف الشريعة، وإذا ضم إلى ذلك إساءة الصلاة أو فضول الكلام أو مكروهه أو محرمه ونحو ذلك مما يصان المسجد عنه؛ فقد ترك تعظيم الشرائع، فاستحق العقوبة. وينبغي لطلبة العلم والحفظة أن يتقدموا إلى الصف الأول قبل غيرهم، وأن يلوا الإمام، ويتعمدوا الوقوف خلفه؛ لقوله ﵊: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) رواه مسلم. قال النووي في شرح الحديث: في هذه الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإحرام، ولأنه ربما احتاج إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره من الجهلة أو العامة أو الأطفال ونحو ذلك، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم. فالسنة أن يتقدم في الصف الأول أهل الفضل والسن، وأن يلي الإمام أكملهم وأفضلهم، قال الإمام أحمد: يلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان، فإذا التفت الإمام فرأى وراءه صبياً، فقال له: يا ولدي! تأخر أو اذهب إلى آخر الصف، فليس هذا من التعسف وقلة الأدب أو الذوق كما يسميه بعض الناس، وعدم احترام مشاعر الأطفال، لا، بل هذا من الحفاظ على تطبيق السنة (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) وليس الأطفال والصغار منهم؛ لأنهم أقربهم من العبث، ولا يعون الصلاة وعياً تاماً بحيث يفتح على الإمام أو ينبه الإمام إذا أخطأ، أو عندهم فقه أو علم وأنتم تعرفون كيف يتصرفون. إذاً: الصف الأول والدنو من الإمام خاص بالرجال، أما النساء فيتعين في حقهن التأخير والبعد عن الإمام، كما جاء في الأحاديث. مسألة: أين الصف الأول في المسجد الحرام؟ معلوم أن المسجد الحرام فيه دوائر حول الكعبة، فأين الصف الأول منها؟ الدائرة الأولى مما يلي الإمام مباشرة، هي الصف الأول، فمن أرد أجر الصف الأول في الحرم فعليه أن يكون في الدائرة الأولى بعد الإمام مباشرة؛ لأن الإمام قد يصلي في السقف، فيلتقي به بعض المصلين من الجهة الأخرى. أين الصف الأول في المسجد النبوي؟ هل هو في التوسعة أو هو في المسجد القديم في الروضة وراء المحراب القديم الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ ؟ الجواب الصف الأول هو ما كان وراء الإمام في التوسعة إذا صلى هناك، وليس في الروضة، ولا المحراب القديم، ولو فعل ذلك كثير ممن لا علم عنده، يتزاحمون في هذا المكان، ويتركون الصف الأول والصف الثاني والصف الثالث، ويبتدرون في الروضة، فهذا من الجهل بالأجر، الروضة ورد فيها (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، فسره الإمام مالك وغيره: بإقامة حلق العلم في هذا المكان، حلق الذكر، فلم يرد نص مرفوع على صلاة ركعتين في الروضة، أو أن الإنسان يبتدر هذا المكان. إذاً: ترك وصل الصفوف وإتمام الأول فالأول خطأ، وتفويت الصلاة في الصف الأول مع إمكان التقدم خطأ، سواء في الحرم المكي أو في الحرم النبوي، ومخالفة للهدي النبوي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده ﷺ -الإضافات والتوسعات- حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه لو وسعوا المسجد، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا يكون خارجاً عنه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده؛ لكانت تلك صلاة في غير مسجده، ثم قال: وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وإذا كان كذلك فإنه يمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف قال خلاف هذا، ولكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكروا أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت له في ذلك سلفاً من العلماء.

стр. 274

من آداب المسجد: السلام على المصلين ومن آداب حضور المساجد: السلام على المصلين عند دخول المسجد، ولو كان الإنسان يصلي فإنه لا بأس أن تسلم عليه، والسلام على المصلي مشروع، وهو مذهب جمهور أهل العلم، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁، قال: (كنت أسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علي، فلما رجعنا سلمت عليه فلم يرد علي، وقال: إن في الصلاة شغلاً). فيدل هذا على جواز السلام على المصلي، ولما حرم الكلام في الصلاة ورجع المسلمون من الهجرة الثانية من الحبشة، سلم ابن مسعود على عادته، ففوجئ أن النبي ﷺ لم يرد عليه باللفظ، وإنما رد عليه بالإشارة، وأخبره أن سبب امتناعه عن الرد عليه لفظاً وهو انشغاله بأمر عظيم وهو الصلاة؛ وفيها مناجاة لله تعالى فلا يصلح فيها الكلام مع البشر، ولو كان السلام على المصلي غير مشروع لقال النبي ﵊ لـ ابن مسعود مثلاً: لا تسلم علي وأنا في الصلاة، لكنه لم ينكر عليه تسليمه عليه وهو في الصلاة، وإنما أشار إلى أنه لا يتلفظ بالرد فقط، وقد ثبت الرد بالإشارة، فيما رواه ابن عمر ﵄، قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، فجاءه الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي -هكذا في الحديث- قال: فقلت لـ بلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول: هكذا وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه -راوي الحديث- وجعل بطنه أسفل وظهره فوق) والحديث الذي قبله رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. إذاً: لو سلم عليك إنسان وأنت في الصلاة فارفع باطن كفك إلى الأسفل وظاهره إلى الأعلى، وقد فسره الشيخ ناصر الدين الألباني عملياً فكنا معه وكان يصلي فدخلت عليه فسلمت فرفع يده هكذا وقد وردت كيفية أخرى أيضاً وهي الرد بالإشارة بالأصبع والأظهر أنها السبابة، لأنها أيسر؛ ولأن العادة جرت برفعها، كما جاء في حديث صهيب، قال: (مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه فرد عليَّ إشارة، وقال: لا أعلم إلا أنه قال إشارة بأصبعه) رواه أبو داود. أما الشوكاني ﵀ فقد جمع بين الحديثين، فقال: ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن يكون أشار بأصبعه مرة ومرة بجميع يده، ويحتمل أن يكون المراد باليد الأصبع حملاً للمطلق على المقيد، ولكن تفسير الراوي لمَّا جعل بطن الكف إلى الأسفل ليس هذا، لا يحتمل هذا بالوجه الذي ذكره في آخر كلامه ﵀. وقد روى البيهقي رواية في الإيماء بالرأس عن ابن مسعود، وحينئذٍ قال: ويجمع بين الروايات أن النبي ﷺ فعل هذا مرة، وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزاً. الخلاصة: أن المراد برد السلام هو بالإشارة، ولو أخره إلى بعد السلام من الصلاة فرد عليه باللفظ فلا بأس، لكن قد يخشى الإنسان أن ينصرف المُسلِّم، يسلم ويمشي فعند ذلك السنة أن يرد عليه بالإشارة، ولا يتعارض هذا مع النهي عن السلام بالإشارة وأنه من صنع أهل الكتاب الذين أمرنا بمخالفتهم؛ لأن ذاك سلام بدون سبب، مع القدرة على الكلام، أما هذا رد مع وجود الحاجة، لأجل الصلاة.

стр. 275

من آداب المسجد: صلاة تحية المسجد من آداب المسجد أن الإنسان إذا دخل المسجد لا يجلس مباشرة دون أن يفعل شيئاً وإنما أمر بشيء يعظم به بيت الله تعالى، ويكرم موضع العبادة ألا وهو تحية المسجد؛ لأن الداخل يبتدئ بهما كما يبتدئ الداخل على القوم بالتحية، ولذلك سميت تحية المسجد: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وهذا الأدب يتعلق به أحكام فقيه، مثلاً: هل التحية سنة أو واجبة؟ وجمهور العلماء على الاستحباب، واحتجوا بحديث الأعرابي: (هل عليَّ غيرهن قال: لا، إلا أن تطوع) وذهب بعضهم إلى الوجوب. وعلى أي حال، فإن الإنسان لا يفوت هذا الأجر. وكذلك مسألة تحية المسجد وقت النهي فقد ذهب الشافعي ﵀ وغيره إلى أن تحية المسجد وقت النهي لا بأس بها؛ لأنها صلاة ذات سبب، وأما بالنسبة إلى قطعها إذا أقيمت الصلاة، إذا كان الإنسان في آخر الصلاة أتم خفيفة، وإذا كان في أولها أو وسطها قطعها، وحتى لو كان في خطبة الجمعة والإمام يخطب فإن المأموم يصلي تحية المسجد إذا دخل، والمسجد الحرام إذا دخله للطواف كان طوافه هو التحية، وإذا دخله للصلاة كان تحيته كبقية المساجد صلاة ركعتين، لكن صلاة ركعتين في المسجد الحرام تحية ضعف تحيات بقية المساجد، بمائة ألف ضعف، فكل صلاة مشروعة في المسجد الحرام تضاعف، ولو كانت الركعتين الطواف، أو صلاة ركعتين بعد طلوع الشمس، أو تحية المسجد، أو الجنازة، وغير ذلك.

стр. 276

من آداب المسجد: عدم الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر وكذلك فإن من الآداب عند حضور المسجد ألا يخرج بعد الأذان إلا لعذر؛ لأن الخروج إعراض عمَّا يقتضيه الأذان، لأن في الأذان: حيّ على الصلاة، وهذا يريد أن يخرج من المسجد الذي صلَّى فيه، إن في الأذان طلباً للإقبال على الصلاة، وحضور المساجد للصلاة، وهذا الخروج ينافي ذلك، ثم لعله يكون ذريعة إلى الاشتغال عن الصلاة والتأخر عنها، ثم إن فيه تشبه بالشيطان، كيف ذلك؟ ألم يقل النبي ﷺ : (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع صوت التأذين) الحديث رواه البخاري ومسلم. قال ابن بطال ﵀: ويشبه أن يكون الزجر عن الخروج من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن لئلا يكون متشبهاً بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان، وقد قال أبو الشعثاء ﵀: (كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، وهذا الحديث رواه مسلم ﵀ وهو مرفوع حكماً، ولو كان من كلام أبي هريرة؛ لأن مثل هذا التأثيم أو إثبات المعصية لا يقوله الصحابي بمجرد الرأي، وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رفعه إلى النبي ﷺ : (لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق) رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الترغيب، وقال الهيثمي: رواته محتج بهم في الصحيح، فإذاًَ لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، مثل أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بد منه، والنبي ﵊ لما أقيمت الصلاة عدَّل الصفوف، فانتظروا أن يكبر فأشار إليهم أن مكانكم، ثم دخل بيته وانتظروا قياماً حتى خرج من بيته، ورأسه يقطر ماءً وقد اغتسل، تذكر أن عليه غسل، فدخل واغتسل ورجع. إذاً: الإمام إذا أراد أن يكبر فتذكر أنه على غير وضوء والناس ينتظرون والصلاة قد أقيمت، فالسنة أن يقول الإمام لهم: انتظروا كما أنتم مكانكم، ويذهب ويتوضأ ويأتي، فإن كان عليه غسل وبيته بعيد ويخشى أن يتضايق الناس، والناس في هذا الزمان صدورهم ليست كصدور الصحابة مع النبي ﷺ في ذلك الزمان، فيستخلف شخصاً ويذهب هو، ولكنه لو قال: مكانكم وذهب وتوضأ ورجع لا يحق لأحد أن يلومه إذا لم يضر بهم فلا يلومه أحد هكذا وردت السنة. وكذلك لو أذن المؤذن في مسجد ويوجد أئمة مساجد في هذا المسجد نفترض الآن هذا الدرس مثلاً استمر وانتهى، وقام المؤذن للأذان، ويوجد معنا في المسجد أئمة مساجد، لا بد أن يذهبوا، فعند ذلك يكون خروجهم من باب العذر، ولا حرج عليهم في الخروج، وقد قال النبي ﷺ : (من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) رواه ابن ماجة وصححه الألباني. إذاً من أفعال المنافقين الخروج من المسجد، والمقصود بالنفاق: النفاق العملي وبعض المؤذنين إذا أذن خرج إلى بيته، وهذا وإن كان يريد الرجوع للإقامة لكن الأولى في حقه ألا يخرج إلا إذا دعت الحاجة، والمؤذن أولى الامتثال من غيره؛ لأنه هو الذي يدعو الناس إلى الصلاة فكيف يخرج. ثم يفوت الأجر ولاشك وهو أجر انتظار الصلاة، لأن من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، ولذلك فإن وظيفة الجالس في المسجد هي ذكر الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] إذاً: قراءة القرآن، والذكر والتسبيح، والدعاء وغيرها من العبادات كلها وظيفة الجالس في المسجد.

стр. 277

من آداب المسجد: تجنب الكلام بالباطل ومن الآداب أن يحذر من الكلام الباطل أو الكلام الذي لا فائدة فيه، فلا مكان في المسجد للغيبة والنميمة والكذب، وإذا كانت هذه الأشياء محرمة خارج المسجد؛ فهي في المسجد أشد تحريماً، وكل كلام لا فائدة فيه ينبغي أن ينزه المسجد عنه، وبعض الناس يتكلمون كلاماً كثيراً لا فائدة فيه، وبعضهم قد يفعل ذلك في الاعتكاف الذي هو مظنة الذكر والإقبال على الله، والاجتهاد في العبادة والانقطاع عن الدنيا، ولا شك أن هذا مذموم، قال شيخ الإسلام ﵀: وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن، وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريماً، وكذلك المكروه يكون في المسجد أشد كراهية، ويكره فيه فضول المباح، وقد ورد عن ابن عباس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] قال: [نهى سبحانه عن اللغو فيها] وكذا ورد عن جمع من السلف.

стр. 278

من آداب المسجد: عدم رفع الصوت في المسجد من الآداب في المسجد ألا يرفع صوته ولا يصيح لا يرفع صوته لا بقراءة القرآن ولا بغيره، وقد نهى النبي ﷺ عن نداء القارئ المسلم لأخيه المسلم (لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) وإذا كان رفع الصوت بالقرآن منهي عنه، فكيف إذا رفع صوته بغير القرآن كحديث الدنيا! وكيف إذا كان يرفع صوته وجاره الذي بجانبه يقرأ القرآن؟ قال ابن عبد البر ﵀: "وإذا نهي المسلم عن أذى المسلم في عمل البر وتلاوة القرآن، فإيذاؤه في غير ذلك أشد تحريماً، وإذا كان المسجد النبوي أو المسجد الحرام، يزداد السوء وتعظم القضية، ولذلك جاء عن السائب بن يزيد ﵀ قال: [كنت قائماً في المسجد -المسجد النبوي- فحصبني رجل، فنظرت فإذا هو عمر ﵁، قال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما -أشار إلى رجلين يتحدثان- فقال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ !] ولذلك نص أهل العلم على كراهية رفع الصوت في المسجد إلا فيما لا بد منه من العلم ونحوه، مثل الشيخ يرفع صوته بالدرس ليسمع الناس، والإمام يرفع صوته بالقراءة ليسمع المأمومين، أو المؤذن يرفع صوته بالتكبير، وكان لأئمة الحديث في المسجد من يبلغ إذا اتسع الجمع وكان كثيراً.

стр. 279

من آداب المسجد: عدم الاشتغال بأمور الدنيا في المسجد من الآداب: عدم الاشتغال في المسجد بأمور الدنيا، وإذا كان في البيع والشراء فهو حرام، وكذلك نشدان الضالة وما كان في معناها، فنشدان الضالة، أي: رفع الصوتبالنداء، فإذا نشد وقال: من رأى مفاتيح سيارتي؟ من رأى محفظة؟ من رأى ولدي؟ كل ذلك من نشدان الضالة، ويدخل في هذا المعنى الإعلان عن الأشياء المفقودة في المسجد، لو قال شخص: هذا لا يسأل لنفسه وإنما لأجل غيره؟ نقول: إنه بمعنى نشدان الضّالة، فيقول: لو أن رجلاً أعلن في المكبر عن ولد ضايع، هذا يفعل من باب الشفقة أو يظن أنه فعل خير، وكذلك لو قيل مثلاً: هنا سلسلة مفاتيح محفظة، فعلى صاحبها أن يتقدم إلى الأمام أو إلى الإمام فالمسألة داخلة في نشدان الضالة، وقد سألت الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن وضع لوحة للمفقودات، هل هو من نشدان الضالة؟ فقال: النشدان هو رفع الصوت، وهذا لعله ليس فيه رفع صوت، لكن تجعل اللوحة في الخارج لها باب وقفل تعلق فيها الأشياء المفقودة. ما حكم أن يقول الشخص لصاحبه في المسجد: أريد أن تقرضني خمسة ريالات، ما رأيك في هذا؟ يفعل أو لا يفعل؟ النهي عن البيع والشراء يشمل أيضاً القرض والرهن ونحو ذلك، والإجارة: أجر لي غرفتك، وأجرني شقتك، عندي شقة للإيجار، كل هذا من أمور الدنيا.

стр. 280

من آداب المسجد: الحذر من النوم ومن الآداب الانتباه لعدم النوم واستدعاء النوم أو الجلوس في هيئة تستجلب النوم، قيل: هو من أسباب النهي عن الإحتباء -لو صح- أنه مجلبة للنوم، أو مظنة لخروج الريح، أو مظنة لاكتشاف العورة، ولكن قد يسيطر النوم على الإنسان، فعند ذلك ماذا يفعل؟ يطبق حديث النبي ﵊: (إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره) هناك احتمالان: الأول: أن الحركة تذهب النعاس. الثاني: أن هذا مكان حضرته فيه غفلة، والتحول عن المكان الذي حصلت فيه غفلة طيب، وقد تحول النبي ﷺ عن الوادي الذي ناموا فيه عن صلاة الفجر وطلعت الشمس، وحضر الشيطان، فتحولوا من ذلك المكان.

стр. 281

من آداب المسجد: تسوية الصفوف ومن آداب حضور المسجد: الصلاة فيه وتسوية الصفوف إذا أقيمت الصلاة، والاعتناء بذلك عناية بالغة، وقد قال ﵊: (سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)، وفي رواية: (من إقامة الصلاة)، وفي رواية: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم). وقوله: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) إذاً قول الإمام: سووا صفوفكم أو استووا سنة، ولو لم يكن له حاجة فلا داعي أن يتكلم، لو نظر إليهم فرآهم مستوين، فلا حاجة إلى التنبيه، لكن إذا رأى تقدماً وتأخراً وخلخلة وفراغات في الصف، ينادي بالاستواء: استووا! سووا صفوفكم! فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا أمر للوجوب، أمر ثم تهديد (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) وفي تسويتها ثواب عظيم، لقوله ﵊: (ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله) ففيه ثواب لمن طبقه، ووعيد لمن خالف: (ومن سدَّ فرجة رفعه الله بها درجة وبني له بيتاً في الجنة) رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني في صحيح الترغيب. ثم بالإضافة إلى الأجر هذا لمن وصل صفاً وسدَّ فرجة، قد قال ﵊: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف) أخره الإمام أحمد، وإسناده صحيح. وهذه الخطوة التي يمشيها لسد فرجة من أعظم الخطوات أجراً عند رب العالمين، كما قال ﵊: (وما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها) رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن، وهو في صحيح الترغيب، فهذه الأحاديث تبين فضيلة تسوية الصفوف وسد الفرج. وكذلك جاء في الحديث مدح من يأخذ بيد صاحبه إذا أمره بالاستواء، أو أراد الدخول لسد فرجة. وأما تسوية الصفوف، فقد جاء فيها أحاديث (أقيموا صفوفكم) قال أنس: (وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم لترى أحدهم كأنه بغل شموس) رواه البخاري. فلو جئت الآن تأخذ بيد رجل لتسوية الصف وسد الفرجة، لنفر منك كأنه بغل شموس متمرد. ما هي كيفية تسوية الصفوف؟ وما معنى حديث النعمان بن بشير (فرأيت الرجل يلصق بمنكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه). إن النصوص تدل على أن تسوية الصفوف تتحقق بما يلي: أولاً: إتمام الصف الأول فالأول. ثانياً: سد الفرج بالتراص. ثالثاً: استقامة الصف وتعديله بمحاذاة ما بين الأعناق والمناكب، والركب والأكعب، ولا حظ معي محاذاة المناكب بالمناكب، والأعناق بالأعناق، والركب بالركب، والصدور بالصدور، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا منكب على منكب، ولا صدر على صدر. رابعاً: ألا يوسع المصلي بين قدميه أكثر من عرض المنكبين؛ لأن ذلك ينافي التسوية، ويمنع التصاق المنكب بالمنكب، فليس من تسوية الصفوف ما يفعله بعض الشباب من فك أرجلهم زيادة على عرض المنكبين، لأجل أن يلصق رجله برجل جاره، فيطارده يميناً أو شمالاً؛ لأجل أن يلزق قدمه بقدمه. إذاً: التسوية أن تفتح قدميك على عرض منكبيك، وتأخذ بيد من بجانبك بلطف ليلتصق بك من المنكب، فهذه هي التسوية، ولا يتقدم ولا يتأخر، فإذا التزق المنكب بالمنكب وما تقدم ولا تأخر، وفتح كل رجل رجليه بعرض منكبيه، واستقام الصف، أمَّا أنه يباعد بين قدميه لكي يلصق من هنا وهنا لم يسو الصف التسوية المطلوبة شرعاً، ثم بعض الناس يعملون خططاً حربية، ويضم رجليه ضماً مبالغاً فيه، حتى يأتي الرجل ذاك والذي بعده والذي بعده فإذا جاءوا فتحها، وقال: أين المصف؟ فهذه الأشياء لا شك أنها تنفر بعض الناس وخصوصاً بعض كبار السن، وبعض الذين لا يعرفون أهمية السنة في هذا، فينبغي الحكمة في تطبيق السنة، وكل ما علينا أن نفعله أن عرض المنكبين هو فتحة ما بين القدمين، ونلصق المنكب بالمنكب، ولا يشترط أن يلزق القدم بالقدم؛ لأن فيه اشتغالاً وإشغالاً، خصوصاً إذا قام في الركعة الثانية والثالثة، ليس من السنة أنه كل ما قام من الركعة أن يلزق القدم بالقدم، لأن هذا فيه اشغال واشتغال، وتنفير من الناس الذين لا يريدون هذا الإلصاق، ومن الأدلة على أن هذا ليس بمراد: أن الصحابي قال: (فرأيت الرجل يلزق منكبه بمكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه) وابن حجر يقول في الفتح: المسألة تحتاج إلى شرح وفهم لكلام العلماء، أي: المقصود المبالغة في تعديل الصف وسد الخلل، بدليل أن إلزاق الركبة بالركبة حال القيام متعذر، وهذا الإلزاق في استمرار الصلاة ليس من السنة، وفيه إشغال، وأحياناً يقتطع من مكانه ذلك بغير حق، ثم هذه المباعدة ربما أدت إلى مخالفة لسنة أخرى وهي توجيه أصابع القدمين إلى القبلة، فالسنة أن يتوجه المصلي بكليته إلى القبلة، ومن ذلك رءوس القدمين والأصابع؛ لأنه إذا أراد الإلزاق فوَّت ذلك أحياناً.

стр. 282

من آداب المسجد: عدم الصف بين السواري وليس من الأدب الصف بين السواري في المسجد: (كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونطرد عنها طرداً)، كما جاء عن معاوية بن قرة عن أبيه، والحديث في صحيح مسلم لماذا؟ لأن السواري تحول بين الناس وبين وصل الصف وتسويته، فيصبح الصف مقطعاً بالأعمدة والسواري، لكن إذا دعت الحاجة إلى هذا، كأن يكون المسجد صغيراً، فيكون في صلاة الفجر والظهر والعصر فيه سعة، فلا نصلي بين الأعمدة، لكن في صلاة العشاء والجمعة نحتاج أن الناس يصفون بين السواري، فنقول: إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس به، وهذا يوجد في الحرم، وقت الزحام، بعض الصفوف تتخللها السواري، مسافات متقاربة، لكن إذا كان الصف مثل هذا الصف الذي في الحرم، الصف بين الساريتين فقط، أي: هنا عمود وهنا عمود والصف بينهما، ولا يوجد بعد العمودين شيء، فهذا لا يعتبر صفاً تتخلله السواري، وإنما هو صف كامل ليس بمقطوع -لم تقطعه السواري- لأن عرض الصف ما بين الساريتين، وليحذر المصلي أن يقف في صف متأخر مع وجود أمكنة في الصفوف الأولى، لأن هذا مخالف لقوله ﷺ : (أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معقباً على هذه الظاهرة السيئة التي نجدها خصوصاً في مكة، أناس يصلون خارج الحرم، ويوجد فراغ في الداخل، والبعض يصلون عند الباب والبعض على الرصيف، وبعض أصحاب المحلات يصلي أمام الحانوت، حتى يفتح حانوته بعد السلام مباشرة، يقول شيخ الإسلام: ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطيه. إذاً لو رأيت جماعة يصلون خارج الحرم، ويوجد فراغ في داخل الحرم، فلو تخطيت رقابهم فلا حرج عليك؛ لأنهم قد أسقطوا حرمتهم بهذا الإهمال والكسل الذي فعلوه، في أن يصلوا في الخارج، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة، فإن هذا لا حرمة له، وقال: بل إذا أمتلأ المسجد بالصفوف، وصفوا خارج المسجد، فإن اتصلت الصفوف حينئذٍ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم، وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة؛ فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء، لكن لو صلوا خلف جدار المسجد بحيث امتلأ المسجد وصلوا خلف الجدار، ويسمعون الصلاة والتكبير تصح صلاتهم، وقال: فمن صلَّى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام كانت صلاته مكروهة. إذاً: يجب الاهتمام بتسوية الصفوف، حتى ما جاء في السنة، وكان عمر يُوكِّلُ رجلاً أو رجلين لتسوية الصفوف.

стр. 283

من آداب المسجد: متابعة الإمام وعدم الوقوف وكذلك فإن من الآداب: أن الإنسان إذا دخل المسجد وجماعة تصلي، فلا يقف بدون صلاة، فبعض الناس إذا دخل المسجد والإمام في السجود وقف في الصف بدون صلاة، فيفوت الأجر، بل يدخل مع الإمام ولو لم تعد ركعة، أليس إذا سجدت تؤجر على السجود ووضع الجبهة على الأرض لله رب العالمين؟ ألست تؤجر على تسبيح السجود؟! ألست تؤجر على دعاء السجود؟! إذاً: لماذا تضيع هذه الفرصة؟! وقوله ﵊: (فما أدركتم فصلوا) يدل على أنك تدخل مع الإمام في أي مكان كان فيه الإمام: (فما أدركتم فصلوا) أدركت سجدة، ركعة، ركوعاً، رفعاً من الركوع، جلسة بين السجدتين: (فما أدركتم فصلوا)، ولذلك قال ابن حجر ﵀ في شرحه: واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حال وجد عليها. وعن معاذ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) رواه الترمذي، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي، وفي السلسلة الصحيحة وبهذا أخذ من رأى أن المأموم إذا جاء في التشهد الأخير يدخل مع الإمام؛ لأن عموم الحديث يقتضي هذا. يا شيخ! إذا كنا داخلين جماعة، وصلينا جماعة ثانية؛ لأننا نعرف أن الإمام في التشهد الأخير؟ الجواب ما أدراك أن أجر الدخول مع الإمام في التشهد الأخير أكثر من الجماعة الثانية؟ لأن أجر الجماعة الثانية ليست مثل الأولى إطلاقاً، فيمكن يكون الامتثال لحديثه ﵊ بالدخول مع الإمام في أي موضع، أكثر من الجماعة الثانية. وعلى أية حال، هذه مسألة اجتهاد كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، فلو أنه انتظر لا ينكر عليه، لا يقال: ارتكبت حراماً، ولكن حتى الذي انتظر، لا يشرع له أن يحدث جماعة قبل أن يسلم الإمام، لئلا يكون هناك جماعة ثانية في المسجد في الوقت نفسه، وهذا لا شك أن فيه شق للمسلمين وتفريق، وهذا أمر مذموم شرعاً. إذا كان الإمام قائماً أو راكعاً أو ساجداً أو في الجلسة يبن السجدتين، أو في التشهد، فليدخل معه على الحال التي هو عليها، فإن اجتهد وكان معه أناس كثيرون وفيهم أناس من أهل الفضل، وجاء في التشهد الأخير فانتظروا إلى أن يسلم الإمام فصلوا فلا بأس عليهم.

стр. 284

من آداب المسجد: عدم حجز مكان فيه ومن آداب المسجد ألا يحتجر فيه مكاناً، فقد اعتاد بعض الناس أن يحجز مكاناً؛ لفرش سجادة أو وضع عصاً ونحوها وهو في منزله أو في عمله، وهذا الظاهرة تكثر في الحرم في رمضان وفي غيره، يفرشون سجاجيد ولا يكتفون بحجز مكان لأنفسهم؛ بل يحجز مكاناً لنفسه وأقاربه وأصدقائه وربما حجز بعضهم أماكن للمال في أماكن معينة في الحرم، فإذا جئت تجلس تدفع خمسين ريالاً لتجلس، يقوم بذلك أناس معروفون تجدهم جالسين، يأتي إلى الحرم مبكراً ويحجز مكاناً ثم يستلم خمسين ريالاً، وهي بحسب المواسم، إذا كان في ليلة سبع وعشرين تبدأ التسعيرة ترتفع، وهذا يفعله بعض من لا خلاق له في الدنيا والآخرة. والمصلي مأمور بالتقدم إلى المسجد والقرب من الإمام بنفسه لا بعصاه وسجادته، مأمور بأن يقترب من الإمام بنفسه، ثم إن العمل هذا لا شك أنه فيه ظلم من عدة جهات: ١ - الناس في بيوت الله سواء، فما هو حق هذا الشخص الذي يتقدم على غيره. ٢ - قد يؤدي إلى تعطيل مكان في المسجد لا يصلي فيه إلا مثل البعير، وقد نهي النبي ﷺ عن هذا. ٣ - ربما يكون من أسبابه أن تتحول العبادة إلى عادة، نفس المكان نفس المكان نفس المكان، ربما تتحول إلى عادة، وفيه مشابهة للبعير، وقد نهينا عن مشابهة البهائم والدواب. ٤ - يؤدي إلى شيء من الشهرة والرياء والسمعة. ٥ - بعض الناس يؤدي حجزه هذا إلى التساهل بالصلاة لأنه يعرف أن مكانه محجوز، ويتراخى عن الاستعداد والحضور. ٦ - يؤدي إلى تخطي رقاب الناس بغير حق وهذا إثم آخر. ٧ - فيه ترفع على الآخرين، وإحساساً بالفارق. ٨ - فيه الاعتداء على حقهم في التقدم، فأخذه منهم وسلبهم حق لهم. ٩ - أنه يسبب الشحناء والبغضاء، وكم من أناس حاولوا أن يرفعوا بعض المفارش وصارت خصومات بينهم. ١٠ - قد يؤدي أيضاً إلى عدم تسوية الصفوف، هذا المكان محجوز وتقام الصلاة وهو محجوز، والمكان يشغل فرجة في الصف، فرق بين هذا المتكاسل الظالم لنفسه ولغيره، وبين من جاء مبكراً فجلس ثم احتاج أن يقوم لحاجة، كأن يتوضأ ويرجع، فجعل مكان جلوسه غطاء رأسه، أو كتاب أو مفرش، فذهب بسرعة ثم رجع، هذا شغل يسير، لا أن يذهب ويطعم وينام، يذهب لحاجة، ومن سبق إلى مكان في المسجد فهو أحق به، ولا يجوز إقامته منه، سواء كان شريفاً أو وضيعاً، غنياً أو فقيراً، صغيراً أو كبيراً، وفي الحديث: (نهى الرسول ﷺ أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر) والناس في المباح سواء، ومن غصب فالغصب حرام، وصلاته في هذا المكان باطلة عند جمعٍ من أهل العلم.

стр. 285

من آداب المسجد: عدم هجر المسجد القريب ومن آداب المسجد أيضاً: ألا يهجر المسجد الذي يليه، لقوله ﷺ : (ليصلي أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد) رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير. هجر المسجد أو الذهاب إلى مسجد أبعد يؤدي إلى سلبيات، منها: هجر المسجد الذي يليه، وإذا كان كل واحد من جماعة المسجد سيذهب إلى مسجد آخر، وهذا وهذا، فإن ذلك يؤدي إلى قلتهم، ثم ربما يؤدي إلى خلو المسجد وعدم عمارته. ومن السلبيات أيضاً: إيحاش صدر الإمام وإساءة الظن به، أو الوقوع في عرضه، أو يقول الناس: لماذا فلان لا يصلي وراء الإمام؟ الإمام هذا فيه مشكلة فيه كذا لماذا يتركونه ويذهبون إلى غيره؟ فيؤدي إلى إلصاق التهم بالإمام ونحو ذلك. ثم إن الشريعة جاءت لتأليف القلوب، فإذا كان هذا الفعل فيه كسر لقلب إمامك أو جماعة مسجدك، فجبر قلوبهم أولى من أن تقول: الأبعد أفضل، وأمشي زيادة، لأن مقصد الشرع تأليف القلوب، وهو أكبر من المقصد في زيادة الخطا إلى المسجد الأبعد، وظاهرة تخطي المساجد تحدث في رمضان، لأن بعض الناس يتتبعون حسن الصوت، وربما أدى ذلك إلى هجر بعض المساجد، فيقع في نفس الإمام ما يقع، أو في نفس من بنى المسجد ما يقع، لما هُجِرَ مسجده. تتبع المساجد من أجل حسن الصوت فيه تفصيل: إذا كان يؤدي إلى مفاسد منع، ونقول له: اجلس في مسجدك ولا تتبع المسجد الآخر من أجل الصوت، وإذا كان لا يؤدي إلى مفاسد، قال: أنا سأذهب إلى مسجد كذا، وجماعة مسجدنا في حينا كثيرة، والشيوخ والعامة كثر، فلو ذهبت وذهب معي عشرة لا يحدث شيء للمسجد، وانتفت السلبيات، ولن يغلق المسجد، ولن يهجر، ولن يحدث بينه وبين الإمام وجماعة المسجد شيء، فلو ذهب لا حرج عليه، ولو كان يؤدي إلى مفاسد فلا يذهب، هذا التفصيل في قضية تتبع المساجد من أجل الصوت. أما إذا وجد غرض صحيح لتخطي الإنسان مسجده إلى مسجد آخر، مثل أن يكون إمام مسجده لا يقيم الفاتحة، أو لا يطمئن في صلاته، أو يرتكب بعض المخالفات الشرعية، أو يجاهر ببدعة، أو يجاهر بمعصية، أو أنه سيذهب إلى مسجد آخر ليحضر درساً، أو محاضرة، أو أن المسجد الآخر يصلي بسرعة وهو مستعجل، أو أن المسجد الآخر يصلي متأخراً وصاحبنا متخلف. إذاً: هناك أسباب فلو ذهب إلى المسجد الأبعد لهذه الأسباب، فلا بأس بذلك. ومن آداب المسجد: ألا يؤذي المصلين، لا بالرائحة، ولا بوضع النعال في مكان غير مناسب، ولا بتخطي الرقاب، وقد قال النبي ﷺ لرجل: (اجلس فقد آذيت) وربما فاته أجر الجماعة كلها بسبب هذا الإيذاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيرها. إذاً: بعض الناس يأتي ويقول: أدخل والله ييسرها، وهذا خطأ، فإذا وجد فرجة يتقدم إليها، والذين لم يتقدموا أسقطوا حقهم في منع التخطي، لماذا لم يتقدموا لسدها؟ فهو يتقدم لسدها ولا حرج عليه، واشترط بعض العلماء أن يكون ممر لا تلتصق فيه ركبتا المتجاورين، إذا كان يوجد فرجة في الأمام موجودة، وتقدم فسدها، وإذا لم تكن فرجة موجودة فلا يتقدم؛ لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، واختار التحريم، فأما إذا تركت فرج في الصفوف فلا حرج في اختراق الصفوف لسد هذه الفرج والقيام في تلك الصفوف.
следующие страницы →