← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35111

سلسلة الآداب - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (576 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من آداب المسجد: تسوية الصفوف ومن آداب حضور المسجد: الصلاة فيه وتسوية الصفوف إذا أقيمت الصلاة، والاعتناء بذلك عناية بالغة، وقد قال ﵊: (سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)، وفي رواية: (من إقامة الصلاة)، وفي رواية: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم). وقوله: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) إذاً قول الإمام: سووا صفوفكم أو استووا سنة، ولو لم يكن له حاجة فلا داعي أن يتكلم، لو نظر إليهم فرآهم مستوين، فلا حاجة إلى التنبيه، لكن إذا رأى تقدماً وتأخراً وخلخلة وفراغات في الصف، ينادي بالاستواء: استووا! سووا صفوفكم! فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا أمر للوجوب، أمر ثم تهديد (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) وفي تسويتها ثواب عظيم، لقوله ﵊: (ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله) ففيه ثواب لمن طبقه، ووعيد لمن خالف: (ومن سدَّ فرجة رفعه الله بها درجة وبني له بيتاً في الجنة) رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني في صحيح الترغيب. ثم بالإضافة إلى الأجر هذا لمن وصل صفاً وسدَّ فرجة، قد قال ﵊: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف) أخره الإمام أحمد، وإسناده صحيح. وهذه الخطوة التي يمشيها لسد فرجة من أعظم الخطوات أجراً عند رب العالمين، كما قال ﵊: (وما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها) رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن، وهو في صحيح الترغيب، فهذه الأحاديث تبين فضيلة تسوية الصفوف وسد الفرج. وكذلك جاء في الحديث مدح من يأخذ بيد صاحبه إذا أمره بالاستواء، أو أراد الدخول لسد فرجة. وأما تسوية الصفوف، فقد جاء فيها أحاديث (أقيموا صفوفكم) قال أنس: (وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم لترى أحدهم كأنه بغل شموس) رواه البخاري. فلو جئت الآن تأخذ بيد رجل لتسوية الصف وسد الفرجة، لنفر منك كأنه بغل شموس متمرد. ما هي كيفية تسوية الصفوف؟ وما معنى حديث النعمان بن بشير (فرأيت الرجل يلصق بمنكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه). إن النصوص تدل على أن تسوية الصفوف تتحقق بما يلي: أولاً: إتمام الصف الأول فالأول. ثانياً: سد الفرج بالتراص. ثالثاً: استقامة الصف وتعديله بمحاذاة ما بين الأعناق والمناكب، والركب والأكعب، ولا حظ معي محاذاة المناكب بالمناكب، والأعناق بالأعناق، والركب بالركب، والصدور بالصدور، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا منكب على منكب، ولا صدر على صدر. رابعاً: ألا يوسع المصلي بين قدميه أكثر من عرض المنكبين؛ لأن ذلك ينافي التسوية، ويمنع التصاق المنكب بالمنكب، فليس من تسوية الصفوف ما يفعله بعض الشباب من فك أرجلهم زيادة على عرض المنكبين، لأجل أن يلصق رجله برجل جاره، فيطارده يميناً أو شمالاً؛ لأجل أن يلزق قدمه بقدمه. إذاً: التسوية أن تفتح قدميك على عرض منكبيك، وتأخذ بيد من بجانبك بلطف ليلتصق بك من المنكب، فهذه هي التسوية، ولا يتقدم ولا يتأخر، فإذا التزق المنكب بالمنكب وما تقدم ولا تأخر، وفتح كل رجل رجليه بعرض منكبيه، واستقام الصف، أمَّا أنه يباعد بين قدميه لكي يلصق من هنا وهنا لم يسو الصف التسوية المطلوبة شرعاً، ثم بعض الناس يعملون خططاً حربية، ويضم رجليه ضماً مبالغاً فيه، حتى يأتي الرجل ذاك والذي بعده والذي بعده فإذا جاءوا فتحها، وقال: أين المصف؟ فهذه الأشياء لا شك أنها تنفر بعض الناس وخصوصاً بعض كبار السن، وبعض الذين لا يعرفون أهمية السنة في هذا، فينبغي الحكمة في تطبيق السنة، وكل ما علينا أن نفعله أن عرض المنكبين هو فتحة ما بين القدمين، ونلصق المنكب بالمنكب، ولا يشترط أن يلزق القدم بالقدم؛ لأن فيه اشتغالاً وإشغالاً، خصوصاً إذا قام في الركعة الثانية والثالثة، ليس من السنة أنه كل ما قام من الركعة أن يلزق القدم بالقدم، لأن هذا فيه اشغال واشتغال، وتنفير من الناس الذين لا يريدون هذا الإلصاق، ومن الأدلة على أن هذا ليس بمراد: أن الصحابي قال: (فرأيت الرجل يلزق منكبه بمكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه) وابن حجر يقول في الفتح: المسألة تحتاج إلى شرح وفهم لكلام العلماء، أي: المقصود المبالغة في تعديل الصف وسد الخلل، بدليل أن إلزاق الركبة بالركبة حال القيام متعذر، وهذا الإلزاق في استمرار الصلاة ليس من السنة، وفيه إشغال، وأحياناً يقتطع من مكانه ذلك بغير حق، ثم هذه المباعدة ربما أدت إلى مخالفة لسنة أخرى وهي توجيه أصابع القدمين إلى القبلة، فالسنة أن يتوجه المصلي بكليته إلى القبلة، ومن ذلك رءوس القدمين والأصابع؛ لأنه إذا أراد الإلزاق فوَّت ذلك أحياناً.

стр. 282

من آداب المسجد: عدم الصف بين السواري وليس من الأدب الصف بين السواري في المسجد: (كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونطرد عنها طرداً)، كما جاء عن معاوية بن قرة عن أبيه، والحديث في صحيح مسلم لماذا؟ لأن السواري تحول بين الناس وبين وصل الصف وتسويته، فيصبح الصف مقطعاً بالأعمدة والسواري، لكن إذا دعت الحاجة إلى هذا، كأن يكون المسجد صغيراً، فيكون في صلاة الفجر والظهر والعصر فيه سعة، فلا نصلي بين الأعمدة، لكن في صلاة العشاء والجمعة نحتاج أن الناس يصفون بين السواري، فنقول: إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس به، وهذا يوجد في الحرم، وقت الزحام، بعض الصفوف تتخللها السواري، مسافات متقاربة، لكن إذا كان الصف مثل هذا الصف الذي في الحرم، الصف بين الساريتين فقط، أي: هنا عمود وهنا عمود والصف بينهما، ولا يوجد بعد العمودين شيء، فهذا لا يعتبر صفاً تتخلله السواري، وإنما هو صف كامل ليس بمقطوع -لم تقطعه السواري- لأن عرض الصف ما بين الساريتين، وليحذر المصلي أن يقف في صف متأخر مع وجود أمكنة في الصفوف الأولى، لأن هذا مخالف لقوله ﷺ : (أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معقباً على هذه الظاهرة السيئة التي نجدها خصوصاً في مكة، أناس يصلون خارج الحرم، ويوجد فراغ في الداخل، والبعض يصلون عند الباب والبعض على الرصيف، وبعض أصحاب المحلات يصلي أمام الحانوت، حتى يفتح حانوته بعد السلام مباشرة، يقول شيخ الإسلام: ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطيه. إذاً لو رأيت جماعة يصلون خارج الحرم، ويوجد فراغ في داخل الحرم، فلو تخطيت رقابهم فلا حرج عليك؛ لأنهم قد أسقطوا حرمتهم بهذا الإهمال والكسل الذي فعلوه، في أن يصلوا في الخارج، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة، فإن هذا لا حرمة له، وقال: بل إذا أمتلأ المسجد بالصفوف، وصفوا خارج المسجد، فإن اتصلت الصفوف حينئذٍ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم، وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة؛ فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء، لكن لو صلوا خلف جدار المسجد بحيث امتلأ المسجد وصلوا خلف الجدار، ويسمعون الصلاة والتكبير تصح صلاتهم، وقال: فمن صلَّى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام كانت صلاته مكروهة. إذاً: يجب الاهتمام بتسوية الصفوف، حتى ما جاء في السنة، وكان عمر يُوكِّلُ رجلاً أو رجلين لتسوية الصفوف.

стр. 283

من آداب المسجد: متابعة الإمام وعدم الوقوف وكذلك فإن من الآداب: أن الإنسان إذا دخل المسجد وجماعة تصلي، فلا يقف بدون صلاة، فبعض الناس إذا دخل المسجد والإمام في السجود وقف في الصف بدون صلاة، فيفوت الأجر، بل يدخل مع الإمام ولو لم تعد ركعة، أليس إذا سجدت تؤجر على السجود ووضع الجبهة على الأرض لله رب العالمين؟ ألست تؤجر على تسبيح السجود؟! ألست تؤجر على دعاء السجود؟! إذاً: لماذا تضيع هذه الفرصة؟! وقوله ﵊: (فما أدركتم فصلوا) يدل على أنك تدخل مع الإمام في أي مكان كان فيه الإمام: (فما أدركتم فصلوا) أدركت سجدة، ركعة، ركوعاً، رفعاً من الركوع، جلسة بين السجدتين: (فما أدركتم فصلوا)، ولذلك قال ابن حجر ﵀ في شرحه: واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حال وجد عليها. وعن معاذ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) رواه الترمذي، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي، وفي السلسلة الصحيحة وبهذا أخذ من رأى أن المأموم إذا جاء في التشهد الأخير يدخل مع الإمام؛ لأن عموم الحديث يقتضي هذا. يا شيخ! إذا كنا داخلين جماعة، وصلينا جماعة ثانية؛ لأننا نعرف أن الإمام في التشهد الأخير؟ الجواب ما أدراك أن أجر الدخول مع الإمام في التشهد الأخير أكثر من الجماعة الثانية؟ لأن أجر الجماعة الثانية ليست مثل الأولى إطلاقاً، فيمكن يكون الامتثال لحديثه ﵊ بالدخول مع الإمام في أي موضع، أكثر من الجماعة الثانية. وعلى أية حال، هذه مسألة اجتهاد كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، فلو أنه انتظر لا ينكر عليه، لا يقال: ارتكبت حراماً، ولكن حتى الذي انتظر، لا يشرع له أن يحدث جماعة قبل أن يسلم الإمام، لئلا يكون هناك جماعة ثانية في المسجد في الوقت نفسه، وهذا لا شك أن فيه شق للمسلمين وتفريق، وهذا أمر مذموم شرعاً. إذا كان الإمام قائماً أو راكعاً أو ساجداً أو في الجلسة يبن السجدتين، أو في التشهد، فليدخل معه على الحال التي هو عليها، فإن اجتهد وكان معه أناس كثيرون وفيهم أناس من أهل الفضل، وجاء في التشهد الأخير فانتظروا إلى أن يسلم الإمام فصلوا فلا بأس عليهم.

стр. 284

من آداب المسجد: عدم حجز مكان فيه ومن آداب المسجد ألا يحتجر فيه مكاناً، فقد اعتاد بعض الناس أن يحجز مكاناً؛ لفرش سجادة أو وضع عصاً ونحوها وهو في منزله أو في عمله، وهذا الظاهرة تكثر في الحرم في رمضان وفي غيره، يفرشون سجاجيد ولا يكتفون بحجز مكان لأنفسهم؛ بل يحجز مكاناً لنفسه وأقاربه وأصدقائه وربما حجز بعضهم أماكن للمال في أماكن معينة في الحرم، فإذا جئت تجلس تدفع خمسين ريالاً لتجلس، يقوم بذلك أناس معروفون تجدهم جالسين، يأتي إلى الحرم مبكراً ويحجز مكاناً ثم يستلم خمسين ريالاً، وهي بحسب المواسم، إذا كان في ليلة سبع وعشرين تبدأ التسعيرة ترتفع، وهذا يفعله بعض من لا خلاق له في الدنيا والآخرة. والمصلي مأمور بالتقدم إلى المسجد والقرب من الإمام بنفسه لا بعصاه وسجادته، مأمور بأن يقترب من الإمام بنفسه، ثم إن العمل هذا لا شك أنه فيه ظلم من عدة جهات: ١ - الناس في بيوت الله سواء، فما هو حق هذا الشخص الذي يتقدم على غيره. ٢ - قد يؤدي إلى تعطيل مكان في المسجد لا يصلي فيه إلا مثل البعير، وقد نهي النبي ﷺ عن هذا. ٣ - ربما يكون من أسبابه أن تتحول العبادة إلى عادة، نفس المكان نفس المكان نفس المكان، ربما تتحول إلى عادة، وفيه مشابهة للبعير، وقد نهينا عن مشابهة البهائم والدواب. ٤ - يؤدي إلى شيء من الشهرة والرياء والسمعة. ٥ - بعض الناس يؤدي حجزه هذا إلى التساهل بالصلاة لأنه يعرف أن مكانه محجوز، ويتراخى عن الاستعداد والحضور. ٦ - يؤدي إلى تخطي رقاب الناس بغير حق وهذا إثم آخر. ٧ - فيه ترفع على الآخرين، وإحساساً بالفارق. ٨ - فيه الاعتداء على حقهم في التقدم، فأخذه منهم وسلبهم حق لهم. ٩ - أنه يسبب الشحناء والبغضاء، وكم من أناس حاولوا أن يرفعوا بعض المفارش وصارت خصومات بينهم. ١٠ - قد يؤدي أيضاً إلى عدم تسوية الصفوف، هذا المكان محجوز وتقام الصلاة وهو محجوز، والمكان يشغل فرجة في الصف، فرق بين هذا المتكاسل الظالم لنفسه ولغيره، وبين من جاء مبكراً فجلس ثم احتاج أن يقوم لحاجة، كأن يتوضأ ويرجع، فجعل مكان جلوسه غطاء رأسه، أو كتاب أو مفرش، فذهب بسرعة ثم رجع، هذا شغل يسير، لا أن يذهب ويطعم وينام، يذهب لحاجة، ومن سبق إلى مكان في المسجد فهو أحق به، ولا يجوز إقامته منه، سواء كان شريفاً أو وضيعاً، غنياً أو فقيراً، صغيراً أو كبيراً، وفي الحديث: (نهى الرسول ﷺ أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر) والناس في المباح سواء، ومن غصب فالغصب حرام، وصلاته في هذا المكان باطلة عند جمعٍ من أهل العلم.

стр. 285

من آداب المسجد: عدم هجر المسجد القريب ومن آداب المسجد أيضاً: ألا يهجر المسجد الذي يليه، لقوله ﷺ : (ليصلي أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد) رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير. هجر المسجد أو الذهاب إلى مسجد أبعد يؤدي إلى سلبيات، منها: هجر المسجد الذي يليه، وإذا كان كل واحد من جماعة المسجد سيذهب إلى مسجد آخر، وهذا وهذا، فإن ذلك يؤدي إلى قلتهم، ثم ربما يؤدي إلى خلو المسجد وعدم عمارته. ومن السلبيات أيضاً: إيحاش صدر الإمام وإساءة الظن به، أو الوقوع في عرضه، أو يقول الناس: لماذا فلان لا يصلي وراء الإمام؟ الإمام هذا فيه مشكلة فيه كذا لماذا يتركونه ويذهبون إلى غيره؟ فيؤدي إلى إلصاق التهم بالإمام ونحو ذلك. ثم إن الشريعة جاءت لتأليف القلوب، فإذا كان هذا الفعل فيه كسر لقلب إمامك أو جماعة مسجدك، فجبر قلوبهم أولى من أن تقول: الأبعد أفضل، وأمشي زيادة، لأن مقصد الشرع تأليف القلوب، وهو أكبر من المقصد في زيادة الخطا إلى المسجد الأبعد، وظاهرة تخطي المساجد تحدث في رمضان، لأن بعض الناس يتتبعون حسن الصوت، وربما أدى ذلك إلى هجر بعض المساجد، فيقع في نفس الإمام ما يقع، أو في نفس من بنى المسجد ما يقع، لما هُجِرَ مسجده. تتبع المساجد من أجل حسن الصوت فيه تفصيل: إذا كان يؤدي إلى مفاسد منع، ونقول له: اجلس في مسجدك ولا تتبع المسجد الآخر من أجل الصوت، وإذا كان لا يؤدي إلى مفاسد، قال: أنا سأذهب إلى مسجد كذا، وجماعة مسجدنا في حينا كثيرة، والشيوخ والعامة كثر، فلو ذهبت وذهب معي عشرة لا يحدث شيء للمسجد، وانتفت السلبيات، ولن يغلق المسجد، ولن يهجر، ولن يحدث بينه وبين الإمام وجماعة المسجد شيء، فلو ذهب لا حرج عليه، ولو كان يؤدي إلى مفاسد فلا يذهب، هذا التفصيل في قضية تتبع المساجد من أجل الصوت. أما إذا وجد غرض صحيح لتخطي الإنسان مسجده إلى مسجد آخر، مثل أن يكون إمام مسجده لا يقيم الفاتحة، أو لا يطمئن في صلاته، أو يرتكب بعض المخالفات الشرعية، أو يجاهر ببدعة، أو يجاهر بمعصية، أو أنه سيذهب إلى مسجد آخر ليحضر درساً، أو محاضرة، أو أن المسجد الآخر يصلي بسرعة وهو مستعجل، أو أن المسجد الآخر يصلي متأخراً وصاحبنا متخلف. إذاً: هناك أسباب فلو ذهب إلى المسجد الأبعد لهذه الأسباب، فلا بأس بذلك. ومن آداب المسجد: ألا يؤذي المصلين، لا بالرائحة، ولا بوضع النعال في مكان غير مناسب، ولا بتخطي الرقاب، وقد قال النبي ﷺ لرجل: (اجلس فقد آذيت) وربما فاته أجر الجماعة كلها بسبب هذا الإيذاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيرها. إذاً: بعض الناس يأتي ويقول: أدخل والله ييسرها، وهذا خطأ، فإذا وجد فرجة يتقدم إليها، والذين لم يتقدموا أسقطوا حقهم في منع التخطي، لماذا لم يتقدموا لسدها؟ فهو يتقدم لسدها ولا حرج عليه، واشترط بعض العلماء أن يكون ممر لا تلتصق فيه ركبتا المتجاورين، إذا كان يوجد فرجة في الأمام موجودة، وتقدم فسدها، وإذا لم تكن فرجة موجودة فلا يتقدم؛ لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، واختار التحريم، فأما إذا تركت فرج في الصفوف فلا حرج في اختراق الصفوف لسد هذه الفرج والقيام في تلك الصفوف.

стр. 286

من آداب المسجد: عدم مضايقة المصلين بالمزاحمة ومن آداب المساجد ألا يضايق الإنسان المصلي، وهذا يحدث عند عدد من الشباب الحريصين على الخير، يريد أن ينافس على الصف الأول فيتقدم إلى فرجة لا تتسع لعصفور، فيزحم الصف ثم يكون من بجواره أكتافه أمامه، وقد يكون شيخاً فيتأذى، وهذا من إيذاء المسلمين، وإيذاء المسلمين بغير ما اكتسبوا حرام. وقد يسبب خلل في تسوية الصف؛ لأنه لم يستوِ المنكب بالمنكب، وكيف يستوي المنكب بالمنكب وهو قد فرض نفسه في المكان الضيق، وأي أجر سيرجى له ولو كان صادقاً لجاء مبكراً؟ أما أن يأتي متأخراً ويريد أن يقحم نفسه في الصف الأول إقحاماً، وأن يتعسف في ذلك، ويدخل في هذا الضيق ويؤذي المصلين الذين بجانبيه، فهذا لا يجوز، والأصل -كما قلنا- إن الناس إذا جاءوا للمسجد يصفون في الصف الأول، ولو قبل الإقامة بنصف ساعة، أو بساعة، ولو في الجمعة، فعليهم أن يصفوا في الصف الأول فالأول، ثم من الأدب ألا يمر بين يدي المصلي وهذا معروف. وهناك آداب تكون يوم الجمعة، يكون موضعها في آداب الجمعة، وإن كانت تشترك مع غيرها من الصلوات في باب سد الفرج وخصوصاً عند إقامة الصلاة، فإن أناساً يأتون من مكان بعيد من اليمين أو الشمال ويدخلون في الفرجة بحيث لا يدعون مجالاً للشخص الذي في الخلف مباشرة لسده، إذا كان الذي في الخلف لم يتقدم، وكان متكاسلاً والفرجة موجودة وهو جالس ينتظر، يتقدم غيره، وهو الذي فوت على نفسه، لكنه تقدم، فجاء رجل من خلفه يريد أن يسابقه ويدخل عليه، فلا شك أن هذا فيه إثارة للشحناء، ومسألة إثارة الشحناء والبغضاء يجب أن تراعى وألا تكون في المسجد، ولذلك تكلموا في بحث طويل: لو تنافس اثنان على فرجة، فليتركها له أو لا، ومن أجل تلافي الشحناء والبغضاء قد يكون أجره أكثر من أن يسبقه هو، فينبغي مراعاة هذه المفسدة، وفي المقابل ينبغي مراعاة عدم التكاسل في التقدم لسد الفرج. إذا كان يوجد كلام في مكتبة داخل المسجد غير الذكر؟ نقول: إذا كانت المكتبة من المسجد فحكمها حكم المسجد، ليس فيها كلام، أما إذا كانت المكتبة بابها إلى الخارج، وليس لها باب إلى المسجد وقد يكون لها أحكام مختلفة، لكن المكتبة داخل حدود المسجد وبابها مفتوح إلى المسجد، ليس للخارج حكمها حكم المسجد. نكتفي بهذا، ونكون قد أنهينا الدرس، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 287

آداب المقرض والمقترض ينشأ عن الدَّين مشاكل اجتماعية كثيرة بسبب إهمال الآداب الإسلامية التي شرعت للدائن والمدين، ولو التزم الدائنون والمدينون بآداب الإسلام في هذا الجانب لحلت هذه المشكلة تماماً. فمن آداب الدائن التيسير على المعسر، وحسن الاقتضاء، والتجاوز عن المحتاج، ومن آداب المدين المبادرة إلى تسديد الدين وعدم المماطلة وحسن القضاء.

стр. 288

آداب المقرض الدائن إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني: لا زال حديثنا معكم عن هذه المشكلة الاجتماعية التي ضلع فيها كثير من الخلق اليوم، وكانت سبب حرج الكثيرين، لأن الآداب الإسلامية في هذا الجانب قد أهملت، وقد تكلمنا في الخطبة الماضية عن خطورة الدَّين والتشديد فيه، ونحن نتكلم في هذه الخطبة عن آداب المقرض وآداب المقترض، وما يجب على عموم المسلمين تجاه الدائن والمدين. أما المقرض صاحب الإحسان الذي أعطى القرض لأخيه المسلم، فإنه إذا جاء موعد حلول الدين، ولم يستطع المقترض أن يوفي الدين، فإن عليه أن يصغي سمعه لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٠]. فأمر الله بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاءً، وليس كما كان أهل الجاهلية يفعلون؛ يقول أحدهم لمدينه إذا حل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، إما أن تعطيني مالي الآن أو أحسب لك الربا ابتداءً من هذا التاريخ، ولقد جاءت هذه الآية مباشرة بعد آية الربا، التي يقول الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]. ولا يخفى عليكم -أيها الإخوة- أن مشكلة العالم كله اليوم بالنسبة لقضايا الاقتصاد والمال إنما جاءت نتيجة الربا، والتعامل به والاقتضاء به، والاحتكام إلى أهل الربا، فحلت بذلك المشاكل، ونزل الجوع والفقر في بلاد كانت في يوم من الأيام من أغنى البلاد، وكان أقوامها وأهلها من أغنى الأهل والأقوام، وقد تحقق فيهم قول الله : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]. والله لم يحدد ما هي نوع الحرب، هل هي حرب عسكرية، أم حرب أمراض، أم حرب اقتصادية بالجوع والفقر. فحل حرب الله بالمستعملين للربا، فكان قوم من الأقوام في العلية أغنياء، فأصبحوا اليوم عالة بسبب هذا الربا وتطبيقه والركون إلى أهله. ولعلنا نفرد خطبة خاصة إن شاء الله للكلام عن هذه الكبيرة العظيمة التي دوخت البلاد والعباد، وأقضَّت مضاجع الأمم والأفراد.

стр. 289

إنظار المعسر وأول ما يجب على المقرض ألا يستعمل الربا، فإذا عجز المقترض عن وفاء الدين فعليه أن ينظر أخاه المسلم بالإحسان، وعن ابن عمر وعائشة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: (من طلب حقاً، فليطلبه في عفاف وافياً أو غير واف) وهذا الحديث في سنن ابن ماجة، وعنون عليه المصنف ﵀: باب حسن المطالبة وأخذ الحق في عفاف. ويقول ﷺ : (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) رواه البخاري، فهو يسامح صاحبه عند المطالبة بالدين. وهذه الأحاديث قد أحدثت فعلها في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم. فعن عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة ﵁ طلب غريماً له فتوارى عنه، ثم وجده أبو قتادة، فقال الغريم: إني معسر، فقال: آلله؟ يستحلفه على إعساره، فقال: آلله، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر أو يضع عنه) وفي رواية عن محمد بن كعب القرظي: أن أبا قتادة كان له دين على رجل وكان يأتيه يتقاضاه فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال: نعم هو في البيت، يأكل خزيرة -نوع من أنواع الطعام- فناداه يا فلان، اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا، ثم قال له: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي مال، فقال: آلله إنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة ﵁ -تأثراً بحال أخيه المسلم، الذي ألجأه عدم وجود المال للاختباء من صاحب الدين والفرار منه- ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نفس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة). وليست هذه أحوالاً فردية، بل إن الأمر كان واسعاً في مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم في إنظار المدين، فروى مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ﵀ قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا -خرج هذا الفتى مع أبيه يطلبان العلم، في الأنصار قبل أن يموت الأنصار؛ حرصاً على تحصيل العلم- فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ ومعه غلام له مع ضمامة من صحف -معه أوراق مضمومة- فقال له أبي: يا عم! إني أرى في وجهك سفعة من غضب -وهذا أدب المتعلم مع العالم، وأدب طالب العلم، في مراعاة حال معلمه قبل أن يسأله، وفي استجلاء ما على وجهه من الآثار- إني أرى في وجهك سفعة من غضب، قال: أجل. كان لي على فلان بن فلان الحرامي -نسبة إلى بني حرام- مال، فأتيت أهله فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج إلي ابن له جفر -أي: غلام صغير- فقلت: أين أبوك؟ فقال لي: سمع صوتك، فدخل أريكة أمي -وهكذا يبلغ الحال بالمدين أن يفر من الدائن إلى مكان النساء من الذل الذي يلقاه- فقلت له: اخرج فقد علمت موضعك، فخرج المدين فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ولا أكذبك، خشيت أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلف -يقول: خشيت أن أكذب في الحديث وأن أخلف الوعد، فآثرت الاختباء على الخروج إليك- وكنت قد صحبت رسول الله ﷺ ، وكنتُ والله معسراً، فقلت: آلله إنك معسر؟ قال: آلله -وفي رواية: رددها ثلاثاً- فاستخرجت صحيفة الدين فأعطيتها لهذا المدين فمحاها بيده وقلت: إن وجدت قضاءً فاقضني وإلا فأنت في حل -لقد أحللتك إن كنت لا تستطيع- ثم قال: فأشهد بصر عيني هاتين، ووضع أصبعه على عينه، وسمع أذني هاتين -كذا ضبطاها في جامع الأصول - ووعاه قلبي هذا -وأشار إلى نياط قلبه- رسولَ الله ﷺ وهو يقول: (من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله في ظله).

стр. 290

تعامل المقرضين من الصحابة مع المقترضين أيها الإخوة: لقد عملت هذه الأحاديث عملها في نفوس الصحابة، فاستجاب أصحاب الديون للترغيب الصادر من رسولهم صلى الله عيه وسلم، فبدءوا يضعون الديون عن المعسرين، ويتجاوزون عنهم، وينظرونهم إلى آجال طويلة، حتى يستطيعوا القضاء؛ لأنهم سمعوا رسولهم ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) وقال ﵇: (من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة). بل إنهم قد سمعوا أحاديث فيها ترغيب شديد؛ يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة) فلو أقرضت مسلماً قرضاً ثم أخذته، ثم أقرضته ثم أخذته، فكأنك تصدقت بهذا المال، مرة واحدة، ولك أجر صدقة كاملة عن هذا المال وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة). فإذاً إنظار المدين إلى حلول الأجل وإلى ما بعد حلوله فيه أجر عظيم، وكان بعض السلف يسلفون أموالهم للناس انتظار الثواب العظيم من الله ، فلقد كانت أحاديث الترغيب تفعل فعلها في نفوسهم. إن إسلاف الناس كان له أثر في إنقاذ نفوس من جهنم؛ يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان رجلاً موسراً -غنياً- وكان يخالط الناس، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، فقال الله لملائكته بعد أن مات هذا الرجل: نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه) الله أكرم الأكرمين، أحق من هذا الرجل بالتجوز فتجاوز الله عنه سيئاته. وفي حديث صحيح آخر: (أتي الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً، فقال: له ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت من شيء يا رب إلا أنك آتيتني مالاً، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي أن أيسر على الموسر، وأنظر المعسر، قال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي) وفي رواية صحيحة أخرى: (أن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما تيسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا، فلما هلك قال الله: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسر، واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا، قال الله: قد تجاوزت عنك). أيها الإخوة: هذه الآيات القرآنية: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، وهذه الأحاديث النبوية تبشر بهذه الأجور العظيمة لمن تغاضى عن ديون الناس وأنظرهم وأخر آجال الاقتضاء حتى يستطيعوا الوفاء، وهي رسائل لأصحاب الديون من الأغنياء أو من غيرهم، ممن يطاردون المدينين فيرهقونهم، وقد يزجون بهم في السجن، وخلفهم عيال فقراء، ومع أن سجن المدين من حق الدائن، ولكن ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] ومن أنظر فأجره على الله، والأجر الدائم خير لك من هذا المال الفاني في هذه الدنيا.

стр. 291

آداب المقترض (المدين) وأما بالنسبة للمدين الذي عليه الدين، فإنه عليه آداباً:

стр. 292

المبادرة إلى قضاء الدين ولو مقسطاً أولها: أن يبادر فوراً إلى القضاء إذا ملك، أو يبادر إلى قضاء جزء إذا ملك هذا الجزء حتى يضع عن كاهله هذا الثقل العظيم الذي ستتعلق به نفسه، وتكون محبوسة به في القبر إذا هو لم يوفه إلى صاحبه، وقد ذكرنا طرفاً من هذا في الخطبة الماضية.

стр. 293

حسن القضاء الأمر الثاني: أن يحسن القضاء إلى صاحب الدين، عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً تقاضى رسول الله ﷺ ، وكان أعرابياً جلفاً غليظاً في خطابه، فأغلظ له، فهم به أصحاب الرسول ﷺ ، فقال ﵊: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً -صاحب الدين له صولة الطلب وقوة الحجة، ولكن مع مراعاة آداب الشرع- فقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه -لم يجدوا بعيراً مثل الذي استلفه رسول الله ﷺ منه، وكان ﵊ قد استلف من هذا الرجل بعيراً- قال: اشتروه، فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه، فاشتد عليه حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي ﷺ : هلا مع صاحب الحق كنتم!). اليوم أيها الإخوة! لا يقف الكثيرون مع صاحب الحق، وأحياناً يكونون في موقع الحكم والقضاء، لا يقفون مع صاحب الحق، ويأخذون الرشاوى، حتى يحكموا لغير صاحب الحق، ويل لهم من نار جهنم يوم القيامة، يقول ﵊: (هلا مع صاحب الحق كنتم! ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا، حتى يأتينا تمرنا فنقضيك، فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله) وهذا يدل على جواز أن يقترض المدين قرضاً من دائن غير مستعجل حتى يوفي دائناً مستعجلاً، فقالت: (نعم بأبي أنت يا رسول الله، فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال الأعرابي لما رأى حسن قضاء النبي ﷺ : أوفيت أوفى الله لك) فقال ﵊: (أولئك خيار الناس، لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع) أي: لا خير في أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه بدون قلق ولا إزعاج، لأن الضعيف قد يأخذ حقه في بعض الحالات، لكن بعد أن يريق ماء وجهه، وبعد أن يسحب ويماطل، وبعد أن يقلق ويزعج، وعلى صاحب الدين أن يتوكل على الله في وفاء دينه وأن يسارع إليه حالاً، وهذه قصة عظيمة في هذا الأمر. القصة في البخاري وغيره؛ يقول ﵊: (إن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً! قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً! قال: صدقت -لما لمس صدق صاحبه قال: صدقت! كفى بالله شهيداً وكفى بالله كفيلاً- فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر ليتاجر بها، فقضى حاجته، وتاجر وربح، ثم ذهب يلتمس مركباً ليعود إلى صاحب الدين حتى يصل في الوقت المحدد، فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها -حفرها وجوفها- فأدخل فيها ألف دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه، يذكر فيها حاله وأنه لم يستطع أن يأتي وهذه حيلته، ثم زجج موضعها -أقفل على الخشبة- ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت من فلان ألف دينار، فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً! فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً! فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أجد، وإني أستودعكها -والله إذا استودع شيئاً حفظه- فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، وما اكتفى بإلقائها، وإنما جعل يلتمس مركباً، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لعل مركباً قد جاء بماله، خرج في الوقت المحدد إلى الساحل، ينظر هل قدم مركب بالمال الذي أسلفه في الموعد المحدد، فما وجد مركباً، وإنما وجد الخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، قال: آخذها لأهلي حطباً، فلما نشرها -وفي رواية معلقة: فنشرها أهله فتناثرت منها الدنانير والدراهم والصحيفة- فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بألف دينار أخرى، يظن أن تلك قد ضاعت، وقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي شيئاً؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشداً) وهكذا تكون عاقبة التوكل على الله، فإن الله يؤدي، والمهم أن تصدق النية، والمشكلة عند الكثيرين من أصحاب الديون أنهم لا يصدقون النية في الأداء، فلذلك لا يساعدهم الله ولا يعينهم في أداء الديون. هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 294

تسديد أجور العمال المتأخرة الحمد لله وحده، أشهد أن لا إله إلا الله، هو الحي القيوم الغني، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ومن أنواع الديون -أيها الإخوة- الدين الذي يكون للعامل عند صاحب العمل، فإن بعض العمال قد يغادرون البلاد، ولهم عند أصحاب العمل رواتب لم يستلموها، وهذه الرواتب هي ديون ولا شك على صاحب العمل، وهنا تبرز مسئولية صاحب العمل في البحث عن هؤلاء العمال الذين انتقلوا من أماكنهم، حتى يوصل إليهم حقوقهم، ولو اضطر لأن يسافر إلى آخر الدنيا. ويدل على عظم حق العامل حديث الثلاثة الذين كانوا يمشون في مطر، فدخلوا غاراً، فانطبقت عليهم الصخرة، فكادوا أن يموتوا، حتى صار كل واحد منهم يدعو الله بعملٍ صالح لعل الله يفرج عنه، فواحد دعا الله بعمل صالح في بر والديه، وواحد دعا الله بعمل صالح في أنه قد قام عن امرأة كاد أن يزني بها خشية لله، وقال الثالث: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً، فلما قضى عمله، قال لي: أعطني حقي، فعرضت عليه فرقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه -أي: أنميه- حتى جمعت منه بقراً ورعاءً -وهذه هي الأمانة، فصاحب العمل ينمي هذا الدين الذي عليه للعامل- فجاءني في يوم من الأيام، وقال: اتق الله ولا تظلمني حقي، قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها كلها، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي -ظن أنه يستهزئ به، لأن المال الأصلي قليل- فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه وذهب به، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي، ففرج الله ما بقي من الصخرة وخرجوا، قال العلماء: وهذا أعظم الثلاثة، لأن الله فرج عنهم بسببه التفريج التام، وأزال الصخرة. إن أصحاب العمل اليوم يظلمون عمالهم، ويأكلون من حقوقهم، هؤلاء العمال أجرهم لن يضيع عند الله، وهذا الظلم لن يذهب وإن مات الغني غنياً في الدنيا، ومات العامل فقيراً في الدنيا، فإن لهم يوم القيامة شأنا آخر، فبادر يا صاحب العمل إلى أن توفي ما عليك لأصحابه، قبل أن يكون يوم لا مال فيه ولا دينار ولا درهم، وإنما بالحسنات والسيئات.

стр. 295

عدم المماطلة ومن آداب المدين كذلك أن يعجل بتسديد الدين تاماً، وبعض المستلفين يكون عنده ما يوفي به الدين، ولكنه من دناءة نفسه يقسطه على صاحب الدين المقرض المحسن؛ يقسطه عليه مبالغ صغيرة جداً، يكون عليه خمسون ألفاً مثلاً، فيعطيه يوماً خمسمائة، ويوماً مائتين، ويوماً مائة، ويوماً ألفاً، حتى يجعله ييأس من وفاء الدين، وعنده ما يوفي به المبلغ كاملاً، ولكن دناءة النفس والشح -نعوذ بالله من الشح- ويصبح صاحب الدين كأنه هو الفقير الذي يطارد، يمشي وراء المدين يقول له: أعطني أرجوك، إن عندي أعمالاً وتجارات، وعندي عمالاً ما أخذوا رواتبهم، وذلك الرجل المقترض عنده مال ولكنه لا يقضي، وهذه من المشاكل العويصة الموجودة -أيها الإخوة- اليوم، بسبب عدم خشية الله، وعدم معرفة حق الله ، وحق عباده الذي لن يضيع عند الله. ومن الآداب كذلك أنه إذا وفى الدين أن يقول للدائن كلمات الشكر والثناء.

стр. 296

آداب الهدية الهدية كما عرفها أهل العلم هي عطية بلا اشتراط مقابل، وقد ورد ذكرها والحث عليها في القرآن والسنة، وهي من أعظم الأسباب التي تعين على إزالة ما في النفوس وتحبب المؤمنين بعضهم إلى بعض، وقد ذكر الشيخ مسائل كثيرة تتعلق بآداب الهدية وغيرها من القضايا التي تتعلق بالهدية.

стр. 297

تعريف الهدية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- عن آداب الهدية، وهي شعيرةٌ إسلامية جميلة جداً، فبها يتم سببٌ عظيمٌ للتآلف بين القلوب والاجتماع، وشيوع المودة بين المسلمين، وهذا من أعظم ما جاء في شريعة الإسلام. أما الهدية: فإنها ما أتحفت به، والتهادي: أن يهدي بعضهم إلى بعض، يقال: أهديت له وإليه، والجمع هدايا، وهداوى، وهداوي، وهداوٍ كما هي في بعض روايات أهل اللغة، والهدية: مفرد هدايا، يقال: أهدى له وأهدى إليه، كلاهما صحيح، فيتعدى الفعل باللام وإلى، ويقال: أهدى الهدية إلى فلان، وأهدى له هدية، أي: بعث بها إكراماً له. ويقال أيضاً: أهديت العروس إلى بعلها، أي: زفت إليه، وهادى فلانٌ فلاناً أي: أرسل كلٌ منهما هدية إلى صاحبه. وبالنسبة للتعريف الشرعي للهدية، فإن العلماء قد ذكروا عدة تعريفات، ويمكن أن نقول عموماً: إن الهدية هي دفع عينٍ -سواءً كانت مالاً أو سلعة- إلى شخصٍ معين -الذي يراد بالهدية هذا الشخص المعين- لأجل الألفة والثواب، من غير طلبٍ ولا شرط. لأجل الألفة والثواب: وهو الأجر من الله . من غير طلبٍ؛ لأنه لو قال: أهدني أو أعطني ربما صارت رشوة. ولا شرط كما يشترط بعضهم في الإعانة، بشرط الإعانة. فإذاً الهدية: هي عطية بلا اشتراط مقابل، وهناك كلمات مرادفة لكلمة الهدية مثل: الهبة والعطية والصدقة، وقد جاء عن أهل العلم رواياتٌ في التفريق بينها، ولكن يمكن أن نقول: إن الهدية والهبة والصدقة والعطية بمعنىً واحد من جهة أنها تمليكٌ في الحياة بلا عوض، فالهدية والهبة والعطية والصدقة تشترك كلها في أنها تمليك في الحياة بلا عوض؛ لأنك تملكه هذا الشيء بلا مقابل، والعطية: اسمٌ شاملٌ للجميع. والهدية يُتقرب بها محبة لك، والهبة والعطية معناهما متقارب حتى لا يكاد يوجد فرقٌ بينهما، والصدقة: التي تُدفع إلى الشخص لقصد ثواب الآخرة فقط. فإذاً هناك فرقٌ بين الهدية والصدقة، من جهة أن الهدية يقصد بها التحبب وثواب الآخرة، والصدقة يقصد بها ثواب الآخرة فقط. وتُمتلك الهدية بالقبض، فإذا قبلها وقبضها صارت في ملكه، ولا تنتقل إلى ملكه إلا بقبضها سواء قبضها هو أو وكيله، واحتج جمهور العلماء بحديث النبي ﷺ : (ولو أهدي إلي كراعٌ لقبلت). فالهدية بناءً على ذلك لا تُملك بمجرد الإهداء، حتى تصل إلى الشخص المهدى إليه أو وكيله، فإذا استلمها صارت ملكاً له، وهذا ينبني عليه أحكام، مثلاً: هل يجوز للإنسان أن يرجع فيها؟ متى يجوز له أن يرجع فيها؟ أو متى تنتقل إلى ملكية الشخص الآخر بحيث لا تكون في ملك الأول؟ إذا قبضها المهدى إليه -استلمها- دخلت في ملكه، فمن مجرد استلامه دخلت في ملكه، أما لو قال: سأهديك، أو أهديتك، ولم يسلمه شيئاً، فإنها لا زالت باقية في ملك المهدي ولم تخرج من ملكه.

стр. 298

ذكر الهدية في القرآن وقد جاء في القرآن الكريم ذكر الهدية، فقالت ملكة سبأ- بلقيس - لما خافت من سليمان ﵇، قالت للملأ من حولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٥ - ٣٦]. فأرادت استمالة قلب سليمان لدفع الضرر عنها، وأرادت مصانعته، وأن تثنيه عن دعوته لها ولقومها وتهديدهم لهم، وسليمان لم يقبل الهدية؛ لأنها لم تكن لوجه الله، ولا كان فيها معروف، وإنما أرادت إيقافه عن جهادها، عن الجهاد وقتال هذه البلدة وهي اليمن، فلما رأى سليمان ﵇ أن هذه الهدية ليس فيها خير ولم يرد بها وجه الله ردها، وقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا)) [النمل:٣٦ - ٣٧] ليعلموا أننا نريد الجهاد وإقامة الدين، وليست القضية مجاملات وهدايا، كما هي العادة بين الملوك: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧] حتى لا ينخدعوا بحطام هذه الدنيا أو يظنوا أننا نغتر بالهدايا أو أننا سنترك الجهاد لأجل هديتهم: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل:٣٧]. ومما يدخل -أيضاً- في الهدية مثل العطية والهبة، أو مما يقرب من معناها ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] فالله أمر بإيتاء النساء المهور. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] ومعنى نحلة: عطية عن طيب نفس. وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ﴾ [النساء:٤] وهبنه لكم، وتنازلن عنه لكم: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] فإذا تنازلت عن جزء من الصداق لزوجها أو أعطته إياه بعدما استلمته منه دون ضغط منه ولا إكراه، وإنما عن طيب نفسٍ منها ورضا: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤]. فإذاً: من أعظم الحلال الذي يؤكل، المغانم: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال:٦٩] وهو أعظم أنواع المال الحلال، بل هو أشد الأموال حلة، وقد فاتنا هذا النوع من المال بسبب ترك الجهاد. وكذلك من الأموال الحلال الطيبة، ما تتنازل به المرأة من مهرها لزوجها، قال الله : ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] ولذلك جاء عن بعضهم أنه قال: إذا أردت أن تستشفي فاستوهب درهماً من زوجتك عن طيب نفسٍ منها، ثم اشتر به عسلاً، وهاتِ إناءً واجمع فيه من ماء المطر، ثم اقرأ القرآن وأذب العسل فيه واشربه، قال: أما ماء المطر فإنه ماءٌ مبارك، والعسل فيه شفاءٌ للناس، والقرآن -أيضاً- فيه شفاء، ودرهم الزوجة هنيئاً مريئاً، فإنك تبرأ بإذن الله.

стр. 299

ذكر الهدية في السنة والهدية قد وردت في السنة النبوية، وجاء النص عليها لما لها من الأثر العظيم في النفوس، كما قال النبي ﷺ : (تهادوا تحابوا) وقد رواه البخاري في الأدب المفرد وقال ابن حجر: إسناده حسن. ولا شك أن الهدية سببٌ للمحبة وتآلف القلوب، وكان التابعون يرسلون بهداياهم، ويقول الواحد لأخيه الذي يهديه: نحن نعلم غناك عن مثل ذلك، وإنما لتعلم أنك منا على بال، يعني: نحن نعلم أنك مستغن عن هديتنا، ولكن لتعلم أننا نقدرك وأن لك في أنفسنا مكانة، وقال الشاعر: هدايا الناس بعضهمُ لبعضٍ تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هواً ووداً وتكسوهُ إذا حضروا جمالا وقال آخر: إن الهدايا لها حظٌ إذا وردت أحظى من الابن عند الوالد الحدبِ يكون لها مكانة في النفس إذا جاءت. وقال آخر: إن الهدية حلوةٌ كالسحر تجتذب القلوبا تدني البغيض من الهوى حتى تصيره قريبا وتعيد مضتغن العداوة بعد نفرته حبيبا وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ (كان يقبل الهدية ويثيب عليها) وقال النبي ﷺ : (لو دعيت إلى كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت) وهو في صحيح البخاري.

стр. 300

الأمر بقبول الهدية وجاء الأمر بقبول الهدية وعدم ردها إذا كانت لا شبهة فيها ولا حرام، فأخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين) فنهى النبي ﷺ عن رد الهدية، وهذا الحديث صححه الألباني. وكان النبي ﷺ يعطي عمر شيئاً من العطاء فكان يقول عمر: (أعطه من هو أفقر مني يا رسول الله! فقال النبي ﵊: إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غير مستشرف) أي: غير متطلع (ولا سائلٍ) ما طلبته (فخذه فتموله) أي: تملكه (فإن شئت كله وإن شئت تصدقت به، ومالا -إذا كان خالياً من هذه الشروط- فلا تتبعه نفسك) فإذاً: قوله: (إذا جاءك من هذا المال شيء فخذه) يدخل فيه الهدايا. وقال النبي ﷺ : (من آتاه الله شيئاً من هذا المال من غير مسألة فليقبل، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليه) مادام أن المال أتى من غير مسألة، وأنت لست مستشرفاً له، ولا متطلعاً له، ولا متعلقة نفسك به تهفو إليه وترجوه، فخذه ولا ترده، فهذا مال مبارك. ومن الأدلة أيضاً -أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية- قصة بريرة ﵂، وجاء في صحيح البخاري عديدٌ من الروايات في هذه القصة، فمنها ما رواه في كتاب الأطعمة، وربما تكون هذه الرواية هي أوضحها وأتمها، أن النبي ﷺ دخل يوماً بيت عائشة وعلى النار برمةٌ تفور فدعا بالغداء، فأتي بخبزٍ وأدمٍ من أدم البيت فقال: (ألم أر لحماً؟ قالوا: بلى يا رسول الله! ولكنه لحمٌ تُصدق به على بريرة، فأهدته، لنا وأنت لا تأكل الصدق، فقال النبي ﷺ : هو صدقة عليها وهديةٌ لنا). إذاً: المال لما انتقل من شخص اختلف حكمه. من المتصدق إلى بريرة صدقة، ومن بريرة إلى بيت النبي ﵊ هدية، إذاً: يجوز للنبي ﵊ أن يأكل منه، وقد كان النبي ﷺ : (إذا أتي بطعامٍ سأل عنه: أهديته أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل؛ -لأنه لا يليق بمقام النبوة أن يأخذ من صدقات الناس وأوساخهم- وإن قيل: هدية، ضرب بيده ﷺ فأكل معهم) رواه البخاري في كتاب الهبة. إذاً: النبي ﵊ كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، والسبب في ذلك كما تقدم، وهذه آيته ﵊ في الكتب المتقدمة، أنه كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، والكتب المتقدمة كانت فيها صفة النبي ﷺ . ولا شك أن هناك فرقاً بين الهدية والصدقة، فالهدية نوع من الكرامة، ومن باب حسن الخلق، وتتألف بها القلوب، وكان ﵊ يأكلها؛ لأنها من باب الإكرام ولا يردها؛ لأجل ألا يغضب الذي أهدى، أو يصبح في نفسه عليه شيء، فلا شك أن في أخذ الهدية تألفاً للقلوب وإبلاغاً له بأن إكرامك مقبول. أما الصدقة من اليد العليا إلى اليد السفلى فلا تليق بمقام النبوة، وكان ﵊ يقبل الهدية ولو كانت قليلة ويسيرة، ولذلك قال: (ولو أهدي إلي ذراعٌ أو كراعٌ لقبلته) والكراع: ما دون الكعب، وما عليه إلا اليسير من اللحم، لكن لو أهدي إليه لقبله ﵊ ولم يحتقر شيئاً، وبذلك أوصى نساء المؤمنين فقال: (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاة) والفرسن: هو في الأصل اسمٌ لخف البعير، فاستعير للشاة فهو ظلفها، ولم تجر العادة بإهداء ظلف الشاة، لكن ذكره على سبيل المبالغة، أي: اقبل الشيء اليسير من الهدية ولا ترده، فأحياناً قد يهدي إليك أخ شيئاً يصنعه بيده من الأوراق التي لا قيمة لها في الحقيقة، فاقبله تطييباً لخاطره وقلبه.

стр. 301

من كريم أخلاقه ﷺ في الهدايا وكان من كريم خلقه ﷺ أنه إذا جاءته الهدية، أشرك فيها من معه، أو من حوله، كما جاء في كتاب الرقاق في صحيح البخاري، دخل ﵊ فوجد لبناً في قدح فقال: (من أين هذا اللبن؟ فقالوا: أهداه لك فلانٌ أو فلانةٌ، فقال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهلٍ ولا مال ولا على أحدٍ. كان ﵊ إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديةٌ أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها) الحديث. إذاً: كان هذا من كريم خُلقه ﵊، من كرمه أنه كان إذا جاءته الهدية لم ينس من حوله من الفقراء والمحتاجين، وكان من حضره يعطيه، وإذا أهديت إليه باكورة الثمر -أو الثمار- كان يعطيها لأصغر القوم سناً -الطفل-. وكان ﷺ يتألف بهداياه القوم، وربما كان رجلٌ حديث عهدٍ بالإسلام أو في قلبه شيء على الإسلام وأهله، أو على النبي ﷺ فلا يزال يعطيه حتى يرضيه. ومن الأحاديث الجميلة التي وردت في صحيح البخاري عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ : (أهديت له أقبية من ديباجٍ مزررةٍ بالذهب فقسمها في ناسٍ من أصحابه) ولا يلزم أن يلبسوها؛ لأن لبس الحرير للرجال حرام لكن يمكن أن يعطوها زوجاتهم أو بناتهم، أو كما فعل عمر حين أهداها لأخٍ له مشرك بـ مكة. (أهديت له أقبية من ديباجٍ مزررةٍ بالذهب فقسمها في ناسٍ من أصحابه، وعزل منها واحدة لمخرمة بن نوفل، فجاء ومعه المسور بن مخرمة فقام على الباب فقال: ادعه لي -وكان صاحب جفاء وغلظة- فسمع النبي ﷺ صوته فأخذ قباءً فتلقاه به واستقبله بأزراره فقال: يا أبا المسور! خبأت هذا لك، يا أبا المسور! خبأت هذا لك، وكان في خلقه شدة) أي: أبو المسور. وقد كان ابنه المسور بن مخرمة من كبار رواة الأحاديث. وكان ﷺ يرسل الهدايا في أقربائه، وكان عنده من الوفاء لذكرى زوجته خديجة ما يستخدم الهدية فيه لإحيائه، والتدليل على أنه باقٍ في نفسه ذكرى تلك المرأة الطيبة التي ساعدته بمالها ودافعت عنه بنفسها، وكان أولاده منها، وأن ذكراها الطيبة لا زالت موجودة وحية، فكان إذا ذبح الشاة يُهدي لصديقات خديجة. ولذلك تقول عائشة ﵂: (ما غرت على امرأةٍ للنبي ﷺ ما غرت على خديجة) مع أنها ما رأتها، لكن غارت عليها من الذكر والسمعة، وأن النبي ﵊ كان يذكرها دائماً حتى قالت عائشة: (ما تريد من عجوزٍ حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها؟! قال: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد). قالت عائشة: (ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لكثرة ما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيتٍ من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن) أي: يُعطيهن ما يسعهن.

стр. 302

المكافأة على الهدية وكان ﷺ يكافئ على الهدية، كما جاء في الحديث: (كان يقبل الهدية ويثيب عليها) ولا شك أن هذا من السنن الجميلة -المكافأة على الهدية- وذلك لعدة أسباب، منها: السبب الأول: ألا يبقى له منةٌ عليك، أو أن تبادله محبة بمحبة، أو أن تُظهر له أنك كافأته على جميله بجميل، وأنك لم تنس الجميل، وأنه صنع إليك معروفاً فصنعت إليه معروفاً مقابله، ولا شك كما قلنا أن الهدية الأصل فيها هو التبرع، وأن الذي يهدي لا يشترط المكافأة. وقد تكلم العلماء في حكم المكافأة على الهدية، وقال بعض أهل العلم: إن المكافأة على الهدية لا تجب، إذا أهداك شخص هدية لا يجب أن تكافئه عليها. وقال بعض المالكية: تجب المكافأة على الهدية؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، لكن مجرد فعله ﵊ لا يدل على الوجوب.

стр. 303

الناس في الهدايا على ثلاث طبقات جعل بعض العلماء الناس في الهدايا على ثلاث طبقات: هبة الرجل إلى من هو دونه، فهي إكرامٌ وإلطاف لا تقتضي الثواب والمكافأة بالمثل، فإذا استلمها هذا الأدون لا يستلزم ذلك أن يرد بهديةٍ مقابلها. وثانياً: هبة النظير إلى نظيره. وثالثاً: هبة الأدنى إلى الأعلى، إذا أهدى الأدنى للأعلى فإنه يكون من المؤكد في حق الأعلى أن يثيبه، وذلك بما جرت به العُرف والعادة. فإذاً: حكم الإثابة على الهدية مستحب؛ لأنه ورد في السنة. إذا أهداك إنسان هدية يُسن لك أن تهديه أخرى، وخصوصاً عندما يكون الذي أهداك أقل منك منزلة أو سناً -مثلاً- والنبي ﷺ قد قال: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه). وقد أهدى أعرابي رسول الله ﷺ ناقة فعوضه ﷺ ستة، وقد قال النبي ﵊: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) فالهدية على الهدية من شكر الناس. إذاً: دخل في عموم قوله ﷺ : (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) الهدية على الهدية، وجاء في قوله ﵊: (من أُعطي عطاء فليجز به إن وجد، وإن لم يجد فليثن به، فإن من أثنى به فقد شكر، ومن كتمه فقد كفره، ومن تشبع بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور). وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وإذا لم يجد شيئاً، فأقل شيء أن يدعو لمن أهدى له الهدية، كما قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وحسنه: (من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء، وأجزل له في العطاء). وينبغي كذلك على المدعو له أن يبادل الدعاء بدعاء، كأن يقول له: وجزاك، أو وإياك، ونحو ذلك، وقد قالت عائشة ﵂: (أُهديت لرسول الله ﷺ شاة فقال: اقسميها، فكانت عائشة إذا رجع الخادم تقول: ما قالوا؟) عندما ترسل عائشة الهدية أو العطية مع الخادم إلى شخصٍ آخر أو بيت ناس، تسأل الخادم إذا رجع، تقول له: ماذا قال أهل البيت لما أعطيتهم ما أرسلنا به إليهم؟ فيقول الخادم: (قالوا: بارك الله فيكم، فتقول عائشة: وفيهم بارك الله، نرد عليهم مثلما قالوا، ويبقى أجرنا لنا).

стр. 304

من أحكام الهدايا أما بالنسبة لمن يُستحب أن يهدي إليهم الإنسان ويبدأ بهم، فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب الهبة أن ميمونة زوج النبي ﷺ أعتقت وليدةً لها -جارية- فقال لها النبي ﵊: (لو وصلت بعض أخوالك كان أعظم لأجرك) يعني لو أعطيتها بعض أخوالك، كان أعظم لأجرك من العتق؛ لأنهم قد يكون بهم حاجة، فإعطاؤها إياهم أحسن وأكثر أجراً. وكذلك من الضوابط في مسألة الإهداءات أن نبدأ بمن جاء في صحيح البخاري في كتاب الشفعة، عن عائشة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً) فالجار الأقرب يُبدأ به في الهدية؛ لأن الإنسان قد تكون مقدرته محدودة على الإهداء، ليس عنده هدايا كثيرة تسع الجميع، فيبدأ بالأقرب باباً بالنسبة لهدايا الجيران. وكذلك من الأحوال التي يتأكد فيها الإهداء: إذا احتاج الناس، إذا كانت هناك حاجة كما جاء في صحيح البخاري في كتاب المغازي: [أن رجلاً من الصحابة ﵁ صنع طعاماً فلما أوشك على النضج جاء إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! طعيمٌ لي -طعيم: تصغير طعام، أي: هو قليل- فقم أنت يا رسول الله! ورجلٌ أو رجلان] عندي طعيم لو تأتي أنت ورجل أو رجلان قال: (كم هو؟ فذكرت له كم هو مقدار الطعام، فقال: كثيرٌ طيب). ثم قال: (قل لها -يعني لزوجتك التي تطبخ الطعام- لا تنزعي البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال النبي ﵊: قوموا) ومن حوله كان المهاجرون والأنصار، فقام المهاجرون والأنصار، والرجل يريد واحداً أو اثنين أو ثلاثة بالكثير، فالنبي ﵊ نادى المهاجرين والأنصار فلما دخل على امرأته قال: (ويحك -مصيبة- جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار، فقالت المرأة -وكانت فقيهة-: هل سألك عن مقدار الطعام؟! قلت: نعم. فاطمأنت) لأنه ما دام يعلم أن الطعام قليل ومع ذلك دعاهم، فلا بد أن يكون هناك سبب، فلما دخلوا قال: (ادخلوا ولا تباغطوا -النبي ﷺ فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقيت بقية، فقال ﵊ للمرأة: كلي هذا واهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة). فإذاً: تتأكد أن الهدية احتاج الناس إليها وصارت حاجة، فيكون إرسالها فيه أجر عظيم. وبالنسبة لبعض الهدايا التي يتأكد عدم ردها: ما كان غير ذي مئونة ولا فيه كلفة، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من عُرض عليه ريحانٌ فلا يرده؛ لأنه خفيف المحمل طيب الرائحة) رواه أحمد وأبو داود، وصحح إسناده في صحيح الجامع الصغير. فإذاً: الأشياء اليسيرة يتأكد عدم ردها.

стр. 305

الأحوال التي ترد فيها الهدية ما هي الأحوال التي ترد فيها الهدية؟ أولاً: هل ثبت أن النبي ﵊ رد هدايا؟ نعم. ثبت أن النبي ﷺ رد هدايا بعض المشركين، وقال -أيضاً- في الحديث الصحيح: (وايم الله! لا أقبل بعد يومي هذا من أحدٍ هدية إلا أن يكون مهاجراً قرشياً أو أنصارياً أو دوسياً أو ثقفياً) والسبب أن أعرابياً وهب النبي ﵊ ناقة فأثابه النبي ﷺ عليها، فقال: (أرضيت؟ قال: لا. فزاده حتى عوضه ست بكرات) هذا الأعرابي كأنه يريد بالهدية أن يأخذ أكثر منها. ولذلك النبي ﷺ قال هذه العبارة الشديدة: أنه هم ألا يقبل هدية إلا من هؤلاء الأحياء من العرب، قال: (إن فلاناً أهدى إلي ناقةً فعوضته عنها ست بكرات، فضل ساخطاً، ولقد هممت ألا أقبل هديةً إلا من قرشي أو أنصاريٍ أو ثقفيٍ أو دوسي) رواه أحمد والترمذي. وكذلك قال ﷺ : (إن رجالاً من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه فيظل يتسخط فيه عليّ، وايم الله! لا أقبل بعد مقامي هذا من رجلٍ من العرب هدية إلا من قرشيٍ أو أنصاريٍ أو ثقفيٍ أو دوسي) لأن هؤلاء لا يفعلون هذه الأفاعيل، هؤلاء الأربعة الأحياء من العرب معروفون بجودة الأخلاق، فالواحد منهم لا يلجأ إلى هذه الأساليب الملتوية، ثم يتسخط إذا أُعطي رداً عليها. فالإنسان إذا أحس أن الشخص يُريد بالهدية إحراجه، فإن له أن يردها، وإذا كانت الهدية من حرام، فإنه يجب ردها. وإن كانت فيها شبهة فإنه يستحب له أن يردها، وإذا كانت رشوة، فإنه يجب عليه أن يردها، كأن يكون موظفاً صاحب منصب ولولا وظيفته ما أعطي الهدية، أو يكون موظفاً في الجوازات، أو موظفاً في المصلحة الفلانية، فإذا جاءته هدية من معقب الشركة، قال: هذه الشركة تهدي لك هذه الهدية، فلا يأخذها، لأنه يجوز له ذلك، ولو كان في غير هذه الوظيفة ما أعطوه، لكن لو أن جاره أو قريبه أعطاه، فليقبلها؛ لأنها ما جاءت من أجل أنه موظف في هذه الدائرة التي يراجعها الناس، وإنما جاءت لأنه قريب أو جار. فإذاً: إذا اشتم منها رائحة التهمة أو الرشوة أو الريبة فإنه يردها. فإذاً هناك بعض الحالات التي يجب فيها رد الهدية، أو يستحب فيها رد الهدية. كذلك لو أهداك إياها فاجر فاسق، أو كافر يريد بالهدية أن يبقى له منةٌ عليك، حتى إذا قابلك انكسرت عينك وذلت نفسك له، ففي هذه الحالة لا تقبلها، لكن إذا جاءتك الهدية سليمة نقية ما فيها شائبة ولا ريبة ولا شبهة ولا حرمة فاقبلها ولا تردها، وربما قبل النبي ﷺ هدايا وهو لا يحبها، لا يحبها من جهة نفسه؛ لأن نفسه لا تشتهيها لكن يأخذها إكراماً لصحابها، كما جاء في كتاب الهبة في صحيح البخاري ﵀ عن ابن عباس قال: [أهدت أم حفيدة خالة ابن عباس إلى النبي ﷺ أقطاً وسمناً وأضباً -جمع ضب- فأكل النبي من الأقط والسمن وترك الضب تقذراً -نفسه تعافه؛ لأنه لم يكن بأرض قومه، لم يكن من طعام قريش- وأكل على مائدة رسول الله ﷺ ، ولو كان حراماً لما أكل على مائدته]. إذاً: يأخذ الإنسان الطعام ولو كانت هذه الأكلة لا تعجبه، فيأخذها ويعطيها إلى أناس آخرين. بعض الأحيان قد يطبخ جيرانك طعاماً، ويهدوك منه، وأنت لا يعجبك هذا النوع من الطعام مطلقاً، فلا غضاضة عليك لو أخذته وطيبت خاطرهم بأخذه، ثم أعطيته بعض الفقراء أو العمال أو المساكين، أو الناس الآخرين فهم يأكلونه أو يستفيدون منه.

стр. 306

تحري أحسن الأوقات والأماكن عند إهداء الهدية وإذا أراد الإنسان أن يُهدي أخاه هدية، فإنه يتحرى أحسن الأوقات والأماكن، ليهدي إليه حتى تصبح أعظم، وحتى تصبح أوقع في النفس، والدليل على ذلك ما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض. وقالت عائشة: [كان الناس يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه رسول الله ﷺ عندي يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ ]. فإذاً: الهدية إذا كانت في يوم مُفضل أو ساعة أو مكان معين أو ظرف معين عند المهدى إليه تكون أوقع في النفس وأحسن، فهذا من آداب الهدية. وقد حدثت قصة طويلة في هذا الباب رواها البخاري ﵀ في كتاب الهبة وفي كتاب المناقب، وملخص هذه الهدية أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة فاجتمع صواحبي - تقول عائشة - إلى أم سلمة فقلن: (يا أم سلمة! والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريد عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث ما كان، أو حيث ما دار -لا يتقصدون عائشة - قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليَّ ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة! لا تؤذيني في عائشة، فإنه -والله- ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها) وهذا من فضلها ﵂. وجاء في رواية أخرى: (أنهن وسطن فاطمة بنت رسول الله ﷺ تقول له: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: يا بنية! ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى. فرجعت إليهن فاطمة) ثم أنه ليس من المناسب للنبي ﵊ أن يقول: يا أيها الناس! أهدوني في بيت فلان وفلان. فعلى أية حال: النبي ﵊ كان يُحب أن يهدى إليه وهو في بيت عائشة؛ لأنه يحب عائشة ﵂، وأن تأتيه الهدية في هذا البيت يكون موقعها أجمل وأحسن، على أنه ينبغي على الإنسان المتزوج بأكثر من زوجة أن يراعي مسألة الغيرة أشد المراعاة حتى لا تتفاقم المشكلات وتعظم، ويكون هذا من أسباب القطيعة، أو من أسباب تنغيص عيشه في بيته مع زوجاته، وقد جاءت قصة حفصة مع النبي ﷺ لما كان يحب العسل والحلوى، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من أحدهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، تقول عائشة: فغرت، لماذا أطال عند حفصة أكثر من المعتاد؟ فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكةً من عسل فسقت النبي ﷺ منه شربة فقلت: أما والله لنحتالن له، وجاءت قصة العرفط والمغافير التي حصلت من حيلة عائشة ﵂، فالإنسان على أية حال يحتاج أن ينتبه إلى مسألة الغيرة بين الزوجات، ولا يكون هو سبب الشر، أو يكون هو مفتاح الشر.

стр. 307

استحباب تبيين سبب رد الهدية ومن آداب الهدية أن الإنسان إذا رد الهدية لسبب يبين للشخص الذي ردها له ما هو السبب، مثال: روى البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي: (أنه أهدى لرسول ﷺ حماراً وحشياً وهو بـ الأبواء أو بـ ودان -هذا موضع بين مكة والمدينة - صاده، فرده عليه النبي ﵊ وكان محرماً ﷺ ، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أننا حرمٌ) وقد يقال: ألم يقبل من أبي قتادة الهدية وهو محرم؟ فقد جمع العلماء بين هذين الحديثين وقالوا: إن الصيد إذا صِيْدَ للمحرم -صيد لأجله- فإن عليه أن يرده؛ لأن المحرم لا يأكل الصيد، لا يصيد ولا يأكل الصيد الذي صيد لأجله، لكن إذا لم يصد لأجله جاز له أن يأكل، فـ أبو قتادة لما صاد حمار الوحش عندما لما تضاحك المحرمون من رفقائه والتفتوا ورأى الصيد وصاده، ما صاده لأجل النبي ﵊؛ لأن النبي ﵊ كان بعيداً عنه، فهو صاده لأجل نفسه، وأهدى للنبي ﵊ وأكل النبي ﷺ . فالفرق بين القصتين أن ما صيد لأجل المحرم لا يُؤكل، وإذا كان لم يُصد لأجله جاز للمحرم أن يأكل منه. والشاهد الذي أورد الحديث من أجله هنا فهو تبيان أن الإنسان إذا رد الهدية لسبب، فإنه يُطيب خاطر المهدي بتبيان السبب. وكذلك من الأمور التي تتعلق بالهدية والتي ذكرها أهل العلم: إذا مات المهدى إليه قبل وصول الهدية، فلمن هي؟ هل ترجع للمهدي؟ أو هي لورثة المهدى إليه؟ فالإمام أحمد ﵀ سُئل عن ذلك، فقال مجيباً عن هذا السؤال إن كان حاملها - لما حصل الموت- رسول المهدي رجعت إلى المهدي، وإن كان حاملها رسول المهدى إليه فهي لورثته. فإذا حصل الاستلام من المهدى إليه أو من رسوله أو ولده دخلت في ملكه وإلا فلا.

стр. 308

أنواع الهدايا والهدية أنواع:

стр. 309

هدية المحبة والمودة فمنها هدية المحبة والمودة، التي يقصد بها تثبيت الصحبة وتأكيد الأخوة، وحسن العشرة والمروءة بين الناس، وهذا النوع من الهدية قد يكون من الأعلى للأدنى، أو من الكبير للصغير، أو من المعلم للتلميذ، فإذا كانت من الأعلى إلى الأدنى صار فيها شيء من معنى الصدقة، بخلاف ما إذا كانت من الأدنى إلى الأعلى؛ لأنها تكون أبعد عن معنى الصدقة. وقد تكون الهدية من باب الصلة والبر إذا كانت بين الأهل والأقارب، أي: تكون الهدية من صلة الرحم، قد تكون من باب التحبب والتقرب إلى الله، كالهدايا التي تقدم للعلماء والصالحين. قد يقصد بالهدية التوسعة كما إذا كانت من الغني للفقير، وقد يُقصد بالهدية تأليف القلب، كأن يعطيها الإنسان لمن بينه وبينه عداوة؛ لإزالة العداوة. قد تكون الهدية لتأكيد الصحبة والمحبة، كما إذا كانت بين الإخوان والأصحاب، وقد تكون الهدية هدية تشجيع كما إذا أعطى المدرس هدية لطالب نجيب عنده، أو يحفظ القرآن، أو يستذكر دروسه، فهي هدية تشجيعية يُقصد بها التشجيع. فإذاً الهدية لها عدة معانٍ جميلة ينبغي الالتفات لكل معنى منها، وقد تكون الهدية في مناسبة كالعيدين، أو مناسبة دينية أو اجتماعية موافقة للشرع مثل هدية زواج، أو هدية ولادة، أو هدية ختان، أو هدية إلى المريض، أو هدية للقيام من المرض، أو هدية للنجاح، أو للترقية، أو للمسافر، أو للعائد من السفر. فإذاً: الهدية كلما كانت مناسبتها أحسن كلما كان نفعها أكبر، وكلما كانت أفضل عند الله .

стр. 310

هدايا الوالدين والهدايا للوالدين لا شك أنها من أعظم الهدايا؛ لأن بر الوالدين واجب، ويتقرب الإنسان إلى الله بالهدية للوالدين أكثر من غيرهما، أما هدية الوالدين للأبناء فإنها تتعلق بها أحكام، فلا يجوز للأبوين أن يفضلا أحد الأولاد أو بعض الأولاد على بعض دون مسوغ شرعي، كأن يكون أعطاه هبةً لفقره أو لأنه تزوج، أو لأنه مريض يحتاج إلى علاج، أو لأنه نجح في الدراسة ولم ينجح بقية إخوانه، أو لأنه حفظ سورة لم يحفظها بقية إخوانه، فإذا كانت لسبب شرعي فلا بأس بذلك، ولو لم يعط بقية الإخوة، لكن ينبغي عليه أن ينوي في نفسه أنه لو مر أحدٌ من الأولاد الآخرين بالظرف نفسه الذي مر به هذا الولد الذي أعطاه أن يُعطيهم مثلما أعطاه، أي: لو أن أحد أولاده -مثلاً- تزوج فأعطاه عشرة آلاف ريال، فيجب على الأب من العدل أن ينوي في قلبه أنه لو تزوج الولد الثاني أن يُعطيه مثلما أعطى الولد الأول، إذا كان في ذلك الوقت مستطيعاً. ولا يجوز له أن يميز أحد الأولاد على بعض، كأن يُعطي هدية أو عطية أو هبة لولدٍ دون آخر دون سببٍ شرعي، فالراجح أنه حرام لا يجوز، ويكاد يكون هذا هو مذهب الإمام أحمد ﵀ خلافاً لجمهور العلماء، وقد نصر ذلك ابن القيم نصراً مؤزراً في تهذيب السنن في شرحه على أبي داود وذكر أدلة الفريقين ورجح المذهب القائل بعدم جواز أن يميز الأب ولداً من أولاده بعطية أو هدية أو هبة دون مسوغٍ شرعي، وحديث: (اذهب فأشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور) ونحو ذلك من ألفاظ الحديث كلها تدل على أن النبي ﵊ رفض أن يشهد على عطية النعمان وتمييزه عن بقية إخوانه. ولذلك التمييز بينهم حرامٌ، ولا شك أنه من الأسباب التي تولد الضغائن بين الأولاد، أن يميز الأب واحداً منهم بشيء، والله قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ [النساء:١١]. وبقي في موضوع الهدية بقية، وخصوصاً الكلام على الفرق بين الهدية والرشوة؛ لأنها مهمة في خِضم الحياة التي نعيشها. فأقول أيضاً أيها الإخوة: إن الهدية العلمية الشرعية والنصيحة من أعظم ما يُهدى للإنسان المسلم. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عيسى أنه سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: (ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ﷺ ؟ فقلت: بلى فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد) فإذا أهديت لإنسان معلومة دينية شرعية فلا شك أن هذه من أعظم ما يُهدى. ومن الأمور والأحكام المتعلقة بالهدية ذكرنا هدية المحبة والمودة، وهدية الوالدين.

стр. 311

هدية المخطوبة ومن الهدايا أيضاً هدية المخطوبة التي جرت بها العادة، والتي يُراد بها التودد والتحبب أيضاً، فإن الناس قد اعتادوا أنه إذا خطب أحدهم امرأة أو عقد على امرأة أن يُهدي لها هدايا، ومنها هذه الشبكة. فأما بالنسبة لما يُهدى من المطعومات والمشروبات والأمور المستهلكة والملابس وكل ما لم يُقصد به المهر أو جزءاً منه، فإنه ملكٌ لمن أهدي إليها، فإذا فُسخت الخطوبة سيبقى عندها، لكن إذا كان قد أُعطي لها على أنه جزءٌ من المهر مثل الشبكة التي تعارف الناس على أنها جزء من المهر، فهذه إذا حدث ما حدث من الفراق، فإنها تكون من جملة الأشياء التي يسترجعها الرجل. وبالنسبة لمن أهدى هدية طمعاً في المكافأة عليها، فإن هذا الشخص لا يكون له ثوابٌ عليها حيث أنه أراد من وراء الهدية أن يُهدى إليه، وإذا لاحظ المهدى إليه أنه قُصد من وراء الإهداء إليه أن يرد، مثل أن يكون غنياً وأهدي إليه من قبل فقير، فإنه إذا أخذها يأخذها على أن يُهدي ويُثيب ويكافئ؛ لأنها أعطيت إليه بهذا القصد وإلا فلا يأخذها.

стр. 312

حكم الهدية على قضاء الحاجات أما بالنسبة للهدية على قضاء الحاجات، فإن أهل العلم لهم أقوالٌ في مسألة من أهدى لآخر هدية لأنه قضى له حاجةً مباحة، فقال بعضهم بالحل، وقال بعضهم بالكراهة، ورأي الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الهدية على عملٍ مباح مكروهة إلا أن يكافئ بمثلها، قال أبو الحارث: إن أبا عبد الله سُئل عن رجل يسأله الرجل حاجةً، فيسعى فيها يقول: يا فلان! هل يمكن أن تقضي لي الحاجة الفلانية؟ -تنهي لي هذه المشكلة أو هذه المعاملة أو هذه الوظيفة- فإذا فعلها له أهدى له هدية، هل يجوز أن يقبلها أم لا؟ فقال الإمام أحمد ﵀: إن كان شيئاً من البر وطلب الثواب كرهت له ذلك؛ لأنه لما قضى له الحاجة ماذا أراد الذي قضاها: هل أراد جعلاً؟ هل أراد مقابلاً مادياً؟ هل قال: أسعى في المعاملة أو أقضيها في مقابل مادي؟ هل قال: أسعى لك في المعاملة أو أقضيها لك -مثلاً- أو أتابعها لك أو أنهي لك هذه القضية بمقابل كذا من المال؟ لا. إنما فعلها لوجه الله. فإذا أهدي له هدية فإنه لا يأخذها؛ لأنه يريد أن يتم له الأجر، لكن إن أخذها فإنه يأخذها بقصد المكافأة عليها، ويثيب عليها وتكون واحدة بواحدة ويبقى له أجر ما عمل.

стр. 313

مسألة الشفاعة والواسطة بالنسبة لمسألة الشفاعة والواسطة، أنه يطلب من شخص أن يتوسط له في مسألة من المسائل أو أمر من الأمور، بجاهه يقول: يا فلان! أنت تعرف المدير، أنت تعرف فلاناً، أنت تعرف الرئيس الفلاني، توسط لي عنده في إنهاء هذه القضية أو هذه الوظيفة ونحو ذلك، فهذه شفاعة، إذا كانت في أمرٍ مباح فهي جائزة، والشافع مأجور: (اشفعوا تؤجروا). لكن ما حكم أخذ الهدية على الشفاعة؟ الجواب الراجح أنه لا يجوز أخذ الهدية على الشفاعة، لقول النبي ﷺ في الحديث الحسن: (من شفع لأخيه شفاعةً فأهدى له هديةً عليها فقبلها منه، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا) ولعل من الحكم من وراء هذا الأمر -وهو عدم جواز أخذ الهدية على الشفاعة والواسطة الحسنة- أن الجاه نعمة من الله ينبغي أن يُستخدم في خدمة عباد الله مجاناً بدون مقابل، وينبغي أن يتسارع إليه الناس المستطيعون، لنصرة حقٍ أو رفع ظُلم، ولا ينبغي لمن ساهم بجاهه في جلب حقٍ أو دفع ظلم أن يأخذ مالاً على ذلك، حتى لا يتكاسل الناس عن هذه المسألة، ويشترطون الأجر، فيقول أحدهم: لا أتوسط لك إلا بمقابل. قال ابن رجب الحنبلي ﵀: الهدية لمن يشفع له بشفاعة عند السلطان ونحوه لا يجوز أخذ الأجرة عليها. وقال بعض الفقهاء: لا يجوز أخذ العوض مقابل الدفع عن المظلوم، وإنه يجب أن تُقضى له الحاجة مجاناً. وقال ابن الجوزي: يجب على الولاة إيصال قصص المظلومين وأهل الحوائج، وقال: والواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها من تبليغه للسلطان حاجاتهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم، بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة. إذاً: لا يجوز أخذ المقابل على هذه الشفاعة وخصوصاً إذا كانت لجلب حقٍ أو دفع ظُلم. وقد أفتى ابن تيمية ﵀ -في مسألة أخذ العوض أو الهدية على قضاء الحاجة- بعدم الجواز، وقال: هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الكبار، ولما سئل ابن مسعود عن السحت قال: إنما السحت أن يستعينك على مظلمةٍ فيهدي لك. فلا تقبل. يقول: تعال ادفع عني هذه المظلمة فإذا أهدى لك هدية لا تقبل؛ لأنه سحت، لو قبلتها فهذا سحت. وعن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها، فأهدى إليه صاحب المظلمة وصيفاً فرده ولم يقبله، وقال مسروق: سمعت ابن مسعود يقول: [من رد عن مسلمٍ مظلمة فأعطاه على ذلك قليلاً أو كثيراً فهو سحت، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نظن أن السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذلك كفرٌ نعوذ بالله من ذلك] أي: أشد وأشنع، أي: الرشوة للقاضي أشد وأشنع ليحكم بغير الحق والصواب. وجاء نصرانيٌ إلى الإمام الأوزاعي وكان يسكن بيروت فقال: إن والي بعلبك ظلمني وأريد أن تكتب فيَّ إليه، وأتاه بقلة عسل -هدية معه- فقال له: إن شئت رددت عليك قلتك وأكتب إليه؟ وإن شئت أخذتها ولا أكتب؟ -أنت بين أمرين إما أن تأخذ هديتك وأكتب لك , وإلا لا أكتب لك ولا أقبل هديتك- فقال النصراني: بل اكتب لي وارددها، فكتب له أن ضع عنه من خراجه، فشفّعه الوالي فيه، وحط له عن جزيته ثلاثين درهماً. أي: كان قد أخذ أكثر من الجزية الشرعية. فإذاً: لا ينبغي الاستعانة بالهدايا على قضاء الحوائج وتيسير المهام؛ حتى لا تتوقف الأمور على ذلك وتضيع المروءات والأخلاق بين الناس، ويكون التعامل بينهم على أساس مادي، فيضيع باب الاحتساب ويضعف الوازع الديني عند الناس. وكذلك من الأشياء التي لا ينبغي قبول الهدية فيها مطلقاً: الهدية مقابل حفظ الأمانة، كأن يستودع أحد عندك أمانة ثم جاء فأخذها كاملة فأعطاك هدية فلا تأخذها منه، إلا بنية أن تكافئه عليها، حتى يبقى أجرك عند الله موفوراً، وحتى لا تصبح قضية حفظ الأمانات بين الناس مقابل هدايا ومكافآت، وينبغي أن يُسعى في قضاء الحوائج للناس ابتغاء الأجر من الله سبحانه تعالى، وينبغي أن يبذل المسلم جاهه بدون مقابل؛ لأن الجاه زكاة مثل المال. ولذلك فإن الذي يُعطي شخصاً مالاً وهو مضطر، أعطاه إياه؛ لأنه ما عنده طريقة أخرى يصل بها إلى حقه أو يدفع الظلم عن نفسه، فيجوز له أن يدفعها؛ لأنه مضطر، لكن لا يجوز للآخر أن يأخذها، وإنما يستخدم جاهه في مساعدته، أما إذا كانت الهدية لإحقاق باطل، أو إبطال حق فلا شك أنها محرمة تحريماً عظيماً.

стр. 314

الغرض من الهدايا وقد ذكر بعضهم أن الهدايا لها أغراض أربعة: أولاً: أن يكون الغرض منها حصول الثواب الأخروي، كأن يكون المهدى إليه فقيراً أو عالماً أو صالحاً. ثانياً: أن يُقصد بالهدية جلب المحبة والتودد، مثل أن يُعطي المخطوبة يتودد بالهدية إلى قلبها. فهذان جائزان. ثالثاً: أن يقصد بها غرضاً دنيوياً، كأن يعطي الفقير غنياً هدية على أمل أن يُعطيه أكثر، فيجوز للغني أن يأخذها إذا كان سيعطيه فعلاً. رابعاً: أن يكون المراد بها الاستعانة على فعل أمر معين، كالمحتاج إلى السلطان في مسألة، فيُعطي وكيله هدية، فهذا إذا كان في إحقاق باطل أو إبطال حق فلا شك في تحريمه. وإذا كان العمل في أخذ حقه أو دفع الظلم عن نفسه، فقد يجوز الإعطاء، ولكن لا يجوز الأخذ أبداً. أما الأشياء المباحة كأن يتوسط له في جلب بضاعة -مثلاً- ليس مضطراً إليها ولا محتاجاً إليها، يريد أن يتوسع بها، فهذه الهدية في هذه الحالة الأحوط ألا يأخذها؛ لأن فيها استعمال الجاه بمقابل.

стр. 315

حكم إهداء القضاة وبالنسبة لهدايا القضاة فإن العلماء قد تكلموا على ذلك، وذكر بعضهم أن القاضي لا يجوز له مطلقاً أن يقبل الهدية، وهذا قول بعض أهل العلم، وقال بعضهم: جائز، وقال بعضهم: يجوز إذا كان الذي أهدى للقاضي ليس له قضية عند هذا القاضي، وبعضهم قال: يجوز إذا كان ممن يهديه قبل القضاء، فيجوز له أن يهديه بعد القضاء، وشرط بعضهم أن يكون ممن يهديه قبل القضاء وليس عنده قضية عند القاضي. وعلى أية حال فإن تحريم أخذ القاضي للهدايا هو القول الأحوط، وقد رجحه ابن قدامة رحمه الله تعالى، ولا شك أن القاضي إذا أخذ الهدية فإن ذلك سيكون باب شرٍ عظيم. اللهم إلا إذا كان هدية لا علاقة لها بالقضاء أبداً، كما إذا أهدى له أخوه هدية، أو جاره أهداه هدية للجوار فقط، أو من -مثلاً- قاض آخر يكون زميلاً له، أي: لا علاقة له بالقضاء مطلقاً، فهو يجزم تماماً أنها لا علاقة لها بالقضاء، فهذا يجوز له أخذها. ولذلك قال النووي ﵀: إن كان المهدي ممن لم تجر له العادة بالهدية إليه قبل الولاية حرم عليه قبول الهدية. وإذا كانت له عادة بالهدية من قبل ولم تكن له قضية عند القاضي أو حكومة -العلماء يسمونها حكومة- جاز قبولها، وإن كان له حكومة أو قضية عند القاضي فلا يجوز للقاضي أن يقبلها حتى لو كان المهدي له سابق عهد بالهدية، قبل أن يتولى القاضي القضاء. كذلك فإن من الأشياء التي يمكن أن تكون بريئة، الإهداء للقاضي بعد التقاعد من القضاء، أو أن يهدي له شخص شيئاً ما، وهذا الشخص لا علاقة له بمجال القضاء ولا يأتي إليه في خصومة مثل أن يكون في بلدٍ آخر فيه قاض آخر، فأهدى له هدية من بلد إلى بلد، فهنا لا يطمع أن يكون له عند القاضي شيء، وإذا أهديت للقاضي هدية؟ قال بعض أهل العلم: يردها إلى بيت المال.

стр. 316

حكم قبول الحاكم للهدايا أما بالنسبة للحاكم، فإنه لا يأخذ شيئاً مطلقاً، ولذلك قيل لـ عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! مالك لا تقبل الهدية وكان رسول ﷺ يقبلها؟ فقال عمر ﵁ ورحمه: إنها كانت على عهد رسول الله ﷺ هدية، وإنها اليوم رشوة. كانوا يهدونه لنبوته يتقربون بها إلى الله، لكن نحن لماذا يهدوننا؟! لسلطاننا وإمرتنا، ولذلك قال: هي رشوة، فإذاً: لا يجوز له أخذها من الرعية. أما بالنسبة لمسألة قبوله هو لهدايا من ملوك الأرض -مثلاً- كما أهدى النجاشي وأكيدر دومة الجندل وغيرهم إلى النبي ﷺ أشياء، فقبلها ﵊، فإن كان فيها مصلحة للمسلمين أخذها، وهذا الباب فيه تفصيل، لكن لعلنا لا نحتاج إليه في هذا المقام والزمان.

стр. 317

حكم قبول العمال للهدايا أما بالنسبة للعمال وهم الموظفون العاملون، فإن النبي ﷺ قد ذكر الحكم صريحاً فقال: (هدايا العمال غلول) أي: سرقة وحرام وسحت، من هم العمال؟ موظفو الدولة عموماً، كل من تولى ولاية عامة، أو في مكان له علاقة بالناس يقضي لهم المعاملات، فإن هذا الموظف لا يجوز له أخذ الهدية من الناس أبداً، وحديث ابن اللتبية واضح جداً لما جاء يحاسب النبي ﵊ قال: (هذا مالكم وهذا هدية -قال: هذه الزكوات جمعتها لكم وهذه أعطوني إياها هدية- فغضب النبي ﵊ غضباً شديداً وخطب الناس وقال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟! والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاةً تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه يقول: اللهم هل بلغت؟). وفي رواية: (فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً) أي: يقول: لو لم تكن موظفاً عندنا وكنت في بيت أبيك وأمك هل كانت تأتيك الهدية؟ لو كنت صادقاً اقعد في بيت أبيك وأمك وانتظر الهدية. إذاً: كل هدية تأتي للموظف بسبب وظيفته حرامٌ عليه أخذها؛ لأنها رشوة، وهذه مسألة صريحة لا تحتاج إلى نقاش، ويقع بسبب قبول الموظفين في الأماكن العامة للهدايا من المراجعين والناس فسادٌ عظيم. وعن سليمان بن يسار: (أن رسول ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر) هذا موظف النبي ﵊ أرسله إلى يهود خيبر لأجل الخرص؛ لأن بينهم صُلح ولا بد أن يؤدوا أشياء معينة ونسبة معينة، قال: (فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم -اليهود- فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز القسط) رشوة واضحة من إخوان القردة والخنازير، خذ هدية وخفف عنا (فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود! والله لأنكم من أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم) يقول: أنتم أبغض خلق الله إليّ وربما ما فعلتموه الآن معي يزيدني عليكم حنقاً وبغضاً، لكن مع ذلك لن أجور عليكم في القسمة (فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض). وقال ابن تيمية ﵀: وما أخذ ولاة الأمور وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري ﵁: (هدايا العمال غلول) أي: خيانة. الخلاصة: لا يجوز للموظف أخذ الهدية من الناس مطلقاً، إلا إذا كانت هدية لا علاقة لها بالوظيفة أبداً، مثل هدية شخصية، أبوه أهداه هدية، أو أخوه، لا علاقة له بأنه موظف أو غير موظف، فهنا في هذه الحالة يأخذها، لكن أن يأخذ من عامة الناس ومن المراجعين فهذا حرام وسحت ولا يجوز. وقد تكون الهدية بأشكال كثيرة، كأن يقول صاحب ورشة لشخص: هات أصلح لك السيارة، هات نراعك فيها، هات نعطك أثاثاً بنصف السعر، فهذا كله سحت، حرام سواءً كان بشيءٍ مادي، أو خصم، أو خدمة مثل إصلاح سيارة أو تأجيرها، أو أشياء مجانية، لشخصه هو فهي حرام، ولا يجوز للآخر أن يدفعها، وإعطاء الهدية للموظف في الجوازات أو الشرطي أو لشخص في المرور حرام مطلقاً، وذكرنا استثناء في موضوع دفع الظلم عن نفسه وهي قضية أخرى.

стр. 318

حكم قبول الهدايا من الكفار أما بالنسبة لقبول الهدايا من الكفار، فإنه قد وردت نصوص أن النبي ﵊ أخذ هدايا من الكفار، مثلما أخذ -مثلاً- من أكيدر دومة الجندل. وكذلك قبل النبي ﷺ هدية اليهود لما أهدوه الشاة التي وضعوا فيها السم، ووردت أحاديث بمنع أخذ الهدية منهم، كقول النبي ﷺ : (إنا لا نقبل زبد المشركين) وزبد المشركين: هو عطاؤهم وهداياهم، فكيف جمع العلماء بين هذه الأحاديث؟ قال بعضهم: إن أحاديث المنع ناسخة، والأخذ منسوخة. وقال بعضهم: أحاديث الأخذ ناسخة، وأحاديث المنع منسوخة. وقال بعضهم: إنه إذا أُهدي إليه ﵊ خاصةً لا يقبل، وفيما أهدي للمسلمين يقبل، لكن هذا فيه نظر، فإن النبي ﵊ قد أُهدي هدايا خاصة، فقد أهداه المقوقس ملك الإسكندرية بغلة ومارية القبطية له خاصة، فهذا قد لا يكون جواباً صحيحاً أو راجحاً. وقال بعض العلماء: إذا كان الذي أهداه قصد الموالاة فيردها، وإذا كان الذي أهداه يُرجى بقبول هديته تأليفه إلى الإسلام وتأنيسه فيأخذها، وهذا جمعٌ جيد. وقال بعضهم: إن كانت من أهل الكتاب قبلها، وإن كانت من أهل الأوثان لم يقبلها، وقال بعضهم: إن كانت من المحاربين لم يقبلها وإن كانت من غير المحاربين قبلها، فلعل الراجح إن كانت من غير المحاربين ومن غير أهل الأوثان من أهل الكتاب، الذين يراد بقبول هديتهم تأليفهم، فيقبل وإلا فلا.

стр. 319

حكم إهداء المشرك ما حكم أن نهدي المشرك؟ ف الجواب إذا كان المشرك محارباً فلا يجوز إهداؤه؛ لأنه لا يوجد بيننا وبينه إلا السيف، وإذا كان غير محارب فالله يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] كانت أم أسماء مشركة، فلما رغبت في صلتها قال لها النبي ﵊: (صلي أمك) والوصل عام يمكن أن يكون بالهدايا أو بغير الهدايا، والصلة عامة لهذه الأم المشركة. فإذاًَ: يجوز أن نهدي المشرك خصوصاً إذا أهديناه لأجل تأليف قلبه، ودعوته إلى الله. ما حكم إهداء الكفار في مناسباتهم الدينية مثل الأعياد؟ الجواب: لا يجوز ذلك مطلقاً؛ لأنه مشاركة وإقرار ولا ينبغي إظهار الفرحة، أو مشاركتهم بفرحتهم مطلقاً مهما كانت، وأصحاب أبي حنيفة يشددون في ذلك جداً، حتى قالوا في بعض كتبهم: من أهدى إليهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم عيدهم فقد كفر.

стр. 320

بعض الأبيات التي جاء فيها ذكر الهدايا وهناك أبياتٌ للشيخ حافظ الحكمي ﵀ فيها ذكر بعض أحكام الهدية يقول: ثابتةٌ بالسنن القويمة وقد روي إذهابها السخيمة يُشرع للمسلم أن يقبلها وأن يثيب كرماً فاعلها إذ صح مروياً عن النبي وهو دليل الخلق المرضي وبين مسلمٍ وكافرٍ تحل مالم يخف وداً لمنعٍ قد نقل يجوز ردها بدون مانع شرعي إذ قد منع الشارع القاضي والأمير والشافع أن يقبلها نصاً صريحاً في السنن وإن تكن إلى جوارٍ تهدي فقدم الأقرب عن ذي البعدِ وإذا كانت الهدية من الصغير إلى الكبير فإنها فكلما لطفت ودقت كانت أبهى، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أوقع، وبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن ربيع بنعل وكتب معها: نعلٌ بعثت بها لتلبسها تسعى بها قدمٌ إلى المجدِ لو كان يمكن أن أشركها جلدي جعلت شراكها خدي وقال رجل لـ أبي الدرداء: إن فلاناً يقرئك السلام، فقال: هدية حسنة ومحملٌ خفيف.
следующие страницы →