Полный текст (576 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
حكم قبول الحاكم للهدايا
أما بالنسبة للحاكم، فإنه لا يأخذ شيئاً مطلقاً، ولذلك قيل لـ عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! مالك لا تقبل الهدية وكان رسول ﷺ يقبلها؟ فقال عمر ﵁ ورحمه: إنها كانت على عهد رسول الله ﷺ هدية، وإنها اليوم رشوة.
كانوا يهدونه لنبوته يتقربون بها إلى الله، لكن نحن لماذا يهدوننا؟! لسلطاننا وإمرتنا، ولذلك قال: هي رشوة، فإذاً: لا يجوز له أخذها من الرعية.
أما بالنسبة لمسألة قبوله هو لهدايا من ملوك الأرض -مثلاً- كما أهدى النجاشي وأكيدر دومة الجندل وغيرهم إلى النبي ﷺ أشياء، فقبلها ﵊، فإن كان فيها مصلحة للمسلمين أخذها، وهذا الباب فيه تفصيل، لكن لعلنا لا نحتاج إليه في هذا المقام والزمان.
стр. 317
حكم قبول العمال للهدايا
أما بالنسبة للعمال وهم الموظفون العاملون، فإن النبي ﷺ قد ذكر الحكم صريحاً فقال: (هدايا العمال غلول) أي: سرقة وحرام وسحت، من هم العمال؟ موظفو الدولة عموماً، كل من تولى ولاية عامة، أو في مكان له علاقة بالناس يقضي لهم المعاملات، فإن هذا الموظف لا يجوز له أخذ الهدية من الناس أبداً، وحديث ابن اللتبية واضح جداً لما جاء يحاسب النبي ﵊ قال: (هذا مالكم وهذا هدية -قال: هذه الزكوات جمعتها لكم وهذه أعطوني إياها هدية- فغضب النبي ﵊ غضباً شديداً وخطب الناس وقال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟! والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاةً تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه يقول: اللهم هل بلغت؟).
وفي رواية: (فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً) أي: يقول: لو لم تكن موظفاً عندنا وكنت في بيت أبيك وأمك هل كانت تأتيك الهدية؟ لو كنت صادقاً اقعد في بيت أبيك وأمك وانتظر الهدية.
إذاً: كل هدية تأتي للموظف بسبب وظيفته حرامٌ عليه أخذها؛ لأنها رشوة، وهذه مسألة صريحة لا تحتاج إلى نقاش، ويقع بسبب قبول الموظفين في الأماكن العامة للهدايا من المراجعين والناس فسادٌ عظيم.
وعن سليمان بن يسار: (أن رسول ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر) هذا موظف النبي ﵊ أرسله إلى يهود خيبر لأجل الخرص؛ لأن بينهم صُلح ولا بد أن يؤدوا أشياء معينة ونسبة معينة، قال: (فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم -اليهود- فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز القسط) رشوة واضحة من إخوان القردة والخنازير، خذ هدية وخفف عنا (فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود! والله لأنكم من أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم) يقول: أنتم أبغض خلق الله إليّ وربما ما فعلتموه الآن معي يزيدني عليكم حنقاً وبغضاً، لكن مع ذلك لن أجور عليكم في القسمة (فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض).
وقال ابن تيمية ﵀: وما أخذ ولاة الأمور وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري ﵁: (هدايا العمال غلول) أي: خيانة.
الخلاصة: لا يجوز للموظف أخذ الهدية من الناس مطلقاً، إلا إذا كانت هدية لا علاقة لها بالوظيفة أبداً، مثل هدية شخصية، أبوه أهداه هدية، أو أخوه، لا علاقة له بأنه موظف أو غير موظف، فهنا في هذه الحالة يأخذها، لكن أن يأخذ من عامة الناس ومن المراجعين فهذا حرام وسحت ولا يجوز.
وقد تكون الهدية بأشكال كثيرة، كأن يقول صاحب ورشة لشخص: هات أصلح لك السيارة، هات نراعك فيها، هات نعطك أثاثاً بنصف السعر، فهذا كله سحت، حرام سواءً كان بشيءٍ مادي، أو خصم، أو خدمة مثل إصلاح سيارة أو تأجيرها، أو أشياء مجانية، لشخصه هو فهي حرام، ولا يجوز للآخر أن يدفعها، وإعطاء الهدية للموظف في الجوازات أو الشرطي أو لشخص في المرور حرام مطلقاً، وذكرنا استثناء في موضوع دفع الظلم عن نفسه وهي قضية أخرى.
стр. 318
حكم قبول الهدايا من الكفار
أما بالنسبة لقبول الهدايا من الكفار، فإنه قد وردت نصوص أن النبي ﵊ أخذ هدايا من الكفار، مثلما أخذ -مثلاً- من أكيدر دومة الجندل.
وكذلك قبل النبي ﷺ هدية اليهود لما أهدوه الشاة التي وضعوا فيها السم، ووردت أحاديث بمنع أخذ الهدية منهم، كقول النبي ﷺ : (إنا لا نقبل زبد المشركين) وزبد المشركين: هو عطاؤهم وهداياهم، فكيف جمع العلماء بين هذه الأحاديث؟ قال بعضهم: إن أحاديث المنع ناسخة، والأخذ منسوخة.
وقال بعضهم: أحاديث الأخذ ناسخة، وأحاديث المنع منسوخة.
وقال بعضهم: إنه إذا أُهدي إليه ﵊ خاصةً لا يقبل، وفيما أهدي للمسلمين يقبل، لكن هذا فيه نظر، فإن النبي ﵊ قد أُهدي هدايا خاصة، فقد أهداه المقوقس ملك الإسكندرية بغلة ومارية القبطية له خاصة، فهذا قد لا يكون جواباً صحيحاً أو راجحاً.
وقال بعض العلماء: إذا كان الذي أهداه قصد الموالاة فيردها، وإذا كان الذي أهداه يُرجى بقبول هديته تأليفه إلى الإسلام وتأنيسه فيأخذها، وهذا جمعٌ جيد.
وقال بعضهم: إن كانت من أهل الكتاب قبلها، وإن كانت من أهل الأوثان لم يقبلها، وقال بعضهم: إن كانت من المحاربين لم يقبلها وإن كانت من غير المحاربين قبلها، فلعل الراجح إن كانت من غير المحاربين ومن غير أهل الأوثان من أهل الكتاب، الذين يراد بقبول هديتهم تأليفهم، فيقبل وإلا فلا.
стр. 319
حكم إهداء المشرك
ما حكم أن نهدي المشرك؟ ف
الجواب
إذا كان المشرك محارباً فلا يجوز إهداؤه؛ لأنه لا يوجد بيننا وبينه إلا السيف، وإذا كان غير محارب فالله يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] كانت أم أسماء مشركة، فلما رغبت في صلتها قال لها النبي ﵊: (صلي أمك) والوصل عام يمكن أن يكون بالهدايا أو بغير الهدايا، والصلة عامة لهذه الأم المشركة.
فإذاًَ: يجوز أن نهدي المشرك خصوصاً إذا أهديناه لأجل تأليف قلبه، ودعوته إلى الله.
ما حكم إهداء الكفار في مناسباتهم الدينية مثل الأعياد؟ الجواب: لا يجوز ذلك مطلقاً؛ لأنه مشاركة وإقرار ولا ينبغي إظهار الفرحة، أو مشاركتهم بفرحتهم مطلقاً مهما كانت، وأصحاب أبي حنيفة يشددون في ذلك جداً، حتى قالوا في بعض كتبهم: من أهدى إليهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم عيدهم فقد كفر.
стр. 320
بعض الأبيات التي جاء فيها ذكر الهدايا
وهناك أبياتٌ للشيخ حافظ الحكمي ﵀ فيها ذكر بعض أحكام الهدية يقول:
ثابتةٌ بالسنن القويمة وقد روي إذهابها السخيمة
يُشرع للمسلم أن يقبلها وأن يثيب كرماً فاعلها
إذ صح مروياً عن النبي وهو دليل الخلق المرضي
وبين مسلمٍ وكافرٍ تحل مالم يخف وداً لمنعٍ قد نقل
يجوز ردها بدون مانع شرعي إذ قد منع الشارع
القاضي والأمير والشافع أن يقبلها نصاً صريحاً في السنن
وإن تكن إلى جوارٍ تهدي فقدم الأقرب عن ذي البعدِ
وإذا كانت الهدية من الصغير إلى الكبير فإنها فكلما لطفت ودقت كانت أبهى، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أوقع، وبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن ربيع بنعل وكتب معها:
نعلٌ بعثت بها لتلبسها تسعى بها قدمٌ إلى المجدِ
لو كان يمكن أن أشركها جلدي جعلت شراكها خدي
وقال رجل لـ أبي الدرداء: إن فلاناً يقرئك السلام، فقال: هدية حسنة ومحملٌ خفيف.
стр. 321
بعض الهدايا التي يمكن إهداؤها
وفي نهاية الكلام عن الهدية نريد أن نستعرض وإياكم بعض الهدايا التي يمكن إهداؤها، فأشير الآن ما هي الهدايا المناسبة التي يمكن أن تهدى للناس والإخوان والأقارب والجيران وغيرهم: طبعاً الكتاب والشريط الإسلامي لا شك أنه من أعظم ما يُهدى في هذا الزمان.
ومن الهدايا الساعة، لكن لا تكون مطلية بالذهب أو فيها صلبان، وكذلك الأقلام لا تكون مطلية بالذهب.
ومما يهدى أيضاً الملابس، فالنبي ﵊ أهديت له ألبسة، وهي من الأشياء الجيدة التي وردت فيها السنة مثل الثوب وغيره.
الأطعمة والأشربة أيضاً كانت تُهدى، كما تُصدق على بريرة، وبريرة أهدته لبيت النبي ﷺ ، والمصحف وهو داخل في كتب العلم، لأنه هو أعظم كتاب على الإطلاق، ولا شك أنه كلما قرأ فيه، والغالب أن يُقرأ فيه كثيراً -يعني: المصحف- أكثر من أي كتاب آخر، يؤجر عليه الإنسان.
والمركوبات، ولكن هذه أشياء مكلفة أي: لا يتيسر لعامة الناس أن يهدوها إلا إذا كان صاحب يسار فأهدى سيارة مثلاً.
وكذلك الآلات التي تستخدم في حفظ المعلومات كالحاسب الآلي أو الآلات الحاسبة التي تهدى للطلبة أو الأشياء القرطاسية كالمساطر وعلب الهندسة والدفاتر ونحوها، وكذلك الشاة تهدى للمتزوج من باب المساعدة في الوليمة، وقد ثبت في السنة مساعدة صاحب الوليمة أو الزوج بما ييسر عليه مئونة حفلة الزفاف، وإهداء الزوجة من الحلي.
ينظر في حاجته فيعطيه هدية تناسب حاجته، وكذلك إهداء مبلغ من المال.
الورد للمرضى من عادات الكفرة ولذلك لا ينبغي إهداء الورود للمرضى، ومن عاداتهم حمل العروس باقة وردٍ بيدها في حفلة الزفاف، لكن لو أهداه ورداً في غيرها كأن يأتي لأمه بوردٍ أو قرنفلٍ أو ياسمينٍ أو فُل -مثلاً- وجده جيداً وطيباً فلا شك أنها هدية جيدة ومحمودة.
وإهداء النصيحة، أو إهداء العلم الشرعي، أو تعليم حديث كما مر معنا من الهدايا الطيبة، وكذلك العسل.
فعلى أية حال الهدايا كثيرة وهذا طرف منها وأمثلة، وبذلك نختم الكلام عن موضوع الهدية.
نسأل الله أن يبصرنا وإياكم بالسبيل القويم، وأن يرزقنا اتباع سنة نبيه الكريم، والله أعلم.
стр. 322
آداب تلاوة القرآن الكريم [١، ٢]
إن القرآن الكريم هو حبل الله الممدود، فمن تمسك به هُدي ومن اعتصم به فاز، ولقد أوصانا الله بتلاوته وتدبره والعمل بأحكامه والتمسك بآدابه في أكثر من موضع منه.
وفي هذا الدرس يذكر الشيخ الكثير من آداب التلاوة التي لابد من التأدب بها والعمل بمقتضاها.
стр. 323
فضل تلاوة القرآن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: أيها الإخوة: سنتكلم اليوم -إن شاء الله تعالى- في موضوع الآداب الشرعية عن آداب تلاوة القرآن الكريم، ولا شك أن هذا الكتاب هو حبل الله الممدود من ربنا إلينا، من تمسك به هُدي، ومن اعتصم به فاز والفوز هو الجنة: (ويجئ القرآن يوم القيامة، فيقول: يا ربِ! حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب! زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب! ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق، ويزاد له بكل آيةٍ حسنة) رواه الترمذي، وهو حديثٌ حسن.
هذا شيءٌ من فضل تلاوة القرآن وما لقارئ القرآن من الأجر، وهو وصية النبي ﷺ التي أوصانا، كما روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده، عن أبي سعيد، أن النبي ﵊ قال: (أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض).
والله قد أوصانا بكتابه في كتابه بوصايا كثيرة، منها: الأمر بتلاوة القرآن وترتيله، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] فالذي يقرأ كتاب الله لاشك أنه هو الفائز يوم القيامة.
تلاوة الكتاب العزيز لها آداب، ومن آداب هذه التلاوة:
стр. 324
من آداب التلاوة: الإخلاص
من آداب التلاوة: الإخلاص لله ، فإن النبي ﷺ قد أخبرنا يوم القيامة عمن تسعر بهم النار، وهم ثلاثة، فمنهم: قارئ للقرآن، والسبب -ولا شك- في تسعير النار به يوم القيامة هو أنه لم يكن من الذين أخلصوا لله في ذلك، ولذلك هؤلاء الثلاثة الذين تسعر بهم النار، قال النبي ﵊ فيهم: (إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمةٍ جاثية، فأول من يُدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت بما علمت؟ قال: كنتُ أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلانٌ قارئ! فقد قيل ذلك، أخذت أجرك في الدنيا، ثم يسحب إلى النار) والعياذ بالله، فلابد من الإخلاص لله في التلاوة.
стр. 325
من آداب التلاوة: الطهارة
من آداب تلاوة كتاب الله العزيز كذلك أن يتلوه على طهارة، ولا شك أن تلاوته على طهارة أفضل، وإن حصل الخلاف بين أهل العلم في حكم الطهارة لتلاوة القرآن ولمس المصحف، أما بالنسبة للتلاوة فلا شك أن مجرد التلاوة بدون مس المصحف لا يشترط لها الطهارة، بمعنى زوال الحدث الأصغر والأكبر معاً، وإنما إذا كان على جنابة لا يقرأ حتى يغتسل وعذره يزول، بخلاف عذر الحائض التي تمكث وقتاً لا تستطيع أن تزيل عذرها بيدها.
ولما قال النبي ﷺ : (إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهرٍ) لاشك أن أعلى ما يُتطهر له هو كلام الله تعالى.
قال الجويني ﵀: "لكن تجوز القراءة للمحدث حدثاً أصغر؛ لأنه صح أن النبي ﷺ : (كان يقرأ مع الحدث) " لكن هذا الحديث ليس بمعروف، والذي ورد أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، ومن هنا قال بعض العلماء: ما دام أنه كان يذكر الله على كل أحيانه، فقراءة القرآن من ذكر الله.
ولذلك يرى بعضهم جواز قراءة القرآن للجنب، لكن الأحوط أن الجنب لا يقرأ القرآن، والأفضل أن يتطهر الإنسان لقراءة القرآن، والراجح للحائض أنه يجوز لها قراءة القرآن لكن دون مس المصحف، فإن احتاجت إلى مسه بخشبةٍ أو بقلمٍ أو بقفازٍ أو بخرقةٍ ونحو ذلك فلا مانع.
стр. 326
من آداب التلاوة: التسوك
من آداب تلاوة القرآن التسوك، لأن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (إن أفواهكم طرقٌ للقرآن، فطيبوها بالسواك)، وقد جاء عدد من الأحاديث في هذا الموضوع، فمن ذلك: أن النبي ﷺ قال: (إذا تسوك أحدكم ثم قام يقرأ طاف به الملك يستمع القرآن حتى يجعل فاه على فيه، فلا تخرج آيةٌ من فيه إلا في فيّ الملك) وهذا الحديث صححه الشيخ ناصر الدين الألباني وغيره.
فإن من فوائد السواك للقراءة: ١ - أنه لا يخرج من فم قائم الليل المصلي الذي يقرأ القرآن آية إلا دخلت في فم الملك.
٢ - أن الملك يضع فاه على فم قارئ القرآن، القائم في الليل.
стр. 327
من آداب التلاوة: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم
كذلك من آداب تلاوة القرآن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨].
ومعنى (إذا قرأت) أي: إذا أردت القراءة، قال بعض أهل العلم: يجب التعوذ عند قراءة القرآن لظاهر الأمر، وجمهور العلماء على استحباب ذلك، ومن أفضل الصيغ: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه) كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ .
والاستعاذة ليست آية من القرآن، ولذلك لا ترتل ترتيلاً، وإنما تقال: بصوتٍ عال، فإذا بدأ يقرأ رتل الترتيل المعروف، وميَّز صوته بالتلاوة، ومن فوائد الجهر بالتعوذ: إظهار شعار القراءة، وأن السامع ينصت للقراءة ويعلم ماذا سيقوله القارئ وأن بعده قرآن.
قال ابن الجزري ﵀: المختار عند أئمة القراءة الجهر بها.
وقال بعضهم: يُسر بها.
وعلى أية حال، إذا تعوذ يُسمع نفسه.
وهنا مسألة: إذا كان جماعة في مقام التعليم يقرءون، فتعوذ الأول وقرأ ثم توقف ليقرأ الثاني، فلا يجب إعادة الاستعاذة، لأن القراءة هنا في حكم المتصلة، فلا يجب إعادة الاستعاذة من القارئ والثاني والثالث وهكذا.
стр. 328
من آداب التلاوة: البسملة
من آداب تلاوة القرآن كذلك البسملة؛ أن يحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير براءة، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يعرف انقضاء السورة وابتداء السورة التي تليها بالبسملة، إلا في موضعٍ واحد وهو ما بين الأنفال وبراءة، فإن الصحابة تركوهما بغير بسملةٍ بينهما، لأن النبي ﷺ توفي ولم يبين لهم، هل براءة والأنفال سورة واحدة أم لا؟ فلو وضعوا البسملة صارت سورتين منفصلتين، وإذا لم يضعوا البسملة في بداية السورة توهم الناس أنهما سورة واحدة، فتركوهما بهذا الشكل الموجود الآن.
وكذلك بما أن البسملة آية فالسنة ألا تُوصل بما بعدها، فيستعيذ بالله ثم يتوقف، ثم يقرأ البسملة ويتوقف، ثم يشرع في قراءة الآيات أو السورة، وبما أن البسملة هي في بداية كل سورة، فإذا بدأ من وسط سورة، فإنه يكتفي بالاستعاذة.
стр. 329
من آداب التلاوة: الترتيل
ومن آداب التلاوة كذلك ترتيل القرآن؛ لأن الله قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤]، ونعتت أم سلمة قراءة رسول الله ﷺ ، قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً، وفي البخاري عن أنس أنه سأل عن قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: [كانت مداً، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد الله -أي: المد الطبيعي حركتين- ويمد الرحمن، ويمد الرحيم].
وفي الصحيح عن ابن مسعود: [أن رجلاً قال له: إني أقرأ المفصل في ركعةٍ واحدة، فقال: أهذاً كهذ الشعر] ينكر عليه، أي: الإسراع بالقراءة: [إن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع].
وفي الأثر عن ابن مسعود كما أخرجه الآجري: [لا تنثروه نثر الدقل -أي: التمر الرديء- ولا تهذوه كهذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون همَّ أحدكم آخر السورة].
والترتيل للتدبر يعين عليه، وهو أشد تأثيراً في القلوب، وعلماء القراءة يذكرون أن مراتب الإسراع والبطء في القراءة أربعة: ١ - التحقيق.
٢ - والتدوير.
٣ - الترتيل.
٤ - الحدر.
والترتيل: هو الموافق لنص كتاب الله تعالى، والإنسان قد يكون في موضع يريد فيه أن يسرع شيئاً ما، وفي موضع يريد فيه أن يبطئ شيئاً ما، قد يريد مراجعة حفظ سورة -مثلاً- فيُسرع، وقد يريد أن يتدبر أو يبحث عن شيء فيتمهل، فهذه المسألة تعود للمصلحة الشرعية، وقد يريد أن يلقن تلميذاً أو صغيراً فيتمهل معه في الأداء، وقد يريد أن يقرأ لنفسه فيكون أسرع، أما المبالغة في البطء الموجودة في قراء الإذاعات وغيرهم مما تنفر منه أسماع الناس فلا شك أن هذا تكلفٌ مقيت، وقد نهينا عن التكلف.
стр. 330
من آداب التلاوة: تفخيم التلاوة
ومن آداب تلاوة القرآن كذلك تفخيم التلاوة، ومعنى التفخيم: أي: أنه لا يقرأه بصوتٍ كصوت النساء إذا كان رجلاً مثلاً، وإنما يفخمه إذا كان رجلاً يقرأ كل شخصٍ بطبيعته، الرجل بطبيعته، والمرأة بطبيعتها، وإنما المقصود أنه لا يتشبه بالنساء، أو بميوعة في الكلام عند تلاوته، وممن ذكر ذلك الزركشي ﵀ في كتابه البرهان.
стр. 331
من آداب التلاوة: الاجتماع لمدارسة القرآن
ومما يتعلق كذلك بآداب التلاوة الاجتماع لتلاوته، كما قال النبي ﷺ : (وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) فالاجتماع لتلاوة القرآن ومدارسته من السنن والمستحبات العظيمة، ولا يعني قوله: (يتلون كتاب الله) أي: يتلونه بصوت واحد، كما لا يعني قوله: (يتلون كتاب الله) أي: كل واحد يقرأ وراء الآخر مقطع مقطع، كما يفعل كثيرٌ من الناس، لأنه قد ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم، أنهم كانوا إذا جلسوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ ويستمع الباقون.
أما طريقة الإدارة في التلاوة، أي: أن يقرأ كل واحد مقطع ثم يقرأ الآخر فهذه طريقةٌ مكروهة، وبعضهم يقول: مبتدعة إلا في مقام التعليم، أي: التعليم عند شيخ يأمر شخصاً أن يقرأ ثم يأمر الآخر وهكذا الثالث والرابع في التحفيظ مثلاً يسمع الأول ثم الثاني ثم الثالث، لكن إذا اجتمعوا مجموعة في المسجد أو في غيره، ما هي السنة؟ أمروا واحداً منهم أن يقرأ، مثل أن يكون أنداهم صوتاً، أو أفضلهم قراءةً، والباقون يستمعون.
стр. 332
من آداب التلاوة: تحسين الصوت بالقراءة
وكذلك من آداب التلاوة تحسين الصوت بالقرآن؛ لقوله ﷺ : (حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً)، وفي رواية: (حُسن الصوت زينة القرآن) وكلاهما حديثان صحيحان عن النبي ﷺ ، فتحسين الصوت: تجميله، وتزيينه، والاعتناء به، والإبداع فيه، وسيأتي لهذا مزيد من الشرح إن شاء الله.
وكذلك من آداب التلاوة: أن يُتغنى بالقرآن، وهذا تابع لما ذكرناه قبل قليل من تحسين الصوت به، فإن النبي ﷺ قال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، وكذلك حديث: (ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يتغنى به) فالتغني بالقرآن من آداب التلاوة ومستحباتها، وهذا معنى التغني: تحسين الصوت.
стр. 333
من آداب التلاوة: عدم الجهر بالقراءة على الآخرين
وكذلك من آداب التلاوة ألا يجهر شخصٌ على شخصٍ بالقراءة فيرفع صوته، ولذلك قال ﵊: (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن؛ لئلا يكون ذلك سبيلاً إلى التشويش).
стр. 334
من آداب التلاوة: قطع القراءة عند النعاس والتثاؤب
ومن آداب التلاوة أنه إذا نعس كف عن القراءة، فقد روى أحمد ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع) أي: يذهب وينام حتى لا يخلط القرآن بغيره، أو تلتبس عليه الآيات، فيُقدم ويُؤخر، أو يهذي ويذكر حروفاًَ ليست فيه ونحو ذلك مما يفعله النعسان، فإذا نعس فعليه أن يذهب وينام.
стр. 335
من آداب التلاوة: الاعتناء بالسور التي لها فضل
وكذلك من آداب تلاوة القرآن أنه يعتني بالسور التي لها فضل، فيُكثر من قراءتها، فإن النبي ﷺ قال: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة! فإنه من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] في ليلة فقد قرأ في ليلته ثلث القرآن).
وفي رواية أنه قال: (احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ثم قرأ عليهم سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾).
إذاً: المتابعة والاعتناء بالآيات والسور التي فيها فضل عظيم يكون مما ينبغي لتالي القرآن الكريم.
стр. 336
من آداب التلاوة: عدم القراءة في الركوع أو السجود
من آداب التلاوة ألا يقرأ القرآن في الركوع والسجود، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: (أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم).
ومن أسباب هذا وعلته: ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ من أن الركوع والسجود من مواضع الذل، فلا ينبغي أن يقرأ القرآن في مواضع الذل، وإنما فيه تسبيح الله سبحانه تعالى.
وذكر أهل العلم أنه إذا قرأ شيئاً من القرآن في الركوع أو السجود وأتى بدعاء من القرآن بقصد الدعاء، فإنه لا بأس به، كأن يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، أو ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] ونحو ذلك مما ورد من الأدعية في القرآن على سبيل الدعاء فلا بأس به.
стр. 337
من آداب التلاوة: الصبر على الصعوبة في القراءة
وكذلك من آداب التلاوة أن يصبر الشخص الذي يجد صعوبةً في التلاوة عليها، مثل العامي الذي يتعب في القراءة؛ لأنه لم يدرس ذلك أو لم تتهيأ له الفرصة لذلك، أو الشخص الذي في لسانه شيء، أو في تركيبة أسنانه شيء، قد يكون يشق عليه القراءة فيصبر على ذلك وأجره عظيم، كما قال النبي ﷺ : (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ وهو عليه شاق له أجران) فلو صبر على هذه المشقة وحاول أن يتعلم ما استطاع فلا شك أنه يؤجر أجراً عظيماً.
стр. 338
من آداب التلاوة: ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام
ومن آداب تلاوة القرآن ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) كما روى ذلك أبو داود والترمذي وابن ماجة، عن ابن عمر مرفوعاً.
لكن قد يبحث الإنسان عن دليل معين، فيستعرض القرآن في ذهنه استعراضاً، كما فعل الشافعي ﵀ فقد استعرض القرآن كله في ليلة يبحث عن دليل الإجماع، فهذا لا يسمى تلاوة وبالتالي نطبق عليه أحكام التلاوة، وآداب التلاوة، فنقول: لابد من الترتيل ونحو ذلك.
وإنما هذا استعراض يستعرضه في ذهنه يبحث عن شيءٍ معين، فتمر الآيات بسرعة في مخيلته، ولذلك لو أنه لم يحرك لسانه ولم يجرِ النفس لا تعتبر قراءة، ولا يؤجر عليها أجر القراءة، كما يفعل بعض الناس خطأً في الصلاة، فإنهم يطبقون شفاههم، ولا يحركون ألسنتهم، ولا يجري النفس بالقراءة ولا يُسمع نفسه، فهذه الحالة لا تعتبر قراءة، ولا يعتبر أنه قرأ الفاتحة، وهذا استعرض الفاتحة في ذهنه استعراضاً فقط.
على آي حال: إذا حصل شيءٌ من أجل استعراض أو من أجل مراجعة حفظ معين لشيءٍ معين، فلا ينطبق عليه النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث.
стр. 339
من آداب التلاوة: البكاء عند تلاوة القرآن الكريم
وكذلك من آداب التلاوة البكاء عند تلاوة القرآن الكريم، لأن الله قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٩]؛ ولأن النبي ﷺ لما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه التفت إليه ابن مسعود فإذا عيناه تذرفان ﵊، والبكاء عند قراءة القرآن لا شك أنه دليل الخشوع إذا كان بكاءً صادقاً.
فإن البكاء على أنواع: ١ - منه ما يكون بكاء رحمة ورقة.
٢ - ومنه ما يكون بكاء خوف وخشية.
٣ - ومنه ما يكون بكاء محبة وشوق.
٤ - ومنه ما يكون بكاء فرح وسرور.
٥ - ومنه ما يكون بكاء حزن وجزع.
فالبكاء المطلوب عند تلاوة القرآن هو بكاء الخشوع وليس بكاء النفاق، وليس البكاء المستعار، أما التباكي فهو تكلف البكاء، وقد جاء في حديثٍ: (إن لم تبكوا فتباكوا) ولكن الحديث ضعفه الشيخ ناصر، وذكر الشيخ عبد العزيز بن باز في بعض فتاويه أنه لا يعرف صحته، والحديث رواه أحمد وغيره، فالبكاء عرفنا دليله من الكتاب والسنة، وعرفنا أن البكاء عند قراءة القرآن يكون بكاء خشوع وليس بكاء نفاق، مثل التظاهر بالبكاء لأجل أن يقول الناس عنه: إنه خاشع، وإنما هو بكاء خشوع، لو سمعه الشخص ارتاح إليه، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله) رواه ابن ماجة، وهو حديثٌ صحيح.
أما بالنسبة للتباكي فإنه ينقسم إلى: تباكي محمود، وتباكي مذموم: - التباكي المحمود: هو الذي يستجلب رقة القلب وخشية الله، وليس تباكي الرياء والسمعة، مثلما قال عمر عن النبي ﷺ وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسرى بدرٍ: (أخبرني ما يبكيك يا رسول الله، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما) ولم ينكر عليه النبي ﷺ ، لكن هناك عبارة وردت في كلام بعض السلف: "ابكوا من خشية الله، فإن لم تبكوا فتباكوا".
- أما التباكي المذموم: هو الذي يجلب ويستجلب به حمد الخلق وثناءهم عليه، فيتظاهر بالبكاء أمام الناس، فهذا تباكي نفاق.
كما أن هناك بكاء نفاق وهناك تباكي نفاق، ولابد من شيء من التفصيل في موضوع البكاء عند تلاوة القرآن الكريم، أو عند سماعه.
لا شك أن النبي ﷺ كان يبكي عند تلاوة القرآن وليس يعني ذلك أنه كان يبكي دائماً، لكن كان يعرض له البكاء عند تلاوة القرآن وعند سماعه، كما جاء في الحديث الصحيح، وقال الصحابي: (أتيتُ النبي ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل) أي: يبكي؛ لأن الأزيز هو صوت البكاء، ولكنه يخرج من الجوف، فهو صوتٌ مكتوم، والمرجل: الإناء الذي يُغلى فيه الماء، فكيف يكون صوت الإناء الذي يغلى فيه الماء؟! فهكذا كان صوته ﵊ وهو يصلي ويقرأ القرآن، فيجيش جوفه ﵊ ويغلي من البكاء من خشية الله تعالى.
والصحابة رضوان الله عليهم ثبت كذلك عنهم أنهم كانوا يبكون عند قراءة القرآن الكريم، وقصة أبي بكر معلومة في مرض وفاة النبي ﵊، قالت عائشة: [إنه رجلٌ رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء]، وفي رواية: [إن أبا بكر رجلٌ أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس] وكذلك عندما كان في مكة يُصلي بفناء داره ويجتمع إليه نساء المشركين وأبناؤهم، وكان رجلاً بكاءً لا يملك دمعة ﵁.
وعمر بن الخطاب سمع نشيجه من وراء الصفوف، لما قرأ قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] حتى سالت دموعه على ترقوته، وكذلك فإنه بكى مرةً بدير راهب ناداه: [يا راهب! فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله في كتابه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤]] أناس يشتغلون ويعملون ويجدون ولكن لهم النار، لأن منهجهم ضلال وكفر، ومجتهدين في شرك أو في بدعة.
وكذلك فإن عمر قد كتب إلى رجل سمع أنه يشرب الخمرَ فكتب إليه: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، فسلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، ولما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرأ ويردد، ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى ونزع مما كان فيه من شرب الخمر.
وعائشة ﵂ مرَّ عليها القاسم وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] ترددها وتبكي وتدعو.
وعبد الله بن عباس لما قرأ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] جعل يرتل ويكثر النشيج.
وهذا عبد الله بن عمر ما يقرأ قول الله:
الجواب
=٦٠٠٠٢٩٠> وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] إلا كان يبكي، وكذلك قال نافع عنه في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦].
المهم أن الصحابة بكى عدد منهم في عدد من المواقف.
إذاً: البكاء ورد عن النبي ﷺ وأصحابه، وكذلك عن التابعين، فكان عمر بن عبد العزيز، مرة يقرأ قول الله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥] بكى.
وكذلك: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤]، وكذلك في آية: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان:١٣].
الفضيل بن عياض وابنه علي وغيرهم من علماء السلف وزُهّادهم كانوا يبكون عند قراءة القرآن الكريم، وحتى النساء كما ذكرنا عائشة ﵂.
لكن هل البكاء يصل إلى درجة الصياح والصراخ؟!
الجواب
أبداً، ولذلك فإن مسألة الصياح والصعق الموجودة عند الصوفية، لا شك أنها من البدع.
قال شيخ الإسلام ﵀: وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب، ودمع العين، واقشعرار الجسوم، فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة.
أما الاضطراب الشديد والغشي والموت والصيحات، فهذا إن كان صاحبه مغلوباً عليه لم يُلم عليه، مغلوب: أي: حدث غصباً عنه وهو لم يقصد ذلك ولم يتكلف؛ لم يُلم عليه، كما قد يكون في التابعين ومن بعدهم، فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب، والقوة، أي: يكون الوارد عليه في الآية فيها معانٍ عظيمة لم تتحملها نفسه، قلبه أضعف أن يتحملها، أو يمكن أن يموت أو يغشى عليه.
والصحابة كان الوارد والمحل عندهم قوياً، ولذلك لم ينقل عنهم أن واحداً منهم مات أو صعق، وإنما التعليل لمن جاء بعدهم من الصالحين الذي كان يغشى على الواحد منهم أو يموت، سببه أن الوارد أقوى من المحل، فيرد وارد قوي على محل فيه ضعف أو أضعف من الوارد، فيحدث ما يحدث من الصعق أو الموت.
وسُئل الشيخ عبد العزيز بن باز نفع الله بعلمه عن ظاهرة ارتفاع الأصوات بالبكاء؟ فأجاب: لقد نصحت كثيراً من اتصل بي بالحذر من هذا الشيء، وأنه لا ينبغي؛ لأن هذا يؤذي الناس ويشق عليهم، ويشوش على المصلين وعلى القارئ.
وبالفعل في بعض المساجد في رمضان يكون الوضع مزعجاً جداً، حيث أن بعض الناس لا يستطيع أن يفهم قراءة القرآن من الإمام، ولا يسمع صوته من زعيق وصياح بعض الناس، وهذا ليس من الخشوع في شيء، وليس من طريقة النبي ﷺ ولا الصحابة، بل كان بكاؤه ﵊ بكاءً مكتوماً ما كان صياحاً وزعيقاً.
قال: فالذي ينبغي للمؤمن أن يحرص على ألا يسمع صوته بالبكاء، وليحذر من الرياء، فإن الشيطان قد يجره إلى الرياء، فينبغي له ألا يشوش على المصلين بصوته، ومعلومٌ أن بعض الناس ليس ذلك باختياره؛ بل يغلب عليه من غير قصد، وهذا معفوٌ عنه إذا كان بغير اختياره، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان إذا قرأ يكون لصدره أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء، وجاء في قصة أبي بكر أنه كان إذا قرأ لا يُسْمِع الناس من البكاء إلى آخره، ولكن هذا ليس معناه أنه يتعمد رفع صوته بالبكاء، وإنما شيء يغلب عليه من خشية الله .
وكذلك سُئل الشيخ عن التباكي؟ فأجاب: ورد في بعض الأحاديث: (إن لم تبكوا فتباكوا) ولكن لا أعلم صحته، وقد رواه أحمد إلا إنه مشهورٌ على ألسنة العلماء، لكن يحتاج إلى مزيد عناية، والأظهر أنه لا يتكلف، بل إذا حصل بكاءُ فليجاهد نفسه على ألا يزعج الناس، بل يكون بكاءً خفيفاً ليس فيه إزعاجٌ لأحد حسب الطاقة والإمكان، هذا ما يتعلق بموضوع البكاء.
стр. 340
من آداب التلاوة: التلاوة بين الجهر والإسرار
ومن آداب التلاوة: التلاوة بين الجهر والإسرار، أما قضية الجهر بالقرآن فقد ورد فيه أحاديث، مثل قوله ﷺ في الصحيحين: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيٍ حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) ومن الجهة الأخرى ورد قوله ﷺ : (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة).
فكيف نجمع إذاً بين مدح الجهر الوارد في حديث الصحيحين، وبين مدح الإسرار الوارد في حديث الترمذي وأبي داود والنسائي؟ قال النووي ﵀: الجمع بينهما أن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى المصلون؛ كالداخلين إلى المسجد ليصلوا تحية المسجد أو السنة الراتبة ورجل يقرأ القرآن، فإذا جهر هذا الذي يقرأ لبَّس على المصلين بجهره، فيكون الإسرار أفضل.
إذاً: حيث خاف الرياء يُسر، أو تأذى غيره بجهره فيسر، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر، ففيه رفع للصوت، وبذل للطاقة والجهد، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويصرف سمعه إليه، أي: القارئ ذاته يستفيد ويركز أكثر، وإذا رفع صوته يكون أجمع لقلبه على القراءة، وأبعد للشيطان، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط.
أما إذا وصل إلى درجة الإزعاج والتشويش، فإنه ينطبق عليه ما جاء في حديث النبي ﷺ : (ألا إن كلكم مناجٍ لربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة)، وقد يجهر الإنسان فترة ثم يتعب فيخفض صوته ثم يجهر مرةً أخرى إذا تنشط فهذا لا حرج فيه.
كما إذا واصل القراءة لساعة أو ساعتين، فقد يجهر ثم يتعب فيخفض صوته، ثم يجهر فهذا لا بأس به أيضاً، وكان أبو بكر يُسر وعمر يجهر، فسئل عمر فقال: (أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان) أي: النعسان، فأمر أبو بكر أن يرفع شيئاً ما، وأمر عمر أن يُخفض شيء ما، فإذا خشي الرياء أسر ولا شك، وإذا كان يعلم أو يريد أن يقتدي به الآخرون -مثلاً - فلا شك أنه إذا جهر ودعا الناس للعمل، أي: بالقدوة إلى القراءة، فإن هذا المقصد الشرعي منه يؤجر عليه.
стр. 341
من آداب التلاوة: القراءة من المصحف إذا لم يشغل عن التدبر
ومن بعض الآداب التي ذكرها بعض أهل العلم أيضاً مسألة القراءة في المصحف أو القراءة من الحفظ أيهما أفضل للتالي: أن يقرأ من المصحف أو يقرأ من حفظه؟ جاء مدح القراءة من المصحف في حديثٍ صحيحٍ عن النبي ﷺ وهو قوله ﵊: (من سرَّه أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف) وصححه الشيخ ناصر، وهذا يدل على فضل القراءة في المصحف.
وقال بعضهم في الترجيح: هل القراءة من المصحف أفضل أو على ظهر قلب؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن القراءة من المصحف أفضل؛ لأن النظر فيه عبادة، فيجتمع القراءة والنظر، وأن استعمال الحاسة -حاسة العين- زيادة على اللسان وإخراج الصوت هذا الاستعمال لهذه الحاسة فيه أجر زائد عن عدم استخدام هذه الحاسة.
ولا شك أنه قد ثبت عن بعض الصحابة كـ عثمان ﵁ أنه كان يقرأ في المصحف، حتى قيل: إنه خرق مصحفين، أي: من كثرة استعماله للمصحف تخرق المصحف، وأخذ مصحفاً أخر وهكذا، وقتل ﵁ ودمه على المصحف.
القول الثاني: أن القراءة عن ظهر قلب أفضل، وهو اختيار أبو محمد العز بن عبد السلام ﵀، فقال في أماليه: قيل: القراءة في المصحف أفضل، لأنه يجمع فعل الجارحتين، وهي: اللسان والعين، والأجر على قدر المشقة، وهذا باطل -هذا رأيه ﵀ لأن المقصود من القراءة التدبر؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] والعادةُ تشهد أن النظر في المصحف يُخل بهذا المفهوم فكان مرجوحاً.
أي: هو يرى ﵀ أن القراءة في المصحف يُخالف التدبر؛ لأنه يتدبر أكثر إذا كان يقرأ من حفظه، أي: يركز أكثر.
القول الثالث: وهو اختيار النووي ﵀: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من القراءة في المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، قال: وهو مراد السلف.
ولا شك أن من فوائد القراءة في المصحف: ١ - اشغال جارحة العين عن النظر إلى غير المصحف، لأنه ربما إذا لم ينظر في المصحف نظر إلى غير المصحف.
٢ - وكذلك قالوا: إن لمس المصحف فيه داعي إلى الوضوء بخلاف إذا قرأ من حفظه فإنه لا يحتاج أصلاً إلى المصحف حتى يمسه.
٣ - وكذلك قالوا: إنه أأمن من الغلط والتحريف؛ لأنه إذا قرأ من حفظه فيمكن أن يغلط فيه كآيه حفظها خطأً، ولكن إذا قرأ من المصحف بالتأكيد تكون القراءة مضبوطة، لأنه يقرأ من شيءٍ مكتوب، بخلاف الذاكرة التي يعتريها ما يعتريها.
٤ - وقالوا: إن فيه تكفير للنظر المحرم التي ارتكبته العين.
وعلى أية حال، فالمسألة قد تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
فإذا كان يتدبر أكثر، فلو قرأ من حفظه فليقرأ من حفظه، وإذا كان يخشى الله أكثر لو قرأ من المصحف يقرأ من المصحف، وإذا كان في مكان ليس فيه مصحف فيقرأ من حفظه، وإذا كان في مسجدٍ وعنده مصحف قرأ من المصحف.
إذاً: فالمسألة في هذا واسعة إن شاء الله، وهذا طرف من أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
стр. 342
من آداب التلاوة: التوقف عن التلاوة إذا خرج منه ريح
من آداب التلاوة أيضاً: أنه إذا كان يقرأ فخرجت منه ريح أمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح، ثم الأفضل له أن يتوضأ لمواصلة القراءة، وإن كان لا يمسك المصحف فقرأ وواصل القراءة بغير وضوء فلا بأس، لكن الأفضل أن يكون على طهارة.
وكذلك لو عرض له تثاؤب: فإنه يُمسك عن القراءة؛ لأجل التثاؤب، حتى لا يتغير الصوت وتخرج كلمات غير كلمات القرآن.
стр. 343
من آداب التلاوة: السجود في موضع التلاوة
كذلك من آداب التلاوة: أنه إذا مرَّ بسجدة للتلاوة سجد، وقال أبو حنيفة بالوجوب، وأن الكفار يندمون على عدم السجود، وأنه لا يُندم إلا على ترك واجب، وقول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله، وهو قول عمر ﵁ أن سجود التلاوة مستحبٌ وليس بواجب.
ولذلك ذكر على المنبر أنه من أراد أن يسجد فليسجد، ومن أراد ألا يسجد فلا يسجد، وأنه ليس عليه حرجٌ من ذلك، لكن ماذا يفعل إذا أراد أن يسجد؟ يكبر ويسجد، وذكر شيخ الإسلام ﵀: أن الأفضل أن يكون في حال القيام، لأن قول الله: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ [الإسراء:١٠٧] الخرور يكون من القيام، وإذا سجد ماذا يقول في سجوده؟ يقول: سبحان ربي الأعلى كما يقول في الصلاة، قياساً على الصلاة، وورد أيضاً دعاء صحيح ثابت في الترمذي وابن خزيمة: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني رأيت الليلة أصلي خلف شجرة، فقرأتُ السجدة فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) فقرأ النبي ﷺ سجدةً بعد ذلك ثم سجد، فقال: ابن عباس: فسمعته يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.
فإذاً لو قال في سجوده: (اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وارفعني بها درجة -كما جاء في الرواية الآخرى- وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇ كان ذلك حسناً.
هل يشترط الطهارة لسجود التلاوة؟ هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، فالذين قالوا: إنها تُقاس على الصلاة، اشترطوا الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والمرأة طبعاً تتحجب، والذين قالوا: إنه لا يُقاس عليه لم يشترطوا ذلك، فالأحوط أن الإنسان يكون على طهارة، ويستقبل القبلة، ويكون ساتر العورة ونحو ذلك من الشروط، ويسجد.
هل إذا رفع يكبر أم لا؟ إذا كان في الصلاة يُكبر، لأن الحديث: (كان يُكبر عند كل خفضٍ ورفع) فعموم الحديث يقتضي أنه إذا سجد في الصلاة -سجود التلاوة- يكبر عند السجود، ويكبر عند الرفع من سجدة التلاوة.
وفي خارج الصلاة، هل يكبر عندما يرفع من سجود التلاوة أو لا يكبر؟ وهل يتشهد ويسلم أم لا يتشهد ولا يسلم؟ والعلماء قد أحصوا السجدات.
стр. 344
من آداب التلاوة: استقبال القبلة
ثم من آداب التلاوة ذكر بعض أهل العلم استقبال القبلة، واستدلوا بحديث: (خير المجالس ما استقبل به القبلة) لكن هذا الحديث ضعيف، إنما إذا استقبل القبلة يكون أحسن.
وبالنسبة للدليل أو أقوال السلف في مسألة خروج الريح، فإن ابن عيينة روى عن زر قال: قلتُ لـ عطاء: أقرأ القرآن فيخرج مني ريح، قال: تمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح.
стр. 345
من آداب التلاوة: التزام هيئة الأدب والتذلل
ومن آداب التلاوة أيضاً: أنه ينبغي عليه أن يكون في حال القراءة على هيئة الأدب ما أمكنه، نعم! يجوز له أن يقرأ القرآن قاعداً وقائماً وماشياً ومضطجعاً كل ذلك جائز، لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١] لكن لو جلس متخشعاً أحسن من أن يجلس مثلاً على جنبه متكئاً، فمن ناحية الجواز لا بأس أن يقرأ القرآن متكئاً، لكن من ناحية الأفضل إذا جلس جلسة المتخشع فإنه أفضل، فالنبي ﷺ كان يتربع بعد صلاة الفجر، ويستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تطلع الشمس.
стр. 346
من آداب التلاوة: عدم إطالة العهد بالختمة
ومن آداب التلاوة كذلك ألا يُطيل العهد بالقرآن سنوات لا يختم مثلاً، وإنما لا يُنقص عن ثلاثة، أي: لا يقرأ في أقل من ثلاث، لكن لا يطول به العهد، وقد جاءت عدة أحاديث أن النبي ﷺ قال لشخص: (اقرأ القرآن في أربعين)، وقال: (اقرأ القرآن في خمس)، وقال: (اقرأ القرآن في ثلاث إن استطعت)، وقال: (اقرأ القرآن في كل شهرٍ، اقرأه في عشرين ليلة، اقرأه في عشرٍ، اقرأه في سبعٍ ولا تزد عن ذلك) هذه الروايات المختلفة تدل على أن الناس طاقات أشغالهم مختلفة، وجودة وسرعة تلاوتهم وتمكنهم يختلف.
إذاً كل واحد يقرأ بحسب طاقته وأشغاله، ولعل أفضل ما يكون قراءته في أسبوع، كما ورد عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأنهم كانوا يختمونه في الأسبوع يقسمون القرآن سبعة أحزاب.
فجاء أنهم كانوا يقرءون أول يوم ثلاث سور، واليوم الثاني خمس سور، واليوم الثالث سبع سور، واليوم الرابع تسع، واليوم الخامس إحدى عشرة، واليوم السادس ثلاثة عشر سورة، واليوم السابع المفصل إلى آخر القرآن.
هذا ما ورد عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
стр. 347
من آداب التلاوة: الوقوف عند رءوس الآيات
من آداب التلاوة أيضاً: الوقوف عند رءوس الآيات وإن تعلقت في المعنى بما بعدها؛ لأنه قد ورد في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ : (أنه كان يقطع قراءته آيةً آية) يقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] ثم يقف.
إذاً: لو قرأ مثلاً قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] لا يجب أن يصل، بل إن السنة أن يقف على رأس الآية وإن تعلقت في المعنى بما بعدها، لكن لا يقطع التلاوة، لا يقل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] ثم يركع، وإنما لابد أن يتم الآية التي بعدها، لأن المعنى متعلق بها، إنما من جهة السنة في التلاوة أن يقف عند رءوس الآية.
стр. 348
من آداب التلاوة: التدبر
كذلك من آداب التلاوة: أن يتدبر القرآن عند تلاوته، وهذا يكاد يكون أهم آداب التلاوة على الإطلاق، والتدبر هو الثمرة الحقيقية لتلاوة القرآن الكريم، وهذا الموضوع يتضمن عدة أشياء: ١ - أنه يُفكر في عظمة الله وعلوه وفضله ولطفه بخلقه، عندما أنزل علينا هذا الكتاب، وجعله لنا مفهوماً، فإن القرآن عظيم، لأنه كلام الله، والله عظيم، ومع ذلك فقد جعل كلامه مفهوماً لنا نحن البشر، وإلا هو فوق طاقتنا، ولكن جعل كلامه مفهوماً: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٤٠] ولولا أنه جعله مُيسراً ما استطعنا تلاوته ولا حفظه ولا فهمه؛ لأنه فوق عقولنا، لكن الله سهَّله وقرَّبه لنا، وجعله بلغة العرب وهي أكمل لغات العالم.
٢ - وكذلك فإن من التدبر أن يُحضر الإنسان في قلبه عظمة المتكلم وهو الله وكان بعض السلف وهو عكرمة بن أبي جهل ﵁ إذا نشر المصحف غُشي عليه، ويقول: [كلام ربي كلام ربي] فتعظيم الكلام تعظيمٌ للمتكلم، وهو الله الذي تكلم بالقرآن حقيقةً، وينبغي لتالي القرآن أن يستشعر عند قراءته أنه يقرأ كلام الخالق القادر الرازق الذي جميع الكون في قبضته، وتحت مشيئته وهيمنته، وأن الخلق مترددون بين فضله ورحمته ونقمته وسطوته، إن أنعم فبفضله، وإن عاقب فبعدله، وهو الذي يقول: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي.
٣ - وكذلك مِنْ تدبر القرآن: أن يحضر قلبه ويترك حديث النفس، قال الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] أي: بجدٍ واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجرداً عند قراءته، منصرف الهمة إلى القرآن فقط، مفرغاً لذهنه وقلبه من أي شواغل أخرى غير القرآن، وقيل لبعض السلف: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أو شيءٌ أحب إليّ من القرآن حتى أحدث به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آيةً لم يكن قلبه فيها -أي: سها- أثناء القراءة أعادها ثانيةً، وهذه الصفة هي صفة حضور القلب، وتتولد من استشعار عظمة المتكلم، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يركز ذهنه فيه، ويفرغ قلبه له، كيف لو جاءته رسالة من ملكٍ عظيم أو رئيسٍ كبير لوجدت قلبه منشغلاً بفحو الرسالة والكلام ويُعيد القراءة ويركز فيها، لأن الرسالة من عظيم، لو جاءته رسالة من الملك، لركزَّ فيها وأعاد النظر، وقرأها عدة مرات، واهتم لها أشد الاهتمام، فكيف وهذه الرسالة من ملك الملوك!! ولا خير في تلاوةٍ لا تدبر فيها، كما ورد عن بعض السلف، فليتدبر ولكن لو كان يتابع الإمام في القراءة فإنه يتدبر في الآيات التي يقرأها الإمام وإن تعدى الإمام لآياتٍ أخرى تبعه بالتدبر ولا يبقى في تدبر آيةٍ سابقة، والإمام يواصل القراءة في آيةٍ جديدة، لكنه إذا قرأ لنفسه تدبر، وإذا وجد مجالاً للتدبر في آية لم يجاوزها إلى غيرها، فإن النبي ﷺ قام ليلة بآيةٍ واحدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] هذه الآية جاءت في حديث أبي ذر (أن النبي ﷺ : قام فينا ليلة بآيةٍ يرددها) أخرجه النسائي وابن ماجة، وقال العراقي سنده صحيح.
وقام تميم الداري ليلةً بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
وقام سعيد بن جبير ليلةً يردد هذه الآية: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩].
وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر.
أي: بعض ما أجد فيها يشغلني عن إتمامها والفراغ منها حتى يطلع الفجر.
٤ - ويدخل في التدبر كذلك أن ينظر في أفعال الله من خلق السماوات والأرض، وخلق العرش، وأن كل شيء ٍهالكٌ إلا وجهه، وإذا قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة:٦٣] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١] فإنه لا شك يتأمل في ذلك، وبالذات التي فيها ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] أي: الآيات التي فيها دعوة للتأمل والتدبر فلابد أن يكون فيها مزيد من الاعتناء بهذا الموضوع، وكذلك ذكر العجائب التي خلقها الله ، ومبثوثة في آياته، وأحوال الأنبياء، كيف كذبوا وكيف ضربوا وقُتِلَ بعضهم، فيفهم صفة الاستغناء لله عن الرُسل، وأنه لو شاء لأهلك من في الأرض جميعاً، وأهلك المسيح بن مريم وأمه، ولكنه أرسلهم ونصرهم وهو الغني عن الرسل لكن أرسلهم ونصرهم .
وإذا مرَّ بذكر المكذبين كعادٍ وثمود وما جرى عليهم، وكيف أهلك الله قوم شعيب بعذاب يوم الظلة الذي جاء من فوقهم مثل السحاب، ثم قصفهم بصواعق أحرقتهم.
٥ - وكذلك يتأمل ما في هذا القرآن من الختم والطبع على قلوب الذين لا يفقهون ولا يعقلون، ويدعو الله ألا يكون منهم؛ لأن الذين طبع الله على قلوبهم غير موفقين ولا مؤهلين لتدبر القرآن، ويندرج تحت التدبر التخلي عن موانع الفهم التي تمنع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن بأسباب، وحجب من الشيطان؛ فعميت عليهم عجائب القرآن فصاروا لا يفهمون ولا يفقهون منه شيئاً، كأنه بالنسبة لهم طلاسم.
ومن الموانع التي تمنع وتحجب الفهم: أ- أن يكون التأمل مقصوراً على إخراج الحروف من مخارجها دون التدبر في المعاني، فيكون كل همه في تجويد الحرف، نعم هذا يكون -أحياناً- عندما يجلس إلى شيخٍ يقرأ عليه، لكن لا يكون همه دائماً في إقامة الحروف وينسى المعنى.
ب- ومن الأشياء أيضاً التي تمنع الفهم: التعصب، فإن بعض الناس يقولون: لسنا بأهل للتدبر في القرآن، ذلك للأئمة وكبار العلماء، أما نحن فنقرأ فقط ولا يجوز لنا أن نفهم أو أن نُعمل فكرنا فيه.
جـ- من موانع الفهم للقرآن: الذنوب والإصرار عليها، فإن الإنسان لو كان متصفاً بكبرٍ، أو مبتلىً بهوى، فإن ذلك يسبب ظلمة القلب وصدأه، والمرآة صدأها يمنع الصورة الجلية، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، فكلما كانت المرآة نظيفة كانت المعاني التي تظهر في الصور أوضح.
ولذلك فإن الله قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٨] فإذا لم يكن منيباً لم يكن القرآن له تبصرةً ولا ذكراً.
وقال الله : ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣] فالذين لا ينيبون وليسوا في مقام الإنابة لا يفهمون القرآن.
٦ - ومن شروط التدبر: أن يقرأ تفسيراً للقرآن، كيف يتدبر وهو لا يعرف المعنى من كلام أهل العلم؟ هل يريد أن يفهمه لوحده؟ هل هو سليم السليقة؟ هل عايش التنزيل؟ كلا.
هل هو عالم؟ كثيرٌ من الناس ليس عندهم هذه الشروط مطلقاً.
إذاً: كيف يتدبر وهو لا يعرف ما قاله أهل العلم في الآية هل يتدبر من تلقاء نفسه؟ كما حصل لبعضهم عندما مرّ بآية ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران:١١٧] قال: فهمت الصراصير الليل، والصِر: هو البرد.
قد يفهم الإنسان أشياء كثيرة خطأ؛ بسبب جهله باللغة، وبأسباب النزول ونحو ذلك.
إذاً لا يمكن أن يأتي التدبر إلا بعد قراءة التفسير، كقراءة ما جاء عن مجاهد عن ابن عباس، فإن مجاهد عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات، يستوقفه عند كل آيةٍ يسأله عنها.
٧ - ومما يندرج تحت التدبر أيضاً: التخصيص: أي: أن يظن ويعتقد أنه مقصود بالخطاب، وأنه خاصٌ به موجهٌ إليه، ليس إلى غيره.
فإذا سمع قصص الأولين والأنبياء علم أنه ليس المقصود هو التسلي بالأحداث والسمر بها، أو الأخذ بروعة القصة وأحداثها دون أن يكون معنياً بما فيها من العبر، وكذلك إذا سمع الوعد والوعيد، يظن نفسه مقصوداً، إذا سمع قصص الأنبياء عرف أن المقصود منها هو تثبيت الفؤاد، لأن الله قال: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] فيتأمل في أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء، وثباتهم في الدين، وكيف نصرهم الله .
هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل الله ، نتدبرها في الصلوات، ونقف عليها، وننفذها، وكان مالك بن دينار يقول: "ما زرع القرآن في قلوبكم يأهل القرآن، إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض".
وقال قتادة: [لم يجالس أحدٌ هذا القرآن إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان]، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢].
٨ - ومن التدبر: أنه إذا مرَّ بآية الرحمة سأل، وإذا مر بآية الوعيد استعاذ، فإذا مرَّ بقول الله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾ [طه:٨٢] أرعى سمعه لها، لأن ما سيأتي بعدها شروط: ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، وإذا قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، وإذا سمعت إلا وتفطن لهؤلاء الذين ينجون من الخسار؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَن
стр. 349
من آداب التلاوة: السعي إلى الحفظ والتكرار
ومن آداب التلاوة: أن يسعى الإنسان إلى حفظه وتكراره، لأنه أعون له على التدبر؛ قال ﷺ : (إذا جمع القرآن في إهاب لم يحرقه الله في النار) إهاب: أي: جلد الحافظ، والمقصود جسد الحافظ يكون من أسباب تحريمه على النار.
стр. 350
من آداب التلاوة: التلقي عن أهل العلم
ومن آدابه كذلك: أن يتلقاه عن أهل العلم المجيدين فيه، المجودين له، ولذلك أوصى النبي ﷺ بأخذ القرآن عن أشخاصٍ معينين، فلماذا قال في الحديث الصحيح: (خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة)؟ إذاً لا يؤخذ القرآن إلا عن المجيدين المجودين.
وكان هناك في الصحابة من حفظ القرآن في عهد النبي ﷺ ، كما جاء في حديث أنس في الصحيحين قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد وأبو زيد، فقلت: ومن أبو زيد؟ فقال: أحد عمومتي) وجاء في الحديث: (استقرءوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب) رواه البخاري ومسلم من رواية عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.
ولنعلم أن المسألة ليست بالحفظ فقط، فالذين حفظوا القرآن من الصحابة معروفة أسماؤهم، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم، لأنهم كانوا لا يتجاوزون الآيات إلا بعد العمل بها، يعملون ثم يأخذون أخرى وهكذا.
كم سنة مكث ابن عمر في تعلم البقرة؟ ثمان سنوات يتعلم سورة البقرة، لأنهم كانوا يسعون إلى الاستفادة.
وأما موضوع تلحين القرآن والتطريب التابع لقضية تحسين الصوت، فلابد لنا من وقفة عند هذه المسألة: جاء في الحديث: (زينوا القرآن بأصواتكم)، وقال النبي ﷺ لـ أبي موسى: (لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ، ولقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، فقال p=١٠٠٠٠٢٣> أبو موسى: لو أعلم أنك تسمع لحبرته لكَ تحبيراً) فمزامير آل داود؛ آل داود: هو داود نفسه، فإن العرب يقولون: آل فلان.
والنبي ﷺ قال: (اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)، والمقصود بـ أبي أوفى نفسه الذي جاء بالصدقة.
مزامير آل داود، أي: أن الله أعطى داود صوتاً حسناً، لأن المزمار يطلق في اللغة على الآلة، ويطلق على الصوت الحسن، فمزامير آل داود، أي: صوت داود الحسن، أوتي أبو موسى نصيباً وجزءً من جمال صوت داود ﵇؛ لأن داود كان إذا قرأ الزبور: أوبت الجبال معه، والطير تقف في السماء تردد معه، من جمال صوته وحسن تلاوته، فليس المقصود المزامير هذه الآلات الموسيقية أو ما شابه ذلك معاذ الله!! س: ما معنى قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم)؟ ج: قيل: معناه تحسين الصوت.
س: ما معنى: (من لم يتغنَ بالقرآن فليس منا)؟ ج: أي: من لم يتحزن به ويتخشع ويتباكى به ويرفع صوته فليس منا.
وقيل: يتغنى، أي: يستغني به عن غيره، أما قضية ما يحس به بعض الناس أو يظنه (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) أن التغني من الغناء الذي هو الإفراط في التمطيط، والعبث بالمدود، فهذا ليس هو المقصود الشرعي بحال.
ولذلك فإن القدر من جمال الصوت الذي يكون الإنسان به قارئاً قراءةً مؤثرة مطلوب، وإذا زاد ووصل إلى متابعة ألحان أهل الفسق والأغاني كما يفعل الآن كثير من قراء الإذاعات على هذه النوطة الموسيقية، يقرءون القرآن على ألحان موسيقية، عندهم قواعد وألحان معروفة في الموسيقى، في الطلعات والنزلات يمشون عليها، فهؤلاء إذا استمعت إليهم فلا تشعر بأية خشوع، وإنما تكون مأخوذاً بجمال الصوت، أو أن تكون متقززاً من شدة التكلف.
وبعضهم كان يحضر في حفلة أم كلثوم في الصف الأول وعليهم العمائم من أجل أن يلتقطوا اللحن؛ لكي يقرءوا به في الإذاعة، هذا شُغل معروف عند هؤلاء القراء.
ولذلك ذم النبي ﷺ هؤلاء ذماً عظيماً؛ بل أخبر أنه سيأتي في آخر الزمان قوم يقرءونه بهذه الصفات بغايةٍ من السوء، ذمهم وأخبر أنه يأتي أحدهم يُقدم، كما جاء في الحديث الصحيح: (أخاف عليكم ستةً: إمارة السفهاء، وسفك الدم، وبيع الحكم- الأخذ والرشوة- وقطيعة الرحم، ونشئاً يتخذون القرآن مزامير، وكثرة الشرط) والشرطة أعوان السلطان.
فإن قوله: (نشئاً يتخذون القرآن مزامير) المقصود بهؤلاء الذين يتكلفون ويتابعون الألحان، ويجعلون القرآن مثل الأغاني، هؤلاء الأشخاص توعدهم النبي ﷺ بوعيدٍ عظيم، وأخبر أنه ربما يأتي بعضهم ويقدم في جمع القوم لا لأنه أفقههم، ولا لأنه أعلمهم، وإنما لأجل أن يغني لهم.
إذاً: الغناء والتطريب والعبث بالمدود والزيادة في الحركات، أو التأوهات، لا شك أنه أمرٌ مذموم، وصاحبه آثم، ولما سُئل الإمام أحمد ﵀ عن القراءة بالألحان؟ قال: هي بدعة، وقد روي عن النبي ﷺ : أنه ذكر في أشراط الساعة (أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرأهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم غناءه) مثل: الغناء.
فيجب أن نفرق بين تحسين القراءة وتجميل الصوت، والخشوع والحزن، وبين أن الإنسان يشابه في قراءته أهل الفسق والأغاني، ويمطط ويتأوه، هذا مذموم ومحرم.
أما الترجيع الذي ورد في حديث عبد الله بن المغفل قال: (سمعتُ رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يقرأ سورة الفتح، فقرأ ابن المغفل ورجّع في قراءته)، وفي لفظٍ قال: (قرأ النبي ﷺ عام الفتح في مسيرٍ له سورة الفتح على راحلته، فرجَّع في قراءته).
قال معاوية بن قرة: [لولا أني أخاف أن تجتمع عليّ الناس لحكيتُ لكم قراءته] رواه مسلم وفي بعض الألفاظ قال: (آآآ) -ثلاث همزات وألفات متوالية- فهذا الذي حصل، قيل: إنه كان بسبب الراحلة، لأنها إذا مشت تغير صوت القارئ عليها بحسب ما تمشي عليه من الأرض غير الممهدة.
ما حكم أن يقصد الترجيع؟ قالوا: إذا قصده بدون أن يخرج بالقرآن إلى مستوى أو إلى هذه الأغاني أو أن يزيد بالمدود، ويمطط، ويجعل الفتحة ألفاً، والضمة واواً، والكسرة ياء، والياء ياءات، والألف ألفات، فهذا هو التمطيط المذموم المحرم.
أما إذا لم يخرج بالترجيع عن ذلك فلا بأس به -أي: اختلاف وتيرة الصوت أثناء القراءة- إذا لم يقصد بها ألحان الأغاني وزاد في الحروف والحركات ولم يخرجها عن حقيقتها، ومطط فلا بأس أن يتغير وتيرة الصوت، لم يقصد هذه الأشياء أو موافقة ألحان الأغاني.
стр. 351
من آداب التلاوة: التجويد
ومن آداب التلاوة: التجويد: وقد عرَّفه العلماء بأنه: إقامة الحروف، ومعرفة الوقوف.
والنبي ﷺ لما وصفت قراءته جاء في الحديث عن أم سلمة أنها تنعت قراءته مفسرةً حرفاً حرفاً، فالقراءة ليست فيها أكل للحروف، ولا تغيير حرف بحرف، فتصبح الضاد دال إذا رققتها، أو تصبح السين صاد إذا فخمتها، أو تصبح التاء طاء إذا فخمتها، أو الطاء تاء إذا رققتها، فإذا صار الإنسان يغير صفات الحروف تغيرت الكلمة بالكلية، كلمة فيها طاء، لو تغيرت إلى تاء، اختلفت سين وصارت صاد اختلفت الكلمة.
ولذلك لابد من معرفة صفات الحروف والإتيان بها، والتمرين على يد متقن، حتى يقرأ القرآن ويصل إلى قراءة القرآن كما أنزل، والغاية من علم التجويد هي: إتقان قراءة القرآن بالنطق بحروفه، وهذه القراءة سنة متبعة، يأخذها الآخر عن الأول، ولذلك تجد القراء لهم أسانيد يأخذ عن شيخه عن شيخ شيخه إلخ إلى أن يصل إلى صاحب القراءة إلى زر بن حبيش أو عبد الله بن مسعود أو نافع المدني، أو نحو ذلك من أصحاب القراءات السبع مثلاً.
وفرقٌ بين التجويد الذي فيه إخراج الحروف بالطريقة الصحيحة ومعرفة الوقوف الإتيان بالإدغام والإظهار والإقلاب والإخفاء والهمس والروم والإشمام ونحو ذلك مما فيه تبيين المعنى، وليس المقصود أن يأتي بقراءةٍ فيها تنفير إذا استمع إليه الشخص وجد التكلف بعينه، كما قال السخاوي في نونيته:
لا تحسب التجويد مداً مفرطاً أو مد ما لا مد فيه لوان
أو أن تشدد بعد مدٍ همزةً أو أن تلوك الحرف كالسكرانِ
أو أن تفوه بكلمةٍ متهوعاً فيفر سامعها من الغثيانِ
للحرف ميزانٌ فلا تكُ طاغياً فيه ولا تك مخسر الميزان
إذاً: فالذين يتكلفون ويتشددون إذا نظرت إلى أحدهم عندما يتكلم وكيف يفتح فمه: إلخ، ثم يغلقه لرأيت الحركات العجيبة، وهذا ليس من الإتقان والتجويد وإنما هو تكلف وغلو، وقد نهينا عن الغلو.
والتجويد ينبغي الاعتناء به، حتى يكون القرآن جميلاً، أو حتى يخرج إلى القرآن منه جميلاً في أدائه إياه، وينبغي أن ينتبه بالذات من قضية اللحن الجلي الذي يغير المعنى، مثل: تغير الحركات، أو تغير الحروف، لو قال: (صراط الذين أنعمتُ عليهم)، بدلاً من ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] صار المنعم هو المتكلم، بينما المنعم هو الله.
стр. 352
من آداب التلاوة: عدم قطع الآية
وكذلك من آداب التلاوة: ألا يقطع القارئ الآية لكلام الناس، بل إذا أراد أن يكلم أحداً يُنهي الآية أو ينهي السورة ثم يتكلم.
نعم، قد يحتاج إلى كلامٍ للحاجة، فعلى الأقل ينهي الآية، فلا يرد على أحد أو يتكلم وهو في وسط الآية، بل ينتظر حتى يكمل الآية، فإذا تكلم بكلام الدنيا رجع فاستعاذ وشرع في القراءة مرةً أخرى.
قال الحليمي: "لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره" وأيده البيهقي بما في الصحيح: [كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه] وكذلك لا يضحك أثناء قراءته ولا يعبث ولا ينظر إلى ما يُلهي.
وكذلك مما ينبغي أن يُعلم: أن قراءة القرآن بالأعجمية لا تجوز، وليس بقرآنٍ أصلاً، وإنما هو ترجمة ولا يوجد شيء اسمه ترجمة للقرآن؛ فالقرآن لا يمكن ترجمته أبداً إلى أي لغة غير اللغة العربية، من حدثك أن هذا ترجم للقرآن فكذبه ولا تصدقه، لأنه لا يوجد شيء اسمه ترجمة للقرآن، أما ترجمة معاني القرآن فتترجم المعاني، لكن لا يستطيع أحد أن يترجم ذات القرآن، ولا يستطيع أن يترجم ذات الآيات والسور، وإنما يترجم معانيها، (يترجم التفسير) كأنه فسره بالعربي ثم نقله إلى لغةٍ أخرى، نقل المعنى أما الآيات فلا يمكن نقلها أصلاً إلى لغة أخرى مطلقاً، لا يوجد في لغة تستوعب معاني القرآن كاللغة العربية، فلا يمكن أن يأتي أبداً القرآن بلغةٍ أخرى، فإذاً الترجمة للمعاني وليست لذات القرآن.
стр. 353
من آداب التلاوة: عدم القراءة بالقراءات الشاذة
ومن آداب التلاوة: ألا يقرأ الإنسان بالقراءات الشاذة، فإن هناك قراءات شاذة فيها زيادة أو نقصان، وشروط القراءة الصحيحة معروفة: أولاً: أن تكون نقلت بطريق التواتر.
ثانياً: أن تكون موافقة لرسم المصحف العثماني.
ثالثاً: أن تكون مطابقة لوجهٍ من وجوه اللغة الصحيحة.
إذاً: القراءات الشاذة لا يُقرأ بها، إنما يقرأ إلا بالقراءة الصحيحة الثابتة.
ونأتي الآن إلى مسألة: ذكرنا نحن الحفظ وتعاهد الحفظ؛ لأنه من الأمور المهمة؛ لقول النبي ﷺ : (استذكروا القرآن فهو أشد تفلتاً من صدور الرجال من النعم في عقلها) الإبل إذا ربطت فإنها دائماً تحاول الشرود والهروب والتمرد، ولذلك ينبغي تعاهد القرآن؛ لأنه أشد هرباً من صدور الحفاظ من الإبل.
стр. 354
من آداب التلاوة: عدم الجدال في القرآن بالباطل
من آداب التلاوة: عدم الجدال في القرآن بالباطل، ولذلك قال: (اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا) لأن البقاء يؤدي إلى التنازع والعبث بآيات الله، وقال ﷺ : (أما إنه لم تهلك الأمم قبلكم حتى وقع في مثل هذا، يضربون القرآن بعضه ببعض).
كما جاء رجل من الخوارج إلى ابن عباس، قال: مرة يقول: لا ينطقون، ومرة يقول: لم يتكلمون كيف؟ فبين له ابن عباس أن يوم القيامة طويل، وهو خمسون ألف سنة في مراحل، مرحلة يتكلمون ومرحلة يُختم على أفواههم فلا ينطقون، فلا يوجد تعارض في القرآن.
ما هي مشكلة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب؟ كان يتتبع المشتبهات في القرآن، والأشياء التي ظاهرها في ذهنه هو التعارض ويثير الشبهات، فضربه عمر بعراجين النخل حتى سالت دماؤه على جسده، وقال: كفى يا أمير المؤمنين ذهب الذي في رأسي.
لا مكان للبدع في عهد عمر ولم تظهر بدعة في عهد عمر؛ لأنه كان شديداً على أهل البدع، وقد نفاه وأمر الناس بعدم التكلم معه حتى صار في حالٍ مزرية جداً، حتى كتب الوالي استرحاماً لـ عمر بشأن هذا الرجل، لأنه تاب ولم يعد يتكلم بشيء ولا أثر شبهة، والناس نبذوه وحالته النفسية سيئة جداً.
وقد حذَّر الرسول ﷺ من الجدال بالباطل، فقال في الحديث الصحيح: (الجدال في القرآن كفرٌ)، وقال: (المراء في القرآن كفرٌ)، ونهى عن الجدال في القرآن، وقال: (لا تجادلوا في القرآن فإن الجدال فيه كفرٌ) فلا ينبغي أن تُجعل آيات الله قضية للجدل.
وليحذر قارئ القرآن من هجره، والهجر أنواع كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنواع الهجر: أولاً: هجر سماعه.
ثانياً: هجر العمل به.
ثالثاً: هجر تحكيمه والتحاكم إليه.
رابعاً: هجر تدبره وتفهمه.
خامساً: هجر الاستشفاء والتداوي به.
فهذه أنواع الهجر: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠]، الآن نقرأ بحثاً في مسألة سجود التلاوة قبل أن ننسى.
стр. 355
أحكام سجود التلاوة
قال المؤلف: (ويجلس ويسلم ولا يتشهد) يجلس وجوباً لكنه جلوس لا ذكر فيه -بعد الرفع من سجدة التلاوة- إلا شيئاً واحداً هو السلام مرةً عن يمينه ولهذا قال: (يسلم ولا يتشهد) فصار السجود فيه تكبيرٌ قبله وتكبيرٌ بعده، وجلوسٌ وتسليم، وليس فيه تشهد؛ لأن التشهد إنما ورد في الصلاة، ولكن السنة تدل على أنه ليس فيه تكبيرٌ عند الرفع ولا سلام، إلا إذا كان في صلاة -فهذا كلام موجود في كتب الفقه- قضية التكبير عند الرفع وترك السلام، لكن لم يرد في السنة تكبيرٌ عند الرفع ولا السلام، إلا إذا كان في صلاة، فإنه يجب أن يكبر إذا سجد ويكبر إذا رفع، لأنه إذا كان في صلاة ثبت لها أحكام الصلاة قولاً واحداً، وذكرنا حديثاً (كان يكبر عند كل خفضٍ ورفع).
وقد اختار شيخ الإسلام ﵀ أنه لا تحريم لسجود التلاوة -أي: لا يوجد لها تكبيرة إحرام- ولا سلام، وهو مذهب الحنفية والمالكية، غير أن ابن تيمية يرى أنه يكبر لسجود التلاوة تكبيرة واحدة فقط.
واختار شيخ الإسلام أنه يجوز سجود التلاوة بغير طهارة، لكن يقيد الجواز بوجود العذر الداعي إليه، وهو ظاهر قوله، لكن بشروطٍ أفضل -أي: سجدة التلاوة- ولا ينبغي أن يُخل بها إلا لعذر، وعلى هذا فاختياره عدم الوضوء لسجود التلاوة ليس على إطلاقه، وجاء في حديث عكرمة عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والأنس) والحديث ترجم له البخاري باب: سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء، و [كان ابن عمر ﵁ يسجد وهو على غير وضوء].
وقال ابن حجر: الجمع بين رواية أنه سجد على طهارة وبين ما فعله بأنه أراد بقوله: "طاهر أي: الطهارة الكبرى، والثاني: أنه سجد على غير طهارة في حال الضرورة، أما في حال الاختيار فإنه يتوضأ.
إذاً: قول جمهور العلماء أنه يتوضأ لسجود التلاوة، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى عدم وجوب الوضوء عند العذر حيث أنه لما سمعَ السجدة كان غير متوضئ فسجد، ولم يرد في السنة في غير الصلاة، التكبيرة الثانية والتسليم، وإنما ورد أنه يكبر للسجود ويرفع فقط.
وداخل الصلاة يكبر عند السجود ويكبر عند الرفع منه.
следующие страницы →