Полный текст (576 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الزيارة المبنية على التعلق لا على الأخوة في الله
كذلك من الناس من يزور أشخاصاً معينين تعلقاً بهم، وقد تصل العلاقة إلى درجة العشق والعياذ بالله! فزيارته ليست في الله، ولا ينطبق عليه حديث: (فأخذ يده لله) وإنما يزوره لغير الله، لما يحصل بينهما من التعلق المذموم أو العشق المحرم، فيخسر زيارته، ويكون أمراً معيباً ملاحظاً عليه أمام الآخرين، وقد يجعل حججاً واهية كالدراسة معه، أو تقديم الخدمات، أو أن هناك مشروعاً مشتركاً وهمياً بينهما، والمقصود منه فقط هو زيادة التعلق المذموم.
стр. 387
ضياع الأوقات في الزيارة
وكذلك ما يحصل في الزيارات من ضياع الأوقات، والالتقاء لمجرد المؤانسة والمشاكلة مشاكلة الطباع، فهذا أمرٌ مذموم قد يندم عليه الإنسان يوم القيامة.
وبعض الناس قد يزور إخوانه زيارة لا يحسب للوقت قيمة، فيجلس الساعات الطوال وأحياناً إلى ساعة متأخرة من الليل، وكذلك ما يحصل في الزيارات من الغيبة، خاصة فيما يتعلق بعيوب إخوانه غير الموجودين في المجلس، والناس عموماً، وكذلك ما يحصل من ضحك، ومزاح كثير، مما يؤدي إلى وقوع أمرٍ مذموم، وكذلك الزيارات التي يسهرون فيها إلى بعد منتصف الليل، فتضيع صلاة الفجر، وبعضهم له نفسٌ ثقيلة لا يتورع عن المبيت، أو المشاركة في الطعام، أو الحضور في وقت وجبة الغداء أو العشاء بدون موعد أو دعوة.
стр. 388
الزيارة والتدخل فيما لا يعني
وكذلك من السلبيات: ما يحصل من العبث في ممتلكاته الخاصة، كأن يُنكر على صاحبه في بيته أشياء من مسائل الاجتهاد، أو يستأثر بالكلام، أو يتدخل فيما لا يعنيه، أو لا يراعي ظروف المزور، كأن يكون عنده امتحاناتٌ أو أولادٌ أو وظيفة، وهذا عمله يبدأ الساعة الثانية ظهراً، يعمل على مراحل، أو على أوقات مختلفة، فهذا عمله الساعة الثانية ظهراً، وهذا عمله الساعة السادسة صباحاً، فيزور صاحبه ويجلس عنده إلى ساعة متأخرة في الليل، وهو عمله في الساعة الثانية ظهراً وليس عنده دوام في الصباح، فكيف تتأخر عنده إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟
стр. 389
الزيارة الناجحة
الزيارة الناجحة لابد لها من أمور: الزيارة الناجحة تحتاج إلى إعداد مسبق تحديد موعد، أو ترك مجال للاعتذار إذا جئت بغير موعد، كأن تقول له: إن كنت منشغلاً فسوف آتيك فيما بعد، بحيث تترك له مجالاً، إذا كان منشغلاً يقول: نعم -يا أخي- أنا منشغل ونحدد وقتاً آخر، أما أن تقول: أنا جئت أزورك وأرجو ألا تعتذر؟ فنقول: هذا لا يعتبر من مكارم الأخلاق.
ثم إن من أساسيات الزيارة الناجحة: إعداد جدول للزيارة ولو في الذهن، ماذا نريد أن نناقش في الزيارة؟ وما هي المواضيع التي نريد أن نطلقها؟ بعض الناس يذهبون للزيارة، فيتكلمون عن العمل، فإن كان موظفاً أسهب وأطنب هو وصاحبه في الكلام على الوظيفة ومشكلات الوظيفة والعمل، وصار هم العمل من الشركة والمصنع والمدرسة إلى مجلس التزاور فهذا لا ينبغي؛ لأن هذه زيارة عبادة ينبغي أن تُستغل في أشياء مهمة.
وكذلك الزيارة لابد أن تتناقل فيها بعض الأخبار، سؤال عن الأحوال، الاطمئنان، ليس المقصود بالعبادة أننا نفتح القرآن ونقرأ، بل نذكر أخبار البلد، والاطمئنان على صحته وأحواله وأحوال أهله، وماذا حصل له من الحوادث والأشياء؟ ثم هناك أخبارٌ من العلاقات الاجتماعية تتداول، وأخبار عامة وسريعة، لكن لابد أن يكون في الزيارة الناجحة أشياء تستثمر ويستفاد منها مثل: فتح مواضيع إسلامية، أشياء من المشكلات التي تواجه كيف يكون حلها، قراءة في الكتب، وأرشح هنا بعض الكتب للقراءة منها إذا حصلت زيارة بأن تكون موجودة في مكتب المجلس وكما قلنا ليس هناك موضوع معين، يؤخذ الكتاب ويفتح ويقرأ منه أشياء، لابد من الصلاة على النبي ﷺ وذكر الله، فمن الكتب مثلاً: تفسير العلامة ابن سعدي ﵀، وحاشية كتاب التوحيد لابن سعدي رياض الصالحين، غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، السيرة النبوية الصحيحة لـ أكرم العمري، نزهة الفضلاء في تهذيب سير أعلام النبلاء، زاد المعاد، كتب ابن القيم وابن تيمية مباركة، الوابل الصيب، تهذيب مدارج السالكين الفوائد، كتب الشيخ: عمر الأشقر في العقيدة، ابن عبد البر ألف كتاباً اسمه بهجة المجالس وأنس المجالس، فيه آدابٌ وأخلاق، مختصر منهاج القاصدين، موعظة المؤمنين، صفة الصلاة وأحكام الجنائز للشيخ الألباني، فتاوى إسلامية للمشايخ عبد العزيز بن باز، ومحمد صالح العثيمين، وعبد الله بن جبرين، المجلات الإسلامية الهادفة.
إذاً هناك أشياء ينبغي أن تكون في المجلس تستثمر فيها الزيارة بحيث تكون الزيارة ناجحة، ولا يزاد فيها عن الموعد المحدد، لأن بعض الناس يقول: يا أخي! نجلس فقط نصف ساعة، ثم يجلس ساعتين فيتعدى الموعد بساعة ونصف.
стр. 390
زيارة النساء للنساء
أما بالنسبة للزيارة بين النساء، فهذه لها شأنٌ خاص، لكن هناك ملاحظات سريعة: نقول: زيارة النساء للنساء أمرها مطلوب، وليست مطلوبة مثل الرجل؛ لأن المرأة مطالبة بالقرار في بيتها، لكن لو حصلت مناسبة ما فلا مانع من الزيارة، بشرط ألا تكون متطيبة ولا متزينة بحيث يرى زينتها الرجال، وألا تختلي مع أجنبيٍ كالسائق، وألا تذهب إلى الغيبة والنميمة والكذب وضياع الأوقات، وتهمل أطفالها وأولادها وحقوق زوجها بحجة الزيارة، وألا تترك أولادها يعبثون في بيت صاحبتها.
والآن نرى إذا كان هناك بعض الأسئلة المهمة.
стр. 391
الأسئلة
стр. 392
توجيه للاستفادة من الرحلات الترفيهية
السؤال
نحن مجموعة من الإخوان نشاهد بعضنا كل أسبوع أو أسبوعين في رحلة أو غيرها، لكن لا يتخلل هذا الشيء ذكر الله، وقد تكون منفعتنا معدومة، والرحلات فيها ضحك وكلام مباح ولعب.
الجواب
يا أخي! اجعلوا في هذه الرحلة أشياء مفيدة، فأنتم عرفتم بأنفسكم الخلل فأصلحوه.
стр. 393
من أحكام صوم النافلة عند وجود ضيف
السؤال
إذا كنت صائماً وأتاني صديق وعلاقتي به قوية، فهل أُفضل الصيام أو تقديم الأكل له مع الأكل معه؟
الجواب
إذا كان لا يستوحش من عدم أكلك معه فابق على صيامك، وإذا كان يستوحش أو أنك تسبب مزيداً من المؤانسة له والمحبة فأفطر من أجله ولا بأس بذلك.
стр. 394
أهمية الصلاة عند الزيارة
السؤال
هل أنتظر الاستئذان على حساب الصلاة؟
الجواب
لا، لابد من الصلاة ثم بعد ذلك الاستئذان.
стр. 395
تنظيم زيارات جماعية لغرض الدعوة إلى الله
السؤال
نريد أن نشارك مجموعة من طلبة العلم في زيارات الناس والحي ويكون فيها دعوة إلى الله .
الجواب
هذا مهم جداً، فلو كان في الأحياء مثل هذه اللجنة من الشباب المصلين في المسجد يتولون زيارة الجيران، ومن لا يصلي في المسجد يقومون بدعوته إلى الصلاة في المسجد وغيرها، يكون فيه خيرٌ عظيم، وقضية الزيارة ما نبَّه الشرع عليها وأكد إلا لما فيها من منافع عظيمة وجليلة جداً.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتحابين فيه، والمتزاورين فيه، والمتجالسين فيه.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 396
آداب قضاء الحاجة [١، ٢]
إن من كمال الشريعة الإسلامية وإتمامها أن الله بين على لسان رسوله ﷺ كل شيء، فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وإن من الآداب السامية التي لا توجد في أي شرعة أو ملة، ما علمنا رسولنا ﵊ من كيفية قضاء الحاجة وآدابها، وما يجوز لنا فيها وما لا يجوز، وقد ذكر الشيخ آداب قضاء الحاجة في هذه الرسالة الطيبة المباركة، مستدلاً على ذلك بالأحاديث وأقوال أهل العلم.
стр. 397
كمال الشريعة والأدب في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: نتحدث في هذه الليلة وفي هذه السلسلة؛ سلسلة الآداب الشرعية المجموعة الثانية عن أدب يدل على كمال هذه الشريعة وحسنها، وأنها لم تترك شيئاً إلا وأوردت فيه آداباً وأحكاماً ليدل ذلك على قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] فالكمال والجمال في هذه الشريعة من سماتها، والحمد لله على نعمته.
ومن عظمة هذه الشريعة المباركة أنها ما تركت خيراً في قليل ولا كثير إلا أمرت به ودلت عليه، ولا شراً في قليل ولا كثير إلا حذرت منه ونهت عنه؛ فكانت كاملة حسنة من جميع الوجوه، وقد أثار ذلك دهشة غير المسلمين وإعجابهم بهذا الدين، حتى قال أحدهم لـ سلمان الفارسي ﵁: (قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال سلمان: أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) الحديث.
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وهو في صحيح مسلم وغيره.
وقضاء الحاجة: هذا الاسم من الأدلة على الأدب في الشريعة، فإنه ذكر كنايةً عن خروج البول والبراز، ولا شك أن هذا الاسم -قضاء الحاجة- ألطف وأحسن وأجمل، والأدب في مثل هذا واضح في القرآن والسنة، فقد قال الله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء:٤٣] فلم يسم الخارج باسمه البشع، وإنما كنى عنه بهذه العبارة فقال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء:٤٣] والغائط: هو المطمئن من الأرض المكان النازل من الأرض مستوى هابط من الأرض، فقد كانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوه رغبة في التستر، فكني به عما يخرج من السبيلين.
ولذلك فإنه لا فحش ولا بذاءة في هذه الشريعة بخلاف ما يستعمله كثير من الناس في ألفاظهم ومجالسهم من أنواع البذاءات والفحش، فنقول: حتى هذه العملية وهي خروج هذه النجاسات سميت بهذه الأسماء من باب الأدب، وقيل: قضاء الحاجة، مع أن الحاجات كثيرة، لكن صار علماً أو رمزاً على إخراج النجاسة من السبيلين.
وقد ورد في هذه الشريعة عدة آداب وأحكام لهذا الأمر، ومن ذاك:
стр. 398
عدم استقبال القبلة
أولاً: عدم استقبال قبلة الصلاة عند البول والغائط، والقبلة: هي جهة الكعبة التي بناها إبراهيم ﵇، فإن من احترام المسلمين لقبلتهم، وتعظيمهم شعائر الله ألا يستقبلوا القبلة ولا يستدبروها ببول أو غائط، قال ﵊: (إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها).
أما بالنسبة للخلاء، أو الصحراء، والفضاء، والمكان المفتوح، فإنه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط، لكن قد حصل خلاف في البنيان، هل يجوز استقبال القبلة أو استدبارها في البنيان؟ فذهب بعض العلماء إلى ذلك، وقالوا: بأن النهي خاص بالأماكن المكشوفة والمفتوحة كالفضاء والصحراء، وأما في البنيان فلا.
وقال بعضهم: النهي عام، وفرق بعضهم بين البول والغائط إلى آخر ذلك من الأقوال المشهورة والمعروفة في هذا الموضوع، ولذلك الأحسن للإنسان -وهذه من الأمور المهمة- الذي يريد أن يصمم بيتاً أن ينتبه حتى يكون المكان المعد للجلوس لقضاء الحاجة في بيته ليس إلى جهة القبلة، والرسول ﵊ يقول في المدينة: (شرقوا أو غربوا) ونحن نقول في هذا المكان: اتجهوا شمالاً أو جنوباً، بحسب الموقع: أين أنت من مكة؟ وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم من مراعاتهم لهذا لما دخلوا بلاد فارس والشام والفتوحات وجدوا المراحيض إلى جهة مكة فقال بعضهم: [فكنا ننحرف ونستغفر الله].
فلو أنه أراد أن يحتاط حتى في البنيان يمكن أن ينحرف ويستغفر الله.
стр. 399
ألا يمسك ذكره بيمينه حال البول
ومن الآداب كذلك: ألا يمس ذكره بيمينه وهو يبول، لقوله ﷺ : (إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه) رواه البخاري، وحيث أن اليد اليمنى تجعل للأمور الحسنة والطيبة فليس من المناسب إذاً أن يكون هذا المس باليمنى، ولو احتاج إليه فإنه يكون عند الحاجة باليسرى.
стр. 400
ألا يستنجي بيمينه
ثالثاً: ألا يزيل النجاسة بيمينه، ليس فقط ألا يمس الموضع أو العورة باليمنى، ولكن لا يزيل النجاسة باليمنى، بل يستخدم شماله لمباشرة النجاسة في إزالتها لقوله ﷺ : (ولا يستنجي بيمينه) رواه البخاري.
ولقوله ﷺ : (إذا تمسح أحدكم فلا يتمسح بيمينه) رواه البخاري، ولما روت حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ (أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه واستياكه وأخذه وعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك) رواه الإمام أحمد ﵀، وهو حديث صحيح، وروى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا استطاب أحدكم فلا يستطب بيمينه، ليستنجي بشماله).
стр. 401
الجلوس عند قضاء الحاجة
رابعاً: والسنة أن يقضي حاجته جالساً وألا يقضيها واقفاً، وأما البول فإن الأصل في فعله ﵊ والأكثر والأشهر هو أنه كان ﵊ يقعد عند قضاء حاجته، وأما بالنسبة للوقوف عند البول فإن هناك بعض الأحاديث والآثار التي وردت فيه، أما بالنسبة لنهي صريح مرفوع عن البول قائماً فلا دليل له، وقد جاء عن ابن مسعود: [من الجفاء أن تبول وأنت قائم] وكان سعد بن إبراهيم من السلف لا يجيز شهادة من بال قائماً، وحديث عائشة: (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً).
قال الترمذي: هذا أصح شيء في الباب.
وقد رويت الرخصة في البول قائماً عن عمر وعلي وابن عمر وزيد وسهل بن سعد وأنس وأبي هريرة وعروة، وروى حذيفة: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) رواه البخاري.
أتى سباطة قوم، أي: موضع رمي القمامة.
ولعل النبي ﷺ فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، ويحتمل أن يكون في موضع لم يتمكن من الجلوس فيه، وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه؛ والمأبض: باطن الركبة من كل حيوان، فكان هناك جرح أو علة فما استطاع أن ينثني فبال قائماً، ولكن هذا الحديث الذي أشاروا إليه في قضية المأبض حديث ضعيف ليس بصحيح، فقد رواه الخطابي في معالم السنن، والحاكم والبيهقي، ولكن هناك من هو أعلى من الخطابي، لأن كتاب المعالم للخطابي من الشروح، وقد أورد فيه سنده ولكن عند العزو يعزى إلى مثل: الحاكم والبيهقي، وفي هذا الحديث رجل يقال له: حماد؛ وهو ضعيف، والحديث قد ضعفه الدارقطني والبيهقي وأقر ذلك ابن حجر.
أما رواية ابن مسعود: [من الجفاء أن تبول قائماً] فإن الترمذي قد رواه في سننه، وعلقه أحمد شاكر فقال: وهذا الأثر معلق بدون إسناد، وقال المباركفوري: لم أقف على من وصفه، وقد تتبع الشيخ: ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل طرقه وجمعها، فقال في رواية ابن مسعود: [أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله] يقول الألباني: هذا صحيح عن ابن مسعود موقوفاً، وقد رواه ابن أبي شيبة، وأما مرفوعاً: [ثلاث من الجفاء] فإن هذا الحديث ضعيف ومنكر، ولا يثبت مرفوعاً عن النبي ﷺ .
إذاً: قال بعضهم: إن العلة في بوله ﵊ قائماً -ما دام أنه قد ثبت في البخاري أنه بال مرةً قائماً- لعدم التمكن من البول، وقيل: ليبين الجواز.
ولا شك أن العلة ما دامت أنها لم تثبت فبقي أنه يريد أن يبين الجواز، أو لم يتمكن من الجلوس في موضع القمامة.
الخلاصة: لا بأس عند الحاجة أن يبول الشخص قائماً بشرط: أن يأمن عود رشاش البول عليه، وأن يأمن تلويث ملابسه، فإذا أمن تلويث الملابس والجسم فلا بأس أن يبول قائماً، لكن الأفضل البول قاعداً، لماذا؟ أولاً: لأنه أستر.
ثانياً: لأنه آمن من ارتداد رشاش البول عليه وتلويث بدنه وثيابه.
فلذلك الأفضل البول قاعداً.
стр. 402
ألا يرفع ثوبه إلا بعد الدنو من الأرض
خامساً: من آداب إرادة قضاء الحاجة: أن لا يرفع ثوبه إلا بعد أن يدنو من الأرض، وقد ورد عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض).
رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
وإذا كان في مرحاض ونحوه فلا يرفع ثوبه إلا بعد إغلاق الباب وتواريه عن أعين الناظرين، فما يفعله بعض الكفرة ومن قلدهم من أبناء المسلمين من التبول وقوفاً في بعض المحلات المكشوفة داخل بعض المراحيض العامة مما هو موجود في المطارات وغيرها هو أمر منافٍ للأدب والحشمة والحياء والأخلاق الفاضلة، وتقشعر منه أبدان أصحاب الفطر السليمة، والعقول الصحيحة، وهو أمر منكر شرعاً وحرام، إذ كيف يكشف الشخص عن عورته أمام الناس الغادي منهم والرائح التي جعلها الله بين رجليه ستراً لها، وأمر بتغطيتها، واستقر أمر تغطيتها عند جميع عقلاء البشر؟! ثم إنه من الخطأ أصلاً أن تبنى المرافق بهذا الشكل المشين الذي يرى مستعملوها فيها بعضهم بعضاً وهم يبولون متخلفين في ذلك عن البهائم التي من عادتها الاستتار عند التبول والتغوط.
стр. 403
الاستتار عن أعين الناس
سادساً: أن يستتر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة بالبعد إذا لم يكن ثمة مراحيض تغلق أبوابها.
(وقد كان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفاً أو حائش نخلٍ).
والهدف: هو المرتفع من الأرض، وحائش النخل: هو البستان، وإذا كان الإنسان في الفضاء كأن يخرج الإنسان -مثلاً- إلى الساحل أو الشاطئ فيريد أن يقضي حاجته، وليس هناك لا حائش نخل، ولا مرتفع والأرض مستوية، فماذا يفعل؟ إذا كان عنده شيء يتوارى خلفه كسيارة ونحوها فعل ذلك، وإلا فينبغي له أن يبعد عن أعين الناظرين؛ وذلك بأن يمشي إلى مكان بعيد عن الناس، لما روى المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفرٍ فأتى النبي ﷺ حاجته فأبعد في المذهب).
أي: ذهب بعيداً، رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وعن عبد الرحمن بن أبي قرادن قال: (خرجت مع رسول الله ﷺ إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد).
رواه النسائي وهو حديث صحيح.
стр. 404
الاهتمام بإزالة النجاسة
سابعاً: من آداب قضاء الحاجة أيضاً: الاعتناء بإزالة النجاسة بعد الفراغ من قضاء الحاجة، لقوله ﷺ محذراً من التساهل في التطهر من البول: (أكثر عذاب القبر من البول).
رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
وعن ابن عباس ﵄، قال: (مر رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة).
стр. 405
أن يوتر بثلاث مسحات أو أكثر
ثامناً: من آداب قضاء الحاجة أيضاً: أن يكون مسح النجاسة ثلاثاً فما فوق، وأن يكون وتراً، بحسب ما تدعو إليه حاجة التطهير، فإذا لم تكف ثلاث فخمس مسحات أو سبع أو تسع، لما جاء عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثاً، قال ابن عمر: فعلناه فوجدناه دواءً وطهوراً).
حديث صحيح، رواه ابن ماجة ﵀.
ولما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر وتراً).
رواه الإمام أحمد، وحسنه الألباني في: صحيح الجامع إذن يقطع على وترٍ.
стр. 406
ألا يستجمر بروث أو عظم
تاسعاً: من الآداب أيضاً: ألا يستعمل العظم ولا الروث في الاستجمار؛ والاستجمار: هو إزالة النجاسة بالمسح، والاستنجاء: هو إزالة النجاسة بالغسل.
ولا يستعمل العظم ولا الروث للاستجمار وإنما يستعمل الحجارة والمناديل ونحو ذلك، لما جاء عن أبي هريرة ﵁: (أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ قال: أنا أبو هريرة، قال: أبغني أحجاراً أستجمر بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى إذا وضعتها بجنبه ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال العظم والروثة؟! قال: هما من طعام الجن).
رواه البخاري رحمه الله تعالى.
стр. 407
ألا يتخلى في طريق الناس أو ظلهم
عاشراً: من آداب قضاء الحاجة كذلك: ألا يبول في طريق الناس، ولا في ظل يستظل به؛ لأن في ذلك إيذاء للمسلمين، وقد روى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم).
رواه أبو داود، وفي رواية: (اتقوا الملاعن).
والملاعن مواضع اللعن، جمع ملعنة، مثل: مقبرة، ومجزرة، موضع القبر وموضع الجزر.
وأما اللعانان في رواية مسلم: فهما صاحبا اللعن، أي: الذين يلعنهما الناس كثيراً.
وفي رواية أبي داود: (اللاعنين).
معناه: الأمران الجالبان للعن، لأن من فعلهما لعنه الناس في العادة، فإذا جاء واحد يجلس في الظل فرأى نجاسة فإنه يلعن من فعلها، أو مسافر نزل على الطريق فرأى شجرة مثمرة تحتها نجاسة.
إذاً الأماكن التي يستريح فيها الناس لو فعل فيها مثل هذا لعنه الناس، فلما صار سبباً في اللعن أضيف الفعل إليهما.
وقد يكون اللاعن بمعنى: الملعون على تقدير: اتقوا الملعون فاعلهما.
ما المقصود بموارد الماء؟ أي طرق الماء، واحدها مورد، وأما الظل فهو مستظل الناس الذي يدخلونه مقيلاً وملتقى ويقعدون تحته، وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة تحته، فقد ورد أن النبي ﷺ كان يحب أن يستتر بحائط نخل، وللحائط ظل بلا شك، ولكن المقصود: الأماكن التي يجلس فيها الناس في الظل، وهناك ظلال لا يجلسون فيها، فالمقصود: الظلال التي يستظل الناس فيها ويجلسون فيها.
وكذلك قد ورد أن النبي ﷺ نهى عن التغوط في قارعة الطريق، فقال: (إياكم والتعريس على قارعة الطريق والصلاة عليها فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن).
إذاً: ليس على الطريق وليس في مكان نزول الناس، ولا على الرصيف، ولا في الظل الذي يوجد فيه الناس، ولا تحت الأشجار المثمرة حيث يقعد الناس، ولا في موارد الماء التي يستقي منها الناس.
وما هو العامل المشترك في هذه كلها؟
الجواب
الأماكن التي للناس فيها فائدة.
стр. 408
ألا يسلم على من يقضي حاجته ولا يرد السلام
حادي عشر: من آداب قضاء الحاجة: ألا يسلم على من يقضي حاجته، ولا يرد السلام وهو في مكان قضاء الحاجة، أما بالنسبة لعدم التسليم فقد جاء عن جابر بن عبد الله أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : (إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
стр. 409
ألا يبول في الماء الدائم ولا يتغوط في الماء الجاري
ثاني عشر: من آداب قضاء الحاجة: أنه لا يجوز البول في الماء الدائم (لأن النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الراكد).
متفق عليه، ولأن الماء إذا كان قليلاً تنجس به، وإن كان الماء كثيراً فربما تغير بتكرار البول فيه هذا، بالنسبة للماء الراكد.
وأما الماء الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي من يمر به، فإن قال قائل: فالبول فيه؟ إن بال فيه وهو كثير بحيث لا يؤثر فيه البول فلا بأس؛ لأن تخصيص النبي ﷺ الراكد بالنهي عن البول فيه دليلٌ على أن الجاري بخلافه، وبناءً على ذلك فلو بال في البحر فلا حرج عليه، فهذا لا ينجسه شيء ولا يؤذي أحداً، لكن لا يتغوط على الساحل، أو في المكان الذي يدخل فيه الناس للبحر يمشون، بل إنه يبعد ويحذر لنفسه ويقضي حاجته.
والنهي عن البول في الماء الراكد الأصل فيه أنه للتحريم، وقد ذهب إلى ذلك عدد من أهل العلم وحرموا التغوط في الماء القليل أو الكثير الراكد، أو الجاري؛ لأنه يقذره ويمنع الناس من الانتفاع به؛ وهذا مذهب الحنابلة.
وإذا قلنا ذلك: فمن باب أولى أن قضاء الحاجة في المسجد حرام؛ لأنه لا بد من صيانتها وتنزيهها وتكريمها لأنها أماكن للعبادة والدليل حديث الأعرابي المعروف.
وقد ذكر ابن الحاج ﵀ في كتابه: المدخل للبدع، من بدع الاحتفال بالإسراء والمعراج ونحو ذلك، قال: احتشادهم الساعات الطوال في المساجد مع النساء وربما إذا احتاجوا إلى قضاء الحاجة قضاها بعضهم في المسجد في الخلف.
طبعاً: هذا من المنكرات الكبيرة.
وقد ذكر بعضهم مسألة قضاء الحاجة بالكنيسة وبيع اليهود، فقالوا: إذا كان هذا يؤدي إلى أن يفعلوه في مساجدنا انتقاماً من مسلم فعله عندهم فلا يفعلوا ذلك، كما أننا نهينا أن نسب آلهة الكفار لئلا يسبوا الله عدواً بغير علم، وأيضاً من جهلهم إذا سببنا آلهتهم يسبون الله .
стр. 410
أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً
ثالث عشر: من آداب قضاء الحاجة: أنه يستحب أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً لئلا يصيبه رشاش البول، وقد ورد في ذلك حديث رواه الإمام أحمد أن النبي ﷺ أراد أن يتبول فأتى دمثاً في أصل حائط فبال، ثم قال: (إذا أراد أحدكم أن يتبول فليرتد لبوله).
يتخير مكاناً مناسباً، وهذا إن كان ضعيفاً فإن المعنى صحيح؛ وهو أن الإنسان إذا أراد أن يبول فلا يبل على شيء صلب؛ لئلا يرتد عليه، بل يأتي إلى مكانٍ رخوٍ لئلا يرتد عليه، وبعض الأحيان تجد سطح الأرض خشن صلب لكن إذا ضربته برجلك ظهر التراب الذي تحته فتحول إلى موضع رخوٍ فيمكن أن نعالجه وهكذا.
стр. 411
ألا يبول في مستحمه
رابع عشر: من آداب قضاء الحاجة: أن على الإنسان ألا يبول في مستحمه، وقد ورد في ذلك حديث عند أبي داود وابن ماجة (أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه).
وفي رواية: (لا يبولن أحدكم في مستحمه).
وهذا حديث صحيح، فما معنى المستحم؟ وما المقصود بهذا الحديث؟ أما بالنسبة للمستحم، فقد قال الخطابي ﵀: المستحم هو المغتسل، وهو مشقق من الحميم وهو الماء الحار الذي يغتسل به.
قال النووي ﵀: واتفق أصحابنا أن المستحب ألا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة لئلا يترشش عليه وهذا في غير الأخلية المعدة، أو المتخذة لذلك؛ أما المتخذ لذلك كالمرحاض فلا بأس فيه؛ لأنه لا يترشش عليه، ولأن في الخروج منه إلى غيره مشقة.
وقال بعض العلماء: ألا يستنجي بالماء في موضعه.
إذاً: هم قالوا: إذا تبول في مكان، أو تغوط في مكان يزحف قليلاً حتى إذا صب الماء أثناء الاستنجاء لا يصيبه من النجاسة التي صارت في الأرض مثلاً، وإذا أراد أن يغسل عورته، أو يغسل مكان قضاء الحاجة لا تصيب النجاسة المجتمعة في الأرض يده مثلاً، فالمقصود من كل القضية: ألا يرتد عليه شيء من النجاسة، واتقاء الوسواس؛ لأنه قد ورد عند أبي داود: (ولا يبول في مستحمه فإن عامة الوسواس منه).
فإذا كان لا يرتد فلا بأس بذلك، وينبغي أن تجعل أماكن قضاء الحاجة في المراحيض بحيث تحقق هذا الغرض؛ وهو عدم ارتداد النجاسة على الذي يقضي الحاجة.
وهنا سؤال قد طرحه بعض الإخوان فيما سبق وتوجهنا به إلى الشيخ محمد بن صالح العثيمين، يقول
السؤال
هل التبول في حوض الاستحمام -البانيو- أثناء الاستحمام يدخل في حديث النهي عن البول في المستحم؟ أم لأن مجرى الماء مفتوح فلا يدخل؟
الجواب
لا.
لا يدخل لأنه إذا بال فسوف يصب عليه الماء ثم يزول البول، لكن لا يستحم حتى يزيل البول بإراقة الماء عليه، ولو قدر أن الإنسان حضره التبول أثناء الاستحمام يتوقف عن الاستحمام حتى يبول ويريق عليه الماء، فإذا كان يوجد أي وسيلة للوسوسة فيجتنب الإنسان ما يؤدي إلى الوسوسة.
وقد ذكر بعض الفقهاء الاعتماد في التبول على الرجل اليسرى، وقالوا: ويعتمد في حال جلوسه على الرجل اليسرى كما قال ابن قدامة في المغني لما روى سراقة بن مالك قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى).
رواه الطبراني في المعجم، يقول ابن قدامة معللاً: ولأنه أسهل لخروج الخارج.
لكن هذا الحديث إذا كان ضعيفاً ماذا نفعل؟ ننظر في المعنى، وقد قال النووي ﵀ في المجموع: هذا الحديث ضعيف رواه البيهقي عن رجل عن أبيه عن سراقة قال: (علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى).
قال: وهذا الأدب مستحب عند أصحابنا، واحتجوا فيه بما ذكره المصنف، وقد بينا أن الحديث لا يحتج به فيبقى المعنى ويستأنس بالحديث, والله أعلم.
المعنى الذي ذكروه قد يكون نتيجة تجربة، والحديث الآن ضعيف قالوا: إنه إذا استند على الرجل اليسرى ومال على الجانب الأيسر صار أسهل لخروج النجاسة، وقد ذكر ابن قدامة -هذا الكلام كما قلنا- أنه أسهل، وكذلك ذكر بعضهم هذه القضية، وعلل ذلك بأن المعدة في الجانب الأيسر فيكون الاتكاء على اليسار أسهل في الخروج وخصوصاً الغائط، لكن على أية حال المسألة كما رأينا ما دام حديثها ضعيفاً فهي على راحة الإنسان، إذا وجد أنه في قضاء الحاجة أكثر راحة له فالحمد لله يفعل ذلك، والمقصود: اتباع ما يسهل عند قضاء الحاجة، أن يكون الخروج سهلاً؛ لأنه أحياناً إذا خرج بتعسف آذى الشخص، وهناك أناس يصابون بآفات عظيمة جراء قضية التعسف عند قضاء الحاجة، وعدم اتباع الوسيلة الميسرة في ذلك، أو الوضع الميسر في ذلك.
стр. 412
أن يذكر الله قبل أن يدخل الخلاء
خامس عشر: من آداب قضاء الحاجة: ذكر الله قبل أن يدخل الخلاء، فماذا يقول قبل أن يدخل؟ قال ﷺ : (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله) (وكان ﷺ إذا دخل الكنيف قال: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، وكان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك).
فأما بالنسبة للبسملة فقد عرفنا فائدتها، فيأتي بها الإنسان في أي موضع، أو في أي عمل، والسنة أن يأتي بها قبل الشروع في أي عمل، وهنا فائدتها أنها تمنع الجن من النظر إلى عورات الآدميين؛ لأنه لا بد أن يكشف العورة عند قضاء الحاجة.
والمراحيض ومواضع النجاسات من الأماكن التي يغشاها الجن، فإذا كانوا يغشون هذه الأماكن والإنسان سوف يدخلها فإنه يحتاج إلى التسمية لكي يستتر منهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] وقوله: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) لو قلت: الخبْث فإنه مصدر معروف، أما الخُبُث والخبائث فالمقصود: ذكران الشياطين وإناثهم، جمع خبيث وخبيثة: خُبُث وخبائث.
فإذاً: الشياطين لهم ذكور وإناث، وقد يكون في هذا المكان من هذا الجنس أو من هذا الجنس، إذن يستعيذوا من شرهم أيضاً؛ لأنهم قد يكون لهم شر بحيث أنهم يغشون هذه الأماكن يخيفون، أو يصرعون، أو يدخلون ونحو ذلك، فقول هذا الدعاء يفيد في معالجتهم أو كف شرهم وأذاهم.
وعند الخروج يقول: (غفرانك) ما علاقة (غفرانك) بالخروج؟ قال بعض العلماء: الوجه في سؤال المغفرة أنه جرى منه ﵊ على عادته إذ كان من دأبه الاستغفار في حركاته وسكناته وتقلباته حتى إنه ليعد له في المجلس الواحد مائة مرة، وإنه لما كان خروج الأخبثين -هذه ملاحظة ذكرها بعضهم- بسبب خطيئة آدم، يعني: عندما كان آدم ﵇ في الجنة لم تكن هناك نجاسة تخرج ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢] وصارت هذه المعصية سبب الهبوط إلى الأرض وصار غائط وبول.
فيذكر العبد نفسه بهذا الاستغفار ما حدث بسبب الخطيئة، وأن العبد لا يخلو من الخطيئة حينئذٍ، وأن هناك ارتباطاً بين الخطيئة التي حدثت وبين خروج النجاسة من الإنسان، والنبي ﷺ يقول: (الحمد لله الذي أذهب عني أذاه وأذاقني لذته) وفي رواية: (وأذهب عني مشقته).
ما هو الأذى؟ هذا الذي يخرج من الإنسان، والمشقة الحاصلة بسبب مكثك، فخروج الغائط نعمة تستوجب الشكر، والإنسان يهمل ويقصر فيذكر نفسه بالدعاء والمغفرة: (غفرانك) غفرانك على التقصير، غفرانك من كل شيء، فهو يسأل الله المغفرة أو يطلب منه المغفرة، وقد تكون هذه الأماكن مدعاة أيضاً للوقوع فيما يحرم من التذكير بأمور السوء ونحو ذلك.
стр. 413
اتقاء اتجاه الريح
سادس عشر: ذكر بعضهم من آداب قضاء الحاجة اتقاء مهابَّ الريح، الأماكن التي لها منفذ يدخل الهواء من موضع ويخرج من موضع مخافة أن يرتد بوله عليه؛ وهذا يعود إلى المسألة المذكورة في قضية عدم الارتداد والرشاش، فإذا كان يريد أن يقضي حاجته في الفضاء -كالصحراء- وأراد أن يبول، إذا كان الهواء قوياً وهو يبول في اتجاه هبوب الهواء سيرجع عليه وعلى ثيابه، فإذا جعل نفسه في الاتجاه المعاكس عند ذلك تذهب النجاسة أو هذا البول مع الريح ولا يرتد عليه، فمن ذكرها أراد مراعاة هذا المعنى.
стр. 414
أن يلبس حذاءه حتى لا تتنجس رجلاه وألا يطيل في الخلاء
سابع عشر من آداب قضاء الحاجة: أن يلبس حذاءه لئلا تتنجس رجلاه؛ وهذا أيضاً معناه واضح.
وذكر ابن قدامة -أيضاً- ﵀: ولا يطيل المقام أكثر من قدر الحاجة؛ لأن ذلك يضره، وقيل: يورث الباسور، وقيل: يدمي الكبد، وعلى أية حال إذا كان التطويل له أضرار طبية مرجعه إلى الأطباء، لكن هناك علة واضحة: قضية الوسوسة، وقضية إيذاء المنتظرين، وقضية منع ما تسول به نفسه من فعل أي معصية، فالتطويل في المراحيض ليس بمحمود، وكثير من الناس يصابون بالوسوسة من جراء هذا التطويل، فإنه يجلس ويغسل ويغسل ويعيد ويتنحنح ويقفز ويفعل أشياء وحركات عجيبة ويحتشي وليس هذا في الشرع على الإطلاق.
إذاً هذا التطويل مفتاح لباب الوسوسة، وفيه إيذاء للمنتظرين وخصوصاً في المراحيض العامة بل حتى في بعض البيوت، وكذلك عدم التطويل فيه قطع للنفس عما يمكن أن توسوس به أو تسول من المعاصي.
стр. 415
اجتناب ذكر الله
ثامن عشر: من آداب قضاء الحاجة: اجتناب ذكر الله في هذا الموضع، ومما يدل عليه حديث الامتناع عن رد السلام المتقدم؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، ولو أن النبي ﷺ رد السلام على الرجل الذي سلم عليه فإنه يكون قد ذكر اسم الله في الخلاء، وهذا يمنع؛ لأن ذكر الله ينزه أن يكون في مواضع النجاسات وأثناء هذه الحال، فلا يذكر الله تعالى إلا بقلبه، وأما أن يذكر بلسانه فلا، وكذلك إذا عطس حمد الله في قلبه، وإذا سلم عليه أحد فلا يرد ﵇.
إن قال قائل: إذا ذهبت إلى الخلاء في الصحراء، فالمكان الذي سوف أقضي فيه الحاجة هو المكان الذي ستكون فيه النجاسة إلخ، إذاً لن أقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، فذكر ابن دقيق العيد ﵀ في الإحكام: التفريق بين الموضع المعد لقضاء الحاجة وبين الموضع غير المعد لقضاء الحاجة، فقال: إذا كان الموضع معداً لقضاء الحاجة أصلاً فلا يذكر الله فيه، فهذا نهينا عن ذكر الله فيه، وأما إذا كان الموضع ليس معداً لقضاء الحاجة -كالصحراء- فأنت الآن تريد أن تقضي حاجتك، فهل يسمى المكان قبل أن تقضي فيه حاجتك مرحاضاً؟ لا.
إذاً لا بأس أن تذكر الله فيه، ثم تنزل لقضاء الحاجة، وبذلك يزول الإشكال، والله أعلم.
أما مسألة الكلام في الخلاء: فقد ذهب جمهور العلماء إلى ترك الكلام في الخلاء وعدوه من الآداب.
وأورد بعضهم حديث أبي سعيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك).
الحديث هذا رواه أبو داود، لكنه ضعيف، لكن من جهة المعنى: فإن أمور قضاء الحاجة مبنية على الستر، والكلام ينافي الستر، وكذلك أمور قضاء الحاجة أن الإنسان يقضي حاجته ثم يخرج وليس هذا مكان أحاديث، وكذلك فإن الكلام -أيضاً- ربما أدى إلى مسألة الإطالة، ثم إن هذا مكان قذر ومكان تأنف منه النفوس الطيبة، فكيف يجعل مكان حديث واستئناس ومبادلة بالكلام مع غيره؟ لكن لو احتاج كرجل طرق الباب يريد أن يتأكد هل يوجد أحد أم لا، فتنحنح الشخص الذي في داخل دورة المياه فلا بأس.
وكذلك قالوا: لو كان كلامه سينقذ أعمى من الوقوع في بئر ونحو ذلك للحاجة فلا بأس أن يتكلم في الخلاء للحاجة، أو أراد مثلاً أن يناوله شيئاً من منشفة أو غيرها وهو لا يتمكن من الخروج، أو نفذ الماء أو أي شيء من الأشياء التي لها حاجة، فإذا صار الكلام لحاجة فلا بأس أن يتكلم.
стр. 416
وضع ما معه من ذكر الله قبل دخوله الخلاء
تاسع عشر: من آداب قضاء الحاجة: وضع ما معه من ذكر الله قبل دخوله ما لم يخش عليه، فإذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر لله تعالى استحب له أن يضعه، وأما بالنسبة لحديث أنس: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه).
الذي رواه ابن ماجة وأبو داود، فقد قال أبو داود: هذا حديث منكر، وقيل: إنما كان النبي ﷺ يضعه؛ لأن فيه محمداً رسول الله ثلاثة أسطر؛ يعني: محمد في سطر، ورسول في سطر، ولفظ الجلالة (الله) في سطر، وإذا أدار فص الخاتم إلى باطن كفه فلا بأس، قال أحمد ﵀: الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء.
وقال عكرمة: اقلبه هكذا في باطن كفك واقبض عليه.
ورخص فيه ابن المسيب والحسن وابن سيرين، وقال أحمد في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: أرجو ألا يكون به بأس.
لأن اسم من ضرب الدراهم وصك النقود كان لا يخلو من مثل: المستعصم بالله، والمتوكل على الله، وما شابه ذلك، فهو لا يخلو من وجود لفظ الجلالة، فماذا نفعل عند ذلك؟ لو قلنا: ضع المال خارج دورة المياه لسرق، وسرقة النقود أو ضياعها مفسدة كبيرة، فالشرع لا يأمر بأن تضع نقودك إذا كنت تخشى عليها، وكذلك ما مع الإنسان في المحفظة وغيرها مما قد يكون فيه ذكر لله من الإثباتات والأوراق فإنه إذا لم يجد مكاناً مأموناً وضعها معه داخل الجيب وهي ليست مفتوحة.
وكذلك ورد في أسنى المطالب: ويكره عند قضاء الحاجة حمل المكتوب للقرآن، يقول: قلت: الوجه تحريم اصطحاب المصحف ونحوه من غير الضرورة؛ لأنه يحمله مع الحدث ويعرضه للأذى ولما فيه من عدم توقير القرآن، ويحمل كلامهم على ما لم يحرم على المحدث حمله كالدراهم والخاتم وما تعم به البلوى.
إذاً ينتبه الإخوان الذين يحملون المصاحف ألا يدخلوا بها إلى الخلاء، بل يضعوها في خانة.
لكن لو أنه نسيه ودخل فتذكر قبل الشروع في قضاء الحاجة فإنه يخرج ويتركه في مكانٍ خارج الخلاء وإذا لم يتذكر إلا بعد شروعه فإنه قطع حاجته فيه أذى وضرر عليه، فلذلك لو أنه أبقاه في جيبه وأسرع بالخروج فليس له مندوحة، أو قد لا يكون له طريقة أخرى فلعله إن شاء الله لا يأثم؛ لأنه لم يكن متعمداً إدخال المصحف، ثم إنه قد يضره أن يقطع حاجته ويخرج.
стр. 417
تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج
عشرون: من آداب قضاء الحاجة: تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج، ويرفق ذلك بالأذكار كما تقدم، قال أحمد ﵀: يقول إذا دخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وما دخلت قط المتوضأ ولم أقلها إلا أصابني ما أكره.
وسبب إرفاق التسمية بالاستعاذة -باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث- أنه يمتنع الجن عن رؤية العورة؛ لأنه ﵊ قال: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: باسم الله وإذا خرج قال: غفرانك) كما تقدم، وفي رواية: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).
وهذا الإذهاب للأذى نعمة من الله ، ولذلك فإن المصاب بالانقباض وحصر البول يتعذب عذاباً شديداً، ولذلك يقول: الحمد لله؛ لأنها نعمة؛ لأن تيسير خروج الخارج نعمة، ولذلك فإن بعض الناس في المستشفيات تعمل لهم إجراءات صعبة لتيسير خروج البول وما شابه ذلك لأجل عدم القدرة، ولو احتبس في بطنه تضرر ضرراً عظيماً.
ولذلك ربما يناسب الذكر أمر من الأمور التي فعلها النبي ﷺ بالنسبة للمريض وغيره عند الحاجة، وهو البول في القدح أو الإناء، فقد جاء عند أبي داود والنسائي وابن ماجة عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة؛ كلها أسماء مصغرة، عن أمها -وهي أميمة بنت رقيقة - قالت: (كان للنبي ﷺ قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير-وفي رواية: تحت سريره- يبول فيه بالليل).
والعيدان قال في شرح الحديث: النخل الطوال المتجردة من السعة من أعلاه إلى أسفله، وجاء أيضاً عند الشيخين: (أنه دعي بالطست ليبول فيها).
ولكن هذا وقع في حال المرض.
إذاً في حال المرض إذا لم يمكن المريض من الذهاب إلى دورة المياه فقد ورد في الحديث ما يفيد البول في إناء ونحو ذلك، وكذلك ذكروا أنه لو اشتدت الريح ولم يأمن من ارتداد البول عليه بال في إناء -ونحو ذلك- ضيق الفتحة حتى يرميه بعد ذلك.
إذاً فإذا دعت الحاجة لا بأس بالبول في الإناء ونحوه.
وقد جاء عن عائشة ﵂ قالت: (يقولون: إن النبي ﷺ أوصى إلى علي ﵁، لقد دعا بالطست يبول فيها فانخنس فمات وما أشعر به).
حديث صحيح رواه النسائي ﵀ والترمذي في الشمائل والبخاري ومسلم بمعناه.
стр. 418
عدم جواز قضاء الحاجة في المقابر
حادي وعشرون من الآداب والأحكام المتعلقة بقضاء الحاجة: عدم جواز قضاء الحاجة في المقابر لما روى عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق).
رواه ابن ماجة، وصححه الألباني في: إرواء الغليل، والمقصود بقوله: (أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق).
أنهما في القبح سيان، سواء قضى الحاجة وسط السوق والناس ينظرون؛ وهي قبيحة جداً أو قضى الحاجة في المقبرة حتى لو لم يره أحد فهما في القبح سيان، وهذا من حرمة الأموات، وبعض الناس إذا مشى ولم يجد مكاناً يقضي فيه حاجته تسور المقبرة وقضى فيها حاجته.
فهذه فعلة شنيعة.
وقد نبه ابن الحاج ﵀ في كتاب المدخل على طائفة من الذين يسكنون القبور في مصر ويقضون الحاجات فيها، وأن ذلك إيذاء للأموات فلا يجوز، وقال أيضاً: إن بعض أهل الأموات يبيتون عند الميت بجانب قبره أياماً، يبيتون ليلة وليلتين وثلاثاً قال: وإذا حضرت أحدهم قضى حاجته في المكان؛ فإن من البدع البيات عند القبور، يزعمون أن ذلك إيناس للميت، وهم ما يفعلون إلا الإيذاء والبدعة، الرسول ﷺ كان إذا دفن الميت انصرف هو وأصحابه ولم يبت عند قبر حمزة ولا عند غيره، ولا يؤنس الإنسان في قبره إلا عمله الصالح.
стр. 419
أن يقدم قضاء الحاجة على الصلاة
ومن الآداب كذلك المتعلقة بقضاء الحاجة: أنه يقدم قضاء الحاجة على الصلاة إذا حضرته حاجته؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان).
لماذا؟ لأنها تشغل قلبه، ويعجل عن إكمال صلاته، وقد يفقد الطمأنينة فيجمع بين أمرين: العجلة وعدم الإكمال، والشغل عن الإقبال على ربه وعلى صلاته، ولذلك فإنه ﵊ أمر المسلم إذا أقيمت الصلاة وحضرته حاجته أن يبدأ بقضاء الحاجة ولو فاتت صلاة الجماعة.
وقد طبق ذلك عبد الله بن الأرقم ﵁، فإنه قد ورد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عروة: أن عبد الله بن الأرقم كان يؤم أصحابه فحضرت الصلاة يوماً فذهب إلى حاجته ثم رجع، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة).
فلأجل أن يتفرغ للصلاة ويخلو بالإقبال عليها أمر بذلك.
وينبغي أيضاً: الإشارة إلى أن الحاجة أنواع ومراتب فهناك شيءٌ خفيف لا يشغل عن الصلاة ولا يعجله عنها فإذا حصل ذلك وصلى جازت صلاته، وإن وجد من ذلك ما يشغله ويعجله حتى ولو كان داخل الصلاة فإنه ينصرف سواءً كان إماماً أو مأموماً لكي يتفرغ ولا يصلي بدون خشوع فإن لم ينصرف وتمادى في صلاته وبه من الحقن -محتقن ومحصور- ما يعجله ويشغله فقد قال مالك ﵀: أحب إليَّ أن يعيد في الوقت وبعده.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن فعل فبئس ما صنع ولا إعادة عليه.
إذاًَ: لو صلى وهو حاقن فما حكم صلاته؟
الجواب
إذا لم يخل بركن الطمأنينة فصلاته صحيحة مع الكراهة وينقص من أجره لمخالفته للحديث، وأما إذا كانت الحاجة التي حضرته شديدة جداً بحيث صار يستعجل في الصلاة جداً فإنه عند ذلك تبطل صلاته؛ لأنه فقد شرط الطمأنينة، وقد جاء عن مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: [لا يصلين وهو ضامٌ بين وركيه].
وهذه الصلاة المقصود بها الصلاة في حال الحقن الذي يبلغ المصلي أن يضم وركيه من شدة حقنه؛ هذا معنى كلام عمر.
الخلاصة: أن ما يجده الإنسان على ثلاثة أضرب: أن يكون خفيفاً؛ فهذا يصلي به ولا يقطع.
والثاني: أن يكون ضاماً بين وركيه؛ فهذا يقطع فإن تمادى صحت صلاته ويستحب له الإعادة في الوقت على قول بعض العلماء كـ مالك ﵀.
والثالث: أن يشغله ويعجله عن استيفائها بحيث يفقد الطمأنينة؛ فهذا صلاته باطلة، ويجب عليه أن يقطع وجوباً.
стр. 420
جواز خروج المعتكف لقضاء الحاجة
ومن الأحكام المتعلقة بقضاء الحاجة أيضاً: أنه يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لأجل الحاجة؛ لأن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يخرج إليَّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان).
стр. 421
عدم التضييق على الناس في أماكن نزولهم
ومن الآداب لقضاء الحاجة: عدم التضييق على الناس في مواضع نزولهم، جاء في ذلك قصة عن سهل بن معاذ قال: غزوت مع عبد الله بن عبد الملك بن مروان في ولاية عبد الملك الصائفة؛ والصائفة: كانت اسماً للجيش الذي يخرج في الصيف فكان بعض الخلفاء ينظم الصوائف والشواتي، يعني: فرق الجيش التي تخرج في الصيف والشتاء.
قال: فنزلنا على حصن سنان فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق.
فأكمل القصة في نهيهم عن ذلك، فكل من نزل بموضع فهو أحق به، كما جاء في حديث: (منى مناخ من سبق).
ولما نقول: أحق به، يعني: أحق به وبما حوله بحيث يبقى له مربط فرسه، ومكان طبخه، وموضع قضاء حاجته، فلو جاء واحد ونزل مثلاً على البحر هل يجوز للإنسان أن يأتي وينزل بجانبه مباشرة بحيث لا يبقى مكان له لطهيه ولا قضاء حاجته؟
الجواب
هذا إيذاء، ولذلك إذا رأيت ناساً نازلين أو عائلة أو نحو ذلك فلا يأت وتنزل بجانبهم مباشرة.
ومعنى: تضييق المنزل الوارد في الحديث: أن ينزل بالقرب من نزول أخيه المسلم فيضيق عليه في المرافق أو الأشياء التي يحتاج إليها في ذلك المكان، ويكون هذا المكان كالحريم؛ والحريم هو: المكان الذي له حرمة حول الشخص إذا نزل، ومعنى: قطعوا الطريق: النزول على الممر على وجه يتأذى به المارة، فبعض الناس -حتى في الحج- ينزل على الطريق فيسده حتى يتأذى المارة، فهناك نزول على الطريق لا يؤذي المارة، وهناك نزول على الطريق يؤذي المارة فإذا كان الطريق واسعاً فقد يكون النزول على جانبه لا يؤذي المارة، لكن إذا كان الطريق ضيقاً فإنه لو نزل على الطريق فإنه يؤذي المارة فلا يجوز ذلك.
стр. 422
ترك الاستئذان لقضاء الحاجة في البيوت الخربة
ومن آداب قضاء الحاجة: عدم وجوب الاستئذان لقضاء الحاجة في البيوت الخربة، وقد تقدم معنا في آداب الاستئذان: أن البيوت منها ما تكون مسكونة -لها ساكن- ومنها ما لا يكون لها ساكن، ومنها الخرابات التي تقضى فيها الحاجات كالبول والغائط، فهذا ليس على الإنسان جناح أن يدخلها دون استئذان، قد يريد الإنسان خارج البلد قضاء حاجة فيأتي إلى مكان مهدم يريد أن يستتر به لقضاء الحاجة، فلا يلزم هناك استئذان حيث أنه لا أحد حتى يستأذنه، وليس هذا مكاناً يجب الاستئذان عند دخوله.
وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] معنى: متاع لكم ليس المقصود بالضرورة أن يكون لك عفش فيها، قال: منفعة لكم بدفع الحر أو البرد أو قضاء الحاجة من بول أو غائط كما أورد ذلك صاحب بدائع الصنائع الكاساني الحنفي ﵀.
стр. 423
ترك الوسوسة
ومن آداب قضاء الحاجة كذلك كما تقدم: عدم الوسوسة، ويدخل في ذلك إيجاب أشياء لم تجب في الشرع كالاستنجاء من خروج الريح، فإن بعض العامة يعتقد أنه لا بد من الاستنجاء عند خروج الريح، وليس على من نام أو خرجت منه ريح الاستنجاء، وليس في هذا خلاف.
قال ابن قدامة ﵀ في المغني: قال أبو عبد الله: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، إنما عليه الوضوء.
وإيجاب ما لا يجب حرام، وكذلك فإن الريح لا جرم لها يعلق، فلماذا يستنجي؟ تنبيه: أورد بعضهم في آداب قضاء الحاجة: عدم استقبال النيرين: الشمس والقمر، واستدلوا على ذلك بحديث، وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وربما كان فيه أنها تلعنه إذا استقبلها -الشمس أو القمر- وهذا ضعيف بل باطل، ولذلك لا حرج في استقبال الشمس أو القمر، فإذا انضاف إلى ذلك ما قاله بعضهم في الكواكب فأين يذهب الإنسان في قضاء الحاجة؟ إذاً القبلة لا استدبار ولا استقبال، والشمس لا، والقمر لا، والكواكب لا.
إذاً هذا يحتاج إلى أن يدخل نفقاً أو يخرج من هذه الأرض، فهذا كله من التكلف، ومن الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة أو الموضوعة.
стр. 424
بلُّ اليد قبل غسل النجاسة
ومن آداب قضاء الحاجة: بلُّ اليد قبل غسل النجاسة؛ وهذه ذكروها في الآداب بالتجربة؛ لأنها إذا باشرت النجاسة وهي يابسة تعلقت بها النجاسة وصارت الرائحة في اليد قوية، فإذا غسل يده أولاً ثم غسل النجاسة وقعت النجاسة على شيءٍ مبتل فلا تنتقل إليها الرائحة كانتقالها إلى اليد اليابسة.
стр. 425
غسل اليدين بعد الاستنجاء بتراب ونحوه
وكذلك من الآداب: غسل اليد بعد الاستنجاء بتراب أو رمل أو نحوه مما يقلع الرائحة كالصابون، وإذا كان في البر واستنجى من خروج الغائط مثلاً غسل يده بعد الماء بترابٍ ونحوه.
следующие страницы →