← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35111

سلسلة الآداب - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (576 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عدم التضييق على الناس في أماكن نزولهم ومن الآداب لقضاء الحاجة: عدم التضييق على الناس في مواضع نزولهم، جاء في ذلك قصة عن سهل بن معاذ قال: غزوت مع عبد الله بن عبد الملك بن مروان في ولاية عبد الملك الصائفة؛ والصائفة: كانت اسماً للجيش الذي يخرج في الصيف فكان بعض الخلفاء ينظم الصوائف والشواتي، يعني: فرق الجيش التي تخرج في الصيف والشتاء. قال: فنزلنا على حصن سنان فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق. فأكمل القصة في نهيهم عن ذلك، فكل من نزل بموضع فهو أحق به، كما جاء في حديث: (منى مناخ من سبق). ولما نقول: أحق به، يعني: أحق به وبما حوله بحيث يبقى له مربط فرسه، ومكان طبخه، وموضع قضاء حاجته، فلو جاء واحد ونزل مثلاً على البحر هل يجوز للإنسان أن يأتي وينزل بجانبه مباشرة بحيث لا يبقى مكان له لطهيه ولا قضاء حاجته؟ الجواب هذا إيذاء، ولذلك إذا رأيت ناساً نازلين أو عائلة أو نحو ذلك فلا يأت وتنزل بجانبهم مباشرة. ومعنى: تضييق المنزل الوارد في الحديث: أن ينزل بالقرب من نزول أخيه المسلم فيضيق عليه في المرافق أو الأشياء التي يحتاج إليها في ذلك المكان، ويكون هذا المكان كالحريم؛ والحريم هو: المكان الذي له حرمة حول الشخص إذا نزل، ومعنى: قطعوا الطريق: النزول على الممر على وجه يتأذى به المارة، فبعض الناس -حتى في الحج- ينزل على الطريق فيسده حتى يتأذى المارة، فهناك نزول على الطريق لا يؤذي المارة، وهناك نزول على الطريق يؤذي المارة فإذا كان الطريق واسعاً فقد يكون النزول على جانبه لا يؤذي المارة، لكن إذا كان الطريق ضيقاً فإنه لو نزل على الطريق فإنه يؤذي المارة فلا يجوز ذلك.

стр. 422

ترك الاستئذان لقضاء الحاجة في البيوت الخربة ومن آداب قضاء الحاجة: عدم وجوب الاستئذان لقضاء الحاجة في البيوت الخربة، وقد تقدم معنا في آداب الاستئذان: أن البيوت منها ما تكون مسكونة -لها ساكن- ومنها ما لا يكون لها ساكن، ومنها الخرابات التي تقضى فيها الحاجات كالبول والغائط، فهذا ليس على الإنسان جناح أن يدخلها دون استئذان، قد يريد الإنسان خارج البلد قضاء حاجة فيأتي إلى مكان مهدم يريد أن يستتر به لقضاء الحاجة، فلا يلزم هناك استئذان حيث أنه لا أحد حتى يستأذنه، وليس هذا مكاناً يجب الاستئذان عند دخوله. وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] معنى: متاع لكم ليس المقصود بالضرورة أن يكون لك عفش فيها، قال: منفعة لكم بدفع الحر أو البرد أو قضاء الحاجة من بول أو غائط كما أورد ذلك صاحب بدائع الصنائع الكاساني الحنفي ﵀.

стр. 423

ترك الوسوسة ومن آداب قضاء الحاجة كذلك كما تقدم: عدم الوسوسة، ويدخل في ذلك إيجاب أشياء لم تجب في الشرع كالاستنجاء من خروج الريح، فإن بعض العامة يعتقد أنه لا بد من الاستنجاء عند خروج الريح، وليس على من نام أو خرجت منه ريح الاستنجاء، وليس في هذا خلاف. قال ابن قدامة ﵀ في المغني: قال أبو عبد الله: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، إنما عليه الوضوء. وإيجاب ما لا يجب حرام، وكذلك فإن الريح لا جرم لها يعلق، فلماذا يستنجي؟ تنبيه: أورد بعضهم في آداب قضاء الحاجة: عدم استقبال النيرين: الشمس والقمر، واستدلوا على ذلك بحديث، وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وربما كان فيه أنها تلعنه إذا استقبلها -الشمس أو القمر- وهذا ضعيف بل باطل، ولذلك لا حرج في استقبال الشمس أو القمر، فإذا انضاف إلى ذلك ما قاله بعضهم في الكواكب فأين يذهب الإنسان في قضاء الحاجة؟ إذاً القبلة لا استدبار ولا استقبال، والشمس لا، والقمر لا، والكواكب لا. إذاً هذا يحتاج إلى أن يدخل نفقاً أو يخرج من هذه الأرض، فهذا كله من التكلف، ومن الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة أو الموضوعة.

стр. 424

بلُّ اليد قبل غسل النجاسة ومن آداب قضاء الحاجة: بلُّ اليد قبل غسل النجاسة؛ وهذه ذكروها في الآداب بالتجربة؛ لأنها إذا باشرت النجاسة وهي يابسة تعلقت بها النجاسة وصارت الرائحة في اليد قوية، فإذا غسل يده أولاً ثم غسل النجاسة وقعت النجاسة على شيءٍ مبتل فلا تنتقل إليها الرائحة كانتقالها إلى اليد اليابسة.

стр. 425

غسل اليدين بعد الاستنجاء بتراب ونحوه وكذلك من الآداب: غسل اليد بعد الاستنجاء بتراب أو رمل أو نحوه مما يقلع الرائحة كالصابون، وإذا كان في البر واستنجى من خروج الغائط مثلاً غسل يده بعد الماء بترابٍ ونحوه.

стр. 426

تفريج الفخذين عند البول من آداب قضاء الحاجة: التفريج بين الفخذين عند البول، حتى لا يصيب البول عند خروجه الرِجْل.

стр. 427

الاسترخاء حتى يخرج ما بقي من النجاسة وكذلك من آداب قضاء الحاجة: الاسترخاء قليلاً، والاسترخاء ضد الانكماش والانقباض، قالوا: لأنه أقرب إلى إزالة النجاسة؛ لأن في المحل -يعني: مكان الخروج والمثانة- انقباضات فربما تبقى بقية بعد التبول، فإذا أنهى البول استرخى قليلاً حتى لو بقي شيءٌ فأنه يخرج.

стр. 428

ستر الرأس وتغطيته ذكروا من آداب قضاء الحاجة: ستر الرأس وتغطيته، وأوردوا في ذلك حديثاً عن أبي بكر ﵁ أنه قال: [استحيوا من الله إذا خلوتم، إني لأذهب إلى حاجتي في الخلاء متقنعاً بردائي حياءً من ربي]. فقالوا: إن هذا لأجل كمال الحياء؛ ولأن قضاء الحاجة يكون في ستر ويكون بمكان لا يراه، فمن كمال الأدب أن يفعله ولكن ليس في ذلك وجوب، حتى هذا إن صح عن أبي بكر ﵁ فإنه يحمل على كمال حيائه ﵁، وقالوا: لأن قضاء الحاجة مبني على الستر والمبالغة فيه، حتى إنه يغطي رأسه ولكن ليس في هذا وجوب.

стр. 429

عدم البول في الشقوق والجحور ومن آداب قضاء الحاجة التي ذكرها أهل العلم: عدم البول في الشقوق والجحور؛ أما بالنسبة للبول في الشقوق والجحور فإنهم ذكروا له علتين: إحداهما: حتى لا تخرج عليه الهوام فتؤذيه، فقد يكون فيه عقرب أو حية وما شابه ذلك من هوام الأرض التي تدخل في الجحور؛ فإذا بال في الجحر ربما خرج عليه ما يؤذيه. ما هو الفرق بين الجحر والشق أو السرب؟ السرب والشق يكون بالطول والجحر مستدير. والعلة الثانية: أن الجحور قد تكون من بيوت الجن، وذكروا في ذلك قصة: أن سعد بن عبادة ﵁ لما ذهب إلى الشام في آخر عمره، ذهب ليقضي حاجته فبال في جحر فوجد مخضراً ملقىً ميتاً، وسمع قائلاً يقول: نحن قتلنا سيد الـ أوس سعد بن عباده ورميناه بسهمين فلم نخطي فؤاده ولكن ليس في هذا جزم أن الجحور بيوت الجن، فقد يكون فيها وقد لا يكون فيها، وهذه القصة الله أعلم بثبوتها، ولذلك الإنسان على أية حال لا يتعمد البول في الجحر؛ لأن هناك احتمالاً أن يكون فيه إيذاء لمن فيها بغض النظر عمن فيها. ثانياً: أنه قد يخرج عليه شيء فيؤذيه هو. فإذاً حتى لا يؤذي ولا يؤذى. وقد قال بعضهم كلاماً لطيفاً علل فيه أن الجن يحبون النجاسات، فلماذا لا نبول في الجحر حيث إنهم أصلاً يحبون النجاسات؟ فقال رداً على ذلك: إذا كان الشياطين يحبون النجاسات ويكونون في المراحيض وبيوت الخلاء والحشوش ونحو ذلك، وإذا دخلنا نستعيذ بالله منهم فإنه ليس معنى ذلك أنهم يحبون التلطخ بها، يقول: ألا ترى أنك تحب العسل ولكن لا تحب أن تتلطخ به.

стр. 430

آداب قضاء الحاجة من كتاب المدخل لابن الحاج وختاماً للموضوع: فقد ذكر ابن الحاج ﵀ وهو: محمد بن محمد العبدلي المالكي آداب قضاء الحاجة مجموعة في كتابه: المدخل، جمع فيه نحواً من تسعة وسبعين أدباً، فنحن نمر عليها إن شاء الله، ولكن بعض هذه الآداب قد لا يكون عليها دليل فنتجاوزه. يقول ﵀: فصل: في الاستبراء وكيفية النية فيه، يقول: وقد تقدم على أن الأفعال على قسمين: واجب، ومندوب، وقد ذكر علماؤنا رحمة الله عليهم آداب التصرف في ذلك كله، وهي تنوف على سبعين خصلة يحتاج من قام إلى قضاء حاجته أن يتأدب بها، وهي كلها ماشية على قانون الاتباع: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]: الأولى: الإبعاد حتى لا يرى له شخص ولا يسمع له صوت، فإن القصد من الإبعاد ليس فقط ألا يرى، ولكن أيضاً حتى لا يسمع منه صوت عند قضاء الحاجة، من باب الأدب أيضاً. الثانية: الاستعداد قبل الدخول بيسير من الماء والأحجار؛ لأن بعض الناس لا يستعد، ربما يدخل دورة المياه ثم يكتشف أن الماء مقطوع فيتورط، فإذا دخل الخلاء يتأكد هل يوجد فيه ماء، وإن لم يوجد أدخل معه ماءً أو أدخل معه مناديل للاستجمار. الثالثة: أن يقدم الشمال وأن يؤخر اليمين. الرابعة: إذا خرج فليقدم اليمين أولاً ويؤخر الشمال. الخامسة: أن يتعوذ التعوذ الوارد في ذلك عند الدخول، وهو أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث النجس الرجس من الشيطان الرجيم. السادسة: ألا يستقبل القبلة إذ ذاك. السابعة: ألا يستدبرها إلا في المنازل المبنية، فلا بأس في الاستقبال والاستدبار ما لم يكن في سطح فأجيز وكره، يعني: بعضهم قال: إذا كان المكان مكشوفاً. وقيل: هل هو إكرام للملائكة؟ لكن ما دام أنه ما ثبت فيه شيء فلا داعي لتكليف الإنسان نفسه، وأي فرق بين السطح المكشوف وبين الخلاء والفضاء والصحراء؟ إذا قلنا: لا بد من سطح مكشوف هذا بالنسبة لاستقبال القبلة، يعني: الفرق يظهر بين الصحراء والسطح في قضية الاستقبال، أما في عدم الاستقبال ليس هناك فرق، إذا لم يستقبل سواءً كان في صحراء أو في سطح نفس الشيء، لكن في قضية الاستقبال والاستدبار في البنيان بعضهم كره، يعني: أجاز استقبال جهة الكعبة واستدبارها داخل البنيان، لكن قالوا: ليس في سطح، ثم قالوا: هل هو لأجل القبلة؟ أو لأجل الملائكة؟ الثامنة: ألا يستقبل الشمس والقمر بعورته؛ وهذا ليس بشيء كما تقدم وليس عليه دليل. التاسعة: أن يستتر عند التبرز. العاشرة: أن يتوقى مسالك الطرق. الحادية عشرة: أن يتوقى مهاب الرياح، ونبه إلى نوع من المراحيض كانت موجودة في ذلك الوقت تدخل فيها تيارات الهواء الشديدة جداً بحيث إنه لا يسلم من الرشاش أن يرجع إليه. الثانية عشرة: أن يتوقى ما علا من الأرض؛ لأنه إذا كان في مكان مرتفع كان عرضة لأن يراه الناس. الثالثة عشرة: أن يبالغ في أكثر ما يجد من الأرض انخفاضاً، ومنه سمي الغائط غائطاً، فالغائط في لغة العرب: هو المكان المنخفض من الأرض، فكان أحدهم إذا ذهب إلى قضاء حاجته ذهب للغائط: أي المكان المنخفض من الأرض، ثم كثر استعماله حتى سمي الخارج بالموضع. فقيل: سمي الخارج غائطاً باسم الموضع الذي كان يغشى لأجل قضاء الحاجة والتغوط. الرابعة عشرة: ألا يقعد حتى يلتفت يميناً وشمالاً، وهذا: لأجل أنه قد يكون حوله شيء من الهوام فلا يفاجئ به، فيلتفت يميناً وشمالاً قبل أن يقضي حاجته، فإنه قد يكون هناك شيء يستدعي البعد عن هذا المكان. الخامسة عشرة: ألا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض. السادسة عشرة: إذا قعد لا يلتفت يميناً وشمالاً. السابعة عشرة: ألا يمس ذكره بيمينه. الثامنة عشرة: ألا ينظر إلى عورته؛ وهذا من باب الأدب، لكن ليس محرماً. التاسعة عشرة: ألا ينظر إلى ما يخرج منه إلا لضرورة لا بد منها؛ وهذا شيء تستقذره النفس وتكرهه، فلماذا يأتي بما تستقذره النفس ويشينها؟! العشرون: أن يغطي رأسه، وقد تقدم الكلام عنه. الحادية والعشرون: ترك الكلام بالكلية ذكراً كان أو غيره، ولا بأس أن يستعيذ عند الارتياع، ويجب الكلام إذا اضطر إلى ذلك في أمر يقع مثل: حريق، أو أعمى يقع، أو دابة ينبه غيره عليها، ومشى بها ذلك. الثانية والعشرون: ألا يسلم على أحد ولا يسلم عليه أحد، فإذا سلم عليه أحد فلا يرد عليه.

стр. 431

كيفية قضاء الحاجة الثالثة والعشرون وما بعدها: إقامة عرقوب الرجل اليمنى على صدرها وأن يستوطئ اليسرى، وأن يتوكأ على ركبته اليسرى وذكرنا في هذا حديثاً ضعيفاً لكن قالوا: هو أعون على الخروج أن يتكئ على الرجل اليسرى ويرفع اليمنى قليلاً. وذكر بعضهم: من أجل المعدة، وأن المعدة كالإناء، وهو أنك إذا أرقته على جنب صار أسهل، وعلى أية حال: ربما أن بعضكم يرى في بعض البيوت القديمة، أو الحمامات العربية أنهم يجعلون الجزء الأيسر من المقعد أوطأ قليلاً من الأيمن لأجل هذا المعنى، وهذه كما قلنا قضية تجربة وطب، إذا كان ثبت هذا فيفعله الإنسان من باب أنه أيسر له. السادسة والعشرون: يكره البول من موضع عالٍ إلى أسفل خوفاً من الريح أن ترده عليه. السابعة والعشرون: يكره أن يبول في المواضع المنحدرة إذا كان هو من أسفل؛ لأن بوله يرجع عليه. الثامنة والعشرون: البول قائماً المشهور الجواز وتقدم الكلام عليه. التاسعة والعشرون: يبتدئ بغسل قبله قبل دبره، يعني: عند الاستنجاء وإزالة النجاسة يبدأ بالقبل أولاً لئلا يتطاير عليه شيء من النجاسة عند غسل الدبر؛ لأنه قد يحتاج في غسل الدبر إلى تمرير يده فتحتك بمكان خروج البول فتتنجس اليد، فإذا طهر القبل أولاً ثم حرك يده فإنها تمر على مكان نظيف. وعلى أية حال هذا من الآداب. قال: وأما إذا كان البول يتأخر بخروجه، ويخرج على شكل قطرات أخر غسل القبل. الثلاثون: يغسل يده بالتراب مع الماء عند الفراغ فهو أنظف. الحادية والثلاثون: يستجمر وتراً. الثانية والثلاثون: ألا يستنجي في موضع قضاء الحاجة كما قلنا؛ لأنه إذا قضى الحاجة -الغائط مثلاً- ويريد أن يستنجي في مكانه لربما لامس القذر الذي في الأرض، طبعاً هذا في غير المراحيض والكراسي أو مكان قضاء الحاجة، فإن هذا ثابت لا حاجة أصلاً لأن يذهب إلى اليمين أو الشمال، ولكن إذا قضى حاجته في مثل صحراء أو أرض أو فلاة فليذهب عن هذا المكان قليلاً ويغسل.

стр. 432

سد مكان البول برفق الثالثة والثلاثون: سد مكان خروج البول برفق؛ لأن استعمال الشدة ربما يؤدي إلى سلسل البول، ولذلك ترى بعض الموسوسين يستخدمون وسائل غير مشروعة، مثل: العصر والدلك بشدة والنتر والنحنحة وربما القفز وغير ذلك، والمسألة لا تحتاج إلى هذا، بل سلت برفق إذا خشي أن يكون فيه شيء، وإلا فإنه لا يمسه أصلاً إلا في الغسل باليسرى. الرابعة والثلاثون: تفريج ما بين الفخذين لئلا يتطاير عليه شيء من البول. الخامسة والثلاثون: ألا يعبث بيده. ثم قال: وقراءة الذكر (الحمد لله الذي سوغنيه طيباً وأخرجه عني خبيثاً) وهذا إذا ثبت. أن يجمع بين الأحجار والماء فهو أحسن وأطيب، ويجوز الاقتصار على المناديل وغيرها في الاستجمار ولو كان يوجد ماء، وإذا لم يوجد ماء يجوز الاقتصار على الاستجمار، ويجوز ثلاث مسحات فأكثر بحسب الحاجة وتراً، وإذا كان بالحجارة اختار ثلاثة أحجار، وإذا كان حجراً له ثلاثة أوجه جاز أن يستعمله. قال: إذا أراد أن يستنجي يغسل يده اليسرى قبل أن يباشر النجاسة لئلا تعلق فيها الرائحة. وذكر من الآداب: إذا استنجى بالماء أن يكون الإناء في يده اليمنى ليسكب به الماء ويده اليسرى على المحل يعقبه ويواصل صب الماء. والآن من طبيعة الحال توجد هذه الآلات في المراحيض ودورات المياه فهي بمثابة الإناء الذي يسكب منه. الثانية والأربعون: ألا يتغوط تحت شجرة مثمرة. الثالثة والأربعون: ألا يتغوط في ماء راكد. الرابعة والأربعون: ألا يفعل ذلك على شاطئ النهر، وكما قلنا: على شاطئ البحر والناس يدخلون ويخرجون. الخامسة والأربعون: ألا يفعله تحت ظل حائط، فإن كل هذه من الملاعن. السادسة والأربعون: أن يتجنب البول في كوةٍ من الأرض إذا لاقاها لأجل الإيذاء. السابعة والأربعون: أن يتجنب بيع اليهود. الثامنة والأربعون: أن يتجنب كنائس النصارى سداً للذريعة؛ لئلا يفعلوا ذلك في مساجدنا كما نهينا عن سب الآلهة المدعوة من دون الله لئلا يسبوا الله . ونحن نذكر أن أبرهة قام بغزو الكعبة؛ لأن بعض العرب ذهبوا إلى القليس التي بناها في اليمن ولطخوها بالنجاسات فثارت حفيظته.

стр. 433

كراهية البول في الأواني النفيسة التاسعة والأربعون: يكره البول في الأواني النفيسة للسرف، أما أواني الذهب والفضة فإنه يمنع اتخاذها واستعمالها أصلاً، فكان يوجد بعض الأغنياء أو الملوك وغيرهم الذين يستعملون أواني الذهب والفضة في قضاء الحاجة. الخمسون: يكره البول في مخازن الغلة؛ المخازن التي يخزن فيها القمح والطعام وغير ذلك، قالوا: ولو كانت فارغة؛ لأنه لو أتي بطعام بعده ليوضع في المخزن فربما انتقل إليه شيء من النجاسة الموجودة في الأرض.

стр. 434

عدم إدخال الإصبع في الدبر الحذر من إدخال الإصبع في الدبر، قال: فإنه من فعل شرار الناس، وهذه مسألة أيضاً من الأدب، ذكرها في قضية درجة البطء في خروج الخارج، قال: فرب شخص يحصل له التنظيف عند انقطاع البول عنه، فبمجرد أن ينقطع ولا يخرج شيء يغسل، وآخر لا يحصل له ذلك إلا بعد أن يقوم ويقعد، يعني: ربما يحتاج شخص آخر إلى الاسترخاء ليخرج، وآخر يحتاج أن يقوم ثم يقعد، إذا قام حضره بول إضافي غير الذي خرج منه فيقعد ليخرج ما بقي، قال: وذلك راجع إلى اختلاف أحوال الناس في أمزجتهم ومآكلهم واختلاف الأزمنة عليهم، فليس الشيخ كالشاب؛ لأنه معروف أن كبير السن يسترخي معه المكان فتكثر عنده الحاجة لدخول دورة المياه عدة مرات، أما الشاب فيكون الموضع عندهم مستمسك، وليس من أكل البطيخ كمن أكل الجبن؛ لأن البطيخ يسبب شيئاً من الإسهال، والجبن يسبب شيئاً من الانقباض أو القبض، وليس الحر كالبرد. المهم أنه ذكر اختلاف المآكل والأجواء، واختلاف أسنان الناس، فهذه كلها أسباب في قضية التأخر أو البطء في الخارج، وبالتالي على الإنسان أن ينتظر حتى يغسل كل شيء فيصلي وهو طاهر. وليس معنى هذا أن الإنسان يقعد في دورة المياه ساعات، فإن بعض الناس عندهم وسوسة عجيبة، كما ذكر ابن القيم ﵀ حيث قال: وربما قفز درجات السلم، ينزل على سلم متتابعاً ثم يعود لأجل أن يفرغ ما في جعبته بظنه، وربما احتشى وآذى نفسه، وأدخل أشياء في الداخل، وأنت لست مطالباً في الشريعة بتنظيف ما في الداخل، بل أنت مطالب بتنظيف المخرج فقط، وأصلاً مهما نظفت في الداخل فإن هذا موجود ومستودع داخل الإنسان، فالمطلوب هو تنظيف المخرج فقط، وليس ما بالداخل، فأنت لست مسئولاً عما في الداخل. وبعض الناس يقول: انتظر ربما يخرج شيء، وآفة الموسوسين كلمة: ربما، إني وجدت بالنظر في أحوال الموسوسين أن آفتهم آفة عظيمة فيقول: ربما يمكن خرج شيء، يمكن يخرج شيء بعد قليل، فهذه القضية الدقيقة عند الموسوسين، أنت مكلف بما صار الآن ولست بمكلف بما يمكن أن يحدث، وتعمل لذلك احتياطات وتضيع الأوقات والجماعات والصلاة، وصرح بعضهم أنه يضيع الصلاة عن وقتها كله من بعد الظهر إلى العصر؛ وهذه من المصائب العظيمة، نسأل الله العافية؛ لأن قضية الوسوسة مرض خطير جداً. فالإنسان مكلف بما يخرج، وليس بما يمكن احتمال شعرت إني أشعر. ثم أيضاً: لو أن الإنسان يخرج منه البول متتابعاً ولا يستطيع التحكم في خروجه، فما هو الحكم؟ أنه يغسل ويتوضأ ويخرج وليس بمكلف بما خرج منه بعد ذلك، يتوضأ بعد دخول الوقت ويصلي، وإن وضع شيئاً كمناديل مثلاً أو شيئاً لئلا تنتشر النجاسة فقط. ولو كان يخرج متتابعاً فإنه يخرج ولا يتحكم به إطلاقاً.

стр. 435

عدم كشف العورة أمام الناس قال: إذا قام للاستبراء فلا يخرج بين الناس ويمسك عورته بيده فإن ذلك تشويه ومثلة، قال: ويكره له أن يشتغل بغير ما هو فيه لئلا يتأخر خروج الحدث، والمقصود: الإسراع في الخروج من ذلك المحل بذلك وردت السنة. بعض الناس يطيلون في الحمامات، والآن المراحيض تبنى في البيوت واسعة وعلى أنوار يعني: أصبح مجلساً في الحقيقة، ولذلك بعضهم في قضاء الحاجة يقرءون الجرائد، يجلس على كرسي الحمام يقرأ الجرائد، مع أنه مكان حضور الشياطين ومكان النجاسات، وينبغي على الإنسان أن يخرج منه بأسرع وقت وليس أن يجعله متكأً ومقيلاً ومكاناً للكيف والراحة والاسترخاء والاستمتاع. والآن الحضارة المدنية الحديثة حولت الحمامات إلى أماكن متعة، مع أنها أماكن حضور الشياطين، فيجب أن ينفر الإنسان المسلم من المكث فيها، فيقضي حاجته ويخرج. قال الإمام أبو عبد الله القرشي ﵀: إذا أراد الله بعبد خيراً يسر له الطهارة. هذه -حقيقة- عبارة بليغة، أما إذا أريد به شراً فإن الطهارة تتعقد عنده وتصبح إجراءات صعبة وطويلة حتى تصبح عذاباً، فإن الموسوس يعذب نفسه.

стр. 436

ألا يستجمر بحائط المسجد ولا في حائط مملوك السابعة والخمسون: لا يستجمر بحائط المسجد لحرمته، ولا في حائط مملوك لغيره؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وحتى قال: لا يفعل في حائط نفسه، يعني: الحيطان المبنية من اللبن والطين ومن غيره. أولاً: إذا كان في مسجد أو كان في ملك الغير فلا يجوز، ولو كان له هو فربما نزل عليه المطر أو الماء وصار تحته نجاسة، قالوا: ربما كان في الحائط حيوان فيتأذى به وقد رأيت عياناً -هذا يقوله ابن الحاج ﵀ بعض الناس استجمر في حائط فلسعته عقرب على رأس ذكره، ورأى من ذلك شدة عظيمة.

стр. 437

ألا يستجمر بفحم ونحوه التاسعة والخمسون: لا يستجمر بفحم لأنه يلوث المحل، ولا بعظم لأنه لا ينقي، ويتعلق به حظ الغير، ما هو حظ الغير في العظم؟ زاد إخواننا المؤمنين الجن. ولا بزجاج لأنه لا ينقي وهو مؤذٍ، ولا بروث لأنه لا يثبت عند الدعك ويتفتت، وهو زاد لدواب مؤمني الجن كما ورد في الحديث، وعظم الذبيحة التي ذكر اسم الله عليها زاد لمؤمني الجن، ينقلب في أيديهم لحماً كما أخبر النبي ﷺ .

стр. 438

ألا يستجمر بمائع قال: ولا يستجمر بمائع لأنه يلطخ المحل ويزيده تلويثاً، ولا يستجمر بطعام لحرمته ولا بذهب أو فضة أو زبرجد أو ياقوت لإضاعة المال، ولا بثوب حرير ولا بثوب رفيع يعني: عالي القيمة من غير الحرير؛ لأن ذلك كله سرف، ويستجمر بما عدا ما ذكر، وقد حد علماؤنا رحمة الله عليهم لهذا حداً يجمع كل ما تقدم من آلات الاستجمار ينبغي الاعتناء به، أي: بهذا الضابط، فقالوا: يجوز الاستجمار بكل جامد طاهر منقٍ خلاعٍ للأثر غير مؤذٍ ليس بذي حرمة ولا سرف ولا يتعلق به حق الغير. وهو ضابط جيد.

стр. 439

الاعتبار بما يخرج منه وكيف كان يأكله طيباً وأخيراً: التفكر والاعتبار في قضاء الحاجة بخروج عملية النجاسة، وقد ذكر في ذلك كلاماً نفيساً جداً، قال ﵀: وينبغي له إذا خرج منه خارجٌ أن يعتبر إذ ذاك في الخارج وفي نتنه وقذره فإن نفسه تعاف منه، ويعلم ويتحقق أنه لا بد أن يرجع هو نفسه كذلك، سواء بسواء. كيف يرجع ويتحول الإنسان هو نفسه إلى مخلفات وخارج؟ يكون ذلك إذا أكلته الديدان ورمته من جوفها قذراً منتناً، ويعلم أن ثم قوماً لا ينتنون في قبورهم ولا تتعدى عليهم الأرض ولا يتغيرون؛ وهم الأنبياء، وكذلك أولياء الله والعلماء والشهداء قد يكون لهم شيء من هذه الميزة، وقد تحفظ قصة عن شخص لم يتغير مثلما حصل لوالد جابر، حيث إنه دفن وبعد سنين حفروا قبره فضربت المسحاة أذنه فنفر الدم منها. إذاً: بعض العلماء والأولياء والشهداء قد يحصل لهم من الكرامات ألا تتغير أجسادهم بعد الدفن، ولا تأكله الديدان. قال: فيتفكر في هذا وتكون همته سامية لبلوغ هذه المراتب، قال: وذلك تنبيه من الله لنا حتى يعلم كل واحد منا ما هو صائر إليه ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩] فمن كان له لبٌّ نظر إلى أوله فوجده نطفة، ونظر إلى آخره فوجد أنه تأكله الديدان وترميه، وإلى وسطه -يعني: أوله الحياة وآخره الموت- يجد ما يراه في كل يوم مما يحمل ويخرج منه: يعني: هو حامل النجاسة في بطنه، أوله نطفة وآخره الديدان حيث يصير إليها وتتخلص منه قذراً، وبين ذلك يكون حاملاً للنجاسة وتكون في جوفه. قال: أي نفس تشمخ وتتكبر -وهي بهذه الحال- فهذا الاعتبار. وكذلك ينبغي في قضاء الحاجة: أن يتفكر في الطعام الذي أكله حيث كان طيب المذاق، شهياً للنفوس لا يشترى إلا بالمال بعد التعب، فليتفكر ما يصير إليه هذا المال، وقد سلبت طهارته، وذهب عزه، وصار منتناً قذراً يتحامى عنه، لماذا؟ لأنه اختلط بنا، الطعام لما اختلط بنا أنتن وصار نجساً وقذراً، فنقل عن ابن عطية ﵀ في التفسير حين تكلم عن قول الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:٢٤] ذهب أبي بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد إلى أن المراد إذا صار رجيعاً، فليتفكر الإنسان ويعتبر أن الطعام يتحول إلى ماذا؟ وهكذا عاقبة الدنيا، وقد جاء في الحديث الصحيح: أن الإنسان يعتبر بالدنيا: (إنما ضرب طعام ابن آدم مثلاً للدنيا، فلينظر إليه إن قزحه وملحه فلينظر إلى ما يصير) وأشهى طعام يكون في النهاية جيفة. هكذا الدنيا. قال: ثم إنه لم نجد هذا الطعام وحده؛ الطعام إذا خالطنا صار بعد ذلك قاذورات، بل كل ما نباشره إن لبسنا ثوباً جديداً فعن قليل يتوسخ وعن قليل يتمزق، وإن مسسنا طيباً فعن قليل تذهب رائحته، وهكذا قال: فالمؤمن يعتبر ويأخذ نفسه بالأدب من وجهين: أولاً: الهرب من خلطة من لا ينفعه في دينه؛ لأنه يخاف على نفسه من آثار هذه الخلطة، يقول: الطعام لما اختلط بنا ولامسنا ودخل فينا ماذا صار؟ وكذلك لو خالط قرين السوء الذي يكذب في دينه فيكون أوسخ من هذا. ثانياً: أن يكون إذا خالطه أحد من إخوانه المسلمين ممن ينتفع به في دينه أو ينفعه فليحذر من أن يغير أحداً منهم بسبب خلطته، يعني: يحذر هو أن يتغير من قرين السوء، ويحذر أن يغير غيره، فهذان وجهان عظيمان. نسأل الله أن يرزقنا الأدب والفقه وحسن الخاتمة، وصلى الله على نبينا.

стр. 440

آداب الكلام والمحادثة لقد اعتنت الشريعة الإسلامية بالأدب، فأمرت بحفظ اللسان ولزوم الصمت ولين الكلام، ولخطورة اللسان فقد ركزت الشريعة على آداب الكلام والمحادثة، وألف العلماء المصنفات المستقلة في هذا الباب، وبينوا آداب الحديث والمناقشات والمناظرات العلمية؛ فالإسلام يريد أن يميز المسلم بعقيدته وعبادته وأخلاقه وآدابه ومظهره، ولعلك تجد في هذه المادة ما يغنيك عن قراءة الكتب فإنها عصارتها.

стр. 441

من ضوابط الكلام في الإسلام الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الحمد لله الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وهو سيد البلغاء وإمام الفصحاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً تامين إلى يوم الدين. إخواني: إن موضوع هذه الليلة من الأهمية بمكان، وهو من المواضيع الجميلة التي هي من الأدب، والشريعة جاءت بالأدب، وهذا الدين قد جاء بالأدب، ولا شك أن مواضيع الأدب تزين المسلم، وتحثه على التخلق بالأخلاق الحميدة والفاضلة؛ لأن الإسلام يعتني بالمسلم من جميع الجوانب، ويريد الإسلام أن يميز المسلم بعقيدته وعبادته وأخلاقه وآدابه ومظهره. وهذا الدين لا شك أنه أحسن الأديان وأفضلها وأعلاها، ولا شك أن هذه الشريعة هي خاتمة الشرائع، وأن ما جاء فيها هو أفضل ما جاء إلى أي أمة من الأمم من قبلنا. وموضوع "أدب الكلام والمحادثة" أهميته في نقاط متعددة. فهو يحتاجه المسلم حتى إذا أراد أن يحادث ربه ويتكلم مع الله، وكذلك فهو يحتاجه في الكلام مع أهل العلم، ومع أصحابه وأصدقائه، ومع زوجته، وهو أدب يحتاج إليه في المجالس؛ لأن الناس اجتماعيون بطبعهم، وهم يختلطون ويتلاقون ويجتمعون ويتزاورون، فإذا عدم هذا الأدب -وهو أدب الكلام والمحادثة- صارت اللقاءات مضيعة للأوقات مجلبة للعداوة والشحناء والبغضاء، ليس فيها كبير فائدة، بل ربما انطوت على ضيق وهم وغم بسبب ترك أدب الكلام والمحادثة.

стр. 442

الأصل حفظ اللسان وبادئ ذي بدء فإن الله قد أمرنا بحفظ اللسان، ورسول الله ﷺ قد حذرنا من إطلاق اللسان حتى قال ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار)، وقال ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة) وقال -أيضاً- في الحديث الصحيح ﷺ : (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) أي: يطلق الكلام على عواهنه، دون تبصر ولا انتباه، ولا تقويم للكلمة، ولا بحث ولا نظر، فقد يتكلم بالكلمة لا يتبين فيها، وقد يكون فيها اعتداء على ألوهية الله وربوبيته، أو اعتراض على قضائه وقدره ونحو ذلك، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب؛ ولذلك لما نصح النبي ﷺ معاذاً قال له: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا -وأشار إلى لسانه- قال: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! -وهذا ليس دعاءً عليه؛ لأن النبي ﷺ لا يدعو على أحد من أمته بدعوة لا يستحقها إلا جعلها الله له رحمة وثواباً يوم القيامة- ثكلتك أمك يا معاذ -وهذه من العبارات الدارجة عند العرب والتي لا يقصد النبي ﵊ معناها الحرفي- وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلاَّ حصائد ألسنتهم) فبين النبي ﵊ أن من أعظم أسباب دخول النار حصائد الألسنة. ولذلك جاء كلام السلف في حبس اللسان كثيراً، فمن ذلك قول ابن مسعود ﵁: [ما رأيت أحوج إلى طول سجن من اللسان] وقال الحسن: [اعقل لسانك إلا عن حق تقيمه، أو باطل تدحضه، أو حكمة تنشرها، أو نعمة تذكرها] ولذلك السلف ﵏ ألفوا في فضل الصمت تأليف، مثل ما فعل ابن أبي الدنيا -رحمه الله تعالى- وتكلم العلماء في مساوئ الإكثار من الكلام، والحث على التقليل منه، وأن الإنسان إذا عد كلامه ليوشكن أن يعرف ماذا يسود به من الصحائف -صحائف أعماله.

стр. 443

طيب الكلمة ولين الحديث ومن الأشياء والضوابط الإسلامية في موضوع الكلام بالإضافة إلى التقليل منه ولزوم الصمت -لأن النبي ﷺ كان طويل الصمت- طيب الكلام، قال النبي ﷺ لما وعظ الناس: يأتي العبد يوم القيامة فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة) فحث على الكلمة الطيبة، وأنها من أسباب دخول الجنة. وكذلك لين الكلام، فإنه من الأخلاق الإسلامية، وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) فالشاهد قوله ﷺ : (ألان الكلام).

стр. 444

آداب الكلام والمحادثة وأما بالنسبة لآداب الكلام والمحادثة فإنها كثيرة، فقد جاءت بها الشريعة مما يدل على أهمية هذا الموضوع، وعلى خطورته، وأنه معتنىً به في الشريعة غاية الاعتناء، ومكمل غاية التكميل.

стр. 445

خفض الصوت فمن أدب الكلام والمحادثة: خفض الصوت، قال الله تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] فلا شك أن رفع الصوت مزعج للسامع، ومثير لأعصابه، وهو ينبئ عن قلة الأدب، إلا إذا دعت الحاجة إلى رفع الصوت كالخطيب الذي يخطب للناس؛ فإن النبي ﵊ كان إذا خطب علا صوته واحمر وجهه؛ كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. كذلك إذا خاف ألا يسمع أحد تحذيراً مهماً أو علماً مهماً؛ فإنه يرفع صوته، كما رفع صوته ﷺ لما تفرقوا وكانوا يتوضئون، وبعض الناس لم يهتم بغسل عقبيه، رفع صوته ﷺ فقال: (ويل للأعقاب من النار) فيتبين أن رفع الصوت للحاجة مهم في بعض الأحيان ويكون مطلوباً، لكن غالباً في المحادثة مع الناس في المجالس كالأحاديث الفردية والثنائية والجماعية لا بد أن تكون بصوت منخفض.

стр. 446

البعد عن الثرثرة والتشدق وكذلك ينبغي أن يكون المتكلم بعيداً عن الثرثرة والتشدق وتكلف الفصاحة، فقد قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن جابر: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله! ما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح -أيضاً-: (سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام، فأولئك شرار أمتي) وقال -أيضاً- في الحديث الصحيح: (سيكون قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر من الأرض)، وجاء وصفهم -أيضاً- بهذه الصفة القبيحة في الحديث الصحيح الآخر: (إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها) الباقرة: أي: البقرة، ومعنى هذا أنه يتشدق بالكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً، وهذا فيه تنبيه على التكلف والتنطع وتكلف الفصاحة، وهو نوع من التقعر، وهو أيضاً من الثرثرة، وكناية عن التباهي والاستطالة، فالألفاظ عند هذا الرجل في المرتبة الأولى والمعاني بعد ذلك، فهو لا يحسب حساب المعنى، وهو -أيضاً- يتكلف لك ويلوي لسانه لياً كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً، فإذاً لا بد من ترك التكلف وأخذ الأمور بالطبيعة والسجية مع انتقاء الكلمات وجودة المعنى.

стр. 447

الإنصات للمتكلم ومن آداب الكلام: الإنصات، وخصوصاً عندما يكون الشخص الآخر يقرأ كلام الله، فقد قال الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] ومن الأشياء والمواضع التي يتأكد الإنصات فيها إذا تكلم أهل العلم، وعلى رأسهم -لا شك- النبي ﷺ ؛ ولذلك الصحابة بأدبهم مع النبي ﵊ في الإنصات لقوله؛ عظمت مكانة النبي ﵊ في نفوس الكفرة؛ نتيجة التطبيق العملي للإنصات.

стр. 448

الإخلاص في الكلام ومن آداب الكلام: أن الإنسان لا يتكلم إلا إذا كانت الكلمة يراد بها وجه الله؛ لأنه قد يتكلم إظهاراً لعلمه، أو معرفته أو فصاحته وبيانه، أو استئثاراً بالمجلس، أو ترفعاً عن الخلق، أو إيذاءً للآخرين، أو حباً للظهور وترأساً للمجلس هذه من بواعث الكلام، فينبغي أن يكون الباعث لله، لا يتكلم إلا بما يرضي الله؛ ولذلك الإنسان المسلم يترك الكلام إذا فكر أن في تركه إرضاءً لله، وأن الإخلاص ألا يتكلم، وإذا دعته نفسه للكلام لهوى فليصمت، وإذا دعته للصمت لهوى فليتكلم. ولا يجوز له مع ذلك أن يسكت عن تعليم جاهل أو تنبيه غافل، أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، فهو لا يزال يمشي بين تلك الضوابط. ومن الأدلة والأمثلة الجميلة على أن الإنسان قد يريد أن يتكلم أحياناً، لكنه إذا فكر وعرف أن مصلحة الكلام أقل وأن مفسدة الكلام أكبر فيترك الكلام، هذا الحديث الذي رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: [لما تولى معاوية ﵁ وعن بقية الصحابة أجمعين- الأمر خطب فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ -يقصد عبد الله بن عمر الذي كان موجوداً في المكان- قال عبد الله: فحللت حبوتي -وكان ابن عمر محتبياً- وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام. -أي: أن ابن عمر يريد أن يقول: أحق بهذا منك من كان من المهاجرين والأنصار الذين قاتلوك أنت وأباك؛ لأن معاوية من متأخري الإسلام ﵃ أجمعين- فهمَّ ابن عمر أن يتكلم وأن يقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، قال ابن عمر: فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك -أي: يفهم مني غير ما أقصد، وربما يفهم أن له مطمعاً في الملك- قال ابن عمر -وهذا الشاهد-: فذكرت ما أعد الله في الجنان من أجر كظم الغيظ والسكوت عندما تقتضي المصلحة السكوت من الكلام، قال حبيب: حُفظت وعُصمت يا بن عمر]. فهذا دليل على أن الإنسان قد يريد أن يتكلم ويستفز لكن يسكت؛ لأن المصلحة في السكوت، أي: المصلحة الشرعية وهي مصلحة الدين واجتماع المسلمين ونحو ذلك.

стр. 449

مخاطبة الناس على قدر عقولهم ومن آداب الكلام: أن الإنسان إذا كلم قوماً فإنه يبتغي درجة من الكلام تبلغها عقولهم ويفهمونها، ولا يخاطبهم بالصعب الذي لا يدركون معناه، ولا بغريب الكلام الذي لا يفهمونه، وحتى إذا انتقى أشياء من العلم ينتقي الأشياء الأساسية الواضحة السهلة التي تتقبل، ويترك الأشياء التي قد ينفر منها الناس لغرابتها عندهم، مع أنها قد تكون من الدين، لكن إذا أدى عرضها إلى تكذيب الله ورسوله، كما يفعل بعض العامة إذا عُرِض عليه شيء غريب جداً قالوا: هذا ليس حديثاً، ولا يمكن أن يقول النبي ﵊ كلاماً مثل هذا، فيؤدي به إلى تكذيب الله ورسوله؛ فعليه أن يجتنبها. ولذلك قال علي -كما روى البخاري تعليقاً-: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟] وهذا شيء يهم الخطباء والدعاة إلى الله .

стр. 450

الترسل والتؤدة في الكلام ومن آداب الكلام: أن يترسل فيه ترسلاً، ويكون في أثناء أدائه على تؤدة وعلى تمهل ليفهم ويحفظ، فقد روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه) لو أن أحداً يعد عند النبي ﵊ لاستطاع أن يعد الكلمات أو المفردات أو الحروف، ويطيق ذلك ويبلغه إلى آخر الحديث، والمراد بقولها ﵂: المبالغة في الترتيل والتفهيم، وأن النبي ﵊ كان يرتل كلامه، وليس المقصود أن يلحنه وإنما يتأنى فيه. قال ابن شهاب: أخبرني عروة عن عائشة أنها قالت: (ألا يعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك وكنت أسبح -أتنفل- فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته -أي: هذا الراوي الذي يروي الأحاديث بسرعة بجانب حجرتي ليحدث الناس، لأن حجرة عائشة كانت بجانب المسجد- لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم) هذا في رواية البخاري ﵀. ومعنى قولها: "لرددت عليه" أي: لأنكرت عليه وبينت له أن الترتيل والترديد والتؤدة والتمهل في الحديث أولى من السرد والإسراع، ومعنى قول عائشة: (لم يكن يسرد الحديث كسردكم) أي: أن النبي ﵊ لم يكن يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع، وفي رواية للإسماعيلي (إنما كان حديث رسول الله ﷺ فصلاً فهماً تفهمه القلوب) أي: شيئاً تفهمه القلوب. وروى أبو داود -رحمه الله تعالى- عن عائشة قالت: (كان كلامه ﷺ كلاماً فصلاً -مفصولاً بين أجزائه وواضحاً- يفهمه كل من سمعه) وعند أبي داود -أيضاً- في الحديث الصحيح: (كان في كلامه ﷺ ترتيل أو ترسيل)، والترتيل: هو التأني والتمهل في تبيين الحروف والكلمات، وهو والترسيل بمعنى واحد. إذاً كان في عرض كلامه ﵊ ترتيل وترسل وتأني، لكنه ليس بطئاً شديداً ينفر السامع؛ لأن بعض الناس عندهم بطء شديد في الحديث؛ بحيث أن السامع ينفر من سماعه.

стр. 451

إعادة الكلام المهم وتكراره ومن آداب الكلام: إعادة الكلام المهم الذي يصعب على بعض الجالسين فهمه من أول وهلة أو لأول مرة، وهذا معنى قول أنس ﵁ في حديث البخاري: (كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه). فإذاً الإعادة لغرض التفهيم، فإذا فهمت لا يحتاج إلى إعادة، وإنما الإعادة للتفهيم. وكذلك فإن الإعادة أقصاها ثلاث مرات، وقد جاء في الشريعة في أشياء كثيرة أن الغاية ثلاث مرات، فالاستئذان ثلاثاً، والطلاق ثلاثاً، وهنا يعيدها ثلاثاً؛ لكي يبلغ بها الغاية. وأما الإعادة الكثيرة أكثر من ثلاث قد تمل؛ ولذلك قالت جارية لـ ابن السماك: ما أحسن كلامك إلا أنك تردده، قال: أردده حتى يفهمه من لم يكن فهمه، قالت: فإلى أن يفهمه من لم يكن فهمه يمله من فهمه -أي: إذا كررت كثيراً حتى يفهم الذي لا يفهم يكون الذي فهم قد مل من الترديد- فالمسألة وسط لا إفراط ولا تفريط.

стр. 452

الإقبال على المتحدث بالوجه وكذلك الإقبال على المتحدث بالوجه، وعند قيام المصلي في الصلاة فإنه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يرفع رأسه إلى السماء؛ لأن الله قبالة وجه العبد في الصلاة، إذا قام المصلي يصلي ينصب الله وجهه لوجه عبده المصلي ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض الله عنه، وكذلك فإن الناس في حال الخطبة يلتفتون بوجوههم إلى الخطيب كما قال الصحابة في وصف حالهم مع النبي ﵊: (إذا خطب التفتوا بوجوههم إليه). وهذا أمر يغفل عنه كثير من الأئمة، كان النبي ﵊ إذا سوى الصفوف أقبل عليهم بوجهه فسوى الصفوف، وأمرهم بتسويتها، فيلتفت إليهم بوجهه، ولا يقول من مكانه: استووا واعتدلوا، وهو لا يعرف هل استووا واعتدلوا أم لا.

стр. 453

الإعراض عن الألفاظ البذيئة وكذلك من آداب الكلام والحديث: الإعراض عن الفحش والألفاظ البذيئة، وهذا معروف، لكن كون البذاءة لا يتلفظ بها الإنسان هذا شيء مفروغ منه، فإن الله يبغض الفاحش البذيء: (ما كان النبي ﵊ فاحشاً ولا متفحشاً) لكن لو أن الإنسان سمع أثناء الكلام فحشاً؛ فإنه يعرض عنه ويشيح بوجهه؛ دلالة على إنكاره للكلمة السيئة أو الشيء الذي يخالف الحياء، فقد روى الإمام البخاري ﵀ عن عائشة: (أن امرأة من الأنصار قالت للنبي ﷺ : كيف أغتسل من المحيض؟ قال: خذي خرصة ممسكة -قطعة من القطن قد وضعت في المسك- فتوضئي ثلاثاً) ثم إن النبي ﷺ استحيا، هل يقول: ضعي هذا في المكان كذا؟ فأعرض بوجهه، قالت عائشة: (فأخذتها فجبذتها فأخبرتها بما يريد النبي ﷺ وهذا يدل على أن الإنسان إذا وصل في الكلام إلى حد فيه شيء يخالف الحياء، فإنه يعرض بوجهه، فهذه امرأة تسأل، ولا يناسب أن النبي ﵊ يفصل لها أكثر من هذا، فتركه لـ عائشة؛ لأن المرأة تتفاهم مع المرأة، والنبي ﷺ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، والله كنى عن الجماع بالمسيس، قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة:٦] انظر إلى الأدب، فالله يعلمنا الأدب ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة:٦] والملامسة هنا الجماع، وليس مجرد اللمس على الصحيح من أقوال العلماء أن الملامسة هنا غير اللمس، أو لامستم: أي: أتى الرجل أهله.

стр. 454

تقديم الأكبر والأفقه في الكلام وكذلك من آداب الكلام: تقديم الأكبر، فإن الناس قد يجتمعون في مجلس أو يأتي وفد يريد الكلام، فالذي يتكلم هو الأكبر إذا كان عارفاً بأصول الكلام فقيهاً، فمن الأدب أن يبدأ الأكبر، وتوقير الكبير من أصول الأدب في الشريعة؛ ولذلك قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الأدب: باب إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال. وهذا قد جاء النص عليه والأمر به والإنكار على من خالفه في الحديث الصحيح، وهو حديث عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود (أنهما أتيا خيبر فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل -أخو القتيل- وحويصة ومحيصة ابنا مسعود، إلى النبي ﵊ فتكلموا في أمر صاحبهم القتيل، فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم فقال له النبي ﷺ : كبر الكبرى، كبر الكبرى. قال يحيى: أي: ليَلِ الكلام الأكبر) فالأكبر هو الذي يتولى الكلام ويبدأ به، فتكلموا في أمر صاحبهم، وفي رواية: (كبر كبر) قال: (فذهب عبد الرحمن يتكلم وكان هو أصغر القوم فقال النبي ﷺ : كبر كبر، وهو أحدث القوم فسكت فتكلما). وكذلك مما يتعلق بهذه النقطة -أيضاً- ترك الكلام للأفقه، فإنه قد تحدث مناسبة تدعو للكلام فيود أحد الناس أن يتكلم، كأن تحدث حادثة تحتاج إلى تعليق، أو تحصل حادثة في المجلس أو في المسجد فيترك التعليق عليها للأفقه؛ لأن كل إنسان يريد أن يعلق، مثلاً: حصلت حادثة ولا بد من تعليق، فيترك للأفقه، مع أن كل الموجودين تدعو حاجتهم -أحياناً- إلى الكلام؛ لأن الأفقه والأعلم عنده مما نور الله به بصيرته ما يستطيع أن يقنع به الناس، ويكون تعليقه أولى من تعليق غيره، وكلامه أحسن من كلام غيره، وإليك الدليل: لما مات النبي ﵊ اختلف الصحابة فيمن يتولى الأمر من بعده، فقال الأنصار: نحن أولى، نحن كتيبة الإسلام، ونحن عماد الجيش الذين نصرنا الله ورسوله، فيكون الأمير والخليفة منا، فأوشكوا أن يبايعوا سعد بن عبادة، فهذه حادثة كبيرة؛ ولذلك قال عمر ﵁ لما تكلم الأنصار وقام خطيبهم فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: [أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط -أي: أنتم الأقلية ونحن الأنصار الأكثرية- وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يختصوا بالأمر من دوننا -وهذا معناه أن الأنصار يريدون أن تكون الخلافة فيهم- قال عمر: فلما سكت خطيب الأنصار أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت مقالة أعجبتني -أي: كنت قد أعددت مقالة في نفسي رصينة في غاية البلاغة والأهمية- أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر -أي: أريد أن ابتدئ قبل أبي بكر وأتكلم بها- وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك -تمهل- قال عمر: فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته -على البديهة- مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فكان من كلام أبي بكر: ما ذكرته فيكم من خير فأنتم له أهل -انظر إلى الحكمة في كلام أبي بكر! - ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها -أي: ما كرهت من كلام أبي بكر غير هذه الكلمة -ووالله لأن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أتأمر على قوم فيهم أبو بكر] فلما ترك الكلام لـ أبي بكر أجاد أحسن من عمر، مع أن عمر يريد أن يتكلم والوضع يدعو للكلام.

стр. 455

تقديم مقدمة للكلام ومن الأمور المهمة في أدب الكلام والحديث والمناقشة: التقديم، فإذا أراد الإنسان أن يتكلم فيقدم بمقدمة تناسب الكلام؛ خصوصاً إذا أراد أن يتكلم بين يدي عالم، أو مفتي يحتاج إلى نوع من التقديم، ليس كالكلام مع الرفيق والصديق، فهذا له أدب آخر ومرتبة أعلى. ومثل هذا ما ورد في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد (أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم. قال: تكلم -أي: أن هذا من الأدب حيث قدم مقدمة واستأذن- قال: إن ابني كان عسيفاً) إلى آخر القصة، وفيها رجم المحصنة التي زنت، وجلد الزاني غير المحصن، وإلغاء كل حكم باطل مخالف لما في الكتاب والسنة.

стр. 456

عدم المقاطعة في الحديث وكذلك من أدب الكلام والحديث: عدم مقاطعة حديث الناس، فإذا دخلت على أناس يتكلمون فلا تقطع حديثهم، فإن قطع الحديث مخالف للأدب، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: [حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم -أي: لا تأت تعظ القوم وتعلمهم وهم يتحدثون بحديث فتقول لهم: اسكتوا، أنصتوا، أو عندي كلام، وعندهم حديث يتحدثون به، ولكن أنصت- ثم قال ابن عباس -وهو يُعلم الوعاظ والدعاة-: فإذا أمروك فحدثهم] أي: إذا قالوا لك: حدثنا أو ذكرنا أو عظنا يا فلان، فحدثهم؛ لأنك إذا حدثتهم بناءً على طلبهم؛ فإن الحديث يكون أشهى لهم، وأكثر موقعاً في نفوسهم من أن تبادئهم أنت وتطلب الإنصات. لكن الإنسان قد يحتاج إلى الإنصات في موضع يكون فيه أناس لا يذكرون الله؛ بل ربما يقعون في معاصٍ، فعند هذا يقوم أحدهم ويقول: يا أيها الإخوة! أنصتوا، عندنا فلان يريد أن يتكلم، أو نريد أن نسمع كلامه بدلاً من الكلام الفارغ، لكن الناس عندهم حديث مشترك قد اجتمعوا عليه، فلا تدخل عليهم فتقطع حديثهم، لكن انتظر، واجلس إليهم، وأنصت، فإذا طلبوا منك الحديث تحدث، فإن الإسلام آداب. [وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك] أي: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب ولا يتكلفون في الدعاء، ولا يأتون بالسجع المكروه المتكلف، الذي يضيع الخشوع في الدعاء، واستنبط منه ابن حجر ﵀-كراهية التحديث عند من لا يقبل عليك، والنهي عن قطع حديث غيره، وأنه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه، وأن يحدث من يشتهي سماعه لأنه أجدر أن ينتفع به.

стр. 457

البدء بالسلام قبل الكلام وكذلك من آداب الكلام: أنك إذا قدمت على أناس ابدأ بالسلام قبل الكلام، وهذا أدب منصوص عليه في الحديث الصحيح، قال النبي ﵊: (من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) حديث حسن، وقال ﷺ : (السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه) تأديباً وتعليماً، فإذا دخل رجل على مجلس وقال: أين فلان؟ من رأى فلاناً؟ فلا تجيبوه، بل علموه أن يسلم أولاً ثم يسأل. وكذلك من الضوابط الشرعية في الحديث: أن الإنسان لا يجوز له أن يكذب، وهذا أمر مفروغ منه، ولكن هنا أمر يفعله بعض الناس: وهو الكذب لإضحاك القوم، فقد قال النبي ﷺ : (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له) أي: يكذب في الحديث من أجل الإضحاك أو التنكيت كما يقولون.

стр. 458

لا يتناجى اثنان دون الثالث وكذلك من آداب الحديث: ألا يتناجى اثنان دون الثالث، وهذا معلوم كما قال النبي ﵊: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس؛ فإن ذلك يحزنه) فالعلة: حتى لا يحزن؛ لأنه قد يظن أنه دون مستوى الكلام، ومعناها احتقاره بطريقة غير مباشرة، أو أن يظن أنكما تتآمران عليه، فاختص الكلام بينكما وتركتماه، فكأنكما تدبران شيئاً ضده، ولأجل ذلك قال: (فإن ذلك يحزنه) فهذا التناجي -إذاً- من الشيطان ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠]. حسناً لو كان في المجلس عشرة فتناجى تسعة دون العاشر أفيكون هذا التناجي محرماً؟ نعم؛ لأنه أشد من تناجي الاثنان دون الثالث. ولو أن هناك ثلاثة في المجلس فتكلم الأول والثاني بلغة لا يتقنها الثالث ولا يعرفها، كأن يكون الثالث لا يحسن الكلام بالإنجليزية، فتكلم الأول والثاني بالإنجليزية بصوت مرتفع فيعتبر هذا تناجياً؛ لأن المفسدة قد حصلت؛ لأنه يجهل اللسان الذي تتحدثان به. ولو صار في المجلس أربعة فتكلم اثنان سراً بينهما، والثالث والرابع صامتين بعيداً عنهما فلا يعتبر هذا تناجياً؛ لأنه يمكن أن يأنس بصاحبه.

стр. 459

حفظ سر المتكلم ومن آداب الحديث والكلام: أن تحفظ سر المتحدث إليك إذا طلب ذلك صراحة، أو صدرت منه إشارة تدل على أنه يريد أن تحفظ سره -طبعاً فيما لا يضر بالمسلمين- كما قال النبي ﵊: (إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة) ومعنى الالتفات هنا أنه يتأكد من عدم سماع أحد من الناس، فهو يتكلم ويلتفت وهذا معناه أنه سر، ولو لم يقل لك: احفظه ولا تخبر به أحداً، فالتفاته وتأكده من خلو المكان يدل على أنها أمانة، قال العلماء: فإفشاء السر خيانة، وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار. لكن إذا كان فيه ضرر على المسلمين فلا بد من إفشائه لأهل الحسبة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكي يغيروا المنكر، ولا يصلح أن يصير هذا سراً له حرمة؛ لأن فيه ضرراً على المسلمين.

стр. 460

عدم هجر المسلم بالكلام وكذلك من آداب الحديث والكلام: أنه لا يجوز هجر المسلم بالكلام فوق ثلاثة أيام، فلا يجوز أن تقاطع أخاً مسلماً من أهل السنة فوق ثلاث؛ بحيث لا تكلمه مطلقاً، فحد الخصومة بين المسلمين ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك لا بد أن تجيبه وتكلمه وتتحدث معه.
следующие страницы →