Полный текст (576 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
عدم المقاطعة في الحديث
وكذلك من أدب الكلام والحديث: عدم مقاطعة حديث الناس، فإذا دخلت على أناس يتكلمون فلا تقطع حديثهم، فإن قطع الحديث مخالف للأدب، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: [حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم -أي: لا تأت تعظ القوم وتعلمهم وهم يتحدثون بحديث فتقول لهم: اسكتوا، أنصتوا، أو عندي كلام، وعندهم حديث يتحدثون به، ولكن أنصت- ثم قال ابن عباس -وهو يُعلم الوعاظ والدعاة-: فإذا أمروك فحدثهم] أي: إذا قالوا لك: حدثنا أو ذكرنا أو عظنا يا فلان، فحدثهم؛ لأنك إذا حدثتهم بناءً على طلبهم؛ فإن الحديث يكون أشهى لهم، وأكثر موقعاً في نفوسهم من أن تبادئهم أنت وتطلب الإنصات.
لكن الإنسان قد يحتاج إلى الإنصات في موضع يكون فيه أناس لا يذكرون الله؛ بل ربما يقعون في معاصٍ، فعند هذا يقوم أحدهم ويقول: يا أيها الإخوة! أنصتوا، عندنا فلان يريد أن يتكلم، أو نريد أن نسمع كلامه بدلاً من الكلام الفارغ، لكن الناس عندهم حديث مشترك قد اجتمعوا عليه، فلا تدخل عليهم فتقطع حديثهم، لكن انتظر، واجلس إليهم، وأنصت، فإذا طلبوا منك الحديث تحدث، فإن الإسلام آداب.
[وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك] أي: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب ولا يتكلفون في الدعاء، ولا يأتون بالسجع المكروه المتكلف، الذي يضيع الخشوع في الدعاء، واستنبط منه ابن حجر ﵀-كراهية التحديث عند من لا يقبل عليك، والنهي عن قطع حديث غيره، وأنه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه، وأن يحدث من يشتهي سماعه لأنه أجدر أن ينتفع به.
стр. 457
البدء بالسلام قبل الكلام
وكذلك من آداب الكلام: أنك إذا قدمت على أناس ابدأ بالسلام قبل الكلام، وهذا أدب منصوص عليه في الحديث الصحيح، قال النبي ﵊: (من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) حديث حسن، وقال ﷺ : (السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه) تأديباً وتعليماً، فإذا دخل رجل على مجلس وقال: أين فلان؟ من رأى فلاناً؟ فلا تجيبوه، بل علموه أن يسلم أولاً ثم يسأل.
وكذلك من الضوابط الشرعية في الحديث: أن الإنسان لا يجوز له أن يكذب، وهذا أمر مفروغ منه، ولكن هنا أمر يفعله بعض الناس: وهو الكذب لإضحاك القوم، فقد قال النبي ﷺ : (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له) أي: يكذب في الحديث من أجل الإضحاك أو التنكيت كما يقولون.
стр. 458
لا يتناجى اثنان دون الثالث
وكذلك من آداب الحديث: ألا يتناجى اثنان دون الثالث، وهذا معلوم كما قال النبي ﵊: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس؛ فإن ذلك يحزنه) فالعلة: حتى لا يحزن؛ لأنه قد يظن أنه دون مستوى الكلام، ومعناها احتقاره بطريقة غير مباشرة، أو أن يظن أنكما تتآمران عليه، فاختص الكلام بينكما وتركتماه، فكأنكما تدبران شيئاً ضده، ولأجل ذلك قال: (فإن ذلك يحزنه) فهذا التناجي -إذاً- من الشيطان ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠].
حسناً لو كان في المجلس عشرة فتناجى تسعة دون العاشر أفيكون هذا التناجي محرماً؟ نعم؛ لأنه أشد من تناجي الاثنان دون الثالث.
ولو أن هناك ثلاثة في المجلس فتكلم الأول والثاني بلغة لا يتقنها الثالث ولا يعرفها، كأن يكون الثالث لا يحسن الكلام بالإنجليزية، فتكلم الأول والثاني بالإنجليزية بصوت مرتفع فيعتبر هذا تناجياً؛ لأن المفسدة قد حصلت؛ لأنه يجهل اللسان الذي تتحدثان به.
ولو صار في المجلس أربعة فتكلم اثنان سراً بينهما، والثالث والرابع صامتين بعيداً عنهما فلا يعتبر هذا تناجياً؛ لأنه يمكن أن يأنس بصاحبه.
стр. 459
حفظ سر المتكلم
ومن آداب الحديث والكلام: أن تحفظ سر المتحدث إليك إذا طلب ذلك صراحة، أو صدرت منه إشارة تدل على أنه يريد أن تحفظ سره -طبعاً فيما لا يضر بالمسلمين- كما قال النبي ﵊: (إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة) ومعنى الالتفات هنا أنه يتأكد من عدم سماع أحد من الناس، فهو يتكلم ويلتفت وهذا معناه أنه سر، ولو لم يقل لك: احفظه ولا تخبر به أحداً، فالتفاته وتأكده من خلو المكان يدل على أنها أمانة، قال العلماء: فإفشاء السر خيانة، وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار.
لكن إذا كان فيه ضرر على المسلمين فلا بد من إفشائه لأهل الحسبة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكي يغيروا المنكر، ولا يصلح أن يصير هذا سراً له حرمة؛ لأن فيه ضرراً على المسلمين.
стр. 460
عدم هجر المسلم بالكلام
وكذلك من آداب الحديث والكلام: أنه لا يجوز هجر المسلم بالكلام فوق ثلاثة أيام، فلا يجوز أن تقاطع أخاً مسلماً من أهل السنة فوق ثلاث؛ بحيث لا تكلمه مطلقاً، فحد الخصومة بين المسلمين ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك لا بد أن تجيبه وتكلمه وتتحدث معه.
стр. 461
التكلم بالعربية ما أمكن
ومن آداب الحديث كذلك: أن يكون باللغة العربية للعرب المسلمين، فالعرب يتكلمون باللغة العربية، وفي هذا الزمان -مع الأسف- أمر قد خولف، وطغى الغزو الثقافي الكافر على عقول المسلمين، وأعجب أبناء المسلمين بالكفرة أيما إعجاب؛ حتى صاروا يتحدثون بلغتهم، ويتفاخر المسلم بحديثه بلغة الكفار لكي يعرِّف بأنه يعرف لغتهم وأنه يجيدها، ويخرج حروفهم على حسب المخارج الموجودة عندهم ويتقنها، ويتكلم الإنجليزية بطلاقة، فهذا صار -الآن- عندنا أمراً شائعاً ومنتشراً مع الأسف.
لا شك أن الله خلق البشر ولهم ألسنة مختلفة، قال الله : ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢]، والله أرسل كل رسول بلسان قومه، ونحن مسلمون نتكلم اللغة العربية، ونبينا ﷺ من العرب، والقرآن كلام الله عربي، فلماذا نتكلم بغير اللغة العربية في أحاديثنا وكلامنا ومناقشاتنا؟ وقد ذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه العظيم اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم كلاماً في هذا الموضوع، وهو الكلام والمحادثة والتحدث بغير العربية، فقال: كره الإمام أحمد أسماء الشهور بالفارسية، قال شيخ الإسلام: ما قاله أحمد له وجهان: أولاً: إذا لم يعرف الاسم، فإنه قد يكون محرماً، كأن يكون الاسم معناه فيه شرك، وأنت تتكلم وتستعمل هذا الاسم، ويمكن أن يكون فيه شرك، وتعبيد لغير الله، مثل بعض أسماء الكفار: عبد المسيح، كأن عبد المسيح مترجمة مثلاً.
والسبب الثاني: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون.
فإذاً اللغة العربية من الأشياء التي تميز هذه الأمة عن بقية الأمم، فلماذا نستخدم لغة غيرنا؟! ثم قال شيخ الإسلام ﵀: وأما الخطاب بالأعجمية من غير حاجة في أسماء الناس والشهور فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب، أي: لو أنك لا تعرف المعنى فلا تتكلم؛ لأنه قد يكون شركاً أو كفراً، ولا تتكلم بلغة غير العربية في شيء لا تعرف معناه لأنه قد يكون شركاً أو كفراً؛ خصوصاً أسماء الأشهر، ولا تستعمل أسماء الكفار.
وقد أخذ -أي: الإمام أحمد ﵀ بحديث عمر ﵁ الذي فيه النهي عن رطانتهم وعن شهود أعيادهم، وقد نهى عمر عن رطانة الأعاجم، فقد استدل بنهي عمر عن الرِطانة -أو الرَطانه- مطلقاً -هذا كلام ابن تيمية - وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجاراً، ولم تزل العرب تسميهم التجار، ثم سماهم رسول الله ﷺ بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة -السمسار: كلمة أعجمية معناها: تاجر- اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمى رجل يعرف بالعربية تاجراً إلا تاجراً، ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالأعجمية؛ وذلك أن اللسان الذي اختاره الله لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد ﷺ .
قال شيخ الإسلام: فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها.
ولذلك -الآن- هناك بعض الناس يسمون بأسماء أعاجم مثل: ميرفت وناريمان وشيرهان وشيرين ونيفين فهذه أسماء أعجمية، وكذلك يسمون بأسماء الكفار: أيسلندا، أوغندا، سوزان، دينا فصاروا يسمون بأسماء الكفار، وقد يكون الاسم معناه قبيحاً وفيه شرك أو كفر ويسمون به! قال شيخ الإسلام: فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطاً لها بالأعجمية.
إذاً فـ الشافعي يكره خلط اللغة العربية باللغة الأعجمية، وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين.
ثم ساق ابن تيمية آثاراً عن الصحابة والتابعين في قضية الكلام بالأعجمية، وقال عمر: [ما تكلم رجل بالفارسية إلا خب -أي: صار مخادعاً غشاشاً- ولا خب إلا نقصت مروءته]، وعن محمد بن سعد بن أبي وقاص: [أنه سمع قوماً يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنفية؟].
ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من الأعجمية.
وبعض الأحاديث فيها كلمات أعجمية (يا أم خالد! هذا سنا)، والسنا في لغة الحبشة: الحسن الجميل، ووردت كلمات حبشية في بعض الأحاديث وهي غير عربية.
قال شيخ الإسلام: وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من الأعجمية أمرها قريب -أي: لو أن الواحد استعمل كلمة أعجمية في كلامه نادراً فهذه أمرها سهل- قال شيخ الإسلام: وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من الأعجمية أمرها قريب، وأكثر من يفعلون ذلك إما لكون المخاطب أعجمياً -أي: إنما ورد عن بعض السلف أنهم استخدموا ألفاظاً أعجمية مع أن الكلام بالأعجمية مكروه ومنهي عنه، وقد تجد في كلام الإمام أحمد ألفاظاً أعجمية أحياناً وذلك لكون المخاطب أعجمياً، فهو يشرح الدين أو الحكم الفقهي لشخص أعجمي، أو قد اعتاد الأعجمية ويريدون تقريب الأفهام عليه وأن يفهموه بسرعة؛ فلذلك قد يستخدمون ألفاظاً أعجمية-.
إذاً تستخدم الألفاظ الأعجمية عند الحاجة، كما إذا كنت تكلم شخصاً أعجمياً، أو أن هذه الكلمة مما لا مقابل لها في العربية؛ لأن الذين اخترعوها سموها هكذا، مثل أسماء الأدوية: اسبرين، بنسلين وقد لا يوجد لها مقابل، وذلك بسببنا نحن؛ لأننا تخاذلنا وتراجعنا، وهذا الذي أدى بنا إلى أن نكون أتباعاً حتى في الأسماء، لكن إذا كان الشيء له اسم مقابل، مثلاً كلمة "باص" هذه كلمة أعجمية، مقابلها: حافلة، والبيجر يمكن يكون مقابلها: المنادي، لكن نحن تأتينا الأشياء والاختراعات بأسمائها، فنأخذها بأسمائها ولا نكلف أنفسنا حتى البحث عن المرادف العربي لهذه الكلمة، ولو عرفناها لصار مهجوراً.
لكن أقول: قد يعذر الإنسان باستخدام كلمات أعجمية إما لتفهيم أعجمي، أو لأن الكلمة ليس لها مقابل بالعربية، وإلا فاللغة العربية تستوعب
وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات
إن اللغة العربية أوسع اللغات، فتجد الشيء الواحد فيها له أكثر من اسم، فالأسد له أكثر من مائة اسم، أما في اللغة الإنجليزية تجد أن الكلمة الواحدة لها عدة معانٍ، وهذا ضعف، فعندما يكون الشيء له أكثر من كلمة فهذا يدل على ثراء اللغة، أما عندما تكون الكلمة الواحدة لها عدة معان، فهذا يدل على الاشتباه ويسبب إرباكاً للسامع.
على أية حال، كما قال النبي ﷺ : (يا أم خالد هذا سنا) باللغة الحبشية.
قال ابن تيمية -لو صار في الاستعمال شيء يسير كان لا بأس به-: أما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله -أن تصبح هذه اللغة الأجنبية الأعجمية شعاراً ولغة لمصر من أمصار المسلمين وتفرض عليه فرضاً فإن هذه مصيبة- أو لأهل الدار -أناس أهل بيت يتكلمون بالأعجمية- أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق -أي: أن أهل السوق كل لغتهم أعجمية- أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه -أي: إذا صار إلى هذا الحد- فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم؛ وهو مكروه كما تقدم، ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية عودوا أهل هذه البلاد العربية -وهذا من فضل الصحابة، فلنعرف حق الصحابة، فالآن اللغة العربية هي لغة أهل الشام ومصر والذين علمهم إياها الصحابة، ونحن الآن نقتل اللغة العربية في بلاد المسلمين بإشاعتنا اللغات الأجنبية واعتمادها- عودوا أهل هذه البلاد العربية؛ حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم.
ثم قال: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب.
كيف تفهم كلام الله؟ فلا يصلح أن تقرأ الفاتحة في الصلاة بالأعجمية -بالإنجليزية- وللعلماء كلام في قضية الإحرام بالأعجمية -أي: التلبية بالأعجمية والتسمية في الذبح بالأعجمية، فيجب حتى على الأعجمي أن يتعلم باسم الله عند الذبح، والتلبية باللغة العربية، وما يقيم به الصلاة باللغة العربية- أما أن يفسر القرآن أو معاني الأحاديث بالكلام العجمي فلا مانع، لكن إذا جاء يذبح لابد أن يقول: باسم الله، ولا يقول إلا هذه الكلمة، والمسألة فيها خلاف وفيها كلام، لكن القضية الآن هي أن العيب الكبير فشو هذه الكلمات بيننا وفي مجالسنا، وألفاظنا الدارجة صار فيها كثير من الكلمات العجمية مثل: هات القلص، وأكلنا جام، وحتى في الشركات وبعض الجامعات ترى شيئاً عجيباً تتقزز منه النفوس، وتصطك منه الأسماع، وهو يعرف المقابل، لكن لا أدري هل هو يريد أن يبين أنه عالم بلغة القوم، أو يرى أن الكلام نصفه بالعربية ونصفه بالإنجليزية يدل على تقدم ورقي وحضارة، مثل: ارجع إلى الكونتركت، انظر كم السلري، والمسألة فيها كونفيوجن لماذا هذا؟ وقد أخبرني أحد الإخوة أنه اتصل إلى غرفة من غرف الطلاب في الجامعة فقلت: أريد فلاناً من الغرفة كذا -هذا طالب عربي وال
стр. 462
من أحكام الكلام وآدابه عند الفقهاء
стр. 463
خفض الصوت في المسجد
وكذلك من أدب الحديث والنقاش: عدم رفع الأصوات خصوصاً في المساجد، فإن بعض الناس لا يأبهون لحرمة المساجد، وكذلك عدم تكليم المبتدع والعاصي المصر وهجره، عكس هجر المسلم، فهجر المسلم حرام وهجر المبتدع والعاصي واجب، كما فعل عبد الله بن المغفل ﵁ عندما رأى رجلاً يخذف -أي: يضع الحصى بين أصبعيه ويرمي- فقال له: (لا تخذف فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف -أو كان يكره الخذف- وقال: إنه لا يصاد به صيد ولا ينكا به عدو، ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف -أو كره الخذف- وأنت تخذف!! لا أكلمك كذا وكذا).
стр. 464
كيفية مخاطبة المصلي أثناء صلاته للحاجة
ومن أحكام الكلام والمحادثة أيضاً: مخاطبة المصلي وهو يصلي، فإذا دعت الحاجة لمخاطبة الإنسان وهو يصلي في الصلاة فإنه يجوز ذلك، لكن أين يقف المتكلم؟ روى الإمام البخاري ﵀ في حديث أم سلمة لما رأت النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر وعندها ضيوف، قالت: (سمعت النبي ﵊ ينهى عنهما -ينهى عن صلاة الركعتين بعد العصر- ثم رأيته يصليهما -فخشيت أم سلمة أن يكون النبي ﵊ نسي، فأرادت أن تذكره- قالت: ثم دخل عليَّ، وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه فقولي له -والنبي ﵊ يصلي-: تقول لك أم سلمة: يا رسول الله! سمعتك تنهى عن هاتين -الركعتين بعد العصر- وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية -ذهبت بجانب النبي ﵊ وقالت: يا رسول الله! تقول لك أم سلمة: يا رسول الله! سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما- فأشار النبي ﵊ بيده فاستأخرت عنه الجارية، فلما انصرف، قال: يا بنت أبي أمية! -يخاطب زوجته ﵊ سألتيني عن الركعتين بعد صلاة العصر، وإنه أتاني أناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان) أي: هاتان قضاء سنة الظهر البعدية، شغله الوفد عنهما فقضاهما بعد العصر، فهو لم يتقصد أن يصلي بعد العصر وإنما كانت قضاءً لسنة الظهر.
إذاً: يجوز مخاطبة المصلي وهو يصلي عند الحاجة، ويقف المتكلم بجانب المصلي حتى لا يشوش عليه، ولو وقف أمامه وتكلم ربما ينظر إليه، ولو وقف وراءه فسوف يتشوش عليه مصدر الكلام، إذاً يقف بجانبه، لأن هذا هو الفقه، وافرض أنك -الآن- تريد أن تغادر بيتك مضطراً، ولا بد أن تخبر إنساناً بكلام فوجدته يصلي وتريد أن تقول له: الحق بي إلى مكان كذا، فبإمكانك أن تترك له ورقة أو مثل هذا، لكن لو خشيت ألا يراها لابد أن تتكلم ثم تمشي، فتقف بجانبه وتقول: الحق بي إلى مكان كذا وتمشي.
قال البخاري ﵀: باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع.
стр. 465
الكلام مع الأهل ومخاطبة الزوجة
ومن آداب الكلام والمحادثة: الكلام مع الأهل، ومخاطبة الزوجة وملاطفتها كما كان النبي ﵊ يفعل في السفر، وهذا من حسن عشرته.
стр. 466
كراهة الحديث بعد العشاء لغير حاجة
كذلك من الآداب: كراهية الحديث بعد العشاء إلا لحاجة مثل: السمر مع الضيف أو مجلس العلم، أما السهرات الموجودة الآن بالبلوت وغيره أو مجالس الغيبة والنميمة فهذه حرام، وقد نهى النبي ﵊ عن الحديث بعد صلاة العشاء.
ونذكر الآن جملة من الآداب بسرعة نلخص بها ما تقدم ونزيد عليه:- قال الماوردي ﵀ في أدب الدنيا والدين عن شروط الحديث وآدابه: الشرط الأول: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه؛ لاجتناب نفع أو دفع ضر.
الشرط الثاني: أن يكون الحديث في موضعه المناسب.
الشرط الثالث: أن يقتصر على قدر الحاجة إليه.
الشرط الرابع: تخير الألفاظ والكلمات المناسبة.
стр. 467
حسن الاستماع وعدم المقاطعة
وكذلك من آداب الحديث: إذا حدث الرجل حديثاً تعرفه فلا تشاركه فيه، كأنك تريد أن يعلم الناس أنك تعلم من ذلك مثل الذي يعلم، فإن أتى يسرد القصة فدعه يسرد ولو كنت تعرفها، لا تقاطعه وتضيف وتتكلم وتدخل عليه، فهو الآن يتكلم، وأنت تعرف القصة فاسمع، قد كان بعض السلف يسمعون الحديث من شخص وقد سمعه من شيخ قبله بعشرات السنين لكن من باب التواضع كان يسكت.
وإذا كنت في قوم ليسوا ببلغاء ولا بفصحاء فدع التطاول عليهم بالبلاغة والفصاحة، وإذا كنت في جماعة أو قوم فلا تذكر جيلاً من الناس أو أمة من الأمم بشتم ولا ذم؛ فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك فينسب إليك السفه، فإذا جلست في مجلس فلا تقل مثلاً: كل أهل الهند كذا، وكل أهل الشام كذا، وكل أهل مصر كذا، ولا يوجد مصري إلا كذا، ولا يمني إلا كذا، ولا أحد من الجنوب إلا كذا، ولا من الشمال إلا كذا، فهذا التعميم فيه ظلم.
ثانياً: ممكن أن يكون في المجلس -وأنت لست منتبهاً- أحدٌ من تلك البلد التي قد ذممت أهلها، فتكون عنده سفيهاً.
стр. 468
آداب أخرى ونصائح توجيهية في آداب الحديث
ولا تذم اسماً من أسماء الرجال أو النساء إلا ما ذمه الشرع بأن تقول: هذا قبيح من الأسماء، لعل ذلك غير موافق لبعض جلسائك، ولعله يكون بعض أسماء قومه وأهله، ولا تستصغرن من هذا شيئاً، فكل ذلك يجرح النفس، وجرح اللسان أشد من جرح اليد.
ومن الآداب: لا تتحدث عن نفسك إلا لحاجة، ولا عن أولادك ولا أموالك ولا عن الدعوات التي تلقيتها ورفضتها إلخ؛ لأن هذا ليس من التواضع.
وكذلك إظهار الاهتمام بمن تحدثه، فأصغ إليه، وأعره انتباهك، وأعطه إحساساً بأن له قيمة ووزناً، وفي موضع الجدال والمناقشة كن واسع الصدر، ولا تستأثر بالكلام وامنح الفرصة للآخرين للكلام؛ لأن بعض الناس لا يتركون فرصة للناس في المجلس بل يستأثرون به، وهذا من الكبر.
ووزع النظرات على من تحدثهم، وتخلل الحديث بفترات إصغاء إلى الآخرين تعينك على ترتيب أفكارك؛ لأن الذي يعين على ترتيب الأفكار هو الصمت وليس الكلام، فإن الله خلق لك أذنين اثنتين ولساناً واحداً ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به، وجعل الله لكل شيء بابين وجعل للسان أربعة أبواب، وهي الشفتين والأسنان؛ لكي ينحبس اللسان، ومع ذلك أسرع شيء يخرج من السجن هو هذا
وزن الكلام إذا نطقت فإنما يبدي عيوب ذوي العيوب المنطق
وعدم خلط الجد بالهزل، والتفكير في أنسب العبارات وأحسن الألفاظ، ومراعاة مخارج الحروف والألفاظ دون تكلف وتخلل كالبقر، وعدم الإسراف في المدح والذم.
وليكن صوتك هادئاً مسموعاً بوضوح دون ارتفاع أو صياح، ويحسن ألاَّ يكون على وتيرة واحدة فيمل السامع، وعدم التعالي والأستاذية، وكثيراً ما يكون الحديث طريفاً في موضوعه ومقبولاً، ولكن الإطالة وكثرة الثرثرة فيه تضعفه.
والمحادثة شيء والخطابة شيء آخر، فلا يصلح أن يتحول الحديث إلى خطبة دون داع.
والمناقشة الهادئة من أمتع أنواع الحديث طالما تحلى الطرفان بالأدب الإسلامي، ولهذا تفصيل سيأتي.
وإياك والحديث في موضوع لا تتقنه.
وتجنب الغمزات واللمزات، وإخراج اللسان أثناء الحديث والشهيق والتأفف.
وكثير من الناس يتأثرون باللهجة أكثر مما يتأثرون بالمدلول الحرفي للألفاظ، فاحرص على صدق اللهجة.
وعدم الإسراع في الحديث فتأكل نصف الألفاظ، وتترك الجمل للسامع دون إكمال، فإن هذا مذموم.
وعدم الإبطاء الشديد المسبب للملل كأنك إنما تعطيهم بالقطارة، وبعض الذين يبحثون في هذه المسائل يقولون: إن حدود السرعة الطبيعية في الكلام مائة وعشرين كلمة في الدقيقة، فكم سيئة علينا ونحن نتكلم كذا وكذا كلمة في الساعات؟! وإياك والكلام أثناء الغضب؛ فإن الغضبان تنهال عباراته في سرعة تدمر بعض المقاطع مما يعصف بوضوح الكلام، ويثير المستمع.
وسجل صوتك مرة لتعلم خطأك من صوابك؛ فتدرك كم سجل الملك عليك في صحيفتك.
وإذا لاحظت أن مستمعيك يستعيدونك بعض العبارات، فمعنى ذلك: أن صوتك أو مخارج الحروف أو درجة الكلام ومستواه غير مناسب.
وإذا كانوا يقاطعون حديثك؛ فاعلم أن كلامك ممل.
وحاول أن تقرأ بصوت مرتفع لتتدرب على الحديث والكلام، وأنت تقرأ لوحدك.
وليس أفسد لأجواء الاجتماعات من انقسام الناس أزواجاً يتحدث كل اثنين مع بعضهما، فيقل الانتفاع بدلاً من توحيد المجلس على مستمع واحد، ويدور الكلام بينهم.
ولكل مناسبة حديثها المناسب، فكلام الدرس غير كلام الزيارة أو الطعام أو الزوجين وهكذا.
والتمهيد لذكر الموضوعات المحرجة بكلمة مثل كلمة: لا مؤاخذة مثلاً.
وإعطاء الحاضرين قدرهم وإشعارهم بقيمتهم عندك، مثل قولك: كما تفضل فلان، أو مثلما ذكر الأخ فلان، أو إضافة إلى ما ذكر أخي فلان، وهذه نقطة جيدة، أو هذه إضافة بسيطة على ما ذكر، ونحو ذلك.
وحذار من الإطراء الزائد، فإنك إذا أطريت فقد خالفت السنة في المدح أولاً، وثانياً: تبين أنك منافق وكذاب، فإذا قال أحد كلمة، قلت: هذه فائدة عظيمة وكبيرة وهائلة وجميلة وذات وزن ولا مثيل لها!! أو أن يقال كما يحدث في بعض المجالس من النفاق: أنت رأس المال في هذه البلد، ونحن أيتام من غيرك! التخطئة في الحديث لها آداب: كما يقول إنسان مثلاً: اسمح لي أن أعلق على شيء، أو من منا لا يخطئ لكن هنا حصل خطأ، وإن كان تعليقي خطأ فأرجو أن تصحح لي، وإذا كان فهمي لكلامك غير ما تقصد فأرجو التوضيح منك ونحو ذلك، فالتخطئة للآخرين لها آداب.
وكثيرون يبدءون بداية جيدة، ثم يسيئون كثيراً، فيقول: اسمح لي، أو مع تقديري واحترامي لك، أو يا عزيزي، ثم ينزل عليه بكلام شديد جداً.
وكذلك نحرص على التلميح بدلاً من المواجهة ما أمكن، ونتجنب الكلمات النابية والألفاظ السوقية.
الإصغاء والاستماع للآخرين، وهذا فن بحد ذاته، سئل أحد الأطباء الناجحين عن أهم أسباب نجاحه فقال: الإصغاء والاستماع؛ فإن كثيراً من المرضى يأتون إليَّ لا لكونهم مرضى حقيقة، ولكن لأنهم يريدون مستمعاً يصغي إلى شكواهم وتضايقاتهم النفسية؛ ولذلك تجد بعض الإخوة الجيدين إذا جاء أحدٌ يتكلم في مجلس يأخذ ورقة وينصت، ويسجل الكلمات المهمة التي تستفاد أو تحتاج إلى تعقيب مثلاً.
ونحن نسمع ولا ننصت، وهناك فرق بين الاستماع والإنصات، فالإنصات حضور القلب، أما السماع فهو وصول الصوت إلى الأذن؛ ولذلك نحن -أحياناً- نعيد ما قاله الآخرون في المجلس نفسه مرة أخرى ونكرره، وهذا التكرار نتيجةً لعدم الانتباه والإنصات، ولو قلنا الآن: يا أيها الإخوة! أعيدوا لنا هذه النقاط، فتجد بعض الناس يعيدون الجملة التي قالها شخص، لأنه لم يكن منتبهاً ولا منصتاً لما تكلم الآخر، وهو يتذكر ويفكر في شيء، لكنه لا ينصت إلى كلام غيره؛ ولذلك يتذكر الفائدة فيقولها وغيره قد قالها قبل قليل، ولذلك فإن سبب التكرار في المجالس هو عدم الإنصات والانتباه.
وأقبل بوجهك على من تحدثه، والمقاطعة تجرح شعور محدثك، فإذا أردت أن يستمع إليك الآخرون، فأحسن الإنصات إليهم.
ولا تتكلم وفمك مملوء بالطعام، ولا تسل من فمه مملوء بالطعام؛ لأن فيه إحراجاً له.
وفي المناقشات على المسلم أن يهتم بما يلي:- أولاً: قصد وجه الله تعالى، وإظهار الحق.
ثانياً: التمهل قبل الإجابة على كلام الطرف الآخر.
ثالثاً: عدم الإصرار على الرأي والمعاندة.
رابعاً: ترك المبالغة، ولا بد من الواقعية.
خامساً: ليس المقصود تبيان صوابك، ولكن -أيضاً- حفظ ماء وجه صاحبك.
والمحافظة على كرامته تشجعه بالاعتراف والعدول عن رأيه.
سادساً: أن يكون للمجلس رئيس يشجع الجميع على الاشتراك الفعلي، ويعطي الجميع فرصة للكلام، ويلتزم الحياد، ويمنع المقاطعات، ويفتتح الجلسة بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ويمهد لعرض الموضوع المراد طرحه ومناقشته وعناصر ذلك، ويختتم الجلسة بآراء المؤيدين للفكرة والمعارضين لها، والرأي الراجح.
стр. 469
من آداب المناظرات العلمية
لقد ذكر الشنقيطي -رحمه الله تعالى- آداباً للمناظرات العلمية، فمنها: عدم إطالة الكلام في غير فائدة أو اختصاره اختصاراً يخل بالمقصود.
أن يتجنب غرابة الألفاظ والإجمال، فلا بد من التبيين.
أن يكون كلامهما في ذات الموضوع لا خارجاً عنه.
ألا يستهزئ أحدهما بالآخر ولا يسخر منه.
أن يقصد كل منهما ظهور الحق، ولو على يد خصمه.
ألا يتعرض أحدهما لكلام الآخر حتى يفهم مراده من الكلام.
أن ينتظر كل واحد منهما صاحبه حتى يفرغ من كلامه، ولا يقطع عليه كلامه قبل أن يتمه.
ألا يحتقر خصمه ويقلل من شأنه.
والإيجاز مهم، قال الهيثم بن صالح لابنه: إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، وقال جعفر بن يحيى: إذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار في الكلام عيباً.
واللغو هذا اتركه جانباً، واستبدله بالكلام النافع كما قال الشاعر:
واغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغاً مستنيحاً
وإذا ما هممت بمنطق الباطل فاجعل مكانه تسبيحاً
إن بعض السكوت خير من النطق وإن كنت بالكلام فصيحاً
هذا لـ ابن المبارك ﵀ وشيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ كان إذا تكلم أحد بين يديه بكلام فارغ أو كلام خطأ أو جدال، يقول له الشيخ: سبح سبح -أي: بدلاً من هذا الهراء والكلام الفارغ اشتغل بالتسبيح ينفعك فعله- فلعله أخذه من كلام ابن المبارك:
وإذا ما هممت بمنطق الباطل فاجعل مكانه تسبيحاً
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 470
آداب المزاح
المزاح بضم الميم: كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى، والمزاح مباح، ولكن لا يستحب الإكثار منه؛ لأنه قد يؤدي إلى جرح مشاعر الآخرين أو أذيتهم، ولا تجوز أذية المسلمين، والمزاح له آداب وضوابط ذكرت في هذا الدرس.
وقد وردت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ أنه كان يمازح أهله وأصحابه رضوان الله عليهم.
стр. 471
صور من ممازحة النبي ﷺ لأصحابه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: نشرع في آداب المزاح إن شاء الله تعالى, والمزاح -بضم الميم-: كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى, فإذا بلغ إلى الإيذاء، فهو السخرية.
والمزاح بكسر الميم مصدر, وقد ثبت في سنة النبي ﷺ أنه مزح، وكان يمزح عليه الصلاة السلام, فقد روى الترمذي في كتاب الشمائل المحمدية: باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله ﷺ , عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال له: (يا ذا الأذنين).
قال أبو أسامة الراوي: أي: يمازحه, وليس المقصود السخرية أو الاستهزاء، وإنما ممازحة منه ﷺ ؛ لأن كل إنسان له أذنان, وهو حديث صحيح.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير -وهو أخوه لأمه-: يا أبا عمير! ما فعل النغير).
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: وفِقه هذا الحديث: ١ - أن النبي ﷺ كان يمازح.
٢ - وفيه: أنه كنَّى غلاماً صغيراً فقال له: (يا أبا عمير).
٣ - وفيه: أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به, وإنما قال النبي ﷺ : (يا أبا عمير ما فعل النغير) لأنه كان له نغير -أي: طائر صغير- يلعب به فمات هذا الطائر، فحزن الغلام عليه، فمازحه النبي ﷺ ، وقال: (يا أبا عمير! ما فعل النغير).
هذا الحديث فيه عدة فوائد، حتى قال الشافعي ﵀: إنه أمضى ليلة فاستخرج من هذا الحديث ألف فائدة بتوابعها ومتعلقاتها، وإلا فيصعب أن يستخرج منه بدونها ألفاً, لكن بما يمكن أن يترتب على ما يستخرج منه يكون فيه هذا العدد الكبير من الفوائد.
وهذا الحديث -أيضاً- حديث صحيح, وأبو عمير توفي صغيراً في عهد النبي ﷺ .
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا، قال: (نعم.
غير أني لا أقول إلا حقاً).
وعن أنس بن مالك أن رجلاً استحمل رسول الله ﷺ -أي: سأله دابة ليركبها- فقال رسول الله ﷺ : (إني حاملك على ولد ناقة, فقال: يا رسول الله! ما أصنع بولد الناقة, فقال ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النوق) أي: أن الناقة مهما كبرت فهي بنت ناقة, قد ولدتها أمها من قبل, وهو حديث صحيح.
وعنه أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً , وكان يهدي إلى النبي ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى مسكنه في البادية، وإذا جاء هو من البادية أهدى للنبي ﷺ هدايا, فقال النبي ﷺ : (إن زاهراً باديتنا -أي: نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته- ونحن حاضروه) أي: نحن حاضروا المدينة له, نعطيه ما يستفيد من الحاضرة, وهو يعطينا ما نستفيد من البادية, وكان ﷺ يحبه، وكان رجلاً دميماً ﵁، فهو قبيح الصورة، مليح السريرة، فأتاه النبي ﷺ يوماً وهو يبيع متاعه -كأنه أتى من البادية بشيء يبيعه في المدينة - فأتاه النبي ﷺ يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره, فقال: من هذا؟ أرسلني -اتركني- فالتفت فعرف النبي ﷺ , فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه- أي: يحاول ويجتهد طيلة الوقت أن يلصق ظهره بصدر النبي ﷺ ، لبركته ﵊ وبركة جسده الشريف- فجعل النبي ﷺ يقول: (من يشتري هذا العبد, فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً، فقال النبي ﷺ : لكنك عند الله لست بكاسد) أو قال: (أنت عند الله غالٍ).
وعن الحسن قال: أتت عجوزٌ إلى النبي ﷺ ، فقالت: (يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة, فقال: يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز, قال: فولت تبكي, فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٧]) فجعلناهن عذارى، أعدنا إنشاءهن من جديد حتى تصبح الثيب في الدنيا عذراء يوم القيامة (عرباً) متحببات إلى أزواجهن, (أتراباً) في سن واحدة, وأهل الجنة أعمارهم جميعاً ثلاثة وثلاثين سنة كما جاء في الحديث الصحيح.
إذاً: هذا يثبت أن النبي ﷺ كان يمزح، ولكنه قال: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً) للتأكيد, وفي رواية: (إني وإن داعبتكم، فلا أقول إلا حقاً) وكذلك فإنه ﵊ قال -أيضاً- مبيناً شيئاً مما لا يجوز في المزاح، قال: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً).
وكذلك فإنه ﵊ قد قال في الحديث الصحيح: (أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً).
إذاً: هذه الأحاديث تدل على أنه ﷺ كان يمزح، وهناك ضوابط مذكورة في هذه الأحاديث تدل على مزاحه ﵊, ومشروعية مزاحه ﵊.
стр. 472
قراءة في كتاب المراح في المزاح للغزي
أما بالنسبة لآداب المزاح، فقد ذكر العلماء فيها أشياء كثيرة منهم: الماوردي ﵀ في أدب الدنيا والدين , وللغزي ﵀ كتاب بعنوان: المراح في المزاح , ونقتطف منه أجزاء في هذا الدرس.
قال: "الحمد لله على جميل أفضاله وجزيل بره ونواله, والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد وصحبه وآله, وبعد: فقد سئلت قديماً عن المزاح وما يكره منه وما يباح، فأجبت؛ لأنه مندوب إليه بين الإخوان والأصدقاء والخلان، لما فيه من ترويح القلوب والاستئناس المطلوب، بشرط ألا يكون فيه قذف ولا غيبة ولا انهماك فيه يسقط الحشمة ويقلل الهيبة".
وسنستعرض بعد قليل ما هي الضوابط في المزاح.
المسألة ليست مسألة إقناع الناس أن المزاح أمر شرعي, فالناس -على كل حال- متفلتين في هذا الجانب, الآن القضية قضية ضبط المزاح ضبطاً شرعياً, فذكرنا بعض الضوابط في الأحاديث وسنعيدها مع شيء من التعليق, وأيضاً- سيأتي في كلام صاحب هذه الرسالة المراح للغزي ﵀ وبعض الأشياء الأخرى, قال: "بشرط ألا يكون فيه قذف ولا غيبة ولا انهماكٌ فيه يسقط الحشمة ويقلل الهيبة، ولا فحشٌ يورث الضغينة ويحرك الحقود الكنينة, ثم طلب السائل من بعد مدة بسط الكلام في ذلك وإيضاح الدلائل، فقلت مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه ومفوضاً جميع أموري إليه: قد ورد في ذم المزاح ومدحه أخبار, فحملنا ما ورد في ذمه على ما إذا وصل إلى حد المثابرة والإكثار، فإنه إزاحةٌ عن الحقوق، ومخرجٌ إلى القطيعة والعقوق, يصم المازح، ويضيم الممازح".
بعض العبارات ربما إذا قارن أحد بعض الكتب يجدها منقولة، فمثلاً يقول الماوردي في كتابه: اعلم أن للمزاح إزاحة عن الحقوق ومخرج إلى القطيعة والعقوق, يصم المازح، ويؤذي الممازح, والعبارة تقريباً موجودة, فوصمه المازح: أن يذهب عنه الهيبة والبهاء ويجرئ عليه الغوغاء والسفهاء, ويورث الغل في قلوب الأكابر والنبهاء, وأما إضامة الممازح، فلأنه إذا قوبل بفعل ممضٍ أو قول مستكره وسكت عليه أحزن قلبه، وأشغل فكره -الذي يمزح معه في الغالب أنه تخرج منه المزحة بطريقة استهزاء، فهذا سيسكت على مضر, وربما يجامل ويضحك مع البقية في المجلس لكن في الحقيقة ماذا في قلبه؟ - قال: أو قابل عليه مع صاحبه حشمة وأدباً، وربما كان للعداوة والبغضاء سبباً, فإن الشر إذا فتح لا يستد, وسهم الأذى إذا أرسل لا يرتد, وقد يعرض العرض للهتك، والدماء للسفك, وربما تكون هذه المقاتلة التي ربما تصل إلى سفك الدماء أصلها مزحة, فحق العاقل يتقيه وينزه نفسه عن وصمة مساويه, وعلى ذلك يحمل ما روي عن النبي ﷺ وأتى بها هنا بصيغة التضعيف: (لا تماري أخاك ولا تمازحه) لكن بما أنه لم يثبت فلا نتكلف الجواب عليه, لكن لو ثبت فنقول: ما معنى لا تمازحه وقد مازح النبي ﷺ ؟ فنقول: لا بد أن نحمل النهي عن الممازحة هنا على أمرٍ غير الذي ورد في الممازحة, فنقول: إن الممازحة كانت للدعابة والفكاهة والطرفة والملح، وكان فيها تطييب للنفوس، وتأليف للقلوب, وما ورد فيه النهي عنه إلا إذا كان فيه غيبة أو إيذاء للآخرين أو نحو ذلك.
стр. 473
أقوال عابرة في المزاح
قال عمر بن عبد العزيز: " اتقوا المزاح فإنها حمقة تولد ضغينة ".
وقال: " إن المزاح سباب إلا أن صاحبه يضحك ".
وقيل: إنما سمي مزاحاً لأنه مُزيح عن الحق.
وقال إبراهيم النخعي: المزاح من سخط أو بطر.
وقيل في ميسور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب.
وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته ومن كثر خلافه طابت غيبته.
وقال بعض البلغاء: من قلّ عقله كثر هزله.
وذكر خالد بن صفوان المزاح -وهو من الخطباء المشهورين- فقال: يصك أحد صاحبه بأشد من الجندل، وينشقه أحرق من الخردل, ويفرغ عليه أحرَّ من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحه بعد كل هذا الإيذاء، يقول: إنما كنت أمزح معك.
وقال بعض الحكماء: خير المزاح لا ينال، وشره لا يقال، فنظمها بعض الشعراء، فقال:
شر مزاح المرء لا يقال وخيره يا صاح لا ينال
وقد يقال كثرة المزاح من الفتى تدعو إلى التلاح
إن المزاح بدؤه حلاوة لكنما آخره عداوة
يحقد منه الرجل الشريف ويجترئ بسخفه السخيف
لا تمازح الشريف يحقد ولا الدنيء يجترئ ويفسد
وقال بعضهم: ربما يستفتح المزح مغاليق الحمم، أي: الموت.
وقال بعضهم لولده: اقتصد في مزحك، فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ السفهاء، وإن التقصير فيه يغض عنك المآنسين، ويوحش منك المصاحبين -يجعل بينك وبينهم وحشة- وإما أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم, أي: إذا كان المقصود بالمزاح نفي السآمة التي طرأت، مثلاً: حصل ملل في مجلس العلم، كأن يطول المجلس، فحصل فيه نوعٌ من السآمة، فأورد أحد الحاضرين طرفة قصد بهذه المزحة إزالة السآمة، فهذا أمرٌ محمود، وإما أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم، أو حدث به من همَّ أو غم، فقد قيل: لا بد للمصدور أن ينفس، أي: الذي في صدره شيء لا بد له من تنفيس.
وقال بعض الشعراء:
أروق القلب ببعض الهزل تجاهل مني بغير جهل
أمزح فيه مزح أهل فضل والمزح أحياناً جلاء العقل
وقال أبو الفتح البستي ﵀ وهو صاحب القصيدة المشهورة:
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران
أفض طبعك المكدود بالجد راحةً يجم وعلله بشيءٍ من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
إذاً: فليكن المزاح في الكلام مثل الملح في الطعام, وإذا لم يوجد بالمرة كان الكلام فيه شيء من السآمة, وإذا كثر أفسد، مثلما أن الملح إذا كثر في الطعام أفسده وما عاد مستساغاً، إما أن يكون غير مستساغ أو ممجوج.
стр. 474
مزاحه ﷺ
ومما ورد عنه ﷺ في بعض الأحاديث.
حديث: (صح جسمك يا خوات) وهذا الحديث رواه الحاكم، وفي سنده موسى بن زكريا التستري , قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: موسى بن زكريا التستري الذي يروي عن شباب العصفري ونحوه تكلم فيه الدارقطني , وحكى الحاكم عن الدارقطني أنه متروك، وقال ابن حجر في لسان الميزان عن موسى بن زكريا التستري الذي هو في إسناد (صح جسمك يا خوات) قال: الذي يروي عن شَبَاب العصفري ونحوه تكلم فيه الدارقطني، وحكى الحاكم عن الدارقطني بأنه متروك, وهذه العبارة في ميزان الاعتدال ولسان الميزان لـ ابن حجر.
إذاً: علة هذا السند هو موسى بن زكريا التستري.
ولنأت الآن إلى بعض الأحاديث التي وردت مما أورده المصنف ﵀ وغيره, ونريد معرفة صحة هذه الأحاديث من مزاح النبي ﵊, عن أم أيمن أنها جاءت النبي ﷺ في حاجة لزوجها، فقال لها: (من زوجك؟ قالت: فلان, فقال: الذي في عينه بياض؟ فقالت: أي رسول الله! ما بعينه بياض, قال: بلى.
إن بعينه بياضاً, فقالت: لا والله, فقال النبي ﷺ : وما من أحدٍ إلا في عينه بياض)، وفي رواية: (فانصرفت عجلة إلى زوجها، وجعلت تتأمل عينيه, فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخبرني رسول الله ﷺ أن في عينيك بياضاً, فقال: أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها).
وكذلك قد جاء أنه مزح ﷺ مع محمود بن الربيع، والقصة معروفة وهي في الصحيح، ومجّ مجّة من دلوٍ من ماء في وجهه, فداعبه بها أو مازحه بها.
وكذلك مما ورد أنه ﷺ قال للشفاء بنت عبد الله: (علمي حفصة رقية النملة) وهي قروح تخرج في الجنب, هذه الرقية يقول فيها بعض العلماء: إن فيها إشارة إلى مزاحه ﷺ ومداعبته لزوجته حفصة , قالوا: إنها كانت -أي: الرقية- كلاماً تقوله النساء مما لا يضر ولا ينفع, وهو أنهم كانوا يقولون:
العروس تحتفل وتختضب وتكتحل
وكل شيء تفتعل غير ألَّا تعصي الرجل
فقيل: إنه ﵊ أراد مزاحاً ولغزاً في الكلام؛ لأنه كان قد ألقى إلى حفصة سراً، فأفشته، فقال للشفاء: (علميها رقية النملة) لأن في رقية النملة هذه العبارة: "غير ألَّا تعصي الرجل" وأنها قد عصته بإفشاء سره.
وقال البعض: ليس الأمر مزاحاً إنما تعليماً، وأنه قال: كما علمتها الكتابة، وأن هذه الرقية رقية جادة وليست مزاحاًَ على الاختلاف في شرح هذا الحديث, لكن هذا قول من الأقوال التي وردت في شرحه.
وعن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ ، فسمع صوت عائشة عالياً، فلما دخل تناولها ليلطمها -أي: أبو بكر أراد أن يؤدب بنته, كيف ترفع صوتها على النبي ﷺ ؟! - وقال: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ , فجعل رسول الله ﷺ يحبسه -أي: يمنع أبا بكر من ضرب عائشة - فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر لـ عائشة: (كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر أياماً، ثم استأذن، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي ﷺ : قد فعلنا) رواه أبو داود.
وثبت من ممازحته ﵊ وتلطيف الجو بين نسائه، والضرائر يكون بينهن ما يكون, عن أنس، أن رسول الله ﷺ كان في بيت عائشة، فبعث إليه بعض نسائه بقصعة - فغارت عائشة: كيف تأتي بصحن طعام في بيتي وفي يومي؟ تتجرأ هذه الجرأة- فأخذت عائشة القصعة وألقتها، فكسرتها، من غيرتها ﵂, فجعل النبي ﷺ -في البخاري وغيره- يضم الطعام ويجمعه ويجمع كسر الإناء, ويقول: (غارت أمكم) أي: عائشة، لأنها أم المؤمنين، هذا من مزاحه ﵊، ومن ملاطفته أو من تلطيف الجو المتكهم نتيجة الغيرة بين نسائه.
يقول العلماء: "إن الغيرة يعذر فيها صاحبها أو صاحبتها ما لا يعذر الشخص الذي لا يكون عنده هذه الغيرة, حتى قيل: الغيرة لا ترى أسفل الوادي من أعلاه" أي: إذا بلغت بها الغيرة شدتها لا تعرف أسفل الوادي من أعلاه, تنقلب الأمور عندها وتنعكس.
ولذلك ربما يغتفر منها في الغيرة ما لا يغتفر من المرأة العادية, هذا فيه إشارة إلى أن الشخص -مثلاً- لو تزوج امرأة واحدة، ثم تزوج عليها أخرى فحدثت غيرة شديدة من الأولى أو الثانية ولكن الغيرة من الأولى أكثر، فساء تصرفها، فعليه أن يحتمل ذلك ويعذرها لأجل ما فيها من الغيرة, كما هو مركبٌ في طبع النساء, فعليه أن يعذر في هذه الحالة, فلما جاءت قصعة عائشة بعث بها إلى صاحبة القصعة التي كسرتها، وأعطى عائشة القصعة المكسورة, فعدل ﵊, وعوض صاحبة القصعة المكسورة بقصعة المرأة التي كسرتها.
وكذلك فإنه قد جاء في حديث رواه أبو يعلى، وقال الحافظ العراقي: إسناده جيد, أن عائشة قالت: (كان عندي رسول الله ﷺ وسودة , فصنعت خزيراً -الخزير: نوع من الطعام يستخدم فيه اللحم والدقيق- فجئت به، فقلت لـ سودة: كلي, فقالت: لا أحبه- فظنت عائشة أنها قالت: لا أحبه؛ لأنها لا تريد أن تأكل من صنعها وأنها نفرت من صنعها، أو أن فيها إذلالاً أو في تصرفها شيء- فقالت: والله لتأكلين أو لألطخنّ وجهك -كل هذه الأشياء لا بد أن تفهم في قضية الغيرة الموجودة بين النساء, والإنسان العادي لا يحتمل ما يحصل- فقالت: ما أنا بباغية, فأخذت شيئاً من الصحفة فلطخت به وجهها، ورسول الله ﷺ ما بيني وبينها, فخفض لها رسول الله ﷺ ركبتيه لتستقيد مني, فتناولت من الصفحة شيئاً، فمسحت به وجهي, وجعل رسول الله ﷺ يضحك).
وجاء كذلك عند أبي داود عن أسيد بن حضير -رجل من الأنصار- قال: بينما هو يحدث القوم وكان فيه مزاح، وبينما هو يضحكهم، فطعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود, فقال: أصبرني، فقال: (اصطبر -أي: أنت طعنتني وأنا أريد أن أقتص- قال الأعرابي: إن عليك قميصاً يا رسول الله! وليس علي قميص -لا بد من العدل، أنت طعنتني وليس علي قميص، في اللحم مباشرة, وأنا أريد أن يكون في اللحم مباشرة- فرفع النبي ﷺ عن قميصه، فاحتضنه وجعل يقبل كشحه- أي: يقبل جلده وبياضه- قال: إنما أردت هذا يا رسول الله) الحديث رواه أبو داود في كتاب الأدب.
ومن أمثلة الممازحات التي ليست في موضعها وتصلح أن تكون مثالاً يأتينا في الضوابط، ما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ بعث علقمة بن مجزر على بعثٍ وأنا فيهم, فلما انتهى إلى رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق استأذنته طائفة من الجيش فأذن لهم، وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، فكنت فيمن غزا معهم, فلما كنت ببعض الطريق أوقد القوم ناراً ليصطلوا، أو ليصنعوا عليها صنيعاً- أي: يطبخوا عليها- فقال عبد الله - وكانت فيه دعابة أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى.
قال: فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه, قالوا: نعم.
قال: فإني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار - أي: تدخلوا في هذه النار- فقام أناس فتحجزوا، فلما ظن أنهم واثبون- أي: أنهم فعلاً سيثبون بها- قال: أمسكوا على أنفسكم، فإنما كنت أمزح معكم, فلما قدمنا -أي: على النبي ﷺ ذكروا ذلك للنبي ﷺ , فقال النبي ﷺ : (من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه) الأمير إذا أمر بمعصية الله فلا تطيعوه, أنتم تريدون الهرب من النار، فكيف تقعون فيها؟ هذا الحديث موجود في أحد الكتب الأربعة؛ أبو داود، أو النسائي، أو الترمذي، أو ابن ماجة.
وهذا حديث آخر رواه ابن ماجة، وفيه ضعف؛ لأن في إسناده زمعة بن صالح وهو متكلمٌ فيه, أن أبا بكر خرج في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ﷺ بعام ومعه نعيمان وسويبق بن حرملة , وكانا قد شهدا بدراً , وكان نعيمان على الزاد، وكان سويبق رجلاً مزاحاًَ، فقال لـ نعيمان: أطعمني، قال: حتى يجيء أبو بكر , قال: فلأغيظنك -أي: سأضع لك مقلباً- قال: فمروا بقوم، فقال لهم سويبق: تشترون مني عبداً لي؟ قالوا: نعم.
قال: إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم: إني حرٌ, فإذا قال لكم هذه المقالة تركتموه، فلا تفسدوا علي عبدي, قالوا: لا بل نشتريه منك, فاشتروه منه بعشر قرائص -بعشر من الإبل- قال: خذوه, ثم أتوه فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلاً، فقال
стр. 475
صور من مزاح السلف الصالح رضوان الله عليهم
ومما ورد في مزاح أصحاب النبي ﵊ ما رواه البخاري عن بكر بن عبد الله المزني قال: [كان أصحاب رسول الله ﷺ يتمازحون حتى يتبادحون بالبطيخ، فإذا حزبهم أمر كانوا هم الرجال] وهذا حديث صحيح رواه البخاري في الأدب المفرد , وهذا ليس فيه إهدار للنعمة، أو أنه يؤذي، بمعنى: أنه يضربه بشيء ثقيل, فلو أنه حصل في بعض المناسبات أن رماه بقشرته -مثلاً- دون أن يؤذيه فلا بأس, لكن المقصود أنه كان في بعض المواقف يحصل شيء من هذا, قد يكون في الأسفار عندما يكون الجو فيه تعب, فيكون المزاح في السفر مما يقبل لأن في السفر شدة وعناء, والملاطفة والممازحة في السفر أوكد من الحضر, فيكون مقبولاً.
وسئل النخعي: هل كان أصحاب النبي ﷺ يضحكون؟ قال: نعم.
والإيمان في قلوبهم كالجبال الرواسي, والناس الآن قد يغرقون في الضحك، لكن ما عندهم إيمان لا مثل الجبال الرواسي ولا مثل القدور الرواسي.
وكذلك فإنه قد جاء في مزاح عدد من السلف آثار، فمن ذلك: ما رواه ابن أبي المليح، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب: [إني ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، فإذا أربد منه حاجة وجد رجلاً] أي: أنه يكون عنده تواضع لأهله، ولين ورفق, ولكن إذا كانت حاجة المرأة إلى رجل كان رجلاً, ونظر ابن الخطاب إلى أعرابي يصلي صلاة خفيفة، فلما قضاها، قال: اللهم زوجني بحور العين, قال عمر: أسأت النقد، وأعظمت الخطبة, خطبت الحور العين، وما هو المقابل؟ صلاة سريعة بلا طمأنينة.
وكذلك مما جاء عن عيينة بن حصن أنه شكا إلى نعيمان -ونعيمان كان فيه طرافة- صعوبة الصيام, فقال: صم الليل, فروي أن عيينه دخل على عثمان وهو يفطر في شهر رمضان, فقال: العشاء، فقال: أنا صائم, فقال عثمان: الصوم بالليل, فقال: هو أخف عليّ, فيقال: إن عثمان قال: هذه إحدى هنات نعيمان -وكبير السن الذي لا يستطيع أن يصوم يشرع له الإفطار ويطعم: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤].
وقال علي بن أبي طالب: [لا بأس بالمفاكهة يخرج بها الرجل عن حد العبوس] أحياناً تكون هناك للمازحة مناسبات، وتكون مؤكدة ومقبولة، كأن يكون هناك رجل عابس أو مقطب, فالإنسان يمازحه ليذهب عنه تقطيبه أو عبوسه, وقد ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل على النبي ﵊، والنبي ﵊ مهموم وفيه غم بسبب ما حصل مع زوجاته, قال عمر: [أردت أن أقول شيئاً أضحك به النبي ﷺ ] فهو تقصد ذلك في هذه المناسبة.
وكذلك روي أن علياً ﵁ جاءه رجل يشكو إليه، يقول: إني احتلمت على أمي -أي: إني رأيت أني أزني بأمي- فقال: أقيموه بالشمس واضربوا ظله حد الزنا, كأنه يقول: أنا مهموم، وحصلت لي مصيبة رأيت في المنام أني وقعت على أمي, ماذا أفعل؟ ما هو الحكم الآن؟ وعلي معروف في القضاء ﵁, قال: أقيموه في الشمس واجلدوا ظله.
وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان، فقدم إلينا خبز شعير وملحاً جريشاً, فقال صاحبي: لو كان في هذا الملح زعتر كان أطيب, فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد الله الذي قنعنا بما رزقنا, فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة -أي: من أجل أن آتي لك بالزعتر رهنت مطهرتي، لأنه ليس عندي قيمة الزعتر- وأنت تتمنى الزعتر على صاحب البيت، فتسبب ذلك أن المطهرة مرهونة الآن من أجلك.
وكذلك جاء من الطرف عن الشعبي وكان الشعبي من العلماء الكبار، لكن كان مزاحاً- فمما جاء عن الشعبي أنه سئل عن المسح على اللحية؟ فقال: خللها بالأصابع، قال: أخاف ألا تبلها- بعض العلماء المفتين قد يمزح مع السائل مزحة لكن لها معنى ومغزى وليست فقط للضحك- قال: أخاف ألا تبلها -هذا تنطع- قال الشعبي: إن خفت، فانقعها من أول الليل!! وسأله آخر: هل يجوز للمحرم أن يحك بدنه؟ قال: نعم.
قال: مقدار كم؟ قال: حتى يبدو العظم! وروى الشعبي حديثاً (تسحروا ولو بأن يضع أحدكم أصبعه على التراب ثم يضعها في فيه) فقال رجل: أي الأصابع؟ فتناول الشعبي إبهام رجله، وقال: هذه! وقال رجل: ما اسم امرأة إبليس, قال الشعبي: ذاك نكاح ما شهدناه.
وروي أن خياطاً مرَّ بـ الشعبي وهو مع امرأةٍ في المسجد، فقال: أيكما الشعبي؟ هذا مغفل إلى هذه الدرجة لا يعرف الشعبي! فأشار إليه الشعبي: أن هذه! وكذلك من الذين كانوا معروفين بالمزاح الأعمش ﵀, قال ابن عياش: رأيت على الأعمش فروة مقلوبة صوفها من الخارج, فأصابنا مطر، فمررنا على كلب، فتنحى الأعمش وقال: لا يحسب أني شاة.
وقع بين الأعمش وامرأته وحشة، فسأل بعض أصحابه أن يصلح بينهما, فقال هذا الصاحب لزوجة ذاك محاولاً تلطيف ما بينهما, قال: هذا سيدنا وشيخنا أبو محمد فلا يزهدنك فيه عمش عينيه، وحموشة ساقيه، وضعف ركبتيه، وقزل رجليه، وجعل يصف!! فقال الأعمش: قم عنا فقد ذكرت لها من عيوبي ما لم تكن تعرفه.
وجاء رجل إلى أبي حنيفة، فقال له: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر أغتسل فإلى القبلة أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا تسرق! قال الربيع: دخلت على الشافعي وهو مريض، فقلت: قوِّى الله ضعفك؟ -فقصده واضح أي: أن يبدلك الله بدلاً من الضعف قوة, يعني: بدل المرض صحة- فقال الشافعي ﵀: لو قوى ضعفي قتلتني, لأن العبارة قد تفهم قوى الله ضعفك أي زاده وجعله مضاعفاً, قال قلت: والله ما أردت إلا الخير, قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير.
فقلت: ما أقول؟ أي: علمني عبارة بدل هذه العبارة، فلاطفه بهذه الملاطفة.
قال عثمان الصيدلاني: شهدت إبراهيم الحربي وقد أتاه حائكٌ في يوم عيد، فقال: يا أبا إسحاق! ما تقول في رجل صلّى صلاة العيد ولم يشترِ ناطفاً ما الذي يجب عليه؟ الناطف: نوع من الحلوى, يجعل من السكر ويدهن به الأشياء التي تصنع من العجين فانظر إلى سذاجة هذا الخياط.
فتبسم إبراهيم، ثم قال: يتصدق بدرهمين, فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق الذي يسأل مثل هذا السؤال! وهناك كثير من القصص التي وردت عن السلف في مسألة المزاح, وحسبنا منها ما ذكرنا.
стр. 476
ضوابط المزاح
نذكر في ختام هذا الدرس ضوابط المزاح: أولاً: ألاَّ يكون فيه كذب, امزح ولكن لا تقول إلا حقاً, رواية، حادثة صحيحة فيها طرفة تذكرها, أما أن تختلق أشياء لإضحاك الناس فلا.
ثانياً: ألا يكون فيه غيبة.
ثالثاً: ألا يكون فيه قذف.
رابعاً: أن يكون في الوقت المناسب, فلا يكون -مثلاً- في وقت الوعظ، أو التذكير بالموت، أو جلسة علم وجِدٍّ، ويأتي في منتصف هذا الجو العلمي أو الوعظي من يلقي بطرفة، فهذا من أسوأ ما يمكن أن يحدث في مجالس العلم.
خامساً: عدم الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة.
سادساً: عدم الترويع وعدم الإضرار به, فلا يأتي شخص ويخطف مفتاح سيارة شخص آخر أو يسرق, أو يأخذ منه شيئاً ثميناً، فهذا فيه ترويع وخوف، وربما يبلغ الشرطة، وفي الأخير يأتي هذا ويقول: كنت أمزح, فهذا لا يكون بحال.
سابعاً: ألا يكون فيه فحش, بعض النكت التي تُسمى عند العوام نكتاً هي عبارة عن قلة حياء، وقلة أدب وبذاءة, وتكون قبيحة، وهي كثيرة جداً ومنتشرة بين الناس في المجالس, كل الطرف التي يأتون بها متعلقة بالعورات المغلظة, وربما بلغت البذاءة ببعضهم أن يأتيك بطرفة فيما يتعلق بجماع الرجل بزوجته, أو ما يكون بينهما من الأشياء, والله لا يحب الجهر بالسوء من القول, ولم يكن النبي ﷺ فاحشاً أو متفحشاً.
ثامناً: ألا يكون فيها استهزاء بشيء من الدين، كالاستهزاء بالكتاب العزيز، أو بأحاديث النبي ﷺ ، أو بالملائكة, فبعض النكت مذكور فيها استهزاء بالملائكة، أو الجنة والنار، أو عذاب القبر، فهذه كثيرة بين الناس, يقول: عندي نكتة ثم يأتي بشيء فيه ذكر لأشياء من العقيدة أو من اليوم الآخر يجعله في هيئة طرفة ونكتة.
تاسعاً: ألا يكون مع السفهاء، لأنه إذا مازح السفهاء ردوا عليه سفاهة, فأضر ذلك بشخصيته.
عاشراً: أن يراعي شعور الآخرين, لأنه قد يأتي بمزحة لكن تجرح شعور الذي أمامه, ويجب على الإنسان أن يكون أدبياً يراعي مشاعر الخلق, وإذا أراد أن يمازح لا يزعجه ولا يجعله يغضب منه, وليست القضية إضحاك أكبر عدد في المجلس ولو كان فيها إيذاء للآخرين, وكثير من المزحات يكون فيها ضحايا, يعني: ضحك من في المجلس، لكن صار بينك وبين الذي مزحت به كما يقال في لغة العرب: تطنزت به, هذا موجود في كثير من النكت وطرائف الناس, وربما قام من المجلس وقد خاصمهم وهجرهم أو لم يكلمه من أجل أنه جعل منه أضحوكة في المجلس, وهذا يقع كثيراً, وهذا لا شك أنه إيذاء للمؤمنين, وإيذاء المؤمنين حرام وسخرية، قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ [الحجرات:١١] وبعض الناس متخصص في هذه القضية, المسألة أنه كيف يجعل الآخرين أضحوكة كيف يهزأ بهم في المجلس، كيف يجعلهم مضحكة في الناس, وهذا حرام لا يجوز.
حادي عشر: ألا يمازح مع الكبير والعالم بما لا يليق بمقامه أن تمازحه في هذا المجال, ممكن أن يمازح شخص صديقه، لكن قد لا يناسبه أن يمزح مع كبير في السن في المجلس، فأنت عندما تمازحه فكأنك لا تحترمه ولا توقره, مزاحك له تنبئ عن عدم توقيرك له.
ثانية عشر: ألَّا يكون فيه إغراق في الضحك، أو يؤدي إلى الإغراق في الضحك, كل مزاح النبي ﷺ ليس فيه إغراق في الضحك حتى ينقلب الإنسان على قفاه, أو على عقبيه وهو يضحك, بل مزاح معتدل.
ثالثة عشر: ألَّا يضر بشخصه بين الناس, فيكون مضحكة أو مهرج القوم، حتى إذا أراد أحد أن يضحك -كما يقولون- يأتي إلى هذا المهرج، ويقولون: ما هو آخر شيء عندك؟ أعطنا موقفاً، وكثير من المقابلات الجادة مع بعض المشايخ يكون فيها سؤالاً، مثل أن يقول: اذكر لنا موقفاً طريفاً مر بك؟ نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن يؤدبنا بآداب شريعته, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 477
آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل
ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة أحكاماً وآداباً في المصافحة والمعانقة والتقبيل، فبدأ بإيراد الأدلة الواردة في ذلك، ثم بين ما يستحب منها وما يباح وما يكره، وبيَّن أن منها ما يحرم، وذكر الأدلة المبينة لذلك من فعل السلف الصالح رضوان الله عليهم.
стр. 478
الأدلة الواردة في المصافحة والمعانقة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: سنتحدث اليوم -إن شاء الله تعالى- عن أدب آخر من الآداب الشرعية التي حفلت بها هذه الشريعة المطهرة، ألا وهو (أدب المصافحة والمعانقة والتقبيل) ولاشك أن هذا الأدب مما يحتاج إليه خصوصاً عند لقاء الإخوان وعند المقابلة، وكذلك مع أهل العلم ومع الأقارب، وقد جاء في المصافحة والمعانقة والتقبيل عدة أحاديث عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه، وعن السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وسنذكر بعض هذه الأحاديث مع التعليق عليها، وذكر بعض ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة.
فأما بالنسبة لهذه الآداب فقد ذكرها عدد من أهل العلم في كتبهم، ومنهم بعض الأئمة الستة في مصنفاتهم، وذكرها كذلك البخاري رحمه الله تعالى في كتاب: الأدب المفرد، فقال: باب مصافحة الصبيان، عن سلمة بن وردان قال: [رأيت أنس بن مالك يصافح الناس، فسألني من أنت؟ فقلت: مولى لبني ليث، فمسح على رأسي ثلاثاً، وقال: بارك الله فيك].
وعن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن قال النبي ﷺ : قد أقبل أهل اليمن وهم أرق قلوباً منكم) وهم أول من جاء بالمصافحة.
وقد صح موقوفاً ولم يصح مرفوعاً عن البراء بن عازب ﵁ قال: [من تمام التحية أن تصافح أخاك] وقد روي مرفوعاً لكنه ضعيف.
وأما بالنسبة للمعانقة فقد ذكر البخاري ﵀ في باب المعانقة عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ابتعت بعيراً، فشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام -أي سافر شهراً كاملاً من أجل سماع الحديث- فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابراً بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم.
فخرج فاعتنقني -وهو موضع الشاهد، هذا قادم من سفر فخرج إليه أخوه الصحابي الآخر فاعتنقه- قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت -أي: قبل أن أسمعه منك- قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يحشر الله العباد -أو الناس- عراة غرلاً بهماً، قلنا: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد أحسبه قال: كما يسمعه من قرب) وهذا من عجائب يوم القيامة أن الله ينادي الناس بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، فإن العادة جرت أن البعيد يسمع أضعف من القريب، والقريب يسمع أشد من البعيد وأوضح، لكن الله عندما ينادي يوم القيامة ينادي بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب.
يقول : (أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، قلت: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة بهماً -ليس عندنا شيء حتى الثياب- قال: بالحسنات والسيئات) ورواه البخاري أيضاً تعليقاً في الصحيح، ورواه موصولاً هنا في الأدب المفرد بإسناد حسن.
وذكر ﵀ حديثاً في باب الرجل يقبل ابنته، وذكر في باب تقبيل اليد، عن عبد الرحمن بن رزين، قال: [مررنا بـ الربذة، فقيل لنا: هاهنا سلمة بن الأكوع، فأتيته فسلمنا عليه، فأخرج يديه، فقال: بايعت بهاتين نبي الله ﷺ ، فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير -لأن سلمة ﵁ كان رجلاً ضخماً قوي البنية- فقمنا إليها فقبلناها].
حديث حسن الإسناد.
هذا ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى في موضوع المعانقة والمصافحة والتقبيل.
أما بالنسبة لما رواه غيره من أهل العلم أو رواه هو -أي البخاري - في صحيحه فقد جاءت هناك أحاديث كثيرة، فمن ذلك على سبيل المثال: ما ورد في رواية الصحيحين في حديث كعب بن مالك ﵁، قال: [فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لـ طلحة].
الشاهد من الحديث قوله: [صافحني] عندما لقيه قام إليه فصافحه.
وأما ما ورد أيضاً في سنن أبي داود، ولكنه حديث مرسل فيه ضعف، وفي الرواية: عن رجل من عنزة أنه قال لـ أبي ذر حيث أخرج من الشام: (إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله ﷺ ، قال: إذاً أخبرك به إلا أن يكون سراً، قلت: إنه ليس بسر، هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إليَّ ذات يومٍ ولم أكن في أهلي، فلما جئت أخبرت أنه أرسل لي، فأتيت وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود وأجود) لكن هذا الحديث في سنده ضعف.
ومن الأحاديث التي جاءت عن أهل اليمن -أنهم أول من جاء بالمصافحة- ما رواه أبو داود ﵀ بالإضافة لما تقدم مما سمعناه في الأدب المفرد للبخاري ﵀، قال أبو داود: روي عن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن، قال رسول الله ﷺ : جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة) المصافحة معروفة قبل أن يأتي أهل اليمن، لكن أول من أفشاها ونشرها هم أهل اليمن، كما ذكر شراح الحديث.
وكذلك من الأحاديث التي وردت في هذا، ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة (أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب، قال: فانبجست -أي: فانخنست فاغتسلت، لم يصافح أبو هريرة النبي ﷺ لما لقيه وهو على جنابة، ذهب ورجع إلى البيت واغتسل- ثم جئت، فقال: أين كنت؟ قال: إني كنت جنباً، قال: إن المسلم لا ينجس) تحرج من النبي ﵊ وهو على جنابة، فلما سأله النبي ﵊ لماذا ذهب وأخبره بما وجد من الحرج، وأنه ذهب ليغتسل، قال ﵊: (إن المسلم لا ينجس).
وقد وردت عدة أحاديث في هذا الموضوع، وقال الترمذي ﵀ بعد سياق الحديث: وقد رخص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأساً، ولذلك عنون بعضهم في كتاب الطهارة: باب في الجنب يصافح، والمقصود بهذه الترجمة أن الجنب ليس عليه بأس أن يصافح غيره.
ومما ورد في فضل المصافحة وما فيها من الأجر العظيم، ما رواه أبو داود وغيره عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) وقد رواه الترمذي رحمه الله تعالى كذلك في سننه، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، فالحديث صحيح وله ألفاظ كثيرة، وقد جاء: (أنهما إذا تصافحا فأخذ كل منهما بيد الآخر، لا يأخذ بها إلا لله -وهذا الشرط مهم- تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر في الخريف).
إذاً: من فضل أخذ اليد والمصافحة مغفرة الذنوب، وتتحات الخطايا بكثرة.
وكذلك مما ذكر الدارمي ﵀ في كتاب الطهارة عن حماد قال: سألت إبراهيم عن مصافحة اليهودي والنصراني والمجوسي والحائض؟ فلم يرَ فيه وضوءاً، أي: لو صافح امرأته أو أخته وهي حائض مثلاً، أو صافح كافراً فإنه لا يلزمه الوضوء، لأن مجرد المصافحة ليس من نواقض الوضوء.
أما مسألة أن المصافحة كانت شائعة على عهد النبي ﷺ ، فإنه يدل على ذلك الحديث الذي رواه البخاري والترمذي عن قتادة، قال: [قلت لـ أنس بن مالك: هل كانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم].
إذاً: كانت المصافحة معروفة وموجودة على عهد النبي ﷺ .
وبالنسبة لالتقاء المسلم مع أخيه لو حصل، فإن المشروع فيه المصافحة في الأحوال العادية، ولذلك جاء عند ابن ماجة من حديث أنس بن مالك قال: (قلنا: يا رسول الله! أينحني بعضنا لبعض؟ قال: لا.
قلنا: أيعانق بعضنا بعضاً؟ قال: لا.
ولكن تصافحوا).
وكذلك روى الترمذي ﵀ عن أنس بن مالك قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا.
قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا.
قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
إذاً: هذا الحديث الذي صح عن النبي ﷺ يبين أن السنة إذا التقى الإنسان بأخيه المسلم أنه لا يعانقه ولا يقبله ولا ينحني له، وإنما يصافحه مصافحة.
стр. 479
فضل المصافحة ومشروعية معانقة الأولاد وتقبيلهم
جاء كذلك في الأحاديث أيضاً، أن رسول الله ﷺ قال: (تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء) وهذا الحديث قد رواه الإمام مالك ﵀ في الموطأ، لكن إسناده معضل، فقد سقط من إسناده رجلان، وقد جاء الحديث من وجوه، حتى قال ابن عبد البر: هذا يتصل من وجوه شتى حسان، وقال ابن المبارك: حديث مالك جيد، فعند ابن عبد البر ﵀ أن هذا الحديث قد جاء موصولاً من طرق شتى، فالفائدة منه هي قوله: (تصافحوا يذهب الغل) فالمصافحة تذهب الحقد والعداوة التي تكون فيها بعض النفوس ممتلئة على بعض.
ولذلك فالعناية بها لها فوائد، فقد تبين لنا أن من فوائد المصافحة أنها من أسباب مغفرة الذنوب والمحبة، وإذهاب الغل والحقد، وقد جاء كذلك في موضوع المعانقة والتقبيل عدة أحاديث أخرى، فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الاستئذان، باب المصافحة، هذا أيضاً يضاف إلى المصافحة حديث ابن مسعود في التشهد، عندما علمه النبي ﷺ التشهد، قال: (وكفي بين كفيه).
وقد جاء -أيضاً- في موضوع المعانقة، ما جاء في كتاب المناقب، في صحيح البخاري، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، قال نافع بن جبير: عن أبي هريرة: (عانق النبي ﷺ الحسن) وقد رواه هنا معلقاً، ورواه أيضاً موصولاً كما سيأتي، وهذا الحديث الموصول هو ما رواه في كتاب البيوع، عن أبي هريرة الدوسي ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة، فقال: أثم لكع، أثم لكع، فحبسته قليلاً، فظننت أنها تلبسه سخاباً -وهو نوع من الملابس، تجهز الولد للقاء جده وهو النبي ﷺ ، أو تغسله حتى يخرج إليه طيب الرائحة- فجاء يشتد حتى عانقه وقبله) وهذا فيما يتعلق بموضوعنا في معانقة الصغار وتقبيلهم، ومعانقة الجد لحفيده وتقبيله.
وموضوع الصغار يختلف عن موضوع الكبار، مثل الولد والحفيد يعانقه ويقبله ويشمه، كما جاء في الحديث الصحيح، لكن هذا يختلف عما يفعل مع الكبار، فالصغار من السنة أن يشمه ويقبله ويعانقه إذا لقيه كابنه وحفيده عانقه وقبله وقال: (اللهم أحببه وأحب من يحبه).
وقد جاء هذا الحديث أيضاً في صحيح مسلم ﵀ عن أبي هريرة قال: (خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة، فقال: أثم لكع، أثم لكع -أي: حسناً، وفي هذه الرواية تعيين الصبي الذي خرج إليه أنه الحسن بن علي ﵁ -فظننا أنه إنما تحبسه أمه، لأن تغسله وتلبسه سخاباً- فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه) هذا بالنسبة لما فعله ﵊ بحفيده.
أما ما فعله ﵊ مع ولده إبراهيم، فقد جاء في الحديث الصحيح في البخاري، عن أنس بن مالك قال: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القيني، وكان ظئراً لـ إبراهيم -فهذا الحداد ﵁ كان عنده إبراهيم يرتضع، مكث عنده فترة من الزمن- فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه) الحديث.
إذاً: في هذا الحديث مشروعية شم الأولاد وتقبيلهم، وأن النبي ﷺ قد فعل ذلك، وقد جاء في الحديث أنه ﵊ قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداًً، هذا رجل من الأعراب كان في الأعراب شيء من الجفاء، والخشونة والغلظة، استغرب قال: يا رسول الله! أنتم تقبلون الصبيان، وأنا عندي عشرة أولاد ما قبلت واحداً منهم؟ كأنها عندهم شيء مما يتنافى مع الرجولة، فنظر إليه رسول الله ﷺ مستنكراً هذا الكلام ومعاتباً، ثم قال: (من لا يرحم لا يرحم) وقال ﵊ في عتابه: (أوأملك لك إذ نزع الله الرحمة من قبلك).
إذا نزع الله الرحمة من قلبك لا تقبل الصبيان فماذا أملك لك؟ فهذا يدل على مشروعية تقبيل الصبيان.
وعنون البخاري ﵀: (باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحهها)، هذه الصبية الصغيرة، وعموماً فإن الرحمة بالصغير تكون مقيدة بما لم يكن هناك فتنة.
ومما ورد من الأحاديث التي فيها التقبيل: تقبيل الأب لابنته، فقد روى البخاري ﵀ في كتاب المناقب، أن البراء دخل مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها قبل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية؟ إذاً هذا من تقبيل الأب لابنته المريضة، ومن المعلوم أن عائشة ﵂ أول ما قدمت المدينة كانت صغيرة، فأصابت عدداً من المهاجرين حمى المدينة، والنبي ﷺ دعا أن يذهب الله ما فيها من الحمى، فيجعلها بـ الجحفة، ولذلك قال: (وصححها لنا) أي: اجعل جوها وهواءها يكون فيه صحة لا يكون فيه مرض، فمن بركة المدينة أن جوها صحي أكثر من غيرها؛ لأن النبي ﷺ دعا بذلك.
стр. 480
تقبيل الميت والحجر الأسود
ومما ورد أيضاً في التقبيل من الأحاديث: تقبيل الميت، فقد روى البخاري ﵀ في كتاب الجنائز: (أن أبا بكر أقبل على فرسه من مسكنه بـ السنح، حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة ﵂، فتيمم النبي ﷺ -قصده- وهو مسجىً ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد نلتها) الحديث.
إذاً: يشرع تقبيل الميت، والكشف عن وجهه، وتقبيله بين عينيه قبل أن يدفن.
ومما ورد في التقبيل من الأحاديث: تقبيل الحجر الأسود، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عمر أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: [إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك].
وقد جاء أيضاً في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: [رأيت رسول الله ﷺ بك حفياً] فإذاً يسجد عليه ويقبله إذا تمكن، فإذا لم يتمكن من تقبيله واستلمه بيده -أي: لمس الحجر بيده- هل يقبل يده؟ روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبيد الله عن نافع، قال: [رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله].
إذاً: تقبيل اليد بعد لمس الحجر إذا لم يستطع أن يقبل الحجر مباشرة لأجل الزحام، فماذا يفعل؟ فإنه إذا استلم الحجر بيده قبَّل يده، وسيأتي بعض التفصيل لذلك.
стр. 481
تعريف المصافحة وحكم مصافحة النساء الأجنبيات
جاء في منظومة ابن عبد القوي ﵀ في موضوع المصافحة، قوله:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم تناثر خطاياكم كما في المسند
أي: يا أيها المسلم! صافح كما جاء في المسطور عن النبي الأواب، المبعوث بالسنة والكتاب، صافح أخاك المسلم إذا لقيته.
والمصافحة في اللغة: هي على وزن مفاعلة، أي: أنها تحدث من طرفين، وهي مأخوذة من إلصاق صفح الكف بالكف، ومنه علم أنه إذا أمسك بأطراف أصابعه فهي ليست مصافحة كاملة كما يفعل بعض الناس، وهذه ليست مصافحة الرجال، بل ولا حتى مصافحة النساء، لأن هذه المصافحة ناقصة، والمصافحة المشروعة هي وضع صفح الكف بصفح الكف والقبض عليها، فإذاً لا تكون المصافحة إلا بذلك.
وأيضاً من تعريف المصافحة: إقبال الوجه على الوجه، فلو أعطاه يده من وراء ظهره ونحو ذلك لا تكون مصافحة شرعية إلا في أحوال قد تكون للحاجة أو أنه لا يستطيع ونحو ذلك.
ويقال: صافحته، أفضيت بيدي إلى يده.
وفي القاموس: المصافحة: الأخذ باليد كالتصافح.
قوله ﵀:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم
قيد الناظم ﵀ المصافحة بالمسلم، أي: أن الكافر ليس له مصافحة هذا هو الأصل، لكن هل تحرم مصافحته أم لا؟ سيأتي الكلام على ذلك.
إذاً: المسلم ولو كان صغيراً أو كبيراً فإنه يصافح بشرط أن تؤمن الفتنة، فقد يكون أمرداً أو يكون له فتنة به، فعند ذلك تحرم مصافحته ولاشك في ذلك.
أما بالنسبة لمصافحة المرأة الأجنبية فإنه لا يجوز مصافحتها، سواءً كانت كبيرة أو صغيرة، وكذلك قد سئل الإمام أحمد ﵀ عن مصافحة النساء؟ قال: "لا.
قال: قلت: فيصافحها بثوبه -لو جعل الثوب حائلاً؟ يمد يده فيكون الثوب بين يده ويدها- قال: لا".
وقال ابن تيمية ﵀: "إن الملامسة أبلغ من النظر".
ملامسة المرأة أبلغ من النظر إليها في الفتنة وثوران الشهوة، ولذلك لا يجوز مطلقاً.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه أخبر أن الإنسان لو طعن بمخيط -المخيط الإبرة العظيمة التي يخاط بها- في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، سواء كان في المصافحة أو في غير المصافحة، ويكون هذا مس المرأة التي لا تحل له، وهذا من قواعد الشريعة العظيمة التي تدرأ بها الفتن، وتسد بها الذرائع إلى الشر، ويؤمن بواسطتها من ثوران الشهوات.
إذاً: لا يجوز مصافحة المرأة الأجنبية لا بحائل ولا بغير حائل، لا كبيرة ولا صغيرة.
فإن قال قائل: الكبيرة ماذا يجوز منها إذاً؟ نقول: الله قال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ [النور:٦٠].
وهذا الشرط أن تكون المرأة من القواعد من النساء -كبيرات السن- لا يرجون نكاحاً، أي: أنها بلغت من الكبر عتيا، وأنه قد ذهب كل جمال فيها، بحيث لم تعد ترجو زواجاً مطلقاً، ولا أحد يطمع فيها أو يتزوجها أبداً، فهذه المرأة ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] أي: يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا دخل عليها أجنبي، ولكن يشترط مع ذلك ألا تكون متزينة.
على سبيل المثال: لا يجوز أن تضع مكياجاً مثلاً، أو حمرة أو خضرة، أو أي نوع من أنواع المساحيق الموجودة وغيرها، لا يجوز أن تضع ذلك وتكشف على الأجنبي، ولو كانت كبيرة ولا تشتهى، لا تضع الزينة، كل ذلك من احتياطات الشريعة لعدم الوقوع في الفاحشة، وعدم إشاعة الفتنة وثوران الشهوة، ولأجل صيانة المجتمع المسلم وحماية أفراد المسلمين، ولكل ساقطة لاقطة.
إذاً: المرأة الكبيرة يجوز لها أن تضع ثيابها غير متبرجة بزينة إذا كانت لا ترجو نكاحاً، لكن لا يجوز مصافحتها ولا الخلوة بها، ولا أن تتعطر عنده ولا تتزين، ولا يسافر بها إذا لم يكن لها محرماً، لأن بعض الناس قد يتساهلون في الكبيرات، فيصافح ويقبل ويسافر ويخلو بها، فنقول: أقصى ما ورد أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة.
أما المرأة الشابة الأجنبية فهذا معروف من باب أولى أنه لا يجوز مصافحتها ولا تقبيل رأسها ولا غيره، ولا السفر بها بدون محرم، ولا أن تكشف عليه، ولا أن يخلو بها إلى آخره.
стр. 482
حكم مصافحة الكفار
أما بالنسبة لمصافحة الكافر، فإن الناظم ابن عبد القوي ﵀ قال في منظومته:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم تناثر خطاياكم كما في المسند
стр. 483
حكم مصافحة أهل الذمة
بالنسبة لمصافحة غير المسلمين، فقد سئل الإمام أحمد عن مصافحة أهل الذمة؟ فقال: لا يعجبني.
وهذا اللفظ من ألفاظ الكراهة عنده.
إذاًَ: يكره عند الإمام أحمد ﵀ للرجل أن يصافح كافراً، لكن لو صافحه جاز ذلك ولا يأثم، خصوصاً إذا كان يرجو تأليف قلبه للدخول في الإسلام.
أما ما عمت به البلوى اليوم من كثرة وجود الكفرة بيننا في الأعمال المختلفة والمكاتب والجامعات ونحو ذلك، ونحن ننصح ونقول: أنت لا تمد يدك ابتداءً، لكن لو مد هو يده فإن خشيت من مفسدة، كأن يضر بك مثلاً، فيمكن أن تصافحه، لكن الأحسن ألا تفعل ذلك، لكن إذا صافحته فلا تأثم، وهؤلاء الذين يعملون في المكاتب والشركات ونحو ذلك يجدون حرجاً كبيراً في هذا الموضوع، فنقول: لا تبتدئ الكافر بالمصافحة، لكن لو مد الكافر يده ولم يكن في ذلك ضرراً على الإسلام وأهله، أو لم يكن في يده نجاسة مثلاً، لأن هؤلاء لا تدري عنهم ماذا يمسون بأيديهم، وقد يدخل دورة المياه والحمام والمرحاض وبيت الخلاء ويمس نجاسة ولا يغسل يده، فأنت لا تعلم كيف يفعلون، فهم أناس لم يتعلموا التنزه والطهارة، ولم يطبقوا ذلك، لاشك أن أيديهم يكون فيها ما فيها، فهذا ما يمكن أن يقال في موضوع مصافحة الكافر.
стр. 484
حكم مصافحة الكفار المحاربين
أما مصافحة عدو الله المحارب للإسلام، والمجاهر بالعداء للدين، أو يطعن في الدين، أو يثير الشبهات حول الإسلام، أو عن أي شيء في الدين، أو المبتدع، فلا مصافحة، وخصوصاً الذي بدعته كفرية تخرج عن الملة، فلا تجوز مصافحته؛ لأن المصافحة فيها مودة، والله حرَّم المودة ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:١] ثم هؤلاء الذين أظهروا وأبدوا العداوة، فلا يجوز إظهار المودة لهم، والمصافحة من المودة.
وقول الناظم رحمه الله تعالى: "تناثر خطاياكم"، فتناثر الخطايا: تفرقها وتساقطها، والخطايا جمع خطيئة، وهي: الذنب، أو ما يتعمد من الخطايا.
وقوله: كما في المسنَّد: الأصل المُسْنَدِ، لكن شدده لضرورة الوزن.
стр. 485
بعض أحكام المصافحة
جاءت أخبار كثيرة عن النبي ﷺ بأن المسلمين إذا التقيا فتصافحا غفر لهما قبل أن يتفرقا، ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره، وسبق ذكر بعضها قبل قليل.
وبالنسبة لإشهار المصافحة وإعلانها سنة، وقد كانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ، وبالنسبة لأول من صافح وعانق، قيل: إنه إبراهيم الخليل ﵇، لكن هذا يحتاج إلى دليل.
стр. 486
المصافحة بعد الصلوات المفروضة
مما يتعلق بالمصافحة: المصافحة بعد الصلوات المفروضة، وقد نص أهل العلم على أن المداومة على المصافحة بعد كل صلاة بأن يصافح من عن يمينه وعن شماله بدعة.
فنقول: كان أصحاب النبي ﷺ يصلون وراءه، وما نقل عنه ولا عنهم أنهم بعد الصلاة كان يصافح بعضهم بعضاً، أو من عن يمينه وعن شماله، وإذا ألحقنا بالعبادة شيئاً معيناً وواظبنا عليه بعدها، كالمصافحة يميناً وشمالاً، فلاشك أننا نكون قد وقعنا في البدعة.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن المصافحة بعد العصر والفجر، هل هي سنة مستحبة أم لا؟ فأجاب ﵀ بقوله: أما المصافحة عقب الصلاة فبدعة، لم يفعلها رسول الله ﷺ ، ولم يستحبها أحدٌ من العلماء.
إذاً: إذا التقى المسلمون، وقاموا من المسجد وخرجوا، أو وهم داخلون إلى المسجد وقابل بعضهم بعضاً، هل يتصافحون؟
الجواب
نعم، وورد سؤال عن رجل في صلاة الجمعة مد إليه رجل آخر يده أثناء الخطبة، فهل يصافحه أم لا؟ فسألت الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا السؤال، فقال: يصافحه دون كلام.
لكن هل يجوز أن تشغل الناس أثناء الخطبة وتشغلهم عن سماعها؟ الجواب: لا، لكن لو أن شخصاً فعل ذلك وفوجئت به فصافحه دون سلام.
علَّم النبي ﷺ ابن مسعود التشهد وكفه بين كفيه، فيمكن أن يطول التصافح، ليعلمه شيئاً مثلاً، وقد قال الصحابي: (صافحت بكفي هذه كف رسول الله ﷺ فلم أر خزاً ولا حريراً ألين من كفه ﵊.
بالنسبة لمسألة المعانقة والتقبيل، فهي من الأشياء التي ترد بعد قضية المصافحة، لكن ينبغي أن نؤكد على مسألة المصافحة تأكيداً آخر قبل أن نغادر هذه النقطة، لأجل أن كثيراً من الناس يقصرون فيها، وربما مر بجانبه ويمكن أن يصافحه فلا يفعل ذلك.
نعم! إنها ليست بواجبة، لكن لماذا يفوت هذا الأجر العظيم في قضية المغفرة، وتحات الخطايا والمودة، لماذا يفرط في ذلك؟ إذاً: ينبغي أن نحافظ على هذه الشعيرة الإسلامية، والأصل أن المصافحة تكون باليد اليمنى، لكن قد يكون فيه شيء في يده اليمنى من كسر أو حرق أو جرح فلا يستطيع المصافحة بها، فلو صافح باليد الأخرى فلا بأس بذلك.
стр. 487
مصافحة العلماء والأرحام
وكذلك فإن مصافحة العلماء والأرحام كالآباء وغيرهم من الأمور المؤكدة التي ينبغي التأكيد عليها أكثر من غيرها، أي: مصافحة أهل الخير أولى من مصافحة غيرهم، والاعتناء بذلك ينبغي أن يكون مما عليه حال طالب العلم، وقد ورد أن حماد بن زيد صافح ابن المبارك.
стр. 488
بيان كيفية المصافحة
أما قضية المصافحة باليدين، فإن بعض الناس إذا صافح فإنه يصافح بكلتا يديه، فيقبض على يمينك ويضع شماله فوقها، فقد جاء في البخاري: باب الأخذ باليد، وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه، ومر معنا حديث ابن مسعود قوله: (علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفي بين كفيه) أي: أنه آخذ بكف ابن مسعود بكفيه كلتيهما.
إذاً: لو فعل ذلك فلا بأس به، فقد صافح ابن المبارك حماد بن زيد بكلتا يديه، فلا حرج فيها إذاً.
بعض الناس يصافح ثم يقبض على إبهام صاحبه مثلاً، فنعلم أن المصافحة هي وضع الصفح بالصفح، أما القبض على الإبهام فلا يكون مصافحة.
وضع الساعد على الساعد ليس مصافحة في اللغة، لكن أحياناً تدعو الحاجة إذا مد يده، والآخر يده غير جاهزة للمصافحة فيعطيه ساعده، فهذا لا بأس به ولو أنه أقطع اليدين الكف غير موجودة، فيقبض على الساعد وهذا للحاجة وليس هو الأصل.
المصافحة فيها شيء من الهز: إذا قبض على اليدين فهزها فلا بأس بذلك أيضاً، ولكن برفق، فمن أخطاء المصافحة: أنه إذا قبض على يده قبض بقوة يفرقع بها أصابع الآخر، ويشد بها شداً مؤذياً مؤلماً، حتى تجده يقول: ليتني لم أصافحه، أو تراه يحتال لتخليص يده، أو يريد أن ينزع يده بسرعة، فلاشك أن هذا ليس من الأدب.
وكذلك إذا هزها بقوة حتى يكاد يخلع يده، فهذا أيضاً ليس من الأدب.
فالمصافحة وضع الصفح في الصفح بلين ورفق وهز يسير لو أراد، هذا هو ما ينبغي أن تكون المصافحة، أما أن تكون المصافحة وسيلة لإيذاء الآخر فهذه ليست مصافحة مشروعة، وينبغي على القوي أن يرفق بالضعيف، وعلى الكبير أن يراعي الصغير، فيصافح برفق ولين.
стр. 489
أحكام المعانقة
أما بالنسبة للمعانقة فقد وردت فيها أحاديث تقدم ذكر بعضها، وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه باب المعانقة، وقول الرجل: كيف أصبحت؟ ثم ساق حديث النبي ﷺ في وجعه الذي مات فيه، وقول علي ﵁ لما خرج من عند النبي ﷺ ، فقال الناس: (يا أبا حسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً -تفاؤلاً- فأخذ بيده العباس، فقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، والله إني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى في وجعه، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله فيمن يكون الأمر) الحديث.
المعانقة عند القدوم من السفر سنة، كما جاء ذلك في حديث استقباله ﷺ لبعض أصحابه، ونص شيخ الإسلام ﵀ على تقييدها بالسفر، وفي الأحوال العادية ليس هناك معانقة؛ لأن الحديث قال: (أيلتزمه فيعانقه؟ قال: لا).
وأما إذا قدم من سفر فقد ثبتت المعانقة.
وكذلك الصبيان فيعتنقهم حتى لو كان بغير سفر، سواء كان ولده أو حفيده كما جاء في الآثار، أما وغيرهم فيجوز ذلك مع أمن الفتنة، وكل هذه الأشياء: (المصافحة والمعانقة والتقبيل) يشترط فيها العلماء الأمن من الفتنة والشهوة؛ لأن المسألة حتى مع غير النساء يوجد فيها فتنة وشهوة، وهذا ما يذكره أهل العلم في مسألة المردان.
في قضية المعانقة فإن الإمام أحمد ﵀ احتج بحديث أبي ذر أن النبي ﷺ عانقه، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن رجل يلقى الرجل يعانقه؟ قال: نعم.
فعله أبو الدرداء.
وقال: في الإرشاد المعانقة عند القدوم من السفر حسنة.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: فقيدها بالقدوم من السفر، وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: وهو المنصوص عليه في السفر.
إذاً: إذا قدم من السفر فعند ذلك يتعانقون، وقد جاء عن الشعبي أنه قال: [كان أصحاب محمد ﷺ إذا التقوا تصافحوا، فإذا قدموا من السفر عانق بعضهم بعضاً].
قال السفاريني: قال ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية: إسناده جيد.
أما بالنسبة لمعانقة الكافر فهي أشد من المصافحة بلاشك، وكذلك المبتدع، فيبتعد عنها أشد من ابتعاده عن المصافحة.
أما بالنسبة لحديث أبي ذر المتقدم، فقد جاء عند أبي داود وفيه رجل مجهول، وقد جاء أنه ﵊ لما جاءه جعفر قام يجر إزاره، وهذا إذا انفلت الإزار بغير قصد، وليس المقصود أنه يتعمد إرسال الإزار، فإن الإسبال معروف حكمه، لكن قد يسقط عن قيام الشخص فجأة، أو لظرف عارض ونحو ذلك، فاعتنقه ﵊.
قال بعضهم: تكون المعانقة إذا طالت الغيبة، وقد ذكر ذلك بعض أهل العلم قياساً على السفر، أن السفر فيه بعد وطول عهد، لكن ينبغي ألا يكون هذا ذريعة إلى إفشاء المعانقة كالمصافحة، وأن تكون في غير موضعها، وخصوصاً أن المسألة فيها نص، أنه ﵊ سئل (أيلتزمه ويعانقه؟ فقال: لا).
إذاً: تكون المصافحة فقط في الأحوال العادية.
стр. 490
بعض أحكام التقبيل
أما بالنسبة للتقبيل، فإن التقبيل مصدر قبّل، والاسم منه: قبلة، والجمع: قُبَل.
стр. 491
أقسام التقبيل
قسم بعض أهل العلم التقبيل إلى خمسة أقسام: ١ - قبلة المودة للولد على الخد.
٢ - قبلة الرحمة للوالدين على الرأس.
٣ - قبلة الشفقة لأخيه على الجبهة.
٤ - قبلة الشهوة لامرأته أو أمته على الفم.
٥ - قبلة التحية للمؤمنين على اليد، أي: للعلماء أو للأبوين.
٦ - وزاد بعضهم: قبلة الديانة للحجر الأسود، للحاج والمعتمر، وهذا معروف، وقد تقدمت فيه الأحاديث، فإن عجز عن التقبيل استلمه بيده ثم قبلها، وبالنسبة إذا استلمه بغير يده، كما إذا استلمه بعصا، فقد جاء عن ابن عباس قال: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن) وجاء هذا الحديث في الصحيحين، أما بالنسبة للركن اليماني فلا تقبيل، وإنما هو مسح فقط واستلام، يستلمه ويمسح عليه، ولاشك أن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً، وقد ثبت أنهما ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، وإلا لأعشى ذلك النور أبصار أهل الأرض.
وبالنسبة لتقبيل الأجنبية فهو نوع من الزنا ولاشك، فإن النبي ﷺ أخبر عن زنا الجوارح زنا اليد، وزنا العين النظر، وزنا اللسان، وزنا الأذن، وزنا الرجل وغير ذلك، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
стр. 492
حكم تقبيل اليد والفم والأمرد
وقد نص العلماء أيضاً في أحكام التقبيل، على تحريم تقبيل الأمرد الذي يكون مع تقبيله الشهوة.
وكذلك فإنهم قالوا: لا يجوز للرجل أن يقبل فم الرجل، وكذلك المرأة لا تقبل فم المرأة، الفم عموماً متروك للزوجين أو الرجل وأمته.
أما تقبيل اليد فقد جاء في الحديث أنهم قبلوا يد النبي ﵊، وعند البخاري في الأدب المفرد -كما تقدم- أنهم قبلوا يد سلمة بن الأكوع ﵁، فأخذوا منها أن تقبيل يد العالم والفاضل أو الوالدين لا بأس به ولا حرج؛ بل هو مشروع، أما تقبيل يد الظالم فقالوا: إنها معصية، إلا إذا خشي على نفسه، وتقبيل الأرض بين يدي العظماء من المنكرات.
стр. 493
أثر التقبيل على الاعتكاف والوضوء والصلاة والصيام
التقبيل يتعلق به أحكام في قضية الاعتكاف، هل إذا قبل يبطل الاعتكاف أم لا؟ نقول: إذا أنزل أبطل.
وكذلك بالنسبة للصائم: هل يقبل؟ إذا كان يأمن على نفسه يقبل، وإذا كان لا يأمن على نفسه فلا يجوز أن يقبل.
وذكروا كذلك في قضية الوضوء، هل ينتقض الوضوء بالقبلة أم لا؟ إذا خرج منه شيء انتقض وضوءه، وإذا لم يخرج منه شيء فوضوءه صحيح.
وكذلك فإن التقبيل في الصلاة يفسدها عند من يقول ببطلان الوضوء بالتقبيل.
ويحرم على المحرم بالحج والعمرة أن يقبل زوجته، ومن فعل ذلك بشهوة فعليه دم، وكذلك من قبل زوجته المطلقة بنية الرجعة في العدة، فهو رجوع.
стр. 494
حكم تقبيل المصحف والخبز
وأما بالنسبة لتقبيل المصحف، فإنه لم يرد فيه شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وإنما ورد عن عكرمة أنه كان يقبله، ويقول: [كلام ربي، كلام ربي] وهذا ليس مما وافقه عليه الصحابة، ولذلك نص بعض أهل العلم على بدعية هذا.
والناس اعتادوا تقبيل المصحف خصوصاً إذا سقط أو وقع على الأرض، وكأنه صار عندهم دين وشرع أن المصحف إذا وقع لابد أن يقبل، وليس هناك دليل على ذلك، والمواظبة على تقبيله مما لم يرد فيه دليل صحيح.
وكذلك تقبيل الخبز، فإن بعض الناس يقبلون الخبز، وهذا مما لم يرد فيه دليل أيضاً، لكن الخبز ورد الحديث بإكرامه، فقد قال النبي ﷺ : (أكرموا الخبز) ومن إكرامه كأن يكون موجوداً فلا يلقى ويرمى ويهان، ولا يجعل مع القاذورات والنجاسات، إذا رأيته مرمياً فأخذته ورفعته، فهذا من إكرام الخبز، لكن تقبيله ليس عليه دليل.
وتقبيل يد العالم الورع والوالدين تقدم، كما أنه يقبله في جبهته، وأيضاً يقبل يده، والنبي ﷺ عانق جعفراً حين قدم من الحبشة، وقبله بين عينيه، لكن هذا الحديث الذي رواه أبو داود قال المنذري: إنه حديث مرسل؛ لأنه من رواية الشعبي.
ومن أنكر من العلماء تقبيل اليد، لعلهم لم يطلعوا على الحديث أو لم يثبت عندهم صحته، وتقبيل الأولاد والأحفاد والصغار تقدم الحديث فيه مع أمن الشهوة عموماً، وتقبيل الأب لابنته، والبنت لأبيها، وينبغي أن يشدد في مسألة تقبيل الأقارب بعضهم لبعض، لأجل فشو الفساد في هذا الزمان، لكن لو قبل جدته مثلاً في رأسها فلا حرج في ذلك، الجدة مثل الوالدة، وكذلك الجد، أو قبلت جدها في رأسه أو يده، فلا حرج في ذلك.
стр. 495
حكم تقبيل المحارم
وموضوع التقبيل يستثنى منه تقبيل الفم -كما تقدم- وأنه خاص بالزوج، ولذلك حتى الأب لا يقبل ابنته في الفم مطلقاً، وبالنسبة لتقبيلها في الخد ورد حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وذكر ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية فصلاً في تقبيل المحارم من النساء في الجبهة والرأس، قال ابن منصور لـ أبي عبد الله: يقبل الرجل ذات محرم منه؟ قال: إذا قدم من سفر ولم يخف على نفسه، وذكر حديث خالد بن الوليد قال إسحاق بن راهويه، كما فعل النبي ﷺ حين قدم من غزوٍ فقبل فاطمة، ولكن لا يفعله على الفم أبداً، الجبهة أو الرأس.
وقال بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله، وسئل عن رجل يقبل أخته؟ قال: قد قبَّل خالد بن الوليد أخته.
إذاً بالنسبة لتقبيل الأخت، ولابد من الأمن من ثوران الشهوة أو الفتنة، فنقول: لو صار كمثل عادات الناس اليوم، أن الرجل إذا واجه -مثلاً- أخته، قالوا: سلم عليها، وعند العامة كلمة سلم عليها معناها: تقبيل، لكن إذا نظرت في الحقيقة إلى كيفية التقبيل وجدت أنها معانقة، ولكن القبلة لا تقع على الوجه ولكن تقع في الهواء، هذا لا حرج فيه أصبحت معانقة وليست بتقبيل.
إذاً هناك ضوابط في المسألة ذكرها الإمام أحمد ﵀ في قضية أمن الشهوة والفتنة وعدم التقبيل في الفم مطلقاً، ولو كانت من المحارم وكبيرة فقبل رأسها فلا حرج في ذلك، أي: إذا أراد أن يقبل في الوجه يجعلها في الجبهة والرأس، مثل الخالة والعمة والأخت الكبيرة التي تكون أحياناً بمثابة الأم، والجدة التي هي أم، هذا بعض ما يتعلق بموضوع المصافحة والمعانقة والتقبيل.
ونسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه.
следующие страницы →