Полный текст (576 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
حالات وجوب إجابة الدعوة
السؤال
إذا كنا في عرس، ودعانا أحد الأشخاص في الليلة الثانية في عرس لولده، وكانت الدعوة لجميع الموجودين فما هو الحكم؟
الجواب
إذا كانت الدعوة عامة لا تجب، ويستحب أن تأتي، لكن إذا خصك أنت وأرسل إليك رسولاً، أو بطاقة باسمك، وجبت الإجابة ما لم يكن هناك عذرٌ.
стр. 527
حكم ارتداء الملابس الداخلية أمام الناس
السؤال
هل الذهاب إلى دورة المياه في السكن الجامعي بالملابس الداخلية سراويل قصيرة وعليه سراويل طويلة وفنيلية يعتبر من خوارم المروءة؟
الجواب
هذا قد يعتمد على الشخص، وعلى شفافية هذا القماش، فقد يكون شفافاً، وقد يمشي مسافة بعيدة ويمر على أشخاص كثيرين، فبعض الأشخاص قد يكون إمام مسجد، لا يجوز في حقه أن يمشي بهذا الشكل بين الناس الذين هم من المأمومين، فعند ذلك يحتاط ويتحفظ ويكون محتشماً في ملابسه.
стр. 528
حكم الأكل في المطعم المزجج
السؤال
كثير من المطاعم يكون تصميمه بالزجاج، مما يجعل المار ينظر إلى الزبائن وهم يأكلون؟
الجواب
هذا ليس هو الأفضل، الأفضل ألا يجعل من زجاج حتى لا ينظرون إلى الزبائن، لأن هذا كأنهم يأكلون في السوق، وهناك المار والغادي والرائح، ويدخل فيه كلام أهل العلم في قضية أنه من خوارم المروءة، ولا يشترط في خوارم المروءة أن تكون محرمة، لكن المقصود أنها مما يعاب.
стр. 529
وصايا تساعد على هضم الطعام
السؤال
عدم شرب الماء الكثير مع الطعام يقلل الهضم؟
الجواب
هذه أشياء مذكورة، لكن يبدو أن هذا الكاتب له معرفة بالطب، يقول: أكل الفاكهة قبل الأكل مفيد لسببين: أولاً فرصة امتصاص المواد المفيدة في الفاكهة تكون أكبر.
ثانيا: السكريات تقلل من الشهية للأكل بكثير.
فائدة: شرب الشاي مع الطعام يمنع امتصاص فيتامين الحديد.
فائدة: يمنع النوم مباشرة بعد الأكل لدرجة الشبع، فالنوم يشغل الجسم عن الهضم.
هذه وصايا، وقضية الشره في الطعام والإكثار منه، وانتفاخ البطن، وعدم شرب الماء الكثير مع الطعام يقلل الهضم، فهذا آخر ما جاء من الأسئلة.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 530
آداب التثاؤب والتجشؤ
إن النبي ﷺ ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، وما ترك شراً إلا وحذرنا منه، وإن من الخير العميم الذي علمنا إياه النبي ﷺ آداب الإسلام في احترام وتقديس الأماكن والهيئات، وإعطاء الناس حقوقهم، ومن تلك الآداب آداب العطاس والتثاؤب، وآداب البصاق والبزاق في المسجد وحال الصلاة.
стр. 531
آداب العطاس
стр. 532
عقيدة أهل الجاهلية في العطاس
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد ذكرنا في الدرس الماضي طائفة من أحكام العطاس وآدابه، وسوف نتم الكلام عن موضوع العطاس وندخل في أدب التثاؤب والجشاء، وكذلك البصاق والتفل والنخاعة والنخامة إذا كان الوقت متسعاً.
ندخل في تتمة الكلام عن موضوع العطاس، ونذكر النقطة التي أشار إليها أحد الإخوة، ونتكلم عنها في هذه الليلة، ماذا كان يعتقد العرب في العطاس؟ قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: ومما كان الجاهلية يتطيرون به ويتشاءمون منه العطاس، كما يتشاءمون بالبوارح والسوانح -هذه من أنواع الطيور التي كانوا يتطيرون بها، وأتى ببعض الأبيات تدل على تشاؤم أهل الجاهلية من العطاس- قال: وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا له: عمراً وشبابة، وإذا عطس من يكرهونه، قالوا له: وراً وقحابة، والوري: داءٌ يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب: السعال وزناً ومعنى، فكأنهم يدعون عليه بالداء الذي يصيب كبده وبالسعال، فكان الرجل إذا سمع عطاساً فتشاءم به يقول: بك لا بي، أي: أسأل الله أن يجعل شؤم عطاسك بك أنت لا بي أنا، وكان تشاؤمهم في العطسة الشديدة أشد، كما يحكى عن بعض الملوك أن مسامراً له عطس عطسةً شديدة راعته -أي: أخافته- فغضب الملك، فقال سميره: والله ما تعمدت ذلك، ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لئن لم تأتني بما يشهد لك بذلك لأقتلنك، فقال: أخرجني إلى الناس لعلي أجد من يشهد لي، فأخرج وقد وكل به الأعوان، فوجد رجلاً، فقال: ناشدتك بالله إن كنت سمعت عطاسي يوماً فلعلك تشهد لي به عند الملك، فقال: نعم.
أنا أشهد لك، فنهض معه فقال: أيها الملك! أنا أشهد أن هذا الرجل يوماً عطس فطار ضرس من أضراسه، فقال له الملك: عد إلى حديثك ومجلسك.
يقول ابن القيم ﵀ فلما جاء الله بالإسلام وأبطل برسوله ما كان عليه الجاهلية الطغاة من الضلال والآثام، نهى أمته عن التشاؤم والتطير، وشرع لهم أن يجعلوا مكان الدعاء على العاطس بالمكروه دعاءً له بالرحمة -أي: إذا كان أهل الجاهلية يقولون: بك لا بي، إذا عطس، وأيضاً يدعون عليه بالداء والمرض والسعال، فجاء الله بهذا الشرع المطهر الذي فيه الدعاء للعاطس بالرحمة، وحمد العاطس الله بعد العطاس.
ولما كان الدعاء على العاطس نوعاً من الظلم والبغي جُعل الدعاء له بلفظ الرحمة المنافي للظلم، وأُمر العاطس أن يدعو لسامعه ومشمته بالمغفرة والهداية وإصلاح البال، فيقول: يغفر الله لنا ولكم، أو يهديكم الله ويصلح بالكم، فأما الدعاء بالهداية فلمّا أنه اهتدى إلى طاعة الرسول، ورغب عما كان عليه الجاهلية فدعا له ليثبته الله عليها ويهديه إليها.
لما قال هذا العاطس: الحمد لله، فقال له المشمت: يرحمك الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.
وكذلك الدعاء بإصلاح البال وهي كلمة جامعة لصلاح شأنه كله وهي من باب الخيرات، ولما دعا لأخيه بالرحمة فناسب أن يجازيه بالدعاء له بإصلاح البال، أما الدعاء بالمغفرة فجاء بلفظ يشمل العاطس والمشمت، فيقول: يغفر الله لنا ولكم، ليتحصل من مجموع دعوى العاطس والمشمت لهما المغفرة والرحمة معاً، وهو تأسٍ أيضاً بآدم ﵇.
هذا بالنسبة لما كان عليه أهل الجاهلية، وما جاء الله به في هذا الدين من إبطال ذلك وإبداله بالأمر الحسن.
أما بالنسبة لحديث: (من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص) فهو ضعيف، ولذلك لا يسبق العاطس بالحمد؛ لأنه قال: من سبق العاطس بالحمد، فإذاً: العاطس يترك حتى يحمد الله ، وهذا الشوص وجعٌ في البطن والضرس، والعلوص وجعٌ في التخمة ووجعٌ في البطن، واللوص: وجعٌ في الأذن، أنواع من الأوجاع.
стр. 533
إذا عطس أكثر من ثلاث يدعى له بالعافية
وكذلك فإنه بالنسبة للعاطس إذا عطس أكثر من ثلاث مرات، فإنه قد سبق القول أنه يُدعى له بالعافية، ولذلك يقول ابن عبد القوي ﵀ في منظومته:
وقل للفتى عوفيت بعد ثلاثةٍ وللطفل بورك فيك وأمره يحمدِ
وعوفيت بعد ثلاثة، أي: بعد ثلاث مرات، يدعى له بالعافية، يقال له: عوفيت، ليس في هذا حديث صحيح، لكن بما أنه أخبر أنه مزكوم، فالمناسب أن يُدعى له بالعافية، بعد تشميته ثلاث مرات، فإذا عطس الرابعة يقال له: عوفيت، وقال شيخ الإسلام وهو منصوص الإمام أحمد: إن عطس ثانياً وحمد شمته، وثالثاً شمته، ورابعاً دعا له بالعافية، ولا يشمت للرابعة إلا إذا لم يكن شمته قبلها ثلاثاً، فالاعتبار بفعل التشميت لا بعدد العطسات، هذا كلام صاحب الإقناع وشارح الإقناع، أن العبرة بالتشميت لا بعدد العطسات، فلو عطس شخص ثلاث مرات متوالية، ثم قال: الحمد لله، فشمته، ثم عطس رابعة فشمته، ثم عطس خامسة فشمته، كم عطسة عطس؟ خمس، كم مرة شمته؟ ثلاثاً.
إذاً: في العطسة السادسة تقول له: عوفيت، فقال: إذاً العبرة بفعل التشميت لا بعدد العطسات، فلو عطس أكثر من ثلاث متواليات شمته بعدها إذا لم يتقدم تشميت، ويقال له: عافاك الله؛ لأنه مزكوم أو به داء.
وقال مهنا للإمام أحمد: أي شيء مذهبك في العاطس يشمت إلى ثلاث مرار؟ فقال: إلى قول عمرو بن العاص قال: العاطس بمنزلة الخاطب، يشمت إلى ثلاث، فما زاد فهو داء في الرأس.
وتقدمت الأحاديث في هذا الأمر، وهناك مسألة، وهي: إذا دعا للعاطس بالعافية فهل يقول العاطس شيئاً؟ قال السفاريني ﵀ في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب: "لم أرَ لأحدٍ من الأصحاب ولا غيرهم في أن الداعي للعاطس بالعافية، هل يستحق جواباً أم لا".
ولعله يجيب بقوله: عافانا الله وإياك، أي: لو قلت له: عوفيت بعدما عطس وشمته المرة الثالثة، عطس الرابعة، فقلت له: عوفيت، فيقول: عافانا الله وإياك، وهو مأخوذٌ من قول ابن عمر ﵄.
وهل يكون مستحباً أو واجباً أو مباحاً؟ لم أر من تعرض لشيءٍ من ذلك، والذي يظهر إن قلنا: الدعاء له بالعافية مستحب فالإجابة كذلك، إذا قلنا: عوفيت أو عافاك الله مستحب، فالإجابة بقول: عافانا الله وإياك، أو وإياك مثلاً: ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة أنه مستحب كذلك، وإن قلنا: واجبٌ فكذلك الإجابة والله ولي الإنابة.
стр. 534
الدعاء للغلام بالبركة إذا عطس
أما بالنسبة لقول الغلام: بورك فيك كما أشار الناظم فليس فيه حديثٌ صحيحٌ والله أعلم أن الغلام يخص بشيء، ولكن جاء في حديثٍ رواه الحافظ السلفي أن النبي ﷺ عطس عنده غلام لم يبلغ الحلم، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال النبي ﷺ : (بارك الله فيك يا غلام) لكن يحتاج إلى معرفة صحته، ويكون هذا الحديث مستند الناظم ابن عبد القوي ﵀:
وقل للفتى عوفيت بعد ثلاثةٍ وللطفل بورك فيك وأمره يحمد
يعني: مره أن يحمد الله.
стр. 535
تذكير العاطس الحمد إذا نسي
العاطس إذا نسي أن يحمد الله قال بعض العلماء: يُذكَّر، وقال بعضهم: لا يُذكَّر، وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة، أما ابن القيم ﵀ فقد قال في العاطس: إذا ترك العاطس الحمد هل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟ قال ابن العربي: لا يذكره وهذا جهلٌ من فاعله.
وقال النووي: أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره؛ لأنه مرويٌ عن النخعي، وهو من التعاون على البر والتقوى، فقال ابن القيم بعد ذلك: وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي؛ لأن النبي ﷺ لم يشمت الذي لم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزيرٌ له وحرمانه لتركه الدعاء، لما حرم نفسه بتركه الحمد، فنسي الله تعالى، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمها والإعانة عليها، هذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى في المسألة.
وذكر في شرح الإقناع ما يؤيد أنه ينبغي تذكير من نسي حمد الله، قال المروذي: أن رجلاً عطس عند أبي عبد الله -الإمام أحمد ﵁ ورحمه- فلم يحمد الله، فانتظره أبو عبد الله أن يحمد الله فيشمته، فلما أراد أن يقوم، قال له أبو عبد الله: كيف تقول إذا عطست؟ قال: أقول: الحمد لله، فقال له أبو عبد الله: يرحمك الله.
قال في الآداب: وهذا يؤيد ما سبق.
أي: من كون بعض الأصحاب كان يذكر خبر من سبق العاطس بالحمد أمن الشوص ونحوه ويعلمه الناس، قال: وهو متجه.
فالمسألة فيها قولان: هل يذكر أو لا؟ ولكل من ذهب إلى أحد المذهبين له رأي.
стр. 536
من آداب التثاؤب
وأما بالنسبة للتثاؤب، فإن التثاؤب من الشيطان، كما قال البخاري ﵀ في كتاب الأدب: باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، وذكر حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : (إن الله يحب العطاس)، وفيه: (وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان)، وفي رواية أبي داود: (فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقول: هاها، فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه)، وفي رواية: (إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه فإن الشيطان يدخل) أي: يدخل مع التثاؤب.
إذاً: التثاؤب من الشيطان، والشيطان يدخل مع التثاؤب إلى جوف الشخص، ويضحك من العبد المتثائب، أما بالنسبة للتثاؤب فأصله من ثئب فهو مثئوب، إذاً: مرد التثاؤب إلى الكسل، ومأخوذ منه.
стр. 537
رد التثاؤب أو وضع اليد على الفم
أرشد النبي ﷺ في الحديث بقوله: (فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع) وجاء في الرواية الأخرى: (فليضع يده على فيه).
إذاً: وضع اليد على الفم جاء هذا في حديث مسلم: (إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه) أما بالنسبة لقوله ﵊: (التثاؤب من الشيطان) أي: أن الشيطان يحب التثاؤب، وهو مبعث التثاؤب، وكل فعلٍ مكروه ينسبه الشرع إلى الشيطان؛ لأنه واسطته، والتثاؤب من امتلاء البطن، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان، وأضيف التثاؤب إلى الشيطان -كما يقول النووي ﵀ لأنه يدعو إلى الشهوات، إذ يكون عن ثقل البدن واسترخائه وامتلائه، والمراد: التحذير من السبب الذي يتولد منه التثاؤب وهو التوسع في الأكل.
أما قوله ﷺ : (إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع) هل المقصود: إذا تثاءب يرده بعد انتهاء التثاؤب؟
الجواب
لا.
هذا أسلوب تستعمله العرب، إذا تثاءب أحدكم، أي: إذا شرع فيه، إذا بدأ فيه (فليرده ما استطاع) يأخذ في أسباب رده، وقيل: إن المقصود إذا تثاءب أي: إذا أراد أن يتثاءب، مثل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨] أي: إذا أردت قراءة القرآن، إذا أردت أن تشرع فيها، وقوله ﷺ : (فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)، وفي رواية: (فإذا قال: آه)، وفي رواية: (فإذا قال: ها -مرة بتقديم الهاء ومرة بتأخيرها- ضحك منه الشيطان)، وفي رواية: (فإن الشيطان يدخل) يدخل مع التثاؤب، وورد في رواية ضعيفة لـ ابن ماجة: (فليضع يده على فيه ولا يعوي، فإن الشيطان يضحك منه) أي: شبَّه الصوت بعواء الكلب، ولكن هذه الرواية لم تثبت.
стр. 538
تغطية التثاؤب ورده في الصلاة وخارجها
هل تغطية الفم وكظم التثاؤب خاصٌ بالصلاة أو هو عامٌ يشمل الصلاة وغير الصلاة؟
الجواب
أما رواية الصحيحين فأكثرها عامة، ليس فيها تقييد بالصلاة، وورد في بعض الروايات تقييده بحال الصلاة، فهناك احتمال أن يحمل المطلق على المقيد، ونقول: الكظم والتغطية والمجاهدة والحبس هو في الصلاة، أو أن نقول: إنه عامٌ، ولكنه في الصلاة يكون أوكد، ولعل هذا هو الأقوى والله أعلم، فإن الشيطان في الصلاة له غرضٌ قوي في التشويش على المصلي، وهناك قاعدة أصولية يذكرها بعض أهل العلم، وهي: أن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأمر لا في النهي، وموضوعنا الآن في حديث التثاؤب أمر، وبناءً على ذلك قاعدة حمل المطلق على المقيد لا تنطبق، لأنه هنا قال: (إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان) وقال هنا: (فليرده منكم ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك منه الشيطان) فاللام هنا لا شك أنها لام الأمر، فقال بعضهم: إن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأمر لا في النهي، وهذا ظاهره أنه يقيد هاهنا، لكن ابن حجر ﵀ ذكر في الفتح أن هناك ما يؤيد كراهته مطلقاً وهو كونه من الشيطان، أي: إذا كان التثاؤب من الشيطان هل هناك فرقٌ بين الصلاة وخارج الصلاة؟ حديث كون التثاؤب من الشيطان هل يعني: أنك تجاهده في الصلاة وخارج الصلاة لا تجاهده؟ ما هو الفرق إذا كان كلاهما من الشيطان؟ لكن في حال الصلاة هو أشد، قال ابن العربي ﵀: ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة؛ لأنها أولى الأحوال بدفعه، ولا شك أن التثاؤب فيه خروج عن اعتدال الهيئة، وفيه اعوجاجٌ للخلقة، والمتثائب إذا أفرط في التثاؤب ربما شابه الكلب، ويرفع رأسه فيه أيضاً، وبذلك يُعلم أن الشيطان إذا دفع العبد إلى التثاؤب فإنه يصيره في وضعٍ كريه، فإن الإنسان لو قدر له أن يرى حاله أمام المرآة وهو يتثاءب لرأى منظراً كريهاً بشعاً، فالشيطان من كيده أنه يدفع للتثاؤب، وهو هيئة كريهة وبشعة، وهو أيضاً يدخل مع التثاؤب، وظاهر الحديث الدخول الحقيقي.
فإن قال قائل: إنه يجري من ابن آدم مجرى الدم؟ فنقول: إذا كان ذاكراً لله يتمكن منه، لكنه إذا تثاءب في تلك الحالة ولم يرده، تمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقةً، ولا يمنع أن يدخل فيه وهو يسير منه أو يجري منه مجرى الدم.
والقضايا الغيبية، لا تحكم فيها بالعقول، ونقول: هذا داخل فكيف يدخل؟ وهذا خارج هذه قضايا مردها إلى الله ﵎، فهو يعلم كيفية ذلك.
стр. 539
تغطية المتثائب فمه بكفه ونحوها
أما تغطية الفم فإنه يغطى بالكف ونحوه إذا انفتح، فإذا كان منطبقاً فهل يغطيه أم لا؟ أي: شخص استطاع أن يجاهد نفسه بألا ينفتح فمه عند التثاؤب، فنقول: يغطيه احتياطاً؛ لأن التثاؤب فيه رغبة قوية في فتح الفم، فاحتياطاً يغطي فمه بيده، أما إذا انفتح فتتأكد التغطية.
هل يلزم وضع اليد بالذات، أو يمكن أن يضع ثوبه؟ لو وضع طرف الغترة أو غطاء الرأس، أو الكم، أو منديل مثلاً، فنقول: المقصود هو التغطية، وليس الشرط أن تكون في اليد، لكن إذا كان لا يستطيع أن يغطي إلا باليد تعينت اليد، مثل ألا يكون عنده شيءٌ قريبٌ يغطي به ونحو ذلك، وتتأكد التغطية في حال الصلاة أيضاً، كما تتأكد مجاهدة التثاؤب في حال الصلاة.
стр. 540
إذا تثاءب حال قراءة القرآن أمسك عن القراءة
ومن الأشياء المفيدة: أن الإنسان المصلي أو قارئ القرآن إذا تثاءب أثناء قراءة القرآن فعليه أن يكف عن القراءة حتى ينتهي من مقاومة التثاؤب؛ لأن التثاؤب يغير نظم القراءة، وربما تتغير الحروف، وجاء عن مجاهد وعكرمة وعدد من التابعين المشهورين هذا، وهو الأمر بالإمساك عن القراءة حال التثاؤب، وحكم التثاؤب في الصلاة مكروه إذا أمكن دفعه، وينبغي عليه مجاهدة نفسه للأمر الوارد في الحديث، خصوصاً أن طريقة كثير من أهل الظاهر أنهم يوجبونه في مثل هذه النصوص.
هل إذا تثاءب يستخدم في التغطية باليد اليمنى أو اليسرى؟
الجواب
ليس هناك -والله أعلم- نصٌ في هذه المسألة، ولكن قال بعضهم: يغطي فمه بيده اليسرى؛ لأن مبعثه من الشيطان، وذكر السفاريني ﵀ كلاماً عن أحد شيوخه، لكن ليس فيه دليل، يقول: قال لي شيخنا التغلبي فسح الله له في قبره: إن غطيت فمك في التثاؤب بيدك اليسرى فبظاهرها، وإن كان بيدك اليمنى فبباطنها.
وهذا التفريق ربما لا دليل عليه، لكن هذا من مراعاة المعنى وليس من مراعاة الدليل، يقول: "والحكمة من ذلك؛ لأن اليسرى لما خبث ولا أخبث من الشيطان، وإذا وضع اليمنى فبباطنها؛ لأنه أبلغ في الغطاء" تحكم بالتغطية بباطن اليد أكثر من الظاهر إذا قلبها.
قال: "واليسرى مُعدَّة لدفع الشيطان، وإذا غطى بظهر اليسرى فببطنها معدٌ للدفع، أي: أن هذا الذي يدفع به، فيجعل الظاهر على الفم والباطن كأنه للدفع، وهذا لم يذكر فيه دليلاً، فالمسألة واسعة إن شاء الله إذا غطى باليمنى أو باليسرى، لكن فيه معنى إذا قلنا: إنه باليسرى لأجل أنه من الشيطان.
стр. 541
كراهية إظهار التثاؤب بين الناس
بالنسبة للتثاؤب؛ فقد ذكر بعض أهل العلم بحثاً في تتمة كلام ابن مفلح ﵀ في موضوع التثاؤب، قال: "ويكره إظهاره بين الناس مع القدرة على كفه، وإن احتاجه تأخر عن الناس وفعله"، أي: احتاج وغلبه التثاؤب أخفى ذلك عن الناس.
وقال بعضهم: "يكره التثاؤب مطلقاً سواءً كان مع الناس أو لوحده"، أي: يقاوم التثاؤب حتى لو كان منفرداً، "ومما يعين على دفع التثاؤب: الإقلال من الطعام والشراب".
стр. 542
من خصائص النبي ﷺ عدم التثاؤب
ومن الأشياء التي ذكرها بعض أهل العلم في موضوع التثاؤب: هل يتثاءب النبي ﷺ أم لا على أساس أن التثاؤب من الشيطان؟ قال ابن حجر ﵀ في الفتح: ومن الخصائص النبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم -إذاً هذا مرسل- قال: (ما تثاءب النبي ﷺ قط)، وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: (ما تثاءب نبيٌ قط) ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق.
إذاً: هو تابعي، ويؤيد ذلك ما ثبت أن التثاؤب من الشيطان، فإذاً أتى بروايتين مرسلتين، وقالوا: ويؤيد ذلك أن التثاؤب من الشيطان، وجاء في الشفاء لـ ابن سبع: (أنه ﷺ كان لا يتمطى لأنه من الشيطان) والله أعلم.
هذا بالنسبة لما يتعلق بموضوع التثاؤب.
стр. 543
من آداب التجشؤ
وأما بالنسبة للتجشؤ: فإن التجشؤ الذي هو خروج الصوت نتيجة الشبع، ويخرج معه ريح عادةً من البطن، فقد ورد فيه حديث عن النبي ﷺ رواه الترمذي وابن ماجة، عن ابن عمر وحسنه الشيخ: الألباني بلفظ: (كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة) هذا الحديث ذكر الشيخ: الألباني طرقه في السلسلة الصحيحة، وقال: روي من حديث ابن عمر وأبي جحيفة وابن عمرو وابن عباس وسلمان، ثم ذكر حديث يحيى البكاء، عن ابن عمر، قال: (تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال:) فذكره، أخرجه الترمذي، وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه، قلت: يعني: ضعيف؛ لأن يحيى البكاء ضعيف.
وأما حديث أبي جحيفة وله عنه طرق: الأولى: عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: (أكلت خبز بر بلحم سمينٍ، فأتيت النبي ﷺ فتجشأت، فقال: احبس أو اكفف جشاءك) الحديث، وزاد قال: (فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا) أخرجه ابن أبي الدنيا في الجوع، قلت: فيه الوليد وهو ضعيف، لكنه لم يتفرد به، لأن له متابعة.
وكذلك من القصص التي وردت، حديث سلمان يرويه عطية بن عامر الجهني قال: سمعت سلمان وأُكِرَه على طعامٍ يأكله، فقال: حسبي، أي: عزموا عليه أن يأكل ويزيد، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا، أطولهم جوعاً يوم القيامة).
بعدما ذكر الشيخ طرق الحديث قال في آخره: وجملة القول: أن الحديث قد جاء من طرق عمن ذكرنا من الصحابة، وهي وإن كانت مفرداتها -أي: كل طريق بمفرده- لا تخلو من ضعفٍ، فإن بعضها ليس ضعفها شديداً، ولذلك فإني أرى أنه يرتقي بمجموعها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال، والله أعلم.
стр. 544
كظم التجشؤ ورده
الحديث على ماذا يدل؟ على كظم التجشؤ ورده، وهذا فيه أيضاً الإقلال من الطعام، وكذلك تغطية الفم، وحبس الصوت، وكف الرائحة التي تخرج؛ لأن التجشؤ بالذات إذا أكل ثوماً أو بصلاً وتجشأ في المسجد بين المصلين، فإن فيه تنفيرٌ وإيذاءٌ لعباد الله المصلين، وكثيرٌ من الناس يتساهلون في هذا، ولا يبالون به، ويفعلونه في مجامع الناس، ويصدر أقوى ما لديه من الأصوات، وكأنه يرى من الصحة إخراج التجشؤ بأعلى صوت ممكن، ولا يبالي بتغطية فمه ولا بغير ذلك، وإنما يتجشأ بحضرة الناس أو وهم جلوس، أو في حلقة علم، أو في الصلاة، أو في اجتماع الناس، بدون مبالاة، وهذا من قلة الأدب أن يفعل ذلك بحضرة الناس، وخصوصاً أن التجشؤ غالباً يكون مصحوباً برائحة كريهة، خصوصاً عند أكل الثوم أو البصل أو الكراث.
стр. 545
التجشؤ في الصلاة
الإنسان قد يغلبه التجشؤ فماذا يفعل؟ يكفه ما استطاع، حتى أن الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي طالب قال: إذا تجشأ وهو في الصلاة، فليرفع رأسه إلى السماء حتى تذهب الريح، وإذا لم يرفع رأسه آذى من حوله من ريحه، وهذا من الأدب، وقال في رواية مهنا، عن الإمام أحمد: إذا تجشأ الرجل ينبغي أن يرفع رأسه إلى فوقه؛ لكي لا يخرج من فيه رائحة يؤذي بها الناس، فإذا تجشأ عن يمينه أو شماله، أو وجهه إلى الأمام كأن الرائحة تكون أشد، فأكثر ما يمكن أن يفعله أن يرفع رأسه إلى فوق وهذا إذا اضطر إلى ذلك.
стр. 546
إذا حمد المتجشئ ماذا يقال له ؟
ماذا يقول المتجشئ؟ هل يحمد الله؟ هل يقاس على العطاس؟ ليس هناك دليلٌ في الموضوع والله أعلم، وقال ابن مفلح ﵀: ولا يجيب المجشئ بشيءٍ، فإن قال: الحمد لله، قيل له: هنيئاً مريئاً، أو هنَّاك الله وأمراك، ذكره في الرعاية الكبرى، وكذا ابن عقيل، وقال: لا نعرف فيه سنة، بل هو عادةٌ موضوعة، وذكر أن بعض الأطباء قالوا في علاج التجشؤ: ينفع فيه الكراويا أو الصعتر، أو النعناع مضغاً أو شرباً، أو الكندر مضغاً أو شرباً.
стр. 547
من آداب البصاق
أما بالنسبة للبصاق والتفل، فالبصاق ماء الفم إذا خرج منه، يقال: بصق يبصق بصاقاً، ويقال: البزاق والبساق، والتفل لغةً: البصق، ولكن هناك فرق، والتفل بالفم: نفخٌ معه شيءٌ من الريق، فإذا كان نفخاً بلا ريق فهو النفث، والتفل شبيهٌ بالبزاق وهو أقل منه إذاً: هناك ثلاث مراتب: البزق أو البصق وهو أعلاها الذي يكون فيه اللعاب أكثر شيء، ثم التفل ويكون فيه اللعاب أقل، ثم النفث ويكون فيه اللعاب أقل ما يمكن، ثم النفخ ليس فيه لعاب أبداً؛ لأنه هواء.
أما بالنسبة للبصاق فالأصل أن ماء فم الإنسان طاهر ما لم ينجسه نجس، أما ما يتعلق بالبصاق من الأحكام، فإنها كثيرة؛ فمن ذلك: ما ورد عن النبي ﷺ في عددٍ من الأحاديث، ولنذكر بعضها (إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى) قاله النبي ﷺ لما رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحكها ثم قال الحديث رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم، وكذلك جاء عند أبي داود وهو حديث صحيح: (التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه)، وجاء أيضاً عند أبي داود من حديث أبي سعيد وهو حديث حسن: (أيسر أحدكم أن يُبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القبلة إنما يستقبل ربه ، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه ولا في قبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عجل به أمرٌ فليتفل هكذا) أي: في ثوبه، وروى النسائي والحاكم والبيهقي وغيرهم وهو حديث حسن: (إذا صليت فلا تبصق بين يديك ولا عن يمينك، ولكن ابصق تلقاء شمالك إن كان فارغاً، وإلا فتحت قدميك وادلكه) وأحاديث البزاق أخرجها الإمام البخاري ﵀ في الصحيح، وقال: باب حك البصاق باليد من المسجد، وجاء في حديث أنس: (أن النبي ﷺ رأى نخامةً في المسجد فحكها).
стр. 548
النهي عن البصاق جهة القبلة وعن اليمين
وقال في حديث: باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، قال في حديث الرسول ﷺ : (رأى نخامة في حائط المسجد، فتناول حصاة فحتها، ثم قال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى)، وحديث أنس قال النبي ﷺ : (لا يتفلن أحدكم بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت رجله) وهذا الحديث (لا يتفلن أحدكم) وحديث: (إذا تنخم أحدكم) ليس فيه تقييد للصلاة، فالآن هل هذا مقيد بالصلاة أم لا؟ هل النهي عن البصاق إلى جهة القبلة خاصٌ بالصلاة أم لا؟ أما النووي ﵀ فإن رأيه المنع في كل حالة، داخل الصلاة وخارجها، سواءً كان في مسجد أو غيره، وجاء عن مالك أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، وقال ابن حجر: يشهد للمنع عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، عندنا الآن جهتين منهي عن البصق فيها: جهة القبلة والجهة اليمنى، هل هذا خاص بالصلاة؟ وإلا لو أن إنساناً يمشي في الشارع لا يبصق في اتجاه القبلة ولا يبصق عن يمينه.
قال ابن حجر ﵀: ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره، عن ابن مسعود: [أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة]، وعن معاذ بن جبل قال: [ما بصقت عن يميني منذ أسلمت] وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى أبناءه عنه مطلقاً، فالذين قالوا: إنه مخصوص بحالة الصلاة، قالوا: إنه قال في حديث أبي هريرة: (فإن عن يمينه ملكاً) فإذا قلنا: إن الملك هذا غير الكاتب والحافظ؛ لأن هناك ملكاً يكتب، وملائكة تحفظ، فيظهر عند ذلك اختصاصه بحال الصلاة، أي: هناك ملك غير الحافظ، ملك في الصلاة يكون عن يمين المصلي، فغير الصلاة لا يكون فيها، إذاً: يجوز أن يبصق خارج الصلاة عن يمينه، هؤلاء الذين قالوا: إن العلة وجود ملك -فهموا الحديث- في الصلاة عن يمين المصلي.
والقاضي عياض رأيه أن النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره، فإن تعذر فله ذلك، أي: إذا لم يتمكن أن يبصق في جهة أخرى غير اليمين، ولذلك قال ابن حجر: لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذي هو لابسه، فإنه يمكن مثلاً أن يأخذ طرف الثوب ويبصق فيه عن الجهة اليسرى مثلاً، وإذا كان عن يساره أحد -طبعاً المساجد من قديم كان فيها تراب وحصى- فإذا كان في المسجد تراب وأراد أن يبصق يبصق عن يساره تحت قدمه اليسرى ويدلكها بالتراب وتنتهي، لكن الآن المساجد ليست مفروشة لا بالحصى ولا بالتراب ولا بالرمل، فإذاً: لو بصق ستكون في السجاد فيحصل تلويث وتقذير للمسجد.
إذاً: ما هو الحل؟ أن يخرج منديلاً فيبصق فيه أو يبصق في طرف الثوب إذا احتاج لذلك، فقد يكون فيه علة حيث يجتمع البلغم ونحو ذلك ويسد مجرى التنفس ولا يستطيع القراءة ولابد من إخراجه، فإذا احتاج إلى البصاق، فماذا يفعل؟ يبصق عن يساره في ثوبه، أو في منديل، أما البصاق على الأرض تحت القدم اليسرى هذا محله إذا كان في مكانٍ فيه رملٌ أو تراب أو نحوه بصق تحت قدمه اليسرى ودلك ذلك حتى يذهب أثرها، كما إذا كان يصلي في أرضٍ مكشوفة في الرمل.
стр. 549
مشروعية البصاق تحت القدم
وإذا كان عن شماله شخص فعند ذلك يبصق تحت قدمه اليسرى حتى لا يؤذي من بجانبه، وقال ابن حجر: "ولو كان تحت رجله مثلاً شيءٌ مبسوطٌ أو نحوه تعين الثوب"؛ لأنك إذا بصقت سيأتي على البساط فيتعين البصق في الثوب، ولو فقد الثوب مثلاً فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي عنه، إذا كان عن يسارك أناس، وفي المسجد بساط، قال في النهاية: فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي، أنك تقذر البساط، أو تتفل عن يسار صاحبك أو تفعل شيئاً من الأشياء التي نهي عنها.
وبالنسبة للنخامة والبصاق، والنخامة والنخاعة: شيءٌ ينزل من الأنف إلى الحلق، والأخرى شيء يصعد من الصدر إلى الحلق، فهذا الفرق بينهما، فحكمها حكم البصاق، لكنها أشد من جهة أنها لعابٌ فيه شيءٌ مخلوط به مما يتقذر به بزيادة البلغم والنخامة والنخاعة أشد من مجرد البصاق، لكن حكمها حكمه، أي: قضية اليمين والشمال ونحو ذلك حكمها حكمه، أي: إذا أراد أن يمتخط في الصلاة فأخرج منديلاً يلتفت إلى اليسار ويمتخط.
стр. 550
كفارة البزاق في المسجد دفنها
كذلك قال في باب كفارة البزاق في المسجد؛ قال النبي ﷺ : (البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) لأن المساجد من تراب ورمل، فلذلك يمكن أن تدفن، والكفارة تدل على أن من بصق في المسجد آثم؛ لأنه لما قال: (خطيئة) أي: أنه آثم وأن لها كفارة.
هنا قال بعضهم: إنما تكون خطيئة إذا لم يدفن، أما إذا دفنت فلا تكون خطيئة، لكن هذا لعله ليس هو الأقوى؛ لأن مجرد فعله في المسجد لوحده فيه ما فيه، لكن قال ابن حجر رحمه الله تعالى يستدل برواية أحمد بإسنادٍ حسن، من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: (من تنخم في المسجد فليغير نخامته أن تصيب جلد مؤمنٍ أو ثوبه فتؤذيه) قال: وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد والطبراني بإسناد حسن، من حديث أبي أمامة مرفوعاً: (من تنخع -من النخاعة- في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة) فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، وفي حديث مسلم مرفوعاً قال: (ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) فهذا يدل على رأي القائلين بأنها تكون خطيئة إذا لم تدفن، فإذا دفنت لم تعد خطيئة ولا تكتب خطيئة.
وذَكَر قصة لطيفة: روى سعيد بن منصور، عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه تنخم في مسجد ليلةً فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: [الحمد لله الذي لم يكتب عليَّ خطيئة الليلة] فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها؛ لأن هذا تراب لو ألقى عليه ما ألقاه ثم دفنه زال المحذور، والعلة المذكورة في الحديث: إيذاء المؤمن، فإذا دفنها زالت العلة.
إذاً: هناك من العلماء من يقول: لا يلقيها في المسجد أصلاً، وهناك من يقول: إذا دفنها فلا حرج في إلقائها، وكذلك لو جعلها في ثوب فهو جائز حتى لو كان في مسجد.
وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشخير: (أنه صلى مع النبي ﷺ فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله) إسناده صحيح، والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم.
وتوسط بعضهم، فحمل الجواز على ما إذا كان له عذرٌ، كأن لم يتمكن من خروج المسجد، أي: لو كنت في المسجد واحتجت إلى إخراجها فاخرج إلى خارج المسجد وألقها، لكن لو كنت في الصلاة ولا تتمكن من الخروج خارج المسجد فماذا تفعل؟ فعند ذلك يجوز إلقاؤها في المسجد، لكن بدون تقذير أو تجعلها في منديل ونحو ذلك.
قال ابن حجر ﵀: وهو تفصيلٌ حسن، والله أعلم.
وينبغي أن يفصل أيضاً بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل كمن حفر أولاً ثم بصق وأورى، وبين من بصق أولاً بنية أن يدفن مثلاً، فأيهما أحسن؟ الذي يهيئ المكان قبل أن يبصق فيه كحفرٍ ثم يدفنه فيه أولى من إبرازها ثم دفنها.
وقال الجمهور: يدفنها في تراب المسجد أو رمله أو حصبائه، هذا أيضاً بناءً على أن المساجد مفروشة بالتراب أو الحصباء.
وأورد كذلك البخاري ﵀ في باب دفن النخامة في المسجد حديث أبي هريرة: (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها) هذا بالنسبة لاستدلاله بالحديث على كونه في المسجد، وقال في حديث: (إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه) عن أنس: (أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة فحكها بيده، ورئي منه كراهية، وقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ورد بعضه على بعض، قال: أو يفعل هكذا) يعني: النبي ﷺ أخذ طرف الثوب فبصق فيه ورد بعضه على بعض، كأنه أغلقه عليه ومسحه بحيث أنه لا ينتقل إلى شيءٍ آخر، ثم قال: (أو يفعل هكذا) فإذا عرض البصاق فهذا الإرشاد إلى ما يفعل، هكذا تكون الطريقة.
الحديث فيه إزالة هذه الأشياء من المسجد وتفقد الإمام أحوال المسجد، وإزالة الأذى منه، وهذا من تواضعه ﷺ ، واستدلوا بالحديث على أن خروج الصوت مثل النحنحة والنفخ في الصلاة لا يبطلها، ولكن بعضهم قال: إذا خرج منه أحرف هجاء أكثر من حرفين تبطل الصلاة؛ لأنه صار كلاماً عندهم، ولكن المسألة في قضية التعبد إذا تعمد أن يتكلم في الصلاة بكلام أجنبي بطلت وإلا فلا؛ لأنه إذا تنخم خرج حرف الخاء على سبيل المثال.
هذا ما سنقف عنده في هذا الموضع، وبقي أشياء يسيرة في البصاق والنخامة والنخاعة نتكلم عليها إن شاء الله تعالى.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 551
السفر وآدابه [٢]
في هذه الخطبة تطرق الشيخ إلى كثير من الآداب والأحكام الشرعية التي ذكرها أهل العلم في كتبهم بخصوص السفر، ومنها: الصلاة والصيام في السفر الأذكار في السفر العبادة في السفر الإمارة في السفر وغير ذلك.
كما ركَّز الشيخ كثيراً على مآسي السفر إلى الخارج، وحال كثير من المسافرين رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً.
стр. 552
زاد السفر الأخروي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الأخوة! نريد أن نُكمل شيئاً مما يتعلق بالسفر الذي كثُر جداً في هذه الأزمان؛ لما حصل من التيسير في وسائل المواصلات، التيسير الذي فتح الله تعالى به على الناس في هذه الأزمان؛ وهي نعمة كبيرة من الله ، فهل يا تُرى رعوها حق رعايتها أم أنهم ضيعوها إضاعة كبيرة؟ وهل شكروا الله على نعمة تيسير السفر، وعلى أن جعل المشاق فيه قليلة بالنسبة لما كانوا عليه في الماضي؟ والمسافر يحتاج في سفره أن يتزود لدنياه وآخرته، فإنه يحتاج للزاد المادي من النفقة وغيرها في السفر، كما أنه يحتاج إلى الزاد الديني في سفره، فهل الذين يسافرون في هذه الأيام قد تزودوا بالزاد الديني؟ إنهم يتزودون بأزواد من الدنيا، وقد يصطحبون معهم مبالغ طائلة من الأموال لكي ينفقوها في أسفارهم في التجوال والمشتريات وغيرها، وكثير من هذا التجوال وتلك المشتريات قد لا تكون فيما يرضي الله ، ولكن الزاد الديني ربما ضُيع تضييعاً تاماً عند البعض.
стр. 553
معرفة أحكام السفر في الصلاة والصيام وغيرها من الأمور الخاصة بالسفر
فهل يعرف الذين يسافرون مثلاً أحكام السفر في الصلاة والصيام، من قصر الصلاة مثلاً وجمعها؟! هل يعلمون الأوقات؟! وكيف يحددون اتجاه القبلة الذي كان متيسراً لهم في الحضر؟ يحتاج المسافر إلى أنواع من العلم قبل أن يسافر، على الأقل أن يسأل أهل العلم عما يتوقع أنه سيتعرض له من الإشكالات.
هل يستخير المسافر ربه قبل سفره كما كان ﷺ يُعلم الأمة أن تستخير في الأمور كلها؟ هل يسأل ربه إن كان هذا السفر خيراً أن ييسره له، وإن كان شراً أن يصرفه عنه، أم أنه يضع في نيته أنه سيسافر بكل حالٍ؟ وكان رسولكم ﷺ يستحب أن يُسافر يوم الخميس، وكان يستحب أن يخرج مبكراً ويقول: (بورك لأمتي في بكورها) ولكن قد يضطر المسافر أن يخرج في غير هذا الوقت؛ وهذا لا حرج فيه إن شاء الله.
стр. 554
عدم الوقوع في التشاؤم والطيرة
بعض الذين يسافرون يقعون من جهة تحديد الوقت في أنواعٍ من الشرك؛ فقد يتشاءمون بحالة من الحالات، فيرجعون عن السفر بعد أن شرعوا فيه، ورسول الله ﷺ يقول في الحديث الحسن: (لن يلج الدرجات العلى من تكَهَّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيراً) من ردته الطيرة فقد قارف الشرك، وبعضهم يفزع إلى صفحات المجلات التي تُوجد فيها الأبراج؛ أبراج الحظ لينظر ما هي أيام السعد، وما هي أيام الشؤم، وما هي الأيام التي قال الفلكي: إن السفر فيها مستحسن، فيعمد إلى تطبيق ذلك.
وعلي بن أبي طالب ﵁ لما أراد أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم، فقال: يا أمير المؤمنين لا تسافر؛ فإن القمر في العقرب؛ فإنك إن سافرت والقمر في العقرب هُزم أصحابك، فقال علي ﵁: [بل أسافر ثقة في الله وتوكلاً على الله وتكذيباً لك] فسافر فبورك له في ذلك السفر حتى قتل عامة الخوارج؛ وكان ذلك من أعظم ما سُر به علي ﵁.
стр. 555
انتقاء الأصحاب في السفر
هل يعمد المسافرون اليوم إلى انتقاء الأصحاب الذين يسافرون معهم ممن يعينونهم على أمور الدين؛ فيذكروا إذا نسوا، ويعينونهم إذا ذكروا، أليس رسول الله ﷺ قد نهى أن يسافر الرجل لوحده؟!
стр. 556
الأذكار الخاصة بالسفر
وتأمل في الأذكار التي كان ﵊ يقولها في سفره، لتعلم أن في ثنايا هذه الأذكار، وفيما تتضمنه إشارات إلى نوعية السفر، وما الذي ينبغي أن يفعله المسافر أثناء سفره.
стр. 557
ذكر التوديع للآخرين
كان ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش قال: (أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم) ومرة ودع صحابياً فقال: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).
والله إذا استودع شيئاً حفظه ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
(استودع الله دينك) الدين أهم شيء، فاجعل دينك وديعة عند الله يحفظه لك من التعرض للنقصان، أو التعرض لمعاصي الله .
(وأمانتك) من الأهل والأموال الذين خلفهم المسافر وراءه، وتأمل في قوله: (استودع دينك) عند السفر، وذلك لأنه عُهد أن المسافرين في كثير من الأحيان يتعرض دينهم لنقصان عند السفر، ولذلك كان استيداع الدين عند الله تنبيهاً للمسافر، يا فلان! يا أيها المسافر! يا عبد الله! لا تنقص دينك عند السفر.
(استودع الله دينك وأمانتك) اجعل أهلك ومالك وديعة عند الله يحفظهم لك؛ حتى إذا رجعت من سفرك وجدتهم بخير حال كما فارقتهم أو أحسن.
وقال مجاهد: خرجت إلى العراق أنا ورجل معي، فشيعنا عبد الله بن عمر فلما أراد أن يفارقنا قال: إنه ليس معي ما أعطيكما، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استودع الله شيئاً حفظه، وإني أستودع الله دينكما وأمانتكما وخواتيم عملكما).
وورد أنه ﵊ كان إذا ودّع يقول: (استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه) أي: أجعلك عند الله وديعةً، فهو الذي لا تضيع ودائعه ، والبشر إذا استودعوا شيئاً ربما حفظوه وربما ضيعوه، والله إذا استودع شيئاً؛ فإنه يحفظه .
وهاتان الصيغتان كلٌ منهما سنة عند توديع المسافر.
стр. 558
دعاء الخروج من البيت للمسافر
وإذا أراد أن يسافر؛ يأتيه إخوانه فيسلمون عليه، وإذا رجع من السفر أتاه إخوانه فسلموا عليه وحمدوا الله له على سلامة وصوله.
وهذا الدعاء عام للجميع ويدخل فيه المسافر: (باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أُضل، أو أزل أو أُزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يجهل عليَّ) أليست هذه الأدعية داعيةٌ للمسافر ألا ينقص الدين أثناء سفره؟!!
стр. 559
دعاء الركوب والاستواء على الدابة
عن علي بن ربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب ﵁ أتي بدابةٍ ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب، قال: (باسم الله) عندما تضع الرجل على الدابة تقول: باسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: (الحمد لله ثلاث مرات، الله أكبر ثلاث مرات -هذا الذكر لله عند الاستواء على الطائرة، أو السيارة، أو دابة السفر أياً كانت؛ تذكير لهذا الشخص بربه عزوجل- سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
ثم ضحك.
فقيل: يا أمير المؤمنين! من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت ثم ضحك فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري) توحيد الله بطلب مغفرة الذنوب منه عزوجل، وتأمل في طلب المغفرة من الله عما يمكن أن يقع فيه هذا المسافر من الزلل.
وتأمل في دعاء الركوب: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] ما كنا مطيقين لهذه الدابة وهذا المركوب لولا أن الله سخره لنا، وهو يخلق ما لا تعلمون، فكما أنه خلق الجمل فقد خلق لنا السيارة والطائرة ونحوها: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كنا لهذه الوسيلة وسيلة السفر مطيقين لها لولا أن الله سخرها لنا: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٤] تذكيرٌ للنفس أنها ستعود إلى الله، أنها ستموت وتعود وترجع إلى ربها، إذن هل سيقدم على المعاصي أثناء سفره إذا كانت تذكرته لنفسه حقيقية.
стр. 560
الدعاء أثناء السفر والرجوع منه
(اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى) عندما يقول هذا الدعاء هل سيقدم ويقارف المعاصي أثناء السفر وإذا وصل إلى المكان الذي يريده، وهو يسأل ربه ويقول: (نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده)؟ إذاً علينا اللجوء إلى الله عزوجل؛ لأن السفر فيه مشاق، حتى لو كان في الطائرة قد تأتي لحظات على الإنسان من الأعطال في الطائرة، أو سوء الأحوال الجوية ما تشعر فعلاً بقول رسول الله ﷺ : (السفر قطعة من عذاب).
(اللهم أنت الصاحب في السفر) أنت تصاحبني في سفري، أنت معي في سفري.
(والخليفة في الأهل) أي: وأنا أسخلفتك على أهلي؛ جعلتهم وديعةً عندك.
(اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر -شدته ومشقته- وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والول) فيستعيذ بالله أن يرجع إلى أهله فيجدهم بحالٍ سيئة، فهو إذن يدعو الله أن يحفظ أهله وأن يكون الله معهم يشفي سقيمهم، ويلُم شعثهم، ويحفظ عليهم دينهم وأمانتهم.
(والخليفة في الأهل) أي: هو المعتمد عليه ، والمفوض إليه الأمر غيبةً وحضوراً.
وإذا رجع ﵇ من السفر زاد إلى ذلك: (تائبون عابدون لربنا حامدون) أي: تائبون مما وقع منا، عابدون لربنا حامدون على أن أرجعنا، وهكذا.
стр. 561
سبب مشروعية الأذكار في السفر
فإذاً مجموعة هذه الأذكار التي تقال في السفر لأي شيء شرعت؟ أليس من الحكم أن تُذكر المسافر بالله ؟!! أليس تُذكره ألا يعصي ربه ؟!! (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور) كما ورد عن الرسول ﷺ من أدعية السفر أعوذ بك من النقصان بعد الزيادة، أو من الزوال والنكصان بعد الثبات والاستقرار من أدعيته ﷺ .
وكان يقول في سفره إذا أسحر -في وقت السحر-: (سمع سمعاً بحمد لله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذاً بالله من النار) أي: ليسمع السامع ويشهد الشاهد بنعمة الله علينا.
ثم يدعو يقول: (ربنا صاحبنا وكن معنا، واحفظنا وأفضل علينا، وأتم علينا النعمة والفضل).
فمعنى الكلام: أقول هذا وأنا مستعيذ بالله من النار.
فإذاًً كل هذه الأدعية يدعو بها الإنسان ليحفظ نفسه، لو أن الناس اليوم عقلوا هذا؛ فهل سيذهبون إلى الخارج مثلاً ليفسقوا ويجرموا ويذنبوا، ويرتكبوا الكبائر في حق الله ؟!!
стр. 562
أمور أخرى متعلقة بالسفر
стр. 563
فائدة التأمير في السفر
تأمل ما في فائدة التأمير؛ وهو واجب كما يفيده ظاهر النص ورجحه جماعة من أهل العلم: (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم) ليحفظ عليهم أمرهم، ويلم شعثهم، ولا يتفرقوا ولا يختلفوا، فيجعلوا أميراً منهم عليهم يكون فقيهاً في أمور السفر عالماً بآداب الدين وأحكامه، سديد الرأي، يعلم كيف يتعامل مع النفوس، وإن لم يوجد اختاروا من بينهم أصلحهم لذلك (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).
وكذلك هذا الأمير يرعى أصحابه في السفر ويخدمهم، نُقل عن عبد الله بن الوزير أنه صحبه أبو علي فقال عبد الله: على أن تكون أنت الأمير أم أنا؟ فقال: بل أنت، فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولـ أبي علي على ظهره، فأمطرت السماء ذات ليلة؛ فقام عبد الله طوال الليل على رأس رفيقه وفي يده كساء يمنع عنه المطر فكلما قال له: لا تفعل! يقول: أما تقول إن الإمارة مسلمة لي؟ فلا تتحكم عليَّ ولا ترجع عن قولك، حتى قال أبو علي: وددت أني مت ولم أقل له: أنت الأمير.
فهكذا ينبغي أن يكون الأمير.
стр. 564
حد الصحبة في السفر
وخير عدد يخرج به المسافرون أربعة، قال ﵊: (خير الصحبة أربعة، وما نقص عن ثلاثة فهو مذموم: الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب) هذا إذا لم يكن هناك ضرورة لسفر الإنسان بمفرده، أو لم يجد رفقة يخرج معهم.
(لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل ٍوحده) كما قال ﵊ في الحديث الصحيح، فنهى عن الوحدة: أن يبيت الرجل وحده أو يسافر وحده، ولذلك تجد كثيراً من الذين يسافرون للفسق والفجور يذهبون بمفردهم؛ لأن المجموعة عندما تذهب مع بعضها ربما يكون في بعضهم خير، فيكون مانعاً لآخرين من الوقوع في الفجور، وربما يستحي بعضهم من بعض، أليس قد قال لنا القائلون: إنهم إذا نزلوا في الفندق وعرف أن في الفندق أناساً يعرفهم؛ فإنه يستحي من إظهار الفجور وإظهار الفاحشة، أو إظهار أنه يرافق فاجرة من الفاجرات أمام الناس الذين يعرفونه من أهل بلده.
فإذاً فالصحبة وإن كانت قليلة ففيها خير، ولذلك لا يُنصح الإنسان أن يسافر وحده أبداً.
стр. 565
ذكر الهبوط والصعود في السفر
وتأمل الذكر الذي يُسن أن يقوله المسافر إذا علا شرفاً أو هبط وادياً، فإذا علا قال: الله أكبر، وإذا نزل قال: سبحان الله! عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف؛ هذا ما أوصى به ﵇ رجلاً لما أراد أن يسافر، وقال لنا شيخنا أبو عبد الله عبد العزيز حفظه الله: يدخل في ذلك الطائرات عند إقلاعها فيقول: الله أكبر، وعند هبوطها فيقول: سبحان الله، وإذا تعرضت للمطبات الهوائية فنزلت فيقول: سبحان الله، فإذا ارتفعت؛ قال: الله أكبر، وهكذا فلسانه مشتغل بذكر الله .
следующие страницы →