← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35115

البيان في مداخل الشيطان

عبد الحميد البلالي

Полный текст (171 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

البيان في مداخل الشيطان تأليف عبد الحميد البلالي قدم له محمد أحمد راشد

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الاستاذ محمد احمد الراشد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه اجمعين. اما بعد: ... فان القران الكريم قد اطنب في التحذير من عدوين لدودين: من الشيطان ومن بني اسرائيل فما من صفحة فيه الا وفيها آية تكشف لك كيدهما او كيد احدهما وقد لا يلتفت المبتدي والعامي الى مغزى هذا الاهتمام في القرآن بهذين الخطرين الا ان الناظر في السيرة المطهرة المحلل لتاريخ الامة المتأمل في التجارب الحاضرة الراصد لأسباب الضعف والخلاف: يدرك بوضوح أنهما وراء كل فتنة وشر. وسبب كل تحذيل وتعويق. فلا عجب أن يتصدى الوعاة لتقليد القرآن في منهج التحذير من هذين العدوين فيطيلوا النفس جيلا بعد جيل في ترتيب الآي. واستنباط معانيها وتكميلها بمثلها من كلام النبي ﷺ أو أقوال معلمي الأمة. من فقيه واقف على أسرار أعمال القلوب أو مؤرخ مكتشف لوثائق الادانة وخفايا العلاقات. بيد أن استقرار معاني الحذر من الشيطان في القلب يحتاج الى ايمان عميق لا تحتاجه حقائق التاريخ وعلى الأخص أن هناك حاضرا مرئيا لبني اسرائيل

стр. 3

تقاس عليه سابقاتهم لكن الاخبار بوجود الشيطان أمر غيبي ويحتاج قلبا يؤمن بالغيب الذي تحدثت عنه عقيدة الاسلام ومن لا يملك هذا الايمان بالغيب الذي تحدثت عنه عقيدة الاسلام ومن لم يملك هذا الايمان بالغيب فهو عن ادراك طبيعة الخطر بمعزل وعن النجاة بعيد وقد يكون المرء مسلما تمييز انواع كيده واستدراجه ويتقن فنون التملص من اغرائه. فمن ثم كان هذا الكتاب الذي بادر الى جمعه أخي البلالي حفظه الله ورعاه اذ انه ادرك حاجة المكتبة الاسلامية الى بحث في هذه المعاني يقف عند النص القرآني وصحيح الماثور غير مشوب باحاديث ضعيفة وموضوعة ولا بقصص وهمية خرافية او بكلام جزاف فكان له التزام جيد بمنهج سليم تناول الموضوع من خلاله واعانه على ذلك اعتماده على متابعة علماء من سلف الامة ومحدثيها ممن عرفوا بصحة العقيدة ووفور التقوى فقد اصغى لابن الجوزي حتى وصف له تلبيس ابليس وسلك مدارجا مهدها ابن القيم وزامل سيدا خلال رحلة تاملية في ظلال القران ثم آب لك راجعا يقص عليك القصص ويخبر بما هنالك. وكما ان المشروع الهندسي يعهده الناس الى مهندس ثم يلتمسون وصف الدواء من طبيب فكذلك هذا الخبر الصادق وفق الله لتبليغه اليوم من نعرفه بشدة الاحتياط ولا نزكي على الله احدا فكان في الفاظه وضوح

стр. 4

ينبيك انه لم يصدر في ذلك عن مجرد رغبة بحث وتكاثر بالصفحات بل هو جهد تربوي منه لاخوانه الدعاة يتفاعل هو واياهم مع موضوعه كل يوم بل كل ساعة بل الموفق منهم المحترس اليقظ يفترض فيه ذلك كل لحظة وحسب اخي ويكفيه انه قد فهم طبيعة التربية الايمانية التي تلزم الدعاة وعرف النقص فبادر الى محاولة الاستدراك بتجديد التذكير قي ضرورة النجاة من القاءات الشيطان واضعا اصحاب القلوب المتفتحة من اخوانه العاملين للاسلام التي لم تغلقها المعاصي والفتن ومحبة الدنيا في شغل كله خير محمود العواقب من زيادة الحذر ومحاسبة النفس وفصاحة الذكر وطول السجود. فكتاب أخي هذا جزء نافع ان شاء الله من مجموع متطلبات الخطة التربوية للجماعات الاسلامية تلتذ خلال مطالعته بحماسته وبشفقته عليك. وبحيوية النبرات الصادقة التذاذا ينسيك انواعا من جمال الانشاء والاسترسال البياني الجميل ومزيد مهارة في الصنعة التاليفية يحتاجها. فقلم اخي في هذه المواعظ ما زال مبتدئا لم يستطع محاكاة البلغاء لكن نصائحه جاءت في ذروة الصدق فهي من ثم حرية بالقبول وطالب الانتفاع لا يسمح للبطر العلمي ان يمنعه من الاصغاء للنصيحة البسيطة المتواضعة اذا كانت صادقة ومن ابى الا ان ينمق له الكلام فهو واهم ومثقل نفسه بنوع من الترف. ان هذه المخاطبات دعوة الى الانتباه والحذر وليست فتحا لباب الوساوس فان الاسراف في ذكر خواطر السوء والتفرغ لردها يشغل المسلم عن اصل عمله في التوجه لفعل المعروف وفي ذلك بعد وانحراف عن طريقة السلف الصالح بل الصواب ان يقذف المسلم نفسه في لجة العمل مجتهدا متحريا صفاء النية وصواب الابتداء فيخرجه ذلك الى استمرار تلقائي

стр. 5

وحصانة ذاتية ضد الوسوسة بسبب امتلاء النفس والجوارح بمقاصد الخير والخطو اليه دونما حيز فراغ فيهن تطرقه الخواطر الشيطانية او تحتله فاذا بقيت من بعد بقية لهذه الوساوس فان سعة آفاق الرجاء في قلب المؤمن تتكفل بتبديدها ولا يكمل الايمان بمجرد خوف من رب جبار منتقم ومن عقابه وناره ومن شيطان خلقه وجعل كيده فتنة وامتحانا للعالمين بل حتى يقابل ذلك رجاء اكبر وانتظار لطف من رب رحيم غفور ودود. فالمهم في عمل اخي البلالي انه انطلق من حقيقة وجوب العلم بالشر واسبابه ومتاهاته علما موازيا لعلمنا بالخير واسبابه وطريقه المستقيم ولذلك لم يكن لينتهي الى نتيجة ابتداعية يميل معها الى عزلة وسلبية تورط فيهما بعض المسلمين من قبل ولهم اليوم عقب وارث وانما اخذ بيدك نحو ايجابية التوكل على الله تعالى للتغلب على تزيين الشيطان. وشخصية اخي الكاتب تدلك على بعض سمات هذه الايجابية اذ انه درس الهندسة الكهربائية في جامعات بريطانيا وهو اليوم مهندس يؤدي دوره في العمران المدني للحياة. كما انه داعية ملتزم بموازين الايمان يؤدي دورا في البناء الحضاري الفكري العقائدي الاخلاقي للامة يحرص معه على ابرائها من امراض رآها تنخر كيان المجتمع الغربي الذي عاش فيه بضع سنين. لكل ذلك فاني احث شباب الدعوة الاسلامية على مطالعة هذا الكتاب وتدبر ما فيه من اوصاف الشبهات والشهوات التي يلزمهم تجنبها فان المزالق كثيرة والاغواء قائم والتذكرة واجبة. ومن انتهى فنفسه انجى. والله الهادي الى صواب القول والعمل وبه نعوذ من همزات الشياطين. محمد أحمد الراشد

стр. 6

مقدمة ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له واشهد ان لا اله الا الله مالك السموات والارض وما بينهما القادر على كل شىء قدير الباسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل واشهد ان محمدا عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون بسببه انجلت الغشاوة عن الاعين والوقر عن الآذان وسطع نور الحق على القلوب التي كانت مغلقة فتفتحت به تفتح الازهار عند الشروق. جاب الاسواق شرقا وغربا عارضا سلعته التي اوكله الله بعرضها للبشر صائحا بهم الا ان سلعة الله غالية الا ان سلعة الله الجنة. الجنة اقرب الى احدكم من شراك نعليه والنار مثل ذلك فاقبلت عليه فئتان من الناس الاولى آثرت الاخرة على الدنيا واشترتها فباعت نفسها ومالها لله فاخترقت البشارة تشق عباب الغيوم نازلة من العرش اليهم تبشرهم " ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة" واما الفئة الاخرى فقد " اشتروا الضلالة بالهدى" فنزلت البشارة تخبرهم انه سوف " لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون"

стр. 7

اما بعد فان الله بعدما اخبر الملائكة قائلا لهم" اني جاعل في الارض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونح نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون" ولكي يثبت لهم بأن آدم يتميز بميزة عنهم " علم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة " فقال لهم وهو العليم بهم وبضعفهم وبخصائصهم " أنبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين" ووقفوا امام هذا السؤال مبهوتين فعرفوا ضعفهم وانهم ليسوا بقادرين على الذي يقدر عليه هذا المخلوق الجديد فاعترفوا وقالوا " سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم" وبعدها " قال يا آدم انبئهم باسمائهم فلما انبأهم باسمائهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون.؟ وتكريما لهذا المخلوق الجديد نادى الله بالملائكة وكان الامر شاملا للشيطان " اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين" ويسال الله ﷻ الشيطان عن ابائه عن السجود قال له " ما منعك الا تسجد اذ امرتك" فانبجست عيون الحقد والكبر من اغوار نفسه فرد على الله خالقه من عدم بكل جرأة " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" وهل يرضى الله ان ينازعه احد في كبريائه وهو القائل على لسان نبيه ﷺ " العز ازاري والكبرياء ردائي فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته" فقال له" اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين" ولكن هل يصمت عدو الله امام هذا ويقف مكتوف الايدي وآدم يتمتع هو وزوجه بالجنة"لا" فلا بد من الانتقام من ذلك المخلوق الذي كان سببا في طرده. وراح يوسوس لهما لكي يزحزحهما عما كانا فيه وقام يدليهما رويدا

стр. 8

رويدا بغرور حتى وصل الدلو الى القاع الذي يريد النتيجة ان عصيا امر ربهما فنادهما ربهما " ألم أنهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين"؟ ولكن ماذا يفعلان بعد ان عصيا ربهما وما المصير الذي ينتظرهما؟ ولم يكن انسب من ان يعترفا بذنبهما ويطلبا من مولاهما العفو فقالا:" ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين". وقبل ان يامرهم بالهبوط الى الارض قال عدو الله طالبا من الله ان يؤجله. " انظرني الى يوم يبعثون" ويطلب من الله النظرة الى يوم البعث كي يكون اكبر وقت يستطيع فيه ان يجذب بني آدم بتزيينه ويرمي بهم في جهنم فهو لا يرضى بوقت قصير يجذب به القليل انما يدعوه حقده الى ان يطلب من الله النظرة الى يوم البعث فهو لا يرضى ان يكون لوحده بجهنم كما انه لا يرضى بان يكون مع عدد قليل بل لا بد من امم تكون معه من سلالة عدوه الذي كان سببا في طرده ولكن الله يرد عليه قائلا: " انك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم" وما ان اذن له بالبقاء حتى قام يسرد على الله بكل وقاحة وحقد دون استحياء من الله ولا خوف خطته لاضلال البشرية قائلا "فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين انه سيدخل على ابن آدم من كل مكان ومن كل اتجاه ليصهره في بوتقة الضلال. ويشاء الله ان يهبطوا منها جميعا ويبدا الصراع بين عدو الله وآدم ويعلنها عدو الله حربا لا هوادة فيها ويضع عدة الحرب ويلبس لباس المعركة ولا ينزعه حتى اليوم المعلوم حرب شاملة تسير على خطة متشعبة ويقوم بتنفيذها جيوش الباطل في كل مكان بقيادة ابليس حرب الهدف منها اطفاء نور الله والقاء بني آدم في جهنم. وها هم الآلاف المؤلفة يتساقطون امام مهام الشيطان ويخرون في

стр. 9

وحل الضلال وها هي جيوش الشيطان تسير وكل يوم ينظم اليها الكثير من بني آدم بسبب احكام ابليس تنفيذ مخططه بالاغواء. ويكشف الله مخططه الرهيب ويجلي خطة عدوه عاليا وتبدو واضحة لكل من اراد ان ينظر انها مليئة بالمداخل من امر بالسوء بالتصور والفعل وتخويف بفقر قاتل وتخويف باولياء الباطل والقاء الاماني الكاذبة وايقاع العداوة بين افراد الاسرة الواحدة والمجتمع الواحد والامة الواحدة والصد عن ذكر الله باليسر والعسر وتزيين الباطل في عيون اصحابه واستهواء يثقلهم للارض وايماء بجدل عقيم وتحريم لما احل الله من الطعام واللباس والنساء وغرس الياس من النصر وتفكيك للاسرة ونزغ بالعجب بالنفس والاستعلاء على الغير والاستفزاز بصوته القبيح ومشاركة بالاموال بالاولاد والقاء الهمزات الخفيةفي نظرة بشهوة او فكرة لا تعين على ذكر الله وغضب للنفس ونجوى بين اثنين ليحزن الذين آمنوا واستحواذ على النفوس بالشهوات ووسوسة تنقلك من عالم الخشوع الى عالم النسيان وغيرها قليل لا تحصيها ورقاتنا القليلة. ولقد اوضح الله لعباده هذه المداخل كلها لتعينهم في حربهم مع عدوهم فاخذتها فئة من الناس ودرستها دراسة وافية ووضعت الجيوش على جميع الثغور كي تصد كل هجمة من العدو وتحكم الحراسة للقلب لئلا يدنسه العدو الحاقد وفئة اخرى فتحت ابواب قلوبها على مصراعيها وغزت الشياطين قلوبها حتى تحولت قلوبهم الى معسكرات لجيوش الشيطان. وتسير الجيوش جيوش الشيطان حتى تصل الى الغاية التي رسمها عدو الله وصلت الى نهاية الطريق بعد ان سارت طيلة هذه الدنيا على هذا الكوكب الصغير ولكن اين الغاية؟ اين المتعة؟ اين انا؟ هاهي الغاية المضحكة والمبكية في آن واحد.

стр. 10

هاهي المتعة التي كنتم توعدون انها آفة كبيرة فاتحة فاها متشوقة لتقبيلكم ومعانقتكم بعد فراق. هاهي تخرج الزفير والشهيق شوقا للقائكم" اذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ". ويلكم اما ترونها " ترمي بشرر كالقصر كانه جمالة صفر"؟ اما تسمعونها تصيح " هل من مزيد"؟ ها هو معسكركم الكبير وقد اندلعت النيران فيه وهذا قائدكم العام ورؤساكم الذين اتبعتوهم وصفقتم لهم ونصرتموهم بالباطل جميعهم وصلوا الى ما يريدون. " هذه النار التي كنتم بها تكذبون افسحر هذا ام انتم لا تبصرون. اصلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم انما تجزون ما كنتم تعملون. لقد انتهت الخطة التي وضعها القائد العام للقوات الضالة لقد انتهت الخطة التي وضعها للانتقام من هذا المخلوق وما اطوله من انتقام ... وكانت جهنم واهوالها هي نتيجة الاتباع ... ولم يترك الله ابن آدم هكذا سدى دون علاج فلقد وصفه له واحسن الوصف في القران الكريم والسنة لكي يستعين به في مواجهة هذا العدو وليكون سببا في فوزه بسلعة الله. ورب سائل يسال لماذا خلق الله ابليس وهو الذي يسبب ضلال الافراد والجماعات بنشر الفساد في الارض؟؟ ومما لا شك فيه ان وراء كل خلق حكمة يعلمها الخالق جلت قدرته فمن حكم خلق ابليس ان تظهر قدرته تعالى على خلق المتضادات المتقابلات

стр. 11

فخلق ذات ابليس التي هي سبب كل شر في مقابلة ذات جبريل التي هي مادة كل خير. تماما كخلقه الليل والنهار والضياء والظلام والداء والدواء والحسن والقبيح والماء والنار والخير والشر وذلك من اول الدلائل على كمال قدرته وعزته فخلو الوجود من بعض هذه المتضادات بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته. ومنها ظهور آثار اسمائه القهرية" كامنتقم وشديد العقاب وسريع الحساب" فلا بد من وجود هذه الاسماء من سبب فلو كان كل الخلق على طبيعة الملك لم يظهر اثر هذه الاسماء. ومنها ظهور اسمائه المتعلقة بالرحمة والحلم والعفو والمغفرة والستر. فلولا خلق ابليس المسبب للمعاصي لما ظهرت آثار هذه الاسماء. ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق ابليس لما حصلت ولكان الحاصل بعضها. منها احب العبوديات الى الله وهي الجهاد فلو كان الناس كلهم طائعين لاختفت هذه العبوديه وتوابعها من الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه وبذل النفس والمال له والدعوة اليه وغيرها حكم كثيرة ذكرها الامام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين. وبعد ذلك كله لا ادعي ان الله حذر عباده من ابليس وذكر لهم عاقبة اتباعه دون ان يذكر لهم العلاج ودون ان يقرن ذلك برحمته الواسعة ودون ان يرغبهم بالجهاد في سبيله وهو القائل " سابقوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" وقال تعالى: " قل يا عبادي الذين

стр. 12

اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم. وفي الصحيحين عن ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " لما قضى الله الخلق كتب كتاب فهو عنده فوق العرش ان رحمتي غلبت غضبي". وبعد فانه لا يستطيع اي انسان ان يحارب عدوه حتى يعرف من يحارب وما هي نقاط الضعف فيه وما هي خططه وانواع اسلحته وكميتها وجنوده وعددهم ونقاط الضعف فيهم ... حينها يكون طريق النصر سهل نجري به ولا نتعثر واثقين من نهايته فاما نصر واما شهادة. وللحصول على كل هذه المعلومات عن العدو بهذه الدقة استعنت بكتاب الله الكريم واستعنت بالسنة المطهرة لتوضيح ما لم يكن واضحا واستعنت كذلك بكتب بعض علماء السلف كالامام ابو الفرج ابن الجوزي وشيخ الاسلام ابن تيمية والامام ابن القيم واستعنت ايضا ببعض التفاسير كتفسير ابن كثير وفي ظلال القران. وبعد ذلك كله لا ابرىء نفسي من الخطأ والنقص والضعف وقلبي متفتح ان شاء الله لكل نقد يستند الى دليل شرعي من الكتاب والسنة. واسال الله ان يكون هذا العمل صحيحا على ما جاء به الشرع خالصا لوجهه الكريم وان يكون نقيا من كل شائبة تعكر الاخلاص واساله تعالى الغفران على كل خطأ والله المستعان والحمد لله رب العالمين.

стр. 13

الفصل الاول البداية ١ - الاخبار بخلق جديد ٢ - الامر بالسجود ٣ - عصيان الشيطان للامر ٤ - الطرد لابليس ٥ - طلب الانظار ٦ - تفاصيل الخطة ٧ - الاستثناء للبعض ٨ - اسكان آدم وزوجه الجنة ٩ - التطبيق الاول للخطة ١٠ - الهبوط الى الارض

стр. 14

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ البداية: وقصة البداية تتكرر كل يوم فيولد الكثير من الناس كما ان النهاية تتكرر كل يوم فيموت الكثير وهي النهاية التي تعني انقطاع عمل ابن آدم الا من ثلاث: صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له اما غير ذلك فينتهي بموته. والنهاية الحقيقية للانسان هي يوم القيامة حيث يجازيه الله بما عمل في الفترة الواقعة بين حياته وموته كما اخبر تعالى بقوله: " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا" من ذلك يتبين ان البداية في حياة الانسان هي مرحلة بالغة الاهمية لانها المنطلق الذي ينطلق منه لتحقيق الهدف الذي خلق من اجله وهي عبادة الله. " وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون" ولأهمية هذه المرحلة في حياة الانسان لم يغفلها القران الكريم وظل يذكرها في كثير من المواضع. تلك البداية هي بداية اول انسان وقد سماه" آدم" وسبب الكثرة من ذكره كي نستخلص من تجربته التي خاضها مع عدوه ابليس للمنهج السليم الذي يعيننا على تحقيق غاية الخلق وكان ذكر هذه البداية مقسم الى اقسام. فذكر كيف تم الاخبار بخلق جديد وكيفية خلقه وامره للملائكة بالسجود له. وعصيان الشيطان للامر ثم طرده للشيطان وطلب الشيطان النظرة ثم ذكر تفاصيل خطة ابليس لاغواء بني آدم واستثنائه لبعض بني

стр. 15

آدم ممن يتصف ببعض الصفات كالعبودية لله والاخلاص ثم ذكر تكريم آدم وزوجه باسكانهما الجنة وذكر التطبيق الاول لخطة الشيطان باغواء آدم ثم ذكر امره لآدم وزوجه وابليس بالهبوط الى الارض وتوبة آدم من المعصية وقبول الله لها ثم ابتدأت حياة آدم وبنيه على هذا الكوكب لتطبيق الغرض الذي خلقهم الله من اجله فمن افلح بتحقيق هذا الهدف وحارب عدوه الاول ابليس ومنعه ان يسيطر عليه فعاقبته الفوز. ومن اخفق بتحقيق هذا الهدف وسالم عدوه الاول ابليس وقبل بسيطرته عليه فعاقبته الخسارة.

стр. 16

الاخبار بخلق جديد عندما شاءت الحكمة الالهية ان تجعل على هذا الكوكب خليقة ليعبد الله قال الله للملائكة: " اني جاعل في الارض خليفة" ولكن لعدم علم الملائكة بأسرار الحكمة الالهية وراء خلق هذا الخليفة. " قالوا اتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" فرد عليهم: " قال اني اعلم ما لا تعلمون" ولكي يريهم ان هذا المخلوق الجديد يتميز عنهم بميزة المعرفة " علم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الاملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين" وامام هذا العرض وهذا السؤال اعترفوا بضعفهم امام مولاهم وقالوا بخضوع واجلال" سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم"وعندها امر آدم ان يريهم هذه الميزة التي يمتاز بها عنهم فقال له: " ياآدم انبئهم باسمائهم فلما انباهم باسمائهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" وتكريما لهذا المخلوق الجديد امر الله الملائكة بالسجود له.

стр. 17

الامر بالسجود للمخلوق الجديد " واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين". ويسجد الملائكة جميعا الا ابليس ويابى ان يسجد للانسان ويكرهه منذ تلك اللحظة حقدا منه واستكبارا. وآدم بعد لم يخص معه المعارك ولم يرفع بوجهه السلاح. عصيان الشيطان الآمر وتبدأ اول جريمة للشيطان وهي عصيانه لامر الرحمن وذلك بان الملائكة جميعا سجدوا وكان الشيطان ضمن اولئك المامورين ولم يسجد فساله الله قال: " ما منعك الا تسجد اذ امرتك" ويرد عدو الله بتكبر وحقد قال: انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين والعحب بهذا الجواب انه يقر ويعلم ان الله خالقه وخالق آدم ويعلم ان الله بيده الحياة والموت لذلك طلب منه في موضع اخر ان ينظره الى يوم البعث ومن هنا يتضح ان العلم منفرد لا ينفع صاحبه شيئا ما لم يكن مقرونا بالعمل وهذا الذي كان ينقص ابليس ولاجل ذلك غضب الله عليه وكتب عليه الصغار ولقد ملأ الله كتابه العزيز بالحث على العمل. فبشر العاملين ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار." وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار " والذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك اصحاب الجنة "والذين آمنوا وعملوا

стр. 18

الصالحات طوبى لهم وحسن مأب. بل وعدهم باعلى منزلة بالجنة فقال: " ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا وكذلك وعدهم بالمغفرة والعفو عن اخطائهم وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة واجر عظيم وكذلك وعدهم بالمغفرة والرزق الكريم معا فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم ووعدهم بالهداية ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم ووعدهم بالاستخلاف في الارض وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم" وحتى المعصية فميزانها عند الله واحدة اذا اقترنت بتوبة نصوح غفرها الله وبدلها بحسنة واوجب له ما اوجب للعاملين اما ان لم تكن مقترنة بتوبة مع اصرار على المعصية كما فعل ابليس عندما ساله الله ما لك الا تكون من الساجدين"فاجابه اجابة المصر على معصيته لم اكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون وعندها يحق غضب الله وعقابه وبعد ذلك يتضح جليا الفرق بين معصية آدم ومعصية ابليس في ميزان الله. فأما آدم فقد قرن معصيته بتوبة فتاب الله عليه فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه واما معصية ابليس فلم تكن مقترنة بتوبة وانما قرنها باصرار على المعصية مما أوجب غضب الله عليه وطرده من رحمته التي وسعت كل شىء.

стр. 19

الطرد لأبليس ان الكبرياء احدى صفات الله التي لا يرضى ان ينازعه فيها احد فان نازعه فيها احد فانه يعذبه سواء في الدنيا او في الاخرة واول من نازعه فيها هو ابليس بعد ان عصى امره بالسجود لآدم معللا ذلك بانه خير منه فما كان من الخالق الا ان قال له اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين. لقد طرد من الجنة وطرد من رحمة الله وحقت عليه اللعنة وكتب عليه الصغار ولكن الشرير العنيد لا ينسى ان آدم هو سبب الطرد والغضب ولا يستسلم لمصيره اليائس دون ان ينتقم ثم ليؤدي وظيفته وفق طبيعة الشر التي تمخضت فيه. طلب الانظار ويضع عدو الله التخطيط الاول للانتقام من هذا الانسان فهو لا يرضى ان يكون لوحده في جهنم دون عدوه الذي كان سببا في طرده هنا يطلب من الخالق ان يؤجله الى يوم البعث كي ينجو من الموت لانه لا موت في يوم البعث." قال أنظرني الى يوم يبعثون "ويرد الله عليه ليس كما طلب الى يوم البعث ولكن الى يوم الوقت المعلوم وهو يوم القيامة " قال فانك من

стр. 20

المنظرين الى يوم الوقت المعلوم" وما ان أذن له بالبقاء حتى قام يسرد على الله بكل وقاحة ودون استحياء منه ولا خوف خطته لاضلال البشرية. تفاصيل الخطة لقد اخبر الله تعالى عن مادة خلق الشيطان فقال: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم" ولهذه النار خصائص من ابرزها: أ - الكبر: " لقد قرر القرآن الكريم من هذه الصفات: الكبر وهو وصف يرى في نزوع النار الى الاستطالة والاستعلاء وارادة الارتفاع وان لنقرأ في القصة الكريمة ان الشيطان حضره ذلك الطبع حين امر بالسجود لآدم فأبى ان يكون مع الساجدين فطرده الله من رحمته". " قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها" فأراحنا رسول الله ﷺ اذ محضه لنا واعلن حقيقته سوية واضحة:" الكبر بطر الحق وغمط الناس (وبطر الحق: رده وعدم الاذعان له). وغمط الناس ازدراؤهم وانتقاص اقدارهم وحقوقهم- وكلتا شعبتا الكبر بارزتان في قصة امتناع ابليس من السجود لآدم " قال ما منعك الا تسجد

стр. 21

اذ امرتك؟ قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " فقد توجه امر الله اليه بالسجود ولكنه رد هذا الحق ورفض الاذعان له معلنا فضله على آدم واحتقاره لشأنه " انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" ب - العجلة والغضب: ومن صفات النار التي يمكن اسنادها الى الشيطان كذلك ما ذكره القرطبي في تفسيره قال: قال الحكماء " ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والاضطراب" وهي صفات يمكن استنباطها بمجرد المشاهدة والمراس ويجمعهما لك معنى العجلة والغضب ويستانس لها بما رواه ابو يعلى عن رسول الله ﷺ " التاني من الله والعجلة من الشيطان" والتاني ليس معناه البطء والتسويف عن مبادرة الخير انما هو النظرة الفاحصة البعيدة التي تريك مقدمات كل امر ونتائجه واوائله واواخره بحيث لا تسرع بانقاذ امر من الامور او رده الا بعد ان ترى ماله من عواقب. اما العجلة فهي قصور النظر وسقوط الهمة عن التعلق بالغايات البعيدة العالية اكتفاء بما يبدو من وجه الامر وظاهره لاول وهلة ولعل المتامل في قصة امتناع ابليس عن السجود لآدم يرى اثر العجلة والغضب في عصيانه امر الله. فان طبع الكبر ما كاد يحصره ويتحرك في نفسه حتى حضره طبع الطيش والخفة فجعل الى اتخاذ هذا الموقف من الله دون ان يجد في طبعه مسكة من الحلم والروية واعماه غضبه الذي سارع اليه عن ان يرى عاقبة امره وينظر فيما يحل به وهو الذي يعرف من قهر الله وبطشه ما يعرف.

стр. 22

الاحراق والاتلاف: ولقد شبه القرآن الكريم ما يحدثه الايمان في قلوب المؤمنين بأنه " جنة بربوة اصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل" وعقب على ذكر تلك الجنة بما يفعل الشيطان في اتلافها فقال:" ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل واعناب" الى فاصابها اعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون" ولعل مما يؤنس ايمانك في هذا المقام ان نسوق لك ما جاء في صحيح البخاري متعلقا بهذا المعنى" قال عمر ﵁ يوما لاصحاب النبي ﷺ : فيما ترون هذه الآية نزلت " ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل" قالوا: الله اعلم. فغضب عمر وقال قولوا او لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شىء يا امير المؤمنين فقال عمر قل يا ابن عباس لعمل رجل عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى احرق عمله. وانطلاقا من هذه الخصائص التي خلق منها ابليس صاح مخاطبا خالقه فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم وكانه يصر اصرارا شديدا ممزوجا بتلك الخصائص متبينا في كلمة لاقعدن وكانه قاطع طريق يقف في وسطه يمنع القوافل وعابري السبيل من المرور في هذا الطريقولقد وزع جيوشه بانتظام في هذا الطريق كل حسب تخصصه ووزع عليهم العصابات ليعصبوا بها اعين المارة. ثم يمضي ليستمر بنفس الاسلوب في سرد خطته وبنفس الشدة والاصرار التي ذكرها في لاقعدن يقولها مرة اخرى مصمما ثم لاتينهم من بين

стр. 23

ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ويكمل انه سياتي للذين يحاولون اجتياز ذلك الطريق من امامهم ويصدهم عن اجتيازه بكل ما يملك من سلاح ومن خلفهم وعن شمائلهم وايمانهم. انها لحرب ضروس تلك التي يقيد بها الانسان من كل اتجاه ويهدد بشتى انواع الاسلحة ثم يقول ولا تجد اكثرهم شاكرين اي بسبب تلك القيود والعصابات التي عصبت بها اعينهم عن الحق سوف تجد اكثر الناس يشكرون ولقد اوضح رسول الله ﷺ ذلك القعود بقوله ان الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الاسلام فقال اتسلم وتترك دينك ودين آبائك فعصاه واسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال اتهاجر اتدع ارضك وسماءك؟ فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال اتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه وجاهد هكذا دائما يقعد في كل طريق يسلكه ابن آدم ويهدده بانواع الاسلحة التي لم يعهدها ابن آدم فان كان ضعيفا استسلم لهذه الاقاويل ووقع اسيرا لابليس يصب عليه انواعا من العذاب يجعله لا يعرف الطريق الصحيح الموصل للنهاية الامنة التي رسمها الله لعباده واما ان كان قويا بنور الله يابى ان تعصب عيناه بتلك العصابات ويمزقها ويمضي قدما لا يستسلم لتهديدات ابليس بل يشق صفوف جند ابليس بسهولة ويسر ويسلك طريق الحق حتى يصل الى النهاية الآمنة التي وعدها الله عباده المخلصين. ويمضي في سرد خطته بتحليل ادق وبتفاصيل اكثر فيقول:" رب بما اغويتني لأزينن لهم في الارض ولأغوينهم أجمعين. لقد قسم خطته الى قسمين التزيين ثم الغواية والتي هي نتيجة طبيعية

стр. 24

للقسم الاول. والتزيين (التزييف) وهو اظهار الشىء بصورة تختلف عن صورته الحقيقية ولقد غرس هذه الخطة الرهيبة في الارض وجنى منها وما زال يجني من ثمارها الشىء الكثير فزين للراقصة والمغني والمتبرجة والزانية سوء عملهم باسم الفن وزين لكثير من العباد سوء عبادتهم وظنوا انهم وصلوا الى الله وزين لكثير من الشعوب بعض عاداتهم وتقاليدهم التي تكون غالبا معارضة للاسلام وهديه وكم زين لكثير من دارسي العلوم فصاروا يحاربون الله بعلومهم وزين لكثير من الحكام القوانين الوضعية والحلول المستوردة التي وضعها الانسان بدلا من قانون الله ولقد وصل تزيينه لهم الى حد انهم قالوا اخيرا: انه لا بد من ترقيع قوانيننا بشريعة الاسلام ولكن بطريقة عصرية وتزيينه هذا كثير جدا لا تسعه هذه الصفحات. والتزيين في كل شىء تحويله من قبيح الى جميل براق جذاب كحفرة عميقة غطيت باجمل الزهور واحيطت بالآلىء والزمرد ورشت عليها العطور وما ان تاتي الفريسة المسكينة لتنخدع بهذا الجمال الفاتن حتى تطير الزهور من الحفرة وتقتلع اللآلىء من اماكنها وتفوح رائحتها النتنة التي تغطي رائحة العطر المرشوش وتظهر الحفرة العميقة وتقع الفريسة المسكينة التي اغراها الجمال الزائف والتزيين لتقع في تلك الحفرة وتهوي بها وتظل تهوي فاما ان ترفعها توبة الى الله خارج الحفرة المظلمة الى اعلى لتلتصق بتلك الانوار انوار الهداية الربانية واما ان تهوي حتى تصل الى القاع وبعد ذلك تاتي المرحلة الثانية من هذا المخطط الذي هو الاغواء عن الحق وهي النتيجة الطبيعية لضحايا التزيين- المضلل عن الحق حتى ولو كان الحق قريبا منهم بمنزلة اليد من الجسد كما قال الله تعالى: " أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض

стр. 25

اذا اخرج يده لم يكد يراها وانى له ان يراها وهو في هذا الظلام المتراكم فلقد الف الواقعين بتلك الحفرة الروائح النتنة والظلام فاصبحوا لا يحبون النور لانهم رأوا بصيصا من نور وقد غطوا اعينهم باكفهم او بما يملكون ثم تحولوا الى قطعة من ظلام دامس ويظل الصياد الكبير يحوم حول الحفرة يرمي بتزيينه آلافا وملايين بتلك الحفرة الظلماء ولا ينتهي الى هذا الحد ولا ترده عظمة الله وهو واقف امامه والملائكة خاضعون له لا يصده كل ذلك عن اكمال سرد مخططه وهو يقول:" ارايتك هذا الذي كرمت علي لئن اخرتني الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته". انه يتوعد ويهدد بني آدم من الاستيلاء عليهم واستذلالهم ولكن هل يستطيع ان يستذل كل بني آدم ويستولي عليهم؟ وهل ذلك ضمن سنة الله؟ وهل للانسان ارادة وعقل يميز بين الحق والباطل؟ واذا كان الجواب بنعم كما اخبرنا الله بكتابه بان للانسان عقل يميز بين الحق والباطل وان له ارادة يستطيع بها ان يبتعد عن طريق الباطل ويسلك طريق الحق " ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها" وقال:" وهديناه النجدين" اي الطريقين بعد ذلك كله يكون من سنة الله في الحياة الدنيا وجود فريقين على هذا الكوكب فريق الحق وفريق الضلال وهكذا لا بد من الاستثناء.

стр. 26

الاستثناء للبعض وياتي في عرض خطته فقرات استثناء لفئة من بني آدم فلقد قال:" لأحتنكن ذريته الا قليلا" هذه الفئة القليلة لا تستطيع تلك الآفة مضغها ولئن مضغتها ستتكسر انيابها وتتفتت مقاطعها فهي من طبيعتها لا تحب ان تقربها لأنهم لا تمضغ. من هؤلاء الذين استثناهم عدو الله من الاحتناك في خطته؟ عباد الرحمن الذين يسبحون ببحر الحق وسوف لا يغرقون ابدا انهم جند الله فكيف يغلبون؟. وهل الله يتركهم وهو الذي اعطى الشيطان ما سأل وهو عدوه فكيف بمن يحبه؟ لقد تضاءل الشيطان امام ايمانهم واصبحت خطته مع عظمتها وخطورتها ضعيفة امام جدار الايمان الشامخ الملتصق بالسماء وها هو يقول: " الا عبادك منهم المخلصين" فالاخلاص هو السبب المباشر في الاستثناء والاخلاص لله وحده دون اشراك اي شىء مهما كان ضئيلا معه من هوى ونفس وزوج وولد ومال هذا الاخلاص هو الزاد المفيد لذلك السفر وهو الدرع الواقي لهجمات ابليس. وجاء بعد امر السجود لآدم تكريما اخر وهو اسكان آدم وزوجه بالجنة ولكن ما مصير الشيطان وماذا سيفعل آدم وزوجه امام هذه التجربة الجديدة؟

стр. 27

اسكان آدم وزوجه الجنة ويدخل آدم مرحلة جديدة في حياته بعد ان قال له :" يا آدم اسكن انت وزوجك الجنةوكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين" لقد أبيحت لهما ثمار الجنة الا شجرة واحدة ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الارض. فبغير محظور لا تنبت الارادة ولا يتميز المريد من الحيوان المسوق ولا يمتحن صبر الانسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط فالارادة هي مفرق الطريق. والذين يستمتعون بلا ارادة هم من عالم البهائم ولو كانوا في شكل الآدميين. التطبيق الأول للخطة وبينما آدم وزوجه بالجنة اذ اعلن عدو الله الحرب على هذا المخلوق الجديد بعد ان انتهى من وضع المخطط. فتقلد سيف الحقد وركب جواد الكبر ورفع راية الحرب وانطلق متجها حيث يقطن آدم وزوجه ودخل عليهما ليكون حائلا دون استمتاعهما بذلك النعيم ووجها لوجه اندلعت الحرب وانتصر عدو الله في اول معركة له مع المخلوق الجديد " فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه". ولقد طبق الخطة تطبيقا دقيقا واستخدم سلاحا

стр. 28

لم يعهده آدم من قبل فلقد وسوس لهما " ليبدي ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين. وقاسمهما اني لكما من الناصحين. " وهكذا وسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وهذا كان هدفه لقد كانت لهما سوآت ولكنها كانت مواراة عنهما لا يريانها ولكنه لم يكشف لهما هدفه بطبيعة الحال انما جاءهما من ناحية رغائبهما " وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين" لذلك داعب رغائب الانسان الكامنة. انه يحب ان يكون خالدا لا يموت ومعمرا اجلا طويلا كالخلود ويحب ان يكون له ملك محدد بالعمر القصير المحدد وفي قراءة (ملكين) بكسر اللام وهذه القراءة يعضدها النص الآخر في سورة طه: " هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" وفي هذه القراءة يكون الاغراء بالملك الخالد والعمر الخالد. وفي قراءة (ملكين) بفتح اللام يكون الاغراء بالخلاص من قيود الحسد كالملائكة مع الخلود ولكن القراءة الاولى وان لم تكن هي المشهورة اكثر اتفاقا مع النص القرآني الآخر ومع اتجاه الكيد الشيطاني وفق شهوات الانسان الاصيلة- ولما كان - اللعين - يعلم ان الله قد نهاهما عن هذه الشجرة وان هذا النهي له ثقله في نفسيهما وقوته فقد استعان على زعزته - الى جانب مداعبة شهواتهما- بتامينهما في هذه الناحية فحلف لهما بالله انه لهما ناصح وفي نصحه صادق" وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين"

стр. 29

ونلاحظ من النص القراني انه بدا معهما الوسوسة ليبدي ما ووري عنهما من سوآتهما وكأن الحياة هي الحائل الاول الذي يقف امام معصية الله فعمل على ازالته اولا ثم توغل بتطبيق خطته باناة ويسر والله اعلم. وما زال يتابع تطبيق خطته" فدلاهما بغرور" ودلى في اللغة معناها " دلى الدلو- ارسلها في البئر " فكأن الشيطان اللعين وضع آدم وزوجه بالدلو وقام بانزال الدلو رويدا رويدا حتى اوقعهما فيما يريد من الباطل والكذب وبنفس الاسلوب ونفس الخطة التي لم تتغير منذ ان كذب على آدم الى الان - لا زال يستخدم التدلية حتى الايقاع بالقاع. وقال الله تعالى للملائكة:" اني جاعل في الارض خليفة" وخلق آدم فآدم مخلوق لهذه الارض منذ اللحظة الاولى. ففيم اذن كانت تلك الشجرة المحرمة؟ وفيم اذن كان بلاء آدم؟ وفيم اذن كان الهبوط الى الارض وهو محلوق لهذه الارض منذ اللحظة الاولى؟ لعلني المح ان في هذه التجربة تربية لهذه الخليقة واعدادا لها. وايقاظا للقوى المذخورة في كيانها. انها كانت تدريبا لها على تلقي الغواية وتذوق العاقبة وتجرع الندامة ومعرفة العدو والالتجاء بعد ذلك الى الملاذ الأمين.

стр. 30

الهبوط الى الارض وياتي نداء الحق جلت قدرته عتابا لهما على ما فعلا بعد ان حذرهما من عدوهما بانه ظاهر العداوة معهما ومع هذا التحذير فعلا ما فعلا. " وناداهما ربهما: الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين" ولكن ماذا يصنعان بعد ان عصيا ربهما وما المصير الذي ينتظرهما؟ لم يكن انسب من ان يعترفا لمولاهما بذنبهما ويسألانه العفو فقالا:" ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"لقد كانت لهما فرصة ... فرصة الاستغفار والرجوع في وقت لم تقم به الساعة ولم يكونا بعد في سكرات الموت ... ولم يمض وقت طويل حتى أجابهما الله على سؤالهما وتاب عليهما. " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم" وبد ذلك جاء امر الله بالهبوط الى الارض حيث بدات المعركة بين الحق والباطل. " قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين". وقال:" فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" لقد انتهت التجربة الاولى لآدم وزوجه والشيطان في السماء وابتدأت على هذا الكوكب الذي خلق منه الانسان وابتدا الصراع مرة اخرى بين المخلوق الجديد الذي استعد لعدوه بعد تعرفه على خصائصه ونقاط ضعفه واستعد ايضا عدوه له للبحث عن نقاط ضعف جديدة وليدليه في البئر تارة اخرى وان لم يكن هو فالخطة قابلة للتطبيق على نسله.

стр. 31

ولن ينتصر هذا الانسان ابدا على هذا العدو الغريب في طباعه وشره الا اذا تمسك بالذي هو اقوى منه وهو الحق تعالى. ولقد وضع الله تعالى المنهج الكامل لمجابهة هذا العدو وهو القرآن الكريم والسنة المطهرة فمن تمسك بهما واتبع هداهما فقد انتصر ونجا من جهنم ومن ابتعد عنه فليكونن من الخاسرين" فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون".

стр. 32

الفصل الثاني التحذير ١ - العبودية ٢ - ينزع عنهما لباسهما ٣ - الولاء ٤ - اتباع الشيطان ٥ - لا يصدنكم ٦ - دعوة الى السعير

стр. 33

التحذير العدل اسم من اسماء الله تعالى فبما يقتضيه هذا الاسم ان الخالق ارسل الرسل وانزل الكتب ليحذر الناس من عدوهم الاول ابليس وحتى تكون الرسل والكتب حجة على الناس يوم القيامة فان الله لا يعذب حتى يرسل الرسل ليبلغوا رسالة ربهم " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" ومن اهم ما حذرهم منه. عبادة الشيطان واتخاذه وليا من دونه. وذلك لان المعاصي كلها تنبع من عبادة الشيطان فاذا ازيلت هذه العبودية من قلب انسان صار قلبه متفتحا لعبادة الله وحده. واكثر التحذيرات بالقران ان لم تكن جميعها مشتقة من " التحذير من عبادة الشيطان" كالتحذير من العري ومن موالاة الشيطان ومن اتباعه ومن صد الشيطان ويتبين ذلك عندما نعرف معنى العبودية. العبودية والعبودية لله اي الخضوع له والطاعة " يقال يدين لله اي يعبد الله ويطيعه ويخضع له فدين الله: عبادتهوطاعته والخضوع له. والعبادة اصل معناها الذل ايضا: يقال طريق معبد اذا كان مذللا قد وطئته الاقدام"

стр. 34

واول من تلقى التحذير من البشر آدم ﵇ ذلك عندما نهاه الله هو وزوجه عن الاكل من تلك الشجرة وحينما اخبره الله بان الشيطان لهما عدو مبين " ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " " ألم أنهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين" وآدم ايضا هو اول من عبد الله من البشر وذلك عندما ندم على معصيته وتلقى من الله كلمات توبته" وتاب بقيله اياها وعمله بها الى الله من خطيئته معترفا بذنبه متنصلا الى ربه من خطيئته نادما على ما سلف منه من خلاف امر ربه فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقا منه وندمه على سالف الذنب منه والذي يدل عليه كتاب الله ان الكلمات التي تلقاها آدم من ربه الكلمات التي اخبر الله بها عنه انه قالها متنصلا بقيلها الى ربه معترفا بذنبه وهو قوله: " ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" وقد صد الله تعالى ابناء آدم عن عبادة الشيطان ودعاهم لعبادته فقال: " ألم اعهد اليكم يا بني آدم الا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين. وان اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد اضل منكم جبلا كثيرا افلم تكونوا تعقلون" ومن الايات يتضح قوله تعالى " الاتعبدوا الشيطان" أي لا تطيعوه ولا تذلوا له فانه لكم عدو مبين والانسان متى تخلى عن عبادة الله وابتعد عنها فلا بد ان هناك نفحات من الكبر دفعته لذلك وكذلك فانه لا بد انه قد اختار ما يعبد سوى الله ويبتعد عن كل صنم او عبد او شهوة وبذلك يكون

стр. 35

قد اشرك بالله. ورحم الله شيخ الاسلام ابن تيمية الذي تربى على هذه المعاني وغمس قلبه فيها فقام ينادي بها لا يخاف في الله لومة لائم ولا غضب سلطان لقد عذب عذابا شديدا بسببها ومات وقلبه عامر بها ومما قاله في ذلك المعنى " فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وارادته بل استكبر عن ذلك فلا بد ان يكون له مراد محبوب يستعبده ويستذله غير الله فيكون عبدا ذليلا لذلك المراد المحبوب: اما المال واما الجاه واما الصور واما ما يتخذه الها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والاوثان وقبور الانبياء والصالحين والملائكة والاولياء الذين يتخذهم اربابا وغير ذلك مما عبد من دون الله " وهؤلاء الذين اتخذوا آلهة من دون الله يعبدونها كأنهم كبلوا انفسهم وأذلوها ومنعوها الحرية ظانين انهم كلما ابتعدوا عن منهج الله فانهم يبتعدون عن قيود الدين وبذلك يكونوا قد اخذوا الحرية كاملة وما دروا انهم وقعوا اسرى في عبودية الشيطان. وما اجمل ما قاله شيخ الاسلام في تعريفه لمعنى الحرية " الحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما ان الغنى غنى النفس. قال النبي ﷺ : " ليس الغنى في كثرة العرض وانما الغنى غنى النفس" وعندما يصل الانسان الى مرتبة قيادة النفس الى ما امر الله ومعاندتها فيما ترغب مما نهى الله عنه يكون هو سيد نفسه وحق العبد على العبد ان يطيع سيده ويكون هو المعنى الصحيح للحرية الذي ادركه شيخ الاسلام وقام يردده عندما امر بسجنه بقلعة دمشق ملقنا الاعداء دروسا بمعنى الحرية الصحيحة قائلا: ما يصنع اعدائي بي ان جنتي وبستاني في صدري اين رحت فهي معي لا تفارقني وان حبسي خلوة وقتلي شهادة واخراجي من بلدي

стр. 36

سياحة" ولم ينس الشيخ ان يعلم هذه المعاني لأتباعه الذين سجنوا معه في القلعة فربما تسرب الخوف الى بعضهم كما ذكر الامام ابن القيم الذي كان احدهم قال "وكنا اذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الارض أتيناه فما هو الا ان نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله فينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة" وكان مما يقوله لهم ايضا:" المحبوس من حبس قلبه عن ربه والماسور من اسره هواه". ورغم البعد الزمني الذي بين شيخ الاسلام ابن تيمية وصاحب الظلال سيد قطب الا ان تعريفهما للحرية جاء متشابها عندما جاشت المشاعر في قلب سيد وهو في السجن مع اخوانه الذين ربما ظن احدهم انه مقيد عن الحرية فاراد ان يعرفه معنى الحرية فانشد يقول مخاطبا له: اخي انت حر وراء السدود اخي انت حر بتلك القيود اذا كنت بالله مستعصما فماذا يضيرك كيد العبيد وكانما اراد " سيد" ان يعلم اخاه بان السدود والقيود لا تمنع الحرية اذا كان القلب حرا فيما يختار. نعم يا اخي انت حر حتى ولو كنت وراء قضبان السجون. نعم يا اخي انت حر حتى ولو طوقت معصميك القيود. ولتقيد معصميك وقدميك ولكن تبقى مع ذلك حرا لانهم لم يستطيعوا تقييد قلبك فدعهم فماذا يضيرك كيد العبيد؟

стр. 37

" وشرط العبودية الحب ثم الخضوع والطاعة والذل لمن احب فاذا اكتملت هذه الشروط في شخص ما تجاه شىء ما يسمى عابدا لذلك الشىء" وكلما زاد القلب حبا لشىء ما فلا بد ان ياتي الشرط الآخر كنتيجة طبيعية للشرط الاول ذلك لان من يحب فانه يطيع محبوبه فالذي يحب المعصية يكون عبدا لشهوته متى ما دعته لعمل تلك المعصية يطيعها مهما كانت الظروف - والذين اختاروا الشيطان مولى لهم يحذرهم الله من عبادته ويقول لهم " ولقد اضل منكم جبلا كثيرا افلم تكونوا تعقلون" لقد اتخذ من كانوا قبلكم الشيطان مولى لهم فاطاعوه واستكبروا عن عبادة الله فاخذهم الله بعذاب اليم فمنهم من خسف بهم الارض ومنهم من صعق ومنهم من ارسل عليهم حجارة من نار" افلم تكونوا تعقلون" وها هو عدو الله سائرا في خطته لاضلال البشرية وتحويلهم من عبادة الله الى عبادته وعندما يتحول الانسان عبدا للمعصية فلا بد انه قد احبها وان احبها حشر معها وذلك ما ذكره رسول الله ﷺ عندما جاءه رجل يساله عن الساعة فقال له: " وما اعددت للساعة" قال: حب الله ورسوله قال: " فانك مع من احببت" وكذلك ما ذكره بعض المفسرين في الاية الكريمة واذا النفوس زوجت" اجاب: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة وبين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار. فذلك جاء التحذير من الخالق جل وعلا من عبادة الشيطان لانه من عبد الشيطان حشر معه فبئس القرين.

стр. 38

ومن اخطر آثار عبادة الشيطان ذهاب الحياء وخطورة هذا الاثر تكمن في ان" الحياء هو الحائل بين الاقدام على المعصية والامساك عنها وانه كالسد اذا تحطم انهمر الماء يغرق كل شىء فالذي لا حياء له لا سد عنده" فهذا لا يمنعه مانع من الاقدام على المعصية ليفعلها ولا يرى بها باسا وذلك ما روى في الصحيح عنه ﷺ انه قال:"مما ادرك الناس من كلام النبوة الاولى اذا لم تستح فاصنع ما شئت" وعلى هذا مدار الاسلام وتوجيه ذلك ان المامور به الواجب والمندوب يستحي من تركه والمنهى عنه الحرام والمكروه يستحي من فعله واما المباح فالحياء من فعله جائز. وعلى هذا فان الحياء الذي يكون حائلا دون الوقوع بالمعصية هو الحياء النابع من خشية الله لذلك كله عمد ابليس على تحطيم ذلك الحاجز الذي يمنع من الوقوع في المعصية ينزع اللباس الذي كان يواري آدم وزوجه ليريهما سوآتهما. ينزع عنهما لباسهما انها للمسة من لمسات الرحمة والحب لهذا المخلوق وشعور بالعطف عليه متمثلة في نداء الله للبشر جميعا ليس للمسلمين خاصة وهو يناديهم ويحذرهم من الوقوع في فتنة الشيطان" يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ".

стр. 39

ولقد نجح عدو الله في تطبيق هذا المخطط نزع اللباس لتحطيم كل شىء اسمه حياء منذ العصور البالية الى عصرنا هذا فيما يرويه ابن كثير في عصر الجاهلية قبل الاسلام ان " العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتاولون في ذلك انهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم ومن اعاره احمسي ثوبا طاف فيه ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه احد ... ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا اعاره احمسي ثوبا طاف عريانا ... وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر ... واكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل ... وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء انفسهم واتبعوا فيه آبائهم يستند الى امر من الله وشرع". انها جاهلية محضة واستزلال من الشيطان محكم - هذا الذي يحذرنا الله منه فالخطة هي الخطة لم تتغير من بداية استزلال آدم وزوجه في الجنة الى الان ولقد حذرنا الله من هذه الفتنة لعلمه ان منها تنبع اكثر الجرائم. ولا يخفى على كل منا ما ينتج عن العري الموجود على صفحات المجلات ودور الخيالة والشاشات الصغيرة وما يمارس علنا في دول اوروبا وبعض الدول الاسلامية من جرائم خطيرة وضياع تام في صحراء الضلال وكم من ضحية ذهبت وكم من امراض حدثت كلها بسبب هذا العري الذي يفتن ابليس به بني آدم ولا ينتهون والله يبين لهم بقوله" يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما وهم لا يسمعون. ولولا ولاؤهم لابليس وطاعته فيما يامرهم به ما استطاع فتنهم ولكنه الولاء الذي اعماهم عن طريق الحق وهو قريب منهم لو حاولوا ان يحظوا فيه.

стр. 40

الولاء الولاء لا يكون الا لله او للشيطان ولا يوجد ولاء ثالث بين الاثنين ومعنى الولاية ضد العداوة واصل الولاية المحبة والقرب واصل العداوة البغض والبعد وقد قيل ان الولي سمي وليا من نحو موالاته للطاعات او متابعته لها والاول اصح والولي القريب فيقال هذا يلي اي هذا يقرب منه فاولياء الله هم الذين يحبون الله ويحبهم ويقربون منه وهو يقرب منهم اكثر مما يقربون ولقد قال ﷺ يقول الله انا عند ظن عبدي بي وانا معه اذا ذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا وان اتاني يمشي اتيته هرولة والاتقياء لا يوالون الا الله وكل ما خلا الله فهو في حسابهم من معسكر الباطل حتى دعا ذلك الفهم الرسول ﷺ ان يقول: " اصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: الا كل شىء ما خلا الله باطل" فهم على هذا الفهم لا يوالون الكفار ايا كانوا حتى ولو كانوا من اقرب الناس اليهم رحما وهؤلاء وصفهم الله بقوله:" لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون.
следующие страницы →