Полный текст (171 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
سياحة" ولم ينس الشيخ ان يعلم هذه المعاني لأتباعه الذين سجنوا معه في القلعة فربما تسرب الخوف الى بعضهم كما ذكر الامام ابن القيم الذي كان احدهم قال "وكنا اذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الارض أتيناه فما هو الا ان نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله فينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة"
وكان مما يقوله لهم ايضا:" المحبوس من حبس قلبه عن ربه والماسور من اسره هواه".
ورغم البعد الزمني الذي بين شيخ الاسلام ابن تيمية وصاحب الظلال سيد قطب الا ان تعريفهما للحرية جاء متشابها عندما جاشت المشاعر في قلب سيد وهو في السجن مع اخوانه الذين ربما ظن احدهم انه مقيد عن الحرية فاراد ان يعرفه معنى الحرية فانشد يقول مخاطبا له:
اخي انت حر وراء السدود اخي انت حر بتلك القيود
اذا كنت بالله مستعصما فماذا يضيرك كيد العبيد
وكانما اراد " سيد" ان يعلم اخاه بان السدود والقيود لا تمنع الحرية اذا كان القلب حرا فيما يختار.
نعم يا اخي انت حر حتى ولو كنت وراء قضبان السجون.
نعم يا اخي انت حر حتى ولو طوقت معصميك القيود.
ولتقيد معصميك وقدميك ولكن تبقى مع ذلك حرا لانهم لم يستطيعوا تقييد قلبك فدعهم فماذا يضيرك كيد العبيد؟
стр. 37
" وشرط العبودية الحب ثم الخضوع والطاعة والذل لمن احب فاذا اكتملت هذه الشروط في شخص ما تجاه شىء ما يسمى عابدا لذلك الشىء" وكلما زاد القلب حبا لشىء ما فلا بد ان ياتي الشرط الآخر كنتيجة طبيعية للشرط الاول ذلك لان من يحب فانه يطيع محبوبه فالذي يحب المعصية يكون عبدا لشهوته متى ما دعته لعمل تلك المعصية يطيعها مهما كانت الظروف - والذين اختاروا الشيطان مولى لهم يحذرهم الله من عبادته ويقول لهم
" ولقد اضل منكم جبلا كثيرا افلم تكونوا تعقلون"
لقد اتخذ من كانوا قبلكم الشيطان مولى لهم فاطاعوه واستكبروا عن عبادة الله فاخذهم الله بعذاب اليم فمنهم من خسف بهم الارض ومنهم من صعق ومنهم من ارسل عليهم حجارة من نار" افلم تكونوا تعقلون"
وها هو عدو الله سائرا في خطته لاضلال البشرية وتحويلهم من عبادة الله الى عبادته وعندما يتحول الانسان عبدا للمعصية فلا بد انه قد احبها وان احبها حشر معها وذلك ما ذكره رسول الله ﷺ عندما جاءه رجل يساله عن الساعة فقال له:
" وما اعددت للساعة" قال: حب الله ورسوله قال:
" فانك مع من احببت"
وكذلك ما ذكره بعض المفسرين في الاية الكريمة واذا النفوس زوجت" اجاب: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة وبين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار.
فذلك جاء التحذير من الخالق جل وعلا من عبادة الشيطان لانه من عبد الشيطان حشر معه فبئس القرين.
стр. 38
ومن اخطر آثار عبادة الشيطان ذهاب الحياء وخطورة هذا الاثر تكمن في ان" الحياء هو الحائل بين الاقدام على المعصية والامساك عنها وانه كالسد اذا تحطم انهمر
الماء يغرق كل شىء فالذي لا حياء له لا سد عنده"
فهذا لا يمنعه مانع من الاقدام على المعصية ليفعلها ولا يرى بها باسا وذلك ما روى في الصحيح عنه ﷺ انه قال:"مما ادرك الناس من كلام النبوة الاولى اذا لم تستح فاصنع ما شئت"
وعلى هذا مدار الاسلام وتوجيه ذلك ان المامور به الواجب والمندوب يستحي من تركه والمنهى عنه الحرام والمكروه يستحي من فعله واما المباح فالحياء من فعله جائز.
وعلى هذا فان الحياء الذي يكون حائلا دون الوقوع بالمعصية هو الحياء النابع من خشية الله لذلك كله عمد ابليس على تحطيم ذلك الحاجز الذي يمنع من الوقوع في المعصية ينزع اللباس الذي كان يواري آدم وزوجه ليريهما سوآتهما.
ينزع عنهما لباسهما
انها للمسة من لمسات الرحمة والحب لهذا المخلوق وشعور بالعطف عليه متمثلة في نداء الله للبشر جميعا ليس للمسلمين خاصة وهو يناديهم ويحذرهم من الوقوع في فتنة الشيطان" يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ".
стр. 39
ولقد نجح عدو الله في تطبيق هذا المخطط نزع اللباس لتحطيم كل شىء اسمه حياء منذ العصور البالية الى عصرنا هذا فيما يرويه ابن كثير في عصر الجاهلية قبل الاسلام ان " العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتاولون في ذلك انهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم ومن اعاره احمسي ثوبا طاف فيه ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه احد ...
ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا اعاره احمسي ثوبا طاف عريانا ... وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر ... واكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل ... وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء انفسهم واتبعوا فيه آبائهم يستند الى امر من الله وشرع".
انها جاهلية محضة واستزلال من الشيطان محكم - هذا الذي يحذرنا الله منه فالخطة هي الخطة لم تتغير من بداية استزلال آدم وزوجه في الجنة الى الان ولقد حذرنا الله من هذه الفتنة لعلمه ان منها تنبع اكثر الجرائم.
ولا يخفى على كل منا ما ينتج عن العري الموجود على صفحات المجلات ودور الخيالة والشاشات الصغيرة وما يمارس علنا في دول اوروبا وبعض الدول الاسلامية من جرائم خطيرة وضياع تام في صحراء الضلال وكم من ضحية ذهبت وكم من امراض حدثت كلها بسبب هذا العري الذي يفتن ابليس به بني آدم ولا ينتهون والله يبين لهم بقوله" يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما
وهم لا يسمعون.
ولولا ولاؤهم لابليس وطاعته فيما يامرهم به ما استطاع فتنهم ولكنه الولاء الذي اعماهم عن طريق الحق وهو قريب منهم لو حاولوا ان يحظوا فيه.
стр. 40
الولاء
الولاء لا يكون الا لله او للشيطان ولا يوجد ولاء ثالث بين الاثنين ومعنى الولاية ضد العداوة واصل الولاية المحبة والقرب واصل العداوة البغض والبعد وقد قيل ان الولي سمي وليا من نحو موالاته للطاعات او متابعته لها والاول اصح والولي القريب فيقال هذا يلي اي هذا يقرب منه فاولياء الله هم الذين يحبون الله ويحبهم ويقربون منه وهو يقرب منهم اكثر مما يقربون ولقد قال ﷺ يقول الله انا عند ظن عبدي بي وانا معه اذا ذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا وان اتاني يمشي اتيته هرولة والاتقياء لا يوالون الا الله وكل ما خلا الله فهو في حسابهم من معسكر الباطل حتى دعا ذلك الفهم الرسول ﷺ ان يقول:
" اصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: الا كل شىء ما خلا الله باطل" فهم على هذا الفهم لا يوالون الكفار ايا كانوا حتى ولو كانوا من اقرب الناس اليهم رحما وهؤلاء وصفهم الله بقوله:" لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون.
стр. 41
وهذا امين الامة ابو عبيدة بن الجراح يقتل اباه في معركة بدر وهذا الصديق يهم بقتل ولده ... وهنا يبرز سؤال أو يكره الابن أباه والأب ابنه؟ لا لا يكرهه لذاته انما يكره الباطل الذي يتبعه وما دام الله هو وليه فهو لا يحب الا من والى الله واما غيره فليس له في قلبه شىء من المودة ذلك لانه باطل.
ومن اجل هذا الولاء الذي عقده المؤمنون مع ربهم كانت المكافأة نفيسةأما في الدنيا فان الله.
" يدافع عن الذين آمنوا " بل ينزل جنوده لتقاتل معهم ويحارب كل من يعاديهم وذلك ما ذكره ﷺ فيما يرويه عن ربه " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" فليس يحارب من يعاديهم فحسب بل يكون معهم بكل شىء حتى لا يسمعون ولا يبصرون ولا يبطشون ولا يسعون الا كما يحب لهم ربهم ويرضى. اما في الاخرة فانه يجزيهم بسلعة الله الغالية الا وهي الجنة.
وصنف آخر من الناس يذكرهم الله بعدوهم الاول قائلا:
" واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس كان من الجن ففسق عن امر ربه ثم يحذرهم عن موالاته وينكر عليهم اتباعه فيقول: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا" هذا الصنف من الناس يحبونه وهو يبغضهم ويتقربون اليه بقلوبهم وبأعمالهم وهو يكيد لهم المكائد ويوقعهم بالمصائب تماما كما قال الشاعر:
ومن البلية من تحب ولا يحبك من تحبه
ويصد عنك بوجهه وتلح انت فلا تغبه
стр. 42
حقا انه لبلاء ان تحب وتتقرب وتفني حياتك كلها ليلك ونهارك في سبيله وهو لا يحبك.
وحتى تكون على بينة من الامر بالحب الذي ينجي من عذاب الله والحب الذي يوجب غضب الله نتعرض لما ذكره الامام ابن القيم قال:" وههنا اربعة انواع من الحب يجب التفريق بينها وانما ضل من ضل بعدم التمييز بينها.
احدها - محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه فان المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني - محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الاسلام وتخرجه من الكفر واحب الناس الى الله اقومهم بهذه المحبة واشدهم فيها.
الثالث - الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم عن محبة ما يحب الله الا بالحب فيه وله.
الرابع - المحبة مع الله وهي المحبة الشركية وكل من احب شيئا مع الله لا لله ولا من اجله ولا فيه فقد اتخذ ندا من دون الله وهذه محبة المشركين.
وبقي قسم خامس ليس نحن فيه وهي المحبة الطبيعية وهي ميل الانسان الى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم الا ان الهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته فمن اتخذ الشيطان وذريته اولياء من دون الله وما يحب الله فقد حق عليه غضب الله وكان كاذبا بادعائه محبة الله فالمحب لله كما ذكر الامام يحب ما يحب الله ويبغض ما يبغض الله ويحب لله ويبغض لله فاذا ما استبدل فيستبدل لله لا لهوى او شهوة كما يفعل اولئك الصنف من الناس " بئس للظالمين بدلا".
стр. 43
هذا الصنف من الناس لا يستبدلون الا عندما يصدون عن سبيل الله وهذه هي سنة الله في خلقه فئة يصدون عن الحق وفئة يتبعونه وكلما غفل اهل الحق ووسوس لهم الشيطان ليصدهم عن طريقهم تذكروا تحذير الله لهم وعادوا مرة اخرى سائرين في طريقهم ليقتلعوا الاشواك التي تعترضهم فيه ... وماذا يكون بعد الولاء الا الاتباع لعدو الله لا لشىء سوى الفوز بالدنيا وزينتها وما دروا ان مثل الحياة الدنيا" كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور "
عذاب شديد للذين اتبعوا خطوات الشيطان ومغفرة من الله ورضوان للذين اتبعوا طريق الحق.
" اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون".
اتباع الشيطان
وفي هذه المرة ياتي النداء السماوي لفئة خاصة هي احب الفئات الى الله اولئك هم المؤمنون مناديا لهم.
" يا ايها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يامر بالفحشاء والمنكر".
وهذا النداء حري بالمؤمنين ان تتفتح له قلوبهم ومسامعهم ليفقهوه لانه انبعث من خالقهم الذي يحبهم ونداء التحذير هذا يكون له وقعه في اذن السامع عندما ياتي من المحب وهنا يصدق قول الشاعر:
تعصي الاله وانت تبدي حبه
هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لاطعنه
ان المحب لمن يحب مطيع
وعلى المؤمن ان يرفع قدمه بسرعة ويحولها الى طريق النور عندما يكتشف
стр. 44
ان الخطوة التي امامه هي خطوة من خطوات الشيطان ويلبس ابليس على المؤمن ان يكون صاحب فطنة وعلم ليفرق بين خطوات الشيطان وخطوات الرحمن فاتباع الشيطان يشتمل على عدة اقسام بينها الله تعالى في كتابه اهمها.
(أ) اتباع الهوى:
قال الله تعالى:" ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله"
وسببه وسخ يكون في القلب لما فيه من طمع وحسد وانتصار للنفس يحجب الرؤية او يشوشها كالذي ينظر من وراء زجاجة سوداء ويتولد عن الهوى مرض اخطر منه الا وهو الاعراض عن الحق فصاحب الهوى لا يستسلم للحق عندما يعرض عليه ويرده بسبب ذلك الوسخ الذي عكر قلبه لذلك كان هم كل المربين على مر العصور انيحذروا اتباعهم من الهوى.
فكان علي ﵁ يدرك خطورة هذا المرض مما جعله يقول: " ان أخوف ما اخاف عليكم اثنين: طول الامل واتباع الهوى فاما طول الامل فينسي الاخرة واما اتباع الهوى فيصد عن الحق".
(ب) اتباع سبيل المفسدين:
قال الله تعالى على لسان نبيه موسى موصيا اخاه هارون ولا تتبع سبيل المفسدين"يقول ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الارض بمعصيتهم
стр. 45
ربهم ومعونتهم اهل المعاصي على عصيانهم ربهم ولكن اسلك سبيل المطيعين ربهم".
) ج) اتباع الشهوات:
قال الله تعالى: " ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله".
وكل سبيل غير سبيل القرآن والسنة الصحيحة فهو من السبل التي نهينا عن اتباعها قال الامام الطبري:" حدثنا الحمامي قال حدثنا حمام عن عاصم عن ابي وائل عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله ﷺ يوما خطا فقال: هذا سبيل الله. ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطا فقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليها ثم قرأ الاية " وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
(ه) اتباع الظن:
قال الله تعالى:" ان تتبعون الا الظن وان انتم الا تخرصون".
стр. 46
" يقول له: قل لهم: ان تقولون ما تقولون ايها المشركون وتعبدون من الاوثان والاصنام ما تعبدون وتحرمون من الحرث والانعام ما تحرمون الا ظنا وحسبانا انه حق وانكم على حق وهو باطل وانتم على باطل " وان انتم الا تخرصون" فلا يوجد مبدأ صحيح على الارض يعتمد على الظن.
(و) اتباع الآباء:
قال الله تعالى: " واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا". فهذا هو سندهم الوحيد وهذا هو دليلهم العجيب التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير. التقليد الذي يريد الاسلام ان يحررهم منه وان يطلق عقولهم لتتدبر ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور فيأبوا هم الانطلاق من اثار الماضي المنحرف ويتمسكوا بالاغلال والقيود".
ولقد وجدنا في عصرنا هذا فئة من الناس يتبعون آباءهم في كل شىء. وكل شىء يعارض ما جاء فيه آباؤهم يعتبرونه خطأ وقد خضت مع مع احد هؤلاء حديثا طويلا فلم استطع ان اقنعه بشىء ...
والمسلم لا يصح له ان يتبع انسانا مثله لان الانسان خطاء وذو نفسية متقلبة فنجده اليوم على راي وغدا على راي اخر لذلك بين الله تعالى موقف هؤلاء بهذه الاية" أولو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير".
(ز) اتباع المتشابه:
قال الله تعالى:" هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن
стр. 47
أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله".
ان المحكم هو الواضح المعنى الظاهر الدلالة اما باعتبار نفسه او باعتبار غيره والمتشابه ما لا يتضح معناه او لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره" فأما الذين في قلوبهم زيغ" الزيغ: الميل" فيتبعون ما تشابه منه" أي يتعلقون بالمتشابه من الكتاب فيشككون به على المؤمنين ويجعلونه دليلا على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق كما تجده في كل طائفة من طوائف البدعة فانهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعبا شديدا ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شىء
" ابتغاء الفتنة" اي طلبا منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبيس عليهم وافساد ذات بينهم" وابتغاء تأويله "
اي طلبا لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة".
فكل هذه الانواع من الاتباع هي اتباع لخطوات الشيطان التي نهانا الله عن اتباعها والضمان الوحيد لسلوك طريق الحق والابتعاد عن خطوات الشيطان هو الاستسلام الخالص لله الاستسلام له بكل ما تحوي هذه الكلمة من معان لذلك قال الله لهم مناديا من جديد:" يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين". وهذا النوع من الاستسلام يجعله لا يخاف الا في الله ولا يتلقى الا من الله ولا يتبع الا القرآن والسنة المطهرة فتكون خطواته كلها محكمة بعيدة عن خطوات الشيطان وطريقه وان المؤمن ليصل الى درجة ان الشيطان نفسه يقوم يخطو بعيدا عن خطواته هاربا منها. وذلك بعد ان يصل المؤمن الى درجة الاستسلام الكامل للواحد الديان والمثال على ذلك ما رواه الامام مسلم في صحيحه قال
стр. 48
رسول الله ﷺ في عمر ﵁ " والذي نفسي بيدهما لقيك الشيطان قط سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك".
لا يصدنكم
ان عدو الله دائما يسعى للوسوسة في قلوب المؤمنين يغريهم بملاذ الدنيا وزينتها ويحثهم على طاعة انفسهم واتباع اهوائهم ويعظم في نفوسهم قوة الباطل وحجمه وقلة اهل الحق وانحسار سلطانهم كل ذلك ليصدهم عن الحق ويجعلهم تابعين للباطل.
وانه ليستخدم كل ما يملك من قوة ليصد الدعاة في سبيل الله عن طريقهم الذي التزموه يسكب عليهم كل وساوسه ليفتنهم حتى لتصل وساوسه الى درجة ان المسلم يفضل ان تنطبق عليه السماء او تبتلعه الارض ولا يتفوه بكلمة من هذه الوساوس وعن ابي هريرة قال: جاء ناس من اصحاب النبي ﷺ فسالوه اننا نجد في انفسنا ما يتعاظم احدنا ان يتكلم به قال وقد وجدتموه؟ قالوا نعم قال ذاك صريح الايمان
ولكن الله يذكرهم بعدوهم الاول ويحذرهم من الاستسلام لوساوسه لكي لا يصدوا عن سبيل الله ولا يصدنكم الشيطان انه لكم عدو مبين اي لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم فيمنعكم ذلك من اتباعه. ثم علل نهيهم عن ان يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال انه لكم عدو مبين"
ولئن استسلموا واغتروا بوساوسه سيكونون مع الراحلين الى السعير ...
стр. 49
دعوة الى السعير
ان الذين علموا ان الشيطان لهم عدو فاتخذوه عدوا موقنون حق اليقين بانه يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير اما اولئك الذين غلبتهم اهواءهم وغشى الباطل قلوبهم وحسبوا ان الشيطان حبيب لهم فاتبعوه وبدأوا يفتخرون ما بين آونة وأخرى باتباعه في كل شىء في السياسة والاقتصاد والاجتماع يجىء تحذير الخالق جل وعلا لهم ليذكرهم ان الشيطان ما زال مسددا سهامه اليهم وما زال يحدد موقع المقتل في اجسادهم وما زال ينتظر المصابين بسهامه ان يقعوا في الهوة الساحقة بعد ان ترنحهم من اثر الضربات قائلا لهم:" ان الشيطان لكم عدوا فاتخذوه عدوا". فلا يكفي العلم بانه عدو فحسب بل عليهم ان يتخذوه عدوا ... عليكم ان لا تركنوا اليه ولا تتخذوه ناصحا لكم ولا تتبعوا خطاه فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل وهو لا يدعوكم الى خير ولا ينتهي بكم الى نجاة انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير انها لمسة وجدانية صادقة حين يستحضر الانسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان يتحفز لدفع الغواية والاعراء ويتيقظ لمداخل الشيطان الى نفسه ويتوجس من كل هاجسة ويسرع ليعرضها على ميزان الله العادل الذي اقامه له ليتبين له الحق فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم"
وفي الآية كذلك دعوة من الله لاصحاب الحق بالمفاصلة فاتخذوه عدوا وتحذير من الحق جل وعلا في نفس الوقت من ان يتخذ اصحاب الحق عدوهم وحزبه اولياء او يتنازلوا بعض الشىء عن مبادئهم ... كلا والف كلا انهم اعداء فاتخذوه عدوا.
стр. 50
وهنا يتذكر اصحاب الحق ان الله وعدهم جنات تجري من تحتها الانهار والشيطان يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ... فلا يغرنكم كثرتهم انهم الى السعير سائرون ...
ان حياتهم على هذا الكوكب هي راحلة الى السعير.
стр. 51
الفصل الثالث
صفاته
١ - الضعف
٢ - الكذب والجبن
٣ - من وحي الباطل
٤ - انه يراكم
٥ - المبذرون
стр. 52
الضعف
ان السر في انتصار المسلمين في الصدر الاول من الاسلام وانتشارهم هذا الانتشار مع قلة عددهم في معظم المعارك التي خاضوها مع خصومهم والسر كذلك في نجاح الدعوات الاسلامية الصادقة وتفاني اهلها في سبيلها وتقديم اعناقهم واموالهم واوقاتهم رخيصة في سبيل الله السر في ذلك هو عقيدة المؤمن الصادق الذي يؤمن بانه يخوض معركته مع الباطل مستمدا قوته من الله الذي خلق كل شىء بينما يستمد اولياء الباطل قوتهم من قائد ضعيف.
وان المؤمن ليكفيه ان يتذكر قول الله تعالى:
" فقاتلوا اولياء الشيطان ان كيد الشيطان كان ضعيفاحتى ينقض انقضاض الطائر الجارح على الباطل فيقطعه اربا اربا.
ان الباطل في عقيدة المؤمن الصادق كفقاعة كبيرة منتفخة ومتلونة باجمل الالوان المتمازجة ولكن جدارها رقيق وباطنها خواء مما يجعله يقدم على الباطل لا يهاب انتفاخه ولا الوانه الجميلة يقدم عليه متوكلا على الله مولاه مبتغيا ثقب تلك الفقاعة ليذوب ذلك الباطل الضعيف
стр. 53
الكذب والجبن
والكذب من ابرز صفات ابليس اذ انه يستخدمه لتسهيل تنفيذ مخططه. وهو اول وسيلة استخدمها مع آدم ويستخدمها مع بني آدم في كل زمان ومكان فمخططه لا ينجح الا بذلك وما يعدهم الشيطان الا غرورا"
وحتى اتباعه لا ينجحون الا بذلك ولو انهم كشفوا للناس عن حقيقته نواياهم الخبيثة لولى الناس عنهم فلا بد من رفع الرايات الكاذبة ليجذبوا الناس اليهم فيرفعون رايات الحرية والمساواة والاخاء ولا شىء من ذلك في عالم الواقع.
ولقد ظهرت هذه الصفة بصورة عملية في معركة بدر عندما عزم الكفار على محاربة المسلمين " فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي وكان من اشراف كنانة فقال لهم: ط لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم" من ان تأتيكم كنانة بشىء تكرهونه فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم فلما بعثوا للقتال وراى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه فقالوا: الى اين يا سراقة الم تكن ققلت انك جار لنا لا تفارقنا فقال:" اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب وصدق في قوله اني ارى ما لا ترون وكذب في قوله اني اخاف الله"
لقد القى في نفوسهم ان لا غالب لكم اليوم من الناس واوحى اليهم انهم هم الاقوياء وخدعهم بكثرتهم وقام يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا ... ومع ذلك كله خسروا المعركة وذلك لان وحيهم كان من وحي الباطل.
стр. 54
من وحي الباطل
ان من سنن الله ان قيض لهذا الحق اعداء وليس عدوا واحدا اعداء من صنفين مختلفين من الخلق من الانس والجن وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن
والشيطان كلمة تطلق على كل من استشرى شره وقام يدعو للشر سواء كان من الجن او الانس والكثير لا يعرف هذه الحقيقة فهو يحترس من شياطين الجن ولا يحترس من شياطين الانس وكيف يستطيع تمييزه وهو انسان مثله يشرب كما يشرب وياكل كما ياكل وينام كما ينام ولهما نفس الاعضاء.
من هنا تكمن الخطورة في خطة عدو الله لقد رسم الخطة ووحد الهدف فجميع الشياطين هدفهم واحد وغايتهم واحدة سواء كانوا من الجن او الانس وهي قيادة الانس والجن الى جهنم او بمعنى اوضح انارة طريق الهلاك لمتبعيهم ويمتازون بصفات كثيرة تؤهلهم لتحقيق هدفهم منها ايحاء بعضهم لبعض زخرف القول يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا"
يمد بعضهم بعضا بوسائل الخداع والغواية وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضا وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق واهله ... ان الشياطين يتعاونون فيما بينهم ويعين بعضهم بعضا على الضلال ايضا انهم لا يهدون بعضهم بعضا الى الحق ابدا ولكن يزين بعضهم لبعض عداء الحق وحربه والمضي في المعركة معه طويلا
стр. 55
فكانه تواص بينهم على الضلال وكانما يضل بعضهم بعضا ويلقون ببعضهم بالنار ولا يشعرون ... واني لاكاد ارى هذا المنظر ماثلا امام عيني في كل مجلس باطل به شياطين الانس.
انه يراكم
لقد أكسب الله ابليس صفة الرؤية لبني آدم من غير ان يروه وهي بلا شك صفة خطيرة حيث ان صاحب هذه الصفة يملك ان يراقب الآخرين ويرصد حركاتهم وهم لا يرونه فبهذا يكون متحكما فيهم اشد تحكما يرفع سلاحه ويسدد بأناة ثم يضرب خصمه ويقتله بسهولة ويسر فلو كان يراه لهب يدافع عن نفسه ولكن أنى له ذلك وهو لا يراه.
وتبقى هذه الصفة خطيرة على بني آدم الا من استعصم بقوة اقوى من مالك هذه الصفة فانه من دون شك سيعصمه من ابليس وقبيله بل يقذف في قلبه الاحساس برؤية ابليس ليأخذ حذره منه " انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون".
ولا يقدر عدو الله ان يرقب ويقتل الا اولئك المبذرين بالباطل المسرفين فيه أما أولئك الذين ألبسوا أنفسهم ثياب الحق وعاهدوا الله على أن لا ينزعوها فأولئك في حمى الله ذلك لأنهم حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون.
стр. 56
المبذرون
لربما يتبادر الى اذهان البعض لأول وهلة عند سماعهم لكلمة التبذير انها تعني" كل مادة تنفق فوق الحد المعقول" ولكن يبقى هذا التصور عائما متقطعا غير متماسك مالم يحدد بحدود ويضبط بضوابط فليس كل مادة تنفق فوق الحد المعقول تعتبر من التبذير اما الانفاق نوعان: انفاق للحق وانفاق للباطل. وبهذا الصدد قال مجاهد:" لو انفق انسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ولو انفق مدا في غير حق كان مبذرا".
ولنرجع الى الرعيل الاول قليلا فنرى اعلم الناس بكتاب الله بعد رسول الله ﷺ الذي قال:
" لقد علم اصحاب رسول الله ﷺ اني اعلمهم بكتاب الله ولو اعلم ان احدا اعلم مني لرحلت اليه
وهو الذي قال له رسول الله ﷺ عندما نزلت الآية " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا وآمنوا " الى آخر الآية "
قيل لي انت منهم" هذا الصحابي الجليل هو عبد الله بن مسعود الذي عندما عرف التبذير جاء تعريفه شاملا دقيقا عندما قال فيه انه " ما انفق بغير حق" بلي كل شيء انفق بغير حق من مال ووقت وكلام فهو من التبذير وهذه صفة من صفات الشيطان وزمرته انهم ينفقون دون ملل ولكنها نفقات باطلة فمنهم من يتلذذ بهذا العطاء الباطل فتراه يحدث الناس بالباطل حتى يسرف فيه ويرمي اصحاب الحق بما ليس فيهم حتى انه يكون سببا في تجنب الكثير من الالتحاق بعصبة الحق خوفا مما حيك حولهم. وكيف يعيش هؤلاء وقد اصبحوا اخوة للشيطان
" ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان
стр. 57
لربه كفورا" ترى ما النهاية التي تنتظر ذلك الانسان الذي يحمل بين يديه برميلا من الزيت لا يريد ان يلقيه وهو يعلم ان الطريق الذي يسير فيه موصل الى نار؟؟؟
نعم يكون اخا للشيطان كل من انفق من ماله ووقته وكلامه بغير الحق وهو من اخطر الامراض التي تصيب الدعاة فنرى بعضهم ينفقون اوقاتا كثيرة ساعات تلو الساعات على الموائد يناقشون بها مواضيع تبدو في ظاهرها انها حق وما هي الا ضرب من اللغو الذي لا يبنى عليه عمل كأن يتناقشوا في الفتنة التي حدثت بين الصحابة او في تأويل بعض الآيات والاحاديث اكثر مما تحتمل او في خلافات فقهية حول احكام لم تقع او في التنقيب عن اخطاء بعض المفكرين الاسلاميين لا من اجل دراسة الاخطاء والابتعاد عنها ولكن للتجريح فقط والتشهير.
ذلك ما انتبه اليه الشيخ حسن البنا وعلم ان من بين صفوف الدعاة من يتخذ ذلك النوع من الكلام هواية له فقال:" وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا ومن ذلك كثرة التفريعات للاحكام التي لم تقع والخوض في معاني الآيات الكريمة التي لم يصل اليها العلم بعد والكلام في المفاضلة بين الاصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأول مندوحه.
وصنف آخر ينفق ذلك الوقت بتناول مواضيع لا خير فيها ولا نفع.
وعلى هذا يتبين ان التبذير ينقسم الى ثلاثة اقسام.
стр. 58
اولا - تبذير المال:
قال الله تعالى:" ولا تبذر تبذيرا"
" قال الشافعي ﵁: والتبذير انفاق المال في غير حقه ولا تبذير في عمل الخير وهذا قول الجمهور.
وقال اشهب عن مالك: التبذير هو اخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الاسراف وهو حرام لقوله تعالى: " ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين"
وقوله اخوان يعني انهم في حكمهم اذ المبذر ساع في افساد كالشياطين او انهم يفعلون ما تسول لهم انفسهم او انهم يقرنون لهم غدا في النار"
ثانيا - تبذير الصحة:
وذلك في قول الرسول ﷺ :
" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"فنجد كثيرا من الناس اعطاه الله الصحة الكاملة وابعد عنه الاسقام ولكنه ينفق هذه الصحة التي اعطاها الله اليه في معصية خالقه كأن يستخدم رجليه في الخطو الى اماكن المعصية ويديه في مسك ورفع ما حرم الله والبطش بالناس وعينه في النظر الى ما حرم الله واذا مرض تندم وقام يتمنى ان لو عمل صالحا في صحته.
ثالثا - تبذير الوقت:
وذلك واضح ايضا في الحديث السابق ذكره - فان هذا المرض لم يقتصر على العامة فقط ولكنه تسرب الى مجتمع الدعاة انفسهم. يقول الامام ابن
стр. 59
الجوزي:
قد يكون الانسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا فاذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون وتمام ذلك ان الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون لان الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم.
стр. 60
الفصل الرابع
أعماله
١ - الطعن.
٢ - الخمر والميسر والانصاب والازلام
٣ - بول الشيطان
٤ - ضحك الشيطان
٥ - الادبار
٦ - اتباع الغاوين
٧ - السرقة
٨ - الانتشار في بداية الليل
стр. 61
الطعن
والطعن هو اول عمل يقوم به ابليس للانسان عند اول خروج له الى هذه الدنيا اعلاما منه لبداية المعركة مع هذا المولود الجديد قال رسول الله ﷺ
" كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب يقول القرطبي:" هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة امها حيث قالت:" اني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم"
وكل مولود يولد على الفطرة وانما الذي يهوده او ينصره او يمجسه هما ابواه ومما لا شك فيه بان الهداية بيد الله ولكن الوالدين هما سببان كبيران لسلوك الطفل فان حلى لهما طعن الشيطان باعاه له بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا من الزاهدين ". واما ان عز عليهما ذلك الطعن فانهما يقولان كما قالت امرأة عمران عندما وضعت مريم" اني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم".
فينشأ ذلك الطفل بين ابوين صالحين متحررا من كل طعن من عدوه القديم مهما كان شكله صغيرا كان ام كبيرا.
стр. 62
الخمر والميسر والانصاب والازلام
والخمر احد معانيه في اللغة" يدل على الستر ومنه خمار المرأة لأنه يستر رأسها وسميت الخمر خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه" فاذا ما ذهب عقل الانسان اصبح كالطين في يد الشيطان يشكله كيف شاء.
والميسر هو القمار وأحد اشتقاقاته" من اليسر لأن فيه أخذ المال بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب" وهذا من اكبر الدواعي لايقاع الغضب والعداوة بين المقامرين ...
والأنصاب هي الأوثان من الحجارة كانت تجمع في الموضع من الارض فكان المشركون يقربون لها القرابين قال ابن جريج النصب ليست بأصنام الصنم يصور وينقش وهذه حجارة تنصب فكانوا اذا ذبحوا نضحوا الدم على ما اقبل من البيت وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة".
أما الأزلام فقد كان " أهل الجاهلية كان أحدهم اذا اراد سفرا او غزوا او نحو ذلك أجال القداح وهي الأزلام وكانت قداحا مكتوبا على بعضها (نهاني ربي) وعلى بعضها (امرني ربي) فان خرج القدح الذي هو مكتوب عليه امرني ربي مضى لما اراد من سفر او غزو او تزويج وغير ذلك وان خرج الذي عليه مكتوب نهاني ربي كف عن المضي لذلك وأمسك"
وكل هذه الاعمال كما قال الله تعالى هي من اعمال الشيطان" انما الخمر
стр. 63
والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
" ويكفي ان يعلم المؤمن ان شيئا من عمل الشيطان لينفر منه حسه وتشمئز منه نفسه ويجفل منه كيانه ويبعد عنه من خوف ويقيه " يبعد عنه لا يماري ولا يجادل عندما يعلمه خالقه ان ذلك من عمل الشيطان تماما كما قال عمر ﵁ عندما قرأت عليه الآية انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون فقال:
انتهينا انتهينا وهكذا يجب ان يكون كل داعية الى الله ينتهي ويبتعد عن كل عمل من اعمال الشيطان بمجرد سماعه للنهي.
وعندما يصل المؤمن لهذه السفوح يرفض ان يدخل الى اذنه غير الحق فيصيح مناديا اذنه:
ويا أذني ان دعاك الهوى فاياك اياك ان تسمعي
فهو ليس كهذا الذي ملأ الشيطان اذنه بالباطل فاصبح لا يسمع الحق.
بول الشيطان
" ذكر عن النبي ﷺ ان رجلا نام ليله حتى اصبح قال: ذاك رجل بال الشيطان في اذنيه او قال في اذنه"
قيل ان بول الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر
стр. 64
وقيل هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة وقيل. وقيل معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول اذ من عادة المستخف بالشيء ان يبول عليه"
والنوم نعمة انعمها الله على عبده لكي يستعين بها على أداء الطاعات لا ليستعين بها على معصيته فيجعل الليل معاشا والنهار لباسا ...
يا مطولا بالقيام مستلذا بالمنام
قم فقد فاتك يا مغبون ارباح الكرام
وخلوا دونك بالمولى وفازوا بالمرام
وكذا تسبقك القوم الى دار السلام
ومن المؤلم ان نرى بعض الدعاة يسهرون الليل للعمل للدعوة وينامون بسبب ذلك متأخرين فلا يستيقظون لصلاة الفجر من اثر التعب وكان اولى بهم ان يقدموا الفرض على النافلة ويعلموا ان احب شيء الى الله أداء الفرائض وانه لا تقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة.
ضحك الشيطان
قال رسول الله ﷺ " التثاؤب من الشيطان فاذا تثاءب احدكم فليرده ما استطاع فان احدكم اذا قال ها ضحك الشيطان "ان المؤمن يرفض ان تكون له اي صلة مع الشيطان فيكون من البديهي ان يرفض ان يضحك عليه في كل امر حتى من التثاؤب.
стр. 65
ولئن نظرنا الى الجانب الآخر من الحديث نرى ان الامر لا يقتصر على شعور المؤمن ان الشيطان يضحك عليه
اذا ما تثاءب فحسب بل يحتمل شعورا آخر وهو ان الشيطان يسخر منه عند كل انحراف عن طريق الدعوة وبذلك يظل متحفزا من ان يقع له خطأ او انحراف ناظرا الى طريقه بدقة كي لا يحيد فيكون أضحوكة لذلك العدو.
الادبار
والباطل دائما في ادبار عن الحق منذ آدم ﵇ الى الآن يكره احدهما الآخر لا يتهادنان ما دام الحق حقا
والباطل باطلا والحق دائما اصبر من الباطل يسمعه بكل ثقة ويرد عليه رد الموقن انه على حق اما الباطل فلا يملك هذه القوة ودائما يفضل الا يسمع الحق لانه يعلم يقينا انه اضعف من ان يصمد امام الحق وذلك متمثل في زعيم الباطل واتباعه.
قال رسول الله ﷺ :" اذا نودي بالصلاة ادبر الشيطان وله ضراط فاذا قضى اقبل فاذا ثوب بها ادبر". واما اتباعه فهل هناك اكثر من ان يجعلون اصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم ويفرون كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة فهل هناك اكثر من ذلك.
كل هذا الادبار لئلا يسمعوا الحق وهناك فئة من الناس يهيء الله لهم كل اسباب الهداية ويؤتيهم الحق ويأبون الا الانسلاخ عن الحق والادبار عنه وما ان ينسلخ من الحق حتى يتبعه الشيطان في كل مكان حتى يجعله من الغاوين.
стр. 66
اتباع الغاوين
هذا الانسان الذي اعطاه الله الحق واضحا كاملا ولكنه اعطى للحق قفاه وفي كل لحظة من لحظات عمر هذا الانسان يبين الله له الحق ليهتدي به ولكنه يأبى الا اتباع الشيطان" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين". يبين له الحق في نفسه وفي الاخرين وفي الكائنات الحية وفي الكون ومع هذا الحشد من الحقائق التي تمر على هذا الانسان يابى الا الانسلاخ عن الحق واتباع الشيطان وبعضهم يتأثر عند سماعه للحق لدقائق او ايام او شهور ولكنه لا يلبث حتى يعود من حيث اتى كأن الحق ملابس تحك جسده العاري فينزعها ويرميها بعيدا ويلبس ثياب الباطل ليتعرف عليه زعيمه ابليس كي يستقبله بعد ذلك الانسلاخ حالا دون انتظار" فاتبعه" وضمه الى معسكر الضلال واكتسب هذا المعسكر عضوا جديدا بل وفودا جديدا لجهنم
وسار هذا العدو يستقبل الألوف من المنسلخين عن الحق- ويا لحسرة على هذا الانسان ويا لها من نهاية - الضلال بعد معرفة الحق وكأن حديث رسول الله ﷺ يندمج مع تلك الايات شارحا لها حين يقول
" فوالذي لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها"
стр. 67
السرقة
ومن أعماله السرقة قالت عائشة ﵂:
" سألت النبي ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة فقال:" هو اختلاس يختلس الشيطان من صلاة احدكم".
الانتشار في بداية الليل
قال رسول الله ﷺ :" اذا استجنح الليل او كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فان الشياطين تنتشر حينئذ فاذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم".
стр. 68
الفصل الخامس
مداخله
١ - الأمر بالسوء
٢ - نسيان الاستحواذ
٣ - النزعات
٤ - التخويف بالفقر
٥ - فلا تخافوهم
٦ - الأماني الكاذبة
٧ - الاستهواء
٨ - الايحاء بالمجادلة
٩ - تحريم ما أحل الله
١٠ - عرس اليأس
١١ - الاستفزاز
١٢ - المشاركة
١٣ - تفكيك الاسرة
١٤ - الغضب
стр. 69
١٥ - الانهماك بالمزاح
١٦ - النجوى
١٧ - ظن السوء
١٨ - الغيبة
١٩ - تصيد العيوب
٢٠ - تزيين الشيطان الأصغر
٢١ - تزيين الشيطان الأكبر
٢٢ - الوسوسة
٢٣ - وذلك أضعف الايمان
стр. 70
مداخله
ومداخل الشيطان كثيرة ومتعددة وبها يطبق خطته التي رسمها من قبل.
وهو يستخدم كل مدخل على حسب نوعية الانسان ومستواه الايماني وكذلك هو الحال بالنسبة للناس فعلى قدر قربهم من الله او بعدهم عنه يدركون تلك المداخل وذلك لأن الله هو الذي يعين الانسان لاكتشاف تلك المداخل فعندما يقرب العبد من الله تتضح له جليا تلك المداخل ويعينه الله على التغلب عليها اما عندما يبتعد عن الله فان الله يطمس على قلبه فلا يرى تلك المداخل ولا يشعر بها بل يحسب ان كل ما يقوم به عمل صالح
" واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون"والواقع يكذب ما يدعون " الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"
وهذا الفصل من أهم الفصول وهو لب البحث ومحوره.
فمن غير معرفة مداخل ابليس يصعب على الانسان مزاولة هذه الحرب التي عقدت بينه وبين عدوه ابليس ويصبح من العسير التحفز لخططه التي يريد بها اغواء البشر وتزيين الباطل لهم ليقعوا فيه ...
стр. 71
الأمر بالسوء
ان أعمال الشيطان كلها ومداخله تندرج تحت الامر بالسوء لأنه لا يعرف الا الأمر بالسوء فأخبر عنه تعالى:
" انما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ". لأن الأمر بالسوء هو الضمان الوحيد لتحقيق غاياته فمنطق الجاهلية يقول ان الغاية تبرر الوسيلة وقد يخدع البعض ويلبس بعض أوامره ثوب الحق ولكنه أبدا لا يريد الا السوء فلقد اخذ اذنا من الله وعهودا على نفسه بأن يؤذي بني آدم اشد الايذاء ويحاربهم بكل وسيلة ويقتحم دورهم في كل مكان ويستولي ويستنزل من بني آدم حظا معلوما فقال:
" لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ".يحيد بذلك النصيب المفروض عن الطريق السوي طريق الاستقلال من قيود الشهوة التي تخضع الانسان وتجعله ساجدا عابدا لها من دون الله ويأمرهم بالقيام بأعمال سخيفة كقطع آذان الأنعام حتى يصبح ركوبها وأكلها حراما دون أن يحرمها الله ويأمرهم بتغير خلق الله بقطع أجزاء من الجسم أو تشويهها ولئن كانت هذه الأوامر في عهد الجاهلية فان أوامره بهذا العهد ازدادت وتنوعت في أعياد مفتعلة وعادات غريبة وسياسة حمقاء وأكبر سوء يأمرهم به هو التحاكم الى الطاغوت وترك التحاكم الى الحق.
الحكم بالباطل هو التمسك بكل شيء من وضع البشر.
وأحكام سخيفة هشة وترك ما وضع الله لهذا الانسان من الحق.
стр. 72
" يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا".
علينا أن لا نتوقع أن عدو الله ابليس سوف يرفع راية الاستسلام انه عدو لا يمل الحرب ان حربه دائمة فاما ان ينتصر واما أن يهزم امام ايمان المؤمن.
انه عدو ذو غاية. وصاحب الغاية لا يفتر ابدا حتى يحققهاوالشيطان لا يأمر الا اولئك الذين استولى عليهم فأنساهم ذكر الله. أما أصحاب الحق فانه ينسيهم أحيانا ذكر الله ولكنه لا يستطيع أمرهم بشيء وحتى اذا ما أمرهم لا يلبون وذلك لأنهم يعودون الى الله بسرعة
" والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم".
نسيان الاستحواذ
يقول الامام ابن القيم:"خلق ابن آدم من الأرض وروحه في ملكوت السماء وقرن بينهما فاذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه بالحزم وجدت روحه خفة وراحة فتاقت الى الموضع الذي خلقت منه واشتاقت الى عالمها العلوي واذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن الى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لأستغاثت من
ألم مفارقتها وانقطاعها من عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب".
ومتى تظهر عتامة الطين الذي خلق منه الانسان؟
стр. 73
ومتى ترى الانسان ذا البشرة البيضاء كأنها سوداء؟
ومتى ترى الابتسامة كأنها عبوس والضحك كأنه بكاء؟
ترى ذلك كله عندما الشيطان ينسى هذا الانسان العنصر الآخر الذي خلق منه " نفخة من روح الله".
" استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله".
ينسيه خالقه الذي صوره وأحسن تصويره ويسعى عدو الله سعيا حثيثا لتبخير كل ما علق فيه من ذرات من ذكر الله حتى يحيله الى طينة يابسة لا حياة فيها وذلك ما قاله رسول الله ﷺ :
" مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت ".
وكما قيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور.
يحيله الى أعمى لا يرى طريقه يتخبط خبط عشواء لا يدري أين يسير ولا الى أين يسير كما قال تعالى:
" ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى".
فهو كما كان أعمى عن الحق في الدنيا كذلك يجعله الله أعمى في الآخرة.
ويستخدم عدو الله وسائل كثيرة لتحقيق هذا المدخل منها ما ذكر بالقرآن
стр. 74
الكريم كالخمر والميسر قال الله تعالى:
" انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة".
وأحيانا يستخدم المال والأبناء قال تعالى:
" يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون".
وحتى نتقي هذه النزغات وغيرها يجدر بنا معرفتها وكيف تتم. وهذه أمثلة من هذه النزغات.
النزغات
النزغ من أهم وأخطر الفقرات في الخطة الشيطانية ذلك لأنه يخفى على الكثير وتترتب عليه نتائج خطيرة على الدعوة والدعاة. ويستخدم الشيطان لتحقيق هذا المدخل وسيلتين وهما اللسان والأفعال.
أما اللسان فهو أهمهما فيه تتكون وتتجمع تلك النزغات في النفوس لذا قال الله تعالى:
" وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن ان السيطان ينزغ بينهم ان الشيطان كان للانسان عدوا مبينا".
وهو من أخطر المناطق في جسم الانسان وبسببه يسعد السعداء بالجنة ويشقى الأشقياء بالنار " سأل معاذ النبي ﷺ عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده عن النار فأخبره ﷺ برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال الا أخبركم بملاك ذلك كله؟
قال بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا
стр. 75
فقال وانا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم او على مناخرهم الا حصائد السنتهم". ان تطهير اللسان من الآفات والتثبت قبل القول ووزن الكلام قبل التكلم به امر ذو شأن اذ به تضمن الجنة كما قال ﷺ :
" من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة"وكان ابن مسعود يقول ما على وجه الارض شيء احوج الى طول سجن من لسان.
والامثلة على ان تكون هذه النزغات في النفوس بسبب اللسان كثيرة منها ما ينزغ في نفس احدهم عند سماعه لعالم دين فيقول له:" أظهر له انك اعلم منه" فيدفعه ذلك لمناقشته اظهارا لعلمه الذي يعلم او تصيد أخطائه ليخبره بها امام الناس ويظهر لهم انه عالم وربما يتكون بسبب ذلك الجدل العقيم ان ينفر كثير من الناس من الاسلام وهذه احدى نتائج ضلال الامة كما قال ﷺ :" ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا أتوا الجدل" ...
ومنها ما ينزغ في بعض النفوس عندما يكشف لهم البعض عن عيوبهم وينصحونهم بتركها فيقول له:
" مثلك لا ينصح وكيف تتقبل هذه النصيحة وانت اعلم من الناصح" او يقول له:" كيف تتقبل هذه النصيحة من الذي اصغر منك سنا" فيجعله يخاصم الناصح ولا يكلمه او يجعله يكره ان يراه او يمشي معه ...
قال ابن عقيل:" كان ابو اسحاق الخزاز صالحا وهو اول من لقنني كتاب الله وكان من عادته الامساك عن الكلام في شهر رمضان فكان يخاطب
следующие страницы →