← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35115

البيان في مداخل الشيطان

عبد الحميد البلالي

Полный текст (171 стр.). Показаны 141–171 · переход к 146.

стр. 141

فرحمته وخليت سبيله قال اما انه كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك الى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات انك تزعم انك لا تعود ثم تعود فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت وما هي؟ قال اذا أويت الى فراشك فأقرأ آية الكرسي: " الله لا اله الا هو الحي القيوم " حتى تختم الآية فانك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ :" ما فعل أسيرك البارحة"؟ قلت: يا رسول الله زعم انه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال " وما هي قال لي اذا اويت الى فراشك فأقرأ آية الكرسي من اولها حتى تختم الآية " الله لا اله الا هو الحي القيوم"وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا احرص شيء على الخير فقال النبي ﷺ : أما انه صدقك وهو كذوب" تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا ابا هريرة؟ قلت لا قال: ذاك شيطان ". خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود الانصاري قال " قال رسول الله ﷺ من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" وقد قيل في معنى كفتاه" من قيام الليل وقيل من الشيطان وقيل من الآفات ويحتمل الجميع.

стр. 142

غض البصر والنظر الى ما نهى الله عنه من العورات من اشد مداخل الشسطان به أغرق الكثير في نار جهنم وجند به في حزبه الكثير وبسببه يضعف الايمان وتنعدم لذته وتنعدم الفراسة وصفاء الفكر والتفكر يقول الامام ابن القيم" والنظر اصل عامة الحوادث التي تصيب الانسان فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة ارادة تقوى فتصير عزيمة حازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع وفي هذا قيل" الصبر على غض البصر ايسر من الصبر على الم ما بعده" قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في اعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبا بسرور عدد بالضرر ومن آفات النظر: انه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه وهذا اعظم العذاب: ان ترى ما لا صبر لك عن بعضه ولا قدرة على بعضه وهذا هو السبب او بعضه لارشاد الله عباده بغض النظر وذلك علاج نافع وسد منيع لاحد اكبر مدخل من مداخل الشيطان كما وصفه رسول الله ﷺ اذ يقول:" ما تركت بعدي في الناس فتنة اضر على الرجال من النساء" واول ضرر على الرجال من النساء هو النظر اليهن ان كن محارم والسبب

стр. 143

في كونها اضر فتنة بعد الرسول على الرجال لانها تحرق معنى العبودية في قلب صاحبها. وذلك ما بينه شيخ الاسلام ابن تيمية اذ يقول: " النظر يؤكذ المحبة فيكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة لانصباب القلب اليه ثم غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه ثم عشقا الى ان يكون تتيما والمتيم العبد وتيم الله عبد الله فيقي القلب عبدا لمن لا يصلح ان يكون اخا بل ولا خادما وهذا انما يبتلى به اهل الاعراض عن الاخلاص لله ويتبع صوم العين صوم اللسان عن فضول الكلام وايثار الصمت لسد المداخل امساك فضول الكلام واستبداله بالصمت والكلام الذي لا يبنى عليه عمل ولا تقوم به مصلحة هو من فضول الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع وهو بذلك مضيعة للوقت او كما يراه الامام ابن القيم اشد من الموت" اضاعة الوقت اشد من الموت لأن اضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الاخرة والموت يقطعك عن الدنيا واهلها" والخوض بالكلام الذي لا يفيد انما هو مدخل من مداخل ابليس قد تصل بصاحبها الى درجة الضلال ورب كلمة يتلفظ بها المرء لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار ابعد مما بين المغرب والمشرق وذلك ما رواه مسلم" وان العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب" وكان رسول الله ﷺ يعلم الرعيل الاول هذا المدخل الشيطاني لئلا يقعوا في شباكه فيهوون في النار فمما ذكره لهم " ان رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان وان الله قال: من ذا الذي يتألى علي ان لا

стр. 144

اغفر لفلان فاني غفرت لفلان وأحبطت عملك" فهذا الرجل احبط الله اعماله كلها بسبب كلمة لم يلق لها بالا ولم يزنها قبل قولها. ولقد حرص ﷺ على امته كل الحرص في عدم الوقوع في ذلك فأعطاهم قاعدة منجية يطبقها جيل بعد جيل الى ان يرث الله الارض ومن عليها قال " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت وللصمت منافع اربعة جمعها الاحنف بن قيس في قوله: " الصمت امان من تحريف اللفظ وعصمة من زيف المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه" وليس غريبا على الاحنف ان يكون له علم بهذا الدواء لذلك المدخل فلقد كان ياخذ هذه الدروس على يد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قال له يوما: " يا احنف من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه" ورب فئة من الناس ياخذون هذا الكلام على ما هو فيصمتون عن الحق والباطل معا ظانين انهم يسلموا بذلك من آفات اللسان ولا يدرون انهم وقعوا في آفة من آفاته يقول الامام ابن القيم:" وفي اللسان آفتان عظيمتان ان خلص العبد من احداهما لم يخلص من الاخرة آفة الكلام وآفة السكوت وقد يكون كل منهما اعظم من الاخرى في وقتها. فالساكت عن الحق شيطان اخرس عاص الله مراء مداهن اذا لم يخف على نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله واكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين

стр. 145

واهل وسط وهم اهل الصراط المستقيم كفوا السنتهم عن الباطل واطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الاخرة فلا يرى احدهم انه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائقة بلا منفعة فضلا ان تضره في آخرته. ويكفي المسلم ان يعلم ان كل لفظة يلفظها تسجل عليه " ونحن اقرب اليه من حبل الوريد اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد" والوريد الذي يجري فيه دمه وهو تعبير يمثل ويصور القبضة المالكة والرقابة المباشرة الدائمة وحين يتصور الانسان هذه الحقيقة لا بد يرتعش ويحاسب ولو استحضر القلب مدلول هذه العبارة وحدها ما جرؤ على كلمة لا يرضى الله عنها بل ما جرؤ على هاجسه في الضمير لا تنال القبول وانها وحدها لكافية ليعيش بها الانسان في حذر دائم وخشية دائمة ويقظة لا تغفل عن المحاسبة" الامر الذي حدا بدعاة الحق على مر القرون ان يطلقوا السنتهم كما قال الامام ابن القيم في الحق ويؤثرون الصمت فيما عدا ذلك. تكلم وسدد ما استطعت فانما كلامك حي والسكوت جماد فان لم تجد قولا سديدا تقوله فصمتك عن غير السداد سداد ويتم ذلك الصيام المبارك بصيام الاذن عن سماع ذلك الباطل.

стр. 146

تنقية الاستماع او صون الاذن عن سماع الباطل وكما ان اصحاب الباطل يطبقون هذه القاعدة تطبيقا دقيقا يفوق في كثير من الاحيان دقة اصحاب الحق فيصمون آذانهم عن سماع الحق كما قال الله على لسان نوح ﵇:" واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا اصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم واصروا واستكبروا استكبارا" وتثار مشاعرهم وينزعجون عند سماعهم للحق ... عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا" قال نزلت ورسول الله ﷺ متوار بمكة فكان اذا صلى باصحابه رفع صوته بالقرآن فاذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن انزله ومن جاء به فقال الله نبيه ﷺ :" ولا تجهر بصلاتك" فيسمع المشركون قراءتك " ولا تخافت بها" عن اصحابك اسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر" وابتغ بين ذلك سبيلا" يقول بين الجهر والمخافتة. فأولى بأصحاب الحق ان يصونوا آذانهم عن سماع الباطل بشتى انواعه من غناء ولمز وغيبة ونميمة واستهزاء وفتنة وتشكيك ... والأذن كالنحاس في سرعة توصيل الحرارة الى القلب فاذا كان المسموع باطلا تأثر به القلب فاما ان تزداد الحرارة فينحرق فيصبح مولعا بسماع الباطل ولا يحب سماع غيره او ان تصل الحرارة ضعيفة فتشغله في كثير من الاحيان عن سماع الحق. والداعية المخلص لا يقول قول ذلك الساذج" ساعة لربي وساعة لقلبي"

стр. 147

انما هو يعلم مباديء المفاصلة بكامله وصون الاذن عن سماع الباطل احد مبادئها ... " ان الجاهلية جاهلية والاسلام اسلام والفارق بينهما بعيد. والسبيل هو الخروج من الجاهلية بجملتها الى الاسلام بجملته هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة الى الاسلام بكل ما فيه واول خطوة في الطريق هي تمييز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية تصورا ومنهجا وعملا. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق والانفصال الذي يستحيل معه التعاون الا اذا انتقل اهل الجاهلية في جاهليتهم بكليتهم الى الاسلام لا ترقيع ولا انصاف حلول ولا التقاء في منتصف الطريق ... مهما تزيت الجاهلية بزي الاسلام او ادعت هذا العنوان" وهي مع ذلك ليست بدعة مستحدثة في منهج الدعوة بل هي اصل من اصولها فقد وجه الله في كتابه الكريم اصحاب دعوة الحق الى ذلك فقال. "واذا رايت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره واما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين" ويجب ان تكون هناك فئة خاصة من الدعاة معدين اعدادا كاملا يقومون بمهمة سماع الباطل ليس للاستمتاع به انما للرد عليه ومع هذا يجب على هذه الفئة ان تضع ميزانا لها بان لا تستمع الى الباطل اكثر من سماعها للحق ... هذا هو الصيام الذي فقهه اصحاب الحق ولم ينسوا مع ذلك الصيام عن الطعام فان له مكانا بين الادوية

стр. 148

الصيام والصوم هو العلاج البديل للزواج لمن ليست له القدرة على مؤنة الزواج وذكر ﷺ الحكمة من استخدام هذا العلاج فقال:" فانه له وجاء" ... " فقوله - له وجاء - اصله الغمز. ومنه وجاء في عنقه اذا غمزه دافعا له ووجأه بالسيف طعنه به. ووجأ أنثييه غمزها حتى رضها فان الوجاء رض الأنثيين " وبهذا يضعف الدافع الى الشهوة التي تشغل العبد عن مهام الامور وتوقعه في مشاكل كثيرة وبذلك يكون الصيام سد منيع لمدخل كبير من مداخل الشيطان ... اما اولئك الذين يملكون الباءة وهي مؤنة الزواج فالزواج افضل لهم لما فيه من منافع كثيرة وليس كل زواج يصلح ان يكون دواء بل يكون دواء اذا كانت الزوجة صالحة اما ان كانت غير ذلك فربما يكون العكس فتكون عدوة له بدل ان تكون معينة هذا ما قاله الله في هذا الصنف " يأيها الذين آمنوا ان من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم" الزواج والزواج بذاته به علاج لكثير من مداخل الشيطان اذ به يكون الدافع اقوى لغض البصر واحصان الفرج وقطع الخواطر التي يلقيها عدو الله في

стр. 149

نفس العازب وهو تعليم على حمل المسؤولية ومدرسة لتعليم الدعوة الى آخر ذلك من منافع ... ولقد حث الرسول ﷺ الشباب على الزواج وذلك لعلمه. " ان الغالب وجود قوة الداعي فيهم الى النكاح بخلاف الشيوخ". فقال: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء" وقوله:" من استطاع الباءة فليتزوج فانه اغض البصر واحصن للفرج"ولا يقف الشيطان امام هذا الدواء صامتا بل يحاول ان يجعل ثغرات فيه او ان يهدمه ومن فيه فلذلك كان يلزم ان يوصف دواء ملازما لدواء الزواج وهو تقوية الرابطة الاسرية لسد جميع الثغرات وتقوية ذلك الحائط المنيع ... تقوية الرابطة الاسرية ان تفكيك الاسرة هو احد مداخل الشيطان وهو واضح في قصة يوسف ﵇ مع اخوته وكيف امرهم الشيطان بقتله وكذلك واضح في الحديث الذي رواه مسلم عن ابي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :" ان ابليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فادناهم منه منزلة اعظمهم فتنة يجيء احدهم فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء احدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم انت والضمانات التي تكفل ترابط الاسرة كثيرة في الاسلام

стр. 150

منها: ان تختار الزوجة الصالحة وابعادها قدر الامكان عن المجتمع الجاهلي الذي تعيش فيه ولو لفترة والعيش في مجتمع اسلامي ... ومنها: تربية الاطفال تربية اسلامية والعدل فيما بينهم. ومنها: امتثال حديث الرسول ﷺ حيث يقول:" خيركم خيركم لأهله وانا خيركم لاهلي وان تكون الابتسامة على وجهه دائما امام زوجه وابناءه وملاعبة الزوجة والمزاح معها كما كان يفعل الرسول ﷺ وينصح اصحابه به عندما قال لجابر ﵁ فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك وملاعبة الاطفال وتقبيلهم ومنها بر الوالدين وهذا ما امر الله به كي تتكامل صورة البناء الاسري فقال تعالى:" وقضى ربك الا تعبد الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماواخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ومنها ايضا: صلة الرحم فقال رسول الله ﷺ :" من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت واكبر ضمان في تقوية الرابطة الاسرية والرابطة الاخوية هوالقول الحسن.

стр. 151

القول الحسن القول الحسن هو الدواء لما يلقيه الشيطان من نزغات في نفوس افراد جماعة الحق " وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن ان الشيطان ينزغ بينهم" يامرهم الله ان يقولوا التي هي احسن على وجه الاطلاق وفي كل مجال فيختاروا احسن ما يقال ليقولوه ... بذلك يتقون ان يفسد الشيطان ما بينهم من مودة فالشيطان ينزغ بين الاخوة بالكلمة الخشنة تفلت وبالرد السيء يتلوها فاذا جو الود والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء. والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب تندي جفافها وتجمعها على الود الكريم" ولا عجب ان ترقى الكلمة الطيبة الى منزلة الصدفة حيث يقول الرسول ﷺ :"والكلمة الطيبة صدقة" وكانت وسيلة للاتقاء من النار قال رسول الله ﷺ :" اتقوا النار ولو بشق تمرة. فمن لم يجد فبكلمة طيبة. وحتى اذا وصل الحال الى الجدل فيكون جدلا في اطار الآداب الاسلامية والكلمة الطيبة وهي الجدال الحسن يكون بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح حتى يطمئن الى الداعي ويشعر ان ليس هدفه هو الغلبة في الجدل لكن الاقناع والوصول الى الحق. فالنفس البشرية لها كبريائها وعنادها وهي لا تنزل عن الراي الذي تدافع عنه الا بالرفق حتى لا تشعر بالهزيمة وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الراي

стр. 152

وقيمتها هي عند الناس فتعتبر التنازل عن الراي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة ويشعر المجادل ان ذاته مصونة وقيمته كريمة وان الداعي لا يقصد الا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء اليها في سبيل الله لا في سبيل ذاته ونصرة رايه وخزيمة الراي الاخر وحتى تكون الكلمة الطيبة اكثر تاثيرا في نفس المخاطب لا بد ان تصطحب بابتسامة هادئة لا تفارق وجه صاحب الكلمة الطيبة ... الابتسامة ان من اهم الخطوات التي يخطوها الداعية مع المدعو في بداية الطريق هي كسب القلب ... فعندما يخطو الداعية هذه الخطوة بنجاح تنجلي الغرابة والاشمئزاز من المدعو لهذا الدواء الجديد فيبدا يشرب وياكل كل ما يقدم له من ذلك الدواء بشغف ويشتاق اليه ان تاخر عنه. كما ان العوامل التي تكفل تحقيق هذه الخطوة كثيرة على راسها تلك الابتسامة الصافية التي يطلقها الداعية صافية من كل المصالح الدنيوية خالصة لله وحده ... فهي دائمة لا تنقطع ... اما البتسامات الاخرى المتعلقة بتلك المصالح فانها تختفي بمجرد انتهاء المصلحة. ولقد لبس ابليس على كثير من الدعاة في تعبيس وجوههم واوهمهم ان ذلك من الجد الذي امر به الاسلام.

стр. 153

فكم من الخلق قد نفر من ذلك العبوس ... وليت الامر اقتصر على العامة فقط بل تعدى ذلك الى افراد جماعة الدعوة الواحدة وكم من اخ القى الشيطان في قلبه على اخيه ما القى بسبب العبوس واختل الرباط. ان الداعية الفقيه بابعاد الدعوة لا تخفى عليه مثل هذه الخطوة الاساسية والعوامل التي تكفل نجاحها فترى الابتسامة دائما مرتسمة على وجهه باشا في وجوه اخوانه كي تصفى القلوب من نزغات الشيطان ويقوى رباط الاخوة. عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة ﵁: اكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا. كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح - او الغداة - حتى تطلع الشمس فاذا طلعت الشمس قام وكانوا يتحدثون فياخذون من امر الجاهلية فيضحكون ويبتسم" بل ان رسول الله ﷺ يجعل من المعروف عندما قال:" لا تحقرن من المعروف شيئا ولو ان تلقى اخاك بوجه طلق". وان اساء عليه احد الحمقى او تعرض لتصرف غريب فانه يقابل تلك الاساءة بابتسامة تخفي من ورائها فقه عميق راجيا ان تكون هذه الابتسامة سببا في انقاذ عبد قد تدلى بالنار وكاد ان يسقط فيها ... عن انس بن مالك ﵁ قال:" كنت امشي مع رسول الله ﷺ وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية فادركه اعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت الى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد آثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال

стр. 154

الله الذي عندك فالتفت اليه رسول الله ﷺ فضحك ثم امر له بعطاء. اخي بالله هكذا يكون فقه الدعوة فلا تبخل بابتسامة قد تكون سببا في انقاذ عبد او ازالة هم قد اصاب اخا لك. وانفق من هذه الصدقة ولا تخش الفقر ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون. الانفاق في سبيل الله والشيطان يقذف بالنفس الخوف من الفقر والانكماش عن الانفاق في سبيل الله ويصور للانسان ان ذلك المال ملك له وينسيه انه لله وانه جاء الى هذه الدنيا بلا مال عاري الجسد لا يستره شيء ولا يملك شيء والله يامر المؤمنين باكثر من اية ان ينفقوا في سبيل الله وينبههم انه هو المالك يقول الله تعالى: " وانفقوا من ما رزقناكم من قبل ان ياتي احدكم الموت" وكان ﷺ يعلم صحابته هذا الدواء لمحاربة عدو الله فعن ابي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول احدهما الهم اعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم اعط ممسكا تلفا وما كان يقول (لا) لاحد ساله شيء عن جابر ﵁ قال ما سئل رسول الله صلى الله

стр. 155

عليه وسلم شيئا قط فقال لا وكان ينفق نفقة الذي لا يخشى الفقر نفقة الذي هو مستيقن بان المال ليس ملكا له. فعن انس ﵁ قال ما سئل رسول الله ﷺ على شيئا الا اعطاه ولقد جاءه رجل فاعطاه غنما بين جبلين فرجع الى قومه فقال يا قوم اسلموا فان محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر هكذا كان رسول الله ﷺ ورعيله يتعاملون مع الشيطان ومداخله فلقد عقدوا البيعة مع الله وباعوا انفسهم واموالهم بان لهم الجنة والذين نسوا هذا العقد واوهمهم ابليس بان المال مالهم وانساهم ذكر الله ومالوا قليلا او كثيرا الى الدنيا لا يرفعهم عن ذلك الميلان الا ذكر الله ... الذكر والانسان متى ما تذكر الله وشعر انه مراقبه في كل حركة وهمسة ومتى ما تذكر انه مكشوف امام الله سره وعلانيته وانه قادر على ان يهلكه متى شاء وايقن ذلك في قلبه يكون من الصعب ان يعصيه ... وعندما يقول الرسول ﷺ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " لدلالة واضحة على ان الزاني حين يزني ينسى ان هناك رقيبا يرقبه وكاتبا يكتب ما يفعل ينسى ان عليه من بيده هلاكه فلذلك تنتفي صفة الايمان عنه في تلك اللحظات وكذلك حال السارق وشارب الخمر.

стр. 156

اذن هو ذلك النسيان الذي يسبب الشقاء الابدي في نار جهنم ومسببه هو عدو الله ابليس وهو من اكبر مداخله على ابن ادم ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة والدواء لهذا الداء هو ذكر الله على كل حال فيه ينتصر اصحاب الحق وبدونه يهزم اصحاب الحق وهو السبب الذي انقذ الله به نبي الله يونس ﵇ من بطن الحوت والا لمكث في بطن الحوت الى ما يشاء الله. وكل جماعة معرضة لذلك الانتكاس وكل داعية الى الله معرض للانتكاس متى نسي ذكر الله وبالذكر يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان اهل الغفلة والنسيان. قال بعض السلف: اذا تمكن الذكر من القلب فان دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الانسان اذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الانسي" والذكر عنصر اساسي في منهج هذا الدين انه ليس منهج معرفة نظرية وجدل لاهوتي انه منهج حركة واقعية لتغيير الواقع البشري. وللواقع البشري جذوره وركائزه في نفوس الناس وفي اوضاعهم سواء ... وتغيير هذا الواقع الجاهلي الى الواقع الرباني الذي يريده الله للناس وفق منهجه مسالة شاقة عسيرة تحتاج الى جهد طويل والى صبر عميق. وطاقة صاحب الدعوة محدودة ولا قبل له بمواجهة هذه المشقة دون زاد يستمده من ربه" ومتى ما استيقظ ذلك الناسي من نومه وذكر الله تكون اول ثمرة يقطفها من تلك الشجرة المباركة هي ثمرة الجهاد في سبيل الله ذلك لانه تذكر الله ...

стр. 157

الجهاد يقول ابن القيم قال تعالى:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" علق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية اعظمهم جهادا وافضل الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى و جهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الاربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة الى جنته ومن ترك الجهاد فانه من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد" ويتسرب عليه الشيطان من كل جهة ويضع مخالبه في جسده حتى يقطعه اربا اربا. اما من جاهد هذه الاربعة فقد اغلق جميع المنافذ على عدو الله ووضع الجنود على ابواب القلب تمنع اي مستعمر من الدخول ... وهذه الاربعة هي الوقود الذي يتزود منه الدعاة في حركتهم لتغيير هذا الواقع الجاهلي وبغير هذا الوقود تكون حركتهم ميتة لا روح فيها ولا انطلاق مزخرفة من الخارج ولكن داخلها خواء ... و للجهاد مراتب اربعة ذكرها الامام ابن القيم اثنان منها تتعلق بجهاد الفرد لنفسه وهما: ١ - جهاد النفس ٢ - جهاد الشيطان والاخرى تتعلق بجهاد الفرد للآخرين وهما ١ - جهاد الكفار ٢ - جهاد المنافقين جهاد النفس: اربع مراتب ايضا احدهما: ان يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها الا به ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.

стр. 158

الثانية: ان يجاهدها على العمل به بعد علمه والا فمجرد العلم بلا عمل ان لم يضرها لم ينفعها. الثالثة: ان يجاهدها على الدعوة اليه وتعليمه من لا يعلمه والا كان من الذين يكتمون ما انزل الله من الهدى والبينات ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: ان يجاهدها على الصبر لتحمل مشاق الدعوة الى الله واذى الخلق ويتحمل ذلك كله لله فاذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين فان السلف مجمعون على ان العالم لا يستحق ان يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه فمن علم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء. واما جهاد الشيطان: فمرتبتان: احدهما: جهاده على دفع ما يلقي الى العبد من الشبهات والشكوك القادمة في الايمان ... الثانية: جهاده على منع ما يلقى اليه من الارادات والشهوات. فالجهاد الاول يكون بعده اليقين والثاني بعده الصبر. قال تعالى:"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" فأخبر ان امامة الدين انما تنال بالصبر واليقين فالصبر يدفع الشبهات والارادات واليقين يدفع الشكوك والشبهات. واما جهاد الكفار والمنافقين: فاربع مراتب: بالقلب واللسان والمال والنفس. وجهاد الكفار اخص باليد وجهاد المنافقين اخص باللسان. واما جهاد ارباب الظلم والبدع والمنكرات: فثلاث مراتب:

стр. 159

الاولى: باليد اذا قدر فان عجز انتقل الى اللسان فان عجز جاهد بقلبه فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شغبة من النفاق" ولا يستطيع هذا الانسان الضعيف ان يقوم بهذه المراتب كلها لوحده ولئنقام بها لوحده فان الثمار ستكون قليلة كثير منها غير ناضج واذا قام بها ضمن جماعة فان ذلك احب الى الله قال تعالى:" ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص" فيسهل بذلك الطريق وتزداد الثمار الناضجة ان شاء الله. الالتزام بالجماعة ان الالتزام بالجماعة الصالحة من الامور التي يبغضها عدو الله لأن الجماعة الصالحة هي احد الاسباب لانقاذ الانسان من النار وهو بطبيعته يدعو أولياءه الى عذاب السعير فكل ما يبعد الانسان عن عذاب السعير يكرهه عدو الله. والانسان يتأثر بالوسط الذي يعيش فيه وغالبا ما ياخذ صفات ذلك المجتمع. ومصداق ذلك ما قاله رسول الله ﷺ :" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه" فابواه لانهما هما المجتمع الاول الذي يعيش فيه فبهما ترتسم شخصيته ويكتمل بناء الشخصية من تاثيرات المجتمع الآخر الذي يعيش فيه وهو مجتمع الاشخاص الذين يحتك في بعضهم ويرافق البعض الآخر ومن هذا كان لا بد ان يلتزم المسلم

стр. 160

بالجماعة الصالحة ولا اختيار له في ذلك خاصة بمثل هذا الوقت الذي ابعد فيه منهج الله عن الحياة واستبدلوه بالمناهج الوضعية. ويروي المفسرون ان بعض المؤلفة قلوبهم طلبوا من رسول الله ﷺ ان يجعل لهم مجلسا خاصا وينحي عنهم فقراء الصحابة فانزل الله تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا" " أصبر نفسك مع هؤلاء: صاحبهم وجالسهم وعلمهم ففيهم الخير وعلى مثلهم تقوم الدعوات فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لانها غالبة ومن يعتنقونها ليقودوا بها الاتباع ومن يتبعونها ليحققوا بها الاطماع وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع انما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه الى الله خالصة له لا تبغي جاها ولا متاعا ولا انتفاعا انما تبغي وجهه وترجو رضاه". ولقد وعى رسول الله ﷺ ما اراد ربه منه حينما اوصاه بألا يفارق الجماعة الصالحة ولا تعد عيناك عنهم" فربى اصحابه على هذه الوصية فتارة يبين لهم ان المفارق للجماعة كأنه خلع ثوب الاسلام منه فيقول:" من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه (العروة في الحبل) وتارة اخرى يقول لهم " الجماعة رحمة والفرقة عذاب"اذ ان الواحد البعيد عن الجماعة الصالحة مهيء لأن يفترسه الشيطان فهو يتصيد الشاة البعيدة عن القطيع وكذلك ما روى البخاري في صحيحه عن حذيفة بن اليمان عندما كان يسال الرسول ﷺ عن الشر مخافة ان يقع فيه وكان الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 161

يصف له حالة المسلمين بالمستقبل بوحي من الله حتى يقول له حذيفة فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم دعاة على ابواب جهنم من اجابهم اليها قذفوه فيها قلت أي حذيفة) صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. ثم يقول حذيفة للرسول ﷺ : فما تأمرني ان ادركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وامامهم ثم قال حذيفة: فان لم يكن لهم جماعة ولا امام؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو ان تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وانت على ذلك " بهذا كان يوصيهم لعلمه ما للجماعة من الاهمية في ازالة الباطل. ولكن الجماعة ليست آخر دواء لمحاربة عدو الله والانتصار عليه انما تتبعها ادوية كثيرة لعلاج ما يستجد من امراض خلال ممارسته العمل الجماعي وكذلك لتقوية النفس على تحمل عبء هذا الطريق الصعب وتزكيتها. " قد افلح من زكاها" من هذه الادوية - المحاسبة ... المحاسبة ولقد اعد هذا الدواء نتيجة للامراض التي يلاقيها الداعية خلال ممارسته العمل الجماعي من العجب والرياء وحب الرياسة والكبرياء عن اخذ النصيحة وما شابه كل ذلك يزرعه عدو الله في طريق الداعية ليجعله يحيد عن الطريق فتقطع الجذور وتتوقف الأثمار ... فكان من واجبات الداعية ان يتجرع هذا الدواء بين كل آونة واخرى يراجع نفسه ويصفيها مما علق بها من شوائب ويعزم ان يصقلها بالاخلاص والاقلاع عما علق في نفسه ...

стр. 162

قال الله تعالى:"يا أيهاالذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد" يقول الامام ابن قدامة المقدسي: " وهذه اشارة الى المحاسبة بعد مضي العمل ولذلك قال عمر ﵁ حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا. وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه. وقال ان المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول: والله اني لأشتهيك وانك لمن حاجتي ولكن والله ما في حيلة اليك هيهات حبل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع الى نفسه فيقول: ما اردت الى هذا مالي ولهذا والله لا اعود الى هذا ابدا ان شاء الله. ومعنى المحاسبة ان ينظر في راس المال وفي الربح وفي الخسران لتبين له الزيادة من النقصان فراس المال في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وليحاسبها اولا على الفرائض او هي كمل يقول الامام البنا:" استعراض اعمال اليوم ساعة نوم فان وجد الاخ خيرا فليحمد الله وان وجد غير ذلك فليستغفر وليسئل ربه ثم يجدد التوبة وينام على افضل العزائم" اما ذلك الذي يترك نفسه بلا فطام وبلا حساب ولا تزكية فهو معرض لمرض قسوة القلب او الميلان الى الدنيا فلأولى دواء له معرفة حقيقة الدنيا ... معرفة حقيقة الدنيا وقد مثل القرآن الكريم الدنيا بصورة رائعة اذ يقول تعالى:" واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح " بهذه اللمسات السريعة المتلاحقة يرسم القرآن الدنيا

стр. 163

تناسبا مع قصرها ويقول الرسول ﷺ مصورا قصرها" ما الدنيا في الآخرة الا مثل ما يجعل احدكم اصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" وعن جابر ﵁ ان رسول الله ﷺ مر بالسوق والناس كفتيه. فمر بجندي أسك (به عيب) ميت فتناوله فاخذ باذنه ثم قال: " أيكم يحب ان هذا له بدرهم"؟ فقالوا: ما نحب انه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: " اتحبون انه لكم"؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا أنه أسك فكيف وهو ميت؟ فقال:" فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" والغريب وعابر السبيل اسمان يطلقان على الذي يمر ببلد ليس هو من اهلها ولا هي موطنه الاصلي - وهذه هي حقيقة الدنيا - انها ليست الموطن الاصلي واننا مسافرون او عابرو سبيل خلال هذه الدنيا كما عبر عن ذلك الرسول ﷺ اذ يقول لابن عمر ﵁ كن في الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل واذا كان كذلك فما اجدر بعابر السبيل ان يتزود لاكمال رحلته لموطنه الاصلي فهناك الراحة الحقيقية ... وعندما يصل هناك ينتهي النصب وهذا هو الفارق بين اصحاب الحق واصحاب الباطل او قل انه احد الفوارق بان اصحاب الباطل يعتبرون الدنيا دار اقامة والموطن الاصلي لهم وذلك من تزيين الشيطان ومن هذا المنطلق فانهم يتكالبون عليه مستصغرين كل منكر يفعلونه عليها ويتجاذبونها حتى تهلكهم. ولقد اجاد ذلك الشاعر الذي خاطب تلك الفئة المتكالبة على الدنيا ووصف لهم الدنيا بانها منزل ركب حلوا به ثم رحلوا وان العيش فيها نكد وان ساكنها لا يسوغ له عيش لما يلاقيه فيها من الروعات المستمرة تريد نفسه الهروب. والموت يتبعها ويسعى الساكن فيها كل حياته لغيره والقبر لا يرث منه الا الاعمال الصالحة.

стр. 164

الا ترى انما الدنيا وزينتها كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا حتوفها رصد وعيشها نكد وصفوها كدر وملكها دول تظل تفزع بالروعات ساكنها فما يسوغ له عيش ولا جذل كأنه للمنايا والردى غرض تظل فيه سهام الدهر تنتضل والنفس هاربة والموت يتبعها وكل عثرة رجل عندها جلل والمرء يسعى بما يسعى لوارثه والقبر وارث ما يسعى له الرجل ولقد مثل ابن القيم الدنيا:" بالبحر الذي لا بد للخلق كلهم من ركوبه ليقطعوه الى الساحل الذي فيه دورهم واوطانهم ومستقرهم ولا يمكن قطعه الا في سفينة النجاة فأرسل الله رسله لتعرف الأمم اتخاذ سفن النجاة وتأمرهم بعملها وركوبها وهي طاعته وطاعة رسله وعبادته وحده واخلاص العمل والتشمير للاخرة وارادتها والسعي لها سعيها فنهض الموفقون وركبوا السفينة ورغبوا عن خوض البحر لما علموا انه لا يقطع خوضا ولا سباحة واما الحمقى فاستصعبوا عمل السفينة وآلاتها والركوب فيها وقالوا نخوض البحر فاذا عجزنا قطعناه سباحة وهم اكثر اهل الدنيا فخاضوه فلما عجزوا عن الخوض اخذوا في السباحة حتى ادركهم الغرق ونجا اصحاب السفينة كما نجوا مع نوح ﵇ وغرق اهل الارض وهكذا يغوي الشيطان من ضل ويغريهم بالسباحة وسط امواج الفتن والشهوات حتى يغرقون في نار جهنم ... ويصادف الداعية في طريقه اخبث الامراض على الاطلاق وهو الرياء او كما سماه ابن القيم الشرك في العبادة ولا دواء لهذا المرض الخبيث الا الاخلاص لله.

стр. 165

الاخلاص تعريفه: الاخلاص هو تجريد قصد التقرب الى الله تعالى عن جميع الشوائب فاذا امتزج قصد التقرب بباعث اخر من رياء او غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الاخلاص ومن كلام الفضيل بي عياض ترك العمل من اجل الناس رياء والعمل من اجل الناس شرك والاخلاص ان يعافيك الله منهما. فعندما ينتفي عنصر الاخلاص من الاعمال ينتج نوع من الشرك يطلق عليه: الشرك في العبادة: والشرك في العبادة يصدر ممن انه لا اله الا الله وانه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع الا الله وانه لا اله غيره ولا رب سواه ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته بل يعمل لحظ نفسه تارة وطلب الدنيا تارة ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة ولله من عمله وسعيه نصيب ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب هذا حال اكثر الناس. فالرياء كله شرك قال تعالى: قل انما أنا بشر مثلكم يوحى الي أنما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا" اي كما انه اله واحد لا اله سواه فكذلك ينبغي ان تكون العبادة لله وحده" فالذي لا يضع الاخلاص كعنصر اساسي في اعماله لا بد وان تظهر بعض الاثار. آثار الرياء: ومن اول هذه الآثار: ١ - عدم قبول العمل فقد قال تعالى:" وقدمنا الى ما عملوا من عمل

стр. 166

فجعلناه هباء منثورا" وهي الاعمال التي كانت على غير المنهج الذي جاء به رسول الله ﷺ وكانت خالية من الاخلاص لوجه الله وحده. ولقد سئل الفضيل عن العمل المقبول عند الله فقال: " هو اخلصه واصوبه قالوا: يا ابا علي ما اخلصه واصوبه؟ فقال: ان العمل اذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل واذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة. ٢ - يكون مبغوضا بين الناس وذلك ان المرائي يدخل في نطاق دائرة الذين يبغضهم الله لأن قرباته غير خالصة لوجه الله وحده فقد روى الامام مسلم في صحيحه قال رسول الله ﷺ ان الله اذا احب عبدا دعا جبريل ﵇ فقال: اني احب فلانا فاحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول ان الله يحب فلانا فاحبوه فيحبه اهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الارض واذا ابغض الله عبدا دعا جبريل ﵇ قال اني ابغض فلانا فابغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في اهل السماء ان الله يبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الارض. ٣ - ان هذا الصنف من الناس هم اول من تسعر بهم النار يوم القيامة وذلك ما رواه الامام مسلم في صحيحه قال رسول الله ﷺ : " ان اول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لان يقال جريء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه

стр. 167

حتى القي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما فعلت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرات فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرات القران ليقال هو قارىء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القي في النار. ورجل وسع الله عليه واعطاه من اصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما فعلت فيها قال ما تركت من سبيل تحب ان ينفق فيها الا انفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه ثم القي في النار" وبالاضافة الى هذه الآثار فان هذا الصنف من الدعاة هم الذين يعيقون عجلة الدعوة من التقدم بخطوات اوسع. وقديما قال ابن الجوزي صادقا:" انما يتعثر من لم يخلص" وهو وان كان يعني بذلك الفرد الا ان للمجموعة ايضا قلبا واحدا مشتركا يضره مرض البضغة الصغيرة منه كما يضر مرض بغض قلب الفرد ذاك الفرد فاذا مرض داعية برياء تضررت جماعة الدعاة كلها بمرضه وتعثرت ومرض قلبها حتى يتخلص منه بتوبة او تتخلص منه بابعاد. وهذه الآثار بمجموعها كانت سببا في خوف الصحابة من هذا المرض وكانوا يدعون الله بأن تكون اعمالهم كلها خالصة لوجه الله لئلا يصيبهم بعض هذه الآثار. " وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا" وتكتمل صورة هذا الدواء عندما يحاول المسلم مضادة ابليس فيما يلقى

стр. 168

في نفسه من تشكيك في اخلاصه ومن امثلة ذلك انه اذا شككه في اخلاصه بطول السجود في المسجد عليه ان يطيل السجود في بيته لوحده واذا شككه في اخلاصه بالانفاق علنا عليه ان ينفق سرا وهو اتزان بالاعمال لكي تخرج خالصة لوجه الله ولم يكن الرسول ﷺ غافلا هذا الجانب التربوي الكبير فمما يرويه الامام مسلم في صحيحه عن ابي هريرة ﵁ ان امرأة سوداء كانت تقم المسجد او شابا ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها او عنه فقالوا: مات (ماتت) قال: " أفلا كنتم آذيتموني "؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها او امره فقال: " دلوني على قبرها" (قبره) فدلوه فصلى عليها ثم قال:" ان هذه القبور مملوءة ظلمة على اهلها وان الله ينورها بصلاتي عليهم" فهو تدريب عملي على الاخلاص فكأنه يقول لهم ان كانت صلاتكم على الميت خالصة لله فهي لا تكون فقط على الغني والمعروف بين الناس وصاحبكم انما هي على الفقير ايضا والغير معروف من الناس ... ولئن سلم الداعية من هذا المرض الخبيث سلم من كل مرض دونه ان شاء الله ولكن تبقى امراض اقل منه خطورة تصيب بعض الدعاة ومن هذه الامراض - الوسوسة - وخير دواء لها:

стр. 169

اتباع السنة الصحيحة وهو اهم علاج للموسوسين. قال الامام ابن القيم: " فمن اراد التخلص من هذه البلية فليستشعر ان الحق في اتباع رسول الله ﷺ في قوله وفعله وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك انه على الصراط المستقيم وان من خالفه من تسويل ابليس ووسوسته. ويوقن انه عدو له لا يدعوه الى خير" انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير". وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله ﷺ كائنا ما كان فانه لا يشك ان رسول الله ﷺ كان على الصراط المستقيم. ومن شك في هذا فليس بمسلم ومن علمه فالى اين العدول من سنته؟ واي شيء يبتغي العبد غير طريقته؟ ويقول لنفسه: ألست تعلمين ان طريقة رسول الله ﷺ هي الطريق المستقيم؟ فاذا قالت له: بلى قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول لا فقل لها فماذا بعد الحق الا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة الا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله الا سبيل الشيطان؟ فان اتبعت سبيله كنت قرينه وستقولين: " يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولينظر احوال السلف في متابعتهم لرسول الله ﷺ فليقتد بهم وليختر طريقهم فقد روينا عن بعضهم انه قال: " لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته قلت هو ابراهيم النخعي وقال زين العابدين يوما لابنه:" يا بني اتخذ لي ثوبا البسه عند قضاء الحاجة فاني رايت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب ثم انتبه فقال ما كان للنبي ﷺ الا ثوب واحد فتركه ثم ليعلم ان الصحابة

стр. 170

ما كان فيهم موسوس ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته وهم خير الخلق وافضلهم ولو ادرك رسول الله صلى الله عليه وسلمالموسوسين لمقتهم ولو ادركهم عمر رضي الله تعالى عنه لضربهم وادبهم ولو ادركهم الصحابة ليدعوهم " تجرع هذا الدواء ولربما تعافه نفسك في بداية الامر ولكن به الشفاء ان شاء الله ...

стр. 171

خاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والحمد لله الذي اعانني على انهاء هذا البحث الذي استغرق مني سنتين بسبب كثرة مراجعته وفي كل مرة اراجعه اقع على اخطاء وتتبلور افكار فاضيفها للبحث. ان مداخل الشيطان اكثر مما تحصر في هذا البحث ولكنها محاولة اسال الله ان تكون خالصة لوجهه الكريم وان تكون خالية من الرواية الضعيفة والموضوعة صافية صفاء السنة المطهرة. وما اردت في هذه المحاولة ان اجعل القاريء في حالة يأس مترددا في اعماله غير واثق من خطاه ولكنني اؤمن ان الذين عقدوا البيعة مع الله على ان ينصروا دينه او يموتوا في سبيله هم احوج الناس لمعرفة دروب ابليس ومداخله ليخلصوا انفسهم منها فينطلقون لاستئصال الباطل من انفس الناس وبناء الحق مكانه. ومع ذلك فهي محاولة لا تخلو من خطأ او ضعف في بعض النقاط ولا اعني بذلك سد باب النقد انما اردت ان اذكر حقيقة ينساها الكثيرون. واختم ما ابتدات به في المقدمة بانني على استعداد لتقبل كل نقد وملاحظة واقتراح ورحم الله امرىء اهداني عيوبي وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. عبد الحميد البلالي