← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35115

البيان في مداخل الشيطان

عبد الحميد البلالي

Полный текст (171 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

واكثر من زين عليه الشيطان سوء عمله من الافراد كما يذكر القران الكريم هو فرعون اذ لم يجرؤ مخلوق قبله ان يقول:" انا ربكم الاعلى" وكذلك السامري الذي صنع لبني اسرائيل من حليهم عجلا له خوار يعبدونه من دون الله. وابو جهل الذي عاش يحارب الاسلام ونبيه حتى اخر قطرة من دمه ... وماركس مؤسس الشيوعية المبدأ القائم على انكار وجود الله الذي ما يزال ينتشر وباؤه في اقطار العالم اجمع ولينين وهتلر وكمال اتاتورك وغيرهم كثير. والعلة في هذا المدخل هي ان الشيطان يري هذه الجماعة او هذا الفرد ان عمله هو الصحيح واعمال الاخرين خاطئة او ان يريه ان رايه هو الصواب وآراء الاخرين غير صائبة مما يجعله يعمل بالذي يراه صحيحا فيقع في الخطأ ... كأن يرى ماركس ان فكرة الدين فكرة خاطئة ذلك لانه يخدر الشعوب ويمنعها من التقدم فينفي وجود الله. " ولقد تدفع الحماسة اصحاب الدعوات بعد الرسل والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها الى استمالة بعض الاشخاص او بعض العناصر بالغضاء في اول الامر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس اصيلا فيها ومجاراتهم في بعض امرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها ولقد تدفعهم كذلك الى اتخاذ وسائل واساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة ولا مع منهج الدعوة المستقيم وذلك حرصا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها واجتهادا في تحقيق " مصلحة الدعوة"

стр. 107

تزيين الشيطان الاكبر: وهو ما يتم لامة كاملة. ومن سنة الله في خلقه ان يفتنهم بالخوف والبلايا والشدائد والامراض والاوجاع والجوع لكي يرجعوا اليه عند رؤيتهم ذلك ويستغفروه على ما كانوا يفعلون ولكن نادرا ما يتعظ الخلق بذلك والسبب قوة القلب " فهي كالحجارة او اشد قسوة" ويزين الشيطان اعمالهم فيروها حسنة ولقد ارسلنا الى امم من قبلك فاخذناهم بالباساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا اذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون " تالله لقد ارسلنا الى امم من قبلكم وزين الشيطان اعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب اليم" ... امم كاملة تصد عن الحق وتجري لقطف تلك الزهور الجميلة المتفتحة العطرة ولا تدري بان تحت الزهور اشواكا امم كاملة لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر - امم كاملة زين لهم الشيطان حب انفسهم والاعتزاز لجنسهم واحتقار الاجناس الاخرى. وما النتيجة من هذا التزيين وغيره؟ امراض نفسية معقدة لم ير الانسان مثلها من قبل: ضياع كامل وقلق وحيرة والهرج الذي حدث عند رسول الله ﷺ يزداد يوما بعد يوم حروب متواصلة بين امم تجمعهم شريعة الله ولغة القرآن والعادات والتاريخ وفقر ملصق بالتراب وغيرها كثير مما لا يحصى عدده. وعدو الله يدفعهم دائما لتبرير ما يحدث وتعليل هذه المسائل لأسباب سياسية او اقتصادية او علمية او غيرها

стр. 108

انه دائما يلبس قلوبهم اقنعة سوداء لتحجبها عن الرؤية فتحليلاتهم دائما تكون نتيجة رؤية اعينهم وليست رؤية قلوبهم لانها ما زالت مقنعة ... هذه الامم التي زين لها الشيطان لا تحب ان يماط اللثام عن وجه الحقيقة والواقع الذي هم فيه فهي تعتقد ان هذا هو الصواب وغيره باطل فلا تريد احدا ان يكشف خطأ ذلك الاعتقاد. واحد الدلائل على ذلك عندما سافر سيد قطب الى امريكا وراى الضياع والحيرة والقلق المنتشر بين الشعب الامريكي كتب كتابا كشف فيه عن الواقع الذي يعيشه الشعب الامريكي سماه " امريكا التي رايت" وكان قد اختفى ذلك الكتاب ولم يطبع بعد ذلك وما زالت الاشارات الحمراء تضيء للبشرية محذرة مما هم مقدمون عليه " لعلهم يتضرعون" ولكم أبوا الا قسوة القلوب واتباع ذلك التزيين ... الوسوسة (وسوس) في اللغة تعطي معنى التكرار كما هو الحال في (كبكب) اي الاستمرار بالكب وهكذا ... وعدو الله منذ ان اعلن اعلانه الاول امام الله باعتزامه اضلال هذه البشرية لم يلق سلاحه ولم يمل طول الحرب مما يدل على ان الباطل لم يقف ابدا وهو سريع كسرعة النار اذا اضرمت بالهشيم. اما اذا صمت اصحاب الحق واستكانوا كانت سرعة الباطل اكثر واذا ذكروا الله واعدوا العدة لمواجهة عدوهم فان الحق ينهمر كالشلال من قمم الجبال على نار الباطل فيطفئها باذن الله ولا يتم ذلك الا بذكر الله في كل وقت وعلى كل حال كما يقول

стр. 109

رسول الله ﷺ " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فاذا ذكر الله تعالى خنس واذا غفل وسوس" وبما ان ابليس مستمر بالوسوسة ونشر الضلال بين بني آدم فعلى أصحاب الحق ان يستمروا بنشر الحق ولا يستكينوا ولا يفتروا " وفي أثر عن بعض السلف ان المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره بالسفر لانه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه بالاستغفار والطاعة فشيطانه معه في عذاب شديد ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا" وهذا الذل الذي تعيشه الدول الاسلامية وخاصة العربية منها وهذه الاراضي المغتصبة في كل مكان كله بسبب نسيان ذكر الله واستعانتهم بتشريعات العبيد الوضعية فلم يزدادوا الا ذلا فوق ذل وهوانا فوق هوان ولقد ازدادوا عددا ولكنهم كما قال رسول الله ﷺ : " غثاء كغثاء السيل" ولن يغير الله ما هم عليه من الذل والهوان في اعين الناس حتى يذكروا الله فيغيروا انفسهم ذلك لان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" والذكر لا يتم باللسان فقط انما يتممه الذكر بالقلب فهاتان الصورتان من الذكر هما المحرك الذي يدفع اصحاب الحق للعمل في سبيل الله والحركة في سبيله ونسيانهم لها تدفعهم الى السكون فمسيرة الباطل لا توقفها ادعية المصلين ودموعهم ولا صيام النوافل ولا يحبط عزائمهم قراءة المجلدات ومناظرة الفقهاء فحسب. ولكن الذي يزلزلهم ويرعبهم ويحبط عزائمهم هو العمل الدائم المستمر في سبيل الله او قل الجهاد لتغيير هذا الواقع الجاهلي الى الواقع الذي امر الله به ان يكون وذلك مصداقا لقول الله تعالى للمؤمنين بارشادهم على التجارة

стр. 110

التي تنجيهم من عذاب اليم. " يأيها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون" فهي المعارك المستمرة لمقاتلة الشيطان وحزبه - هذا ما علمه رسول الله ﷺ للرعيل الاول ولقد اطلق براقه الاول مصعب بن عمير ليتحرك امام تحرك الباطل فيحصد ما زرعه الباطل ليغرس مكانه بذور الحق وجاء من بعده الصحابة رضوان الله عليهم يطبقون ما علمهم الرسول ﷺ " ومما يروي لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي ان رجالا خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبا يتعبدون فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ فاتاهم ففرحوا بمجيئه اليهم فقال لهم ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا احببنا ان نخرج من غمار الناس نتعبد فقال عبد الله لو ان الناس فعلوا ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما انا ببارح حتى ترجعوا" وجاء من بعده امير الحديث عبد الله بن المبارك ليرسل الى اشهر العباد والزهاد في تاريخ الاسلام الفضيل ابياتا يصفه فيها" بأنه عابد لاعب بعبادته" ويبعث له من طرطوس بعد معركة من معاركه قبل ان ينفض غبار المعركة عنه قائلا له فيها. يا عابد الحرمين لو ابصرتنا ... لعلمت انك بالعبادة تلعب من كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تنخضب او كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الكريهة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الاطيب ولقد اتانا عن مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب

стр. 111

لا يستوي غبار خيل الله في ... انف امرىء ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب وهل لنا ان نقول لمتزهد اليوم الا كما قال ابن المبارك يا عابد لو ابصرت دعاة الاسلام يصاولون دعاة الكفر والضلال الحزبي لعلمت انك بالعبادة تلعب" فبالمجاهدة والحركة تعلو الاقدار ولقد اجاد الامام ابن الجوزي عندما بين ذلك بمحاورة بين الزيت والماء حين قال:" اذا صب في القنديل ماء ثم صب عليه زيت صعد الزيت فوق الماء فيقول الماء: انا ربيت شجرتك فاين الادب؟ لم ترتفع علي؟ فيقول الزيت: انت في رضراض الانهار تجري على طريق السلامة وانا صبرت على العصر وطحن الرحا وبالصبر يرتفع القدر فيقول الماء: الا اني انا الاصل. فيقول الزيت استر عيبك فانك لو قارنت المصباح انطفأ. فبالمجاهدة وحدها ترتفع الاقدار وعندما تحدث هذه الحركة الايمانية بالاتجاه المعاكس لحركة الباطل تحدث النتيجة الطبيعية وهي الخنوس أي الإحتجاب أو الرجوع إلى الوراء أو الإختفاء أمام مد الحق الجارف ((من شر الوسواس الخناس)). و يتدرج إبليس في وساوسه مع ابن آدم في ست مراتب ذكرها الإمام ابن القيم وهي:

стр. 112

المرتبة الأولى: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله: فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه وهو أول ما يريد من العبد، فلا يزال به حتى يناله منه فإذا نال ذلك صيّره من جنده وعسكره واستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه، فان يأس منه من ذلك وكان ممن سبق له الاسلام وهو في بطن امه نقله الى المرتبة الثانية من الشر. المرتبة الثانية: شر البدعة: وهي احب اليه من الفسوق والمعاصي لان ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعاء الى الخلاف ما جاءوا به وهي باب الكفر والشرك فاذا نال منه البدعة وجعله من اهلها صار ايضا نائبه وداعية من دعاته. فان أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السند ومعاداة اهل البدع والضلال نقله الى المرتبة الثالثة من الشر. المرتبة الثالثة: شر الكبائر على اختلاف انواعها: فهو اشد حرصا على ان يوقعه فيها ولا سيما ان كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس منه ثم يشيع ذنوبه ومعاصيه للناس ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه الى الله تعالى وهو نائب ابليس ولا يشعر بان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم في الدنيا والآخرة. هذا اذا احبوا اشاعتها واذاعتها فكيف اذا تولوا هم اشاعتها واذاعتها لا نصيحة منهم ولكن طاعة لابليس ونيابة عنه كل ذلك لينفر الناس عنه وعن الانتفاع منه وذنوب هذا ولو بلغت عنان السماء هي اهون عند الله

стр. 113

من ذنوب هؤلاء فانها ظلم منه لنفسه اذا استغفر الله وتاب اليه قبل الله توبته وبدل سيئاته حسنات واما ذنوب اولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعوراتهم وقصد لفضيحتهم والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس. فان عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله الى المرتبة الرابعة. المرتبة الرابعة: شر الصغائر: وهي الصغائر التي اذا اجتمعت فربما اهلكت صاحبها كما قال النبي ﷺ : " اياكم ومحقرات الذنوب فانما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما انضجوا به خبزهم وان محقرات الذنوب متى ياخذ بها صاحبها تهلكه" وذلك حديثا معناه: ان كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى اوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا. ولا زال يسهل عليه امر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها احسن حالا منه فان اعجزه العبد من هذه المرتبة نقله الى المرتبة الخامسة. المرتبة الخامسة: شر الاشتغال بالمباحات: وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها فان اعجزه العبد في هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار انفاسه وانقطاعها وما يقابلها بالنعيم والعذاب نقله الى: المرتبة السادسة: شر الاشتغال بالعمل المفضول عما هو افضل منه ليزيح عنه الفضيلة

стр. 114

ويفوته ثواب العمل الفاضل فيامره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له اذا تضمن ترك ما هو افضل واعلى منه وقل من ينتبه لهذا من الناس فانه اذا راى فيه داعيا قويا ومحركا الى نوع من الطاعة لا يشك انه طاعه وقربه فانه لا يكاد يقول ان هذا الداعي من الشيطان فان الشيطان لا يامر بخير ويرى ان هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور ولم يصل علمه ان الشيطان يامر بسبعين باب من ابواب الخير اما ليتوصل بها الى باب واحد من الشر واما يفوت بها خيرا اعظم من تلك السبعين بابا واجل وافضل وهذا لا يتوصل الى معرفته الا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول ﷺ وشدة عنايته بمراتب الاعمال عند الله واحبها اليه وارضاها له وانفعها للعبد واعمها نصيحة له ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم ولا يعرف هذا الا من كان من ورثة الرسول ﷺ وثوابه في الامة وخلفائه في الارض واكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر ذلك بقلوبهم بالله بمن يفضله على من يشاء من عباده. فاذا اعجزه العبد في هذه الملراتب الست واعيي عليه: سلط عليه حزبه من الانس والجن بانواع الاذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد الى اخماله واطغاثه ليوشوش عليه قلبه ويشغله بمحاربة فكره وليمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيدا من تسليط المبطلين من شياطين الانس والجن عليه لا يفتر ولا ينثني فحينئذ يلبس المؤمن لامة الحرب ولا يضعها عنه الى الموت ومتى وضعها اسر او اصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله. وهناك مدخل غريب قل من يفطن اليه من الدعاة وهو ان ياتي لاحدهم بالبراهين التي يبدو ظاهرها صحيحا ويريد بها باطلا ليبعدهم عن الطريق الذي التزموه او يجعلهم ضعافا عالة على الحركة الاسلامية ويظل يحقنهم

стр. 115

بهذه الحقن المخدرة حتى يجعلهم اسماء فقط في الجماعة المسلمة - ومن اخطر هذه المداخل حثهم على السكوت عن المنكر. وذلك اضعف الايمان وهذه لا يقولها لهم صريحة" اسكتوا عن المنكر" انما ياتي لهم حسب خطة رسمها في اول لقاء له مع آدم - خطة التدلية او التدرج بالاغواء. " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان" وربما استطاع ان يغير ذلك المنكر بيده فيعرض له ابليس قائلا له:" غيره بلسانك فانه ياتي بنتائج افضل"واذا كان ممن لا يستطيع تغيير ذلك المنكر بيده ويستطيع بلسانه يعرض له ويقول:" لا يكلف الله نفسا الا وسعها"فلماذا تورط نفسك وربما يحدث لك ما تكره من وراء ذلك ويظل يرهبه من الانكار والتورط باليد ويرغبه بالانكار بالقلب حتى يقتنع بذلك ويفعله او ان يقول له اذا كان المنكر من اخ له بالدعوة اذا انكرت عليه ذلك ستفقد صحبته او ربما يتاثر من ذلك"ويستسلم هذا الداعية لهذه الوساوس وغيرها ويكتفي بالانكار بالقلب وتتوالى عليه رؤية المنكر باشكاله المتعددة وفي كل مرة يغريه ابليس بالانكار بالقلب حتى يالف المنكر ولا ينكره حتى في قلبه ويجلس مع اصحاب الغفلة يضحك مع ضحكاتهم ويغفل كما يغفلون - فان لم ترفعه توبة خالصة لله من ذلك الانخفاض فان الايمان ينسحب من قلبه رويدا رويدا

стр. 116

حتى ما يبقى في قلبه من الايمان حبة خردل كما اخبر بذلك رسول الله ﷺ قال:" ما من نبي بعثه الله في امة قبلي الا كان له في امته حواريون واصحاب ياخذون بسنته ويقتدون بامره ثم انها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل" وحتى لا يساء الفهم فاني لست بصدد اولئك الدعاة الذين لا يستطيعون فعلا ان يغيروا بعض المنكرات بايديهم والسنتهم فيلجؤن الى انكاره بقلوبهم ولا يفعلون ذلك في كل منكر يروه - انما نتكلم عن ذلك الصنف من الدعاة الذين يتخذون انكار القلب هو الحل الوحيد لانكار كل منكر والخطورة في البقاء الدائم على هذا النوع من الانكار يعرض صاحبه لضعف الايمان الذي حدث عنه رسول الله ﷺ وان صاحبه ليس بمامن من ان يصيبه ما ذكرنا ان لم يرجع الى الله بتوبة نصوح.

стр. 117

الفصل السادس نتيجة اتباع الشيطان ١ - الخسران ٢ - وقيضنا لهم ٣ - تؤزهم ازا ٤ - حقت عليهم الضلالة ٥ - الهداية الى السعير ٦ - الحشر ٧ - الآن تندم ٨ - الوعد الباطل ٩ - الاعتراف الاخير

стр. 118

الخسران من الناس من يصل الى درجة في طاعة الشيطان بحيث لا يعطي لعقله فرصة التفكير فاي وسواس من الشيطان واي امر يامره به ينساق اليه حالا ودون تردد ويترك اوامر الله وراء ظهره فما ان تدعوه شهوته الى ما حرم الله الا انساق اليها واذا سمع كلام الله شعر بالضيق لانه والى الشيطان من دون الله وآثر اوامر الشيطان على اوامر الله سبحانه فكانت اولى نتيجة لذلك الاتباع هي الخسارة ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا وعندما يختار الانسان الباطل بارادته ويترك الحق بارادته يرسل الله اليه شيطانا ليصده عن طريق الحق ويبعده عنه حتى لا يراه ابدا ومن ثم يتيه في صحراء الباطل وقيضنا لهم وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ايديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين كنت اتساءل عند قراءتي هذه الاية من هؤلاء الذين يرسل الله لهم قرناء

стр. 119

يزينون لهم ما بين ايديهم وما خلفهم ويغمسونهم بأوحال الضلال غمسا حتى يستحيلوا قطعة من الضلال كريهة الرائحة قبيحة المنظر غير منتظمة الشكل حتى يحق عليهم القول بالخسارة؟ حتى هداني الله الى آية اخرى تفسرها تفسرا مفصلا ... انهم الصادون عن ذكر الله اللاوون رؤوسهم عن الحق بقاع الضلال لا يريدون مشاركة احد بهذا العناق وتاركين وراءهم يوما ثقيلا - هم الذين قال الله تعالى فيهم. " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وأنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون" هذه هي سنة الله في خلقه العدل المطلق" وما ربك بظلام للعبيد" فالحق واضح وضوح الشمس والعقل قادر على التمييز بين الطريقين ويجزيه الله بما اختار يمحض ارادته فان اختار الحق زاده هدى الى هداه" والذين اهتدوا زادهم هدى وأتاهم تقواهم" ولئن اختار الباطل أضله الله بأن يقيض عليه ذلك الشيطان" فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم" هذا القرين يقوم بصد ذلك الانسان وابعاده عن طريق الحق حتى يوهمه بانه مهتدي وانه على حق كما اوهم فرعون من قبل وابو جهل وكما يوهمون فراعنة هذا العصر بانهم مهتدون وان اصحاب الحق هم الذين يعرقلون مسيرة التقدم الحضاري.

стр. 120

وما بين آونة واخرى يقومون بتغيير قوانينهم الوضعية ظانين انهم يهتدون الى طريق اقوم واصلح وما يدرون هؤلاء المساكين ان قرناءهم هم الذين يوهمونهم بانهم مهتدون وما يدرون انهم يثبون بخطا واسعة الى جهنم وحق عليهم القول في امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين" وتظل سيطرة هؤلاء القرناء على هذه الفئة من الناس ويستمرون في اضلالهم واغوائهم وابعادهم عن طريق الحق الى ان يانسوا الى هذا الضلال ويالفوا هذه الروائح النتنة من الذل تحت سيطرة الشياطين وصدق الامام ابن القيم اذ يقول:" ما ظنك بملك استولى عليه عدوه فانزله عن سرير ملكه واسره وحبسه وحال بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيرها له ومع هذا فلا يتحرك الملك لطلب ثأره ولا يستغيث بمن يغيثه ولا يستنجد بمن ينجده وفوق هذا الملك ملك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فأرسل اليه" ان استنصرتني نصرتك وان استغثت بي اغثتك وان التجات الي اخذت بثارك وان هربت الي وآويت الي سلطتك على عدوك وجعلته تحت امرك فان قال هذا الملك الماسور قد شد عدوي وثاقي واحكم رباطي واستوثق مني القيود ومنعني من النهوض اليك والفرار اليك والمسير الى بابك فان ارسلت جندا من عندك يحلوا وثاقي ويفكوا قيودي ويخرجوني من حبسه امكنني ان اوافي بابك والا لا يمكنني مفارقة محبسي ولا كسر قيودي فان قال ذلك احتجاجا على ذلك السلطان ودفاعا لرسالته ورضي بما هو فيه عند عدوه خلاه السلطان الاعظم وحاله وولاه ما تولى. وهذا ما فعله الذين اختاروا الضلال - لقد رضوا باستشار الشيطان لهم واحبوا القيود التي قيدوا بها حتى يتخيل اليهم انها اساور وليست قيود -

стр. 121

وتستمر الشياطين في الضلال حتى نرى بعض الناس كأنهم شياطين بصور بشر ذلك لان الشياطين يهيجونهم على المعاصي تهييجا ليزدادوا عذابا في الاخرة. تؤزهم ازا وكما انه لا بد للحجارة الساقطة من اعالي الجبال ان تنزل الى الارض كذلك الانسان عندما يختار الباطل فانه يسقط كما تسقط الحجارة من اعالي الجبال الى الارض الى الحضيض الى الوحل الى فم الشيطان الفاتح فاه مستقبلا هذا الانسان. ولم يسقط هذا الانسان الى هذا الحضيض الا عندما اختار هو نفسه الهبوط من العلو وكما ان قانون الجاذبية يحتم على الاجسام الساقطة ان تنزل الى الارض كان طبيعيا ان يهبط ويتدحرج هذا الانسان من العلو الى اسفل السافلين بعد ان ترك هذا الحق واعرض عنه - وكانت النتيجة طبيعية غير معقدة ولا تحتاج الى تفكير كما كانت قصة الحجارة الساقطة - كان طبيعيا ان تبتلعه الشياطين التي كانت فاتحة فيها لاستقبال هذا الصيد المدحرج وان تتسلط هذه الشياطين وتغويهم وتهيجهم على المعاصي تهييجا شديدا بانواع التسويلات والوساوس. " الم تر انا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ازا" وهم السبب في ذلك الاز وفي هذا التسلط. كما قال ابن القيم" ان الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء البتة ولكن هم سلطوه على على انفسهم بطاعته ودخولهم في جملة جنده وحزبه فلم يتسلطن

стр. 122

عليهم بقوته فان كيده ضعيف وانما تسلطن عليهم بارادتهم واختيارهم والمقصود ان من قصد اعظم اوليائه واحبابه ونصائحه فاخذه واخذ اولاده وحاشيته وسلمهم الى عدوه كان من عقوبته ان يسلط عليه ذلك العدو نفسه" والذي لم يسلك الطريق الصواب بل سلك الطريق الخطأ لا بد ان يتبعه وتكتب عليه الضلالة فكذلك اصحاب الباطل كتبت عليهم الضلالة. حقت عليهم الضلالة " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريق حق عليهم الضلالة " يقول ابن عباس ان الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا كما قال:" هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " ثم يعيدكم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا. يقول ابن كثير" قلت ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري" فوالذي لا اله غيره أن أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها". فسيعود فريقان لا غير: فريق الحق وفريق الباطل اما الفريق الاول فقد استخدموا ما آتاهم الله من السمع والبصر والفؤاد فأنار الله أفئدتهم بنور الحق فأبوا الا اتباعه وعلموا انه لا ملجأ من الله الا اليه واستهانوا بالموت في سبيله لأنهم ايقنوا انما هذه الاجساد التي يعيشون بها هي فقط لقضاء هذه المدة القصيرة

стр. 123

على هذه الارض. ونرى هذه الحقيقة في قصة موسى ﵇ مع السحرة عندما تمكن الايمان في قلوبهم فأعلنوا اسلامهم بعد ان رأوا الحق مع موسى وأن ما كان لديهم باطل هزيل فهددهم فرعون بالموت ولكنهم ردوا عليه رد المؤمن بأن فرعون انما يقتل اجسادا ولا يستطيع قتل الايمان" فأقض ما أنت قاض انما تقضي هذه الحياة الدنيا". وان هذه الحقيقة تتجسد على مدار الاجيال كلما ظهرت فئة تؤمن بالله وتتخذه وليا ومشرعا لها في امور دنياها وآخرتها. اما فريق الباطل برئاسة ابليس فقد ظنوا انهم هم المتقدمون الحضاريون وانهم هم الشعوب الراقية وان اولياء الله هم المتخلفون فاتخذوا الشيطان قائدا وموجها لهم فماذا كانت النتيجة؟ حق عليهم الضلالة" غلف الله قلوبهم بسواد" بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون". حتى لا يعوا الحق ووضع في آذانهم حواجز حتى لا يسمعوا الحق وعصب اعينهم حتى لا يروا الحق " ختم الله على قلوبهموعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم"حتى يتعمقوا في ظلامهم الدامس ليسهم قيادتهم الى السعير. الهداية الى السعير هذا الغرور والكبر الذي يدفع فئة من الناس ان تجادل في الله بوحدانيته ووجوده وقدرته وصفاته وتتبع في جدلها ابليس وجنوده يتساءلون ... أيوجد الله حقا؟ أين هو؟ " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد"

стр. 124

يتلفظون بهذه الالفاظ بلا خوف وبكل جرأة حتى يدفعهم بان ينكروا ان الله هو الذي ينظم الاكوان وان الله فكرة خرافية اختلقها الانسان ليبرر عجزه يا للعجب .. ايوجد عقل بهذا العصر يؤمن بهذه الافتراءات؟ الا ترى هذه الجموع الجاحدة؟ هذه الجموع المجادلة في الله بغير علم الا ترى ابليس بين حروف الآيات ماسكا بأيدي اتباعه لبديلهم الطريق" كتب عليه انه من تولاه فانه يضله ويهديه". رباه ... الى اين يهديه؟ وكيف يهديه؟ " " ويهديه الى عذاب السعير" انه يسوق هذه الجموع التي احتشدت من اطراف الارض يسوقها ويدعها دعا للمصير المظلم - يتخبطون في ظلامهم تائهين ذليلين اسرى وراءه وراء ذلك الظلام الذي يحسبونه نورا ولا يدرون انها شهوات احيطت بتلك النار حتى لتبدو في اعينهم وكانها نور. وكأن هناك لوائح على جوانب الطريق كتب عليها. " الى عذاب السعير" ويظلون يتبعون ذلك النور المزيف الى ان يقعوا في مصيرهم المؤلم" عذاب السعير". ان هذا المغرور لما اذل سلطان الله الذي اعزه به وشرفه ورفع به قدره وسلمه بيد ابغض اعدائه اليه وجعله اسيرا له تحت قهره وتصرفه وسلطانه سلط الله عليه من كان حقه هو ان يتسلط عليه فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء ويسخر منه جنده وحزبه فكما اذل سلطان الله وسلمه الى عدوه اذله الله وسلط عليه عدوه الذي امره ان

стр. 125

يتسلط هو عليه فيذله ويقهره فصار بمنزلة من سلم نفسه الى اعدى عدو له يسومه سوء العذاب" وقبل ذلك السعير يلاقون اهوال الحشر من زحف على الاوجه وغرق في العرق من شدة حرارة الشمس التي تنزل على بعد ميل من الرؤوس واهانة من الملائكة. الحشر دعهم ينعقون بباطلهم ويحاربون الله ورسوله يسرقون اموال الشعوب يكبتوا الحريات ينشروا الفساد ... دعهم يخططون لضرب الحق مرة ومرات. دعهم يلههم الامل انهم خالدون. دعهم يعملوا ما يشاؤون فانهم محشورون حول جهنم هم وشياطينهم. يا لهول ذلك المنظر جموع كبيرة من البشر والجن مختلفة الوانهم واشكالهم عمالقة واقزام ملايين الملايين الاولين والاخرين يجرون عراة الاجسام شاحبي الوجوه صما وبكما وعميا - رباه كيف سيجزي هذا الابكم وهذا الاعمى وهذا الاصم وسط هذه الجموع؟ وفئة اخرى يزحفون على وجوههم ... كلهم يجرون وأبصارهم خاشعة - يلعن بعضهم بعضا - يجرون كالبهائم - وبعد ذلك يحضرهم الله في آخر هذا الطريق نهاية الطريق الذي لم يتهيئوا لنهايته المؤلمة ... نهاية طريق الباطل ...

стр. 126

ها هم يحضرون تدعهم الملائكة دعا يحضرون منكسي الرؤوس يحضرون مع شياطينهم من الانس والجن جاثين على ركبهم حول جهنم لتقررهم الملائكة بذنوبهم وجرائمهم مع انفسهم ومع الناس" الم ياتكم نذير" ها هم يسحبون من نواصيهم واقدامهم ويرمون من مكان ضيق مقرنين بالسلاسل هذه نهاية الطريق وهذا هو الجزاء الحق. " فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا" وحينئذ " يتذكر الانسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي" ويتندم ندما شديدا على مرافقة ذلك القرين ويتمنى ان لو كان بينه وبين قرينه بعد المشرقين ولكن: الآن تندم " حتى اذا جاءنا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين" وهكذا ننتقل في ومضة من هذه الدنيا الى الآخرة ويطوي شريط الحياة السادرة ويصل العمى" الذين يعشون عن ذكر الرحمن " الى نهاية المطاف فجأة على غير انتظار هنا يفيقون كما يفيق المخمور ويفتحون اعينهم بعد العشي والكلال وينظر الواحد منهم الى قرين السوء الذي زين له الضلال واوهمه انه الهدى وقاده الى طريق الهلاك وهو يلوح له بالسلامة ينظر اليه في حنق يقول:" يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين" يا ليته لم يكن بيننا لقاء على هذا البعد السحيق ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله:

стр. 127

" فبئس القرين" ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند اسدال الستار على الجميع" ولن ينفعكم اليوم اذا ظلمتم انكم في العذاب مشتركون فالعذاب كامل لا تخففه الشركة ولا يتقاسمه الشركاء" ويندم عاضا على يديه لا يدري ماذا يفعل اينظر الى الحقائق التي تتحرك امام عينيه ام يبكي ليهون عن نفسه وهل يجدي البكاء شيئا وهل يجدي الندم؟ ... الان تندم. " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ليتني لم اتخذ فلانا خليلا لقد اضلني عن الذكر بعد اذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا". الآن انكشفت له الحقيقة ان الشيطان خذله ولم ينصره فقام يهذي ويتمنى ويقول: " يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا" " يا ليتني قدمت لحياتي"" يا ليتني لم اتخذ فلانا خليلا" " يا ليتني لم اوت كتابيه"" يا ليتني كنت ترابا" " يا ليتها كانت القاضية" وما فائدة " يا ليت" عذاب خالد ينتظر وألسنة من النار متشوقة لالتهام هذه الاجساد التي اطاعت الشيطان وعقت ربها.

стр. 128

وبعد ان قضي الامر جاءهم الشيطان ليقول لهم الحقيقة التي اخفاها عنهم ويتبرأ منهم ويتخلى عنهم ويوضح لهم ان وعده كان باطلا. الوعد بالباطل لقد انتهت الخطة وحملت الاسلحة من ارض المعركة وها هم القتلى والجرحى على ارض المعركة تسيل دماؤهم من اجسادهم فمنهم من جرح جرحا هينا ومنهم من جرح جرحا عميقا ومنهم من تساقط لحمه وبدا هيكله عاريا من اللحم ومنهم من تخلل حتى هيكله. هاهم قد وصلوا بدمائهم وجراحاتهم الى نهاية الطريق بعد ان ساروا طيلة هذه الدنيا على هذا الكوكب الصغير اين الغاية؟ اين المتعة؟ اين انا؟؟ هاهي الغاية المضحكة والمبكية في أن واحد وها هي المتعة التي كنتم تنتظرون ... آفة كبيرة فاتحة فاها متشوقة لتقبيلكم ومعانقتكم بعد فراق ... هاهي تخرج الزفير والشهيق شوقا للقائكم هاهي رافعة يديها تناديكم .. هلموا هلموا. هاهي النهاية. هاهو معسكركم الذي كنتم تستظلون به يحترق وها هو قائدكم العام ورؤسائكم الذين طالما صفقتم لهم ونصرتموهم وانتحتم من اجلهم ... جميعهم وصلوا الى ما يريدون " هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا ام انتم لا تبصرون"وقالوا مستغربين:" ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار" الا تعلمون اين اولئك القوم الذين ضحكتم عليهم وكنتم تستعبدونهم وهم احراروالذين تشققت اجسادهم تحت سياطكم الذين كانوا يطفؤون نار الظلم وانتم توقدون ...

стр. 129

اما ترونهم" يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم" أما تسمعون الملائكة تقول لهم" بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها" الآن تنادونهم" انظرونا نقتبس من نوركم" الآن احببتم النور وقمتم تستجدونه من اصحاب الحق بعد ان تحولت اجسادكم الى كتلة من ظلام. ولكن هيهات هيهات لن تحصلوا على هذا النور. " فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" وحتى هذا السور لم يوقفهم من استجداء النور من اهل النور فقاموا ينادونهم من وراء السور" ألم نكن معكم" وجاء الرد الفاصل من اصحاب الحق " بلى ولكنكم فتنتم انفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الاماني حتى جاء امر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير" نعم لقد انتهت الخطة التي وضعها القائد العام للقوات الضالة لقد انتهت الخطة التي وضعها للانتقام من هذا المخلوق - وما اطوله من انتقام وبقيت آخر فقرة من الخطة وهي التخلي عن اوليائه والتبرؤ منهم فعندما قضي الامر وادخل اصحاب الحق الى الجنة زمرا واصحاب الباطل الى جهنم زمرا قام ابليس في اصحاب الباطل" خطيبا ليزيدهم حزنا الى حزنهم وغبنا الى غبنهم وحسرة الى حسرتهم فقال:" ان الله وعدكم وعد الحق" على السنة

стр. 130

رسله ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة وكان وعدا حقا وخبرا صادقا واما انا فوعدتكم فاخلفتكم ثم قال وما كان لي عليكم من سلطان وما كان لي عليكم فيما دعوتكم اليه دليل ولا حجة فيما وعدتكم به الا ان دعوتكم فاستجبتم لي بمجرد ذلك. هذا وقد اقامت عليكم الرسل الحجج والادلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به فخالفتوهم قصرتم الى ما انتم فيه " فلا تلوموني ولوموا انفسكم" ان الندم ولوم النفس احد صفات المؤمنين وكذلك هي احد شروط التوبة وقبولها فماذا سيكون احساس ذلك الانسان عندما تتضح امامه الحقيقة ويكتشف خيانة قائده وتخليه عنه وتركه لنفسه تلومه ويلومها ولكن لا فائدة من ذلك اللوم فلا توبة ولا فرصة للرجوع للارض ليعمل صالحا ... ولئن كان البكاء دواء احيانا لاخراج ما بالنفس من كبت وحزن فيا ترى ماذا سيكون شعور ذلك الانسان حينما يدرك بانه لا فائدة حتى من البكاء ولا راحة ترجى من ورائه وحتى الصبر الذي يكون غالبا هو الحل لمعظم مشاكل الدنيا يكون هو ايضا الاخر باطل المفعول " فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم انما تجزون ما كنتم تعملون"وحتى الظل الذي يكون من طبيعته انه بارد يسحب الله منه هذه الخاصية ليعذب اولياء الشيطان عذابا اليما" واصحاب الشمال ما اصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم" اين ما يولي يجد امامه عذاب هل يستطيع الانسان تناسي هذه الهوائل كما كان يتناساها بالامس؟ ولئن تناساها فهل سينساه زبانية جهنم الذين وكلوا به وبامثاله؟ اين قائده الذي كان يتبعه بالامس؟ واي شيء يملك هذا القائد وهو يتخلى عنه ويتركه للصراع النفسي والجسدي.

стр. 131

أين اخوانه وحزبه الذين كانوا يسخرون من المؤمنين؟ ماذا يملكون وهم يصارعون أنفسهم بلومها وها هي الخطبة تشارف على الانتهاء وكانت آخر كلمات القائد " ما أنا بمصرخكم وما انتم بمصرخي اني كفرت بما أشركتموني من قبل". وانتهت مع هذه الكلمات كل بارقة أمل للعودة وانصهرت كل الحوائج النفسية في باطن الآفة الكبيرة"جهنم" وكانت هذه هي نهايتهم" كمثل الشيطان اذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال اني بريء منك اني اخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما انهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين" الاعتراف الأخير وبرزت لهم هذه العملاقة الضخمة بسوادها ودخانها ولهيبها وشررها الذي بحجم القصور وبلون النوق السود وحرارتها التي تعدل سبعين مرة حرارة لهب الدنيا " برزت الجحيم للغاوين" ترى ما موقف المجرم حينما يقف امام حبل المشنقة يراه بعينيه مدلى وهو على يقين انه بعد لحظات قليلة سيكون معلقا بها ثم ياتي الجلاد ليروي جريمته امامه وهو مكبل لا يستطيع حراكا ... ترى بأي شعور يقف هذا المجرم هذا الموقف وبأي نفس سوف يتحمل تلك الصورة.

стр. 132

يقف موكب الطغاة امام جهنم ثم يقرون بجريمتهم لتزداد الحالة سوءا. " أين ما كنتم تعبدون من دون الله" وتكتمل قصة الايلام والنهاية المؤلمة بألم بعد ألم ويصل العذاب النفسي ذروته عندما تتقاذف عليهم الأسئلة كالسهام. " هل ينصرونكم أم ينتصرون"؟ وحالا دون انتظار رد من أهل الباطل يرمون في مأواهم وتحضنهم بعد اشتياق طويل طالما انتظرتهم فيه عندما كانوا يسيرون اليها وهم في الدنيا ... فها هم قد وصلوا فمرحبا بهم ... " فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ابليس أجمعون". وعندما تهاووا بالنار وبعد تلك الكبكبة خرجت اصوات منبعثة من الجحيم كأنها الاعتراف والاقرار يقسمون بالله الذي كانوا ينسونه بالدنيا والآن يقسمون به بانهم كانوا في ضلال مبين ويقولون لآلهتهم التي عبدوها من دون الله" تالله ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين". والآن يعترفون الاعتراف الأخير بعد ان راوا باعينهم الحقائق - الآن وقد انتهى كل شيء - وكانهم يتحسرون ويشعرون بفوات الاوان فيقولون بألم" فما لنا شافعين ولا صديق حميم" وانتهى الباطل واحترق وأخمدت الاصوات وقتلت الخيول وأحرق الرجال الذين كانوا يحاربون الحق وعلى صوت حطب جهنم وهو يحترق معلنا انتصار الحق وخلود اهله في الجنات ...

стр. 133

الفصل السابع العلاج ١ - الاستعاذة ٢ - المعوذتين ٣ - آية الكرسي ٤ - خاتمة سورة البقرة ٥ - غض البصر ٦ - امساك فضول الكلام ٧ - تنقية الاستماع ٨ - الصيام ٩ - الزواج ١٠ - تقوية الرابطة الاسرية ١١ - القول الحسن ١٢ - الابتسامة ١٣ - الانفاق

стр. 134

١٤ - الذكر ١٥ - الجهاد ١٦ - الالتزام بالجماعة ١٧ - المحاسبة ١٨ - معرفة حقيقة الدنيا ١٩ - الاخلاص ٢٠ - اتباع السنة

стр. 135

الاستعاذة وهو دواء نافع لكل نزغات الشيطان ... " واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم" و قال رسول الله ﷺ : " يأتي الشيطان احدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فاذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" كما انه علاج فعال للغضب الذي يلقيه الشيطان في نفس ابن آدم مما يجعله ينتصر لنفسه ويقع في ما يغضب الله من جدل وسب وحقد وكبر ... عن سليمان بن ضرر قال:" كنت جالسا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان فاحدهما احمر وجهه وانتفخت اوداجه فقال النبي ﷺ : اني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد فقالوا له ان النبي ﷺ قال تعوذ من الشيطان فقال وهل بي جنون " والكريم لا يرد من يلجأ اليه ويستعيذ به ... وهي صفة لا يتحلى بها الا المتقون فما ان يصابوا بهذه الوساوس التي تغطي قلوبهم عن الحق فترة من الزمن حتى يذكروا الله ويستعيذوا به من الشيطان الرجيم فيطير ذلك الغطاء الذي كان يغطي قلوبهم ليروا الحق ويبصروا

стр. 136

بعد ان عموا"ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون" وهو كذلك يفتح قلب قاريء القرآن ويبعد وستوس الشيطان عنه قال تعالى:" فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون" يقول الامام ابن القيم: ومعنى" استعذ بالله" امتنع به واعتصم به والجأ اليه ومصدره العوذ والعياذ والمعاذ وغالب استعماله في المستعاذ به واصل اللفظة من اللجأ الى الشيء والاقتراب منه وفي كلام العرب" أطيب اللحم عوذه" أي الذي عاذ بالعظم واتصل به. أ -الاستعاذة عند قراءة القرآن: فأمر الله سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن وفي ذلك وجوه: منها ان القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والارادات الفاسدة فهو دواء لما امره فيها الشيطان فامر ان يطرد مادة الداء ويخلى منه القلب ليصادف الدواء محلا خاليا فيتمكن منه ويؤثر فيه فيجيء هذا الدواء الشافي الى القلب وقد خلا من مزاحم ومضاد له فينجح فيه. ومنها: ان القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب كما ان الماء مادة النبات والشيطان نار يحرق النبات اولا فاول فكلما احس بنبات الخير في القلب سعى في افساده واحراقه فامر ان يستعيذ بالله منه لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله ان الاستعاذة

стр. 137

في الوجه الاول لأجل حصول فائدة القرآن وفي الوجه االثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها. ومنها: ان الملائكة تدنو من قاريء القرآن وتستمع لقراءته كما في حديث اسيد بن حضير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح فقال ﵊:"تلك الملائكة" والشيطان ضد الملك وعدوه فامر القاريء ان يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يحضره خاص الملائكة فهذه منزلة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين. ومنها: ان الشيطان يجلب على القارىء بخيله ورجله حتى يشغله عن المقصود بالقرآن وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما اراد به المتكلم به سبحانه فيحرص بجهده على ان يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن فلا يكمل انتفاع القارىء به فأمر عند الشروع ان يستعيذ بالله منه. ومنها: ان القارىء يناجي الله تعالى بكلامه والشيطان انما قراءته الشعر والغناء فامر القارىء ان يطرده بالاستعاذة عند مناجاة الله تعالى واستماع الرب قراءته. ومنها: ان الله سبحانه اخبر انه ما ارسل من رسول ولا نبي الا اذ تمنى القى الشيطان في امنيته والسلف كلهم على ان المعنى: اذا تلا القى الشيطان في تلاوته قال الشاعر في عثمان: تمنى كتاب الله اول ليلة وآخره لاقى حمام المقادر فاذا كان هذا فعله مع الرسل ﵈ فكيف بغيرهم؟ ولهذا يغلط القارىء تارة ويخلط عليه القراءة ويشوشها عليه فيخبط عليه لسانه او يشوش عليه ذهنه وقلبه فاذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارىء هذا او هذا او هذا وربما جمعهما له فكان من اهم الامور الاستعاذة بالله تعالى منه.

стр. 138

ومنها: ان الشيطان احرص ما يكون على الانسان عندما يهم بالخير او يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه وفي الصحيح عن النبي ﷺ ان الشيطان تفلت علي البارحة فأراد ان يقطع علي صلاتي - الحديث" وكلما كان الفعل انفع للعبد واحب الى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له اكثر فالشيطان بالرصيد للانسان على طريق كل خير فهو بالرصد ولا سيما عند قراءة القرآن فأمر سبحانه العبد ان يحارب عدوه الذي يقطع عليه الطريق ويستعيذ بالله تعالى منه اولا ثم اخذ بالسير كما ان المسافر اذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه ثم اندفع في سيره ... ومنها: ان الاستعاذة قبل القراءة عنوان واعلام بأن المأتي به بعدها القرآن ولهذا لم تشرع الاستعاذة بين يدي كلام غيره بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع ان الذي يأتي بعدها هو التلاوة فاذا سمع السامع الاستعاذة استعد لاستماع كلام الله تعالى ثم شرع ذلك للقارىء وان كان وحده" ب - الاستعاذة في الصلاة: والاستعاذة كذلك علاج لما يلقيه الشيطان في الصلاة من وسئوس لينقص الأجر ويبعد الخشوع فنفى بذلك صفة من صفات المؤمنين فعن ابن العلاء: ان عثمان بن ابي العاص أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ان الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي فقال رسول الله ﷺ :" ذاك شيطان يقال له خنزب فاذا احسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا" قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني" ج - الاستعاذة عند الغضب: عن سليمان بن مرد قال: " كنت جالسا مع النبي ﷺ ورجلان! يستبان فاحدهما احمر وجهه وانتفخت

стр. 139

اوداجه فقال النبي ﷺ اني لاعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد فقالوا له ان النبي ﷺ قال: تعوذ بالله من الشيطان فقال: وهل بي جنون " ويأتي هذا العلاج متجانسا مع هذا المدخل الشيطاني ذلك" ان الغضب نوع من شر الشيطان ولهذا يخرج به عن صورته ويزين افساد حاله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته او الاقدام على من اغضبه ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال" فلا يذهب هذا الا بالاستعاذة من ذات المسبب له وامتدادا لهذا العلاج يأتي الدواء الثاني قراءة المعوذتين. المعوذتين فعن عقبة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ﷺ :"ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن: قل أعوذ برب الفلق وقل اعوذ برب الناس وقد روى البخاري باسناده عن عائشة ﵂ ان النبي ﷺ كان اذا أوى الى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما" قل هو الله أحد " وقل أعوذ برب الفلق" وقل أعوذ برب الناس" ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات" وبلغ من اهميتها ان عائشة ﵂ كانت تنفث عليه بهما في مرض موته - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ اذا مرض احد من اهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه

стр. 140

الذي مات فيه جعلت انفث عليه وامسحه بيد نفسه لأنها كانت اعظم بركة من يدي. آية الكرسي عن ابن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " يا ابا المنذر اتدري أي آية من كتاب الله معك اعظم" قال: قلت: الله ورسوله اعلم. قال:" يا ابا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم"؟ قال: قلت: الله لا اله الا هو الحي القيوم: قال: فضرب في صدري وقال: " ليهنك العلم يا أبا المنذر" ومع تلك العظمة التي ألبسها الله مما تحوي من أصول التوحيد كانت كالصواعق تصعق كل شيطان يقترب من المسلم عندما يقرأها قبل أن ينام. فعن أبي هريرة قال:" وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك الى رسول الله ﷺ قال: دعني فاني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه فأصبحت. فقال النبي ﷺ : " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله، قال:" أما أنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ : أنه سيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك الى رسول الله ﷺ قال دعني محتاج وعلي عيال لا اعود فرحمته وخليت سبيله فاصبحت فقال لي رسول الله ﷺ يا ابا هريرة ما فعل اسيرك البارحة قلت يا رسول الله شكا حاجة وعيالا

стр. 141

فرحمته وخليت سبيله قال اما انه كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك الى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات انك تزعم انك لا تعود ثم تعود فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت وما هي؟ قال اذا أويت الى فراشك فأقرأ آية الكرسي: " الله لا اله الا هو الحي القيوم " حتى تختم الآية فانك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ :" ما فعل أسيرك البارحة"؟ قلت: يا رسول الله زعم انه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال " وما هي قال لي اذا اويت الى فراشك فأقرأ آية الكرسي من اولها حتى تختم الآية " الله لا اله الا هو الحي القيوم"وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا احرص شيء على الخير فقال النبي ﷺ : أما انه صدقك وهو كذوب" تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا ابا هريرة؟ قلت لا قال: ذاك شيطان ". خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود الانصاري قال " قال رسول الله ﷺ من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" وقد قيل في معنى كفتاه" من قيام الليل وقيل من الشيطان وقيل من الآفات ويحتمل الجميع.

стр. 142

غض البصر والنظر الى ما نهى الله عنه من العورات من اشد مداخل الشسطان به أغرق الكثير في نار جهنم وجند به في حزبه الكثير وبسببه يضعف الايمان وتنعدم لذته وتنعدم الفراسة وصفاء الفكر والتفكر يقول الامام ابن القيم" والنظر اصل عامة الحوادث التي تصيب الانسان فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة ارادة تقوى فتصير عزيمة حازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع وفي هذا قيل" الصبر على غض البصر ايسر من الصبر على الم ما بعده" قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في اعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبا بسرور عدد بالضرر ومن آفات النظر: انه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه وهذا اعظم العذاب: ان ترى ما لا صبر لك عن بعضه ولا قدرة على بعضه وهذا هو السبب او بعضه لارشاد الله عباده بغض النظر وذلك علاج نافع وسد منيع لاحد اكبر مدخل من مداخل الشيطان كما وصفه رسول الله ﷺ اذ يقول:" ما تركت بعدي في الناس فتنة اضر على الرجال من النساء" واول ضرر على الرجال من النساء هو النظر اليهن ان كن محارم والسبب

стр. 143

في كونها اضر فتنة بعد الرسول على الرجال لانها تحرق معنى العبودية في قلب صاحبها. وذلك ما بينه شيخ الاسلام ابن تيمية اذ يقول: " النظر يؤكذ المحبة فيكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة لانصباب القلب اليه ثم غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه ثم عشقا الى ان يكون تتيما والمتيم العبد وتيم الله عبد الله فيقي القلب عبدا لمن لا يصلح ان يكون اخا بل ولا خادما وهذا انما يبتلى به اهل الاعراض عن الاخلاص لله ويتبع صوم العين صوم اللسان عن فضول الكلام وايثار الصمت لسد المداخل امساك فضول الكلام واستبداله بالصمت والكلام الذي لا يبنى عليه عمل ولا تقوم به مصلحة هو من فضول الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع وهو بذلك مضيعة للوقت او كما يراه الامام ابن القيم اشد من الموت" اضاعة الوقت اشد من الموت لأن اضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الاخرة والموت يقطعك عن الدنيا واهلها" والخوض بالكلام الذي لا يفيد انما هو مدخل من مداخل ابليس قد تصل بصاحبها الى درجة الضلال ورب كلمة يتلفظ بها المرء لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار ابعد مما بين المغرب والمشرق وذلك ما رواه مسلم" وان العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب" وكان رسول الله ﷺ يعلم الرعيل الاول هذا المدخل الشيطاني لئلا يقعوا في شباكه فيهوون في النار فمما ذكره لهم " ان رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان وان الله قال: من ذا الذي يتألى علي ان لا

стр. 144

اغفر لفلان فاني غفرت لفلان وأحبطت عملك" فهذا الرجل احبط الله اعماله كلها بسبب كلمة لم يلق لها بالا ولم يزنها قبل قولها. ولقد حرص ﷺ على امته كل الحرص في عدم الوقوع في ذلك فأعطاهم قاعدة منجية يطبقها جيل بعد جيل الى ان يرث الله الارض ومن عليها قال " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت وللصمت منافع اربعة جمعها الاحنف بن قيس في قوله: " الصمت امان من تحريف اللفظ وعصمة من زيف المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه" وليس غريبا على الاحنف ان يكون له علم بهذا الدواء لذلك المدخل فلقد كان ياخذ هذه الدروس على يد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قال له يوما: " يا احنف من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه" ورب فئة من الناس ياخذون هذا الكلام على ما هو فيصمتون عن الحق والباطل معا ظانين انهم يسلموا بذلك من آفات اللسان ولا يدرون انهم وقعوا في آفة من آفاته يقول الامام ابن القيم:" وفي اللسان آفتان عظيمتان ان خلص العبد من احداهما لم يخلص من الاخرة آفة الكلام وآفة السكوت وقد يكون كل منهما اعظم من الاخرى في وقتها. فالساكت عن الحق شيطان اخرس عاص الله مراء مداهن اذا لم يخف على نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله واكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين

стр. 145

واهل وسط وهم اهل الصراط المستقيم كفوا السنتهم عن الباطل واطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الاخرة فلا يرى احدهم انه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائقة بلا منفعة فضلا ان تضره في آخرته. ويكفي المسلم ان يعلم ان كل لفظة يلفظها تسجل عليه " ونحن اقرب اليه من حبل الوريد اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد" والوريد الذي يجري فيه دمه وهو تعبير يمثل ويصور القبضة المالكة والرقابة المباشرة الدائمة وحين يتصور الانسان هذه الحقيقة لا بد يرتعش ويحاسب ولو استحضر القلب مدلول هذه العبارة وحدها ما جرؤ على كلمة لا يرضى الله عنها بل ما جرؤ على هاجسه في الضمير لا تنال القبول وانها وحدها لكافية ليعيش بها الانسان في حذر دائم وخشية دائمة ويقظة لا تغفل عن المحاسبة" الامر الذي حدا بدعاة الحق على مر القرون ان يطلقوا السنتهم كما قال الامام ابن القيم في الحق ويؤثرون الصمت فيما عدا ذلك. تكلم وسدد ما استطعت فانما كلامك حي والسكوت جماد فان لم تجد قولا سديدا تقوله فصمتك عن غير السداد سداد ويتم ذلك الصيام المبارك بصيام الاذن عن سماع ذلك الباطل.
следующие страницы →