← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35115

البيان في مداخل الشيطان

عبد الحميد البلالي

Полный текст (171 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأمر بالسوء ان أعمال الشيطان كلها ومداخله تندرج تحت الامر بالسوء لأنه لا يعرف الا الأمر بالسوء فأخبر عنه تعالى: " انما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ". لأن الأمر بالسوء هو الضمان الوحيد لتحقيق غاياته فمنطق الجاهلية يقول ان الغاية تبرر الوسيلة وقد يخدع البعض ويلبس بعض أوامره ثوب الحق ولكنه أبدا لا يريد الا السوء فلقد اخذ اذنا من الله وعهودا على نفسه بأن يؤذي بني آدم اشد الايذاء ويحاربهم بكل وسيلة ويقتحم دورهم في كل مكان ويستولي ويستنزل من بني آدم حظا معلوما فقال: " لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ".يحيد بذلك النصيب المفروض عن الطريق السوي طريق الاستقلال من قيود الشهوة التي تخضع الانسان وتجعله ساجدا عابدا لها من دون الله ويأمرهم بالقيام بأعمال سخيفة كقطع آذان الأنعام حتى يصبح ركوبها وأكلها حراما دون أن يحرمها الله ويأمرهم بتغير خلق الله بقطع أجزاء من الجسم أو تشويهها ولئن كانت هذه الأوامر في عهد الجاهلية فان أوامره بهذا العهد ازدادت وتنوعت في أعياد مفتعلة وعادات غريبة وسياسة حمقاء وأكبر سوء يأمرهم به هو التحاكم الى الطاغوت وترك التحاكم الى الحق. الحكم بالباطل هو التمسك بكل شيء من وضع البشر. وأحكام سخيفة هشة وترك ما وضع الله لهذا الانسان من الحق.

стр. 72

" يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا". علينا أن لا نتوقع أن عدو الله ابليس سوف يرفع راية الاستسلام انه عدو لا يمل الحرب ان حربه دائمة فاما ان ينتصر واما أن يهزم امام ايمان المؤمن. انه عدو ذو غاية. وصاحب الغاية لا يفتر ابدا حتى يحققهاوالشيطان لا يأمر الا اولئك الذين استولى عليهم فأنساهم ذكر الله. أما أصحاب الحق فانه ينسيهم أحيانا ذكر الله ولكنه لا يستطيع أمرهم بشيء وحتى اذا ما أمرهم لا يلبون وذلك لأنهم يعودون الى الله بسرعة " والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم". نسيان الاستحواذ يقول الامام ابن القيم:"خلق ابن آدم من الأرض وروحه في ملكوت السماء وقرن بينهما فاذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه بالحزم وجدت روحه خفة وراحة فتاقت الى الموضع الذي خلقت منه واشتاقت الى عالمها العلوي واذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن الى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لأستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها من عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب". ومتى تظهر عتامة الطين الذي خلق منه الانسان؟

стр. 73

ومتى ترى الانسان ذا البشرة البيضاء كأنها سوداء؟ ومتى ترى الابتسامة كأنها عبوس والضحك كأنه بكاء؟ ترى ذلك كله عندما الشيطان ينسى هذا الانسان العنصر الآخر الذي خلق منه " نفخة من روح الله". " استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله". ينسيه خالقه الذي صوره وأحسن تصويره ويسعى عدو الله سعيا حثيثا لتبخير كل ما علق فيه من ذرات من ذكر الله حتى يحيله الى طينة يابسة لا حياة فيها وذلك ما قاله رسول الله ﷺ : " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت ". وكما قيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور. يحيله الى أعمى لا يرى طريقه يتخبط خبط عشواء لا يدري أين يسير ولا الى أين يسير كما قال تعالى: " ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى". فهو كما كان أعمى عن الحق في الدنيا كذلك يجعله الله أعمى في الآخرة. ويستخدم عدو الله وسائل كثيرة لتحقيق هذا المدخل منها ما ذكر بالقرآن

стр. 74

الكريم كالخمر والميسر قال الله تعالى: " انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة". وأحيانا يستخدم المال والأبناء قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون". وحتى نتقي هذه النزغات وغيرها يجدر بنا معرفتها وكيف تتم. وهذه أمثلة من هذه النزغات. النزغات النزغ من أهم وأخطر الفقرات في الخطة الشيطانية ذلك لأنه يخفى على الكثير وتترتب عليه نتائج خطيرة على الدعوة والدعاة. ويستخدم الشيطان لتحقيق هذا المدخل وسيلتين وهما اللسان والأفعال. أما اللسان فهو أهمهما فيه تتكون وتتجمع تلك النزغات في النفوس لذا قال الله تعالى: " وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن ان السيطان ينزغ بينهم ان الشيطان كان للانسان عدوا مبينا". وهو من أخطر المناطق في جسم الانسان وبسببه يسعد السعداء بالجنة ويشقى الأشقياء بالنار " سأل معاذ النبي ﷺ عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده عن النار فأخبره ﷺ برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال الا أخبركم بملاك ذلك كله؟ قال بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا

стр. 75

فقال وانا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم او على مناخرهم الا حصائد السنتهم". ان تطهير اللسان من الآفات والتثبت قبل القول ووزن الكلام قبل التكلم به امر ذو شأن اذ به تضمن الجنة كما قال ﷺ : " من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة"وكان ابن مسعود يقول ما على وجه الارض شيء احوج الى طول سجن من لسان. والامثلة على ان تكون هذه النزغات في النفوس بسبب اللسان كثيرة منها ما ينزغ في نفس احدهم عند سماعه لعالم دين فيقول له:" أظهر له انك اعلم منه" فيدفعه ذلك لمناقشته اظهارا لعلمه الذي يعلم او تصيد أخطائه ليخبره بها امام الناس ويظهر لهم انه عالم وربما يتكون بسبب ذلك الجدل العقيم ان ينفر كثير من الناس من الاسلام وهذه احدى نتائج ضلال الامة كما قال ﷺ :" ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا أتوا الجدل" ... ومنها ما ينزغ في بعض النفوس عندما يكشف لهم البعض عن عيوبهم وينصحونهم بتركها فيقول له: " مثلك لا ينصح وكيف تتقبل هذه النصيحة وانت اعلم من الناصح" او يقول له:" كيف تتقبل هذه النصيحة من الذي اصغر منك سنا" فيجعله يخاصم الناصح ولا يكلمه او يجعله يكره ان يراه او يمشي معه ... قال ابن عقيل:" كان ابو اسحاق الخزاز صالحا وهو اول من لقنني كتاب الله وكان من عادته الامساك عن الكلام في شهر رمضان فكان يخاطب

стр. 76

بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج فيقول باذنه"ادخلوا عليهم الباب" ويقول لابنه في عشية الصوم" من بقلها وقثائها" آمرا له ان يشتري البقل فقلت له هذا الذي تعتقده عبادة هو معصية فصعب عليه فقلت: ان هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام شرعية فلا يستعمل في أغراض دنيوية فهجرني ولم يصغ الى الحجة" ... ومن نزغاته على بعض الناس انه" اذا دعي الى طعام قال: اليوم الخميس ولو قال أنا صائم كانت محنة" وانما قوله اليوم الخميس معناه اني أصوم كل خميس ومن هؤلاء من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائم وهم مفطرون. وما نزغ في نفوس البعض" من قوامي الليل فتحدثوا بذلك بالنهار فربما قال احدهم: فلان المؤذن أذن بوقت ليعلم الناس انه كان منتبها فأقل ما في هذا ان سلم من الرياء أن ينقل من ديوان العلانية فيقل الثواب" ومنها ما ينزغ في نفوس بعض الدعاة من الانتصار للنفس اذا ما واجهوا بعض الشتائم والكلام القبيح من الجهال كما حدث ذلك لعمر بن عبد العزيز لولا أنه تذكر أنه في حالة غضب فخشي ان ينتصر لنفسه فقال للرجل: " لولا أني غضبان لعاقبتك" وصنف آخر من الدعاة ينزغ في أنفسهم العجب بالنفس بما يقومون به من واجبات الدعوة فانه " اذا انكر جلس في مجمع يصف ما فعله ويتباهى به ويسب اصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرا منه لندمهم وكبره ويندرج بحديثه كشف عورات المسلمين.

стр. 77

والستر على المسلم واجب مهما امكن فأما العالم اذا انكر فانت منه على امان وقد كان السلف يتلطفون بالانكار وراى صلة بن أشيم رجلا يكلم امرأة فقال ان الله يراكما سترنا الله واياكما. وكان يمر بقوم يلعبون فيقولك:" يا اخواني ما تقولون فيمن اراد سفرا فنام طول الليل ولعب طول النهار متى يقطع سفره فانتبه رجل منهم فقال يا قوم انما يعنينا هذا فتاب وصحبه. ومنها ما يلقي في نفوس بعض الناس من الكبر فاذا سئل احدهم سؤالا لا يعرف له اجابة نزغ في قلبه الشيطان قائلا:" سيقول عنك انك جاهل لا تعلم اذا لم تجبه" فيجعله يفتي من هوى نفسه فيضل ويضل." وقال عبد الله ابن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن ابي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ أراه قال في المسجد - فما كان منه محدث الا ود ان اخاه كفاه الحديث ولا مفت الا ود ان اخاه كفاه الفتيا وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: ان كل من افتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون - وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه". ومنها ما ينزغ في قلوب البعض عندما يسمع من أخيه كلمة أراد بها مزاحا أو قصدا حسنا يلقي في نفسه" ان فلانا قصد بهذه الكلمة كذا وكذا" مما يجعله يظن الظنون السيئة بأخيه ويؤول الكلام بأكثر مما يحتمل فيحقد على أخيه ويغتابه في نفسه وربما كان ذلك داعيا الى هجره ... ومنها ما ينزغ في نفوس بعض " من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق

стр. 78

سبحانه فلبسن عليه ابليس انك من جملة الموصوفين بذلك لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق" ... أما الأفعال التي تسبب النزغات فهي أيضا كثيرة لا حصر لها منها ما يلقي في بعض النفوس من العجب بالنفس عندما يلبسون الجديد ... ومنها ما ينزغ في نفوس البعض عندما يتعلم مهنة معينة أو لعبة رياضية فما تتهيأ فرصة الا ونزغ الشيطان في نفسه أن "أرهم أنك عليم بذلك". ذلك الأمر الذي يحرم صاحبه من الأجر فليس له مما قام فيه سوى التعب. وكما جاء في الحديث الصحيح القدسي يقول الله تعالى:" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". ومنها ما ينزغ في نفوس بعض الدعاة أنه اذا رأى فعلا منكرا من صاحبه قال له:" لا تنصحه فلربما يغضب من ذلك فتفقد بذلك صحبته" فيمنعه بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن نزغاته عللى البعض اذا هم بنصيحة عالم لرؤيته فعلا منكرا منه يقول له:" أتنصح من هو أعلم منك بأمور الدين أتنصح عالما فيمنعه من نصيحته وبهذا تعم البلوى. ومنها أنه اذا كان المسلم في جمع من الناس ورأى فقيرا وهم أن يعطيه نزغ في نفسه" أترائي أمام الناس أتعطي ليقال عنك محسن" فيمنعه من الانفاق. ومنها ما نزغ في نفوس بعض الدعاة بأن العبوس من الجد فلا تجد الابتسامة على وجوههم الا ما نذر الأمر الذي يؤدي الى نفور كثير من العامة من دعوة الحق بسبب ذلك العبوس الذي يظنونه جزءا من الدين.

стр. 79

وتتجمع هذه النزغات وكثيرا غيرها على الداعية لترديه قتيلا- كأنها سهام تصوبها الشياطين على أجساد الدعاة لتشل من حركتهم ولتجعلها غير خالصة لله سبحانه ومن ثم لا تقبل. التخويف بالفقر وكما أن هذه الدعوة تحتاج الى التضحية بالنفس لكي تنتشر كذلك فهي محتاجة الى التضحية بالمال سواء بسواء ولذلك كانت البيعة التي عقدها الله مع المؤمنين متكونة من هذين العنصرين النفس والمال الذين بهما يتم انتشار دعوة الحق وانتصارها والفوز بالجنة فاذا نقض أحد العنصرين من البيعة كانت بيعة ناقصة. ويأتي عدو الله هنا ليفسد هذه البيعة فيلقي بالنفس الخوف من الفقر" الشيطان يعدكم الفقر". وذلك عندما يهم المسلم بالانفاق في سبيل الله أو اذا طلب منه ذلك يوهمه بأن ذلك سينقص من ماله وانه محتاج لذلك المال ويعرض له الأدلة من القرآن" لا يكلف الله نفسا الا وسعها" الى آخر هذه الهمزات التي تجعله يعدل عن الانفاق في سبيل الله وبذلك يفسد بيعته مع الله. وقد بين رسول الله ﷺ جزاء المنفقين في سبيل الله والذين لا يخافون الفقر فقال: " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم

стр. 80

فلوه (الجحش أو المهر فطما) حتى تكون مثل الجبل هكذا تشربت هذه المعاني في قلوب الرعيل الأول وهكذا فهموا الاسلام حتى ينفق أحدهم كل ماله في سبيل الله عندما طلب منه المال ويسأله رسول الله ﷺ ماذا أبقيت لأهلك يقول أبقيت لهم الله ورسوله هؤلاء الذين صدقوا البيعة فنالوا من الله ما نالوا تقف أمامهم مداخل الشيطان وألاعيبه كأنها هباءة بل لا تساوي هباءة أمام ايمانهم الشامخ. وكان النبي ﷺ يعلمهم دائما كيف يحافظون على البيعة التي عقدوها مع الله فما أن يرى أي اعوجاج في أحد العنصرين الا عدله فيهم ولقد دخل ﵊ على بلال وعنده صبر من تمر (الطعام المجمع مثل الكومة) فقال:" ماهذا يا بلال؟ قال: أعد ذلك لأضيافك قال: أما تخشى أن يكون لك دخان من نار جهنم أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش اقلالا نعم أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش اقلالا- أنفق يا داعية الاسلام في كل مكان ولا تخش الفقر ولا تخش من ذي العرش اقلالا. فلا تخافوهم ويوما بعد يوم يزداد الباطل وتكثر عدته وتزداد أعداده ويبدو مرعبا ذلك الازدياد وهذه التطورات بتصنيع الاسلحة المدمرة والأجهزة الاعلامية الضخمة التي يملكها الباطل.

стр. 81

ولربما تسرب شيء من الخوف الى نفس المؤمن من ذلك الباطل الضخم ولكن الله يرد تلك المخاوف بقوله:" انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين ". فالمؤمن متيقن أن ذلك التضخم الذي حدث للباطل انما هو أورام ذات غشاء رقيق مليئة بالميكروبات الخبيثة جاءت غازية لذلك الجسم السليم فكلما زاد حجم هذه الأورام كلما دنا أجل انفقاعها ويخرج ذلك القيح النتن بعد الانفقاع ويعود الجسم الى حالته السليمة. فلا يخاف الا من الله ولا تروعه أعمال الباطل الكثيرة ما دام متمسكا بالحق في عصبة الحق ويراها دائما ط كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء". أما هو فليس من هؤلاء الظمآى الذين يرون السراب كأنه ماء وذلك بتسليمهم للمخاوف التي يلقيها الشيطان في نفوسهم فينغرس الوهن فيهم - فلا يخافهم أحد. أما المؤمن فيرى تضخمهم أوراما وأعمالهم سرابا ولئن حاول عدو الله تخويفه بأوليائه من الباطل تذكر قول الله تعالى:" انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين". الأماني الكاذبة يعد الشيطان أولياءه بأنه لا جنة ولا نار أو يهون النار على قلوبهم فلا يخافونها ولا يقدرونها حق قدرها فيجترئون على المعاصي ويمنيهم النجاة من عاقبة أعمالهم ويزرع في قلوبهم أن اعملوا ما شئتم من المعاصي فان لكم ربا غفورا وينسون أنه شديد العقاب.

стр. 82

كما أنه يمني بعض الدعاة بملاذ الدنيا من الأولاد والتجارة وطلب الرياسة فيتركون الدعوة ويستسلمون لهذه الأماني التي تجذبهم الى الأرض فينسون السماء ونستلذ الأماني وهي مردية كشارب السم ممزوجا مع العسل. " يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا". الاستهواء عندما يلتزم الداعية بالحق ويعتز به ليصدع في وجه الباطل عندها لا يخشى في الله لومة لائم وحينئذ يخاف أصحاب الباطل من أن يفضحهم لذلك يجتمعون عليه لكي لا تذهب عروشهم وهذا مما يدعوهم لأن يعرضوا عليه مفاتن الدنيا من " مال ونساء ومنصب" هدفهم أن يصرفوه عن الحق الذي استمسك به أو يقرهم على باطلهم فيصبح كل داعية مخلص في أوجههم. "أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد اذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه الى الهدى ائتنا قل ان هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ". أتأمروننا أن نرجع الى الوراء بعد أن صعدنا المرتفع -بعد أن شممنا الهواء النقي الخالي من التلوث ونكون كالذي استهوته الشياطين؟ هذا الاستهزاء هو مدخل من مداخل عدو الله ابليس ويتم بصورة جماعية - الشياطين تتجمع على ابن آدم لتسلبه عقله وهواه اذا ما ذاق قليلا أو كثيرا من طعن الايمان والعيش مع عصبة الحق ثم اشتاق الى الضلال ثانية ورجع اليه بسبب ذلك الاستهواء.

стр. 83

هذا النسان لم تتركه عصبة الحق فما زالت تدعوه الى الحق" ائتنا" وما زالت الشياطين تدعوه الى الباطل الأمر الذي يجعله حيران بين الدعوتين من يلبي أو تجعله كاكسيح لا يستطيع حراكا لا الى هنا ولا الى هناك هذه الحيرة تلزم القلب فتجعله في عذاب نفسي شديد وهي اخطر مرحلة يمر بها الانسان حيث ان بعدها يتحدد مساره الذي يسلك فاما مع الحق واما مع الباطل ولقد مررت بشيء من هذه المعاناة وهذه الحيرة ولم استقر ولم تبتعد تلك الذبذبات التي اخترقت قلبي عني حتى اخترت الحق لي منهجا في الحياة ... الايحاء بالمجادلة جاء رجل الى ابن عباس فقال: يا ابن عباس زعم ابو اسحاق انه اوحي اليه الليلة فقال ابن عباس: صدقت فنفرت وقلت يقول ابن عباس صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان وحي الله ووحي الشيطان فوحي الله الى محمد ﷺ ووحي الشيطان الى اوليائه ثم قرأ " وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم"وانهم يوحون اليهم ذلك ليجادلوا اصحاب الحق في الحق الذي معهم وليشككوا فيه لكي يتزعزع ايمان المؤمن بعقيدته وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم وان "اطعتموهم انكم لمشركون" ... والجدل يبغضه الاسلام الا في حالات الدعوة وتكون ايضا مقيدة بشرط وهو الالتزام بالادب الاسلامي وعدم الخروج منه حيث قال الله تعالى:

стр. 84

" وجادلهم بالتي هي احسن" اما ما عدا ذلك فهو مبغوض في الاسلام لانه غالبا ما تكون عاقبته سيئة. كما انه ليس من صفات الداعية المخلص الحرسص على كل لحظة ولفظة في حياته ان لا تضيع هباء دون فائدة تجنى. وكان جدالهم لاصحاب الحق في الجاهلية القديمة في اكل الميتة والشرك وان الملائكة بنات الله وان كلام الله سحر. اما الجاهلية الحديثة فجدالهم لاصحاب الحق في عدم تناسب احكام القرآن مع هذا التقدم الحضاري وعن القسوة في الحدود الاسلامية الى ما شابه ذلك من تفاهات ولئن استسلم بعض الدعاة الى تلك الحجج الواهية وايدهم واطاعهم فصل من كتيبة الدعاة وخرج من حصن الاسلام" وان اطعتموهم انكم لمشركون" وجدل من نوع آخر يكون في صفوف الدعاة وصفة عدو الله ليفكك رباطهم ويزرع الكراهية بينهم ليتلهوا به ويتركوا الهدف وذلك ما يبغي عدو الله. وهي زلات يقع بها الدعاة فان الامام الاوزاعي قد احصاها فوجدها خمس زلات قبيحات تزيد الخير قبحا فقال " دع من الجدال ما يفتن القلب وينبت الضغينة ويخفي القلب ويرق الورع في المنطق والفعل". وهذا اثقال واضح واضح لكفة الشمال في ميزان المتجادل ينبي عن خسارة والعياذ بالله خسارة يصعب معها الرجاء اذا اقترنت بلجاجة واعجاب اذ تتم حينذاك كما رآها التابعي بلال بن سعد فقال:" اذا رايت الرجل

стр. 85

لجوجا متماديا معجبا برايه فقد تمت خسارته" وقول خبير ليس بكاذب ولا مبالغ" فلا عجب اذا من قول الرسول ﷺ :" أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا". تحريم ما أحل الله ولقد لبس ابليس على أهل الجاهلية بتحريم ما أحل الله من الأنعام بسبب خرافات غرسها في قلوبهم توارثوها عن آبائهم " كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام"

стр. 86

وعندما جاء الاسلام بتعاليمه السمحة والقوم حديثو عهد بالجاهلية كان ليس غريبا ان يفهم البعض بعض التعاليم فهما خاطئا فحرم فئة على انفسهم بعض ما احل الله ظنا التعاليم فهما خاطئا فحرم فئة على انفسهم بعض ما احل الله ظنا ان ذلك قربة الى الله وكان القائد الرسول ﷺ يسمع هذه التصورات الغريبة عن روح الاسلام فكان يسد ذلك المدخل الشيطاني ويعدل الاعوجاج ففي الصحيحين عنه بلغة ان رجالا قال احدهم اما انا فأصوم ولا افطر وقال الاخر اما انا فأقوم لا انام وقال الاخر اما انا فلا اتزوج النساء وقال الاخر اما انا فلا آكل اللحم - فقال ﷺ . " لكنني اصوم وافطر واقوم وانام واتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني". وقد قال الله تعالى:" كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين". هذا المدخل وقع فيه كثير من الشباب الصالح الذي خفي عليه هدى الرسول ﷺ الذي هو خير الهدى" وكان خلقه في الاكل انه ياكل ما تيسر اذا اشتهاه ولا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا فكان ان حضر خبز ولحم اكله وان حضر فاكهة وخبز ولحم اكله وان حضر تمر وحده او خبز وحده اكله وان حضر حلو او عسل طعمه ايضا وكان احب الشراب اليه الحلو البارد وكان ياكل القثاء بالرطب فلم يكن اذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين ولا يمتنع عن طعام لما فيه من اللذة والحلاوة". واما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعا لنا بل امرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح " انما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" وقال لمعاذ وابي موسى لما بعثهما الى اليمن " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" وقال" هذا الين يسر ولن يشاد الدين احد الا غلبه فاستعينوا بالغدوة

стр. 87

والروحة وشىء من الدبلجة والقصد القصد تبلغوا" اما تحريم ما احل الله بعذر مجاهدة النفس فهذا ليس من الحنيفية السمحة بشيء وهو اقرب الى الرهبانية ولا رهبانية في الاسلام وهو مدخل من مداخل الشيطان فليحذره جمهور الدعاة. غرس اليأس قال علي بن طلحة عن ابن عباس قال: " نزل النبي ﷺ حين سار الى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة وعصة واصاب المسلمين ضعف شديد والقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم تزعمون انكم اولياء الله تعالى وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وانتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا واذهب عنهم رجز الشيطان" يقول لهم:" وانتم تصلون مجنبين" ومتى كان العدو ناصحا؟ انما هو ذلك التخطيط الشيطاني لغرس ذلك اليأس في قلوب عصبة الحق ومن الطبيعي انه يدخل اليهم من ذلك المدخل الايماني لكي يسهل عليه غرس اليأس والا اكتشفوه " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام"

стр. 88

وكل هزيمة لا بد وأن يسبقها هزيمة نفسية في قلوب المقاتلين عندئذ لا يكون للاسلاح قيمة ولولاها لأصبح النصر متعذرا لكلا الجانبين - هذا وقد حاول الشيطان أن يلقي في قلوب أهل بدر قبل لقائهم بعدوهم ... وقد يلقي في نفوس بعض الدعاة - كيف تنتصرون والجاهلية تملك ما تملك وأصحاب الحق قليلون وقد مرت سنون ولم يحدث تغيير وكلما خرجتم من السجون عدتم اليها - الى متى هذه الغربة. هذا اليأس من النصر يدعو ذلك الداعية للتهور والتصرف الفردي مما يضع الدعوة في موضع بالغ الخطورة - ذلك لأن الدعوة كأنها السفينة التي تكلم عنها رسول الله ﷺ تسير في محيطات الجاهلية العميقة وعليها عصبة الحق فان أخطأ أحدهم وأراد أن يثقب ثقبا في أسفل السفينة ليحصل على الماء بسرعة ليوفر عليه وقت الصعود الى الأعلى وجلب الماء كما يظن غرق وغرقوا جميعا هذه الكارثة كلها تكون بسبب ذلك التصرف الفردي من أحد أفراد الدعوة الذي وضع ابليس اليأس في قلبه. " ان بعض النفوس تستلذ اليأس وتعشق الظلام ولكن الأمل من حولها واسع والنور غامر. ولذلك وجبت هذه الرتبة الخفيفة على كتف المطرق المطأطىء الملتفت تنبهه الى سكينة قريبة منه لو تناوش وهالة جميلة فوقه لو رفع رأسه ونظر وهل هناك أسطع من هالة شمس هذه الدعوة التي هو فيها وأنصع بياضا وأشد لألأة؟ ". ولا بد أن توجد مثل هذه النوعيات التي تستلذ اليأس وتستسلم لنداء الشيطان في كل دعوة ...

стр. 89

ولقد كان الامام البنا عليما بالدعوة فقيها بالنفوس ولا يفوت من يملك هذا الفقه ان في الجماعة فئة معرضة لهذا المدخل الشيطاني الخطير لذلك نادى هذه الفئة: لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين وحقائق اليوم أحلام الأمس وأحلام اليوم حقائق الغد ولا زال في الوقت متسع ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد والضعيف لا يظل ضعيفا طول حياته والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض". ان اليأس سلاح صغير من الأسلحة التي يستخدمها عدو الله في حربه مع الحق وانه لا يقارن بتلك الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها الشيطان في معركة الاستفزاز والجلب. الاستفزاز معركة هائلة الغبار متطاير الرؤية تكاد ان تكون معدومة وأصوات الشياطين في كل مكان تنادي للباطل وتدعو اليه ... أصوات كثيرة لا حصر لها من تشكيك في القرآن وأفكار مستوردة ضالة وآراء شاذة ودعوات للأباحية وأغان هابطة. نعيق مزعج ينادي في كل مكان على هذا الكوكب " القضاء القضاء على الحق"" واستفزز من استطعت منهم بصوتك".

стр. 90

وخيول في كل مكان من أرض المعركة - خيول الباطل -تملأ الساحة تقدح الأرض بسنابكها وتعدو وتضج في صهيل عال للقضاء على الحق. خيول مختلفة الأشكال والألوان من كتب وأفلام وخمور وميسر ومجلات وصحف ورجال باعوا أنفسهم للباطل والدعوة اليه رافعين أسلحتهم واضعين أصابعهم على الأزندة موجهينها للحق يريدون القضاء عليه " واجلب عليهم بخيلك ورجلك" هذه هي معركة الحق والباطل على مدار الزمان و " هو تجسيم لوسائل الغواية والاحاطة والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول فهي المعركة الصاخبة تستخدم فيها الأصوات والخيل والرجال على طريقة المعارك والمبارزات يرسل فيها الصوت فيزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة فاذا استدرجوا الى العراء أخذتهم الخيل وأحاطت بهم الرجال ". ولقد أثرت قنابل هذه المعركة فشوهت وجوها وأنارت وجوها وأماتت نفوسا وأحيت نفوسا ومن آثار هذا التشويه مشاركة الباطل في الأموال والأولاد. المشاركة وفي هذا المدخل يأمر الشيطان الناس بالانفاق في معصية الخالق فكل ما ينفق على الميسر والخمر والبغي والكتب الضالة أو اعانة العدو للقضاء على المسلمين والربا والغش وغيره يعتبر مشاركة للشيطان في الأموال.

стр. 91

ويسعى عدو الله للمشاركة بالأولاد بأن يجعلهم يسمون أولادهم بما لا يرضي الله كعبد العزى وعبد اللات بالماضي والآن عبد الحسن وعبد الحسين وعبد علي وعبد محمد الى آخر هذه الأسماء أو يجعلهم يدخلون أبناءهم بغير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو قتله أو وأده وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أحدهم اذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فانه أن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان ابدا". أما المؤمن فيرفض ابتداء أن يشارك الشيطان في كل شيء فهو يعلن المفاصلة في كل صلاة عندما يطلب من الله أن لا يجعله من المغضوب عليهم ولا الضالين ويعلنها قبل أن يأوي الى فراشه في صلاة الوتر عندما يقرأ سورة الكافرون ذلك لأنهم لا تصلهم سهام ابليس وهم في حصون الله المنيعة ... " وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا ... ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا". والمشاركة هي بداية ثم يعقبها الاستيلاء الكامل على الأموال والأولاد فتكون الأموال كلها في سبيل الطاغوت والأولاد يتحولون الى شياطين الانس ومن ثم يستخدم هؤلاء الشياطين في تفكيك الأسرة التي هي لبنات المجتمع وأكثر ما يسعى الى تفكيك الأسر الصالحة لأنها تعمل ضده في تلك المعركة الخالدة.

стр. 92

تفكيك الأسرة ولقد علم يوسف ﵇ في نهاية المطاف هذا المدخل عندما " رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا".قال مخاطبا أباه:" هذا تأويل رؤياي من قبل قذ جعلها ربي حقا وقد أحسن بي اذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم". هذا هو شأنه دائما تفكيك كل شيء يتجمع لأن بالجمع قوة وبالانفراد ضعف فهو يحب أن يقود الناس الى الهاوية - فأكثر ما يهمه هو تفكيك الأسرة - هذا هو الذي يهدده ويهدد باطله وخاصة اذا صلح - قال ﷺ :" ان ابليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت" واذا تحطمت هذه الخلايا الطيبة تحطم المجتمع وتفكك وهذا ما نراه في هذا الزمان - لقد فككت معظم الأسر - الأمر الذي سبب هذا التفكك في المجتمع كله - ذلك بأنه يثير الفتنة بين وحداتها فينفخ الكبرياء في بعضهم ليجعله يتعالى ويتجبر على الآخرين - وهل يصمت الآخر على هذا التصرف الشاذ؟ وينفخ نفخة الحسد في قلب أحدهم فيشتعل نارا ملتهبة في وجه أخيه لا يحبه ويتمنى له كل شر - وعندما يشعر الآخر بهذا التصرف الشاذ هل يصمت؟ انه يهمز

стр. 93

وينفخ وينفث بين أفراد الأسرة الواحدة لكي يذيب تلك المادة التي تلصقهم ببعض. والداعية الصادق هو الذي يشعر بهذه اللعبة الخطيرة والمدخل الخبيث ومن ثم فهو يعالجه معالجة ناجحة تنبع من الايمان - لا يتبع رغبة نفسه بحب الانتقام للنفس اذا صادف معاملة شاذة أو تصرفا غريبا من أحد أفراد الجماعة الصالحة انما يعامله دائما معاملة المؤمن الواعي ليبين مدى خطورة حركة ابليس التي تهدف الى تحطيم الخلايا ثم المجتمع كله - ولا يغضب ابدا الا الله وهكذا فعل يوسف ﵇ لم ينتقم ولم يغضب والله هو الذي سير الأمور كما يحب ويرضى ... الغضب دخل موسى ﵇ المدينة فوجد رجلان يقتتلان أحدهما من بني اسرائيل والآخر قبطي فاستغاثه الذي هو من قومه وهو الاسرائيلي على عدوه. وهنا تدخل عدو الله ليلقي الغضب في نفس موسى فما أن دعاه صاحبه واستنصره حتى هوى بقبضة يديه على القبطي فصرعه - ولم تكن فترة تفكير أو تأني من موسى انما ضرب عدوهما بمجرد استغاثة صاحبه به " فاستغاثه الذي هو من شيعته على الذي من عدوه فوكزه". وبعد أن رأى موسى القبطي قتيلا أدرك أن ذلك من عمل الشيطان فقال:" هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين".

стр. 94

إذن فالغضب نوعان: غضب الله وهذا من ثمرات الايمان اذ أن الذي لا يغضب لله اذا انتهكت محارمه يكون ايمانه ضعيفا ... والغضب الآخر: الغضب لغير الله كأن يكون للنفس أو الجنس أو الوطن أو العشيرة الخوهذا النوع الثاني من الغضب هو الذي يسببه عدو الله وهو مدخل من مداخله اذ به تحدث الجرائم وتتفكك الأسر ويضعف الايمان وتضعف رابطة الأخوة بالله فهو شر تنبع منه شرور كثيرة لذلك لم يكن غريبا عندما قال رجل للرسول ﷺ :" أوصني قال:" لا تغضب" فردد مرارا قال لا تغضب" وهو الرسول الذي أوتي مجامع الكلم يردد كلمة لا تغضب ثلاث مرات دلالة على حرص الرسول ﷺ على أن يبين الحجم الضخم لهذا المدخل الشيطاني ... وليس الغضب مقياسا للقوة كما يزينه الشيطان للبعض فيغضب ليرى الناس أنه شديد ذو بأس. انما الشدة تقاس بمقدار ما تملك النفس عند الغضب كما بين الرسول ﷺ عندما قال:" ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". ولقد ربى الامام الشافعي نفسه على هذه المعاني خير تربية ورجل بمنزلته يتعرض للنقد والمجادلة والشتائم من الذين لم يتربوا تربية الاسلام والذين طغت عليهم أهواؤهم ولكنه يستقبل حماقة هؤلاء بصدر رحب صدر الداعية المربي مطبقا قاعدة قائده الرسول ﷺ فيقول: يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة فأزيد حلما كعود زاده الاحراق طيبا

стр. 95

والغضب ليس مقياسا لاكتساب احترام الناس كما يزينه الشيطان للبعض والداعية الصادق لا يقابل سفاهة السفهاء بكلام بذىء وغضب سافر انما يقابلهم بالحلم الذي قابلهم به الشافعي لأنهم مرضى وهو الطبيب النفسي وليس من آداب الطب الغضب من تصرفات المرضى وشتائمهم بسبب الأمراض المزمنة التي سكنت في قلوبهم ... وقد يدخل عدو الله من مدخل آخر فيخلط الغضب لله بالغضب للنفس وهنا على الداعية أن يقف ويسأل نفسه وليكن صريحا معها - أهذا الغضب لله أم للنفس؟ والمثال على ذلك ... اذا نصحك أحد الناس نصيحة ووجدت في هذه النصيحة غلظة عليك أن تكون حليما ولو كان أقل منك علما أو سنا. وهنا يطرح السؤال نفسه بعد الانفعالات التي داخلتك وبعد الوساوس التي طرحها عدو الله في قلبك وأشعل النار تحت الأثافي ليزيدك حرارة ويشعلك غضبا ... هل سترضى بالنصيحة وتبتسم ابتسامة القبول وتقول له جزاك الله خيرا أم ستثور لنفسك ويخدعك الشيطان قائلا لك " علمه كيف ينصح" وأنت بذلك تبغي الانتصار للنفس - فان كان الآخر فاستغفر لذنبك وان أصررت الا الانتصار للنفس فاعلم أن الشيطان قد انتصر عليك هذه المرة فانهض من عثرتك ولا تكن من الذين يرضون بالهزيمة. وبما أن الغضب أحد العوامل التي تفكك الجماعة المسلمة وذلك ما يداخل نفوس الغاضبين من حب الهجر والقطيعة وحفاظا على وحدة الأسلوب يستخدم ابليس مدخلا آخر مختلف اللون ولكنه يؤدي الى نتيجة واحدة الا وهو: الانهماك بالمزاح: ولعل المزاح من أكبر الوسائل التي يستخدمها ابليس في التفريق بين الأحبة لتفكيك الصفوف.

стр. 96

والمزاح على ضربين: مزاح محمود ومزاح مذموم فالمزاح المحمود ما كان" لا أذى فيه ولا ضرر ولا قذف ولا غيبة ولا شيء في عرض أو دين ولا استخفاف بأحد منهم" ومن أمثلة هذا المزاح ما قاله رسول الله ﷺ للرجل الذي جاء يطلبه أن يحمله على حمولة فقال له: أنا حاملك على ولد ناقة. فقال: يا رسول الله وما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : وهل تلد الابل الا النوق" ... ويكون المزاح مذموما اذا تحقق فيه أحد شرطين الانهماك والفحش فيه. أما الانهماك فيه فانه " يسقط الحشمة ويقلل الهيبة والفحش فيه يورث الضغينة ويحرك الحقود الكمينة لأنه يجر حينئذ الى ترك التحرز والاحتياط من الهجر". أكرم جليسك لا تمازح بالأذى ان المزاح ترى به الأضغان كم من مزاح جذ حبل قرينه فتجذمت من أجله الأقران وأي شيء يريد ابليس اكثر من غرس الضغينة في القلوب وتفكيك العلاقات الوثيقة وخاصة تلك التي قامت على منهج الحق على الحب في الله ... ولئن كان الداعية من النوع الحذر الذي يعرف حق المعرفة ما يؤول اليه الانهماك بالمزاح فان ابليس يدخل له من مداخل اخرى عله يزل باحدها ومن هذه المداخل اغراؤه بالنجوى.

стр. 97

النجوى: النجوى نوعان: نوع يكون بين اثنين دون ثالث ونوع يكون بين جزء من الجماعة دون الجماعة او دون القيادة الأول: ما أشار اليه الرسول ﷺ حين قال:" اذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فان ذلك يحزنه" والنوع الثاني: ذكره القرآن الكريم " ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان الله بكل شيء عليم". وقوله:" يا أيها الذين آمنوا اذا تناجيتم فلا تناجوا بالأثم والعدوان ومعصية الرسول". والهدف الرئيسي من كلا النوعين هو احزان المؤمنين كما قال تعالى:" انما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا الا باذن الله". وهو مدخل له خطورته على الجماعة الاسلامية ولقد اختاره عدو الله بخبث ليفكك الجماعة الاسلامية يقول صاحب الظلال معلقا حول النوع الثاني من النجوى " ويبدو ان بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الاسلامي كانوا يتجمعون عندما تخرب الامور ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدا عن قيادتهم - الامر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الاسلامية وروح التنظيم الاسلامي التي تقتضي عرض كل رأي وفكرة وكل اقتراح

стр. 98

على القيادة ابتداء وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة. كما يبدو ان بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي الى البلبلة وما يؤذي الجماعة المسلمة ولو لم يكن قصد الايذاء قائما في نفوس المتناجين - ولكن مجرد اثارتهم للمسائل الجارية وابداء الآراء فيها على غير علم ما قد يؤدي الى الايذاء والى عدم الطاعة. ان رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم الحزن والتوجس وتخلق جوا من عدم الثقة وان الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس اخوانهم ويدخلوا اليها الوساوس والهموم. ويطمئن المؤمنين بأن الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد فاما حيث تكون هناك مصلحة في كتمان سر او ستر عورة في شأن عام او خاص فلا مانع من التشاور في سر وتكتم وهذا عادة بين القادة المسؤلين عن الجماعة". وهذا ما عناه القرآن "وتناجوا بالبر والتقوى" والذي يدعو هؤلاء الى النجوى هو ظن السوء بمن يتناجون حوله وعلى ذلك فان الشيطان يستزلهم فيوقعهم في مرض قلب كريه الا وهو ظن السوء بالمسلمين. ظن السوء: ومن المسلمين من يتلذذ بسوء الظن بأخيه فيتهمه بما ليس فيه اتباعا لما يلقي الشيطان في قلبه ولا يتبين ولا يتثبت وانما يطلق الحبل على غاربه للشيطان يلعب به كيفما يشاء ... وهذا المرض من اخطر الامراض في الجماعة المسلمة اذا تفشى نشأت عنه الاحقاد والنفاق والكراهية بين صفوف الجماعة الواحدة ولذلك شدد

стр. 99

القرآن الكريم على ازالة هذا المرض الفتاك فقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم". وثبت في الصحيحين عن ابي هريرة ﵁ ان النبي ﷺ قال: " اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث ولا تحسوا ولا تجسوا وتناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا". " فالظن هنا وفي الآية هو التهمة ومحل التحذير والنهي انما هو تهمة لا سبب لها يوجبها كمن يتهم بالفاحشة او يشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى:" ولا تجسسوا" وذلك انه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد ان يتجسس ليعرف خبر ذلك ويبحث عنه ويتبصر ويستمع لتخفيف ما وقع له من تلك التهمة. فنهى النبي ﷺ عن ذلك" وان شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها - ان كل ما لم تعرف له امارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب. وذلك اذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من اشتهر عند الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث. ولقد أنكر الحسن البصري على قوم أباحوا الظن في زمانه فقال:" كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام وانت اليوم في زمن أعمل واسكت وظن في الناس ما شئت". والظن حالتان:" حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز

стр. 100

الحكم بها وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات والحالة الثانية ان يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده فهذا هو الشك فلا يجوز الحكم به وهو المنهي عنه على ما قررنا آنفا". وخير الدعاة الى الله ان يتركوا الظنون السيئة كلها ويشتغلوا بما يعود عليهم بالخير في دينهم ودنياهم وآخرتهم والا يضيعوا أي دقيقة هباء لئلا يندموا عليها يوم الحساب عندما تعرض الأعمال" فلا يتركوا نفوسهم نهبا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك. وتعليل هذا الامر" ان بعض الظن اثم" وما دام النهي منصبا على اكثر الظن والقاعدة ان بعض الظن اثم فان ايحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيء اصلا لانه لا يدري اي ظنونه تكون اثما بهذا يظهر القرآن الضمير من داخله لئلا يتلوث بالظن السيء فيقع في الاثم بل يدعه نقيا بريئا من الهواجس والشكوك أبيض يكن لاخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع. وما أروع الحياة في مجتمع بريء من الظنون". ومن التزم طريق الظن وأبى أن يزكي نفسه عنه فان ذلك يوصله حتما الى طريق أظلم منه فيه مستنقعات اتخذتها الحشرات مسكنا فأبى الا أن يخوض فيها ويدنس قدميه - ذلك هو طريق الغيبة .

стр. 101

الغيبة . ويدور الشيطان حول الانسان لينفث من وساوسه في قلبه ويوهمه انه لا شيء في اخذ الغيبة ما دام ذلك لازالة المنكر ورد العاصي الى الصواب ولو كان الامر كذلك لهان كل شيء ولكنه لا يلتزم بهذا الشرط مبدأ يرتكز عليه عند اخذه للغيبة - فتراه يغتاب كل من يخالفه في رأي او فكرة وكأنه يأكل من لحمه وهو ميت كما قال الله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه". ولقد قالت عائشة ﵂ للرسول ﷺ " حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال: " لقد قلت كلمة لو مزجت بها البحر لمزجته" الله أكبر كلمة واحدة مزجت البحر فما بال ذلك الصنف من الدعاة الذين يغتابون مخالفيهم بالراي وبالفروع بكلمات وليست بكلمة واحدة ويا ليتها بمستوى قصيرة" قال الحسن:" الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة والافك والبهتان. فأما الغيبة فهو ان تقول في اخيك ما هو فيه واما الافك فان تقول ما بلغك عنه. واما البهتان فان تقول فيه ما ليس فيه" ولقد عرفها رسول الله ﷺ تعريفا تجعله قاعدة لنا تخلصنا من التاويلات الملتوية - فال ﷺ : " أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله اعلم قال: ذكرك اخاك بما

стр. 102

يكره قيل أفرأيت ان كان في اخي ما اقول؟ قال: ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ولقد فسر الامام النووي" ذكرك اخاك بما يكره تفسيرا مفصلا قال سواء ذكرته بلفظك او في كتابك او رمزت او اشرت اليه بعينك او يدك او راسك وضابطه كل ما افهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة". ونوع آخر من الغيبة لا يشعر به الكثير سماه الامام النووي" غيبة المتفقهين والمتعبدين" قال:" فانهم يعرضون بالغيبة تعريضا يفهم به كما يفهم بالصريح فيقال لأحدهم: كيف حال فلان؟ فيقول الله يصلحنا الله يغفر لنا الله يصلحه نسأل الله العافية نحمد الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة نعوذ بالله من الشر الله يعافينا من قلة الحياء الله يتوب علينا وما اشبه ذلك مما يفهم منه تنقصة فكل ذلك غيبة محرمة وكل هذا معلوم من مقتضى الحديث عن صحيح مسلم وغيره في حد الغيبة والله اعلم" ... ولسنا بصدد آكلي اللحوم الميتة فحسب ولكن بصدد اولئك الذين يشاركونهم بالاكل ونقصد بذلك السماعين للغيبة. فلا ينبغي لمن يسمع غيبة مسلم ان يشجع المغتاب بسماعه منه واظهار التجاوب معه بل عليه ان ينصحه بالاقلاع عن هذه الخصلة واستبدال ذلك بمجالس الساعات الايمانية ... وحرصا من الرسول ﷺ على تكوين الأخوة بأسمى معانيها لم يغفل ذلك الجانب فقال: " من رد عن عرض اخيه رد الله

стр. 103

عن وجهه النار يوم القيامة" وقال:" من رد عن عرض اخيه كان له حجابا من النار" ... افلا تحب ان ترد عن وجهك النار يوم القيامة ويكون لك حجابا من النار؟؟ وتنشأ عن هذه الظلمات ظلمة اخرى مساوية لها بالظلمة حتى انه يصعب التمييز بينهما لشدة التشابه تلك هي ظلمة تصيد اخطاء الآخرين ... تصيد العيوب وهي احدى مداخل ابليس يوهمه ان ذلك من النهي عن المنكر فيولع به حتى تكون له هواية فما ان يرى عيبا في شخص ما حتى يذيعه ويشهر به بين الناس يترصد كلماته ويتلقف سقطاته كأن كل همه هو البحث عن عيوب الناس - قال الامام ابن الجوزي: " ومن تلبيس ابليس على المنكر انه اذا انكر جلس في مجمع يصف ما فعل ويتباهى به ويسب اصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرا منه لندمهم وكبره ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لانه يعلم من لا يعلم والستر على المسلم واجب مهما امكن"وان لم ير عيبا من خلال كلامه معهم فانه يذهب يتصفح الكتب ويمسك قلما يخط به خطوطا تحت العبارات التي يظنها خطأ أخطاء يظنها وهي ليست بأخطاء عند غيره ليس ذلك بسبب علمه وجهلهم

стр. 104

انما ذلك بسبب سوء ظنه وحسن ظن الاخرين تجده يؤول كل كلمة يسمعها او يقرؤها تاويلا سيئا. وهذه فئة ليست حديثة انما هي قديمة قدم الزمان فلقد حذر الصحابي الجليل ابو هريرة ﵁ هذه الفئة في عهده من هذا المدخل الشيطاني وسدد السهم في الهدف عندما ذكر لهم سبب هذا المرض وهو الغفلة عن عيوب النفس فقال:" يبصر احدكم القذاة في عين اخيه وينسى الجذع او الجذل في عينيه" ... وادركها الامام الحافظ ابن حبان وجعل هذه الصفة تنافي صفات العاقل وجعل تركها من واجباته فقال:" الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال باصلاح عيوب نفسه فان من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره اراح بدنه ولم يتعب فلبه فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من اخيه وان من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه وان من اعجز الناس من عاب الناس بما فيهم واعجز منه من عابهم بما فيه من عاب الناس عابوه" ... وكان للشعراء نصيب كبير في هذه الحملة لاقتلاع هذا الداء من نفوس الدعاة الى الله فقال قائلهم: اذا انت عبت الناس عابوا واكثروا عليك وابدوا منك ما كان يستر وقد قال في بعض الاقاويل قائل له منطق فيه كلام محير اذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم فلا عيب الا دون ما منك يذكر فان عبت قوما بالذي ليس فيهم فذلك عند الله والناس اكبر متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم عيوبا ولكن الذي فيك اكثر فسالهم بالكف عنهم فانهم بعيبك من عينيك اهدى وابصر

стр. 105

ولا يعني هذا ان يركن الداعية الى الله لا ينكر على الفاسقين واصحاب الغفلة منكراتهم انما هناك فرق واضح بين انكار المنكر ودرجاته الثلاثة باليد او باللسان او بالقلب وبين هواية تصيد العيوب التي ذكرناها ... فمتى سعى الداعية الى تنقية نفسه من العجب بالنفس واحتقار اصحاب المعاصي والتشهير بهم وغفلته عن عيوب نفسه وسوء الظن بكلام الاخرين كان هو الداعية الذي اراده الله ويكون عمله كله مباركا موفقا باذن الله اما ان تلكأ في تنقية نفسه من هذه العيوب فليعلم انه من هذه الزمرة. تزيين الشيطان الاصغر: وتزيين الشيء اي تغيير الشيء من صورته الحقيقية الى صورة اخرى باضافة بعض الاشياء الى الصورة الحقيقية فتزيين الشيطان للباطل يتم باضافة الشهوات ليبدو الباطل بصورة جميلة غير صورته الحقيقية وذلك ما ذكره رسول الله ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" فكانه قال: لا يوصل الى الجنة الا رارتكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات ولا الى النار الا بتعاطي الشهوات وهما محجوبتان فمن هتك الحجاب اقتحم " والشهوات هنا هي الزينة التي يستخدمها ابليس ليصطاد بها بني آدم ليهتكوا ذلك الحجاب فيقعون في النار. وتزيين الشيطان الاصغر هو الذي يطبقه على فرد او مجموعة في اماكن وازمنة مختلفة ويزيد هذا التزيين وينقص من فرد لاخر ومن مجموعة لاخرى

стр. 106

واكثر من زين عليه الشيطان سوء عمله من الافراد كما يذكر القران الكريم هو فرعون اذ لم يجرؤ مخلوق قبله ان يقول:" انا ربكم الاعلى" وكذلك السامري الذي صنع لبني اسرائيل من حليهم عجلا له خوار يعبدونه من دون الله. وابو جهل الذي عاش يحارب الاسلام ونبيه حتى اخر قطرة من دمه ... وماركس مؤسس الشيوعية المبدأ القائم على انكار وجود الله الذي ما يزال ينتشر وباؤه في اقطار العالم اجمع ولينين وهتلر وكمال اتاتورك وغيرهم كثير. والعلة في هذا المدخل هي ان الشيطان يري هذه الجماعة او هذا الفرد ان عمله هو الصحيح واعمال الاخرين خاطئة او ان يريه ان رايه هو الصواب وآراء الاخرين غير صائبة مما يجعله يعمل بالذي يراه صحيحا فيقع في الخطأ ... كأن يرى ماركس ان فكرة الدين فكرة خاطئة ذلك لانه يخدر الشعوب ويمنعها من التقدم فينفي وجود الله. " ولقد تدفع الحماسة اصحاب الدعوات بعد الرسل والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها الى استمالة بعض الاشخاص او بعض العناصر بالغضاء في اول الامر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس اصيلا فيها ومجاراتهم في بعض امرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها ولقد تدفعهم كذلك الى اتخاذ وسائل واساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة ولا مع منهج الدعوة المستقيم وذلك حرصا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها واجتهادا في تحقيق " مصلحة الدعوة"

стр. 107

تزيين الشيطان الاكبر: وهو ما يتم لامة كاملة. ومن سنة الله في خلقه ان يفتنهم بالخوف والبلايا والشدائد والامراض والاوجاع والجوع لكي يرجعوا اليه عند رؤيتهم ذلك ويستغفروه على ما كانوا يفعلون ولكن نادرا ما يتعظ الخلق بذلك والسبب قوة القلب " فهي كالحجارة او اشد قسوة" ويزين الشيطان اعمالهم فيروها حسنة ولقد ارسلنا الى امم من قبلك فاخذناهم بالباساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا اذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون " تالله لقد ارسلنا الى امم من قبلكم وزين الشيطان اعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب اليم" ... امم كاملة تصد عن الحق وتجري لقطف تلك الزهور الجميلة المتفتحة العطرة ولا تدري بان تحت الزهور اشواكا امم كاملة لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر - امم كاملة زين لهم الشيطان حب انفسهم والاعتزاز لجنسهم واحتقار الاجناس الاخرى. وما النتيجة من هذا التزيين وغيره؟ امراض نفسية معقدة لم ير الانسان مثلها من قبل: ضياع كامل وقلق وحيرة والهرج الذي حدث عند رسول الله ﷺ يزداد يوما بعد يوم حروب متواصلة بين امم تجمعهم شريعة الله ولغة القرآن والعادات والتاريخ وفقر ملصق بالتراب وغيرها كثير مما لا يحصى عدده. وعدو الله يدفعهم دائما لتبرير ما يحدث وتعليل هذه المسائل لأسباب سياسية او اقتصادية او علمية او غيرها

стр. 108

انه دائما يلبس قلوبهم اقنعة سوداء لتحجبها عن الرؤية فتحليلاتهم دائما تكون نتيجة رؤية اعينهم وليست رؤية قلوبهم لانها ما زالت مقنعة ... هذه الامم التي زين لها الشيطان لا تحب ان يماط اللثام عن وجه الحقيقة والواقع الذي هم فيه فهي تعتقد ان هذا هو الصواب وغيره باطل فلا تريد احدا ان يكشف خطأ ذلك الاعتقاد. واحد الدلائل على ذلك عندما سافر سيد قطب الى امريكا وراى الضياع والحيرة والقلق المنتشر بين الشعب الامريكي كتب كتابا كشف فيه عن الواقع الذي يعيشه الشعب الامريكي سماه " امريكا التي رايت" وكان قد اختفى ذلك الكتاب ولم يطبع بعد ذلك وما زالت الاشارات الحمراء تضيء للبشرية محذرة مما هم مقدمون عليه " لعلهم يتضرعون" ولكم أبوا الا قسوة القلوب واتباع ذلك التزيين ... الوسوسة (وسوس) في اللغة تعطي معنى التكرار كما هو الحال في (كبكب) اي الاستمرار بالكب وهكذا ... وعدو الله منذ ان اعلن اعلانه الاول امام الله باعتزامه اضلال هذه البشرية لم يلق سلاحه ولم يمل طول الحرب مما يدل على ان الباطل لم يقف ابدا وهو سريع كسرعة النار اذا اضرمت بالهشيم. اما اذا صمت اصحاب الحق واستكانوا كانت سرعة الباطل اكثر واذا ذكروا الله واعدوا العدة لمواجهة عدوهم فان الحق ينهمر كالشلال من قمم الجبال على نار الباطل فيطفئها باذن الله ولا يتم ذلك الا بذكر الله في كل وقت وعلى كل حال كما يقول

стр. 109

رسول الله ﷺ " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فاذا ذكر الله تعالى خنس واذا غفل وسوس" وبما ان ابليس مستمر بالوسوسة ونشر الضلال بين بني آدم فعلى أصحاب الحق ان يستمروا بنشر الحق ولا يستكينوا ولا يفتروا " وفي أثر عن بعض السلف ان المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره بالسفر لانه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه بالاستغفار والطاعة فشيطانه معه في عذاب شديد ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا" وهذا الذل الذي تعيشه الدول الاسلامية وخاصة العربية منها وهذه الاراضي المغتصبة في كل مكان كله بسبب نسيان ذكر الله واستعانتهم بتشريعات العبيد الوضعية فلم يزدادوا الا ذلا فوق ذل وهوانا فوق هوان ولقد ازدادوا عددا ولكنهم كما قال رسول الله ﷺ : " غثاء كغثاء السيل" ولن يغير الله ما هم عليه من الذل والهوان في اعين الناس حتى يذكروا الله فيغيروا انفسهم ذلك لان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" والذكر لا يتم باللسان فقط انما يتممه الذكر بالقلب فهاتان الصورتان من الذكر هما المحرك الذي يدفع اصحاب الحق للعمل في سبيل الله والحركة في سبيله ونسيانهم لها تدفعهم الى السكون فمسيرة الباطل لا توقفها ادعية المصلين ودموعهم ولا صيام النوافل ولا يحبط عزائمهم قراءة المجلدات ومناظرة الفقهاء فحسب. ولكن الذي يزلزلهم ويرعبهم ويحبط عزائمهم هو العمل الدائم المستمر في سبيل الله او قل الجهاد لتغيير هذا الواقع الجاهلي الى الواقع الذي امر الله به ان يكون وذلك مصداقا لقول الله تعالى للمؤمنين بارشادهم على التجارة

стр. 110

التي تنجيهم من عذاب اليم. " يأيها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون" فهي المعارك المستمرة لمقاتلة الشيطان وحزبه - هذا ما علمه رسول الله ﷺ للرعيل الاول ولقد اطلق براقه الاول مصعب بن عمير ليتحرك امام تحرك الباطل فيحصد ما زرعه الباطل ليغرس مكانه بذور الحق وجاء من بعده الصحابة رضوان الله عليهم يطبقون ما علمهم الرسول ﷺ " ومما يروي لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي ان رجالا خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبا يتعبدون فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ فاتاهم ففرحوا بمجيئه اليهم فقال لهم ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا احببنا ان نخرج من غمار الناس نتعبد فقال عبد الله لو ان الناس فعلوا ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما انا ببارح حتى ترجعوا" وجاء من بعده امير الحديث عبد الله بن المبارك ليرسل الى اشهر العباد والزهاد في تاريخ الاسلام الفضيل ابياتا يصفه فيها" بأنه عابد لاعب بعبادته" ويبعث له من طرطوس بعد معركة من معاركه قبل ان ينفض غبار المعركة عنه قائلا له فيها. يا عابد الحرمين لو ابصرتنا ... لعلمت انك بالعبادة تلعب من كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تنخضب او كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الكريهة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الاطيب ولقد اتانا عن مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
следующие страницы →