← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 35155

الصارم البتار للإجهاز على من خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (191 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:- فقد اطلعت على ما كتبه صاحب الفضيلة أخونا العلامة حمود بن عبد الله التويجري، في الرد على ما كتبه إبراهيم بن عبد الله بن ناصر في حِلِّ معاملات البنوك الربوية، وحصر الربا في مسألة واحدة من ربا الجاهلية، فألفيته ردا قيِّما قد أوضح فيه كاتبه الحق وكشف فيه الشبهات التي أوردها إبراهيم المذكور بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة والآثار الواردة في ذلك عن الصحابة ﵃ وغيرهم، وقد سمَّى ردَّه المذكور (الصارم البتار للإجهاز على من خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار) وهو اسم مطابق للمسمى، قد تتبع فيه مؤلفه شبهات الكاتب المذكور وأغلاطه فكشفها وأبان عوارها وقضى عليها بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وبما نقله غير واحد من الأئمة من الإجماع على تحري الربا بنوعيه (ربا الفضل وربا النسيئة) وما يلتحق بذلك من ربا القرض وسائر أنواع المعاملات الربوية التي يتعاطاها أصحاب البنوك وغيرهم، ونقل في ذلك من الآثار الصريحة في تحريم أنواع الربا عن الصحابة ﵃ وغيرهم من سلف الأمة ما فيه كفاية ومقنع لطالب الحق، فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته، وجعلنا وإياه وسائر إخواننا من دعاة الهدى وأنصار الحق. ولقد سمعت كتابه من أوله إلى آخره كما سمعت شبهات الكاتب إبراهيم المذكور من أول كتابه إلى آخره فاتضح لي يقينًا صحة ما كتبه أخونا العلامة الشيخ حمود في رده على إبراهيم المذكور

стр. 2

وأنه هو عين الحق وأن الواجب عل المسلمين جميعًا أن يتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبما أجمع عليه سلف الأمة من تحريم الربا بأنواعه وألا يغتروا بما كتبه إبراهيم المذكور وأمثاله ممن قل علمهم بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، والتبست عليهم الأمور وظنوا أنهم على علم فأملوا ما يخالف الحق ويشكك بعض المسلمين في بعض ما جاء به نبيهم ﷺ ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وإن ظنوا أنهم مهتدون صادقون، وقد سبق أن رددت عليه ردا موجزًا نشر في وقته. ونسأل الله أن يكفي المسلمين شر كل ذي شر، وأن يجزي أخانا الشيخ حمود وغيره من أهل العلم الذين ردوا على الكاتب المذكور وأوضحوا أباطيله وأخطاءه جزاء حسنا، وأن يرد الكاتب إبراهيم إلى الصواب، وأن يعيذه من شر نفسه وهواه ومن شر دعاة الباطل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي حرم الربا على عباده وتوعد عليه بالوعيد الشديد، فقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي حذر من الربا غاية التحذير، ولعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه وقال: «هم سواء» أرسله الله بالهدى ودين الحق، وجعل العزة والنصر له وللمؤمنين المتمسكين بسنته، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وأرتكب نهيه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرًا. أما بعد: فهذا كتاب وجيز في أحكام الربا والمرابين، وذكر ما جاء من الوعيد الشديد للمرابين، كتبته ردًا على الفتَّان الذي استزله الشيطان وأغواه، وزين له عمله السيئ في تحليل الربا في المعاملات مع أهل البنوك والمصارف، وفيه أيضا رد على من شايع الفتان من أعوان الشيطان والمتبعين لخطواته، وقد قال الله -تعالى- فيمن كان بهذه المثابة: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. فصل وقد سمى الفتان كتابته في تحليل الربا (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف) وهذا من قلب الحقيقة والافتراء على الشريعة الإسلامية؛ لأنها قد جاءت بتحريم المعاملات الربوية، ولم تأت بحلِّها، ومن زعم أن الشريعة الإسلامية تبيح المعاملات

стр. 4

الربوية في البنوك والمصارف فقد جنى على الشريعة الإسلامية وألصق بها ما ليس منها، والأولى بهذه الكتابة المؤسسة على معصية الله -تعالى- ومعصية رسوله ﷺ أن تسمى (موقف المحاربين لله والرسول من الربا في المصارف)، فهذه التسمية الذميمة مطابقة لها غاية المطابقة. وقد اعتمد الفتان في كتابته على نظريات لبعض الباحثين في القرن الرابع عشر من الهجرة، وهم الذين وصفهم الشيخ أحمد محمد شاكر بأنهم يلعبون بالقرآن، ووصفهم محمود شلتوت بأنهم مولعون بتصحيح التصرفات الحديثة وتخريجها على أساس فقهي إسلامي ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير، وسيأتي كلام هذين في ذمهم مع الكلام على رد المقدمة الثالثة من مقدمات الفتان إن شاء الله تعالى. فصل وقد اشتملت كتابة الفتان في تحليل الربا على عشرة أمور من كبائر الإثم: أحدها: الافتراء على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ ، وذلك بالقول على الله وعلى رسوله بغير علم، وهذا الأمر واضح من زعم الكاتب أن المعاملات الربوية في المصارف حلال وأن القول بحلها هو موقف الشريعة الإسلامية من المصارف، وهذه جناية عظيمة على الشريعة الإسلامية، والشريعة منزهة عن هذا الإفك المبين، ومن نسب إلى الشريعة الإسلامية أنها تبيح الربا في المصارف فإنما هو في الحقيقة ينسب ذلك إلى الله -تعالى- وإلى رسوله ﷺ ؛ لأن الله تعالى هو الذي شرع الشريعة الإسلامية وبين أحكامها وحدودها في كتابه وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، فالحلال ما أحله الله ورسوله ﷺ ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ﷺ . ومن قال بخلاف هذا فهو من المفترين على الله وعلى رسوله ﷺ ، وقد ورد الوعيد الشديد للمفترين على الله-تعالى- في آيات كثيرة من القرآن، منها قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "بيَّن أنهم كذبوا، إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل". انتهى. ومنها قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكلام على هذه الآية في كتابه (أعلام الموقعين): "تقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه وقولهم لما لم يحرمه "هذا حرام"ولما لم يحله "هذا حلال"، وهذا

стр. 5

بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله أحله وحرمه، قال بعض السلف: "ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا وحرم كذا فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا" فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله وحرمه لمجرد التقليد أو بالتأويل". انتهى. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي أو حلل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه". انتهى. وقال -تعالى- في تحريم القول عليه بغير علم: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (أعلام الموقعين): "قد حرم الله القول عليه بغير علم في الفُتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها ... ثم ذكر الآية من سورة الأعراف وقال في الكلام عليها: فرتب المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به -سبحانه-، ثم ربَّع بما هو أشد من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه -سبحانه- بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه". انتهى. وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: «من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». الأمر الثاني: مما اشتملت عليه كتابة الفتان محادة الله ورسوله ﷺ ومبارزتهما بالمعصية، وذلك بتحليل ما جاءت النصوص من القرآن والسنة بتحريمه والوعيد الشديد عليه، والمحادة هي المشاقة والمخالفة لأمر الله -تعالى- وأمر رسوله ﷺ ، وارتكاب ما جاء النهي عنه في الكتاب والسنة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾.

стр. 6

الأمر الثالث: محاربة الله ورسوله ﷺ ؛ لأن الله -تعالى- قد آذن الذين لم يتركوا الربا بالحرب منه ومن رسوله ﷺ ، والمحاربة تستلزم العداوة، فكل محارب لله ورسوله فهو عدو لهما ولا بد، ومن كان داعيا إلى استحلال الربا فهو أعظم جرما وأشد محاربة لله ورسوله ممن يتعامل بالربا من غير أن يكون داعيا إلى استحلاله. الأمر الرابع: اتباع غير سبيل المؤمنين وذلك بمخالفة الإجماع على تحريم الربا وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *﴾ الأمر الخامس: اتباع الهوى وتقديمه على نصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم»، وروى البزار والبيهقي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات» فذكر الحديث وفيه: «وأما المهلكات فشُحٌّ مطاع وهوى مُتَّبع وإعجاب المرء بنفسه»، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»، قال النووي في كتاب (الأربعين) له: "حديث صحيح رُويناه في كتاب الحج بإسناد صحيح"، قال الحافظ ابن رجب في كتابه (جامع العلوم والحكم): "يريد بصاحب كتاب (الحجة) الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي ... قال: وقد خرج هذا الحديث الحافظ أو نعيم في كتابه (الأربعين)، وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه وخرجته الأئمة في مسانيدهم، ثم خرجه عن الطبراني". انتهى، قال النووي في الكلام على هذا الحديث: "يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ ، وهذا نظير قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فليس لأحد مع الله ورسوله ﷺ أمر ولا هوى". انتهى. الأمر السادس: الدعاء إلى الضلالة، وذلك بما لفَّقه من الشبه والتمويه على الجهال ودعائهم إلى التعامل بالربا في المصارف وإظهار الباطل في صورة الحق، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح

стр. 7

أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وابن حبان في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، قال النووي في (شرح مسلم): "سواء كان ذلك الهدي والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه". انتهى. الأمر السابع: القول في القرآن بغير علم، وذلك بالتعسف في تطبيق الآيات على ما رآه بعقله الفاسد من تحليل الربا في المعاملات مع أهل البنوك والمصارف، وما أشد الخطر في هذا، وقد ورد الوعيد الشديد عليه فيما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار»، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي رواية للترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»، قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وفي رواية لابن جرير: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار». قال البغوي: "قال شيخنا (١) الإمام: قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم". انتهى. الأمر الثامن: عدم المبالاة بالوعيد الشديد على أخذ الربا وإعطائه، وهذا يدل على أنه مصاب في دينه وعقله، وإنه ليخشى عليه أن يكون له نصيب وافر من قول الله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 8

الأمر التاسع: التماس رضى أهل البنوك والمتعاملين معهم بالربا وتقديم رضاهم على رضى الله وعدم المبالاة بما يسخط الله، وهذا من ضعف اليقين كما جاء في الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله»، ومن آثر رضى الناس على رضى الله عامله الله بنقيض قصده، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من التمس رضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس»، وفي رواية له عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله، ومن أسخط الله برضى الناس وكله الله إلى الناس»، وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أسخط الله في رضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه، ومن أرضى الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينه»، قال المنذري: "إسناده جيد قوي"، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذاما» رواه البزار والبيهقي ولفظه: «من أراد سخط الله ورضا الناس عاد حامده من الناس ذاما». الأمر العاشر: التشبه باليهود الذين يستحلون محارم الله بالحيل، ووجه المشابهة بين اليهود وبين الفتان أن اليهود لما حرم الله عليهم صيد الحيتان في يوم السبت احتالوا على صيدها فيه فوضعوا لها الحبائل والبرك العميقة قبل يوم السبت لتقع فيها يوم السبت ويأخذوها يوم الأحد، فعاقبهم الله -تعالى- على هذه الحيلة ومسخهم قِرَدَة. وقد ذكر الله -تعالى- قصتهم في سورتي البقرة والأعراف؛ ليعتبر المسلمون بما حل بهم ويحذروا من الوقوع في مثل ما وقع فيه اليهود من استحلال المحرمات بالحيل فيصيبهم مثل ما أصابهم من العقوبة، فما هي من الظالمين ببعيد، وأما الفتان فإنه قد استحل المعاملات الربوية في البنوك والمصارف ودعا الناس إلى استحلالها بما لفقه من الشبه والمغالطات وتأويل القرآن على غير تأويله وحمل كلام العلماء على غير محامله وغير ذلك من أنواع الحيل التي قد جعلها مستندا له في استحلال المعاملات الربوية في البنوك والمصارف، وهذا من الاغترار بالله والاستخفاف بما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من تحريم الربا والوعيد الشديد عليه، والاستخفاف أيضا بإجماع المسلمين على

стр. 9

تحريم الربا، وقد روى ابن بطة بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»، وفي ارتكاب الفتان لما ارتكب اليهود من استحلال محارم الله بالحيل دليل على أنه قد أمن مكر الله وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، فلا يأمن الفتان والمساعدون له على استحلال الربا أن يصيبهم مثل ما أصاب المعتدين في السبت، فقد قال الله -تعالى-: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، قال الزجَّاج في قوله -تعالى-: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: "لأمة محمد ﷺ أن ينتهكوا من حرم الله ما نهاهم عنه فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ انتهكوا حُرَم الله في سبتهم". فصل وفي نشر لفتان لكتابته في استحلال الربا وعدم مبالاته بما يترتب على ذلك من محاربة الله ورسوله ومخالفة القرآن والسنة وإجماع المسلمين وغير ذلك من الكبائر العشر التي تقدم ذكرها دليل على أنه لا حياء عنده، ومن لا حياء عند فلا خير فيه، وقد روى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، ومعناه على أحد الأقوال: أن من لا يمنعه الحياء فإنه يقول ويفعل ما يشاء ولا يبالي بما يترتب على ذلك من الذم له والتجريح لعدالته. فصل وقد قام بعض الجهال الأغبياء بطبع ما كتبه الفتان في استحلال الربا وتوزيعه على الناس، وهؤلاء شركاء للفتان في جميع ما اشتملت عليه كتابته من الكبائر؛ لأن الراضي بالذنب كفاعله، وهؤلاء قد جمعوا بين الرضا بما كتبه الفتان في استحلال الربا وزادوا على الرضا بالإعانة على طبعه ونشره، فهم أعظم جرما ممن رضي به ولم يعن على طبعه ونشره، وقد روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر فهو ينزع منها بذَنَبِهِ»، وقد رواه أبو داود بنحوه مرفوعا وموقوفًا، قال

стр. 10

الخطابي: "معناه أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على خلاصه". انتهى، وقد ترجم ابن حبان على هذا الحديث بقوله: "ذكر الزجر عن أن يعين المرء أحدا على ما ليس لله فيه رضى"، وروي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان ظالما ليدحض بباطله حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله»، رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية، فليتدبر الذين أيَّدوا أباطيل الفتان بالكتابة والذين أعانوه بالطبع والنشر ما جاء في هذين الحديثين وليعلموا أنهم قد وقعوا في أمر خطير وهو محاربة الله ورسوله والبراءة من ذمة الله وذمة رسوله. فصل وقد روي البخاري ومسلم واللفظ له عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: «نعم»، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر»، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: «نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» ... " وذكر تمام الحديث، وفيه عَلَم من أعلام النبوة؛ لأنه قد وقع ما أخبر به رسول الله ﷺ عن القوم الذين يستنون بغير سنته ويهدون بغير هديه، وهم كثيرون في زماننا وقبله بزمن طويل، وكذلك الدعاة على أبواب جهنم هم أيضا كثيرون في زماننا وقبله بزمن طويل، ومن رزقه الله البصيرة النافذة فإنه يعرفهم من خلال كتاباتهم ومقالاتهم الباطلة التي تنشر في الصحف والكتب التي لا خير فيها، ومنهم الفتان الذي قد لعب الشيطان بعقله وزين له عمله السيئ في تحليل الربا في المعاملات مع أهل البنوك والمصارف فصار بهذا العمل السيئ من الدعاء على أبواب جهنم، فمن أجابه إلى ما دعا إليه من استحلال الربا ومحاربة الله ورسوله قذفه في جهنم، وقد قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾.

стр. 11

فصل وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره»، قال الحاكم: "صحيح إن صح سماع الحسن من أبي هريرة"، قال الذهبي: "سماع الحسن من أبي هريرة بهذا صحيح". انتهى. وهذا الحديث مطابق لحال أهل البنوك ومن يعاملهم بالمعاملات الربوية، وفيه عَلَم من أعلام النبوة؛ لأنه قد وقع ما أخبر به رسول الله ﷺ من فشو الربا وكثرة من يأكله. وروى الإمام أحمد والبخاري والدارمي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام». وهذا الحديث أعم من الحديث الذي قبله فيدخل فيه أهل البنوك ومن يعاملهم بالمعاملات الربوية، ويدخل فيه غيرهم من الذين ليس فيهم تقوى ولا ورع يحجزهم عن أكل المال بالباطل وأخذه من أي طريق حصل لهم. وروى الطبراني في الأوسط عن أبن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا والزنا والخمر»، قال المنذري والهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". وفي هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة؛ لأنه قد وقع ما أخبر به رسول الله ﷺ من ظهور الربا ولا سيما في البنوك التي قد كثرت في البلاد الإسلامية وفي جميع أنحاء العالم، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر الأحاديث التي قد جاء فيها أن ظهور الربا والزنا سبب لحلول العقوبة. ولا يخفى على من له علم وفهم ما في كتابة الفتان من الحث على أكل الربا وأخذ المال من غير حِلِّه والإعانة على ظهور الربا بين المسلمين، وبهذا العلم الشيطاني يكون الفتان من المعتدين الداخلين في عموم قوم الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾، ومن الداخلين أيضا فيما أخبر به رسول الله

стр. 12

- ﷺ عما سيكون في آخر هذه الأمة حيث قال: «وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» رواه مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵄، والله المسؤول أن يقيض للفتان وأشباهه من المضلين بأهوائهم من يأخذ على أيديهم ويأطرهم على الحق أطرًا، وما ذلك على الله بعزيز. فصل وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم الربا، وأجمع المسلمون على تحريمه، وعلى أنه من الكبائر، قال النووي في (شرح المهذب): "وقيل إنه كان محرما في جميع الشرائع، وممن حكاه الماوردي". انتهى. قلت: ويدل على تحريمه في شريعتي التوراة والإنجيل قول الله -تعالى- مخبرًا عن اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وقوله -تعالى- مخبرًا عن الإنجيل: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، وأخبر أيضا عن عيسى في عدة آيات أنه مصدق لما بين يديه من التوراة، فهذا يدل على أن الربا كان محرما في شرع من قبلنا، ولم يأت في القرآن ولا في السنة ولا في إجماع المسلمين ما يدل على التفريق بين المعاملات الربوية في البنوك وغير البنوك، فالتفريق إذا من التحكم المردود على قائله كائنا من كان. فأما الأدلة من القرآن على تحريم المعاملات الربوية على وجه العموم ففي خمس آيات، منها أربع في سورة البقرة، وهي قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، الآية الخامسة قول الله -تعالى- في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقد تضمنت هذه الآيات فوائد كثيرة وأمورًا مهمة تتعلق بالربا والمرابين.

стр. 13

الأولى: تعظيم أكل الربا والوعيد عليه في الدنيا والآخرة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. الثانية: أن المراد بأكل الربا أخذه والانتفاع به على أي وجه كان، وبهذا قال كثير من المفسرين، قال ابن جرير: "فإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الربا في تجارته ولم يأكله أيستحق هذا الوعيد من الله؟ قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكل، إلا أن الذين نزلت فيهم هذه الآيات يوم نزلت كانت طعمتهم ومأكلهم من الربا فذكرهم بصفتهم معظما بذلك عليهم أمر الربا ومقبحا إليهم الحال التي كانوا عليها في مطاعمهم ... ثم ذكر أن التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الربا وأنه سواء العمل به وأكله وأخذه وإعطاؤه". انتهى، وقال الماوردي في تفسيره: "قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ أي الذين يعاملون به، وإنما خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال". انتهى، وبنحو هذا قال ابن الجوزي في تفسيره، وقال ابن عطية في تفسيره: "معنى الآية يكسبون الربا ويفعلونه، وقصد إلى لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنها دالة على الجشع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك داخل كله في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ ". انتهى، وقال ابن جزي في تفسير: " ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي ينتفعون به، وعبر عن ذلك بالأكل لأنه أغلب المنافع، وسواء من أعطاه أو من أخذه". انتهى. الثالثة: أن المراد بالربا الزيادة على رأس المال؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، ومعنى الربا في اللغة الزيادة في الشيء، قال الجوهري: "ربا الشيء يربو ربوا أي زاد"، وكذا قال غيره من أهل اللغة، وقال الفيومي في (المصباح المنير): "الربا الفضل والزيادة"، وقد ذكر المفسرون في معنى الربا نحو ما ذكره أهل اللغة، قال ابن جرير: "الإرباء الزيادة على الشيء، يقال منه أربي فلان على فلان إذا زاد عليه، والزيادة هي الربا، وإنما قيل للمربي مربٍ لتضعيفه المال الذي كان له على غريمه حالا أو لزيادته عليه فيه لسبب الأجل الذي يؤخره إليه". انتهى، وقال الماوردي: "الربا هو الزيادة على مقدار الدين لمكان الأجل"، وقال

стр. 14

النسفي: "الربا هو فضل مال خال عن العوض في معارضة مال بمال"، وقال ابن عطية: "الربا هو الزيادة وهو مأخوذ من ربا يربو إذا نما وزاد على ما كان .... قال: ومن الربا البين التفاضل في النوع الواحد؛ لأنها زيادة، وكذلك أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين المال وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه".انتهى. وذكر ابن منظور في (لسان العرب) عن أبي إسحاق - يعني الزجاج - أنه قال: "الربا الحرام كل قرض يؤخذ به أكثر منه أو تجر به منفعة". انتهى، وقال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن): "الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد إذا كان متفاضلا من جنس واحد، هذا كان المتعارف المشهور بينهم". انتهى. ومن تأمل ما ذكره المفسرون وأهل اللغة في معنى الربا رآه مطابقًا للمعاملات الربوية في البنوك، ولا سيما قول أبي إسحاق الزجاج وأبي بكر الجصاص، ومن توقف في هذا فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جاهلا لا علم له بالأحكام، وإما أن يكون معاندًا قد أعماه اتباع الهوى وأصمه فهو يخبط خبط عشواء فيما رضي به أهل البنوك ومن يتعامل معهم بالمعاملات الربوية ولا يبالي بما يترتب على ذلك من سخط الله ومحاربته ومحاربة رسوله واتباع غير سبيل المؤمنين. الرابعة: تعذيب المرابين، حين يبعثون من قبورهم بالجنون أو بما يشبه الجنون، قال ابن عباس ﵄: «آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق» رواه ابن أبي حاتم، وذكره ابن كثير في تفسيره، ثم قال: "وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك"، وقال ابن عطية في تفسير: "قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد: معنى قوله (ولا يقومون) من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه، وقالوا كلهم: يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جمع المحشر". انتهى، وقال ابن جزي في تفسيره: "أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون". انتهى، قال الماوردي: "فيكون ذلك في القيامة علامة لآكل الربا في الدنيا". انتهى، وقال النسفي: "المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف، وقيل: الذين

стр. 15

يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين؛ لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض" انتهى. وللمرابين أيضا أنواع من العذاب في البرزخ قبل يوم القيامة. فمن هذه الأنواع تعذيبهم بالسباحة في النهر الذي هو أحمر مثل الدم أو هو من الدم وإلقامهم الحجارة إذا أرادوا أن يخرجوا من ذلك النهر ليرجعوا فيه. وقد جاء ذلك في حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في آخِر (كتاب التعبير) من صحيحه عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ في حديث المنام الطويل، فقد جاء فيه أن رسول الله ﷺ قال: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق وإني انطلقت معهما» فذكر الحديث، وفيه: «قال: فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا» الحديث، وفيه: «وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا» وفي رواية لأحمد أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض فضاء أو أرض مستوية» فذكر الحديث بطوله، وفيه: «فانطلقت فإذا نهر من دم فيه رجل وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فيقبل الرجل الذي في النهر فإذا دنا ليخرج رمي في فيه حجرًا فرجع إلى مكانه فهو يفعل ذلك به» الحديث، وفيه: «وأما الذي رأيت في النهر فذاك آكل الربا» وفيه أيضا أن الرجلين أخبرا رسول الله ﷺ أنهما جبريل وميكائيل، وقد رواه البخاري في (باب آكل لربا وشاهده وكاتبه) مختصرا بنحوه. وإذا علم ما جاء في الحديث الصحيح من تعذيب آكل الربا في البرزخ فليعلم أيضا أن رؤيا الأنبياء في المنام وحي، والدليل على ذلك قول الله -تعالى- مخبرا عن خليله إبراهيم أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ الآيات، وروى أبن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا الأنبياء في المنام وحي»، وروى ابن جرير في تفسيره وابن أبي عاصم في (كتاب السنة) عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت رؤيا الأنبياء وحي ا»، وروى البخاري في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: «إن رؤيا الأنبياء وحي» ثم قرأ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، وروى الإمام أحمد في مسنده وابن أبي

стр. 16

عاصم في كتاب (السنة) بأسانيد صحيحة عن معاذ بن جبل ﵁ موقوفا: «أن رسول الله ﷺ كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق» وفي رواية لأحمد قال: «رؤيا النبي ﷺ حق». النوع الثاني من أنواع تعذيب المرابين في البرزخ: ما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا». النوع الثالث من أنواع تعذيب المرابين في البرزخ: ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في حديث الإسراء قال: «ثم نظرت فإذا أنا بقوم لهم بطون كأنها البيوت وهم على سابلة آل فرعون فإذا مرَّ بهم آل فرعون ثاروا فيميل بأحدهم بطنه فيقع فيتوطؤهم آل فرعون بأرجلهم وهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا ربا في بطونهم فمثلهم كمثل الذي يتخبطه الشيطان من المس» وفي رواية البيهقي: «فإذا أنا بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خرَّ يقول: اللهم لا تقم الساعة» وفي روايته أيضا: «قال فسمعتهم يضجون إلى الله سبحانه»، وللمرابين أيضا عذاب جهنم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة: الإنكار على من سوَّى بين البيع والربا والرد عليهم. قال ابن جرير في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: "يعني بذلك جل ثناؤه ذلك الذي وصفهم به من قيامهم يوم القيامة من قبورهم كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس من الجنون، فقال تعالى ذكره: هذا الذي ذكرنا أنه يصيبهم يوم القيامة من قبح حالهم ووحشة قيامهم من قبورهم وسوء حل بهم من أجل أنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون إنما البيع الذي أحله الله لعباده مثل الربا، وذلك أن الذين كانوا يأكلون الربا من أهل الجاهلية كان إذا حل مال أحدهم على غريمه يقول الغريم لغريم الحق زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فكان يقال لهما إذا فعل ذلك هذا ربا لا يحل، فإذا قيل لهما ذلك قالا سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل المال فكذبهم الله في قيلهم فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ".انتهى.

стр. 17

وقال أبو حيان في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: "في ذلك رد عليهم إذ ساووا بينهما، والحكم في الأشياء إنما هو إلى الله -تعالى-، لا يعارض في حكمه ولا يخالف في أمره، وفي هذه الآية دلالة على أن القياس في مقابلة النص لا يصح، إذ جعل -تعالى- الدليل في إبطال قولهم هو أن الله أحل البيع وحرم الربا، وقال بعض العلماء قياسهم فاسد؛ لأن البيع عوض ومعوض لا غبن فيه، والربا فيه التغابن وأكل المال بالباطل؛ لأن الزيادة لا مقابل لها من جنسها بخلاف البيع فإن الثمن مقابل بالمثمن". انتهى. السادسة: النص على تحريم الربا ، وفي النص على تحريمه أبلغ رد على الفتان وعلى أمثاله من الذين يزعمون حل المعاملات الربوية في البنوك. السابعة: العفو عما سلف من أخذ الربا قبل نزول الآية بتحريمه، قال ابن كثير في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: "أي من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع، إليه ما سلف من المعاملة، ثم ذكر عن سعيد بن جبير والسدي أنهما قالا (فله ما سلف) ما كان أكل من الربا قبل التحريم". انتهى، وقال أبو حيان في تفسيره الظاهر: "أن الآية في الكفار لقوله ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾؛ لأن المؤمن العاصي بالربا ليس له ما سلف، بل ينقض ويرد فعله وإن كان جاهلاً بالتحريم، لكنه يأخذ بطرف من وعيد هذه الآية". انتهى. الثامنة: الوعيد بالنار لمن عاد إلى استحلال الربا بعد تحريمه، قال ابن عطية في تفسيره: "قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ يعني إلى فعل الربا والقول إنما البيع مثل الربا، وإن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي، وإن لحظناها في مسلم عاصٍ فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة كما تقول العرب: (ملك خالد) عبارة عن دوامٍ مَّا، لا على التأبيد الحقيقي". انتهى، وقال القرطبي في الكلام على قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾: "يعني إلى فعل الربا حتى يموت قاله سفيان، وقال غيره: من عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر ... " ثم ذكر كلام ابن عطية، وقال النسفي في تفسيره: " ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى استحلال الربا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين؛ لأن من أحل ما حرم الله فهو كافر؛ فلذا استحق الخلود، وبهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساد". انتهى، وقال ابن جزي في تفسيره: " ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ الآية؛ يعني من عاد إلى فعل الربا وإلى القول ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ولذلك حكم عليه بالخلود في النار؛ لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر فلا حجة فيها لمن

стр. 18

قال بتخليد العصاة لكونها في الكفار". انتهى، وقال أبو حيان في الكلام على الآية: "قيل هو إخبار ووعيد عن الذين يأكلون الربا مستحلين ذلك بدليل قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، وقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ومن اختار حرب الله ورسوله فهو كافر". انتهى. وقد استدل الزمخشري بهذه الآية على تخليد الفساق في النار، وتعقبه ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير فقال: "إن الذي وقع العَود عليه مسكوت عنه في الآية، فيحمل على ما تقدم، كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ والذين سلف ذكره فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع، ولا شك عندنا أهل السنة والجماعة أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات بما يتوهمه من الخيالات فقد كفر ثم ازداد كفرًا، وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقول (١) إنه كافر مكذب غير مؤمن، وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل للزمخشري إذا على اعتزاله في هذه الآية، والله الموفق". انتهى. فليتأمل الفتان والمشايعون له على استحلال الربا بالشبه والأباطيل ما قاله المفسرون فيمن عاد إلى استحلال الربا وسوى وبين البيع وأنه بذلك يصير كافرا مستحقا للخلود في النار إلا أن يتوب إلى الله -تعالى- وينزع عن تعاطي الربا واستحلاله. التاسعة: أن الله -تعالى- يمحق الربا، قال البغوي في تفسيره: "أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته، وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾؛ يعني لا يقبل منه صدقة ولا جهادًا ولا حجًا ولا صلة". انتهى، وقال ابن كثير في تفسيره: يخبر -تعالى- أنه يمحق الربا أي يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁ أن النبي

стр. 19

- ﷺ قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل» هذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجة: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة» قال في الزوائد: "إسناده صحيح ورجاله موثقون"، وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية أحمد وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه. العاشرة: أن الله تعالى يربي الصدقات، قال ابن جرير: "يعني أنه يضاعف أجرها لربها وينميها له"، وقال البغوي: "أي يثمرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف بها الأجر والثواب في العقبى"، وقال ابن عطية في الكلام على قوله -تعالى-: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾: "قد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة". انتهى. الحادية عشرة: أن الله تعالى لا يحب كل كفار أثيم، قال ابن جرير: "يعني لا يحب كل مُصِرٍّ على كفر بربه مقيم عليه مستحل كل الربا وإطعامه، ﴿أَثِيمٍ﴾ متمادٍ في الإثم فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا ينزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه ولا يتعظ". انتهى، وقال النسفي في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾: "عظيم الكفر باستحلال الربا، ﴿أَثِيمٍ﴾ متماد في الإثم بأكله". انتهى. الثانية عشرة: أن الله تعالى أمر المؤمنين بتقواه وترك الربا، وجعل ذلك من لوازم الإيمان وحكمه، قال الماوردي في تفسيره: "قوله : ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ محمول على أن من أربى قبل إسلامه وقبض بعضه في كفره وأسلم وقد بقي بعضه فما قبضه قبل إسلامه معفو عنه لا يجب عليه رده، وما بقي منه بعد إسلامه حرام عليه لا يجوز له أخذه، فأما المراباة بعد الإسلام فيجب رده فيما قبض وبقي، فيرد ما قبض ويسقط ما بقي بخلاف المقبوض في الكفر؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قولان: أحدهما: يعني أن من كان مؤمنا فهذا حكمه، والثاني: معناه إذا كنتم مؤمنين". انتهى. الثالثة عشرة: أن الآية الكريمة دلت على أن ترك الربا من صفات المؤمنين وأن استحلاله من صفات غير المؤمنين. الرابعة عشرة: إيذان من لم يترك الربا بحرب من الله ورسوله، وما أعظم الخطر في هذا الوعيد الشديد، قال ابن كثير في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا

стр. 20

فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: "هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار". انتهى، ومعنى قوله: ﴿فَأْذَنُوا﴾ أي استيقنوا وكونوا على علم، قال ابن عباس ﵄: "قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله" رواه ابن جرير، وعنه أيضا قال: «يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب» رواه ابن جرير، وقال البغوي: قال أهل المعاني: "حرب الله النار وحرب رسول الله السيف". وروى ابن جرير من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: "فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه"، قال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن): "هذا محمول على أن يفعله مستحلا له؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه". انتهى، وروى ابن أبي حاتم عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: "والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح". وإذا كان هذا قول الحسن وابن سيرين في الصيارفة الذين كانوا في زمانهما فكيف لو رأوا أهل البنوك في زماننا؟! فإنهم بلا شك أشد محاربة لله ولرسوله ممن كانوا في زمان الحسن وابن سيرين، وعلى هذا فإنه يجب على إمام المسلمين أن يستتيبهم فإن تابوا وإلا عاقبهم بأشد العقوبة، وسيسأل الله ﵎ ولاة أمور المسلمين يوم القيامة عما استرعاهم، وهو لهم بالمرصاد فيما أهملوه من الأخذ على أيدي المرابين والمجادلين بالباطل في استحلال الربا وغيرهم من المعاندين والمجاهرين بالمعاصي، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته» الحديث، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وروى الإمام أحمد أيضا عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يسترعي الله ﵎ عبدًا رعية قلَّت أو كثرت إلا سأله ﵎ عنها يوم القيامة، أقام فيهم أمر الله ﵎ أم أضاعه، حتى يسأله عن أهل بيته خاصة». وروي ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: "أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون

стр. 21

فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا"، ورواه ابن أبي حاتم وزاد: "فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة"، وقال الربيع بن أنس: "أوعد الله آكل الربا بالقتل" رواه ابن جرير. وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن خويز منداد أنه قال: "لو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا كانوا مرتدين والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالا جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله -تعالى- قد أذن في ذلك فقال: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ". وذكر أيضًا عن ابن بكير قال: "جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكران يتعاقر يريد أن يأخذ القمر فقلت امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب". وقال محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه المسمى بـ (المسائل الكافية) ما نصه: " (المسألة الخامسة والعشرون): من استحل شيئا من الخبائث كالخمر والزنا والربا والمكس أو شكَّ في تحريمه أو تأوَّل تأويلا فاسدا خرق به الإجماع كتأويل بعض الفسقة في آية الربا فقال إن المحرم منه ما كان أضعافا مضاعفة وأما إذا كان قانونيا كخمسة في المائة مثلا فلا حرمة، وذلك كذب وافتراء على الله -تعالى-، بل الربا قليله وكثيره في الحكم سواء، ومفهوم (أضعافا مضاعفة) في قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ معطل ليس عليه عمل، أو معتبر ونسخ بآية ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ويشهد لما قلته ما ذكره العلامة أبو بكر الجصاص في أحكامه، قال ﵀ تعالي- في قوله -تعالى-: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾: "قيل في معنى أضعافا مضاعفة وجهان: أحدهما: المضاعفة بالتأجيل أجلاً بعد أجل ولكل أجل قسط من الزيادة على المال، والثاني: ما يضاعفون به أموالهم، وفي هذا دلالة على أن المخصوص بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذكر تحريم الربا أضعافا مضاعفة دلالة على إباحته إذا لم يكن أضعافا مضاعفة، فلما كان الربا محظورا بهذه الصفة وبعدمها دل ذلك على فساد قولهم في ذلك، ويلزمهم في ذلك أن تكون هذه الدلالة منسوخة بقوله -تعالى-: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إذ لم يبق لها حكم في الاستعمال". انتهى، فمن استحل شيئا من تلك الخبائث يكفر لمعارضة قول الله -تعالى-: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ". انتهى كلام الكافي.

стр. 22

وقد تقدم في الفائدة الثامنة ما قاله غير واحد من العلماء في تكفير المستحلين للربا فليراجع (١)، وليتأمله الفتان وأضرابه مع ما ذكر ههنا، وليتأمله أيضا أهل البنوك والذين يعاملونهم بالمعاملات الربوية، ولا يظنون أن التعامل بالربا أمر يسير، ولا يغتروا بحلم الله عنهم، فإنه ﵎ يمهل ولا يهمل ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وينبغي لأهل البنوك والمتعاملين معهم أن يسألوا العلماء المعروفين بمزيد المعرفة والتقوى والورع عما يحل لهم من المعاملات وما يحرم عليهم منها، ولا يغتروا بالفساق الذين يتزلفون إليهم بما يحبونه من تحليل الربا ولا يبالون بما يترتب على ذلك من محاربة الله ورسوله واتباع غير سبيل المؤمنين. الخامسة عشرة: أن المرابين ليس لهم إلا رؤوس أموالهم وليس لهم أن يأخذوا زيادة عليها من المدين ولا من البنوك وغيرها؛ لأن ذلك من الظلم الذي نهى الله عنه، قال ابن جرير في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: "يعني بذلك إن تبتم فتركتم أكل الربا وأنبتم إلى الله فلكم رؤوس أموالكم من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم ... "، ثم روى عن قتادة أنه قال: "جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئًا"، وفي رواية له عنه قال: "جعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزدادوا عليها شيئا"، وروى أيضا عن الضحاك قال: "وضع الله الربا وجعل لهم رؤوس أموالهم". وقال الماوردي على قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: "يعني التي دفعتم ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأن تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بأن تمنعوا رؤوس أموالكم". وقال القرطبي: "ردهم -تعالى- مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم: ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ في أخذ الربا ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم". انتهى، وبنحو هذا قال كثير من المفسرين. السادسة عشرة: النهي عن أكل الربا وتضعيفه على المدين ، قال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن): "قوله -تعالى-: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ إخبار عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافا مضاعفة، فأبطل الله الربا الذي كانوا يتعاملون به، وأبطل ضروبًا أخر من البياعات وسماها ربا، فانتظم قوله -تعالى-:

стр. 23

﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة". انتهى، وقال الزمخشري والنسفي في الكلام على قوله -تعالى-: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾: "هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه"، وقال ابن الجوزي: "قال أهل التفسير: هذه الآية نزلت في ربان الجاهلية"، قال سعيد بن جبير: "كان الرجل يكون له على الرجل المال فإذا حل الأجل يقول أخِّر عني وأزيدك على مالك فتلك الأضعاف المضاعفة". وقال الماوردي في الكلام على الآية: "هو أن يقول له بعد حلول الأجل إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن لم يفعل ضاعف ذلك عليه ثم يفعل كذلك عند حلوله من بعد حتى تصير أضعافا مضاعفة"، وقال أبو حيان في الكلام على الآية: "نهوا عن الحالة الشنعاء التي يوقعون الربا عليها، كان الطالب يقول أتقضي أم تربي، وربما استغرق بالنزر اليسير مال المدين؛ لأنه إذا لم يجد وفاء زاد في الدين وزاد في الأجل، وأشار بقوله: (مضاعفة) إلى أنهم كانوا يكررون التضعيف عاما بعد عام، والربا محرم جميع أنواعه، فهذه الحال لا مفهوم لها وليست قيدًا في النهي، إذ ما لا يقع أضعافا مضاعفة مساوٍ في التحريم لما كان أضعافًا مضاعفة". انتهى، وقال القرطبي في الكلام على الآية: "إنما خص الربا من بين سائر المعاصي لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم فأمرهم بترك الربا، و (مضاعفة) إشارة إلى تكرار التضعيف عاما بعد عام كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصة". انتهى. السابعة عشرة: أن النهي عن أكل الربا في سورة آل عمران جاء مقرونا بالأمر بتقوى الله -تعالى- والأمر باتقاء النار والأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، فدل هذا على التشديد في التعامل بالربا والتأكيد في النهي عنه، قال القرطبي: "قوله -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي في أموال الربا فلا تأكلوها، ثم خوفهم فقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال كثير من المفسرين: وهذا الوعيد لمن استحل الربا، ومن استحل الربا فإنه يكفر ويكفر، وقيل معناه: اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار ... ثم ذكر أنواعًا من الكبائر التي يستوجب صاحبها نزع الإيمان ويخاف عليه من نزعه ومنها أكل الربا"، وذكر ابن الجوزي وأبو حيان عن ابن عباس ﵄-

стр. 24

في قول الله -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال: "هذا تهديد للمؤمنين لئلا يستحلوا الربا"، وقال الزجاج: "والمعنى اتقوا أن تحلوا ما حرم الله فتكفروا"، وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان أنه قال: "من أكل الربا فلم ينته فله النار". وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قال القرطبي: " (وَأَطِيعُوا اللَّهَ) في تحريم الربا (وَالرَّسُولَ) فيما بلغكم من التحريم". الثامنة عشرة: أن أكل الربا والتعامل به من الكبائر الموبقات، أي المهلكات، ويدل على ذلك ما جاء في القرآن من تعظيم أكل الربا والوعيد عليه بالنار وإيذان أهله بحرب من الله ورسوله، قال القرطبي: "دلت الآية - يعني قوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر ولا خلاف في ذلك". وقال الماوردي في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: "دل أن الربا من الكبائر التي يستحق عليها الوعيد بالنار". انتهى، وسيأتي في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه عدَّ أكل الربا من السبع الموبقات. وفيما ذكرته من الآيات وأقوال المفسرين كفاية في بيان موقف القرآن الكريم من تحريم الربا على وجه العموم وأنه لا فرق في ذلك بين البنوك وغيرها. وفيه أيضا أبلغ رد على الفتان المحارب لله ورسوله وعلى غيره من المبطلين الذين يزعمون حِل الربا في المعاملات مع أهل البنوك ويتعلقون بالشبه والأباطيل في استحلاله ولا يبالون بما يترتب على ذلك من معصية الله ورسوله ﷺ واتِّباع غير سبيل المؤمنين. فصل وأما الأدلة من السنة على تحريم المعاملات الربوية على وجه العموم فكثيرة جدا: الأول منها: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. قال ابن الأثير: "الموبقات جمع موبقة، وهي الخصلة المهلكة".

стр. 25

وقد جاء في عدِّ أكل الربا من الكبائر أحاديث كثيرة، بعضها مرفوع وبعضها موقوف، وقد تركت ذكرها خشية الإطالة، وقد ذكرها ابن جرير وابن كثير في تفسيريهما مع الكلام على قول الله -تعالى- في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فلتراجع هناك. الحديث الثاني: عن أبي جحيفة - واسمه وهب بن عبد الله السوائي ﵁ أن رسول الله ﷺ «لعن آكل الربا ومؤكله» رواه الإمام أحمد والبخاري. الحديث الثالث: عن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي هكذا مختصرًا، ورواه أحمد أيضا وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه أطول منه ولفظه: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، قال: وفي الباب عن عمر وعلي وجابر وأبي جحيفة، وفي رواية لأحمد أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه». الحديث الرابع: عن جابر ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» رواه الإمام أحمد ومسلم وزاد، وقال: «هم سواء». الحديث الخامس: عن علي ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» رواه الإمام أحمد، وفي إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف وقد وثق، وما تقدم قبله من الأحاديث الصحيحة يشهد له ويقويه، وقد رواه النسائي مختصرًا. الحديث السادس: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه إذا علموا به، والواشمة والمتوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد هجرته ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلي والطبراني في الكبير، وابن حبان في صحيحه من طريق الحارث بن عبد الله الأعور وهو ضعيف وقد وثق، ورواه الإمام أحمد أيضا من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود ﵁، وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه من طريق الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود ﵁ وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. لاوي الصدقة: هو المماطل بها، قال أهل اللغة: "اللَّي هو المطل".

стр. 26

الحديث السابع: عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". الحديث الثامن: عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم عرفة في بطن الوادي وقال في خطبته: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» رواه مسلم والدارمي وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبيهقي في سننه. الحديث التاسع: عن أبي حرة الرقاشي عن عمه ﵁ قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوساط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال: «ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، ألا وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا عباس ابن عبد المطلب، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون» رواه الإمام أحمد والدارمي وأبو يعلي، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وفيه كلام وقد وثق، ويشهد لحديثه ما تقدم قبله من حديث عمرو بن الأحوص وجابر بن عبد الله ﵃. الحديث العاشر: عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية» رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، قال المنذري والهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح". الحديث الحادي عشر: عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ظهر في قوم الزنى والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه أبو يعلي، قال المنذري والهيثمي: "إسناده جيد". الحديث الثاني عشر: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ظهر الزنى والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه الحاكم في مستدركه وصححه، ووافق الذهبي على تصحيحه. الحديث الثالث عشر: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول

стр. 27

الله ﷺ : «الآخذ والمعطي سواء في الربا» رواه الدارقطني والحاكم في مستدركه وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وتقدم له شاهد من رواية مسلم عن جابر ﵁. الحديث الرابع عشر: عن نافع عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» رواه مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي. قال ابن الأثير في (جامع الأصول): " «ولا تشفوا» أي لا تزيدوا ولا تفضلوا أحدهما على الآخر، قال: والناجز المعجل الحاضر"، وقال النووي في (شرح صحيح مسلم): " «ولا تشفوا بعضها على بعض» هو بضم التاء وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء أي لا تفضلوا". انتهى. وفي رواية لمسلم عن نافع عن أبي سعيد ﵁ أنه أشار بأصبعيه إلى عينيه وأذنيه فقال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضه على بعض ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد» وقد رواه الإمام أحمد والترمذي بنحوه، وليس في روايتهما قوله: «إلا يدًا بيد» قال الترمذي: "وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي هريرة وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم وفضالة بن عبيد وأبي بكرة وابن عمر وأبي الدرداء وبلال، قال: وحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ في الربا حديث حسن صحيح". وسيأتي ذكر هذه الأحاديث التي أشار إليها الترمذي وغيرها من الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل والنسيئة -إن شاء الله تعالى-. وفي رواية لأحمد قال أبو سعيد ﵁: بصر عيني وسمع أذني - وأشار بأصبعيه إلى عينيه وأذنيه - من رسول الله ﷺ أنه «نهى عن الذهب بالذهب والورق بالورق إلا سواء بسواء مثلا بمثل، ألا لا تبيعوا غائبا بناجز ولا تشفوا أحدهما على الآخر» ورواه النسائي بنحوه. ورواه البخاري مختصرًا من حديث سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵄ عن أبي سعيد ﵁ أنه قال في الصرف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الذهب بالذهب مثلا بمثل والورق بالورق مثلا بمثل».

стр. 28

وفي رواية لأحمد ومسلم عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا والورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء». الحديث الخامس عشر: عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي. الحديث السادس عشر: عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري أنه التمس صرفا بمائة دينار قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني وأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال: حتى يأتيني خازني من الغابة وعمر بن الخطاب يسمع، فقال عمر: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» رواه مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن، وليس في رواية أبي داود والنسائي قصة مالك بن أوس مع طلحة، وقد رواه الدارمي في سننه ولفظه عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الذهب بالذهب هاء وهاء، والفضة بالفضة هاء وهاء، والتمر بالتمر هاء وهاء، والبر بالبر هاء وهاء، والشعير بالشعير هاء وهاء، لا فضل بينهما» قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم، قال: ومعنى قوله «إلا هاء وهاء» يقول: يدا بيد". انتهى، وقال ابن الأثير في (النهاية): "هو أن يقول كل واحد من البيعين «ها» فيعطيه ما في يده كحديثه الآخر إلا يدا بيد، يعني مقابضة في المجلس، وقيل معناه هاك وهات أي خذ وأعط"، وقال النووي في (شرح مسلم): "قال العلماء: معناه التقابض، ففيه اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي إذا اتفقا في علة الربا سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب أم اختلف كذهب بفضه، ونبَّه ﷺ في هذا الحديث بمختلف الجنس على متفقه". انتهى. الحديث السابع عشر: عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين» رواه مسلم والبيهقي، وقد رواه مالك في الموطأ بلاغا، والشافعي عن مالك.

стр. 29

الحديث الثامن عشر: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ «ينهي عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» رواه الشافعي وأحمد والدارمي ومسلم وأهل السنن وهذا لفظ مسلم. قال النووي: "قوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربي» معناه فقد فعل الربا المحرم، فدافع الزيادة وآخذها عاصيان". انتهى، وفي رواية لمسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» ورواه الإمام أحمد وأبو داود بنحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة بمعناه، وقال الترمذي "حديث حسن صحيح"، وفي رواية للنسائي: «ألا إن الذهب بالذهب وزنًا بوزن تبرها وعينها، وإن الفضة بالفضة وزنا بوزن تبرها وعينها» ونحوه في رواية أبي داود، قال الخطابي: "التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم ودنانير، والعين المضروب من الدراهم والدنانير". انتهى. الحديث التاسع عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي. قوله: (ألوانه) قال النووي: "يعني أجناسه". وفي رواية لمسلم قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا» ورواه الإمام أحمد والنسائي بنحوه، ورواه ابن ماجة مختصرًا، ورواه الإمام أحمد أيضا ولفظه: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والورق بالورق، مثلا بمثل يدا بيد، من زاد أو ازداد فقد أربى» وروى مالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» وقد رواه الشافعي وأحمد ومسلم والنسائي من طريق مالك، ورواه أحمد ومسلم أيضا من غير طريقه. الحديث العشرون: عن أبي بكرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب

стр. 30

كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي، وقد رواه ابن حبان في صحيحه، ثم قال: "قوله ﷺ : «كيف شاء» أراد به إذا كان يدا بيد". الحديث الحادي والعشرون والثاني والعشرون: عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينا» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي، وفي رواية لأحمد والبخاري والنسائي عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم فقالا كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف، فقال: «إن كان يدا بيد فلا بأس وإن كان نسيئة فلا يصلح»، وفي رواية للبخاري أن النبي ﷺ قال: «ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فردوه» وفي رواية لمسلم والنسائي: «ما كان يدًا بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فهو ربا». الحديث الثالث والعشرون: عن مجاهد قال: كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال له: يا أبا عبد الرحمن إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم، رواه مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي من طريق مالك، وقد روى النسائي المسند منه فقط وجعله من مسند عمر ﵁. الحديث الرابع والعشرون: عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ «ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل» فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن. رواه مالك في الموطأ، والشافعي وأحمد والنسائي والبيهقي من طريق مالك، ورواية أحمد والنسائي مختصرة. الحديث الخامس والعشرون: عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب وهي من المغانم تباع، فأمر رسول

стр. 31

الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزنا بوزن» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود، وفي رواية أبي داود قال: أُتى النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، قال النبي ﷺ : «لا، حتى تميز بينه وبينه» فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي ﷺ : «لا، حتى تميز بينهما» قال: فرده حتى ميز بينهما. وقد رواه الدارقطني والبيهقي بنحوه. وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «لا تباع حتى تفصل» قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لم يروا أن يباع السيف محلي أو منطقة مفضضة أو مثل هذا بدراهم حتى يميز ويفصل، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقد رخَّص بعض أهل العلم في ذلك من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم". انتهى، والحجة مع القائلين بالمنع لقول النبي ﷺ : «لا تباع حتى تفصل». وفي رواية للنسائي عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: أصبت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز فأردت أن أبيعها فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «افصل بعضها من بعض ثم بعها». الحديث السادس والعشرون: عن حنش الصنعاني قال: كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق وجوهر فأردت أن أشتريها فسألت فضالة بن عبيد فقال: "انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل» " رواه مسلم والبيهقي. الحديث السابع والعشرون: عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي، ثم قال البيهقي بعد روايته لأحاديث فضالة ﵁ ما نصه: "سياق هذه الأحاديث مع عدالة رواتها تدل على أنها كانت بيوعًا شهدها فضالة كلها، والنبي ﷺ ينهى عنها فأداها كلها". انتهى، وقال النووي في الكلام على هذا الحديث في (شرح

стр. 32

مسلم): "يحتمل أن مراده كانوا يتبايعون الأوقية من ذهب وخرز وغيره بدينارين أو ثلاثة، وإلا فالأوقية وزن أربعين درهمًا، ومعلوم أن أحدًا لا يبتاع هذا القدر من ذهب خالص بدينارين أو ثلاثة، وهذا سبب مبايعة الصحابة على هذا الوجه، ظنوا جوازه لاختلاط الذهب بغيره فبين النبي ﷺ أنه حرام حتى يميز ويباع الذهب بوزنه ذهبا". انتهى، ويؤيد قول النووي ما تقدم في الروايات عن فضالة بن عبيد ﵁ فهو صريح في النهي عن بيع الذهب المختلط بغيره حتى يميز الذهب ويباع بوزنه ذهبًا. الحديث الثامن والعشرون: عن ابن عمر ﵄ قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه. فقال رسول الله ﷺ : «لا باس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» رواه الإمام أحمد والدارمي وأهل السنن والحاكم في مستدركه وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروى الإمام أحمد أيضا بأسانيد صحيحة عن ابن عمر ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ أشتري الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب؟ قال: «إذا اشتريت واحدا منهما بالآخر فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس» وقد رواه النسائي بنحوه وإسناده صحيح، ورواه ابن ماجة بأسانيد بعضها حسن وبعضها فيه ضعف. الحديث التاسع والعشرون: عن أبي قلابة قال: كان الناس يشترون الذهب بالورق نسيئة إلى العطاء، فأتى عليهم هشام بن عامر فنهاهم وقال: "إن رسول الله ﷺ «نهانا أن نبيع الذهب بالورق نسيئة وأنبأنا أو قال وأخبرنا أن ذلك هو الربا» " رواه الإمام أحمد وأبو يعلي والطبراني بأسانيد صحيحة، ورواه عبد الرزاق مختصرا ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ : «الورق بالذهب ربا إلا يدًا بيد». الحديث الثلاثون: عن بلال ﵁ قال: كان عندي تمر فبعته في السوق بتمر أجود منه بنصف كيلة، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما رأيت اليوم تمرًا أجود منه، من أين هذا يا بلال» فحدثته بما صنعت فقال: «انطلق فرده على صاحبه وخذ تمرك فبعه بحنطة أو بشعير ثم اشتر به من هذا التمر» ففعلت، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 33

«التمر بالتمر مثلا بمثل، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن، فما كان من فضل فهو ربا» رواه البزار والطبراني في الكبير بنحوه وزاد: «فإذا اختلف النوعان فلا بأس واحد بعشرة» قال الهيثمي: "رجال البزار رجال الصحيح، إلا أنه من رواية سعيد بن المسيب عن بلال ولم يسمع سعيد من بلال، وله في الطبراني أسانيد بعضها من حديث ابن عمر عن بلال باختصار عن هذا ورجالها ثقات، وبعضها من رواية عمر بن الخطاب عن بلال بنحو الأول وإسنادها ضعيف". انتهى الكلام الهيثمي، وقد رواه الدارمي مختصرًا ورجاله رجال الصحيح إلا أنه من رواية مسروق عن بلال ولم أر أحدا ذكر أنه لقيه. الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال له النبي ﷺ : «من أين هذا؟» قال بلال: كان عندي تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ عند ذلك: «أَوَّه أَوَّه، عين الربا عين الربا، لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري، وقد رواه النسائي مختصرًا، ولفظه قال: أتى بلال رسول الله ﷺ بتمر برني فقال: «ما هذا؟» قال: اشتريته صاعا بصاعين، فقال رسول الله ﷺ : «أوه عين الربا لا تقربه». قال ابن الأثير وغيره من أهل اللغة: " (أوه) كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع"، وفي (المصباح المنير): "تأوه مثل توجع وزنًا ومعنى"، قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): "وهي مشددة الواو مفتوحة، وقد تكسر، والهاء ساكنة وربما حذفوها"، قال ابن التين: "إنما تأوه ليكون أبلغ في الزجر، وقاله: إما للتألم من هذا الفعل وإما من سوء الفهم". انتهى، وقال النووي في (شرح مسلم): "و معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم". انتهى. الحديث الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون: عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب فقال له رسول الله ﷺ : «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان» رواه البخاري ومسلم والدارمي.

стр. 34

وقد رواه مالك في الموطأ، والبخاري ومسلم والنسائي من طريق مالك، وفيه أن الرجل قال: يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» ورواه الإمام أحمد من حديث قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد حدثهم أن غلامًا للنبي ﷺ أتاه ذات يوم بتمر ريان، وكان تمر النبي ﷺ بعلا فيه يبس، فقال النبي ﷺ : «أنى لك هذا التمر؟» فقال: هذا صاع اشتريناه بصاعين من تمرنا، فقال النبي ﷺ : «لا تفعل فإن هذا لا يصلح ولكن بع تمرك واشتر من أي تمر شئت» وقد رواه النسائي وابن حبان في صحيحه بنحوه. قال الدارقطني: "جنيب يعني الطيب"، وقال ابن الأثير: "الجنيب نوع جيد معروف من أنواع التمر"، وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): "جنيب وزن عظيم"، قال مالك: "هو الكبيس"، وقال الطحاوي: "هو الطيب، وقيل الصلب، وقيل الذي أخرج حشفه ورديئه"، وقال غيرهم: "هو الذي لا يخلط بغيره بخلاف الجمع، قال: والجمع بفتح الجيم وسكون الميم؛ التمر المختلط". انتهى، وقال الدارقطني في سننه: "يقال كل شيء من النخل لا يعرف اسمه فهو جَمع، يقال: ما أكثر الجمع في أرض فلان، بفتح الجيم". انتهى، وقال النووي في (شرح مسلم): "الجمع بفتح الجيم وإسكان الميم وهو تمر رديء، وقد فسره في الرواية الأخيرة بأنه الخلط من التمر ومعناه مجموع من أنواع مختلفة". انتهى، وقال الجوهري: "الجمع الدقل، يقال: ما أكثر الجمع في أرض بني فلان؛ لنخل يخرج من النوى ولا يعرف اسمه"، وقد ذكر ابن منظور في (لسان العرب) نحو هذا عن الأصمعي، وقال ابن الأثير في (النهاية): "كل لون من النخيل لا يعرف اسمه فهو جمع، وقيل: الجمع تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبا فيه، وما يخلط إلا لرداءته". انتهى، وأما البعل فهو النخل الذي يشرب بعروقه من غير سقي، قاله الأصمعي وغيره من أهل اللغة. الحديث الرابع والثلاثون: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرزقنا تمرا من تمر الجمع فنستبدل به تمرا هو أطيب منه ونزيد في السعر، فقال رسول الله ﷺ : «لا يصلح صاع تمر بصاعين، ولا درهم بدرهمين، والدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار، ولا فضل بينهما إلا وزنا» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة، وهذا لفظه وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وجاء في رواية البخاري ومسلم قال: كنا نرزق تمر الجمع وهو الخلط من التمر. وقد رواه

стр. 35

الشافعي بإسناد حسن ولفظه أن رسول الله ﷺ كان يرزقهم طعاما فيه شيء فيستطيبون فيأخذون صاعا بصاعين، فقال رسول الله ﷺ : «ألم يبلغني ما تصنعون» قال: قلنا: بلى يا رسول الله إنك ترزقنا طعامًا فيه شيء فنستطيب فنأخذ صاعًا بصاعين فقال رسول الله ﷺ : «دينار بدينار، ودرهم بدرهم، وصاع تمر بصاع تمر، وصاع شعير بصاع شعير، لا فضل بين شيء من ذلك». الحديث الخامس والثلاثون: عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ بتمر فقال: «ما هذا التمر من تمرنا» فقال الرجل: يا رسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله ﷺ : «هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا» رواه مسلم، وقد رواه الإمام أحمد باختصار في المرفوع منه، ولفظه عن أبي سعيد أن صاحب التمر أتى رسول الله ﷺ بتمرة فأنكرها قال: «أنى لك هذا؟» فقال: اشترينا بصاعين من تمرنا صاعًا، فقال رسول الله ﷺ : «أربيتم» إسناده صحيح على شرط مسلم. الحديث السادس والثلاثون: عن سعيد الجريري عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف فقال: أيدا بيد؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس به، فأخبرت أبا سعيد فقلت: إني سألت ابن عباس عن الصرف فقال أيدا بيد؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس به، قال: أَوَ قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه. قال: فو الله لقد جاء بعض فتيان رسول الله ﷺ بتمر فأنكره فقال: «كأن هذا ليس من تمر أرضنا» قال: كان في تمر أرضنا - أو في تمرنا - العام بعض الشيء فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة فقال: «أضعفت أربيت، لا تقرن هذا، إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر» رواه الإمام أحمد ومسلم، وفي رواية لمسلم عن داود وهو ابن أبي هند عن أبي نضرة قال: سالت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف فقال ما زاد فهو ربا فأنكرت ذلك لقولهما فقال لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ جاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون، فقال له النبي ﷺ : «أنى لك هذا؟» قال: انطلقت بصاعين فاشتريت به هذا الصاع فإن سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا، فقال رسول الله ﷺ : «ويلك أربيت، إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت» قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة

стр. 36

بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ولم آت ابن عباس، قال فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه. وقد رواه البيهقي بإسناد مسلم وبنحو روايته، ورواه الإمام أحمد مختصرًا ولفظه عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد: أسمعت من رسول الله ﷺ في الذهب بالذهب والفضة بالفضة؟ قال: سأخبركم ما سمعت منه، جاءه صاحب تمره بتمر طيب وكان تمر النبي ﷺ يقال له اللون، قال فقال له رسول الله ﷺ : «من أين لك هذا التمر الطيب؟» قال: ذهبت بصاعين من تمرنا واشتريت به صاعًا من هذا، قال: فقال له رسول الله ﷺ : «أربيت»، قال: ثم قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أربى أم الفضة بالفضة والذهب بالذهب؟ إسناده صحيح على شرط مسلم. اللون هو الدقل، قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، ونقل ابن منظور في (لسان العرب) عن ابن سيده أنه قال: "الألوان الدقل، واحدها لون، واللينة واللونة كل ضرب من النخل ما لم يكن عجوة أو برنيا"، وقال ابن الأثير في (النهاية): "اللون نوع من النخل، وقيل هو الدقل، وقيل النخل كله ما خلا البرني والعجوة، ويسميه أهل المدينة الألوان، واحدته لينة وأصله لونة فقلبت الواو ياء لكسرة اللام، وفي حديث ابن عبد العزيز أنه كتب في صدقة التمر أن تؤخذ في البرني من البرني وفي اللون من اللون". انتهى. الحديث السابع والثلاثون: عن أبي صالح - وهو السمان واسمه ذكوان - أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ أخبره قال: يا رسول الله، إنا لا نجد الصيحاني ولا العذق بجمع التمر حتى نزيدهم، فقال رسول الله ﷺ : «بِعه بالورق ثم اشتر به» رواه النسائي ورجاله رجال الصحيح. قال الجوهري: "الصيحاني ضرب من تمر المدينة"، وكذا قال ابن منظور في (لسان العرب)، ونقل عن الأزهري أنه قال: "الصيحاني ضرب من التمر، أسود صلب المضغة، وسمي صيحانيا لأن صيحان اسم كبش كان ربط إلى نخلة بالمدينة فأثمرت تمرًا صيحانيا فنسب إلى صيحان". انتهى، وفي (المصباح المنير): "الصيحاني تمر معروف بالمدينة، ويقال كان كبش اسمه صيحان شد بنخلة فنسبت إليه وقيل صيحانية، قاله ابن فارس والأزهري". انتهى. وأما العَذق بالفتح فهو النخلة بحملها قاله الجوهري، وقال ابن منظور في (لسان العرب): "العذق النخلة عند أهل الحجاز"، وفي (المصباح المنير): "العذق مثال فَلس

стр. 37

النخلة نفسها، ويطلق العذق على أنواع من التمر، ومنه عذق ابن الحبيق وعذق ابن طاب وعذق ابن زيد قاله أبو حاتم". انتهى. الحديث الثامن والثلاثون: عن أبي الزبير المكي قال: سألت جابر بن عبد الله عن الحنطة بالتمر بفضل يدا بيد، فقال: «كنا على عهد رسول الله ﷺ نشتري الصاع الحنطة بستة آصع من تمر يدا بيد، فإن كان نوعا واحدا فلا خير فيه إلا مثلا بمثل» رواه أبو يعلى، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". الحديث التاسع والثلاثون: عن ابن عمر ﵄ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن فمن زاد أو استزاد فقد أربى» والله ما كذب ابن عمر على رسول الله ﷺ . رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: "ورجاله موثقون وفي بعضهم كلام لا يضر". الحديث الأربعون: عن أبي الزبير المكي قال: سمعت أبا أسيد الساعدي، وابن عباس يفتي بالدينار بالدينارين، فقال أبو أسيد وأغلظ له القول، فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله ﷺ يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد، فقال أبو أسيد: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بين شيء من ذلك» فقال ابن عباس ﵄: "هذا شيء كنت أقوله برأيي ولم أسمع فيه شيئًا". رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: "وإسناده حسن". وقد رواه الحاكم في مستدركه وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث الحادي والأربعون: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، فمن كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب، وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق، والصرف هاء وهاء» رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم، وقال: "هذا حديث غريب صحيح"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. فصل وقد جاء في تحريم الربا والتشديد فيه أحاديث كثيرة جدًا سوى ما ذكرته ههنا ولكن أسانيدها لا تخلو من مقال فلذلك تركت ذكرها، وفيما ذكرته من الأحاديث الصحيحة كفاية -إن شاء الله تعالى- وفوق الكفاية لمن أراد الله عصمته من أكل الربا.

стр. 38

ومن أراد الله به غير ذلك خلَّى بينه وبين الشيطان فأضلَّه وأغواه وزين له استحلال الربا وغير ذلك من الأعمال السيئة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، والآيات في التحذير من الشيطان كثيرة جدا، وخطوات الشيطان هي مسالكه ومذاهبه وطرقه التي يدعو إليها، وأشدها خطرا السبع الموبقات، ومنها أكل الربا كما تقدم النص على ذلك في حديث أبي هريرة المتفق على صحته. وإذا علم ما تقدم ذكره من الأحاديث المتواترة في تحريم الربا والوعيد الشديد للمرابين فليعلم أيضا أن الله ﵎ قد أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ونهاهم عن معصيته ومعصية رسوله ﷺ ، وحذرهم من مخالفة أمر الرسول ﷺ وتوعد من شاق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين بأشد الوعيد. قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ " والآيات في الأمر بطاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله ﷺ والتحذير من معصيته ومعصية رسوله ﷺ كثيرة جدا، فليتأمل المؤمن الناصح لنفسه ما جاء في هذه الآيات المحكمات وما جاء في الأحاديث المذكورة قريبا مما هو ثابت عن النبي ﷺ في تحريم الربا والتشديد فيه، وليقابل كلام الله -تعالى- وكلام رسوله ﷺ بالرضى والقبول والتسليم، وليحذر أشد الحذر من التخلق بأخلاق المنافقين الذين قال الله -تعالى- فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وليحذر أيضا من الاتصاف بصفات الألِدَّاء المعاندين وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ

стр. 39

النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، وليحذر أيضا من الدخول في عداد الأشرار الذين هم أضل سبيلا من الأنعام، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وليحذر أيضا أشد الحذر أن يكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وليحذر أيضا من اتباع الهوى فإن الهوى يعمي ويصم ويصد عن الحق والطريق المستقيم، وقد قال الله -تعالى- لنبيه داود ﵊: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فصل وقد اشتملت الأحاديث التي تقدم ذكرها على فوائد كثيرة وأمور مهمة تتعلق بالربا والمرابين: الأولى: أن أكل الربا من الكبائر السبع الموبقات - والموبقات هي: المهلكات - كما تقدم بيان ذلك في الكلام على الحديث الأول. الثانية: أن أكل الربا جاء مقرونًا مع الشرك بالله والسحر وقتل النفس بغير حق، وهذا يدل على شدة تحريمه. الثالثة: لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا به، قال أهل اللغة: "اللعن هو الطرد والإبعاد من الله"، وقال بعضهم: "هو الطرد والإبعاد من الخير"، ولا منافاة بين القولين؛ لأن من طرده الله وأبعده فقد طرد وأبعد من كل خير. الرابعة: أن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه سواء في الإثم وفيما يلحقهم من اللعن. الخامسة: أن رسول الله ﷺ وضع ما كان في الجاهلية من الربا وفي هذا دليل على أنه يجب وضع ما كان منه في الإسلام بطريق الأولى.

стр. 40

السادسة: أنه ليس للمرابين إلا رؤوس أموالهم ومن طلب الزيادة على رأس ماله فإنه يجب منعه. السابعة: أن أخذ الزيادة على رأس المال ظلم للمأخوذ منه، والله ﵎ قد حرم الظلم على نفسه وجعله محرمًا بين عباده. الثامنة: أنه لا يجوز البخس من رؤوس الأموال؛ لأن ذلك من الظلم لأصحابها. التاسعة: التشديد في أكل الربا والنص على أن أكل الدرهم الواحد منه مع العلم بأنه ربا أشد من ستة وثلاثين زنية، وإذا كان أكل الدرهم الواحد من الربا بهذه المثابة العظيمة في القبح فكيف بمن يجمع القناطير المقنطرة من الربا، وكيف يمن يدعو إلى استحلال الربا باسم الفوائد ويجادل بالباطل في تقرير دعاواه الباطلة وآرائه الفاسدة، ولا يبالي بمخالفته للقرآن والسنة وإجماع المسلمين، فهذا يجيب أن يستتاب فإن تاب وإلا حكم عليه بما جاء في حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم ذكره في الفائدة الرابعة عشرة من فوائد الآيات الواردة في تحريم الربا والتشديد فيه فليراجع (١). العاشرة: أن ظهور الزنا والربا في المسلمين سبب لحلول العذاب. الحادية عشرة: أن آخذ الربا ومعطيه سواء في الحكم وفيما يلحقهما من الإثم واللعن. الثانية عشرة: أن الأحاديث قد تواترت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، وكذلك الفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح. الثالثة عشرة: أن من زاد أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى. الرابعة عشرة: أنه يشترط التماثل والتقابض قبل التفرق فيما إذا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، وأما إذا بيع الذهب بالفضة والبر والشعير والتمر والملح بغير جنسه فإنه يشترط التقابض قبل التفرق، وأما التفاضل فإنه جائز.
следующие страницы →