← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 35155

الصارم البتار للإجهاز على من خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (191 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ولم آت ابن عباس، قال فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه. وقد رواه البيهقي بإسناد مسلم وبنحو روايته، ورواه الإمام أحمد مختصرًا ولفظه عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد: أسمعت من رسول الله ﷺ في الذهب بالذهب والفضة بالفضة؟ قال: سأخبركم ما سمعت منه، جاءه صاحب تمره بتمر طيب وكان تمر النبي ﷺ يقال له اللون، قال فقال له رسول الله ﷺ : «من أين لك هذا التمر الطيب؟» قال: ذهبت بصاعين من تمرنا واشتريت به صاعًا من هذا، قال: فقال له رسول الله ﷺ : «أربيت»، قال: ثم قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أربى أم الفضة بالفضة والذهب بالذهب؟ إسناده صحيح على شرط مسلم. اللون هو الدقل، قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، ونقل ابن منظور في (لسان العرب) عن ابن سيده أنه قال: "الألوان الدقل، واحدها لون، واللينة واللونة كل ضرب من النخل ما لم يكن عجوة أو برنيا"، وقال ابن الأثير في (النهاية): "اللون نوع من النخل، وقيل هو الدقل، وقيل النخل كله ما خلا البرني والعجوة، ويسميه أهل المدينة الألوان، واحدته لينة وأصله لونة فقلبت الواو ياء لكسرة اللام، وفي حديث ابن عبد العزيز أنه كتب في صدقة التمر أن تؤخذ في البرني من البرني وفي اللون من اللون". انتهى. الحديث السابع والثلاثون: عن أبي صالح - وهو السمان واسمه ذكوان - أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ أخبره قال: يا رسول الله، إنا لا نجد الصيحاني ولا العذق بجمع التمر حتى نزيدهم، فقال رسول الله ﷺ : «بِعه بالورق ثم اشتر به» رواه النسائي ورجاله رجال الصحيح. قال الجوهري: "الصيحاني ضرب من تمر المدينة"، وكذا قال ابن منظور في (لسان العرب)، ونقل عن الأزهري أنه قال: "الصيحاني ضرب من التمر، أسود صلب المضغة، وسمي صيحانيا لأن صيحان اسم كبش كان ربط إلى نخلة بالمدينة فأثمرت تمرًا صيحانيا فنسب إلى صيحان". انتهى، وفي (المصباح المنير): "الصيحاني تمر معروف بالمدينة، ويقال كان كبش اسمه صيحان شد بنخلة فنسبت إليه وقيل صيحانية، قاله ابن فارس والأزهري". انتهى. وأما العَذق بالفتح فهو النخلة بحملها قاله الجوهري، وقال ابن منظور في (لسان العرب): "العذق النخلة عند أهل الحجاز"، وفي (المصباح المنير): "العذق مثال فَلس

стр. 37

النخلة نفسها، ويطلق العذق على أنواع من التمر، ومنه عذق ابن الحبيق وعذق ابن طاب وعذق ابن زيد قاله أبو حاتم". انتهى. الحديث الثامن والثلاثون: عن أبي الزبير المكي قال: سألت جابر بن عبد الله عن الحنطة بالتمر بفضل يدا بيد، فقال: «كنا على عهد رسول الله ﷺ نشتري الصاع الحنطة بستة آصع من تمر يدا بيد، فإن كان نوعا واحدا فلا خير فيه إلا مثلا بمثل» رواه أبو يعلى، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". الحديث التاسع والثلاثون: عن ابن عمر ﵄ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن فمن زاد أو استزاد فقد أربى» والله ما كذب ابن عمر على رسول الله ﷺ . رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: "ورجاله موثقون وفي بعضهم كلام لا يضر". الحديث الأربعون: عن أبي الزبير المكي قال: سمعت أبا أسيد الساعدي، وابن عباس يفتي بالدينار بالدينارين، فقال أبو أسيد وأغلظ له القول، فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله ﷺ يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد، فقال أبو أسيد: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بين شيء من ذلك» فقال ابن عباس ﵄: "هذا شيء كنت أقوله برأيي ولم أسمع فيه شيئًا". رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: "وإسناده حسن". وقد رواه الحاكم في مستدركه وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث الحادي والأربعون: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، فمن كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب، وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق، والصرف هاء وهاء» رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم، وقال: "هذا حديث غريب صحيح"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. فصل وقد جاء في تحريم الربا والتشديد فيه أحاديث كثيرة جدًا سوى ما ذكرته ههنا ولكن أسانيدها لا تخلو من مقال فلذلك تركت ذكرها، وفيما ذكرته من الأحاديث الصحيحة كفاية -إن شاء الله تعالى- وفوق الكفاية لمن أراد الله عصمته من أكل الربا.

стр. 38

ومن أراد الله به غير ذلك خلَّى بينه وبين الشيطان فأضلَّه وأغواه وزين له استحلال الربا وغير ذلك من الأعمال السيئة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، والآيات في التحذير من الشيطان كثيرة جدا، وخطوات الشيطان هي مسالكه ومذاهبه وطرقه التي يدعو إليها، وأشدها خطرا السبع الموبقات، ومنها أكل الربا كما تقدم النص على ذلك في حديث أبي هريرة المتفق على صحته. وإذا علم ما تقدم ذكره من الأحاديث المتواترة في تحريم الربا والوعيد الشديد للمرابين فليعلم أيضا أن الله ﵎ قد أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ونهاهم عن معصيته ومعصية رسوله ﷺ ، وحذرهم من مخالفة أمر الرسول ﷺ وتوعد من شاق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين بأشد الوعيد. قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ " والآيات في الأمر بطاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله ﷺ والتحذير من معصيته ومعصية رسوله ﷺ كثيرة جدا، فليتأمل المؤمن الناصح لنفسه ما جاء في هذه الآيات المحكمات وما جاء في الأحاديث المذكورة قريبا مما هو ثابت عن النبي ﷺ في تحريم الربا والتشديد فيه، وليقابل كلام الله -تعالى- وكلام رسوله ﷺ بالرضى والقبول والتسليم، وليحذر أشد الحذر من التخلق بأخلاق المنافقين الذين قال الله -تعالى- فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وليحذر أيضا من الاتصاف بصفات الألِدَّاء المعاندين وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ

стр. 39

النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، وليحذر أيضا من الدخول في عداد الأشرار الذين هم أضل سبيلا من الأنعام، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وليحذر أيضا أشد الحذر أن يكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وليحذر أيضا من اتباع الهوى فإن الهوى يعمي ويصم ويصد عن الحق والطريق المستقيم، وقد قال الله -تعالى- لنبيه داود ﵊: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فصل وقد اشتملت الأحاديث التي تقدم ذكرها على فوائد كثيرة وأمور مهمة تتعلق بالربا والمرابين: الأولى: أن أكل الربا من الكبائر السبع الموبقات - والموبقات هي: المهلكات - كما تقدم بيان ذلك في الكلام على الحديث الأول. الثانية: أن أكل الربا جاء مقرونًا مع الشرك بالله والسحر وقتل النفس بغير حق، وهذا يدل على شدة تحريمه. الثالثة: لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا به، قال أهل اللغة: "اللعن هو الطرد والإبعاد من الله"، وقال بعضهم: "هو الطرد والإبعاد من الخير"، ولا منافاة بين القولين؛ لأن من طرده الله وأبعده فقد طرد وأبعد من كل خير. الرابعة: أن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه سواء في الإثم وفيما يلحقهم من اللعن. الخامسة: أن رسول الله ﷺ وضع ما كان في الجاهلية من الربا وفي هذا دليل على أنه يجب وضع ما كان منه في الإسلام بطريق الأولى.

стр. 40

السادسة: أنه ليس للمرابين إلا رؤوس أموالهم ومن طلب الزيادة على رأس ماله فإنه يجب منعه. السابعة: أن أخذ الزيادة على رأس المال ظلم للمأخوذ منه، والله ﵎ قد حرم الظلم على نفسه وجعله محرمًا بين عباده. الثامنة: أنه لا يجوز البخس من رؤوس الأموال؛ لأن ذلك من الظلم لأصحابها. التاسعة: التشديد في أكل الربا والنص على أن أكل الدرهم الواحد منه مع العلم بأنه ربا أشد من ستة وثلاثين زنية، وإذا كان أكل الدرهم الواحد من الربا بهذه المثابة العظيمة في القبح فكيف بمن يجمع القناطير المقنطرة من الربا، وكيف يمن يدعو إلى استحلال الربا باسم الفوائد ويجادل بالباطل في تقرير دعاواه الباطلة وآرائه الفاسدة، ولا يبالي بمخالفته للقرآن والسنة وإجماع المسلمين، فهذا يجيب أن يستتاب فإن تاب وإلا حكم عليه بما جاء في حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم ذكره في الفائدة الرابعة عشرة من فوائد الآيات الواردة في تحريم الربا والتشديد فيه فليراجع (١). العاشرة: أن ظهور الزنا والربا في المسلمين سبب لحلول العذاب. الحادية عشرة: أن آخذ الربا ومعطيه سواء في الحكم وفيما يلحقهما من الإثم واللعن. الثانية عشرة: أن الأحاديث قد تواترت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، وكذلك الفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح. الثالثة عشرة: أن من زاد أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى. الرابعة عشرة: أنه يشترط التماثل والتقابض قبل التفرق فيما إذا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، وأما إذا بيع الذهب بالفضة والبر والشعير والتمر والملح بغير جنسه فإنه يشترط التقابض قبل التفرق، وأما التفاضل فإنه جائز.

стр. 41

الخامسة عشرة: أنه لا فرق في الذهب والفضة بين التبر منها والعين والمصوغ، وقد تقدم بيان معنى التبر والعين في كلام الخطابي على آخر الروايات لحديث عبادة بن الصامت ﵁ وهو الحديث الثامن عشر فليراجع. السادسة عشرة: النهي عن الصرف نسيئة وهو بيع الذهب بالفضة دَينًا، والأمر برد البيع. السابعة عشرة: قال النووي في (شرح مسلم): "قال العلماء: إذا بيع الذهب بذهب أو الفضة بفضة سميت مراطلة، وإذا بيعت الفضة بذهب سمي صرفا؛ لصرفه عن مقتضى البياعات (١) من جواز التفاضل والتفرق قبل القبض والتأجيل، وقيل من صريفهما وهو تصويتهما في الميزان". انتهى. الثامنة عشرة: أنه لا يجوز بيع المصوغ من الذهب بأكثر من وزنه ذهبًا، وكذلك المصوغ من الفضة لا يجوز أن يباع بأكثر من وزنة فضة. التاسعة عشرة: التشديد في الإنكار على من اعتمد على رأيه وخالف النص الثابت عن النبي ﷺ كما تقدم في قصة أبي الدرداء مع معاوية وفي قصة أبي أسيد مع ابن عباس. العشرون: أن في قصة الصائغ مع ابن عمر ﵄ وقصة أبي الدرداء مع معاوية ﵄ أبلغ رد على من يرى جواز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل، وأن الزائد يجعل في مقابلة الصنعة. الحادية والعشرون: أنه إذا كان في القلادة ذهب وخرز فإنها لا تباع بالذهب حتى تفصل ويميز بين الذهب والخرز فيباع ما فيها من الذهب بوزنه ذهبًا. الثانية والعشرون: أنه يجوز لمن باع سلعة بدنانير أن يأخذ عنها دراهم، وإذا باعها بدراهم أن يأخذ عنها دنانير بشرط التقابض قبل التفرق، وبشرط أن يكون ذلك بسعر يومها. الثالثة والعشرون: أنه لا يجوز بيع التمر الطيب بأكثر منه من الرديء وكذلك الحنطة والشعير والملح لا يجوز بيع الطيب منها بأكثر منه من الرديء.

стр. 42

الرابعة والعشرون: الإنكار على من باع التمر الرديء بأقل منه من الطيب والأمر برد البيع، وهكذا الحكم في بيع الرديء من الحنطة أو الشعير أو الملح بأقل منه من الطيب. الخامسة والعشرون: الأمر ببيع الرديء من التمر بالورق ثم الشراء بالورق من الطيب منه، وهكذا الحكم في الحنطة والشعير والملح. وفيما ذكرته من الأحاديث الصحيحة وما اشتملت عليه من الفوائد والأمور المهمة كفاية في بيان موقف الشريعة الإسلامية من تحريم الربا على وجه العموم، وأنه لا فرق في ذلك بين البنوك وغيرها. وفيها أيضا أبلغ رد على الفتان المفتون وعلى أشباهه من المفتونين بأكل الربا واستحلاله باسم الفوائد.

стр. 43

فصل في ذكر الإجماع على تحريم الربا قال النووي في (شرح المهذب): "أجمع المسلمون على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر، وقيل إنه كان محرما في جميع الشرائع وممن حكاه الماوردي". انتهى. ونقل السبكي في (تكملة شرح المهذب) عن ابن المنذر أنه قال: "أجمع علماء الأمصار؛ مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال: وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وجماعة يكثر عددهم من التابعين". قال السبكي: "وممن قال بذلك من الصحابة أربعة عشر منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وطلحة والزبير، روي مجاهد عنهم - أي الأربعة عشر - أنهم قالوا: الذهب بالذهب والفضة بالفضة وأربوا الفضل، وروى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبن فضيل عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن مجاهد، وهؤلاء السبعة من العشرة المشهود لهم بالجنة، وممن صح ذلك عنه أيضا غير هؤلاء السبعة عبد الله بن عمر وأبو الدرداء، وروي عن فضالة بن عبيد، وقد تقدم كلام أبي سعيد وأبي أسيد وعبادة، وقد رويت أحاديث تحريم ربا الفضل من جهة غيرهم من الصحابة، والظاهر أنهم قائلون بها لعدم قبولهم للتأويل". انتهى. وقال الترمذي بعد ذكره حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي تقدم ذكره - وهو الحديث الرابع عشر -: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، إلا ما روي عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يباع الذهب بالذهب متفاضلا والفضة بالفضة متفاضلا إذا كان يدا بيد، وقال إنما الربا في النسيئة. وكذلك روي عن بعض أصحابه شيء من هذا، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن قوله حين حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، والقول الأول أصح، والعمل

стр. 44

على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن المبارك أنه قال ليس في الصرف اختلاف". انتهى كلام الترمذي. ونقل السبكي في (تكملة شرح المهذب) عن ابن عبد البر أنه قال: "لا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنًا، ولا الدرهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه، إلا ما كان عليه أهل مكة قديما وحديثًا من إجازتهم التفاضل على ذلك إذا كان يدا بيد، أخذوا ذلك عن ابن عباس ﵄، قال ابن عبد البر: ولم يتابع ابن عباس علي قوله في تأويله حديث أسامة أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها وليس أحد بحجة عليها". انتهى. وقال الموفق في (المغنى) وابن أبي عمر في (الشرح الكبير): "أجمعت الأمة على أن الربا محرم. قالا: والربا على ضربين؛ ربا الفضل، وربا النسيئة. وأجمع أهل العلم على تحريمهما". وقال النووي في (شرح مسلم): "أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه"، وقال أيضا: "أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالا كالذهب بالذهب، وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير، وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدًا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا إلا ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- عن ابن عباس في تخصيص الربا بالنسيئة". وقال النووي أيضا: "أجمع العلماء على تحريم بيع الذهب بالذهب أو الفضة مؤجلاً وكذلك الحنطة بالحنطة أو بالشعير، وكذلك كل شيئين اشتركا في علة الربا". ونقل النووي أيضا إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة الذي جاء فيه أنه لا ربا إلا في النسيئة. قال: "وهذا يدل على نسخه". انتهى المقصود من كلام النووي.

стр. 45

فصل في ذكر الآثار الدالة على رجوع ابن عباس ﵄ عن قوله بجواز بيع الذهب بالذهب متفاضلا والفضة بالفضة متفاضلا إذا كان يدا بيد، وذلك حين بلغه أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث سعيد الجريري عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف فقال أيدا بيد؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس به، فأخبرت أبا سعيد فقلت: إني سألت ابن عباس عن الصرف فقال أيدًا بيد؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس به. قال أو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه، الحديث وقد تقدم، وهو الحديث السادس والثلاثون. وقد رواه مسلم أيضا والبيهقي من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف فقال ما زاد فهو ربا فأنكرت ذلك لقولهما فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفي آخره أن أبا نضرة قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه، وقد ترجم البيهقي لهذا الحديث وحديثين آخرين أحدهما في رجوع ابن عباس والآخر في رجوع ابن مسعود بقوله (باب ما يستدل به على رجوع من قال - من الصدر الأول - لا ربا إلا في النسيئة عن قوله ونزوعه عنه). وروى الطحاوي في (شرح معاني الآثار) من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي الصهباء أن ابن عباس ﵄ نزع عن الصرف. ومنها ما رواه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ قال: قلت لابن عباس أرأيت الذي تقول: الدينارين بالدينار والدرهمين بالدرهم أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، فقال ابن عباس: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، فقلت: نعم، فقال: فإني لم أسمع هذا، إنما أخبرنيه أسامة بن زيد، قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس.

стр. 46

ومنها ما رواه الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سليمان بن علي الربعي قال: سمعت أبا الجوزاء قال: سمعت ابن عباس يفتي في الصرف قال: فأفتيت به زمانا قال: ثم لقيته فرجع عنه، قال: فقلت له: ولم؟ فقال: إنما هو رأي رأيته، حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ نهى عنه، إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه الإمام أحمد أيضا حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سليمان بن علي الربعي حدثنا أبو الجوزاء غير مرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف يدا بيد فقال: لا بأس بذلك اثنين بواحد أكثر من ذلك وأقل، قال ثم حججت مرة أخرى والشيخ حي فأتيته فسألته عن الصرف فقال وزنا بوزن، قال: فقلت: إنك قد أفتيتني اثنين بواحد فلم أزل أفتي به منذ أفتيتني فقال: إن ذلك كان عن رأي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدث عن رسول الله ﷺ فتركت رأيي إلى حديث رسول الله ﷺ . إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن ماجة عن أحمد ابن عبده أنبأنا حماد بن زيد عن سليمان بن علي الربعي عن أبي الجوزاء قال: سمعته يأمر بالصرف - يعني ابن عباس- ويحدث ذلك عنه ثم بلغني أنه رجع عن ذلك فلقيته بمكة فقلت: إنه بلغني أنك رجعت، قال: نعم، إنما كان ذلك رأيا مني، وهذا أبو سعيد يحدث عن رسول الله ﷺ «أنه نهى عن الصرف» إسناده صحيح على شرط مسلم. وروى البيهقي عن معروف بن سعد أنه سمع أبا الجوزاء يقول كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاءه رجل فسأله عن درهم بدرهمين فصاح ابن عباس وقال: إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله إن كانا لنعمل هذا بفتياك، فقال ابن عباس قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النبي ﷺ نهى عنه، فأنا أنهاكم عنه. ومنها ما رواه الحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه عن حيان بن عبيد الله العدوي قال: سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس ﵄ لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا - يعني يدًا بيد - فكان يقول إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا؟! أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة: «إني لأشتهي تمر عجوة» فبَعَثَتْ صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة فقامتْ فقدَّمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه أعجبه فتناول تمرة ثم أمسك فقال: «من أين لكم هذا؟» فقالت أم سلمة: بعثتُ صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتانا بدل الصاعين هذا الواحد وها هو كُل فألقي التمرة بين يديه فقال: «ردوه

стр. 47

لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدًا بيد عينا بعين مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا»، ثم قال: «كذلك ما يكال ويوزن أيضا». فقال ابن عباس ﵄: "جزاك الله يا أبا سعيد الجنة فإنك ذكرتني أمرا كنت نسيته، أستغفر الله وأتوب إليه"، فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي. هذا لفظه عند الحاكم وقال: "صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي في تلخيصه فقال: "حيان فيه ضعف وليس بالحجة". قلت قد ذكر ابن أبي حاتم في كتاب (الجرح والعديل) عن أبيه أنه قال: "هو صدوق"، وذكر ابن حجر في (لسان الميزان) عن إسحاق بن راهويه أنه قال: "حدثنا روح ابن عبادة، حدثنا حيان بن عبيد الله - وكان رجل صدق -"، قال تقي الدين السبكي في (تكملة شرح المهذب): "إن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ في الحديث عارف به مصنف فيه متفق على الاحتجاج به بصري بلدي للمشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به ومن يثني عليه إسحاق". انتهى، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وعلى هذا فحديثه حسن إن شاء الله تعالى، ولحديثه شواهد كثيرة تُقويه، منها ما تقدم في هذا الفصل، ومنها ما تقدم قبل ذلك من حديث أبي سعيد وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وبلال ﵃ وقد قال تقي الدين السبكي في (تكملة شرح المهذب): "إنه لا يقصر عن رتبة الحسن، قال ويكفي الاستدلال على ذلك أنه لم يعارضه ما هو أقوى منه". انتهى. ومنها ما رواه الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل فمن زاد فقد أربى» فقال ابن عباس: "أتوب إلى الله مما كنت أفتي به، ثم رجع"، قال تقي الدين السبكي في (تكملة شرح المهذب): "إسناده صحيح". ومنها ما رواه الطبراني عن أبي الشعثاء قال: سمعت ابن عباس يقول: "اللهم إني أتوب إليك من الصرف إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النبي ﷺ " قال تقي الدين السبكي في (تكملة شرح المهذب): "رجاله ثقات مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم".

стр. 48

ومنها ما رواه الطبراني عن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا أيها الناس، إنه لا بأس بالصرف ما كان منه يدا بيد إنما الربا في النسيئة"، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري وقال له: "يا ابن عباس، أكلت الربا وأطعمته"، قال: "أوفعلت؟! " قال: "نعم، قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى» " حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا أيها الناس، إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي وإني أستغفر الله -تعالى- منه وأتوب إليه، إن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل تبره وعينه فمن زاد أو استزاد فقد أربى» " وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة. قال تقي الدين السبكي في (تكملة شرح المهذب): "سنده فيه مجهول"، قلت: وله شواهد كثيرة مما تقدم في هذا الفصل وما تقدم قبل ذلك من حديث أبي سعيد وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وبلال ﵃. ومنها ما رواه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) عن عبد الله بن حنين أن رجلا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر ﵄: إن ابن عباس ﵄ قال وهو علينا أمير: "من أعطي بالدرهم مائة درهم فليأخذها" فقال عبد الله بن عمر ﵄ سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا» وقال ابن عمر ﵄: إن كنت في شك فسل أبا سعيد الخدري عن ذلك فسأله فأخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ، فقيل لابن عباس ﵄ ما قال ابن عمر ﵄ فاستغفر ربه وقال: "إنما هو رأي مني"، في إسناده ابن لهيعة وفيه كلام، وقد روى له مسلم وابن خزيمة في صحيحيهما مقرونا بغيره، وروى له البخاري في عدة مواضع من صحيحه مقرونا بغيره ولكنه لا يسميه، قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): "وهو ابن لهيعة لا شك فيه"، وقد أثنى عليه ابن وهب وأحمد بن صالح ووثقه، ووثقه أيضا أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي، وقال ابن حجر في (تقريب التهذيب): "صدوق خلط بعد احتراق كتبه"، وحسن الهيثمي حديثه، وأقره زين الدين العراقي وابن حجر على ذلك، وعلى هذا فحديثه حسن -إن شاء الله تعالى- وله شواهد كثيرة مما تقدم في هذا الفصل وما تقدم قبل ذلك من حديث أبي سعيد وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وبلال ﵃.

стр. 49

ومنها: حديث أبي الزبير المكي - وهو الحديث الأربعون - فقد جاء فيه أن ابن عباس ﵄ كان يفتي بالدينار بالدينارين فأغلظ له أبو أسيد القول، فقال ابن عباس ﵄: "هذا شيء كنت أقوله برأيي، ولم أسمع فيه شيئًا". رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: "وإسناده حسن"، وقد تقدم ذكره. وبما ذكرته من الروايات المتواترة عن ابن عباس ﵄ يعلم قطعا أنه قد رجع عن قوله بجواز بيع الذهب بالذهب متفاضلا والفضة بالفضة متفاضلا إذا كان يدا بيد، وقد روى ابن حزم بإسناده إلى سعيد بن جبير أنه حلف بالله أن ابن عباس ﵄ ما رجع عن قوله في الصرف حتى مات، قال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "قال ابن عبد البر: رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل أحد، ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الجهالات إلى السنة". قلتُ قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بالمماثلة بين الذهب والذهب وبين الفضة والفضة وينهى عن المفاضلة بينهما، وتقدم ذلك في الحديث الرابع عشر وما بعده من الأحاديث فلتراجع، وليتمسك بها المؤمن ولا يلتفت إلى ما خالفها من أقوال الناس وآرائهم، فإنه لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ ، قال مجاهد: "ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ "، رواه البخاري في (جزء رفع اليدين) بإسناد صحيح، وقال سالم بن عبد الله بن عمر ﵄: "سنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع"، رواه البخاري في (جزء رفع اليدين) بإسناد صحيح، وقال الأوزاعي: "كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ﷺ "، رواه الدارمي بإسناد جيد، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد". فصل وقد كان ابن مسعود ﵁ يرى جواز المفاضلة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ثم رجع عن ذلك لما بلغة النهي عنه. قال عبد الرزاق في مصنفه:

стр. 50

"أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن عبد الله بن كنانة أن ابن مسعود صرف فضة بورق في بيت المال، فلما أتى المدينة سأل فقيل إنه لا يصلح إلا مثل بمثل. قال أبو إسحاق: فأخبرني أبو عمرو الشيباني أنه رأي ابن مسعود يطوف بها يردها ويمر على الصيارفة ويقول: لا يصلح الورق بالورق إلا مثل بمثل". وقد رواه البيهقي في سننه من طريق أبي إسحاق - وهو السبيعي - عن سعد بن إياس- وهو أبو عمر والشيباني - قال: "كان عبد الله - يعني ابن مسعود - علي بيت المال وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل حتى قدم فسأل أصحاب محمد ﷺ فقالوا: لا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن، فلما قدم عبد الله أتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنت أبايعكم لا يحل، لا تحل الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن". ورواه الطبراني في الكبير ولفظه قال: "كان عبد الله يرخص في الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين فخرج إلى المدينة فأتي عمر وعليًا وأصحاب رسول الله ﷺ فنهوه عن ذلك، فلما رجع رأيته يطوف في الصيارفة ويقول: ويلكم يا معشر الناس لا تأكلوا الربا ولا تشتروا الدرهم بالدرهمين ولا الدينار بالدينارين"، قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". فصل وقد تقدم في الحديث الرابع والعشرين أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء ﵁: سمعت رسول لله ﷺ : «ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل» فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أن لا تبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن. رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار، ورواه الشافعي وأحمد والنسائي والبيهقي من طريق مالك. وروى مسلم والبيهقي عن أبي الأشعث - واسمه شراحيل بن آده الصنعاني - قال: غزونا غزاه وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ «ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء

стр. 51

بسواء عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» فرد الناس ما أخذوا فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية، أو قال وإن رغم، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. وروى ابن ماجة في الباب الثاني من مقدمة سننه بإسناد حسن عن إسحاق بن قبيصة عن أبيه - وهو قبيصة بن ذؤيب الخزاعي - أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب صاحب رسول الله ﷺ غزا مع معاوية أرض الروم فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر الفضة بالدراهم فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة» فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقصَّ عليه القصة وما قال من مساكنته، فقال: أرجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال فإنه هو الأمر. قال تقي الدين السبكي في (تكملة شرح المهذب): "هذا المنقول عن معاوية معناه أنه كان لا يرى الربا في بيع العين بالتبر ولا بالمصوغ، وكان يجيز في ذلك التفاضل ويذهب إلى أن الربا لا يكون في التفاضل إلا في التبر بالتبر وفي المصوغ بالمصوغ وفي العين بالعين، كذلك نقل عنه ابن عبد البر، فليس موافقا ابن عباس مطلقا وإن كان الذي ذهب إليه من الذي لا يعول عليه". وقال السبكي أيضا: "وأما معاوية فقد تقدم أنه غير قائل بقول أبن عباس مع شذوذ ما قال به أيضا، والظن به لما كتب إليه عمر ﵁ أنه يرجع عن ذلك". قلت: لم يذكر أحد عن معاوية ﵁ أنه خالف قول عمر ﵁ أن الأمر على ما قاله عبادة بن الصامت ﵁، ولا أنه خالف أمره بأن يحمل الناس على ذلك، فيستفاد من عدم مخالفته عمر ﵁ أنه قد رجع عن رأيه الذي واجه به أبا الدرداء وعبادة بن الصامت ﵄، والله أعلم.

стр. 52

فصل وأما حديث أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ربا إلا في النسيئة» فهو حديث صحيح قد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، وقد قال النووي في (شرح مسلم): "أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره، قال: وهذا يدل على نسخه، وتأوله آخرون"، وذكر السبكي في (تكمله شرح المهذب) عن ابن عبد البر أنه استدل على صحة تأويل حديث أسامة بإجماع الناس - ما عدا ابن عباس - عليه - أي علي تأويله-. انتهى. ومن أحسن التأويلات التي ذكرها النووي أنه محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل بل يجوز تفاضلها يدا بيد، وذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) عن الطبري أنه قال: "معنى حديث أسامة «لا ربا إلا في النسيئة» إذا اختلفت أنواع البيع، والفضل فيه يدا بيد ربا، جمعا بينه وبين حديث أبي سعيد، ثم قال بن حجر: (تنبيه) وقع في نسخه الصغاني هنا: قال أبو عبد الله يعني البخاري: سمعت سليمان بن حرب يقول: «لا ربا إلا في النسيئة» هذا عندنا في الذهب بالورق والحنطة بالشعير متفاضلا ولا بأس به يدا بيد ولا خير فيه نسيئة". انتهى. وقال ابن حبان في صحيحة: "معنى الخبر أن الأشياء إذا بيعت بجنسها من الستة المذكورة في الخبر وبينهما فضل يكون ربا، وإذا بيعت بغير أجناسها وبينها فضل كان ذلك جائزا إذا كان يدا بيد، وإذا كان ذلك نسيئة كان ربا". انتهى. وروى البيهقي في سننه عن أبي المنهال - واسمه عبد الرحمن بن مطعم البناني - قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: "كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال: «ما كان منه يدا بيد فلا بأس وما كان منه نسيئة فلا» " وهذا الحديث قد تقدم ذكره وهو الحديث الحادي والعشرون والحديث الثاني والعشرون، وقد ذكرت له عدة روايات عند البخاري ومسلم فليراجع، ثم قال البيهقي بعد إيراده وذكر من خرجه من الأئمة أن الخبر يكون واردا في بيع الجنسين أحدهما بالآخر، فقال: «ما كان منه يدا بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا» وهو المراد بحديث أسامة، والله أعلم. قال: والذي يدل على ذلك أيضا ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ... ثم ساق بإسناده إلى أبي المنهال قال: سألت

стр. 53

البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الورق بالذهب دينا"، وقال الموفق في (المغنى) وابن أبي عمر في (الشرح الكبير): "قول النبي ﷺ «لا ربا إلا في النسيئة» محمول على الجنسين". وبما ذكره هؤلاء الأئمة في تأويل حديث أسامة وبيان معناه يحصل الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد وغيره من الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل وينتفي عنها التعارض، والله أعلم. فصل وقد زعم الفتان في بيانه لموقف الشريعة الإسلامية من المصارف أنه يمكن القول أنه لن تكون هناك قوة إسلامية بدون قوة اقتصادية، ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك ولن تكون هناك بنوك بلا فوائد. والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحريم الربا على وجه العموم، وتظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمه وأجمع المسلمون على تحريمه وعلى أنه من الكبائر، وقد ذكرت ذلك مستوفى فيما تقدم فليراجع. فهذا هو موقف الشريعة الإسلامية من الربا في المصارف وغير المصارف. ومَن قال بخلاف هذا فهو مفتر على الشريعة وقوله مردود عليه ومضروب به عرض الحائط. الوجه الثاني: أن يقال: إن المقدمات الثلاث التي بني الفتان عليها آراءه الفاسدة كلها أباطيل وشبهات وتلبيس على الذين لا يعرفون مقصوده السيئ من كتابته وأن هدفه الوحيد هو استحلال الربا في البنوك ودعاء الناس إلى استحلاله وعدم المبالاة بما يترتب على ذلك من محاربة الله ورسوله ﷺ ومخالفة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. فأما المقدمة الأولى وهي قوله: إنه لن تكون قوة إسلامية بدون قوة اقتصادية فهي من توهماته التي يكذبها الواقع من حال المسلمين في أول هذه الأمة وفي آخرها. فأما الواقع في أول هذه الأمة فهي القوة الإسلامية التي كانت في زمن النبي ﷺ وزمن أبي بكر الصديق ﵁ وأول زمان عمر بن الخطاب ﵁، وقد كانت هذه القوة الإسلامية قوية التأثير؛ لأنها زلزلت المخالفين للإسلام من العرب وغير

стр. 54

العرب وخاف منها هرقل وغيره من أكابر الملوك. وقد مكَّن الله للمسلمين بهذه القوة فاستولوا على جميع جزيرة العرب وعلى كثير مما حولها من بلاد الفرس والروم، ولم يكن لهم في تلك الأزمان قوة اقتصادية سوى ما يحصل لهم من الغنائم في بعض الغزوات وهي لا تكفي لما يحتاجون إليه لمجابهة أعدائهم. وقد استعار النبي ﷺ في غزوة حنين أدراعًا من صفوان بن أمية - وهو إذا ذاك مشرك - ولو كانت عند النبي ﷺ قوة اقتصادية لما احتاج إلى الاستعارة من رجل مشرك، وكذلك قد حث النبي ﷺ أصحابه على تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك، وكانت هذه الغزوة في أثناء سنة تسع من الهجرة. ولو كانت عند النبي ﷺ قوة اقتصادية لكان يجهزهم من عنده ولا يحتاج إلى ترغيب الأغنياء في تجهيزهم، والدليل على أن النبي ﷺ لم تكن عنده قوة اقتصادية قول الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾، وهذه الآية نزلت في المتخلفين عن الخروج مع النبي ﷺ في غزوة تبوك. وأما الواقع في آخر هذه الأمة فهو ما كانت عليه الدولة السعودية في زمن الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وزمن ابنه سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود -رحمهما الله تعالى-، فقد كانت للإسلام قوة عظيمة في زمن هذين الإمامين، وقد مكَّن الله لهذه الدولة ويسر لهم الإستيلاء على جزيرة العرب سوى بعض البلاد اليمنية، وامتدت ولايتهم من ناحية المشرق حتى تجاوزت ما يسمى الآن بدولة الإمارات، وأرهبوا كثيرا ممن حولهم من العرب وغير العرب، ولم تكن لهم في ذلك الزمان قوة اقتصادية. ثم كانت قوة عظيمة في زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل -رحمه الله تعالى-، وقد مكَّن الله له بهذه القوة ويسر له الاستيلاء على جزيرة العرب سوى بعض البلاد اليمنية، ولم تكن له في زمانه الذي استولى فيه على أكثر جزيرة العرب قوة اقتصادية، وإنما حصلت له القوة الاقتصادية حين أخرج الله خزائن البترول من الأرض.

стр. 55

ومن الأمثلة على وجود القوة الإسلامية مع عدم وجود القوة الاقتصادية ما هو معروف في زماننا عن المجاهدين الأفغان، فإنهم ليست لهم قوة اقتصادية، بل هم في غاية الحاجة وقلة العدد والعدة بالنسبة إلى أعدائهم، ومع هذا فقد كانت لهم قوة إسلامية مرهوبة عند أعدائهم، وقد نصرهم الله -تعالى- في كثير من المعارك الدائرة بينهم وبين الدولة الشيوعية التي هي من أكبر الدول في العالم وأعظمها قوة اقتصادية، وفي هذا عبرة لمن اعتبر، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ومما ذكرته من وجود القوة الإسلامية في أول هذه الأمة وفي آخرها مع عدم وجود القوة الاقتصادية عندهم يعلم أن لا تلازم بين القوة الإسلامية والقوة الاقتصادية. وفي هذا أبلغ رد على ما توهمه الفتان في مقدماته الثلاث التي بني بعضها على بعض بمجرد ما تخيله بعقله الفاسد. وأما المقدمة الثانية وهي قوله: لن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك، فهي مقدمة باطلة. ويدل على بطلانها ما كان عليه المسلمون منذ فتحت خزائن الملوك في زمان عمر بن الخطاب ﵁ وبعد زمانه فقد كانت لهم قوة اقتصادية عظيمة، وهم مع هذا لا يعرفون البنوك ولا التعامل بالربا فضلا عن استحلاله، وكذلك كان الأمر في زمان بني أمية وبني العباس وغيرهم من الدول الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، فقد كان عند كثير منهم من الأموال والقوة الاقتصادية ما يعرفه من تتبع السير والأخبار وهم مع هذا لا يعرفون البنوك ولا التعامل بالربا. وأما المقدمة الثالثة وهي قوله: لن تكون هناك بنوك بلا فوائد. فهي مقدمة باطلة، وبيان ذلك من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الزيادة على رؤوس الأموال وهي التي يدفعها أهل البنوك لأهل الأموال مقابل ما يمنحوهم من الانتفاع بأموالهم ليست بفوائد على الحقيقة، وإنما هي عين الربا الذي حرمه الله ورسوله ﷺ وأجمع المسلمون على تحريمه، وهي شبيهة بربا أهل الجاهلية؛ لأن أرباب الأموال إذا تركوا رؤوس أموالهم عند أهل البنوك أرباها أهل البنوك لهم في كل عام بنسبة معلومة في كل مائة، وهذه النسبة تضاف إلى رؤوس الأموال، وربما اجتمع منها شيء كثير لأهل الأموال ولا سيما إذا تركوا أموالهم في البنوك أعواما كثيرة. وهذا الفعل مطابق لما يفعله الأغنياء في

стр. 56

الجاهلية مع المدينين. وقد تقدم كلام الجصاص في بيان ربا أهل الجاهلية فليراجع (١). وقد ذكرت معنى الربا عند أهل اللغة والمفسرين في الفائدة الثالثة من فوائد الآيات الدالة على تحريم الربا فلتراجع أقوالهم في ذلك فإن بعضها ينطبق على المعاملات الربوية في البنوك. الوجه الثاني: أن يقال: إن تسمية الزائد على رؤوس الأموال فوائد متضمن لأمرين خطيرين؛ أحدهما قلب الحقيقة في هذه التسمية وذلك من الكذب، والكذب حرام وكبيرة من كبائر الإثم. الأمر الثاني: التحيُّل على استحلال الربا، وهذه الحيلة شبيهة بحيلة أصحاب السبت من اليهود. والتشبه باليهود حرام وكبيرة من كبائر الإثم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وإسناده جيد. وهذه الحيلة لا تنقل الزيادة الربوية من التحريم إلى الحل. بل التحريم لازم لها سواء سميت باسمها الحقيقي وهو الربا أو سميت الاسم المستحدث لها وهو الفوائد. وقد رد بعض العلماء في القرن الرابع عشر من الهجرة على الذين سموا الزيادات الربوية باسم الفوائد. فمن ذلك ما ذكره الشيخ محمد بن يوسف الشهير بالكافي التونسي في كتابة المسمى بـ (الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية) نقلا عن العلامة إبراهيم السمنودي المنصوري أنه قال في رسالته المسماة: بـ (سيف أهل العدل، على نحر من نازعوا في زماننا في تحريم ربا القرض والفضل) في صفحة (٤) بعد أن تكلم مع الجماعة الذين يحاولون إبراز القول بتحليل بعض أنواع الربا ولكن مباحثهم لا تزال عقيمة ولم يجسر واحد منهم على البت بالحكم مخافة أن يرمي بالكفر، فهم في خطبهم يحومون حول الموضوع حوما ولا يجابهونه مجابهة. مع أن الشيخ محمد عبده تقدمهم في هذا السبيل وأفتى على قاعدة أن الله أراد بالناس اليسر لا العسر وأن الفائدة غير الربا وأن الربا المحرم دينا هو الربا المحرم قانونا والمحسوب جناية. انتهى. قلت هذه الفتوى من محمد عبده حقيقتها تحليل ما حرمه الله ورسوله من ربا الفضل. وهي مردودة بنصوص القرآن على تحريم الربا على وجه العموم، وبنصوص السنة على تحريم الربا بنوعية - أي ربا الفضل وربا النسيئة - وبالنص على أن من زاد

стр. 57

أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء. وبالإجماع على تحريم الربا على وجه العموم والإجماع على أنه من الكبائر. وتحليل الربا وتسميته باسم الفائدة ليس من اليسر الذي أراده الله بعباده كما قد زعم ذلك محمد عبده وإنما هو من تحريف الكلم عن مواضعه وتغيير حكم الله ورسوله في الربا وتطبيقه على حكم القانون. فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من الاغترار بفتوى محمد عبده بتحليل الربا وتسميته باسم الفائدة، وليحذر أيضا من الاغترار بفتاوى رشيد رضا بتحليل ربا الفضل وتسميته باسم الفائدة بناء على ما مهده له شيخه محمد عبده من تحريف الكلم عن مواضعه وتغيير حكم الله ورسوله في الربا وتطبيقه على حكم القانون. وقد قال الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه المسمى (عمدة التفسير) تعليقا على قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآية: "والمتلاعبون بالدين من أهل عصرنا وأولياؤهم من عابدي التشريع الوثني الأجنبي، بل التشريع اليهودي في الربا يلعبون بالقرآن ويزعمون أن هذه الآية تدل على أن الربا المحرم هو الأضعاف المضاعفة ليجيزوا ما بقي من أنواع الربا على ما ترضى أهواؤهم وأهواء سادتهم ويتركوا الآية الصريحة ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فكانوا في تلاعبهم بتأول هذه الآية الصريحة أسوأ حالا ممن ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". انتهى. وقال الشيخ محمود شلتوت في كتابه (تفسير القرآن الكريم): "بقي علينا أن ننبه في هذا الشأن لأمر خطير هو أن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة وتخريجها على أساس فقهي إسلامي ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير، يحاولون أن يجدوا تخريجا للمعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف أو صناديق التوفير أو السندات الحكومية أو نحوها. ويلتمسون السبيل إلى ذلك. فمنهم من يزعم أن القرآن إنما حرم الربا الفاحش بدليل قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ فهذا قيد في التحريم لابد أن يكون له فائدة وإلا كان الإتيان به عبثا، تعالى الله عن ذلك، وما فائدته في زعمهم إلا أن يؤخذ بمفهومه وهو إباحة ما لم يكن أضعافا مضاعفة من الربا. وهذا قول باطل فإن الله أتى بقوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ توبيخا لهم على

стр. 58

ما كانوا يفعلون وإبرازا لفعلهم السيئ وتشهيرًا به. يقول الله لهم لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافا مضاعفة فلا تفعلوا ذلك، وقد جاء النهي في غير هذه المواضع مطلقا صريحا ووعد الله بمحق الربا قلَّ أو كثر ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه كما جاء في الآثار. وآذن من لم يدعه بحرب الله وحرب رسوله. واعتبره من الظلم الممقوت وكل ذلك ذكر فيه الربا على الإطلاق دون تقييد بقليل أو كثير. ومنهم من يميل إلى اعتباره ضرورة من الضرورات بالنسبة للأمة، ويقول مادام صلاح الأمة في الناحية الاقتصادية متوقفا على أن تتعامل بالربا وإلا اضطربت أحوالها بين الأمم فقد دخلت بذلك في قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وهذا أيضا مغالطة، فقد بينا أن صلاح الأمة لا يتوقف على هذا التعامل وأن الأمر فيه إنما هو وهم من الأوهام وضعف أمام النظم التي يسير عليها الغالبون الأقوياء. وخلاصة القول أن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرم الله أو تبرير ارتكابه بأي نوع من أنواع التبرير بدافع المجاراة للأوضاع الحديثة أو الغربية، والانخلاع عن الشخصية الإسلامية إنما هي جرأة على الله -تعالى- وقول عليه بغير علم وضعف في الدين وتزلزل في اليقين". انتهى كلامه. ولقد أجاد في رده على المتلاعبين بالدين وهم الذي يغالطون في تحريم الزيادة الربوية ويستحلونها باسم الفوائد، أو بالاستناد إلى مفهومهم الخاطئ في تأويل قول الله -تعالى-: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. أو بما يزعمونه من اعتبار الضرورة التي تبيح المحظور، وهؤلاء المغالطون في تحريم الزيادة الربوية ينطبق عليهم قول الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وفي كلام الشيخ أحمد محمد شاكر والشيخ محمود شلتوت أبلغ رد على الفتان الذي قد اقتفى آثار المتلاعبين بالدين، وبذل جهده في نشر أباطيله في تحليل الربا والدعوة إلى استحلاله. الوجه الثالث: أن يقال: إن البنوك التي يتعامل أهلها بالربا قد كثرت جدًا في جميع أنحاء البلاد الإسلامية منذ زمان طويل، ومع هذا فإنه لم يحصل منها قوة اقتصادية للمسلمين فضلا عن أن يحصل بسببها قوة إسلامية يرهب منها أعداد الإسلام

стр. 59

والمسلمين، بل إن الأمر بالعكس بحيث أن المسلمين أصيبوا بالضعف والوهن حينما كثرت عندهم البنوك التي يتعامل أهلها بالربا ويستحلونه، ووقع فيهم الاستذلال لأعداء الله -تعالى- وخصوصا لما يسمى بمجلس الأمن - وهو في الحقيقة مجلس أمن للأقوياء من دول الكفر، ومجلس بضد الأمن للمستضعفين من المسلمين وغير المسلمين - وهذا مصداق ما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود عن أبن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» هذا لفظ أبي داود، ولفظ أحمد: «لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر وتبايعتم بالعينة وتركتم الجهاد في سبيل الله ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم ثم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه وتتوبوا إلى الله». العينة نوع من أنواع الربا، وفي البنوك من المعاملات الربوية ما هو أعظم من العينة بكثير، وبالجملة فالتعامل بالربا شر محض، ولا يتعامل به إلا جاهل أو مكابر معاند. الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- أخبر في كتابه أنه يمحق الربا. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل» وقد ذكرت هذا الحديث في الفائدة التاسعة من فوائد الآيات الدالة على تحريم الربا فليراجع. وما كان بهذه المثابة فإنه لا يمكن أن يحصل منه قوة اقتصادية للمسلمين، وإنما يخشى أن يكون سببا لحلول العقوبة العامة لقول النبي ﷺ : «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه أبو يعلى بإسناد جيد من حديث ابن مسعود ﵁ وتقدم ذكره، وروى الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وصححه الحاكم والذهبي، وتقدم ذكره أيضا. وفي نص الآية الكريمة على محق الربا ونص الحديث على أن عاقبته تصير إلى قل أبلغ رد على الفتان الذي قد توهم أنه يحصل من الربا قوة اقتصادية للمسلمين. الوجه الخامس: أن يقال: إن البنوك الإسلامية التي لا يتعامل أهلها بالربا قد وجدت في بعض البلاد الإسلامية وهي أكثر أرباحًا من البنوك التي يتعامل أهلها بالربا، فمنها (بنك فيصل الإسلامي) ومقره في القاهرة، وله فروع كثيرة في بعض البلاد الإسلامية، وهذا البنك لا يتعامل أهله بالربا، وإنما يأخذون الأموال من أهلها

стр. 60

على وجه المضاربة فيعملون فيها بالأعمال المباحة من بيع وشراء واستئجار وتأجير وأخذ مقاولات وغير ذلك من الأمور التي لا بأس بها، وإذا حصل لهم ربح قسموه على قدر ما يستحقه كل واحد من أهل الأموال. فهذا البنك يحصل فيه ربح كثير لأهل الأموال مع سلامتهم من أخذ الربا وإعطائه، وقد حصلت فيه أرباح كثيرة جدًا في عامي ١٤٠٦هـ و١٤٠٧هـ وهي مذكورة في صحيفة الجزيرة الصادرة في مدينة الرياض في يوم الأربعاء ١١ ربيع الثاني عام ١٤٠٨هـ عدد ٥٥٤٣ فليراجع المفتونون بالمعاملات الربوية في البنوك غير الإسلامية هذا العدد من صحيفة الجزيرة ليعلموا أنهم قد حرموا من أرباح كثيرة وأنهم لم يحصلوا على طائل في البنوك غير الإسلامية، مع ما حصلوا عليه من خسارة الدين وما سيحصل لهم من العذاب في البرزخ وفي الدار الآخرة إن لم يتوبوا إلى الله -تعالى- وينزعوا عن المعاملات الربوية. ومن تاب منهم توبة صادقة فإنه يُرجى له العفو عما سلف منه. ومن البنوك الإسلامية أيضا بيت التمويل الكويتي. وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن سلامة الدين لا يعدلها شيء من الأمور الدنيوية. وعلى هذا فمن أحب أن يسلم له دينه مع حصول الأرباح الكثيرة فليجعل ماله في البنوك الإسلامية وليجتنب البنوك التي يتعامل أهلها بالربا. ولا يغتر بما يهذو به الفتان وأمثاله من المحاربين لله ورسوله. فصل وأما قول الفتان إن وظيفة الجهاز المصرفي في اقتصادٍ ما تشبه إلى حد كبير وظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تمامًا كالقلب الذي يتولى ضخ الدم في عروق جسم الإنسان يقوم البنك بتسيير النقود في عروق الحياة الاقتصادية لأي بلد لتعيش وتزدهر. فجوابه أن يقال: إن تشبيه الفتان وظيفة الجهاز المصرفي بالنسبة للحياة الاقتصادية بوظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تشبيه في غاية الفساد، وبيان ذلك من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن حياة كل إنسان، بل وكل حيوان تتوقف على سلامة قلبه وقيامه بالوظيفة التي جعلها الله له من ضخ الدم في العروق. فإذا عجز القلب عن القيام بوظيفته فإن مآل صاحبه إلى الموت ولابد، وليست البنوك بهذه المثابة من صفة القلب؛ لأن مصالح الناس واقتصاداتهم ليست متوقفة على التعامل مع أهل البنوك، ولو أن

стр. 61

البنوك أزيلت من جميع البلاد الإسلامية لما كان على المسلمين ضرر من إزالتها ولم تتعطل مصالحهم واقتصادياتهم من أجل إزالتها. والوجه الثاني: أن يقال: إن كثيرا من المسلمين بل أكثرهم لا يتعاملون مع أهل البنوك بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالحهم واقتصادياتهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، ولو كان الأمر في البنوك على وفق ما زعمه الفتان لما كان يتم لهم شيء من المصالح والاقتصاديات، وبهذا يعلم بطلان ما زعمه الفتان من تشبيه وظيفة البنك بوظيفة القلب. الوجه الثالث: أن يقال: إن المسلمين قد عاشوا أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهم لا يعرفون البنوك، ومع هذا فإن مصالحهم واقتصادياتهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، ولم يكن في عدم البنوك في زمانهم أدنى شيء من المضرة لهم في مصالحهم واقتصادياتهم، وعلى هذا فهل يقول الفتان إن مصالح المسلمين واقتصادياتهم كانت متعطلة في أكثر من ثلاثة عشر قرنا لعدم البنوك التي تقوم بتسيير النقود في عروق الحياة الاقتصادية عندهم، أم ماذا يجيب به عن هذيانه الذي يتنزه عنه كل عاقل؟! الوجه الرابع: أن يقال: إن التعامل بالربا مع أهل البنوك شبيه بداء السرطان الذي يفتك بالأبدان ويؤول بها إلى العطب. بل إن التعامل بالربا أعظم ضررًا على المرابين من ضرر السرطان على الأبدان؛ لأن السرطان إذا عظم واشتد فإنما يؤول بصاحبه إلى الموت ولا بد له منه. وفي الموت راحة لكل مؤمن. وأما الربا فإن ضرره على المُصرِّين عليه عظيم جدا، فمنه ما يكون في الدنيا، ومنه ما يكون في البرزخ بين الدنيا والآخرة. ومنه ما يكون في الدار الآخرة، فأما ضرره في الدنيا فمنه ما يتعلق بالدين، ومنه ما يتعلق بالمال، ومنه ما يتعلق بالأبدان، فأما ضرره المتعلق بالدين فبيانه من وجوه؛ أحدها: أنه من الكبائر السبع الموبقات - أي المهلكات - والكبائر لا تغفر إلا بالتوبة منها. الوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه؛ واللعن هو الطرد من الله ومن الخير. الوجه الثالث: أن الله -تعالى- آذن المرابين بالحرب منه ومن رسوله ﷺ ، وما أعظم الخطر في هذا. وأما ضرره المتعلق بالمال فإن الله -تعالى- أخبر أنه يمحق الربا. أي يهلكه ويذهب ببركته، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل».

стр. 62

وأما ضرره المتعلق بالأبدان فهو ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه". وقد صرح غير واحد من العلماء بتكفير من استحل الربا. وأما ضرر الربا على أهله في البرزخ فهو على ثلاثة أنواع؛ النوع الأول: أن المرابين يعذبون بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم أو هو من الدم ويلقمون الحجارة. النوع الثاني: ما روي أن بطونهم تكون كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. النوع الثالث: ما روي أنهم يصفدون على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيًا فيتوطؤهم آل فرعون. وأما ضرر الربا على أهله في الدار الآخرة فهو أنهم إذا بعثوا من قبورهم عذبوا بالجنون أو بما يشبه الجنون عقوبة لهم وتمقيتا عند جمع المحشر، ثم يكون مآلهم إلى النار. وكل ما ذكرته ههنا من ضرر الربا على أهله فقد تقدم بيانه في الآيات والأحاديث الدالة على تحريم الربا وفي فوائدها فليراجع، وليتأمله المؤمن الناصح لنفسه حق التأمل، ولا يكن إمَّعة يتلاعب الفتان وأمثاله بعقله ويوردونه موارد العطب والهلاك. فصل وأما قول الفتان: لكن هناك من يحاول تعطيل هذا الجهاز عن القيام بوظيفته خوفا من أن أعماله مشوبة بالربا الذي ورد تحريمه في القرآن الكريم. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن كلام الفتان في هذه الجملة مبنى على المغالطة والتلبيس على الذي لا يعلمون أن الربا هو الزيادة التي يدفعها أهل البنوك لأهل الأموال مقابل انتفاعهم بأموالهم ويسمونها بالفائدة، وهي في الحقيقة عين الربا الذي حرمه الله ورسوله ﷺ وأجمع المسلمون على تحريمه. الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد حاول في هذه الجملة أن يدافع عن أهل البنوك وينزه أعمالهم عن الربا، ولهذا عبر بالخوف من أن تكون أعمال البنوك مشوبة بالربا. وهذا خطأ ظاهر ومراوغة عن بيان الحقيقة التي يعرفها كل عاقل، وهي أن المعاملات الربوية هي السائدة في البنوك وهي الركن الأعظم فيها، وعلى هذا فإن كلام الفتان في هذه الجملة مردود عليه ومضروب به عرض الحائط.

стр. 63

الوجه الثالث: أن يقال: إن الذين يحاولون تعطيل الجهاز الربوي في البنوك لم تكن محاولتهم مبينة على الخوف من أن تكون أعمال أهل البنوك مشوبة بالربا وإنما هي مبنية على اليقين من وجود الربا في جميع البنوك سوى البنوك الإسلامية وهم في هذه المحاولة قد أحسنوا غاية الإحسان لأنهم فعلوا ما أمروا به من النهي عن المنكر والسعي في إزالته. فصل وأما قول الفتان: كيف ينظر فقهاء المسلمين إلى الظاهرة الاقتصادية للفائدة؟ ولماذا يعتبر القرض بفائدة محرما في نظرهم؟ فجوابه: أن يقال: ما سماه الفتان بالظاهرة الاقتصادية للفائدة فمعناه ما يتعامل به بعض الناس مع أهل البنوك من المعاملات الربوية، وذلك أنهم يدفعون إليهم أموالهم ويمنحونهم الانتفاع بها بنسبة معلومة في المائة في كل عام. وهذه النسبة هي التي يسمونها الفائدة وهي عين الربا وهي شبيهة بربا أهل الجاهلية. وقد تقدم بيان ذلك في أول الكلام على المقدمة الثالثة من مقدمات الفتان فليراجع. وأما قوله: لماذا يعتبر القرض بفائدة محرمًا في نظرهم؟ فجوابه: أن يقال: إنما يعتبر القرض بفائدة محرما لأنه ربا والربا من الكبائر السبع الموبقات - أي المهلكات - وقد تقدم النص على ذلك في حديث أبي هريرة المتفق على صحته، وقد قال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن): "الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض هذا كان المتعارف المشهور بينهم". وقال أيضا: "من الربا ما هو بيع ومنه ما ليس ببيع وهو ربا أهل الجاهلية وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض" انتهى. وتعريفه للربا عند أهل الجاهلية مطابق لما يفعله أهل البنوك من الإقراض والاستقراض بما يسمونه الفائدة وهي عين الربا الذي كان يعمل به في الجاهلية. والدليل على أن القرض بفائدة من الربا قول النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري وتقدم ذكره.

стр. 64

وعن عبادة بن الصامت وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وتقدم ذلك أيضا. وعن أبي بكرة ﵁ قال: «نهى رسول الله عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء» متفق عليه وتقدم ذكره أيضا. وتقدم أيضا عن عليٍّ وابن عمر وأبي هريرة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما». وقد جاء عن عدد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا في القرض الذي يجر منفعة أنه ربا، فمن ذلك ما رواه البخاري والبيهقي واللفظ للبخاري عن سعيد بن أبي برده عن أبيه أن عبد الله بن سلام ﵁ قال له: "إنك في أرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قتٍّ فإنه ربا" وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه مختصرا. وبوَّب البيهقي عليه وعلى عدة آثار في معناه بقوله: "باب كل قرض جر منفعة فهو ربا". وروى البخاري والبيهقي أيضا واللفظ للبيهقي عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة أن عبد الله بن سلام ﵁ قال له: "إنك في أرض الربا فيها فاش، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يقرض القرض إلى أجل فإذا بلغ أتاه به وبِسلَّة فيها هدية، فاتَّق تلك السلة وما فيها". وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن زر بن حبيش قال أتيت أُبيَّ بن كعب فقلت: إني أريد العراق أجاهد فقال لي: "إنك تأتي أرضا فاشيا بها الربا، فإذا أقرضت رجلا قرضا فأهدي لك هدية فخذ قرضك واردد إليه هديته". وروى ابن أبي شيبة أيضا عن زيد بن أبي أنيسة أن عليًا ﵁ سُئل عن الرجل يقرض الرجل القرض ويهدي إليه قال: "ذلك الربا العجلان". وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن سيرين قال: أقرض رجل رجلا خمسمائة درهم واشترط عليه ظهر فرسه، فقال ابن مسعود ﵁: "ما أصاب من ظهر فرسه فهو ربا" وفي رواية للبيهقي أن عبد الله بن مسعود ﵁ سُئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن المستقرض أفقر المقرض ظهر دابته فقال عبد الله: "ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا" قال البيهقي: قال أبو عبيد: "يذهب إلى أنه قرض جرَّ منفعة".

стр. 65

وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقول: "من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه وإن كانت قبضة من علف فهو ربا". وفي الموطأ أيضا عن مالك أنه بلغه أن رجلا أتى عبد الله بن عمر ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أسلفت رجلا سلفا واشترطت عليه أفضل مما أسلفته فقال عبد الله بن عمر ﵄: "فذلك الربا" وقد رواه عبد الرزاق والبيهقي من طريق مالك. وروى البيهقي أيضا عن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: "كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا". وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه قال: "كل قرض جر منفعة فهو ربا" إبراهيم هو النخعي وهو من فقهاء التابعين. وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من يستحل الربا في القرض ويسميه فائدة. فصل وقد ذكر الفتان قول الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ثم قال ما نصه: "وذلك لأن هؤلاء قد استعجلوا الأرباح فأتوها من غير طريق التجارة وهو طريق استغلال ظروف المحتاجين للصدقة الذين قلَّ ما يستطيعون وفاء ديونهم وما تراكم عليها من ربا للمرابين، ولذلك فإن هذه المغامرة في استغلال حاجة غير القادر ومضاعفة الربا عليه كلما حل الأجل وعجز عن الوفاء تجعل من هؤلاء المستغلين عند عجز المدين عن الوفاء كالذي يتخبطه الشيطان من المس؛ لأنه قد فقد رأس ماله إلى جانب فقده لأرباحه الاستغلالية بعد أن انتظر هذه الأضعاف المضاعفة بفارغ الصبر. وقد جرى كثير من المفسرين على أن القيام في هذه الآية هو القيام للبعث ولكن لم لا يكون المراد القيام في الدنيا والقيام للبعث والحساب". والجواب: أن يقال: إن تفسير الفتان لقول الله -تعالى-: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ تفسير غريب جدًا. وقد جمع فيه بين القول في القرآن بغير علم وبين المخالفة لإجماع المفسرين على أن المعنى في الآية لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون.

стр. 66

فأما القول في القرآن بغير علم فهو حرام وكبيرة من الكبائر بدليل ما جاء من الوعيد الشديد عليه، وذلك فيما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي رواية للترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، قال البغوي: قال شيخنا (١) الإمام: "قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قِبل نفسه شيئا من غير علم". انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من فسَّر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفترٍ على الله ملحد في آيات الله محرِّف للكلم عن مواضعه". انتهى. وأما إجماع المفسرين على أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون فقد ذكره ابن جزي في تفسيره، وقال ابن عطية في تفسيره: "إن هذا التأويل مجمع عليه ... قال: ويقويه أن في قراءة عبد الله بن مسعود لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم". وقال الماوردي في تفسيره: "يكون ذلك في القيامة علامة لآكل الربا في الدنيا". وقال النسفي: "المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف"، وروي ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "ذلك حين يبعث من قبره"، وقال ابن عطية في تفسيره: "قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد، معنى قوله: (لا يقومون) من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم يجعل معه شيطان يخنقه، وقالوا: كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جمع المحشر". انتهى. وقد ذكرت هذه الأقوال في الفائدة الرابعة من فوائد الآيات الدالة على تحريم الربا، وإنما أعدتُ ذكرها في هذا الموضع تنبيها على جراءة الفتان على القول في القرآن بغير علم وجراءته على مخالفة أهل العلم من الصحابة والتابعين. وأما قوله: وقد جرى كثير من المفسرين على أن القيام في هذه الآية هو القيام .....

стр. 67

للبعث، ولكن لم لا يكون المراد القيام في الدنيا والقيام للبعث والحساب. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد تقدم ذكر الإجماع من المفسرين على أن المراد بالقيام المذكور في الآية هو القيام من القبور يوم القيامة وما خالف الإجماع فهو مطرح ومردود على قائله. الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد أخطأ في تعبيره حيث نسب القول الذي قد أجمع عليه المفسرون إلى كثير منهم ولم يذكر أنهم قد أجمعوا عليه، وهذا من عدم الأمانة في النقل. الوجه الثالث: أن يقال: إن الفتان قد تعرض للوعيد الشديد حيث قال في القرآن برأيه وذلك في قوله: "ولكن لم لا يكون المراد القيام في الدنيا والقيام للبعث والحساب" وكان ينبغي له أن يقتصر على ما جاء عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ لأن كلا منهما حبر من أحبار هذه الأمة وترجمان للقرآن. فأما ابن مسعود ﵁ فقد روي ابن أبي حاتم عنه أنه كان يقرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ يَومَ القيامَةِ﴾. وأما ابن عباس ﵄ فقد روى ابن جرير عنه أنه قرأ ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال: ذلك حين يبعث من قبره، وقد قال بهذا القول جمع من التابعين وتقدم ذكر ذلك عنهم. وتقدم أيضا ذكر الإجماع عليه. وفي قراءة ابن مسعود وقول ابن عباس أبلغ رد على الفتَّان وعلى غيره من المتكلفين الذين يقولون في القرآن بآرائهم ويتأولونه على غير تأويله. الوجه الرابع: أن يقال: لو كان القيام المذكور في الآية يراد به القيام في الدنيا كما يراد به القيام للبعث لكان أهل البنوك ومن يعاملهم بالمعاملات الربوية مجانين يخنقون أو كالمجانين الذين يتخبطهم الشيطان من المس، والواقع شاهد بسلامة أبدانهم من التعذيب بهذا في الدنيا، ولكنه مُدَّخر لهم في الدار الآخرة حين يبعثون من قبورهم عقوبة لهم وتمقيتا عند جمع المحشر.

стр. 68

فصل وقال الفتان: "يقول الأستاذ الشيخ محمد عبده، قال ابن عطية في تفسيره المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة قد جُنَّ، ثم قال أقوال: وهذا هو المتبادر ولكن ذهب جمهور المفسرين إلى خلافه وقالوا إن المراد بالقيام القيام من القبر عند البعث وأن الله -تعالى- جعل من علامة الذين يأكلون الربا يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين. ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، وبعد أن وهَّن هذا الرأي من جهة ضعف نقله قال: أما ما قاله ابن عطية فهو ظاهر في نفسه، فإن أولئك الذين فتنهم المال واستعبدهم حتى ضريت نفوسهم بجمعه وجعلوه مقصودا لذاته وتركوا لأجل الكسب به جميع موارد الكسب الطبيعي، تخرج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس، ويظهر ذلك في حركاتهم. وهذا هو وجه الشبه بين حركاتهم وبين تخبط الممسوس، فإن التخبط من الخبط وهو ضرب غير منتظم، وكخبط العشواء، وبهذا يمكن الجمع بين ما قاله ابن عطية وما قاله الجمهور، ويمضي الشيخ محمد عبده قائلا: ذلك أنه إذا كان ما شنع به على المرابين من خروج حركاتهم عن النظام المألوف هو أثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم كان لابد أن يبعثوا عليه فإن المرء يبعث على ما مات عليه لأنه يموت على ما عاش عليه". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن هذا الكلام الذي ساقه الفتان ونسبه لمحمد عبده ليس هو من كلام محمد عبده وإنما هو من كلام رشيد رضا في تفسيره المسمى (تفسير المنار) وكان ينبغي للفتان أن ينسبه لقائله، وقد كان رشيد رضا يعتمد في بعض المواضع من تفسيره على كلام أستاذه محمد عبده، وكان ينسب إليه الكلام الذي ينقله عنه فيقول قال الأستاذ الإمام كذا وكذا. وفي هذا الموضع الذي نقل منه الفتان ما نقل لم ينسبه رشيد رضا إلى محمد عبده فدلَّ على أنه من كلام رشيد رضا وليس من كلام محمد عبده، وقد حصل في نقل الفتان إسقاط لبعض الكلمات الموجودة في كلام رشيد رضا وهي كلمات قليلة ولكن حذفها يخل بالمعنى فلهذا ألحقتها في مواضعها لتستقيم العبارة. الوجه الثاني: أن أقول: قد ذكرت في الفصل الذي قبل هذا الفصل ما ذكره ابن عطية في تفسيره عن ابن عباس وجماعة من التابعين أنهم قالوا: "معنى قوله: ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه، ...................

стр. 69

وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جمع المحشر، قال ويقوى هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿لَا يَقُومُونَ يوم القيامة إِلَّا كَمَا يَقُومُ﴾ " هذا كلام ابن عطية وهو موافق لأقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين في معنى الآية الكريمة، ثم إن ابن عطية أبدى في ألفاظ الآية احتمالا مخالفا لما أجمع عليه المفسرون فقال ما نصه: "وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون؛ لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه مخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره قد جُن هذا، لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود، وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل". انتهى كلام ابن عطية. وبما صرح به من تضعيف هذا الاحتمال يظهر ما في كلام رشيد رضا من التعمية والتلبيس، وذلك أنه غير كلام ابن عطية وساقه بلفظ غير اللفظ الموجود في تفسير ابن عطية، وإنما فعل هذا لِتَتَّفِق عبارته مع ما نمَّقه من الكلام الذي خالف فيه أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين في معنى الآية الكريمة، وحاصل كلامه يدور على القول في معنى الآية بالرأي واطراح الأقوال المأثورة عن السلف. الوجه الثالث: أن يقال: إن رشيد رضا لم يؤد الأمانة في نقله كلام ابن عطية؛ لأنه غيَّر أسلوبه وساقه على سبيل الجزم بأن المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع وهذا مخالف لمقتضى كلام ابن عطية؛ لأن ابن عطية إنما ذكره احتمالا ولم يذكره على سبيل الجزم بأنه المراد، ثم إن رشيد رضا لم يذكر أن ابن عطية تعقب الاحتمال الذي أبداه في ألفاظ الآية بالتضعيف. وهذا من التعمية على من لا علم عندهم وإيهامهم أن ابن عطية قد اعتمد على الاحتمال الذي أبداه في ألفاظ الآية الكريمة ورضي به. الوجه الرابع: أن يقال: إنه لا حقيقة لما ذكره رشيد رضا عن المرابين من خروج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس وأن ذلك يظهر في حركاتهم، وأن حركاتهم خارجة عن النظام المألوف، وما ذكره أيضا من اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم، فكل هذا لا وجود له في المرابين، والواقع شاهد بأنه ليس في أحوالهم وأبدانهم ما يتميزون به عن غيرهم من الناس، وشاهد بأن أبدانهم سالمة من كل ما وصفهم به رشيد رضا، ومن توقف في هذا فليدخل البنوك ولينظر إلى أهلها وإلى من يعاملهم بالمعاملات الربوية حتى يعلم يقينا أنه لا وجود لشيء مما وصفهم به رشيد رضا.

стр. 70

الوجه الخامس: أن يقال: إن كلام رشيد رضا مبني على أمرين خطيرين؛ أحدهما تأويل الآية بالرأي وتجريدها مما ذكر فيها من الوعيد للمرابين إذا بعثوا يوم القيامة بالجنون أو بما يشبه الجنون. وذلك أنه ذكر عن الذين فتنهم المال واستعبدهم أن نفوسهم تخرج عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس وأن ذلك يظهر في حركاتهم، وأنه إذا كان ما شنَّع به على المرابين من خرج حركاتهم عن النظام المألوف وأثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم كان لابد أن يبعثوا عليه فإن المرء يبعث على ما مات عليه لأنه يموت على ما عاش عليه. هذا كلامه، وهو ظاهر في نفي الوعيد عن المرابين إذا بعثوا يوم القيامة بالجنون أو بما يشبه الجنون وأنهم إنما يبعثون على ما عاشوا عليه من خروج حركاتهم عن النظام المألوف وأثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم، وحاصل كلامه أن المرابين يكونون بعد البعث على الحال التي كانوا عليها في الدنيا. وهذا من تحكيم الرأي في معنى الآية وإنكار ما جاء فيها من الوعيد للمرابين. وما أشد الخطر في هذا. وقد قال الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مندة: "التأويل عند أصحاب الحديث نوع من التكذيب". الأمر الثاني مخالفة إجماع المفسرين على أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون، وقد تقدم ذكر هذا الإجماع في كلام ابن جزي وابن عطية. ومخالفة الإجماع ليس بالأمر الهين. وإنه لينطبق على رشيد رضا ما ذكره محمود شلتوت في كلامه الذي تقدم ذكره قريبا عن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة أنهم إنما يفعلون ذلك ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير. وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه المسمى بـ (المسائل الكافية): "إن الذي تخرجوا على الشيخ جمال الدين الأفغاني والذين تخرجوا عمن تخرج عنه يفسرون القرآن برأيهم وينكرون بعض ما ثبت في الشرع ويعتمدون على أقوال الكفار، ويهجرون قول الله وقول رسوله ﷺ وقول الراسخين في العلم من المسلمين. وعندهم كلام الله -تعالى- ككلام البشر يتصرفون فيه بغير علم فيحق عليهم الوعيد الوارد في حديث سيد البشر ﷺ وهو: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ حديث صحيح، وروى الترمذي وغيره: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» حديث حسن". وقال الشيخ محمد بن يوسف أيضا في كتابه المذكور: "إن الشيخ محمد عبده وأتباعه تكلموا في تفسير كلام الله على الأسلوب الجديد المخترع المؤيد بالتخمين العقلي وبالآلات الكشافة". انتهى.

стр. 71

فهذا كلام رجل عالم بمحمد عبده ورشيد رضا وغيره من أتباع محمد عبده، وقد كان الشيخ محمد بن يوسف معاصرًا لهم وقد عاش معهم في بلادهم وعرفهم حق المعرفة فلهذا نبَّه على أسلوبهم في تفسير القرآن وأنهم يفسرونه برأيهم وتخمينهم. ومن نظر في تفسيرهم لبعض الآيات - وكان نبيهًا ولم يكون إمَّعة - علم يقينا صحة ما قاله فيهم محمد بن يوسف وما وصفهم به، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من أقوالهم التي اعتمدوا فيها على مجرد الرأي، ومن أقوالهم التي خالفوا فيها أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم الأئمة المتمسكين بالآثار. الوجه السادس: أن يقال لأهل البنوك وغيرهم من أكلة الربا: لا تغتروا بحلم الله عنكم في الدنيا، ولا يغرنكم الفتان بجعجعته وبما نقله عن رشيد رضا من الكلام المتضمن تهوين شأن الربا ونفي ما جاء فيه من الوعيد بالجنون أو بما يشبه الجنون للذين يأكلون الربا إذا بعثوا من قبورهم فإن هذا الوعيد حق لا شك فيه. وأما كلام الفتان ورشيد رضا في تهوين شأن الربا فهو باطل وضلال عن الحق، وكيف يرضى ذوو العقول منكم أن يوقعوا أنفسهم في الكبيرة الموبقة، أي المهلكة لمن أوقع نفسه فيها؟! وكيف يرضون أن تلحقهم لعنة الله ولعنة رسوله ﷺ ؟! وكيف يأمنون من العقوبات التي أعدت للمرابين في البرزخ وبعد البعث من القبور؟! وكيف يرضون أن يكون مآلهم إلى نار جنهم؟! إن العاقل لا يرضى لنفسه بأدنى شيء من الأذى، فكيف يرضى لها بالعقوبات الشديدة وبالخلود في نار جهنم؟! فعليكم أن تبادروا بالتوبة الصادقة قبل أن يحول الموت بينكم وبينها فتندموا حين لا ينفع الندم. فصل وقال الفتان: "لم يرد تعيين الأموال الربوية في القرآن الكريم، وإنما ورد تعيينها في الحديث عن النبي ﷺ رواه محمد بن أبي حنيفة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أن قال: «الذهب بالذهب مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» ".

стр. 72

والجواب: أن يقال: قد ثبتت النصوص عن النبي ﷺ بتعيين ستة أشياء مما يجري فيه الربا؛ وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وقد تقدم ذكرها في حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁، ومثله في حديث عبادة بن الصامت ﵁، وجاء أيضا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وبلال ﵃ نحو ذلك، وقد تقدمت أحاديثهم فلتراجع. فأما الحديث الذي أورده الفتان فإنه حديث منقطع الإسناد ولم يعزه إلى شيء من كتب الحديث حتى يرجع إليه وينظر في رجاله، وقد ذكر أنه رواه محمد بن أبي حنيفة، وهذا الاسم غير موجود في أسماء الضعفاء والمتروكين والوضاعين فضلا عن أن يكون موجودا في أسماء الثقات. وقد ذكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد): "محمد بن حنيفة بن محمد بن ماهان أبا حنيفة القصبي الواسطي وذكر أنه أملى في سنة سبع وتسعين ومائتين"، وذكر عن الدارقطني أنه قال: "ليس بالقوي". وذكره الذهبي في كتاب (المغنى في الضعفاء) وفي (ميزان الاعتدال) وذكر قول الدارقطني أنه ليس بالقوي. وذكره ابن حجر في (لسان الميزان) وقال أنه كان موجودا في حدود سنة ثلاثمائة. وإذا علم هذا فليس من المعقول أن يروي عن عطية العوفي؛ لأن عطية كان في المائة الأولى ومات في سنة إحدى عشرة ومائة. ولو فرضنا أن الحديث روي بإسناد متصل إلى عطية العوفي فإنه يكون مردودا بعطية؛ لأن الأئمة قد تكلموا فيه وضعفه غير واحد منهم، ولو صح لكان حجة على الفتان لأن فيه نصا على أن الفضل في بيع الجنس بجنسه من الأنواع الستة ربا، وما ثبت تعيينه في السنة فهو مثل ما جاء تعيينه في القرآن ويجب العمل به كما يجب العمل بما جاء في القرآن. والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقول النبي ﷺ «ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله» رواه الدارمي والترمذي وابن ماجة والحاكم عن المقدام بن معد يكرب ﵁ وقال الترمذي: "حسن غريب"، وصححه الحاكم وأقره الذهبي. فصل وذكر الفتان عن ابن عباس ﵄ وطائفة من الصحابة أنهم قصروا الربا على الذي كان معروفا في زمن الجاهلية. وقد كرر الفتان نقل ذلك عن ابن عباس.

стр. 73

والجواب: أن يقال: إن ابن عباس ﵄ وغيره من الذين كانوا يقولون إنما الربا في النسيئة قد رجعوا عن أقوالهم ووافقوا الجماعة، وقد ذكرت الآثار الواردة في رجوعهم في أثناء الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الفتان. ويقال أيضا على سبيل الفرض والتقدير لو أن ابن عباس ﵄ وغيره ممن قالوا إنما الربا في النسيئة لم يرجعوا عن هذا القول فإن قولهم مردود بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، ونهى أن يشف بعضها على بعض، وقال في بيع الفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثل ذلك وقال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أثناء الكتاب فلتراجع (٢) فإنها حجة على من خالفها، وقد قال ابن عبد البر: "رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل أحد ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الجهالات إلى السنة". انتهى. وقال ابن عبد البر أيضا: "ولم يتابع ابن عباس على قوله في تأويله حديث أسامة أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها، وليس أحد بحجة عليها". انتهى. فصل وزعم الفتان أن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن. والجواب: أن يقال: إن نصوص القرآن عامة فيدخل في عمومها ربا الفضل وربا النسيئة. فما جاء في الآية الأولى من الوعيد لأكلة الربا بأنهم لا يقومون - يعني يوم القيامة - إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من الإنكار على من سوَّى بين البيع والربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من النص على تحريم الربا فهو عام لربا .............................

стр. 74

الفضل وربا النسيئة. وما جاء فيها أيضا من الوعيد بالنار لمن عاد إلى استحلال الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة. وما جاء في الآية الثانية من النص على محق الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة. وما جاء في الآية الرابعة من الأمر بترك الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء في الآية الخامسة من الإيذان بالحرب من الله ورسوله لمن لم يترك الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من أن المرابين ليس لهم إلا رؤوس أموالهم وليس لهم أن يأخذوا زيادة عليها فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة. فإن قيل: إن بعض المفسرين ذكروا في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أنها نزلت في ربا أهل الجاهلية وهو النسيئة وذكروا مثل ذلك في الكلام على قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. فالجواب: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين. فاللفظ في كل من الآيتين عام كما هو عام في الآيتين الأوليين من سورة البقرة. والعموم في الآيات الأربع بتناول ربا أهل الجاهلية وربا أهل الإسلام على حد سواء، وقد جاءت النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ بتحريم ربا الفضل وربا النسيئة على حد سواء. وقد تقدم بيان ذلك في الروايات عن أبي سعيد الخدري ﵁ وما ذكر بعدها من الأحاديث. وفي بعضها النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى، والنص أيضا على أن الآخذ والمعطي فيه سواء، وفي رواية في الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن بلالا لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب قال النبي ﷺ عند ذلك: «أَوَّه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية: «هذا الربا فردوه» والروايات بنحو هذا كثيرة، وهي مذكورة فيما تقدم. وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ففي الآيتين من سورة النحل دليل على أن ما جاء في السنة من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فهو من البيان لما جاء مجملا في القرآن. وفي الآيتين من سورة النجم دليل على أن ما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فهو مما أنزل عليه بالوحي.

стр. 75

فصل وذكر الفتان أن فريقا من الفقهاء وعلى رأسهم ابن رشد وابن القيم حاولوا أن يكسروا من حدة تطرف المتشددين في الربا، فميزوا بين ربا النسيئة وجعلوه هو الربا الجلي أو الربا القطعي وهو حرام لذاته وبين ربا الفضل وجعلوه ربا خفيا أو ربا غير قطعي وهو حرام أيضا لكن لا لذاته بل لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة فتحريمه هو إذا من باب سد الذرائع. ثم تأكد هذا الاتجاه باتجاه أكثر منه تضييقًا لمنطقة الربا فجعل كلا من ربا الفضل وربا النسيئة الواردين في الحديث الشريف محرمين لا لذاتهما بل سدا للذرائع، وربا الجاهلية هو وحده المحرم لذاته. والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الذين قالوا بتحريم ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة المذكورة في حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبادة بن الصامت وغيرهما من الأحاديث التي تقدم ذكرها إنما قالوا ذلك عملا بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، وهؤلاء قد أحسنوا غاية الإحسان حيث أنهم قد تمسكوا بالسنة وقابلوا أقوال رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، وليسوا بمتطرفين ولا متشددين كما قد زعم ذلك الفتان ظلما وزورا، وإنما المتطرف في لحقيقة هو الفتان الذي يحاول تحليل الربا في البنوك ولا يبالي بمخالفة الآيات والأحاديث الواردة في تحريمه وترتيب الوعيد الشديد عليه، ولا يبالي أيضا بمخالفة إجماع المسلمين على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر. الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم في ذكر الإجماع على تحريم الربا ما جاء في جامع الترمذي بعد ذكر حديث أبي سعيد الخدري الذي جاء فيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل لا يشف بعضه على بعض، ولا تبيعوا منه غائبا بناجز» قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق". انتهى. وقال ابن المنذر: "أجمع علماء الأمصار؛ مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق ........
следующие страницы →