فعلوه عين الربا وأمرهم برده، فدل ذلك على أنه لا تأثير لوجود الظلم والقسوة على المحتاج في تحريم الربا ولا تأثير لعدمهما، وإنما العلة وجود التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وسائر الأعيان الستة المنصوص عليها في حديثي أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت ﵄، فإذا وجد التفاضل في بيع الجنس منها بجنسه فقد وجد الربا ولو لم يكن هناك ظلم ولا قسوة.
ومما يدل علي أنه لا تأثير للظلم والقسوة في تحريم الربا قول النبي ﷺ : «فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» فقد وصف الزائد والمستزيد بالإرباء ونص على أن الآخذ والمعطي سواء في الإرباء، ومن المعلوم أن الظلم والقسوة إذا وجد فإنما يكونان في جانب الآخذ وحده، ومع هذا فقد جعل النبي ﷺ كلا من الآخذ والمعطي سواء في الإرباء، فدل هذا على أنه لا تأثير لوجود الظلم والقسوة في تحريم الربا ولا لعدم وجودهما.
فصل
وقال الفتان: "إن المصارف هي مؤسسات تجارية حديثة لم تكن معروفة في عهد نزول أحكام الربا في الشريعة الإسلامية، ولذلك تخضع لأحكام الشريعة على طريق القياس، فإذا كان الشبه كاملاً من غير أي فارق بينهما وبين ما قد حرمته الشريعة من الربا القطعي فهي محرمة أيضا قطعًا، أما إذا اختلفت المصارف عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريما قطعيًا، وإنما يجب النظر فيها على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب دفعا للحرج الواجب دفعه عملا بنص القرآن".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن المصارف وإن كانت مؤسسات تجارية حديثة فإن الأحكام فيها لا تختلف عن الأحكام في غيرها من المؤسسات التجارية وغير التجارية وسائر الأعمال التي يكون لها علاقة بالبيع والشراء فكلها يجب أن تخضع لأحكام الشريعة في جميع الأعمال، ومن ذلك تحريم الربا على وجه العموم فإنه يجب أن يعمل به في المصارف وغير المصارف على حد سواء؛ لأن الله -تعالى- حرم الربا في كتابه تحريما مطلقًا بتناول جميع أنواع الربا، وكذلك الرسول ﷺ فإنه قد حرم الربا تحريما مطلقًا يتناول جميع أنواع الربا سوى ما أذن فيه من بيع العرايا ................................
стр. 142
بخرصها، وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا على وجه العموم الذي يشمل المصارف وغير المصارف.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد صرح بتحليل الربا في المصارف دفعًا للحرج على حد زعمه، وقد لفق له شبهًا يُضل بها الجهال ويُلبِّس بها عليهم.
فمنها قوله في المصارف: إنها تخضع لأحكام الشريعة على طريق القياس.
والجواب: أن يقال: إن القياس لا يعمل به مع وجود النص أو الإجماع، وإنما يعمل به عند عدمهما، وقد تظافرت النصوص من الكتاب والسنة على تحريم الربا تحريما مطلقا يتناول جميع أنواع الربا، وأجمع المسلمون على تحريم الربا على وجه العموم، فيجب على المصارف وغيرها من المؤسسات التجارية وغير التجارية أن تخضع لما جاء في نصوص الكتاب والسنة والإجماع ولا تلتفت إلى ما لفقه الفتان من الأباطيل والشبه المضلة، وقد ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الفتان وعلى أشياعه من أهل الزيغ والضلال.
ومنها تقسيمه الربا إلى قطعي وغير قطعي، ومراده بالقطعي ربا أهل الجاهلية، وقد كرر القول بأنه هو الربا المجمع على تحريمه، وقد تقدم الرد على هذا القول الباطل قريبًا فليراجع (١).
ومنها زعمه أن المصارف إذا اختلفت عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريمًا قطعيًا.
والجواب: أن يقال: إن الربا ليس محصورًا في ربا أهل الجاهلية كما قد زعم ذلك الفتان المحارب لله ولرسوله ﷺ والمخالف لإجماع المسلمين، وإنما ربا أهل الجاهلية نوع من أنواع ربا النسيئة، وكل من ربا النسيئة وربا الفضل محرم تحريمًا قطعيًا، والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إلى آخر الآيات التي فيها النص على محق الربا والأمر بتركه وإيذان من لم يتركه بالحرب من الله
стр. 143
ورسوله وأمر المرابين أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يَظلِموا بأخذ الزيادة على رؤوس أموالهم ولا يُظلموا بالنقص منها، فهذه النصوص تشمل جميع أنواع الربا وتدل على أنها محرمة تحريما مطلقًا، وليس فيها ما يدل على تخصيص ربا أهل الجاهلية بالتحريم القطعي دون غيره. فإن قيل إن هذه الآية وهي قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كان نزولها ونزول الآية التي بعدها بسبب ما كان باقيا لبعض المسلمين من الربا الذي كان لهم في الجاهلية.
فالجواب: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، وليس في الآيتين ما يدل على أن الربا المحرم قطعًا هو ربا أهل الجاهلية دون غيره من أنواع الربا، وإنما فيهما الأمر بترك الربا وإيذان من لم يتركه بالحرب من الله ورسوله وأنهم إن تابوا فلهم رؤوس أموالهم، وهذا يعم المرابين الذين أسلموا ولهم بقايا من الربا ويعم غيرهم من المتعاملين بالربا في الإسلام ولا فرق بين هؤلاء وأولئك، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله". انتهى، وقد تقدم (١) قول الجصاص: "إن قول الله -تعالى-: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ قد انتظم تحريم جميع ضروب الربا لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، وقال أيضا: اسم الربا يعتريه معان أحدها: الربا الذي عليه أهل الجاهلية، والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل أو الموزون، والثالث: النسأ". انتهى.
وأما السنة فإن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكرها ومنها أكل الربا، وثبت عنه ﷺ أنه «لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه» وثبت عنه ﷺ أنه قال: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد بمن ستة وثلاثين زنية» وهذه الأحاديث تشمل جميع أنواع الربا وتدل على أنها كلها محرمة تحريمًا قطعيًا، وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربا الفضل وربا النسيئة، وفي بعض الروايات أنه قال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وفي رواية: «من زاد أو استزاد فهو ربا» وقال لبلال لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» قال النووي: "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم"، وفي رواية أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول ..........................
стр. 144
الله ﷺ : «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال له: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت» وهذه الروايات تدل على التشديد في بيع الجنس من الأعيان الستة بجنسه مع التفاضل، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع ففيها أوضح دليل على أن جميع أنواع الربا محرمة تحريمًا قطعيًا.
وأما الإجماع على تحريم ربا الفضل وربا النسيئة فقد حكاه ابن المنذر وغيره من أكابر العلماء، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (١)، وذكرت قريبا (٢) قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع"، وذكرت أيضًا (٣) قول الموفق في (المعنى): "إن الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع"، وقال أيضا: "أجمعت الأمة على أن الربا محرم، قال: والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى.
وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر): "الربا ثلاثة أنواع ربا الفضل وربا اليد وربا النسأ، قال: وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، قال الهيتمي: وكل من هذه الأنواع حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة". انتهي.
وفيما ذكرت من أدلة الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا أبلغ رد على الفتان الذي حاول حصر الربا القطعي في ربا أهل الجاهلية، وحاول تحليل ما سواه من أنواع الربا، وتعامى عن الأدلة المتظافرة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريما مطلقًا يعم جميع أنواع الربا ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فلا يأمن الفتان أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هذه الآيات.
ومن شبه الفتان وأباطيله التي لفقها لإضلال الجهال والتلبيس عليهم زعمه أنه .......
стр. 145
يجب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب دفعا للحرج الواجب دفعه عملاً بنص القرآن.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ليس الأمر على ما زعمه الفتان من وجوب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم، وإنما يجب النظر فيها على ضوء الكتاب والسنة والإجماع، فما كان فيها من الأعمال التي لا تخالف الكتاب والسنة والإجماع فهو جائز، وما كان فيها من الأعمال المخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع فإنه يجب المنع منه، ومن ذلك التعامل بالربا على أي وجه كان؛ لأن التعامل به مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وما كان بهذه الصفة فإنه يجب المنع منه في المصارف وغير المصارف، ويجب أيضا أن يعاقب الذين يتعاملون بالربا عقوبة موجعة في أنفسهم وأموالهم عملاً بما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقد روى الطحاوي في (شرح معاني الآثار) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "خطب عمر ﵁ فقال: "لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين ولا درهما بدرهمين ولا قفيزا بقفيزين إني أخشى عليكم الرماء (١) وإني لا أوتى بأحد فعله إلا أوجعته عقوبة في نفسه وماله" قال الطحاوي: فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يخطب بهذا على منبر رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه -رضوان الله عليهم- لا ينكره عليه منهم منكر فدل ذلك على موافقتهم له عليه". انتهى، وقد أمر النبي ﷺ بالاقتداء بعمر ﵁ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أن قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصححه الحاكم والذهبي.
الوجه الثاني: أن يقال: إن مصالح الناس في معاشهم ليس متوقفة على التعامل مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية؛ لأن الله -تعالى- قد حرم الربا تحريمًا مطلقًا ومنع منه منعًا باتًا لما فيه الظلم وأكل الأموال بالباطل، وكثير من المسلمين بل أكثرهم لا يتعاملون مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، وقد عاش المسلمون أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهم لا يعرفون المصارف، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم ...............................
стр. 146
كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، ولم يكن في عدم المصارف في زمانهم أدنى شيء من المضرة لهم في مصالح معاشهم.
وإذا علم أن مصالح الناس في معاشهم ليست متوقفة على التعامل مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، وعلم أيضا أن المعاش يتم بدونها، فليعلم أيضا أن شبه الفتان التي يلبس بها على الجهال ويحاول بها تحليل الربا في المصارف كلها شبه باطلة وحجج داحضة مردودة بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريما مطلقا يعم جميع أنواع الربا ولا تتطرق إليه الأباطيل والشبه التي يلفقها المتلاعبون بالدين.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الفتان قد طبق دفع الحرج الواجب دفعه على تحليل الربا في المصارف وزعم أن ذلك من العمل بنص القرآن.
والجواب: أن يقال: إن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه ومن القول في القرآن بغير علم وذلك من أعظم المحرمات، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، وقد ذكرت ما جاء فيه في أول الكتاب فليراجع (١)، وليس تحليل الربا في المصارف من رفع الحرج كما زعم ذلك الفتان وزعمه قبله بعض المتلاعبين بالدين، وإنما هو من المحادة لله ولرسوله ﷺ ومخالفة إجماع المسلمين. وما أشد الخطر في هذا.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن رفع الحرج الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ هو استعمال الرخص التي رخص فيها الشارع عند الحاجة، قال ابن كثير في الكلام على هذه الآية: "أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعًا وفي السفر تقصر إلى اثنتين وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة كما ورد به الحديث، وتصلي رجالاً وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالسًا فإن لم يستطع فعلي جنبه. إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات". انتهى.
وقال البغوي: "معناه أن المؤمن لا يبتلي بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجًا
стр. 147
بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه، وقيل من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم وسع الله عليكم حتى تتيقنوا، وقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة والإفطار بالسفر والمرض والصلاة قاعدًا عند العجز عن القيام، وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة". انتهى.
وقال القرطبي: "اختلف العلماء في الحرج الذي رفعه الله -تعالى-؛ فقال عكرمة: هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك، وقيل المراد: قصر الصلاة والإفطار للمسافر وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه والغريم ومن له والدان وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل، وروي عن ابن عباس والحسن البصري أن هذا في تقديم الأَهِلَّة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، وذلك الفطر والأضحى، وقد روى الأئمة أنه ﵇ سئل يوم النحر عن أشياء فما يسئل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: «افعل ولا حرج» ". انتهى.
فهذا كلام العلماء في رفع الحرج الذي رفعه الله عن هذه الأمة وليس فيه ما يتعلق به الفتان في تحليل الربا في المصارف.
فصل
وقال الفتان: "إنه سوف يحاول دراسة طبيعة أعمال المصارف، هل تقع ضمن الأعمال الربوية التي ورد تحريمها في القرآن تحريمًا قطعيًا لا شك فيه أم أنها تختلف عنها تمام الاختلاف، قال: وبالتالي ينظر إليها ضمن حدود القواعد العامة للشريعة، وبالتالي عدم الحجر على العباد فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به، وذلك طبقًا لما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا، مشيرًا بذلك إلى قوله -تعالى-:
стр. 148
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وعليه فإن طبيعة أعمال المصارف تختلف عن الربا المحرم في القرآن الكريم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أنواع الربا كلها محرمة تحريمًا قطعيًا وقد ذكرت الأدلة على ذلك في مواضع كثيرة، وسواء في ذلك ربا الفضل وربا النسيئة، ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وكذلك ربا القرض الذي يجر نفعا، وقد ذكرت قريبًا (١) أن شيخ الإسلام ابن تيمية سئل عن تحريم الربا. فأجاب بقوله: "المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقال أيضا: لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله". انتهى، وقد تقدم قريبًا قول الجصاص بنحو ما في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فليراجع (٢).
الوجه الثاني: أن يقال: إنه لم يأت في القرآن ما يدل على أن ربا أهل الجاهلية هو المحرم تحريمًا قطعيًا دون غيره من أنواع الربا، بل إن ألفاظ القرآن في تحريم الربا والتشديد فيه والوعيد الشديد عليه كلها على العموم فتشمل جميع أنواع الربا على حد سواء. وكذلك ما جاء في السنة من التشديد في الربا فإنه عام يتناول جميع أنواع الربا على حد سواء.
وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربا الفضل وربا النسيئة ولم يفرق بين ما كان على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
فليتأمل الفتان وأشياعه هذه الآيات حق التأمل ولا يأمنوا بأس الله وعقوبته على ....
стр. 149
مخالفة أمر الرسول ﷺ وقلة المبالاة بما ثبت عنه من التشديد في الربا على وجه العموم، وما تواتر عنه من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة، وما ثبت عنه من النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء.
الوجه الثالث: أن يقال: إنما ينظر إلى حدود القواعد العامة إذا كان الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع غير موجود، وأما إذا كان الدليل موجودًا من هذه الأصول أو من أحدها فإنه لا ينظر إلى شيء سواه، وقد تظافرت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريم الربا تحريما مطلقًا يشمل جميع أنواع الربا وأجمع المسلمون على ذلك، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع ففيه أبلغ رد على الفتان الذي قد تعامى عن الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا وأعرض عنها ولم يبال بها وحاول تحليل الربا في المصارف بما زعمه من النظر إليها ضمن حدود القواعد العامة للشريعة، ومراده بالقواعد العامة للشريعة أنه يجب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة دفعًا للحرج الواجب دفعه، وقد تقدم ذكر هذا التلبيس والرد عليه مستوفي في الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع.
وأما قوله: وبالتالي عدم الحجر على العباد فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: هذا الكلام ظاهر في الاعتراض على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ ؛ لأن الله -تعالى- هو الذي حرم الربا تحريمًا مطلقًا، وهو أعلم بمصالح العباد وما فيه منفعة لهم في معاشهم، ومع هذا فقد حجر على العباد أن يأكلوا الربا وشدد فيه غاية التشديد وتوعد عليه بأشد الوعيد وآذن من لم يتركه بالحرب منه ومن رسوله ﷺ ، وكذلك الرسول ﷺ فإنه قد حرم الربا تحريمًا مطلقًا ولعن آكله ومؤكله وشاهديه وكاتبه، ونص على أنه من السبع الموبقات - أي المهلكات- ونص أيضا على أن أكل الدرهم من الربا أشد من ستة وثلاثين زنية، وأخبر أنه ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله، وفي هذا أوضح دليل على أن التعامل بالربا فساد محض وضرر على المجتمع والأفراد، وما كان بهذه الصفة فإنه يجب المنع منه والحجر على المتعاملين به؛ لأنه من الظلم وأكل الأموال بالباطل وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ..
стр. 150
مِنْكُمْ﴾، قال ابن جرير: "يقول لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم عنها".
وقال ابن كثير: "ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في قالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا". انتهى.
وقال البغوي في الكلام على قوله -تعالى-: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: "بالحرام يعني الربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها"، وقال الزمخشري والنسفي: " ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا". انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الله -تعالى- لما حرم الربا وحجر على العباد أن يأكلوه أحل لهم ما هو أنفع لهم في مصالح معاشهم وذلك بالبيع وأنواع المكاسب والعقود الخالية من الربا والظلم وأكل الأموال بالباطل، وإذا كان الفتان وأشياعه لم يرضوا بحكم الله -تعالى- وحكم رسوله ﷺ في تحريم الربا على وجه العموم ولم يرضوا بالحجر على العباد أن يأكلوا الربا فلا رضوا أبدا، وإذا لم يسعهم في مصالح معاشهم ما وسع المسلمين منذ زمان نبيهم إلى زماننا من المكاسب الخالية من الربا وأكل أموال الناس بالباطل فلا وسَّع الله عليهم أبدًا.
وأما ما نقله الفتان عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه قال كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن الفتان لا يزال مفتونًا بالتلبيس على الجهال وذلك بما ينقله من كلام العلماء ويضعه على غير مواضعه، ومن ذلك ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ليوهم من لا علم لهم أنه يؤيد رأيه الفاسد في تحليل الربا في المصارف، وقد ذكرت كلام شيخ الإسلام قريبًا (١) وذكرت أنه ليس فيه ما يتعلق به الفتان؛ لأنه لم يكن في مسائل الربا وإنما هو في تأجير الأرض التي تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع، وقد قال في أثناء كلامه: "كل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم
стр. 151
عليهم"، وفي هذه الجملة من كلام شيخ الإسلام أبلغ رد على الفتان الذي قد حاول تحليل الربا في المصارف ولم يبال بكونه معصية لله -تعالى- ولرسوله ﷺ ، ولا بكونه من الأفعال المحرمة بالكتاب والسنة والإجماع.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المتعاملين بالربا مع أهل المصارف لم يكونوا يفعلون ذلك للحصول على المعيشة التي لا بد لهم منها وإنما كانوا يفعلونه للاستكثار من المال وتنميته ولو بالطرق المحرمة، وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام» رواه الإمام أحمد والبخاري والدارمي من حديث أبي هريرة ﵁، ولو كان المتعاملون بالربا مع أهل المصارف يريدون الحصول على المعيشة التي لا بد لهم منها لكانوا ينفقون من رؤوس أموالهم ويتجرون فيها بما ليس فيه ربا ولا ظلم ولا غير ذلك من المكاسب المحرمة فإذا نفذ ما بأيديهم واضطروا إلى السؤال أبيح لهم السؤال؛ لأن رسول الله ﷺ رخص للمضطر الذي لا يجد شيئا يأكله أن يسأل الناس ما يسد به جوعه، ولم يأت عنه ﷺ أنه رخص في أكل الربا قط ولو كانت الحالة حالة ضرورة.
وأما قوله: وعليه فإن طبيعة أعمال المصارف تختلف عن الربا المحرم في القرآن.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أنواع الربا كلها محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وهذا الحكم يشمل المصارف وغير المصارف على حد سواء، ومن أباح ربا الفضل في المصارف أو أباح فيها ربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا أهل الجاهلية فإنما هو في الحقيقة يرد على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ ويؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه، وقد قال الله -تعالى- منكرا على من كان على هذه الطريقة السيئة ومتوعدا لهم بأشد الوعيد: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، فلا يأمن الفتان ومناصروه على تحليل الربا في المصارف أن يكون لهم نصيب وافر مما هو مذكور في هاتين الآيتين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن تفريق الفتان بين أنواع الربا وزعمه أن بعضها محرم في القرآن دون غيره من أنواع الربا ليس عليه دليل البتة، وإنما هو من التحكم والقول في القرآن بغير علم وذلك من أعظم المحرمات.
стр. 152
وأما قول بعض المفسرين في بعض الآيات إنها نزلت فيما كان باقيا لثقيف من الربا الذي كان لهم في الجاهلية فأمروا بعد إسلامهم أن يتركوا الربا ويأخذوا رؤوس أموالهم.
فالجواب عنه: أن يقال: قد اختلف في سبب نزول بعض الآيات، هل كان ذلك بسبب ربا ثقيف على بني المغيرة، أو بسبب ربا عثمان والعباس ﵄ على صاحب التمر، وقد ذكرت الأقوال في ذلك في أثناء الكتاب فلتراجع (١)، وعلى كل من الأقوال التي تقدم ذكرها فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، وليس في شيء من الآيات ما يدل على أن تحريم الربا خاص بما كان على طريقة أهل الجاهلية دون غيره من أنواع الربا، بل الحكم في الجميع واحد لا يختلف، وهو التحريم لجميع أنواع الربا، ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وعلى هذا تدل الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع فلتراجع في أول الكتاب.
الوجه الثالث: أن يقال: إن طبيعة أعمال المصارف في التعامل بالربا شبيهة بعمل أهل الجاهلية في ذلك؛ لأن أهل الأموال يضعون أموالهم عند أهل المصارف ويجعلون لهم الحق في التصرف فيها والانتفاع بها بنسبة معلومة في المائة في كل عام، وهذه النسبة تضاف إلى رؤوس الأموال المدفوعة إلى أهل المصارف، وربما اجتمع من النسبة التي تضاف إلى رؤوس الأموال شيء كثير ولا سيما إذا ترك أهل الأموال رؤوس أموالهم في المصارف أعوامًا كثيرة، وهذا عين ربا أهل الجاهلية الذي قال فيه الفتان إنه محرم بالقرآن، وقال فيه أيضا: إنه محرم تحريما قطعيًا، وقد كرر هذا القول في مواضع كثيرة من نبذته، وذكر أن خصيصته أن يقول صاحب الدين للمدين عند حلول أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي فإن لم يقض زاد المدين المال وزاد الدائن الأجل، هذا كلام الفتان (٢)، ولو كان خاليا من الهوى وكان له أدنى علم ومعرفة لعلم أن طبيعة أعمال المصارف في التعامل بالربا شبيهة بعمل أهل الجاهلية، ولكن اتباعه للهوى وحبه للتزلف إلى أهل المصارف والمتعاملين معهم بالمعاملات الربوية وحرصه على إرضائهم بما يسخط الله -تعالى- أعماه وأصمه عن معرفة الحق والعمل به، وقد روى الإمام أحمد ....
стр. 153
وأبو داود وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم» وهذا الحديث مطابق لحال الفتان غاية المطابقة.
الوجه الرابع: أن يقال: قد تقدم كلام الزجاج في بيان الربا الحرام، وتقدم كلام الجصاص في بيان ربا العرب - أي زمن الجاهلية - فليراجع (١) كلامهما فإنه مطابق للمعاملات الربوية في البنوك، وفيه رد على الفتان.
فصل
وقال الفتان: "في المعاملات المصرفية الدائن هو دائما من المالكين لرأس المال غير أنه يملك سيولة صغيرة أي وفرا قليلاً لا يستطيع استثماره، أما المدين فهو دائمًا من كبار المالكين لرأس المال غير أنه لا يملك أية سيولة لتسيير أعماله الكبرى، وهكذا يتضح لنا هنا أن الذي يحتاج للآخرين في المعاملات المصرفية هم دائمًا الأغنياء الكبار الذين يمدون أيديهم لوفر المالكين الصغار دون العكس، وبالنتيجة فإن هؤلاء الأغنياء الكبار لا تحل لهم صدقة المالكين الصغار فيما لو طلبنا إلى هؤلاء أن يتوبوا وأن يتصدقوا برؤوس أموالهم على المدينين الأغنياء عملا بقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهذا هو أول ما يميز أعمال المصارف عن الربا المحرم في القرآن الكريم حيث أن المدين محتاج إلى الصدقة بعكس المدين في المعاملات المصرفية".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الفتان قد لفق هذه الشبه ليلبس بها على الجهال ويوقعهم في أكل الربا ومعصية الله -تعالى- ومعصية رسوله ﷺ ، ولم يبال بما يترتب على أقواله الباطلة من مخالفة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على تحريم الربا تحريما مطلقًا شاملاً لجميع أنواع الربا، ولا بما يترتب على أقواله أيضا من حمله من أوزار الذين يَضلون بسببه وأنه يكون عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ليس من شروط تحريم الربا أن يكون واقعا بين غني وفقير ولا أن يكون المدين ممن تحل له الصدقة، وإنما هذا من تشريع الفتان وتلبيسه .............
стр. 154
على الجهال، وليس في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على هذا القول الباطل، بل إن ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع تدل على إلغاء كل ما حاوله الفتان في تلفيقه؛ لأنها جاءت بلفظ العموم الذين يشمل الغني والفقير ومن تحل له الصدقة ومن لا تحل له.
يوضح ذلك الوجه الثالث: وهو أن الله -تعالى- ذكر حال أهل الأموال مع الغرماء الواجدين للمال وردهم مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم: ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ أي بأن تأخذوا زيادة على رؤوس أموالكم ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي بأن يمنع الغرماء رؤوس أموالكم أو يتمسكوا بشيء منها، ثم ذكر حال المعسرين من الغرماء وهم الذين لا يجدون وفاء لديونهم وأمر أرباب الأموال أن ينظروهم إلى حال الميسرة ورغبتهم مع ذلك في الصدقة عليهم فقال -تعالى-: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن جرير في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: "وإن كان ذو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم فنظرة إلى ميسرة"، وقال ابن عطية في تفسيره ما ملخصه: "حكم الله لأرباب الربا برؤوس الأموال عند الواجدين للمال ثم حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حالة اليسر وندب إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره". انتهى، وفي تفسير القرطبي نحو كلام ابن عطية، وفي هذا أبلغ رد على الفتان الذي قد قال في القرآن برأيه ووضع قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ على غير موضعها ولم يبال بما يترتب على ذلك من الوعيد الشديد وهو ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي من حديث ابن عباس ﵄ وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي رواية للترمذي وابن جرير والبغوي: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».
الوجه الرابع: أن يقال: إن الفتان قد كرر القول بأن الربا المحرم في القرآن هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، وهذا قول باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع فقد جاء تحريم الربا في هذه الأصول الثلاثة على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواع الربا، وليس في شيء منها ما يدل على حصر الربا المحرم في ربا أهل الجاهلية دون غيره من أنواع الربا، وقد تقدم قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "إن المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقال أيضا: لفظ الربا يتناول كل ما
стр. 155
نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك فالنص متناول لهذا كله"، وقال ابن حجر الهيتمي: "الربا ثلاثة أنواع: ربا الفضل وربا اليد وربا النسأ وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض ... قال الهيتمي: وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة"، فليراجع كلام شيخ الإسلام (١) وكلام الهيتمي (٢)، ففي كل منهما أبلغ رد على قول الفتان إن الربا المحرم في القرآن هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، وليراجع (٣) أيضا قول الجصاص أن تحريم الربا يشمل جميع ضروبه.
الوجه الخامس: أن يقال: ليس في أعمال المصارف ما يميزها عن غيرها من المؤسسات التجارية وسائر أعمال الناس في البيع والشراء فكلها يحرم التعامل فيها بالربا، وسواء في ذلك ربا الفضل وربا النسيئة ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم؛ لأن الله -تعالى- حرم الربا تحريمًا مطلقًا، وكذلك الرسول ﷺ فإنه حرمه تحريمًا مطلقًا سوى بيع العرايا بخرصها فإنه قد أذن فيه، وكذلك الإجماع فإنه شامل لجميع أنواع الربا، كما تقدم بيان ذلك في الوجه الرابع.
فصل
ومن شبه الفتان وأباطيله التي لفقها للتحيل على تحليل الربا في المصارف قوله: "إن الدائن لا يختص بالمنفعة دون المدين"، وقوله: "إن الدائن لا يستغل مدينا محتاجًا للصدقة بل يشترك مع الأغنياء في المنفعة بموجب عقد رضائي تجاري لا استغلال فيه"، وقوله: "إن المعاملات المصرفية ليست مجرد تنمية لمال الدائن وحده وإنما هي تجارة من نوع جديد جرى التعارف عليها ودعت إليها حاجة الناس أجمعين حتى أصبحت مصالحهم في معاشهم لا تتم إلا بها"، ومنها ما ذكره عن رشيد رضا أنه قال: "إن المعاملات التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع"، قال الفتان: "ويشير بذلك إلى قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ .. "
والجواب: أن يقال: إن هذه الشبه كلها مردودة بنصوص الكتاب والسنة وبالإجماع
стр. 156
على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا يشمل جميع أنواع الربا، وهذه الأصول الثلاثة تقضي على جميع شبه الفتان وحيلة على تحليل الربا في المصارف.
وأما زعمه أن العقد الذي يكون بين الدائن وبين أهل المصارف عقد رضائي تجاري، وقوله أيضا إنها تجارة من نوع جديد جري التعارف عليها، وقول رشيد رضا إن المعاملة التي يقصد بها الاتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع.
فجوابه أن يقال: أما وجود الرضا بين المتعاملين بالربا فإنه لا يفيد حِل الربا، كما أن الرضا بين الزانيين لا يفيد حل الزنا، وإنما يستفاد الحل أو الحرمة في جميع المعاملات من نصوص الكتاب والسنة ومن إجماع المسلمين، فما شهد له الكتاب أو السنة أو الإجماع بالحل فهو حلال وما شهدت الأصول الثلاثة أو أحدها بحرمته فهو حرام، وقد اتفقت الأصول الثلاثة على تحريم الربا على وجه العموم، ولو كان العقد واقعا برضا المتعاملين بالربا، وسواء كان المدين غنيا أو محتاجًا، وسواء كانت المنفعة عامة للدائن والمدين أو كانت خاصة بالدائن وحده، فكل هذه الأمور ليس لها تأثير في تحريم الربا والدليل على هذا قول النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وروى مسلم أيضا من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ «ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي، وفي رواية لمسلم: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» فهذا نصوص صريحة في منع الزيادة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وغيرها من الأصناف الستة، قال النووي: "قوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» معناه فقد فعل الربا المحرم فدافع الزيادة وآخذها عاصيان مرابيان". انتهى.
وفي النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى أبلغ رد على شبه الفتان ورشيد رضا؛ لأن ظاهر النصوص يدل على أنه لا تأثير لكون المعاملة واقعة برضا المتعاملين بالربا، ولا لكون المدين غنيا أو محتاجًا، ولا لكون المنفعة عامة للدائن والمدين أو كونها خاصة بالدائن وحده، ولا بين أن يكون المقصود بالمعاملة الإتجار أو غير ذلك من المقاصد، .............
стр. 157
فكل هذا لا تأثير له في تحريم الربا، ولو كان لشيء من هذه الأمور تأثير في حل الربا لبينه النبي ﷺ لأمته.
وقد تقدم الجواب عن قول رشيد رضا إن المعاملة التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع فليراجع (١)، ففيه أيضا رد على قول الفتان إنه عقد رضائي تجاري وإنها - أي المعاملات الربوية في المصارف - تجارة من نوع جديد.
وأما قوله: إن المعاملات المصرفية قد دعت إليها حاجة الناس أجمعين حتى أصبح مصالحهم في معاشهم لا تتم إلا بها.
فجوابه: أن يقال: لا يخفي ما في هذا الكلام الباطل من المجازفة التي يكذبها الواقع من حال المسلمين قبل وجود المصارف وبعد وجودها، فأما قبل وجودها فإن المسلمين قد عاشوا أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهم لا يعرفون المصارف، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، وأما بعد وجود المصارف فإن أكثر المسلمين لا يتعاملون مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، وكثير منهم أحسن حالاً في مصالح معاشهم من المتعاملين مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ولو كان الأمر على ما زعمه الفتان في هذيانه الذي كتبه من غير تعقل ولا تدبر لكانت مصالح أكثر الناس في زماننا متعطلة، وهذا لا يقوله إنسان له أدنى شيء من العقل.
وأما قوله: إن رشيد رضا يشير إلى قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
فجوابه: أن يقال: هذا من الاستدلال بالآية على خلاف ما تدل عليه إذ ليس في الآية ما يؤيد قول رشيد رضا في تحليل الربا في المصارف وزعمه أنه من قسم البيع، بل الآية حجة عليه وعلى من قلده من ذوي الجهالة والضلالة؛ لأن الله -تعالى- نص في الآية على تحريم الربا، وقد تقدم (٢) بيان معنى الربا في كلام المفسرين وأهل اللغة، وهو ينطبق على الزيادة التي يضمنها أهل المصارف إلى رؤوس الأموال التي يدفعها أهلها إلى أهل المصارف ويجعلون لهم الحق في التصرف فيها والانتفاع بها بنسبة معلومة في .......................
стр. 158
المائة في كل عام، وهذه النسبة الربوية حرام بنصوص الكتاب والسنة وبإجماع المسلمين، وهي شبيهة بربا أهل الجاهلية؛ لأن الدائن في الجاهلية يقول للمدين إذا حل أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي، وأما أهل المصارف فإنهم يقولون بلسان الحال إما أن تأخذ مالك يا صاحب المال وإما أن تتركه عندنا ونربيه لك في كل عام بنسبة معلومة في المائة، وقد جاء في المثل المشهور "ما أشبه الليلة بالبارحة"، قال الميداني في (مجمع الأمثال): "يضرب عند تشابه الشيئين". وقد تقدم (١) قول الجصاص: "إن الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، هذا كان المتعارف المشهور بينهم".
فصل
وقال الفتان: "ويؤكد هذا المبدأ في شرعية المنفعة التي لا ضرر بها على أحد قول الإمام موفق الدين ابن قدامة في المغني أن ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد فهو جائز وأن الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا ضرر فيها وإنما يرد بمشروعيتها، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كل مالا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا".
والجواب: أن يقال: قد تقدم ذكر الفتان لكلام الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية والجواب عن ذلك فليراجع (٢)، وقد ذكرت فيما تقدم أن كلام الموفق ليس له تعلق بمسائل الربا، وإنما هو فيما إذا أقرض إنسان آخر قرضًا واشترط عليه أن يوفيه إياه في بلد آخر، وقد صحح الموفق القول بجواز ذلك إذا لم يكن لحمله مؤنة، وعلل ذلك بأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منها، قال: "والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها"، وقد قال قبل ذلك في (باب الربا والصرف): "الربا في اللغة هو الزيادة، يقال أربى فلان على فلان إذا زاد عليه، وهو في الشرع الزيادة في أشياء مخصوصة وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع"، ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، ثم قال: "وأجمعتْ الأمة على أن الربا محرم"، قال: "والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى المقصود من كلامه.
стр. 159
وقد تعامى الفتان عن كلام الموفق في (باب الربا والصرف) وأعرض عنه وجاء إلى كلامه في القرض فاستدل به على تحليل الربا في المصارف وأوهم الجهال أن كلام الموفق يفيد جوازه فيها، وهذا من التلبيس على الجهال ووضع كلام الموفق في غير موضعه، وإنما تعامي الفتان عن كلام الموفق في (باب الربا والصرف) وأعرض عن ذكره لأنه صرح في تحريم ربا الفضل وربا النسيئة وقد ذكر الدليل على تحريمهما من الكتاب والسنة والإجماع، وفي ذكره لذلك أبلغ رد على الفتان المفتون.
وأما كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقد تقدم أنه ليس في مسائل الربا وإنما هو في تأجير الأرض التي تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الفقهاء اختلفوا في تأجيرها على ثلاثة أقوال، وقد صحح القول بالجواز ورد على من قال بالتحريم وأطال الكلام في الرد عليهم وقال في أثنائه: "فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا" ثم قال بعد ذلك: "فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية - هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد" هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، فليتأمل آخر كلامه فإن في أبلغ رد على الفتان الذي قد تقول على شيخ الإسلام وأوهم الجهال أن كلامه يفيد جواز الربا في المصارف، وقد تقدم الرد على الفتان بأبسط من هذا، وذكرت فيه عن شيخ الإسلام أنه قال: "المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع"، وقال أيضا: "لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله"، فليراجع ما تقدم (١) من كلام شيخ الإسلام والرد على الفتان فيما يتعلق به، ففي ذلك تنبيه على دسائس الفتان وتلبيسه وجراءته على التقول على أكابر العلماء ووضع كلامهم على غير مواضعه وحمله على ما يوافق رأيه الفاسد في تحليل الربا، وإنه لينطبق على الفتان قول الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
стр. 160
فصل
ومن شبه الفتان التي لفقها للتحيل على تحليل الربا في المصارف قوله: "إن الدائنين في المعاملات المصرفية هم صغار المالكين ولم يستغلوا المدينين الذين هم من كبار المالكين وقد تبادلوا المنافع معهم بصورة تجارية وعقد رضائي من غير أن يكون هناك ظالم أو مظلوم، وهذا ما يميز أعمال المصارف عن الربا المحرم في القرآن الذي هو مجرد تنمية لمال الدائن وحده في أموال المدينين، بينما الأمر يختلف بالنسبة للمدين في المعاملات المصرفية حيث أن كلا من الدائن والمدين مشترك في منفعة بعقد رضائي لا ظلم فيه ولا استغلال".
والجواب عن من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: كل ما لفقه الفتان من الشبه على تحليل الربا في المصارف مما ذكره في هذه الجملة وفيما تقدم قبلها وما ذكره بعدها فكله مردود بنصوص القرآن والسنة وبإجماع المسلمين على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا يشمل جميع أنواع الربا، وكثير من الشبه التي ذكرها الفتان في هذه الجملة وفيما بعدها قد كرر ذكرها في مواضع كثيرة مما تقدم، وخصوصًا محاولته حصر الربا المحرم فيما كان يعمل به في الجاهلية، وهو في هذا قد قلد رشيد رضا في زعمه أن الربا المحرم في القرآن هو ما كان معروفًا في الجاهلية، وقد ذكرت في مواضع كثيرة مما تقدم أن هذا قول باطل بنصوص القرآن والسنة وبإجماع المسلمين على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا يشمل جميع أنواع الربا، وكثير من الشبه التي ذكرها الفتان في هذه الجملة وفيما بعدها قد كرر ذكرها في مواضع كثيرة مما تقدم، وخصوصًا محاولته حصر الربا المحرم فيما كان يعمل به في الجاهلية، وهو في هذا قد قلد رشيد رضا في زعمه أن الربا المحرم في القرآن هو ما كان معروفًا في الجاهلية، وقد ذكرت في مواضع كثيرة مما تقدم أن هذا قول باطل بنصوص القرآن والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا يشمل جميع أنواعه.
الوجه الثاني: أن يقال: ليس في شبه الفتان ما يميز أعمال المصارف عن الربا المحرم في القرآن؛ لأن نصوص القرآن قد جاءت على وجه العموم الذي يشمل ربا الفضل وربا النسيئة ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وقد تقدم (١) قول الجصاص: "إن قول الله -تعالى-: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ قد انتظم جميع ضروب الربا لشمول الاسم عيها من طريق الشرع"، وقال أيضا: "اسم الربا في الشرع يعتريه معانٍ، أحدها: الربا الذي عليه أهل الجاهلية، والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل أو الموزون، والثالث: النسأ". انتهى.
وتقدم (٢) أيضا قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "إن لفظ الربا يتناول
стр. 161
كل ما نهى عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله". انتهى.
وأما حصر الربا المحرم في ربا النسيئة الذي كان معروفًا في الجاهلية فهو من التحكم والقول في القرآن بغير علم، ومن الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، قال ابن الجوزي في تفسيره: "الذكر هو القرآن بإجماع المفسرين"، وقال البغوي: "بيان الكتاب يُطلب من السنة". انتهى، وقد دلت الآيتان على أن كل ما نهي عنه رسول الله ﷺ من أنواع الربا فهو مما أمره الله بتبليغه وبيانه للناس مما قد تضمنته نصوص القرآن، ويدل على ذلك أيضًا قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وفي الحديث الذي رواه الدارمي والترمذي وحسنه، وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله» وهذا الحديث يدل على أن ما حرمه رسول الله ﷺ من أنواع الربا فهو مساو في التحريم لما جاء في القرآن، وفيه أبلغ رد على الشبه التي لفقها الفتان لتحليل الربا في المصارف.
فصل
وقد لفق الفتان أيضًا شبها للتحيل على تحليل الربا في المصارف، وهي شبه مبنية على التفريق بين المعاملات الربوية في المصارف وبين الربا الذي حذر منه القرآن، وليس في هذه الشبه ما يستحق الجواب؛ لأن الفتان قد كررها فيما تقدم من كلامه، وتقدم الرد عليها في مواضع كثيرة، ومنها الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع ففيه كفاية في الرد على الفتان، وقد ذكر الفتان في أثناء شبهه عن المرابين أنهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وزعم أن ذلك يقع لهم في الدنيا، وهذا من القول في القرآن بغير علم، وقد تقدم الرد عليه في أول الكتاب فليراجع (١).
فصل
ومن شبه الفتان أيضًا وحيله على استحلال الربا قوله في المعاملات الربوية في .......
стр. 162
المصارف: "إنها من المضاربة"، وقوله أيضًا: "إن الفائدة - يعني النسبة الربوية - جزء من ربح المضاربة"، وقد استشهد لهذا القول الباطل بأقوال باطلة لمحمد عبده وغيره من الذين أباحوا المعاملات الربوية في المصارف وجعلوها من المضاربة، وقد أطال الفتان الكلام في هذا بما لا حاصل تحته.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الفتان قد اضطرب كلامه في حكم المعاملات الربوية في المصارف، ففي هذه الجملة جعلها من المضاربة، وفيما تقدم قريبا (١) جعلها من العقود التجارية وقال: "إنها تجارة من نوع جديد"، ونقل عن رشيد رضا أنه قال: "هي من قسم البيع"، واستدل الفتان لهذا القول الباطل بقول الله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقد جعلها في أول نبذته من القرض بفائدة - أي من القرض الذي يجر منفعة - وهو نوع من أنواع الربا، وهو ربا أهل الجاهلية، ذكر ذلك الجصاص في كتابه (أحكام القرآن) وقد ذكرت كلامه فيما تقدم فليراجع (٢)، وليراجع أيضا (٣) قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن لفظ الربا يتناول كل ما نهى عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، وقال: فالنص متناول لهذا كله. انتهى، وليراجع أيضا قول ابن حجر الهيتمي (٤) "إن الربا ثلاثة أنواع: ربا الفضل وربا اليد وربا النسأ، وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، لكنه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل، لأنه الذي فيه شرط يجر نفعًا للمقرض فكأنه أقرضه هذا الشيء بمثله مع زيادة ذلك النفع الذي عاد إليه، قال: وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة". انتهى المقصوص من كلامه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن إدخال الفتان للمعاملات الربوية في باب المضاربة خطأ وتلبيس على الجهال، وكذلك تسميته الزيادة الربوية التي يدفعها أهل المصارف إلى أهل الأموال باسم الفائدة وزعمه أنها جزء من ربح المضاربة خطأ أيضا وتلبيس على الجهال؛ لأن المضاربة يشترط فيها تقدير نصيب العامل بجزء مشاع معلوم من الربح، وذلك بأن يقول صاحب المال للعامل: خذ هذا المال مضاربة ولك نصف .........................
стр. 163
الربح أو ثلثه أو ربعه أو جزء معلوم من أجزاء الربح وهذا أمر مجمع عليه، قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك معلومًا جزءًا من أجزاء". انتهى، وهذا الشرط غير موجود في أعمال أهل البنوك؛ لأنهم إنما يأخذون الأموال من أهلها على وجه القرض بحيث يكون الربح كله لأهل البنوك، ثم هم يجعلون لأهل الأموال نسبة معلومة في كل مائة من المال يضيفونها إلى رؤوس الأموال في كل عام ويسمون تلك النسبة باسم الفائدة، وهي عين ربا القرض الذي يجر منفعة، وتشبه إلى حد كبير ربا أهل الجاهلية؛ لأن الدائن في الجاهلية يقول للمدين: إذ حل أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي، وأما أهل البنوك فإنهم يقولون بلسان الحال إما أن تأخذ مالك يا صاحب المال وإما أن تتركه عندنا لننتفع به ونجعل لك نسبة معلومة في كل مائة، وقد ذكر الجصاص أن ربا أهل الجاهلية هو القرض بزيادة مال على المستقرض.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الوضع في الأموال عند أهل البنوك يختلف عن الوضع فيها في المضاربة؛ لأن أهل البنوك يأخذون الأموال من أهلها على وجه الضمان لرؤوس الأموال ولما يضاف إليها من النسبة المعلومة في كل عام، وهذا بخلاف المضاربة؛ لأن الأموال فيها غير مضمونة على العامل؛ لأنه أمين في مال المضاربة والقول قوله فيما يدَّعيه من تلف المال أو خسارة فيه وما يدعي عليه من خيانة أو تفريط، وفي اختلاف الوضع بين الأعمال الربوية في البنوك وبين المضاربة أبلغ رد على من جعلهما سواء.
الوجه الرابع: أن يقال: إن المضاربة إذا شرط صاحب المال أو العامل فيها أو كلاهما دراهم معلومة لنفسه لم تصح، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض - أي المضاربة - إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظ ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي". انتهى.
وفيما ذكره ابن المنذر من الإجماع أبلغ رد على من جعل المعاملات الربوية في المصارف من المضاربة، وفيه أيضا دليل على أن هذه المعاملات من العقود الباطلة؛ لأنها إنما تعتمد على النسبة المعلومة التي يجعلها أهل المصارف لأهل الأموال، وما سوى النسبة من الأرباح فكله لأهل المصارف، وهذا عين ربا القرض الذي يجر منفعة.
стр. 164
فصل
وزعم الفتان: "أن المعاملات المصرفية تختلف تمامًا عن الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن؛ لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن بشأن حرمة الربا ولهذا يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة اقتداء برسول الله ﷺ في إباحته بيع السلم رغم ما فيه من بيع غير موجود وبيع ما ليس عند البائع مما قد نهى عنه رسول الله ﷺ في الأصل، وقد أجمع العلماء على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه، وهكذا فقد اعتمد العلماء على السلم وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها".
والجواب: أن يقال: أما زعم الفتان أن المعاملات المصرفية تختلف تمامًا عن الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن، فهو زعم باطل وهو من قلب الحقيقة والتلبيس على الجهال، وبيان ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن المعاملات المصرفية إنما تعتمد على أخذ رؤوس الأموال من أربابها بشرط الضمان لها ولما ينتج عنها من النسبة المعلومة التي يجعلها أهل المصارف لأهل الأموال في كل عام، وهذا هو القرض الذي يجر منفعة، والمنفعة هي النسبة المعلومة التي يجعلها أهل المصارف لأهل الأموال عوضا عن الانتفاع بأموالهم، وهي نوع من أنواع الربا المحرم بالكتاب والسنة والإجماع. وقد تقدم (١) قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "إن لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك"، قال: "فالنص متناول لهذا كله"، وتقدم (٢) أيضا قول ابن حجر الهيتمي في تقسيم الربا إلى أربعة أنواع ربا الفضل وربا اليد وربا النسأ وربا القرض الذي يجر منفعة، قال: "وكل من هذا الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة". انتهى.
وفي كلام شيخ الإسلام والهيتمي أبلغ رد على شبهة الفتان التي يحاول بها تحليل ربا القرض الذي يجر منفعة.
стр. 165
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ليس في القرآن نص يدل على التحريم والتحذير من نوع من أنواع الربا دون غيره من الأنواع، إنما جاءت نصوص القرآن على وجه العموم الذي يتناول جميع أنواع الربا، وسواء في ذلك ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما ليس على طريقتهم فكلها داخلة في عموم التحريم والتحذير من الربا والوعيد الشديد عليه، وأما حصر الربا المحرم فيما كان على طريقة أهل الجاهلية فهو من التحكم المخالف لنصوص الكتاب والسنة ولإجماع المسلمين على تحريم الربا على وجه العموم.
وأما قوله: إن المعاملات المصرفية معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن بشأن حرمة الربا.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال إن عبارة الفتان في هذه الجملة عبارة سيئة جدًا؛ لأنها تقتضي رد النصوص القطعية التي وردت في القرآن بتحريم الربا تحريمًا مطلقًا يشمل المعاملات القديمة والمعاملات الجديدة على حدٍ سواء، وما أعظم الخطر في رد نصوص القرآن؛ لأن ذلك من الرد على الله -تعالى- وعدم الرضا بحكمه الذي أنزله في كتابه واستبداله بحكم القانون الذي هو من حكم الجاهلية، وقد قال الله -تعالى-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وفي هذه الآية أبلغ رد على الفتان وعلى كل من رضي بحكم القانون في المعاملات المصرفية ولم يرض بحكم الله -تعالى- وحكم رسوله ﷺ فيها وفي غيرها من المعاملات.
الوجه الثاني: أن يقال: إن حكم الشريعة الإسلامية في المعاملات المصرفية الجديدة لا يختلف عما كان عليه في المعاملات القديمة، فكما أن المسلمين قد خضعوا في المعاملات القديمة لحكم الشريعة الإسلامية بتحريم الربا على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواعه، فكذلك يجب على أهل المصارف أن يخضعوا لحكم الشريعة الإسلامية بتحريم الربا على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواعه لأنه لا فرق بين المعاملات القديمة وبين المعاملات المصرفية الجديدة في تحريم الربا ولا في غير ذلك من الأحكام، ومن فرق بينهما فقد فرق بين متماثلين وذلك غير جائز.
وأما قوله: ولهذا يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة اقتداء برسول الله ﷺ في إباحته بيع السلم ... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: إن الإيجاب والتحليل والتحريم من الأمور التي مبناها على ........
стр. 166
التوقيف، فليس لأحد أن يوجب شيئًا أو يحل شيئًا أو يحرم شيئا إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ومن خالف في هذا فأوجب ما لم يوجبه الله ولا رسوله أو أحل شيئا لم يحله الله ولا رسوله أو حرم شيئا لم يحرمه الله ولا رسوله ﷺ فقد افترى على الله الكذب وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن كلام الفتان قد اشتمل على عدة أمور محرمة، أحدها: إيجاب النظر إلى المعاملات المصرفية من خلال ما زعم أنه من مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة، وهذا من الشرع في الدين بما لم يأذن به الله؛ لأن الله -تعالى- لم يوجب النظر إلى المعاملات المصرفية من خلال المصالح والحاجات ولم يوجب ذلك رسول الله ﷺ ، وإنما أوجبه الفتان من عند نفسه وما تلقاه عن بعض المتلاعبين بالدين، وما كان بهذه المثابة فهو مطرح مردود على قائله.
الأمر الثاني: إباحة الربا في المصارف معتمدًا في ذلك على ما زعمه من النظر إليها من خلال المصالح والحاجات، وهذا أيضا من الشرع في الدين بما لم يأذن به الله ومن الرد لما جاء في الكتاب والسنة والإجماع من تحريم الربا تحريمًا مطلقا يشمل جميع أنواعه ولا يترك للنظر مجالا في إباحته من خلال المصالح والحاجات.
الأمر الثالث: التلبيس على الجهال بما زعمه من الاقتداء برسول الله ﷺ في إباحته بيع السلم، وهذا من قلب الحقيقة؛ لأن محاولته لتحليل الربا في المصارف يعود في الحقيقة إلى رد النصوص الدالة على تحريم الربا تحريما مطلقًا ومعارضتها برأيه وما شرعه من النظر إلى المعاملات المصرفية من خلال المصالح والحاجات، وليس في هذا اقتداء برسول الله ﷺ وإنما هو صريح في مشاقته ومخالفة أمره.
الأمر الرابع: اتباع غير سبيل المؤمنين؛ لأن المؤمنين قد أجمعوا على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا يشمل جميع أنواعه، وقد خالفهم الفتان فأباح الربا في المصارف معتمدًا على ما زعمه من النظر إليها من خلال الحاجات والمصالح، وقد توعد الله -تعالى- من اتبع غير سبيل المؤمنين بأشد الوعيد فقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
الأمر الخامس: مشابهة أهل الجاهلية في قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ وذلك واضح في إباحته الربا في المصارف نظرًا إليها من خلال المصالح والحاجات وقياسه ذلك على .......
стр. 167
إباحة السلم الذي هو من البيوع الجائزة بنص السنة، وهذا قياس فاسد؛ لأنه يتضمن معارضة النصوص على تحريم الربا ومعارضة الإجماع على ذلك، ولا قياس مع وجود النص من الكتاب أو السنة ولا مع وجود الإجماع، وعلى هذا فلا يأمن الفتان أن يكون له نصيب وافر مما توعد الله به الذين يأكلون الربا ويجعلونه نظير البيع.
وأما قوله: إن العلماء اعتمدوا على السلم وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن مراد الفتان بإباحة الحاجات التي زعم أن مصالح الناس في معاشهم لا تتم إلا بها إباحة الربا في المعاملات المصرفية الجديدة، وقد طنطن بذلك في مواضع كثيرة من كلامه الذي تقدم ذكره والرد عليه وبيان أنه من الشرع في الدين بما لم يأذن به الله.
الوجه الثاني: أن يقال: ما ذكره عن العلماء على وجه الإطلاق الذي يشمل جميع العلماء لا يخلو فيه من الكذب على العلماء؛ لأن المتمسكين منهم بالكتاب والسنة قد أجمعوا على تحريم الربا تحريما مطلقا يشمل جميع أنواعه، ولم يستثنوا شيئا من المصالح والحاجات إلا ما استثناه رسول الله ﷺ من بيع العرايا بخرصها، وأما المتحيلون على تحليل الربا في المصارف وصناديق التوفير ممن كانوا في القرن الرابع عشر من الهجرة فما بعده فليسوا بأهل أن يقتدي بهم، وقد تقدم كلام الشيخ أحمد محمد شاكر ومحمود شلتوت في ذمهم والتحذير من أقوالهم الباطلة فليراجع (١).
الوجه الثالث: أن يقال: إن نصوص الشريعة قد جاءت بتحريم الربا على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواع الربا، وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع (٢). ومن زعم أن نصوص الشريعة تدل على إباحة الربا في المصارف وأن إباحته نظير إباحة السلم فقد افترى على الشريعة وألصق بها ما ليس منها.
الوجه الرابع: أن يقال: إن السلم الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃ إنما هو في الثمار لا في الدراهم بالدراهم، قال ابن عباس ﵄: "قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» " رواه الإمام .......
стр. 168
أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، قال: "وفي الباب عن ابن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى". انتهى، وفي رواية للبخاري: أن النبي ﷺ قال: «من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
وروي الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفي ﵄ قال: "كنا نسلف على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ في الحنطة والشعير والزبيب والتمر"، وعن عبد الرحمن بن أبزي مثل ذلك.
فهذا هو السلم الذي أجازه رسول الله ﷺ وكان يعمل به في عهده وعهد أصحابه ﵃، فأما دفع النقود إلى من يضمنها للدافع ويعطيه معها نسبة معلومة من جنسها في كل عام فهذا عين الربا الذي تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريمه وورد الوعيد الشديد عليه في القرآن والسنة، ومن جعل هذا العمل الربوي نظيرا للسلم فقد تعدى حدود الله وشرع من الدين ما لم يأذن به الله وبارز الله ورسوله ﷺ بالمحاربة، فلا يأمن الفتان وأعوانه أن يكون لهم نصيب وافر من تعدي حدود الله ومبارزة الله ورسوله بالمحاربة.
فصل
وقال الفتان: "إن المصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها، ولذلك فإن من غير الجائز التسرع والحكم عليها بأنها من الربا المقطوع فيه؛ وذلك لأن حظرها يوقع العباد في حرج معاشهم لا مثيل له، بل إن حظرها يهدد كيان الدولة والأمة الإسلامية ويقضي نهائيا على مصالحهم الاقتصادية ويجعلهم تحت رحمة أعدائهم وأعداء دينهم الذين يتحكمون في ثرواتهم بل يستخدمونها لزيادة قوتهم ضد أمة الإسلام".
والجواب: أن يقال: إن كلام الفتان في هذه الجملة مبني على المجازفة والهذيان الذي يتنزه عنه كل عاقل، فأما زعمه أن المصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن كلامه في هذه الجملة قد جاء بلفظ العموم الذي يشمل جميع العباد منذ زمان آدم ﵊ إلى زماننا فكلهم ........
стр. 169
على حد هذيانه محتاجون إلى المصارف والأعمال المصرفية ولا تتم مصالح معاشهم إلا بها، وهذا كلام تضحك منه الثكلى، وينبغي أن يُضم إلى أقوال الحمقى والمغفلين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الله -تعالى- قد أخبر عن عدد من الأمم الذين كانوا في قديم الزمان أنهم كانوا في نعم عظيمة وكانت لهم كنوز وأموال كثيرة، ولم يذكر عنهم أنهم كانت عندهم مصارف وأعمال مصرفية يعتمدون عليها في مصالح معاشهم بحيث لم تتم مصالح معاشهم إلا بها، وفي هذا أبلغ رد على ما هذى به الفتان من توقف مصالح العباد في معاشهم على وجود المصارف والأعمال المصرفية.
الوجه الثالث: قد ذكرت فيما تقدم (١) أن المسلمين قد عاشوا أكثر من ثلاثة عشر قرنا وهم لا يعرفون المصارف والأعمال المصرفية، ومع هذا فإن مصالح معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، ولم يكن في عدم المصارف والأعمال المصرفية في هذه القرون الكثيرة أدنى شيء من المضرة للناس في مصالح معاشهم، وبعد وجود المصارف والأعمال المصرفية في بلاد المسلمين كان كثير منهم بل أكثرهم لا يتعاملون مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالح معاشهم كانت متيسرة لهم، وكثير منهم كانوا أحسن حالاً في مصالح معاشهم من كثير من المتعاملين مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ولو كان الأمر على ما هذى به الفتان لكانت مصالح الناس في قديم الزمان وحديثه متعطلة لا يتم منها شيء، وهذا معلوم البطلان بالضرورة.
وأما قوله: إنه من غير الجائز التسرع والحكم عليها بأنها من الربا المقطوع فيه.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن النسبة التي يجعلها أهل المصارف لأهل الأموال في كل عام مقابل انتفاعهم بأموالهم - ويسمونها فائدة - هي عين ربا القرض الذي يجر منفعة، وعمل أهل المصارف في هذه النسبة شبيه بعمل أهل الجاهلية في مراباتهم، وقد تقدم بيان ذلك في مواضع كثيرة فليراجع (٢).
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن الحكم بأنها من الربا المقطوع بتحريمه ليس من التسرع الذي لا يجوز كما قد توهم ذلك الفتان، وإنما هو من المسارعة إلى فعل ما أمر الله به ورسوله ﷺ من إنكار المنكر وتغييره بحسب القدرة، ومن أعظم المنكرات وأكبر ..........
стр. 170
الكبائر أكل الربا، وقد تظافرت النصوص من الكتاب والسنة بتحريمه والوعيد الشديد عليه، وأجمع المسلمون على تحريمه وعلى أنه من الكبائر، وما كان بهذه الصفة فإنه يجب أن يسارع إلى إنكاره والمنع منه ولا يجوز التهاون به.
الوجه الثاني: أن يقال: إن التسرع المذموم ما وقع فيه الفتان من التسرع إلى تحليل الربا في المصارف ليرضي أهلها والمتعاملين معهم بالعاملات الربوية، ولم يبال بما يترتب على تسرعه من مخالفة نصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على تحريم الربا تحريما مطلقا يتناول جميع أنواع الربا، ومنه ربا القرض الذي يتعامل به أهل المصارف، وفي هذا التسرع دليل على أن الفتان قد أصيب في دينه وعقله، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فلا يأمن الفتان أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هذه الآية الكريمة.
وأما قوله: إن حظرها يوقع العباد في حرج معاشهم لا مثيل له.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن هذه الجملة قد تضمنت الاعتراض على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ في تحريم الربا وحظره على العباد، وتضمنت أيضا الاعتراض على إجماع المسلمين على تحريم الربا وحظره على العباد، وما تضمن الاعتراض على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ وعلى إجماع المسلمين فهو قول سوء لا يصدر إلا من رجل سوء قد أصيب في دينه وعقله، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الآيتين أبلغ رد على الفتان الذي قد تحرج من تحريم الربا ولم يرض بحكم الله وحكم رسوله ﷺ بتحريمه ولم يرض بإجماع المسلمين على تحريمه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الله تعالى لما حظر الربا على العباد أحل لهم البيع ولم يجعلهم في حرج من معاشهم، وقد استقامت أحوال المسلمين في معايشهم على ما أحل الله لهم من البيع منذ زمان رسول الله ﷺ إلى زماننا ولم يتحرجوا من تحريم الربا عليهم حتى جاء الفتان المفتون فزعم أن تحريم الربا يوقع العباد في الحرج في معايشهم، وهذا من الافتراء واتباع الظن، ومن لم يتسع له ما اتسع للمسلمين من .............
стр. 171
البيع الحلال ووقع في الضيق والحرج من تحريم الربا فلا وسَّع الله عليه في معاشه.
وأما قوله: إن حظرها يهدد كيان الدولة والأمة الإسلامية ويقضي نهائيا على مصالحهم الاقتصادية ويجعلهم تحت رحمة أعدائهم وأعداء دينهم ... إلى آخر هذيانه وثرثرته.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ما زعمه الفتان في هذه الجملة فكله من الباطل الذي يرده الواقع من حال المسلمين من أول هذه الأمة إلى زماننا ويشهد على أنه من الكذب على المسلمين؛ وذلك لأن تحريم الربا لا يهدد كيان الولاة والرؤساء من المسلمين ولا كيان الرعايا منهم لا في أول هذه الأمة ولا في آخرها ولا فيما بين ذلك، ولم يقض على شيء من مصالحهم الاقتصادية فضلا على أن يقضي عليها نهائيًا ويجعلهم تحت رحمة أعدائهم وأعداء دينهم كما زعم ذلك الفتان في هوسه وهذيانه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الذي يهدد كيان الأمة الإسلامية ويضر بمصالحها الاقتصادية هو التعامل بالربا وظهوره بينهم، والدليل على أنه يهدد كيان الأمة الإسلامية قول النبي ﷺ : «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه أبو يعلي بإسناد جيد من حديث ابن مسعود ﵁ وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ نحوه وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، والدليل على أنه يضر بالمصالح الاقتصادية قول الله -تعالى-: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال ابن عطية في الكلام على هذه الآية: "قد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة". انتهى، والدليل على ذلك من السنة قول النبي ﷺ : «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة» رواه الإمام أحمد وابن ماجة وهذا لفظه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
فصل
وقال الفتان: "إننا نتوجه بالدعوة المُلحّة إلى أهل الخبرة والرأي والإفتاء للتعاون من أجل الوصول إلى إجماع في الرأي يضمن حاجات الناس فيما لا تتم مصالح معاشهم إلا به، أي تكييف المعاملات المصرفية في حالتي الإيداع والإقراض على أساس يضمن للأمة الإسلامية الاستفادة من قوتها الاقتصادية في حدود قواعد الشريعة الإسلامية".
стр. 172
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الله -تعالى- قد حرم الربا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ تحريما مطلقًا يعم جميع أنواع الربا وجميع المعاملات التي يتعامل فيها بالربا وسواء في ذلك المعاملات المصرفية وغير المصرفية، وما ثبت حكمه في الكتاب والسنة فلا دخل للرأي فيه، والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، قال ابن كثير: "هذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأي ولا قول". انتهى.
وفي الآية أبلغ رد على الفتان الذي لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله ﷺ بتحريم الربا على وجه العموم، بل ذهب يتوجه بالدعوة الملحة إلى تحريم الرأي في المعاملات المصرفية في حالتي الإيداع والإقراض ولم يبال بما يترتب على هذه المخالفة من معصية الله ومعصية رسوله ﷺ والوقوع في الضلال المبين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن توجه الفتان بالدعوة الملحة إلى الإجماع في الرأي على تكييف المعاملات المصرفية في حالتي الإبداع والإقراض هو في الحقيقة دعوة إلى العمل بالقانون الذي يبيح الربا في المعاملات المصرفية، وقد قال الفتان فيما تقدم ذكره قريبا (١): "إن المعاملات المصرفية معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن بشان حرمة الربا" فهذه العبارة صريحة في رد النصوص القطعية التي وردت في القرآن بتحريم الربا تحريما مطلقًا يشمل المعاملات المصرفية وغير المصرفية على حد سواء، وما أبشع هذه العبارة وأقبحها وأشنعها، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
الوجه الثالث: أن يقال: من دعا إلى تحكيم الرأي فيما يخالف الكتاب والسنة فإنما هو في الحقيقة يدعو إلى تحكيم الطاغوت والتحاكم إليه، وهذا من صفات المنافقين كما أخبر الله بذلك عنهم في قوله -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، قال ابن كثير: "الآية ذامة لمن عدل ..
стр. 173
عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا". انتهى، وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه (إعلام الموقعين): "أخبر -سبحانه- أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم قد عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة - وهم الصحابة ومن تبعهم - ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا". انتهى.
وقال ابن القيم أيضا في كتابه (طريق الهجرتين) في ذكر صفات المنافقين: "ومن صفاتهم أنك إذا دعوتهم عند المنازعة للتحاكم إلى القرآن والسنة أبوا ذلك وأعرضوا عنه ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم، ومن صفاتهم معارضة ما جاء به الرسول ﷺ بعقول الرجال وآرائهم ثم تقديمها على ما جاء به - فهم معرضون عنه معارضون له زاعمون أن الهدى في آراء الرجال وعقولهم دون ما جاء به". انتهى.
الوجه الرابع: أن يقال: إنه لا يعرض عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ بتحريم الربا على وجه العموم ويدعو إلى تحكيم الرأي في المعاملات المصرفية إلا من ليس في قلبه إيمان، والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقول النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» رواه نصر بن إبراهيم المقدسي في كتاب (الحجة) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وقال النووي في كتاب (الأربعين) له: "حديث صحيح رويناه في كتاب (الحجة) بإسناد صحيح ... " ثم قال في الكلام عليه: "يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ ، وهذا نظير قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فليس لأحد مع الله ورسوله ﷺ أمر ولا هوى". انتهى.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الله -تعالى- قد وسع الرزق لعباده من الوجوه المباحة
стр. 174
والمكاسب الطيبة قبل وجود المصارف وبعد وجودها ولم يجعل حاجاتهم ومصالح معاشهم متوقفة على المعاملات المصرفية، فوجودها وعدمها بالنسبة لحاجات العباد ومصالح معاشهم سواء. وما لفَّقه الفتان في دعوته المُلحّة إلى إجماع في الرأي يضمن حاجات الناس ويضمن للأمة الإسلامية الاستفادة من قوتها الاقتصادية فهو باطل وضلال؛ لأنه يتضمن رد النصوص من الكتاب والسنة على تحريم الربا تحريما مطلقًا يشمل جميع أنواع الربا ويشمل المصارف وغير المصارف مما يتعامل فيه بالربا ويتضمن أيضًا رد الإجماع على تحريم الربا، وما كان بهذه المثابة فهو مردود ومضروب به عرض الحائط.
الوجه السادس: أن يقال: إن النظر في قواعد الشريعة والعمل بمقتضاها بابه الاجتهاد ولا محل للإجتهاد مع وجود الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع. وإنما يصار إليه إذا لم يوجد الدليل من هذه الأصول الثلاثة، وعلى هذا إجماع أهل العلم، والدليل على ذلك قول الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ والدليل عليه من السنة حديث معاذ بن جبل -رضي لله عنه- أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: أقضي بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله»، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي والدارقطني والبيهقي.
وروي النسائي عن شريح أنه كتب إلى عمر ﵁ يسأله فكتب إليه "أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم يقضي به الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك، والسلام عليكم" وقد رواه الدارمي والبيهقي بنحوه.
وروى الدارمي والنسائي والبيهقي أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "إذا سئلتم عن شيء فانظروا في كتاب الله فإن لم تجدوه في كتاب الله ففي سنة رسول الله فإن لم تجوده في سنة رسول الله فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فيما
стр. 175
اجتمع عليه المسلمون فاجتهد رأيك" وقد رواه الحاكم بنحوه وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وروى البيهقي أيضا عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال لمسلمة بن مخلد: "اقض بكتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله ففي سنة النبي ﷺ فإن لم يكن في سنة النبي ﷺ فادع أهل الرأي ثم اجتهد".
وروى البيهقي أيضا عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت عبد الله بن عباس ﵄ إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقال رسول الله ﷺ قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله ﷺ وقاله أبو بكر وعمر ﵄ قال به، وإلا اجتهد رأيه.
وروى الدارمي عن أبي الشعثاء أن ابن عمر ﵄ قال له: "يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت".
وروى الدارمي أيضًا أن أبا سلمة قال للحسن: "إنه بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله ﷺ أو كتاب منزل".
وفي حديث معاذ وما ذكر بعده من الآثار عن الصحابة ﵃ دليل على أنه لا يسوغ الاجتهاد مع وجود الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وفي هذا أبلغ رد علي الفتان الذي لم يرض بحكم الله -تعالى- وحكم رسوله ﷺ بتحريم الربا على وجه العموم، ولم يرض بإجماع المسلمين على تحريمه، بل ذهب يتوجه بالدعوة الملحة إلى تحكيم الرأي فيه، وهذا يدل على أنه مصاب في دينه وعقله.
стр. 176
فصل في ذكر الرأي المحمود
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب (إعلام الموقعين): "الرأي المحمود أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة، فإن لم يجده اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه وأقر بعضهم بعضا عليه ... ثم ذكر ما رواه علي بن الجعد عن شعبة عن سيار - وهو أبو الحكم العنزي - عن الشعبي أن عمر ﵁ بعث شريحًا قاضيًا وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه فإن لم يستبن في كتاب الله فمن السنة فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك".
فصل
وقال الفتان: "إن توفير السيولة في المصارف مصلحة اقتصادية ضرورية لإشباع الحاجات المشروعة، ولذلك يجب إلزام المصارف والمقترضين منها بحد أدنى من الأرباح؛ لأن ذلك سوف يشجع على ظهور السيولة في المصارف وعلى إشراك أصحاب الأموال الصغيرة في أرباح المشاريع التجارية الكبيرة والصغيرة ذات المصلحة المحققة، وفي ذلك بلا شك مصالح معاشية ضرورية من غير استغلال ولا ظلم مما هو من خصائص الربا المحرم في القرآن".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما لفَّقه الفتان في هذه الجملة فإنه ظاهر في الترغيب في المعاملات الربوية مع أهل المصارف والتشجيع على محاربة الله ورسوله باستحلال الربا لإشباع الجشع والتكاثر بالأموال الربوية.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأرباح التي ذكر الفتان أنه يجب إلزام المصارف والمقترضين منها بحد أدنى هي النسبة الربوية التي يجعلها أهل المصارف لأهل الأموال مقابل انتفاعهم بأموالهم كالخمسة في كل مائة مثلا، وقد تكون أكثر منها وقد تكون أقل على حسب ما يتفق عليه أهل المصارف مع أهل الأموال، وهذه النسبة هي عين الربا؛ ...........
стр. 177
لأن أهل الأموال إنما يدفعون أموالهم إلى أهل المصارف من أجل هذه النسبة الربوية وقد قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وعن أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت ﵄ نحوه، وقد تقدم ذكرهما في أول الكتاب.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كل ما يأخذه أهل الأموال من الزيادة على رؤوس أموالهم فهو ظلم وإن كانت الزيادة شيئا يسيرًا، والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فدلت الآية الكريمة على أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رؤوس الأموال؛ لأن ذلك من الظلم.
الوجه الرابع: أن يقال: إن نصوص القرآن قد جاءت على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواع الربا وليس فيها ما يدل على تخصيص نوع منه دون غيره من الأنواع، وغاية ما يتعلق به المفتونون بتحليل الربا ما ذكره بعض المفسرين أن بعض الآيات نزلت بسبب ما كان باقيا من ربا الجاهلية، وليس في هذا ما يتعلق به المبطلون؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين؛ ولأن الله -تعالى- أمر أهل الأموال أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزيدوا عليها ونص على أن أخذ الزيادة على رؤوس الأموال ظلم، وفي هذا أبلغ رد على الفتان الذي يحاول تحليل الربا في المصارف ويتأول القرآن على غير تأويله ويضعه على غير مواضعه.
فصل
وقال الفتان: "نحن نعرف أن المصارف تقرض بأجل أي توظف الزمن، ولا شك أن للزمن في ميدان النشاط الاقتصادي دورًا بارزًا لا مجال لإنكاره، ومن ثَمَّ فمن حق المتعامل أن يستفيد به، ولذلك جاز بيع السلعة بثمن أغلى نظير الأجل، ومهما قيل في تفسير تلك العملية فإن عنصر الزمن بارز فيها، وأي إنكار له هو تخريج من بعيد ومتكلف ونعرف أيضا أن للزمن قيمة مالية في الإسلام، وتأييدًا لما نقول نقدم بعض العبارات للإمام الشافعي حيث قال في الأم: "الطعام الذي إلى الأجل القريب أكثر قيمة من الطعام الذي إلى الأجل البعيد"، وقال: "مائة صاع أقرب أجلاً من مائة صاع أبعد أجلاً منها أكثر في القيمة، أي أن القيمة الحالية لمائة صاع قريبة الأجل أكبر من القيمة الحالية لمائة صاع بعيدة الأجل".
стр. 178
والجواب: أن يقال: إن كلام الفتان في هذه الجملة كله شبه وتلبيس على الجهال ليوقعهم في أكل الربا واستحلاله في المعاملات مع أهل المصارف.
فأما قوله: إن المصارف تقرض بأجل.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن تأجيل القرض لا يجوز في أصح قولي العلماء وهو قول الجمهور، قال النووي في الروضة: "ولا يجوز شرط الأجل فيه ولا يلزم بحال". انتهى. وعلى القول بجواز التأجيل فليس فيه ما يتعلق به الفتان في تحليل الربا؛ لأن القائلين بجواز التأجيل يمنعون من اشتراط الزيادة في القرض ويرون أن ذلك من الربا.
الوجه الثاني: أن يقال: إن أهل المصارف إنما يقرضون بأجل لأنهم يشترطون على المقترض أن يرد إليهم بدل القرض وزيادة معلومة في كل مائة، فإذا أقرضوا إنسانًا مائة ألف درهم مثلا اشترطوا عليه أن يرد إليهم مائة ألف درهم وزيادة ثلاثة آلاف درهم أو أكثر أو أقل على حسب طول مدة الأجل وقصرها، وهذا عين الربا، قال الشيخ الموفق في (المغنى): "كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف"، قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المستسلف إذا شرط على المسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا، وقد روي عن أُبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة، ولأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحًا أو نقدًا ليعطيه خيرًا منه". انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القرض إذا جر منفعة كان ربا"، وقال أيضًا: "كل قرض جر منفعة فهو ربا، مثل أن يبايعه أو يؤاجره ويحابيه في المبايعة والمؤاجرة لأجل قرضه، فإذا أقرضه مائة درهم وباعه سلعة تساوي مائة بمائة وخمسين كانت تلك الزيادة ربا، وكذلك إذا أقرضه مائة درهم واستأجره بدرهمين كل يوم وأجرته تساوي ثلاثة، بل ما يصنع كثير من المعلمين بصناعهم يقرضونهم ليحابوهم في الأجرة فهو ربا، وكذلك إذا كانت الأرض أو الدار أو الحانوت تساوي أجرتها مائة درهم فأكراها بمائة وخمسين لأجل المائة التي أقرضها إياه فهو ربا". انتهى كلامه، وهو في صفحة خمسمائة وإحدى وثلاثين وصفحة خمسمائة وثلاث وثلاثين من المجلد التاسع والعشرين من مجموع الفتاوى.
стр. 179
وقال شيخ الإسلام أيضا في الفتاوى المصرية: "إن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل لما في ذلك من ضرر المحتاج وأكل ما له بالباطل، وكل قرض جر منفعة فهو ربا كما يقرض صناعه ليحابوه بالأجرة أو يقرضه مائة ويبيعه سلعة تساوي مائة بمائة وخمسين ونحو ذلك فهو ربا". انتهى، وذكر الجصاص في (أحكام القرآن) أن ربا أهل الجاهلية هو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض.
وأما قوله: إن المصارف توظف الزمن.
فجوابه: أن يقال: إن معنى توظيف الزمن هو اشتراط زيادة على القرض المدفوع لتكون في مقابل الزمن الذي يجعله أهل المصارف أجلاً للقرض، وهذا عين الربا.
وأما قوله: ولا شك أن للزمن في ميدان النشاط الاقتصادي دورًا بارزًا لا مجال لإنكاره، ومن ثم فمن حق المتعامل أن يستفيد به.
فجوابه: أن يقال: هذا تصريح من الفتان بتحليل الربا الذي يجعله أهل المصارف في مقابلة الزمن ويسمونه فائدة، وهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ .
وأما قوله: ولذلك جاز بيع السلعة بثمن أغلى نظير الأجل.
فجوابه: أن يقال: إن الفتان قد ساوى في هذه الجملة بين البيع الجائز وبين الربا المحرم الذي سماه توظيف الزمن وقال: "إن من حق المتعامل أن يستفيد به"، فجعل بيع السلعة بثمن مؤجل أكثر من ثمنها وقت البيع مثل القرض إلى أجل بزيادة على قدر القرض وهذا من أفسد القياس وهو مطابق لما أخبر الله به عن أهل الجاهلية أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ﴾ وفي هذه الآية أبلغ رد على الفتان.
وأما قوله: ومهما قيل في تفسير تلك العملية فإن عنصر الزمن بارز فيها، وأي إنكار له هو تخريج من بعيد ومتكلف.
فجوابه: أن يقال: لا يخفي ما في كلام الفتان من المعارضة لما تواتر عن النبي ﷺ أنه نهى عن التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وقال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وفي رواية: «من زاد أو استزاد فهو ربا» وقد ذكرت الأحاديث الواردة في تحريم الربا في أول الكتاب فلتراجع (١)، ففيها أبلغ رد على ........
стр. 180
قول الفتان إن أي إنكار للعملية – أي العملية الربوية في المصارف وهي توظيف الزمن – أنه تخريج من بعيد ومتكلف، هكذا قال الفتان الذي يهرف بما لا يعرف، وما يدري الجهول أن كلامه هذا يتناول الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في النهي عن التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة؛ لأنه على حد قوله يكون الاحتجاج بالأحاديث النبوية على إنكار العملية الربوية في المصارف تخريجًا من بعيد ومتكلف، وما أسوأ هذه العبارة وأبشعها!
وقد ذكرت أيضًا عن عدد من الصحابة ﵃ أنهم قالوا في القرض الذي يجر منفعة إنه ربا فليراجع ذلك في أثناء الكتاب (١)، وذكرت أيضًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: "إن لفظ الربا يتناول كل ما نُهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله". انتهى فليراجع (٢)، وذكرت أيضا قول ابن حجر الهيتمي أن أنواع الربا أربعة وذكر منها ربا القرض، ثم قال: "وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث" فليراجع ذلك في أثناء الكتاب (٣) ففي كل ما تقدم أبلغ رد على قول الفتان إن إنكار العملية الربوية في المصارف تخريج من بعيد ومتكلف.
أما قوله: ونعرف أيضا أن للزمن قيمة مالية في الإسلام.
فجوابه: أن يقال: إنما ذلك في السلم وبيع الطعام وأنواع السلع بثمن مؤجل، فأما القرض إلى أجل بزيادة على قدر القرض فهو حرام بالإجماع، وقد تقدم كلام الموفق وابن المنذر في ذلك في أول الفصل.
وأما ما ذكره عن الشافعي أنه قال في الأم: "الطعام الذي إلى الأجل القريب أكثر قيمة من الطعام الذي إلى الأجل البعيد"، وقال: "مائة صاع أقرب أجلا من مائة صاع أبعد أجلاً منها أكثر في القيمة، أي في القيمة الحالية لمائة صاع قريبة الأجل أكثر من القيمة الحالية لمائة صاع بعيدة الأجل".
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: هذا الكلام الذي ذكره عن الشافعي قد نقله بالنص من رسالة الدكتور رفيق المصري المسماة بـ (الربا والاسم الزمني في ..............