وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
وفي الآية الكريمة والحديث أبلغ رد على الفتان الذي قد جعل لنفسه الخِيَرَة في تحليل ربا الفضل للحاجة وتحليل ربا النسيئة للضرورة، فخالف نص الآية الكريمة وخالف قول النبي ﷺ : «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».
وأي عذر للفتان في رد قول النبي ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وفي رواية: «إلا يدا بيد» وفي رواية: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء».
وأي عذر له في رد قول النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بيه فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء».
وأي عذر له في رد قول النبي ﷺ : «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» وفي رواية: «الذهب بالذهب هاء وهاء، والفضة بالفضة هاء وهاء، والتمر بالتمر هاء وهاء، والبر بالبر هاء وهاء، والشعير بالشعير هاء وهاء لا فضل بينهما».
وأي عذر له في رد قول النبي ﷺ للذي باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال للرجل: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت».
فهذه نصوص ثابتة عن النبي ﷺ في تحريم ربا الفضل والنسيئة فيجب العمل بها ولا يجوز رد شيء منها. ومن رد شيئا منها فهو على شفا هلكة، وما جاء في بعض النصوص من الأمر برد ربا الفضل فهو شبيه بما جاء عنه ﷺ في وضع ربا الجاهلية.
فالواجب على الفتان وعلى كل من كان على شاكلته أن يتقوا الله ولا يردوا شيئا من
стр. 107
أحاديث رسول الله ﷺ ولا يضربوا بعضها ببعض فإن ذلك ليس بالأمر الهين، بل عاقبته وخيمة جدًا.
الوجه السابع: أن يقال: إن النبي ﷺ إنما وضع ربا العباس وغيره من ربا الجاهلية لأنه إذ ذاك كان باقيا في ذمم المدينين وقد أبطله الإسلام فلهذا وضعه رسول الله ﷺ ، ومثله قول النبي ﷺ للرجل الذي باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «هذا الربا فردوه» فكما أن رسول الله ﷺ وضع ربا العباس وغيره من ربا الجاهلية ولم يُقرهم عليه فكذلك قد أمر ﷺ برد ربا الفضل ولم يقر الرجل عليه، فقد اتفق حكمه ﷺ في وضع ربا الجاهلية وفي رد ربا الفضل، والعمل بهذا الحكم واجب متحتم ولا يجوز لأحد أن يخالفه، ومن عمل به في ربا الجاهلية وخالفه في ربا الفضل كما فعل الفتان فقد عرض نفسه للخطر العظيم؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك"، فليحذر الفتان مما حذر الله منه في هذه الآية الكريمة، فلعله أن يكون له نصيب وافر مما جاء فيها وهو لا يشعر.
وأما قوله: إن آخر مرة خاطب فيها الرسول ﷺ أمته كان في حجة الوداع حيث قال: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
فجوابه: أن يقال: هذا كلام تضحك منه الثكلى، وينبغي أن يوضع في الكتب التي تشتمل على أقوال الحمقى والمغفلين، وإنه لينطبق على الفتان قول الشاعر:
لقد كان في الإعراض ستر جهالة ... غدوتَ بها من أشهر الناس في البُلْد
وهل يظن الفتان الذي يهرف بما لا يعرف أن رسول الله ﷺ ترك الخطاب مع أمته بعد أن قال لهم في حجة الوداع: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع» فلم يكلمهم بعد ذلك حتى مات؟ أما علم المتكلف ما لا علم له به أن رسول الله ﷺ لم يترك الخطاب مع أمته جماعات وأفرادا إلى أن نزل به الموت فجعل وهو في سياق الموت يحذرهم من اتخاذ القبور مساجد، ويوصيهم بالصلاة وما ملكت أيمانهم، قالت عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ لما نزل برسول الله ﷺ طفق يلقي خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تقول عائشة ﵂: "يحذر مثل الذي صنعوا" رواه ..............................
стр. 108
الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والدارمي.
وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال وهو في الموت: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم بها وما يفيض بها لسانه، رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وفي رواية لأحمد: فجعل يتكلم بها وما يكاد يفيض بها لسانه، وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس ﵁ قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه.
فإن قال الفتان: إنه إنما أراد الخطبة وأن آخر مرة من خطبه ﷺ هي التي قال فيها: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
فالجواب من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن كان مراده الخطبة وأنه أبدل لفظة الخطبة بالمخاطبة فلا يخفي ما في كلامه من الخطأ في التعبير؛ لأن الخطبة شيء والمخاطبة شيء آخر، قال ابن منظور في (لسان العرب): "ذهب أبو إسحاق إلى أن الخطبة عند العرب الكلام المنثور المسجع ونحوه"، وذكر عن صاحب (التهذيب) أنه قال: "الخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر"، وكذا قال الزجاج: "إن الخطبة بالضم ما له أول وآخر نحو الرسالة"، نقله النووي عنه في (تهذيب الأسماء واللغات).
وأما المخاطبة فهي المراجعة في الكلام، قال صاحب (المحكم): "الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام"، نقله النووي عنه في (تهذيب الأسماء واللغات) وكذا قال ابن منظور في (لسان العرب): "إن الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام، قال وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان". انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: إن خطبة النبي ﷺ في يوم عرفة وهي التي قال فيها: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع» ليست آخر خطبة للنبي ﷺ بل إنه قد خطب الناس في يوم النحر بمنى، ثم خطبهم في أوسط أيام التشريق، ثم خطبهم بين مكة والمدينة بماء يدعي خُمّا، ثم لم يزل يخطبهم في أيام الجُمع إلى أن مرض مرضه الذي مات فيه، وآخر خطبة خطبها كانت في مرض موته ﷺ وقد جاء ذلك في عدة أحاديث، منها حديث ابن عباس ﵄ قال: "خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر ... " فذكر الحديث في ....................................
стр. 109
الوصية بالأنصار، وقال في آخره: "فكان آخر مجلس جلس فيه النبي ﷺ " رواه البخاري، وفي رواية قال: "صعد النبي ﷺ المنبر وكان آخر مجلس جلسه ... " فذكر الحديث في الوصية بالأنصار.
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "مرَّ أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم ... " فذكر الحديث في الوصية بالأنصار، رواه البخاري.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو عاصب رأسه قال: فاتبعته حتى صعد على المنبر فقال: «إن عبدًا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة» فذكر الحديث في بكاء أبي بكر لما سمع هذا من النبي ﷺ وقال في آخره ثم هبط رسول الله ﷺ عن المنبر فما رؤي عليه حتى الساعة" رواه الإمام أحمد والدارمي.
وفي هذا الأحاديث أبلغ رد على قول الفتان أن آخر مرة خاطب فيها الرسول ﷺ أمته حيث قال في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
وأما قوله: ونحن نعرف أن ربا الجاهلية باتفاق العلماء هو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الآيات التي نزلت في تحريم الربا والوعيد الشديد على أكله ليس فيها تخصيص لربا الجاهلية دون غيره من ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، بل الآيات عامة لجميع أنواع الربا، وقد جاء بيان ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكرها فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الفتان الذي حاول حصر الربا المحرم في ربا الجاهلية وزعم أنه الربا الذي لا شك فيه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد تقوَّل على العلماء حيث زعم أنهم اتفقوا على
стр. 110
أن الربا الذي نزل فيه القرآن هو ربا الجاهلية، وهذا الاتفاق المزعوم لا وجود له في شيء من كتب التفسير المشهورة، فلم يذكره ابن جرير ولا ابن أبي حاتم ولا البغوي ولا غيرهم من أكابر المفسرين، وهو مردود بما ذكره البغوي وابن الجوزي والرازي في سبب نزول قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن الجوزي: "في نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف فلما وضع الله الربا طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم فنزلت هذه الآية والتي بعدها، هذا قول ابن عباس، والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان والعباس كانا قد أسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال صاحب التمر إن أخذتما ما لكما لم يبق لي ولعيالي ما يكفي فهل لكما أن تأخذا النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك النبي ﷺ فنهاهما فنزلت هذه الآية، هذا قول عطاء وعكرمة، والثالث: أنها نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية وكان يسلفان في الربا فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فنزلت هذه الآية فقال النبي ﷺ : «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس» هذا قول السدي، قال ابن عباس وعكرمة والضحاك إنما قال: ﴿ما بقي من الربا﴾؛ لأن كل ربا كان قد ترك فلم يبق إلا ربا ثقيف، وقال قوم: الآية محمولة على من أربى قبل إسلامه وقبض بعضه في كفره ثم أسلم فيجب عليه أن يترك ما بقي ويعفى له عما مضى، فأما المراباة بعد الإسلام فمردودة فيما قبض ويسقط ما بقي". انتهى كلام ابن الجوزي، وقد ذكر البغوي والرازي نحو ما ذكره ابن الجوزي في سبب نزول الآية، وفيما ذكروه من الاختلاف في سبب نزول الآية أبلغ رد على ما في كلام الفتان من التقول على العلماء حيث زعم أنهم اتفقوا على أن الربا الذي نزل فيه القرآن هو ربا الجاهلية وهم لم يتفقوا على ذلك.
الوجه الثالث: أن يقال: على سبيل الفرض والتقدير لو وقع الاتفاق على أن ربا الجاهلية هو الربا الذي نزل فيه القرآن فإن التحريم لا يختص به، بل يكون عاما له ولغيره من أنواع الربا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وألفاظ الآيات الواردة في تحريم الربا والتشديد فيه كلها على العموم فيدخل في عمومها ربا أهل الجاهلية وربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، وقد بين ذلك النبي ﷺ بيانا شافيا قاطعا للشبه التي يتعلق بها الفتان وأشياعه من المبطلين، وقد قال ..............................
стр. 111
عمر بن الخطاب ﵁: "سيأتي ناس يجادلونكم بشبه القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " رواه الدارمي والآجري في كتاب (الشريعة)، وقال يحيى بن أبي كثير: "السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة" رواه الدارمي. ومعناه أن السنة تفسر القرآن وتبين ما أجمل فيه. والدليل على ذلك قول الله -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وقد بين النبي ﷺ ما أجمل في آيات الربا أتم البيان فلم يبق بعد بيانه ﷺ شبهة يتعلق بها الفتان من مجمل القرآن، وغاية ما يذهب إليه هو المعارضة بين القرآن والسنة، وذلك واضح في تمسكه بتحريم ربا الجاهلية وزعمه أنه هو الربا المحرم الذي لا شك فيه وأنه هو الربا الذي نزل فيه القرآن، وقد كرر هذه الشبهة في خمسة عشر موضعًا من كتابته المؤسسة على محادة الله ورسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين، وهو إلى جانب تمسكه بهذه الشبهة يهون أمر الربا الوارد تحريمه في السنة ويزعم أن ربا الفضل يجوز للحاجة وأن ربا النسيئة يجوز للضرورة، وهذا من الإيمان ببعض الكتاب وعدم الإيمان ببعضه.
فصل
وقال الفتان: "أما ربا الفضل الذي عرَّفه السيد قطب بأنه هو أن يبيع الرجل الشيء من نوعه مع زيادة؛ كبيع الذهب بالذهب والدراهم بالدراهم والقمح بالقمح والشعير بالشعير وهكذا فهو محرم أيضا ولكن تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وقال ابن القيم: والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة، ويؤكد هذا الرأي ما قال به ابن حجر الهيثمي حيث قال: كان الربا يتم بأن يدفع الرجل ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر مقدارًا معينًا ورأس المال باقٍ بحاله فإذا حلَّ الأجل طالبه برأس ماله فإن تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل، وروى مثل ذلك أيضا فخر الدين الرازي".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إنه يجب على كل مؤمن أن يقابل أقوال الرسول ﷺ بالقبول والتسليم وأن لا يعارضها بقول أحد من الناس كائنا من .......
стр. 112
كان؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ ، وكل قول خالف قول الرسول ﷺ فهو مردود على قائله، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ربا الفضل، وفي بعضها النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة، وقد ذكرت منها قريبا من ثلاثين حديثا في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الفتان الذي يحاول معارضة أقوال النبي ﷺ بالشبه والمغالطات وما يقتضبه من كلام العلماء ويضعه على غير مواضعه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد اقتضب جُملا يسيرة من كلام سيد قطب وابن حجر الهيتمي وفخر الدين الرازي، وذكر أرقام مواضعها في كتبهم ليتكثر بالنقل عنهم ويوهم الجهال أن أقوالهم موافقة لرأيه واتجاهه في التهوين من شأن ربا الفضل وأن تحريمه تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة.
ولا يخفى على من له علم وبصيرة ما في فعل الفتان من التمويه على الجهال والتلبيس عليهم، وما فيه أيضا من البعد عن أداء الأمانة في النقل عن العلماء وذلك لأنه كان ينقل من كلامهم ما يظن أن فيه تأييدا لأقواله الباطلة، ويترك ما فيه ردا عليه فلا ينقله، وهذا شأن أهل البدع، قال عبد الرحمن بن مهدي: "أهل البدع ينقلون ما لهم ولا ينقلون ما عليهم، وأهل السنة ينقلون ما لهم وما عليهم".
وسأذكر كلام العلماء الذين نقل عنهم الفتان في هذا الموضع ما نقل ليتضح أنه ليس في كلامهم ما يؤيد أقواله الباطلة، وليعلم أيضا أنه لا أمانة له في النقل وقد قال أنس بن مالك ﵁: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه.
فأما سيد قطب فإن الفتان أورد قوله في تعريف ربا الفضل: "هو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة كبيع الذهب بالذهب والدراهم بالدراهم والقمح بالقمح والشعير بالشعير وهكذا". انتهى ما نقله من كلام قطب، ثم إنه ضم إليه زيادة من عنده وهي قوله: "فهو مُحرَّم أيضا ولكن تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة"، وهذه الزيادة ليست من كلام قطب، ومع هذا فقد وصلها الفتان بكلام قطب بدون فاصل يفصل بين كلامه وكلام قطب، وإنما فعل ذلك ليوهم الجهال أن الجميع كله من كلام ....................
стр. 113
قطب وأنه موافق لرأيه واتجاهه في التهوين من شأن ربا الفضل، وسأذكر من كلام قطب ما فيه كفاية في الرد على الفتان -إن شاء الله تعالى-.
قال في الكلام على آيات الربا من سورة البقرة: "إن الربا الذي كان معروفًا في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداء كانت له صورتان رئيسيتان: ربا النسيئة وربا الفضل، فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة: "إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه ... " ثم ذكر عن مجاهد نحو ذلك، وذكر أيضا عن الجصاص والرازي نحو ذلك بمعناه ثم قال:-
أما ربا الفضل فهو أن يبيع الرجل بالشيء من نوعه مع زيادة كبيع الذهب بالذهب والدراهم بالدراهم والقمح بالقمح والشعير بالشعير وهكذا، وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شَبَه به ... ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وذكر أيضا حديث أبي سعيد ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ : «من أين هذا» قال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع فقال: «أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به».
فأما النوع الأول فالربا ظاهر فيه لا يحتاج إلى بيان، وأما النوع الثاني فما لا شك فيه أن هناك فروقا أساسية في الشيئين المتماثلين هي التي تقتضي الزيادة وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الرديء وأخذ صاعا من التمر الجيد، وقد وصفه ﷺ بالربا ونهى عنه وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد ثم شراء الصنف المطلوب بالنقد أيضا، إبعادا لشبح الربا من العملية تمامًا، وكذلك شرط القبض «يدا بيد» كي لا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل ولو من غير زيادة في شبح من الربا وعنصر من عناصره.
إلى هذا الحد بلغت حساسية الرسول ﷺ بشبح الربا في أية عملية وبلغت كذلك حكمته في عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية.
فأما اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم ............
стр. 114
الرأسمالية الغربية أن يقصروا التحريم على صورة واحدة من صور الربا - ربا النسيئة - بالاستناد إلى حديث أسامة، وإلى وصف السلف للعمليات الربوية في الجاهلية، وأن يُحلوا دينيا وباسم الإسلام الصور الأخرى المستحدثة التي لا تنطبق في حرفية منها على ربا الجاهلية، ولكن هذه المحاولة لا تزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الروحية والعقلية، فالإسلام ليس نظام شكليات، إنما هو نظام يقوم على تصور أصيل، فهو حين حرم الربا لم يكن يحرم منه صورة دون صورة، ومن ثم فإن كل عملية ربوية حرام سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية أم استحدثت لها أشكال جديدة". انتهى المقصود من كلامه باختصار.
وقال أيضا في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾: "وهذا التعقيب هنا قاطع في اعتبار من يصرون على التعامل الربوي بعد تحريمه من الكفار الآثمين، الذين لا يحبهم الله، وما من شك أن الذين يحلون ما حرم الله ينطبق عليهم وصف الكفر ولو قالوا بألسنتهم ألف مرة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فالإسلام ليس كلمة باللسان، إنما هو نظام حياة ومنهج عمل، وإنكار جزء كإنكار الكل، وليس في حرمة الربا شبهة، وليس في اعتباره حلالا وإقامة الحياة على أساسه إلا الكفر والإثم".
وقال أيضا في الكلام على قول الله -تعالى- في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾: "نقف عند الأضعاف المضاعفة فإن قوما يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص ليقولوا إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة، أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة فليست أضعافًا مضاعفة وليست داخلة في نطاق التحريم ... "، قال: "ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع وليست شرطا يتعلق به الحكم، والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أيا كان". انتهى، وفي كلامه أبلغ رد على الفتان وعلى أشياعه وسلفه الذين يستحلون الربا بالحيل وتحريف الكلم عن مواضعه.
وأما قول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة.
فجوابه: أن يقال: إن الذي يقضي منه العجب في الحقيقة هو ما في كلام ابن القيم ..
стр. 115
-رحمه الله تعالى- من التهوين لشأن ربا الفضل ومخالفته لما ثبت عن النبي ﷺ من التشديد فيه حيث قال ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» وعن عبادة بن الصامت وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁: «فمن زاد أو استزاد فهو ربا».
قال النووي: "قوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» معناه فقد فعل الربا المحرم فدافع الزيادة وآخذها عاصيان". انتهى.
وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ : «من أين هذا؟» قال بلال: كان عندي تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ عند ذلك: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» وقد رواه النسائي مختصرا وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «أوه عين الربا لا تقربه».
قال النووي: "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم". انتهى.
وروي مسلم عن أبي سعيد أيضا أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول الله ﷺ : «هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا» وفي رواية لأحمد ومسلم أن رسول الله ﷺ قال للذي باع التمر الرديء بأقل منه من الطيب: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر» وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال للرجل: «ويلك أربيت إذا أردت فبع تمرك بسلعة ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت» قال أبو سعيد ﵁ فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة، وفي رواية لأحمد أن أبا سعيد ﵁ قال: "فالتمر أربى أم الفضة بالفضة والذهب بالذهب" وروي الطبراني عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن فمن زاد أو استزاد فقد أربى» والله ما كذب ابن عمر على رسول الله ﷺ .
فهذه الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ صريحة في مبالغته ﷺ في النهي عن ربا الفضل والتشديد فيه، وفيها أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من ...........
стр. 116
التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
ومن أعظم المبالغات الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من الربا والشديد فيه على وجه العموم الذي يشمل ربا الفضل وربا النسيئة ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكرها ومنها أكل الربا، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وتقدم في أول الكتاب.
ومن أعظم المبالغات أيضا لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع هناك (١).
ومن أعظم المبالغات أيضا قوله ﷺ : «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية» رواه الإمام أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة.
ومن أعظم المبالغات أيضا قوله ﷺ : «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه أبو يعلي بإسناد جيد من حديث ابن مسعود ﵁، وروى الحاكم نحوه من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الحاكم والذهبي.
وفي هذا المبالغات الثابتة عن النبي ﷺ أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن كل من بالغ من العلماء في النهي عن ربا الفضل والتحذير منه فهو مصيب ومحسن فيما فعل؛ لأنه قد اتبع النبي ﷺ وتمسك بأقواله، ومن تعجب من مبالغتهم في ذلك فتعجبه مردود عليه.
وقد ثبت عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما كانا ينهيان عن ربا الفضل ويبالغان في النهي عنه، وقد كتب أبو بكر ﵁ بالنهي عنه إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام، وخطب عمر ﵁ بذلك على منبر رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة ﵃ وتوعد من فعل ذلك بالعقوبة الموجعة في نفسه وماله، وقد ذكرت قريبا ما رواه الطحاوي عن أبي بكر وعمر ﵄ وذكرت أيضا أنه لم يعرف لأبي بكر وعمر ﵄ مخالف من الصحابة ﵃، وهذا يدل على موافقتهم لهما، وذكرت أيضا ما رواه الطحاوي عن علي بن أبي ......................
стр. 117
طالب وعمر وابنه عبد الله وفضالة بن عبيد ﵃ أنهم كانوا ينهون عن ربا الفضل، فلتراجع أقوالهم (١) فإن فيها أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
ومن المبالغة أيضا في النهي عن ربا الفضل ما جاء في قصة أبي الدرداء مع معاوية، وقد تقدم ذلك في الحديث الرابع والعشرين فليراجع، وكذلك ما جاء في قصة أبي أسيد مع ابن عباس وهي مذكورة في الحديث الأربعين فليراجع، وكذلك ما جاء في قصة عبادة بن الصامت مع معاوية فقد جاء فيها أن عبادة ﵁ قال: "يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة» "، فقال معاوية: "لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة"، فقال عبادة: "أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن رأيك"، وفي آخر القصة أن عمر ﵁ كتب إلى معاوية أن يحمل الناس على ما قاله عبادة بن الصامت وقال: "إنه هو الأمر" وقد تقدم ذكر هذه القصة في أثناء الكتاب فلتراجع (٢)، ففيها وفيما تقدم قبلها عن أبي الدرداء وأبي أسيد أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
وأبلغ من جميع ما تقدم ذكره وأعظم في المبالغة في تحريم الربا والتشديد فيه والتحذير منه على وجه العموم الذي يشمل ربا الفضل وربا النسيئة ما جاء في الآيات من آخر سورة البقرة والآيات من سورة آل عمران، وقد ذكرت في أثناء الكتاب أن نصوص القرآن عامة فيدخل في عمومها ربا الفضل وربا النسيئة، فليراجع ما تقدم ذكره (٣) ففيه أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
وأما ابن حجر الهيتمي مؤلف كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) فهو بالتاء المثناة - وليس بالثاء المثلثة كما قد جاء ذلك في كلام الفتان الذي يهرف بما لا يعرف - واسمه أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي. وإنما قيل له الهيتمي لأنه ولد في محله أبي الهيتم وهي قرية بمصر من أعمال الغربية، ويقال له أيضا ابن حجر المكي لأنه .................
стр. 118
سكن مكة ومات بها في سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة، وقيل في سنة أربع وسبعين وتسعمائة.
أما الهيثمي بالثاء المثلثة فهو نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي وكان في القرن الثامن من الهجرة ومات في أول القرن التاسع في سنة سبع وثمانمائة وكانت وفاته قبل أن يولد ابن حجر الهيتمي بمائة سنة وزيادة سنتين.
وأما كلام الهيتمي في كتاب (الزواجر عن اقتراب الكبائر) فهو من أبلغ ما يرد به على الفتان، وقد نقل الفتان منه جملة تشتمل على التعريف بالربا الذي كان مشهورا في الجاهلية ليوهم الجهال أن رأي الهيتمي كان موافقا لرأيه واتجاهه في قصر الربا المحرم على ربا الجاهلية، وأعرض عما قبل الجملة وما بعدها فلم ينقل منه شيئا؛ لأن الهيتمي قد صرح فيه بتحريم جميع أنواع الربا وذكر الإجماع على ذلك، وهذا من عدم الأمانة عند الفتان، وقد سبق له أمثال ذلك فيما نقله عن بعض العلماء، وقد تقدم قريبا (١) حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له».
وهذا ملخص كلام الهيتمي في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) وقد ابتدأ بذكر الكبائر التي تتعلق بالربا، وهي أكله وإطعامه وكتابته والشهادة عليه والسعي فيه والإعانة عليه، ثم ذكر الآيات الواردة في تحريمه والتشديد فيه والوعيد الشديد عليه ثم قال: "الربا لغة الزيادة، وشرعًا عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما، وهو ثلاثة أنواع؛ ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين المتفقي الجنس على الآخر، وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما عن التفرق من المجلس بشرط اتحادهما علة بأن يكون كل منهما مطعوما أو كل منهما نقدًا وإن اختلف الجنس".
قلت: هذا النوع من ربا النسيئة فلا وجه لجعله نوعًا على حدته.
قال الهيتمي: "وربا النساء وهو البيع للمطعومين أو للنقدين المتفقي الجنس أو المختلفة لأجل ولو لحظة فالأول كبيع صاع بر بدون صاع بر أو بأكثر، أو درهم فضة بدون درهم فضة أو بأكثر، سواء أتقابضا أم لا، وسواء أجَّلا أم لا، والثاني كبيع صاع ...............
стр. 119
بر بصاع بر أو درهم ذهب بدرهم ذهب أو صاع بر بصاع شعير أو أكثر أو درهم ذهب بدرهم فضة أو أكثر لكن تأخر قبض أحدهما عن المجلس. الثالث كبيع صاع بر بصاع بر أو درهم فضة بدرهم فضة لكن مع تأجيل أحدهما ولو إلى لحظة. وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، لكنه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل لأنه الذي فيه شرط يجر نفعا للمقترض فكأنه أقرض هذا الشيء بمثله مع زيادة ذلك النفع الذي عاد إليه .. وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات المذكورة والأحاديث الآتية، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربع ... قال: وربا النسيئة هو الذي كان مشهورًا في الجاهلية لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدرًا معينًا، ورأس المال باق بحاله، فإذا حل طالبه برأس ماله فإن تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل، وتسمية هذا نسيئة مع أنه يصدق عليه ربا الفضل أيضا لأن النسيئة هي المقصودة فيه بالذات، وهذا النوع مشهور الآن بين الناس وواقع كثيرًا، وكان ابن عباس ﵄ لا يحرم إلا ربا النسيئة محتجًا بأنه المتعارف بينهم فينصرف النص إليه، لكن صحَّت الأحاديث بتحريم الأنواع الأربعة السابقة من غير مطعن ولا نزاع لأحد فيها، ومن ثم أجمعوا على خلاف قول ابن عباس، على أنه رجع عنه لما قال له أبي (١): أشهدت ما لم نشهد أسمعت من رسول الله ﷺ ما لم نسمع؟! ثم روى له الحديث الصريح في تحريم الكل، ثم قال له: لا آواني وإياك ظل بيت ما دمت على هذا فحينئذ رجع ابن عباس، قال محمد بن سيرين: كنا في بيت عكرمة فقال له رجل أما تذكر ونحن ببيت فلان ومعنا ابن عباس فقال: إنما كنت استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أنه ﷺ حرمه فاشهدوا أني حرمته وبرئت إلى الله منه". انتهى المقصود من كلام الهيتمي. وفيه أبلغ رد على زعم الفتان أن ما قال به ابن حجر الهيتمي يؤكد رأيه الفاسد في قصر الربا المحرم على ربا النسيئة، وفيه أيضا إظهار ما في كلام الفتان من الافتراء على الهيتمي والتقول عليه بضد ما جاء في كلامه من التصريح بتحريم أنواع الربا وذكر الإجماع على ذلك.
والكذب من أقبح الخلال ومن كبائر الإثم وصفات المنافقين. وقد جاء في ذمه والتحذير منه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات قول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وقال -تعالى- متوعدا ..............
стр. 120
المنافقين على الكذب: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾، قال أبو قلابة: "هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة" رواه ابن جرير بإسناد صحيح، ومن الأحاديث ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب» وروى البزار وأبو يعلى عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، قال المنذري: "ورواته رواة الصحيح"، وروى الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "يا أيها الناس إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان"، وفي الصحيحين وغيرهما عن أبن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» والآيات والأحاديث في ذم الكذب كثيرة جدًا، وفيما ذكرته كفاية -إن شاء الله.
وأما فخر الدين الرازي فإنه قال في تفسيره: "اعلم أن الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهور متعارفا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به، وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك - ثم ذكر عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وأنه رجع عن قوله لما حدثه أبو سعيد أن رسول الله ﷺ حرم ربا الفضل ثم قال: وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أما القسم الأول فبالقرآن، وأما ربا النقد فبالخبر". انتهى المقصود من كلام الرازي وفيه أبلغ رد على الفتان.
الوجه الثالث: أن يقال: أما زعم الفتان أن تحريم ربا الفضل تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد وأن ما حرم سدا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة، فهو مما أخذه من كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وقد تقدم الجواب عنه مبسوطًا في أثناء الكتاب فليراجع (١).
стр. 121
الوجه الرابع: أن يقال: إن ابن القيم -رحمه الله تعالى- لم يذكر شيئا مما أُبيح للمصلحة الراجحة من ربا الفضل سوى العرايا، ولم يذكر غير ذلك إذ لا توجد الرخصة عن النبي ﷺ في غير العرايا، وما سواها فهو باق على المنع والتحريم كما سيأتي بيان ذلك في حديث زيد بن ثابت ﵁.
والعرايا هي بيع الرطب في رؤوس النخل خرصا بمثله من التمر كيلا فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه، وهي مستثناة مما نهى عنه رسول الله ﷺ من المزابنة، وهي بيع الثمر على رؤوس النخل بالتمر كيلا، وسيأتي بيان معناها في حديث ابن عمر ﵄ وغيره مما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رخص في بيع العرايا ولم يرخص في غير ذلك، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما في الصحيحين عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبيعوا الثمر بالتمر» قال سالم: وأخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ : «رخَّص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وقال في آخر: «ولم يرخص في غير ذلك» وقد ترجم البخاري لهذا الحديث وأحاديث معه بقوله: "باب بيع المزابنة وهي بيع التمر بالثمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا"، وقد رواه الإمام أحمد مختصرًا ولفظه أن رسول الله ﷺ «رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها ولم يرخص في غير ذلك»، ورواه النسائي ولفظه: «أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بالرطب وبالتمر ولم يرخص في غير ذلك» وقد رواه الإمام أحمد أيضا والنسائي وابن ماجة مختصرًا جدًا ولفظه عندهم أن رسول الله ﷺ «رخص في العرايا»، ورواه مسلم مختصرًا ولفظه: «رخص في بيع العرايا».
وقد رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا» وفي رواية لأحمد ومسلم: «رخص في العرية أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا».
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت قال: «رخص رسول الله ﷺ في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا» ورواه أبو داود والنسائي بمعناه.
ومن الأحاديث أيضًا حديث بُشَير بن يسار مولى بني حارثة عن سهل بن أبي حثمة -رضي
стр. 122
الله عنه- أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرايا أن تشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبًا» رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود، وروى النسائي منه قوله: «ورخص في العرايا أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبًا» وقد رواه مسلم بزيادة، ولفظه عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ من أهل دارهم منهم سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع الثمر بالتمر» وقال: «ذلك الربا تلك المزابنة» إلا أنه «رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبا» وروي مسلم أيضا عن بشير بن يسار عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: «رخص رسول الله ﷺ في بيع العرية بخرصها تمرًا» ورواه النسائي بنحوه.
ومن الأحاديث أيضا حديث بشير بن يسار أن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة حدثاه أن رسول الله ﷺ «نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق» رواه مالك في الموطأ، ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي كلهم من طريق مالك.
ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ «نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا ورخص في العرايا» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي. وهذا لفظ أحمد ونحوه في إحدى روايات مسلم.
ومنها حديث جابر بن عبد الله أيضا قال سمعت رسول الله ﷺ حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: «الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة» رواه الإمام أحمد وأبو يعلي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطحاوي والبيهقي كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيي بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر ﵁، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عن أحمد وابن حبان فزال ما يخشى من تدليسه.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على الفتان الذي يريد أن يتوسع في استحلال ربا الفضل معتمدًا على قول ابن القيم أن تحريمه تحريم وسائل من باب سد الذرائع وأن ما حرم سدًا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة.
стр. 123
وفي التصريح بأن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا ولم يرخص في غير ذلك دليل على حصر المصلحة الراجحة في بيع العرايا وأن ما سوى ذلك من ربا الفضل فهو باقٍ على المنع والتحريم.
فصل
وقال الفتان: "أما الدليل على أن الربا يتخذ صورة التضعيف فهو ما أكده قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وقد ورد في سبب نزولها: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن، يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له تقضيني أو تزيدني، فإن كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية ثم حقة ثم جذعة ثم رباعيًا ثم هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه".
والجواب: أن يقال: أما ما ذكره الفتان من صفة الربا الذي كان يفعله أهل الجاهلية فهو من كلام زيد بن أسلم، رواه ابن جرير بإسناده عن ابن زيد وهو - عبد الرحمن - عن أبيه، وهذه الصفة لا تقتضي حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية كما هو الظاهر من استدلال الفتان بالآية من سورة آل عمران على أن الربا يتخذ صورة التضعيف، وقد تقدم قريبا (١) قول سيد قطب إن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع وليست شرطًا يتعلق به الحكم، قال: "والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أيا كان". انتهى.
وتقدم أيضا في أثناء الكتاب قول الشيخ أحمد محمد شاكر في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآية: "إن المتلاعبين بالدين من أهل عصره وأوليائهم من عابدي التشريع الوثني الأجنبي، بل التشريع اليهودي في الربا، يلعبون بالقرآن ويزعمون أن هذه الآية تدل على أن الربا المحرم هو ................
стр. 124
الأضعاف المضاعفة ليجيزوا ما بقي من أنواع الربا على ما ترضى أهواؤهم وأهواء سادتهم". انتهى المقصود من كلامه فليراجع (١)، وليراجع ما بعده من كلام الشيخ محمود شلتوت، وليراجع (٢) أيضا كلام قطب، ففي كلام هؤلاء أبلغ رد على ما في كلام الفتان من محاولة حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية.
وليراجع (٣) أيضا قول الهيتمي في ربا الفضل وربا اليد وربا النساء وربا القرض أنها كلها حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وأن ما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة، ففي كلامه أبلغ رد على ما في كلام الفتان من محاولة حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية.
وأما زعم الفتان أنه قد ورد في سبب نزول الآية ما جاء عن زيد بن أسلم في صفة الربا الذي كان يتعامل به في الجاهلية.
فالجواب عنه: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، ولفظ الآية من سورة آل عمران عام فيدخل في عمومه ربا الفضل وربا النسيئة، وسواء في ذلك ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما كان يفعل في الإسلام، وكذلك ألفاظ الآيات التي نزلت في تحريم الربا والوعيد الشديد على أكله كلها قد جاءت بلفظ العموم فيدخل في عمومها ربا الفضل وربا النسيئة على أي صفة كان.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ربا الفضل وربا النسيئة، وفي بعضها النص على أن من زاد أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى، وهذا النص يدل على أن الزيادة في بيع الجنس من هذه الأعيان الستة بجنسه ربا، وظاهره يدل على أنه لا فرق بين أن تكون الزيادة كثيرة أو قليلة، وفي هذا أبلغ رد على قول الفتان أن الربا يتخذ صورة التضعيف، ولا يخفي على من له علم وبصيرة أن هذا القول الباطل يتضمن معارضة أقوال الرسول ﷺ في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف بل إنه يتضمن إطراح الأحاديث المتواترة في ذلك وقلة المبالاة بها، ويتضمن أيضا التفريق بين الله وبين رسوله حيث أنه يؤمن بالآية التي زعم أنها تدل على أن .....
стр. 125
الربا يتخذ صورة التضعيف ولا يؤمن بالأحاديث المتواترة في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف، وما أشد الخطر في هذا؛ لأن الله -تعالى- حذر المؤمنين من مخالفة أمر الرسول ﷺ وتوعد المخالفين عن أمره بالوعيد الشديد فقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
فصل
وقال الفتان: موقف أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام من المصارف. ثم قال: "إن استعراض مجمل الأحكام المسلم بها لدى أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام يبين لنا ما يلي:
١ - أن الربا محرم تحريمًا قطعيًا لا شك فيه".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الكتاب والسنة هما الميزان الذي توزن به أقوال أهل الفتوى وغيرهم من أهل العلم فما وافقهما فهو مقبول وما خالفهما فهو مردود على قائله كائنا من كان إذ لا قول لأحد مع قول الله -تعالى- وقول رسوله ﷺ ، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن كل محاولة أتى بها الفتان لحصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية - وهو الربا الذي يقول فيه الفتان: إنه يتخذ صورة التضعيف، وكذلك كل محاولة أتى بها للتهوين من شأن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف، وكذلك ما اعتمد عليه من جهالات العصريين الذين كانوا في القرن الرابع عشر من الهجرة والذين كانوا في القرن الخامس عشر فكله مردود عليه ومضروب به عرض الحائط؛ لأنه محاولات مبنية على مخالفة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على تحريم جميع أنواع الربا. لا فرق في ذلك بين ربا أهل الجاهلية وبين .....
стр. 126
الربا الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وشدَّد فيه كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث الثابتة المتواترة فلتراجع (١).
الوجه الثاني: أن يقال: إن كبار رجال الفتوى في الإسلام على الحقيقة هم علماء الصحابة ﵃، فإذا ذكر كبار رجال الفتوى في الإسلام على وجه الإطلاق فإن هذا الوصف ينصرف إليهم قبل الذين كانوا من بعدهم، وبعد علماء الصحابة أكابر علماء التابعين ثم أئمة العلم والهدي من بعدهم، فهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم الوصف بأنهم كبار رجال الفتوى في الإسلام، وقد تقدم بيان موقف الصحابة من تحريم الربا وفيهم الخلفاء الأربعة الراشدون المهديون، وفيهم أيضا عدد من العشرة المشهود لهم بالجنة، فليراجع ذلك في الفصل الذي قد ذكر فيه الإجماع على تحريم الربا (٢)، وليراجع أيضا ما ذكر فيه من إجماع علماء الأمصار على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال ابن المنذر: "وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وجماعة يكثر عددهم من التابعين".
وليراجع أيضا ما ذكر في أثناء الكتاب (٣) عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، فأما أبو بكر الصديق ﵁ فإنه كتب إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام: "أما بعد: فإنكم قد هبطتم أرض الربا فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن ولا الطعام بالطعام إلا كيلاً بكيل".
ولم يذكر عن أحد من أمراء الأجناد ولا عن غيرهم من الصحابة الذين كانوا معهم - وهم كثيرون جدا- أنهم خالفوا ما جاء في كتاب أبي بكر الصديق ﵁ فدل ذلك على موافقتهم له.
وأما عمر بن الخطاب ﵁ فإنه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ فقال في خطبته: "لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين ولا درهما بدرهمين ولا قفيزًا بقفيزين وإني لا أوتى بأحد فعله إلا أوجعته عقوبة في نفسه وماله".
стр. 127
قال الطحاوي بعد سياق هذا الأثر: "فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يخطب بهذا على منبر رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه -رضوان الله عليهم- لا ينكره عليه منهم منكر فدل ذلك على موفقتهم له عليه". انتهى.
فهذا هو موقف أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام من تحريم ربا الفضل والتشديد فيه، وما خالف موقفهم من محاولات الفتان وغيره من المتلاعبين بالدين وتهافتهم في التهوين من شأن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف واستحلال هذين النوعين بالشبه والأباطيل فكله مردود ومضروب به عرض الحائط.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المصارف لم توجد في زمان كبار رجال الفتوى في الإسلام وهم علماء الصحابة ﵃، ولم توجد في زمان التابعين وأئمة العلم والهدي من بعدهم، وإنما حدثت وانتشرت في البلاد الإسلامية في القرن الرابع عشر من الهجرة، وعلى هذا فهل يقول عاقل إن كبار رجال الفتوى في الإسلام كان لهم موقف من المصارف، وهي لم تكن في زمانهم وإنما حدثت بعد زمانهم بنحو من ثلاثة عشر قرنًا؟! كلا، لا يقول ذلك إنسان يعقل ما يقول.
فإن قال الفتان إنه إنما أراد العلماء الذين نقل عنهم بعض الكلمات التي كان يرى فيها تأييدًا لرأيه واتجاهه الذي زعم فيه أن الربا يتخذ صورة التضعيف.
فالجواب: أن يقال: إن العلماء الذين نقل الفتان من كلامهم ما يظن أن فيه تأييدًا لباطله ليسوا كبار رجال الفتوى في الإسلام؛ لأن هذه الصفة إنما تنطبق مع الإطلاق على علماء الصحابة ﵃، ثم تنطبق بعدهم على أكابر علماء التابعين، وأما العلماء الذين سيأتي ذكر ما نقله الفتان من كلامهم فإنهم وإن كانوا من أكابر العلماء في زمانهم ومن رجال الفتوى فليسوا بمنزلة علماء الصحابة ولا بمنزلة أكابر علماء التابعين، وعلى هذا فلا ينبغي أن يوصفوا بالصفة التي يستحقها علماء الصحابة بالأولوية.
ويقال أيضا: إن المصارف لم توجد إلا في زمان رشيد رضا وأقرانه وشيوخهم وأما غير رشيد رضا من العلماء الذي نقل الفتان من كلامهم ما سيأتي ذكره قريبًا فإنهم لم يكونوا يعرفون المصارف؛ لأنها لم توجد في أزمانهم وإنما حدثت بعد أزمانهم بدهر طويل، وعلى هذا فإنه ليس من المعقول أن يقال إن لهم موقفا من المصارف بل هذا يعد من هذيان الفتان ومن كذبه على العلماء الذين كانوا قبل زمان المصارف.
стр. 128
وأما رشيد رضا وبعض أقرانه وبعض شيوخهم فإن لهم نزوات في تحليل ربا الفضل وتسميته باسم الفائدة، وفيما تقدم في أول الكتاب من أدلة القرآن والسنة والإجماع على تحريم الربا على وجه العموم أبلغ رد على أباطيلهم، وقد رد عليهم الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه المسمى (عمدة التفاسير) وسماهم المتلاعبين بالدين، ورد عليهم الشيخ محمود شلتوت في كتابه (تفسير القرآن الكريم) وقال فيهم: "إنهم مولعون بتصحيح التصرفات الحديثة وتخريجها على أساس فقهي إسلامي ليُعرفوا بالتجديد وعمق التفكير"، ورد عليهم سيد قطب في تفسيره وسماهم المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم الرأسمالية الغربية، فليراجع كلام الشيخ أحمد محمد شاكر وكلام الشيخ محمود شلتوت في أول الكتاب (١)، وليراجع كلام قطب فيما تقدم قريبا (٢).
الوجه الرابع: أن يقال: ما ذكره الفتان في أول استعراضاته لمجمل الأحكام المسلَّم بها لدى أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام، وهو القول بأن الربا محرم تحريمًا قطعيًا لا شك فيه .. فهو الصواب الذي تؤيده الأدلة من القرآن والسنة والإجماع، وما خالفه من الأقوال التي يستحل أهلها بعض أنواع الربا فكلها من الباطل المردود.
فصل
وقال الفتان: "إن الربا المجمع على تحريمه بلا شك هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، وقد بيَّنه الإمام أحمد لما سئل عن الربا الذي لاشك فيه، فقد بينه وميزه عن غيره بأن وصفه بأنه أخذ الزيادة في مقابل التأجيل فقال: هو أن يكون له دين فيقول للمدين إذا حل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي فإن لم يقض زاد المدين المال وزاد الدائن الأجل، انظر الجزء الرابع من فتاوي رشيد رضا صفحة ١٣٤٢.
стр. 129
ويقول ابن القيم ﵀ عن ربا النسيئة: هو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلاف (١) مؤلفة، وفي الغالب لا يقبل ذلك (٢) إلا معدوم (٣) محتاج فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوداته".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ما زعمه الفتان من أن الربا المجمع على تحريمه هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية فهو خطأ محض، وحكايته الإجماع عليه كذب على العلماء؛ لأن هذا القول خلاف الإجماع الذي حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والموفق وابن أبي عمر والنووي وغيرهم عن علماء الأمصار، فقد ذكر ابن المنذر عنهم: "أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ ... قال: وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وجماعة يكثر عددهم من التابعين". انتهى.
وقال ابن عبد البر: "لا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا ولا الدرهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه". انتهى، وقال الموفق في المغنى: "أجمعت الأمة على أن الربا محرم قال: والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى. وذكر ابن أبي عمر في الشرح الكبير نحو ما ذكره الموفق.
وذكر النووي إجماع المسلمين على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالاً كالذهب بالذهب وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير، وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدًا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير. انتهى.
стр. 130
وقد ذكرت هذه الأقوال وغيرها في الفصل الذي فيه ذكر الإجماع على تحريم الربا فلتراجع في أول الكتاب (١) ففيها أبلغ رد على الفتان المفتون الذي يهرف بما لا يعرف.
وقد ذكرت أيضا قول ابن حجر الهيتمي أن الربا ثلاثة أنواع، ربا الفضل وربا اليد، وربا النساء، قال: وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، قال الهيتمي: وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة. انتهى، فليراجع كلامه (٢) ففيه أبلغ رد على الفتان المفتون.
الوجه الثاني: أن يقال: إنَّ حَصْرَ الربا المجمع على تحريمه في ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية يتضمن رد الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية، ومن رد شيئا من أقوال النبي ﷺ فهو على شفا هلكة؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فلا يأمن الفتان أن يكون له نصيب وافر مما جاء في الآيتين من الوعيد الشديد؛ لأنه قد بذل جهده في التهوين من شأن ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية، وكذلك قد بذل جهده في محاولة حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية ولم يبال بما يترتب على ذلك من مشاقة الرسول ﷺ ومخالفة أقواله الثابتة عنه في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة على أي صفة كان.
وأما ما ذكره الفتان عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- فقد تقدم الجواب عنه في أثناء الكتاب فليراجع (٣).
فصل
وقال الفتان: "أما ربا الفضل فقد حُرِّم سدًا للذريعة، وما كان كذلك فيجوز للمصلحة، كما قال به العلامة ابن القيم، وقال رشيد رضا في فتواه: واعلم أن الزيادة .....
стр. 131
الأولى في الدين المؤجل هي من ربا الفضل وإن كانت لأجل التأخير، لكن ربا النسيئة المعروف هو ما يكون بعد حلول الأَجَل لأَجْل الإنساء، أي التأخير، قال الفتان: ومعنى ذلك أن النص عند عقد الدين على الزيادة على أصل الدين في مقابل الأجل المحدد في العقد وطلب المدين تأجيله في مقابل حلول أجل الدين وذلك لأجل الإنساء فقط أي التأخر فقط للدين القديم فهذا ربا لا شك فيه ولا تجوز إباحته بأي حال من الأحوال".
والجواب: أن يقال: أما قول ابن القيم إن ربا الفضل حُرِّم سدًا للذريعة فليس عليه دليل البتة، وقد تقدم الجواب عنه مبسوطًا في أثناء الكتاب فليراجع (١).
وأما قوله: إن ربا الفضل يجوز للمصلحة.
فجوابه: أن يقال: إن ابن القيم لم يذكر شيئا مما أبيح للمصلحة من ربا الفضل سوى العرايا، ولم يذكر غيرها، وقد تقدم الكلام في بيع العرايا وبيان أن المصلحة المستثناة من ربا الفضل محصورة في بيع العرايا، وما سواها فهو باق على المنع والتحريم، فليراجع ما تقدم (٢) ففيه كفاية في الرد على الفتان الذي يحاول استحلال ربا الفضل معتمدا على ما جاء في كلام ابن القيم من ذكر المصلحة المستثناة من ربا الفضل.
وأما رشيد رضا فإنه قد تبع شيخه محمد عبده في تحليل ربا الفضل وتسميته باسم الفائدة، وله في تحليله عدة فتاوى، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من فتاواه وفتاوى شيخه في تحليل الربا فإنها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
فصل
وقد تلاعب الشيطان بالفتان غاية التلاعب وزين له التمويه والتلبيس على الجهال وأغراه بذلك، فمن ذلك تمويهه وتلبيسه بما ذكره عن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية والموفق وابن حزم في إجازة المصالح التي لا مضرة فيها وليس لها تعلق بمسائل الربا، وقد جعل كلامهم فيها مستندا له في تحليل الربا للمصلحة والحاجة، وليس في كلامهم ما يؤيد قوله الباطل كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.
стр. 132
فأما ابن القيم فإنه ذكر عنه أنه قال في كتابه (زاد المعاد): "الشرائع مبناها مصالح العباد (١) وعدم الحجر عليهم فيما لابد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به".
وقال الفتان: "فتناول -رحمة الله- الضرورات أولاً في قوله فيما لا بد لهم منه، ثم تناول عليهم فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به".
والجواب: أن يقال: ليس في كلام ابن القيم ما يتعلق به الفتان فيما هو مفتون به من تجويز ربا النسيئة للضرورة وتجويز ربا الفضل للحاجة؛ لأن كلام ابن القيم لم يكن في مسائل الربا وإنما هو في بيع المقاثئ والمباطخ إذا بدا صلاحها، وعلى هذا فإدخال مسائل الربا في هذه المسألة خطأ وتمويه وتلبيس على الجهال.
وسأذكر -إن شاء الله تعالى- كلام ابن القيم في مسألة بيع المقاثئ والمباطخ ليعلم المطلعون عليه أنه ليس فيه ما يتعلق به الفتان في إباحة الربا.
قال في الكلام على بيع المعدوم ما ملخصه:
"المعدوم ثلاثة أقسام: معدوم موصوف في الذمة: فهذا يجوز بيعه اتفاقًا، وهذا هو السلم، والثاني: معدوم تبع للموجود وهو نوعان، نوع متفق عليه ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بُدُوِّ صلاح ثمرة واحدة منها، والنوع المختلف فيه كبيع المقاثئ والمباطخ إذا طابت فهذا فيه قولان، أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة ويأخذها المشتري شيئا بعد شيء كما جرت به العادة ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر ولا قياس صحيح".
ثم ذكر قول الذين قالوا لا يباع إلا لقطة لقطة وردَّ عليهم وذكر أنه يتعذر العمل بقولهم غالبا، وإن أمكن ففي غاية العسر ويؤدي إلى التنازع والاختلاف الشديد، وما كان هكذا فإن الشريعة لا تأتي به، ولو ألزم الناس به لفسدت أموالهم وتعطلت مصالحهم ... إلى أن قال: "والشرائع مبناها على رعاية مصالح العباد وعدم الحجر عليهم فيما لابد له منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به".
ثم ذكر القسم الثالث وهو المعدوم الذي لا يدري يحصل أولا يحصل، وذكر أن الشارع منع منه لكونه من الغرر. انتهى المقصود من كلامه، ومنه يعلم ما في كلام .......
стр. 133
الفتان من التقول على ابن القيم حيث وضع كلامه على غير موضعه وحمله على ما يوافق قوله الباطل ورأيه الفاسد في تحليل الربا، وذلك في زعمه أن كلام ابن القيم قد تناول الضرورات والحاجات، ومراده بالضرورات والحاجات ما هو مفتون به من تجويز ربا النسيئة للضرورة وتجويز ربا الفضل للحاجة، لا يخفى على من له علم وبصيرة أن كلام ابن القيم بعيد غاية البعد عما حمله الفتان عليه.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فإن الفتان ذكر عنه أنه قال في المصلحة: "إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا".
قال الفتان: "وهذا أيضا في موضوع الحاجات التي هي دون الضرورات".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ليس في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ما يتعلق به الفتان في تجويز ربا الفضل للحاجة؛ لأن كلامه لم يكن في مسائل الربا وإنما هو في تأجير الأرض التي تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع وربما اشتملت مع ذلك على مساكن فيريد صاحبها أن يؤجرها لمن يسقيها ويزرعها أو يسكنها مع ذلك، قال: فهذا إذا كان فيها أرض وغراس مما اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال، والثاني: يجوز إذا كان الشجر قليلا وكان البياض الثلثين أو أكثر، والثالث: يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر ودخول الشجر في الإجارة مطلقًا، وقد صحح الشيخ القول بالجواز ورد على من قال بالتحريم، وأطال الكلام في الرد عليهم وقال في إثنائه: "فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا" ثم قال ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله -تعالى-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية - هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. انتهى المقصود من كلامه ملخصا، وهو مبسوط في صفحة خمس وخمسين إلى صفحة ثمان وثمانين من المجلد التاسع والعشرين من مجموع الفتاوى، ومنه يعلم ما في كلام الفتان من التقول على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حيث وضع كلامه على غير موضعه وحمله على ما يوافق الباطل في تحليل الربا وذلك في زعمه أن كلام شيخ الإسلام في موضوع الحاجات التي هي دون الضرورات، ومراده بالحاجات تجويز ربا الفضل للحاجة ومراده بالضرورات تجويز ربا النسيئة للضرورة،
стр. 134
وقد صرح بذلك فيما زعم أنها نتيجة هامة، وتقدم كلامه في ذلك والرد عليه في أثناء الكتاب فليراجع (١).
ولا يخفي على ذوي العلم والبصيرة أن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بعيد غاية البعد عما حمله الفتان عليه.
وفي قول شيخ الإسلام أن كل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية- هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد، أبلغ رد على الفتان لأن الشيخ -رحمه الله تعالى- قيَّد الحاجة بما لم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم، وبهذا التقييد ينعكس الأمر على الفتان ويكون كلام شيخ الإسلام مجابهًا لقوله وكاشفًا لشبهته وتلبيسه؛ وذلك لأن التعامل بالربا من أعظم المعاصي والمحرمات وليس في تحريمه استثناء حاجة ولا ضرورة سوى بيع العرايا فإن رسول الله ﷺ قد أذن في بيعها بخرصها لأن التقدير بالخرص يقام مقام التقدير بالكيل عند الحاجة. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في الرخصة في بيع العرايا فلتراجع (٢).
الوجه الثاني: أن يقال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- سئل عن تحريم الربا، فأجاب بقوله: "المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع وقد «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه» وإن كان أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال، والأصل واحد، وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين". انتهى وهو في صفحة ثمان عشرة وأربعمائة وأول صفحة تسع عشرة وأربعمائة من المجلد التاسع والعشرين من مجموع الفتاوى.
وقال الشيخ أيضا في صفحة ثلاث وثمانين ومائتين وصفحة أربع وثمانين ومائتين من المجلد التاسع عشر من مجموع الفتاوى: "ومن هذا الباب لفظ الربا فإنه يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله".
وقال أيضا في صفحة ست وعشرين ومائة من المجلد الخامس عشر من مجموع الفتاوى: "وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابي وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من
стр. 135
ظلمه، ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره".
وقال أيضًا في الفتاوى المصرية: "بيع الربوي بجنسه متفاضلا حرام". انتهى.
وفي كل موضع من هذه المواضع أبلغ رد على ما موَّه به الفتان على الجهال حيث قال في قول شيخ الإسلام: "إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا" إنه قد جاء في موضوع الحاجات التي هي دون الضرورات، وكلام شيخ الإسلام في موضوع غير هذا الموضوع كما تقدم بيان ذلك في الوجه الأول وهو بعيد غاية البعد عما حمله الفتان عليه.
وأما الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى- فإن الفتان ذكر عنه أن قال في المغنى: "إن ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد فهو جائز وأن الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها وإنما يرد بمشروعيتها".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ليس في كلام الشيخ الموفق ما يتعلق به الفتان من تجويز ربا الفضل للحاجة وربا النسيئة للضرورة؛ لأن كلامه فيما يتعلق بالقرض، وهو أن يقرض الإنسان آخر قرضا ويشترط عليه أن يعطيه إياه في بلد آخر، فإن كان لحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن لحمله مؤنة فقد أختلف العلماء في الجواز وعدمه، وعن أحمد في ذلك روايتان، قال الشيخ الموفق: "والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها بل بمشروعيتها، قال: ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة". انتهى المقصود من كلامه وهو في باب القرض من كتاب المغنى، وقد صحح شيخ الإسلام ابن تيمية القول بالجواز، وكلامه في ذلك مذكور في الاختيارات وفي الجزء التاسع والعشرين من مجموع الفتاوي.
وقد غيَّر الفتان أول عبارة الموفق ليوهم الجهال أن في قوله تأييدًا لما يراه من جواز ربا الفضل للحاجة وربا النسيئة للضرورة، وفي تغيير الفتان لعبارة الموفق دليل على أنه لا أمانة له.
وفي تعليل الموفق للجواز بأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة أبلغ رد على الفتان الذي يرى جواز الربا ولا يبالي بمخالفة النصوص الدالة على تحريمه والتشديد فيه.
стр. 136
الوجه الثاني: أن يقال: إن الشيخ الموفق ذكر في "باب الربا والصرف" من كتاب المغني أن الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع - ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة - ثم قال: "وأجمعت الأمة على أن الربا محرم، قال: والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى المقصود من كلامه، وفيه أبلغ رد على ما تعلق به الفتان من كلام الموفق في مسألة القرض التي تقدم ذكرها في الوجه الأول.
وأما ابن حزم فإن الفتان ذكر عنه أنه قال: "المفسدة إذا عارضتها مصلحة راجحة قدمت المصلحة وألغي اعتبار المفسدة".
قال الفتان: "ومن ذلك أيضا القاعدة الشرعية في مختلف المذاهب وهي أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة أو حاجة راجحة أبيح المحرم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الله -تعالى- قد حرم الربا تحريمًا مطلقًا وشدد فيه وتوعد عليه بأشد الوعيد وأخبر أنه يمحقه، وآذن المرابين بالحرب منه ومن رسوله ﷺ ، وكذلك الرسول ﷺ فإنه قد حرم الربا وشدد فيه ولعن آكله ومؤكله وشاهديه وكاتبه، ونص على أنه من السبع الموبقات - أي المهلكات - ولم يأت في القرآن ولا في السنة ما يدل على إباحة شيء منه لا لحاجة ولا ضرورة ولا مصلحة ولا غير ذلك سوى بيع العرايا بخرصها فإن رسول الله ﷺ قد أذن فيها، وما سوى بيع العرايا فتحريمه على الإطلاق وليس فيه استثناء البتة، وليس لأحد قول مع الله -تعالى- ورسوله ﷺ ، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾.
الوجه الثاني: أن يقال: إن التعامل بالربا ليس من المسائل التي قد تعارضت فيها المصلحة والمفسدة كما قد توهم ذلك الفتان، وإنما هو فساد محض، والدليل على ذلك أن الله توعد عليه بأشد الوعيد وأخبر أنه يمحقه وآذن عليه بالحرب منه ومن رسوله ﷺ ، وكذلك ما ثبت عن النبي ﷺ من التشديد فيه، فكل ذلك يدل على أن التعامل به فساد محض وليس فيه مصلحة البتة، ومن زعم أن فيه مصلحة فإنما هو في الحقيقة يستدرك على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ ويشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وما أعظم ذلك وأشد الخطر فيه.
الوجه الثالث: أن يقال: إن القاعدة التي ذكر الفقهاء فيها تعارض المصلحة .........
стр. 137
والمفسدة وتقديم الراجح منهما ليس فيها ذكر للحاجة الراجحة، وإنما هي دسيسة من دسائس الفتان ليموِّه بذلك على الجهال ويوهمهم أن الفقهاء قد ذكروا ما يؤيد قوله الباطل وهو ما يراه من جواز الربا بالفضل للحاجة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- أباح للمضطر الذي ليس بباغ ولا عاد أن يأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ولم يبح له أكل الربا قط، وكذلك الرسول ﷺ فإنه لم يأذن في شيء من الربا سوى بيع العرايا بخرصها، ولو كانت الحاجة الراجحة تبيح المحرم- أي تبيح ربا الفضل للحاجة كما زعم ذلك الفتان في مواضع كثيرة من نبذته - لكان ذلك مذكورا في القرآن أو في السنة، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» رواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة".
الوجه الخامس: أن يقال: إن رسول الله ﷺ قد رخص للمضطر الذي لا يجد شيئًا يأكله أن يسأل الناس ما يسد به جوعه، ولم يأت عنه أن رخص في أكل الربا ولو كانت الحالة حالة ضرورة.
فصل
وقال الفتان: "إن الحكمة في تحريم الربا هي إزالة الظلم بنص القرآن الكريم والمحافظة على فضيلة التراحم والتعاون، وأن لا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير، وهذا هو المراد بقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، ثم نقل عن رشيد رضا أنه قال: لا يخفي أن المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي والتي لولاها فاتتهما المنفعة معًا لا تدخل في هذا التعليل ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ لأنها ضد الظلم وأن المعاملة التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع لا من قسم استغلال حاجة المحتاج، ونقل عنه أيضا أنه قال: ليس في أخذ الربح من صندوق التوفير والمصارف ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج حتى في دار الإسلام".
стр. 138
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ظاهر كلام الفتان أنه يحاول حصر الربا فيما كان معروفًا في الجاهلية، وكذلك ظاهر كلام رشيد رضا، ولهذا استدل كل منهما بالآية التي نزلت في الربا الذي كان لبعض المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا طلبوا رباهم فأمرهم الله -تعالى- أن يأخذوا رؤوس أموالهم ويذروا الربا، ونص على أن أخذ الربا ظلم وأن النقص من رؤوس الأموال ظلم، وليس في الآية ما يدل على حصر الربا فيما كان معروفًا في الجاهلية كما قد توهم ذلك الفتان تقليدًا لرشيد رضا، بل إن الآية فيها دليل على أن الزيادة على رؤوس الأموال ظلم وإن كانت شيئا يسيرًا؛ لأن الله -تعالى- أمر المرابين أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزيدوا عليها فدل ذلك على أن الزيادة ظلم، وقد تقدم قريبا (١) قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، قال: فالنص متناول لهذا كله، وقال أيضا: وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابي وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من ظلمه، ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره. انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: إن رشيد رضا قد زلَّ زلة عظيمة في قوله: إن المعاملة التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع، وهذه الزلة أعظم من قول الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ لأن هؤلاء جعلوا الربا نظير البيع، وأما رشيد رضا فإنه جعل المعاملة الربوية التي يقصد بها الإتجار من قسم البيع، وهذا من التعدي لحدود الله والتغيير في أحكامه وأحكام رسوله ﷺ ؛ لأن الله -تعالى- حرَّم الربا تحريما مطلقًا يتناول جميع أنواع الربا وشدد فيه وتوعد عليه بأشد الوعيد وأنكر على الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، وأمر المؤمنين أن يذروا الربا وآذن من لم يذره بالحرب منه ومن رسوله ﷺ وأمر المرابين أن يأخذوا رؤوس أموالهم وأن لا يَظلِموا بأخذ الزيادة على رؤوس أموالهم وأن لا يُظلَموا بالنقص من رؤوس أموالهم.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه، ونص على أن أكل الدرهم من الربا أشد من ستة وثلاثين زنية، وأخبر أنه من السبع الموبقات - أي المهلكات - وهذا يتناول جميع أنواع الربا، ولا فرق في ذلك بين ربا الفضل وربا النسيئة سواء كان على طريقة أهل الجاهلية أو على غير طريقتهم فكله داخل في عموم ...........
стр. 139
الآيات والأحاديث الدالة على تحريم الربا والتشديد فيه، ولا يستثنى منه شيء سوى بيع العرايا بخرصها؛ لأن رسول الله ﷺ قد أذن في ذلك.
الوجه الثالث: أن يقال: إن رشيد رضا سئل عن صندوق التوفير هل يجوز الادخار فيه وأخذ أرباحه، فأجاب بأنه لا يرى بأسًا من العمل به، ثم زعم أن الربا الحقيقي هو الذي علل القرآن تحريمه بقوله -تعالى-: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ يعني أن الربا المحرم منحصر في ربا الجاهلية، ثم قال: فالتعاقد في عمل يفيد الآخذ والمعطي بيع أو تجارة ... إلى أن قال: إن المعاملة التي يقصد بها البيع والإتجار هي من قسم البيع. كذا قال المحلل لما حرمه الله ورسوله من أنواع الربا التي ليست على طريقة ربا أهل الجاهلية، وهذا من التشريع في الدين بما لم يأذن به الله، وقد قلد رشيد رضا شيخه محمد عبده في زعمه أن الفائدة غير الربا وأن الربا المحرم دينا هو الربا المحرم قانونًا والمحسوب جناية، وقد تقدم كلام الشيخ أحمد محمد شاكر في الرد على المتلاعبين بالدين وهم الذين يزعمون أن الربا المحرم هو الأضعاف المضاعفة، وتقدم أيضا رد الشيخ محمود شلتوت عليهم فليراجع ذلك في أول الكتاب (١)، فإنه ينطبق على من حلل الربا باسم الفائدة أو باسم البيع والإتجار، وعلى من حصر الربا الحقيق فيما كان على طريقة أهل الجاهلية، وليراجع أيضا كلام سيد قطب في الرد عليهم (٢) فإنه كلام جيد جدًا.
وأما ما نقله الفتان عن رشيد رضا أنه قال: ليس في أخذ الربح من صندوق التوفير والمصارف ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج حتى في دار الإسلام.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذا القول صريح في تحليل الربا الذي يؤخذ من صندوق التوفير والمصارف، وأما تسميته بالربح فهي من التمويه والتلبيس على الجهال وهذه التسمية لا تنقل الربا من التحريم إلى الحل، ومثل ذلك تسميته باسم الفائدة في كلام محمد عبده، فكل من القولين باطل ومن تحريف الكلم عن مواضعه وتغيير حكم الله ورسوله في الربا وتطبيقه على حكم القانون.
الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم في أول الكتاب حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر وبالبر والشعير ....
стр. 140
بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» وتقدم أيضا حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وفيه: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» وتقدم أيضا حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا»، وفي رواية: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والورق بالورق مثلا بمثل يدًا بيد من زاد أو ازداد فقد أربى».
وهذه النصوص صريحة في تحريم التفاضل في بيع الجنس بجنسه في جميع الأعيان المذكورة في هذه الأحاديث، وصريحة أيضًا في الحكم على الزيادة بأنها ربا، والظاهر من الأحاديث أنه لا فرق بين أن تكون الزيادة كثيرة أو قليلة جدًا، وظاهرها أيضا أنه لا فرق بين ما يكون فيه قسوة على المحتاج وما ليس فيه قسوة عليه، وأما الظلم في أخذ الزيادة فهو حاصل في جميع البيوع الربوية سواء كانت الزيادة فيها كثيرة أو قليلة لقول الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فدلت الآية على أن ما زاد على رؤوس الأموال فهو ظلم وأنه لا فرق في ذلك بين الزيادة الكثيرة والزيادة القليلة.
وفي هذه النصوص أيضًا أبلغ رد على من أجاز أخذ الربا من صندوق التوفير والمصارف وسماه باسم الربح.
الوجه الثالث: أن يقال: إن بلال ﵁ لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب قال له النبي ﷺ : «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول الله ﷺ : «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال له: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت» وقد تقدمت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١)، ففيها أبلغ رد على من أجاز أخذ الربا من صندوق التوفير والمصارف وسماه باسم الربح وعلل جواز أخذه بأنه ليس فيه ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج، وهذا التعليل مردود بما جاء في قصة بلال وما ذكر بعدها فإنه ليس في فعلهم ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج، ومع هذا فقد أنكر عليهم النبي ﷺ وبالغ في الإنكار، ونص على أن ما ..............................
стр. 141
فعلوه عين الربا وأمرهم برده، فدل ذلك على أنه لا تأثير لوجود الظلم والقسوة على المحتاج في تحريم الربا ولا تأثير لعدمهما، وإنما العلة وجود التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وسائر الأعيان الستة المنصوص عليها في حديثي أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت ﵄، فإذا وجد التفاضل في بيع الجنس منها بجنسه فقد وجد الربا ولو لم يكن هناك ظلم ولا قسوة.
ومما يدل علي أنه لا تأثير للظلم والقسوة في تحريم الربا قول النبي ﷺ : «فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» فقد وصف الزائد والمستزيد بالإرباء ونص على أن الآخذ والمعطي سواء في الإرباء، ومن المعلوم أن الظلم والقسوة إذا وجد فإنما يكونان في جانب الآخذ وحده، ومع هذا فقد جعل النبي ﷺ كلا من الآخذ والمعطي سواء في الإرباء، فدل هذا على أنه لا تأثير لوجود الظلم والقسوة في تحريم الربا ولا لعدم وجودهما.
فصل
وقال الفتان: "إن المصارف هي مؤسسات تجارية حديثة لم تكن معروفة في عهد نزول أحكام الربا في الشريعة الإسلامية، ولذلك تخضع لأحكام الشريعة على طريق القياس، فإذا كان الشبه كاملاً من غير أي فارق بينهما وبين ما قد حرمته الشريعة من الربا القطعي فهي محرمة أيضا قطعًا، أما إذا اختلفت المصارف عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريما قطعيًا، وإنما يجب النظر فيها على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب دفعا للحرج الواجب دفعه عملا بنص القرآن".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن المصارف وإن كانت مؤسسات تجارية حديثة فإن الأحكام فيها لا تختلف عن الأحكام في غيرها من المؤسسات التجارية وغير التجارية وسائر الأعمال التي يكون لها علاقة بالبيع والشراء فكلها يجب أن تخضع لأحكام الشريعة في جميع الأعمال، ومن ذلك تحريم الربا على وجه العموم فإنه يجب أن يعمل به في المصارف وغير المصارف على حد سواء؛ لأن الله -تعالى- حرم الربا في كتابه تحريما مطلقًا بتناول جميع أنواع الربا، وكذلك الرسول ﷺ فإنه قد حرم الربا تحريما مطلقًا يتناول جميع أنواع الربا سوى ما أذن فيه من بيع العرايا ................................
стр. 142
بخرصها، وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا على وجه العموم الذي يشمل المصارف وغير المصارف.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد صرح بتحليل الربا في المصارف دفعًا للحرج على حد زعمه، وقد لفق له شبهًا يُضل بها الجهال ويُلبِّس بها عليهم.
فمنها قوله في المصارف: إنها تخضع لأحكام الشريعة على طريق القياس.
والجواب: أن يقال: إن القياس لا يعمل به مع وجود النص أو الإجماع، وإنما يعمل به عند عدمهما، وقد تظافرت النصوص من الكتاب والسنة على تحريم الربا تحريما مطلقا يتناول جميع أنواع الربا، وأجمع المسلمون على تحريم الربا على وجه العموم، فيجب على المصارف وغيرها من المؤسسات التجارية وغير التجارية أن تخضع لما جاء في نصوص الكتاب والسنة والإجماع ولا تلتفت إلى ما لفقه الفتان من الأباطيل والشبه المضلة، وقد ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الفتان وعلى أشياعه من أهل الزيغ والضلال.
ومنها تقسيمه الربا إلى قطعي وغير قطعي، ومراده بالقطعي ربا أهل الجاهلية، وقد كرر القول بأنه هو الربا المجمع على تحريمه، وقد تقدم الرد على هذا القول الباطل قريبًا فليراجع (١).
ومنها زعمه أن المصارف إذا اختلفت عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريمًا قطعيًا.
والجواب: أن يقال: إن الربا ليس محصورًا في ربا أهل الجاهلية كما قد زعم ذلك الفتان المحارب لله ولرسوله ﷺ والمخالف لإجماع المسلمين، وإنما ربا أهل الجاهلية نوع من أنواع ربا النسيئة، وكل من ربا النسيئة وربا الفضل محرم تحريمًا قطعيًا، والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إلى آخر الآيات التي فيها النص على محق الربا والأمر بتركه وإيذان من لم يتركه بالحرب من الله
стр. 143
ورسوله وأمر المرابين أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يَظلِموا بأخذ الزيادة على رؤوس أموالهم ولا يُظلموا بالنقص منها، فهذه النصوص تشمل جميع أنواع الربا وتدل على أنها محرمة تحريما مطلقًا، وليس فيها ما يدل على تخصيص ربا أهل الجاهلية بالتحريم القطعي دون غيره. فإن قيل إن هذه الآية وهي قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كان نزولها ونزول الآية التي بعدها بسبب ما كان باقيا لبعض المسلمين من الربا الذي كان لهم في الجاهلية.
فالجواب: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، وليس في الآيتين ما يدل على أن الربا المحرم قطعًا هو ربا أهل الجاهلية دون غيره من أنواع الربا، وإنما فيهما الأمر بترك الربا وإيذان من لم يتركه بالحرب من الله ورسوله وأنهم إن تابوا فلهم رؤوس أموالهم، وهذا يعم المرابين الذين أسلموا ولهم بقايا من الربا ويعم غيرهم من المتعاملين بالربا في الإسلام ولا فرق بين هؤلاء وأولئك، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله". انتهى، وقد تقدم (١) قول الجصاص: "إن قول الله -تعالى-: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ قد انتظم تحريم جميع ضروب الربا لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، وقال أيضا: اسم الربا يعتريه معان أحدها: الربا الذي عليه أهل الجاهلية، والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل أو الموزون، والثالث: النسأ". انتهى.
وأما السنة فإن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكرها ومنها أكل الربا، وثبت عنه ﷺ أنه «لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه» وثبت عنه ﷺ أنه قال: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد بمن ستة وثلاثين زنية» وهذه الأحاديث تشمل جميع أنواع الربا وتدل على أنها كلها محرمة تحريمًا قطعيًا، وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربا الفضل وربا النسيئة، وفي بعض الروايات أنه قال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وفي رواية: «من زاد أو استزاد فهو ربا» وقال لبلال لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» قال النووي: "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم"، وفي رواية أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول ..........................
стр. 144
الله ﷺ : «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال له: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت» وهذه الروايات تدل على التشديد في بيع الجنس من الأعيان الستة بجنسه مع التفاضل، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع ففيها أوضح دليل على أن جميع أنواع الربا محرمة تحريمًا قطعيًا.
وأما الإجماع على تحريم ربا الفضل وربا النسيئة فقد حكاه ابن المنذر وغيره من أكابر العلماء، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (١)، وذكرت قريبا (٢) قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع"، وذكرت أيضًا (٣) قول الموفق في (المعنى): "إن الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع"، وقال أيضا: "أجمعت الأمة على أن الربا محرم، قال: والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى.
وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر): "الربا ثلاثة أنواع ربا الفضل وربا اليد وربا النسأ، قال: وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، قال الهيتمي: وكل من هذه الأنواع حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة". انتهي.
وفيما ذكرت من أدلة الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا أبلغ رد على الفتان الذي حاول حصر الربا القطعي في ربا أهل الجاهلية، وحاول تحليل ما سواه من أنواع الربا، وتعامى عن الأدلة المتظافرة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريما مطلقًا يعم جميع أنواع الربا ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فلا يأمن الفتان أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هذه الآيات.
ومن شبه الفتان وأباطيله التي لفقها لإضلال الجهال والتلبيس عليهم زعمه أنه .......
стр. 145
يجب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب دفعا للحرج الواجب دفعه عملاً بنص القرآن.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ليس الأمر على ما زعمه الفتان من وجوب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم، وإنما يجب النظر فيها على ضوء الكتاب والسنة والإجماع، فما كان فيها من الأعمال التي لا تخالف الكتاب والسنة والإجماع فهو جائز، وما كان فيها من الأعمال المخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع فإنه يجب المنع منه، ومن ذلك التعامل بالربا على أي وجه كان؛ لأن التعامل به مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وما كان بهذه الصفة فإنه يجب المنع منه في المصارف وغير المصارف، ويجب أيضا أن يعاقب الذين يتعاملون بالربا عقوبة موجعة في أنفسهم وأموالهم عملاً بما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقد روى الطحاوي في (شرح معاني الآثار) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "خطب عمر ﵁ فقال: "لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين ولا درهما بدرهمين ولا قفيزا بقفيزين إني أخشى عليكم الرماء (١) وإني لا أوتى بأحد فعله إلا أوجعته عقوبة في نفسه وماله" قال الطحاوي: فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يخطب بهذا على منبر رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه -رضوان الله عليهم- لا ينكره عليه منهم منكر فدل ذلك على موافقتهم له عليه". انتهى، وقد أمر النبي ﷺ بالاقتداء بعمر ﵁ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أن قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصححه الحاكم والذهبي.
الوجه الثاني: أن يقال: إن مصالح الناس في معاشهم ليس متوقفة على التعامل مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية؛ لأن الله -تعالى- قد حرم الربا تحريمًا مطلقًا ومنع منه منعًا باتًا لما فيه الظلم وأكل الأموال بالباطل، وكثير من المسلمين بل أكثرهم لا يتعاملون مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، وقد عاش المسلمون أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهم لا يعرفون المصارف، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم ...............................