فهذا كلام رجل عالم بمحمد عبده ورشيد رضا وغيره من أتباع محمد عبده، وقد كان الشيخ محمد بن يوسف معاصرًا لهم وقد عاش معهم في بلادهم وعرفهم حق المعرفة فلهذا نبَّه على أسلوبهم في تفسير القرآن وأنهم يفسرونه برأيهم وتخمينهم. ومن نظر في تفسيرهم لبعض الآيات - وكان نبيهًا ولم يكون إمَّعة - علم يقينا صحة ما قاله فيهم محمد بن يوسف وما وصفهم به، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من أقوالهم التي اعتمدوا فيها على مجرد الرأي، ومن أقوالهم التي خالفوا فيها أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم الأئمة المتمسكين بالآثار.
الوجه السادس: أن يقال لأهل البنوك وغيرهم من أكلة الربا: لا تغتروا بحلم الله عنكم في الدنيا، ولا يغرنكم الفتان بجعجعته وبما نقله عن رشيد رضا من الكلام المتضمن تهوين شأن الربا ونفي ما جاء فيه من الوعيد بالجنون أو بما يشبه الجنون للذين يأكلون الربا إذا بعثوا من قبورهم فإن هذا الوعيد حق لا شك فيه. وأما كلام الفتان ورشيد رضا في تهوين شأن الربا فهو باطل وضلال عن الحق، وكيف يرضى ذوو العقول منكم أن يوقعوا أنفسهم في الكبيرة الموبقة، أي المهلكة لمن أوقع نفسه فيها؟! وكيف يرضون أن تلحقهم لعنة الله ولعنة رسوله ﷺ ؟! وكيف يأمنون من العقوبات التي أعدت للمرابين في البرزخ وبعد البعث من القبور؟! وكيف يرضون أن يكون مآلهم إلى نار جنهم؟! إن العاقل لا يرضى لنفسه بأدنى شيء من الأذى، فكيف يرضى لها بالعقوبات الشديدة وبالخلود في نار جهنم؟! فعليكم أن تبادروا بالتوبة الصادقة قبل أن يحول الموت بينكم وبينها فتندموا حين لا ينفع الندم.
فصل
وقال الفتان: "لم يرد تعيين الأموال الربوية في القرآن الكريم، وإنما ورد تعيينها في الحديث عن النبي ﷺ رواه محمد بن أبي حنيفة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أن قال: «الذهب بالذهب مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» ".
стр. 72
والجواب: أن يقال: قد ثبتت النصوص عن النبي ﷺ بتعيين ستة أشياء مما يجري فيه الربا؛ وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وقد تقدم ذكرها في حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁، ومثله في حديث عبادة بن الصامت ﵁، وجاء أيضا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وبلال ﵃ نحو ذلك، وقد تقدمت أحاديثهم فلتراجع.
فأما الحديث الذي أورده الفتان فإنه حديث منقطع الإسناد ولم يعزه إلى شيء من كتب الحديث حتى يرجع إليه وينظر في رجاله، وقد ذكر أنه رواه محمد بن أبي حنيفة، وهذا الاسم غير موجود في أسماء الضعفاء والمتروكين والوضاعين فضلا عن أن يكون موجودا في أسماء الثقات. وقد ذكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد): "محمد بن حنيفة بن محمد بن ماهان أبا حنيفة القصبي الواسطي وذكر أنه أملى في سنة سبع وتسعين ومائتين"، وذكر عن الدارقطني أنه قال: "ليس بالقوي". وذكره الذهبي في كتاب (المغنى في الضعفاء) وفي (ميزان الاعتدال) وذكر قول الدارقطني أنه ليس بالقوي. وذكره ابن حجر في (لسان الميزان) وقال أنه كان موجودا في حدود سنة ثلاثمائة.
وإذا علم هذا فليس من المعقول أن يروي عن عطية العوفي؛ لأن عطية كان في المائة الأولى ومات في سنة إحدى عشرة ومائة. ولو فرضنا أن الحديث روي بإسناد متصل إلى عطية العوفي فإنه يكون مردودا بعطية؛ لأن الأئمة قد تكلموا فيه وضعفه غير واحد منهم، ولو صح لكان حجة على الفتان لأن فيه نصا على أن الفضل في بيع الجنس بجنسه من الأنواع الستة ربا، وما ثبت تعيينه في السنة فهو مثل ما جاء تعيينه في القرآن ويجب العمل به كما يجب العمل بما جاء في القرآن. والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقول النبي ﷺ «ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله» رواه الدارمي والترمذي وابن ماجة والحاكم عن المقدام بن معد يكرب ﵁ وقال الترمذي: "حسن غريب"، وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
فصل
وذكر الفتان عن ابن عباس ﵄ وطائفة من الصحابة أنهم قصروا الربا على الذي كان معروفا في زمن الجاهلية. وقد كرر الفتان نقل ذلك عن ابن عباس.
стр. 73
والجواب: أن يقال: إن ابن عباس ﵄ وغيره من الذين كانوا يقولون إنما الربا في النسيئة قد رجعوا عن أقوالهم ووافقوا الجماعة، وقد ذكرت الآثار الواردة في رجوعهم في أثناء الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الفتان.
ويقال أيضا على سبيل الفرض والتقدير لو أن ابن عباس ﵄ وغيره ممن قالوا إنما الربا في النسيئة لم يرجعوا عن هذا القول فإن قولهم مردود بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، ونهى أن يشف بعضها على بعض، وقال في بيع الفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثل ذلك وقال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أثناء الكتاب فلتراجع (٢) فإنها حجة على من خالفها، وقد قال ابن عبد البر: "رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل أحد ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الجهالات إلى السنة". انتهى. وقال ابن عبد البر أيضا: "ولم يتابع ابن عباس على قوله في تأويله حديث أسامة أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها، وليس أحد بحجة عليها". انتهى.
فصل
وزعم الفتان أن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن.
والجواب: أن يقال: إن نصوص القرآن عامة فيدخل في عمومها ربا الفضل وربا النسيئة. فما جاء في الآية الأولى من الوعيد لأكلة الربا بأنهم لا يقومون - يعني يوم القيامة - إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من الإنكار على من سوَّى بين البيع والربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من النص على تحريم الربا فهو عام لربا .............................
стр. 74
الفضل وربا النسيئة. وما جاء فيها أيضا من الوعيد بالنار لمن عاد إلى استحلال الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة. وما جاء في الآية الثانية من النص على محق الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة. وما جاء في الآية الرابعة من الأمر بترك الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء في الآية الخامسة من الإيذان بالحرب من الله ورسوله لمن لم يترك الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من أن المرابين ليس لهم إلا رؤوس أموالهم وليس لهم أن يأخذوا زيادة عليها فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة.
فإن قيل: إن بعض المفسرين ذكروا في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أنها نزلت في ربا أهل الجاهلية وهو النسيئة وذكروا مثل ذلك في الكلام على قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.
فالجواب: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين. فاللفظ في كل من الآيتين عام كما هو عام في الآيتين الأوليين من سورة البقرة. والعموم في الآيات الأربع بتناول ربا أهل الجاهلية وربا أهل الإسلام على حد سواء، وقد جاءت النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ بتحريم ربا الفضل وربا النسيئة على حد سواء. وقد تقدم بيان ذلك في الروايات عن أبي سعيد الخدري ﵁ وما ذكر بعدها من الأحاديث. وفي بعضها النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى، والنص أيضا على أن الآخذ والمعطي فيه سواء، وفي رواية في الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن بلالا لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب قال النبي ﷺ عند ذلك: «أَوَّه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية: «هذا الربا فردوه» والروايات بنحو هذا كثيرة، وهي مذكورة فيما تقدم. وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ففي الآيتين من سورة النحل دليل على أن ما جاء في السنة من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فهو من البيان لما جاء مجملا في القرآن. وفي الآيتين من سورة النجم دليل على أن ما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فهو مما أنزل عليه بالوحي.
стр. 75
فصل
وذكر الفتان أن فريقا من الفقهاء وعلى رأسهم ابن رشد وابن القيم حاولوا أن يكسروا من حدة تطرف المتشددين في الربا، فميزوا بين ربا النسيئة وجعلوه هو الربا الجلي أو الربا القطعي وهو حرام لذاته وبين ربا الفضل وجعلوه ربا خفيا أو ربا غير قطعي وهو حرام أيضا لكن لا لذاته بل لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة فتحريمه هو إذا من باب سد الذرائع. ثم تأكد هذا الاتجاه باتجاه أكثر منه تضييقًا لمنطقة الربا فجعل كلا من ربا الفضل وربا النسيئة الواردين في الحديث الشريف محرمين لا لذاتهما بل سدا للذرائع، وربا الجاهلية هو وحده المحرم لذاته.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الذين قالوا بتحريم ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة المذكورة في حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبادة بن الصامت وغيرهما من الأحاديث التي تقدم ذكرها إنما قالوا ذلك عملا بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، وهؤلاء قد أحسنوا غاية الإحسان حيث أنهم قد تمسكوا بالسنة وقابلوا أقوال رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، وليسوا بمتطرفين ولا متشددين كما قد زعم ذلك الفتان ظلما وزورا، وإنما المتطرف في لحقيقة هو الفتان الذي يحاول تحليل الربا في البنوك ولا يبالي بمخالفة الآيات والأحاديث الواردة في تحريمه وترتيب الوعيد الشديد عليه، ولا يبالي أيضا بمخالفة إجماع المسلمين على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر.
الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم في ذكر الإجماع على تحريم الربا ما جاء في جامع الترمذي بعد ذكر حديث أبي سعيد الخدري الذي جاء فيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل لا يشف بعضه على بعض، ولا تبيعوا منه غائبا بناجز» قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق". انتهى.
وقال ابن المنذر: "أجمع علماء الأمصار؛ مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق ........
стр. 76
وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد، على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وجماعة يكثر عددهم من التابعين".
قال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "وممن قال بذلك من الصحابة أربعة عشر؛ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وطلحة والزبير - روى مجاهد عنهم - أي الأربعة عشر - أنهم قالوا: الذهب بالذهب والفضة بالفضة وأربوا الفضل، وممن صح ذلك عنه أيضا غير هؤلاء السبعة عبد الله بن عمر وأبو الدرداء. وروي عن فضالة بن عبيد وقد تقدم كلام أبي سعيد وأبي أسيد وعبادة، وقد رويت أحاديث تحريم ربا الفضل من جهة غيرهم من الصحابة، والظاهر أنهم قائلون بها لعدم قبولها للتأويل". انتهى.
وقال ابن عبد البر: "لا أعلم خلافا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا ولا الدرهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه". انتهى المقصود من كلامه.
وإذا علم ما تقدم ذكره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر علماء الأمصار أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ. وعلم أيضا ما ذكره السبكي عن الأربعة عشر من الصحابة ﵃ ومنه الخلفاء الأربعة أنهم قالوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة وأربوا الفضل، وعلم أيضا ما ذكره ابن عبد البر عن أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا ولا الدراهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه. فهل يقول الفتان أن من قال بهذه الأقوال من الصحابة والتابعين وأكابر العلماء بعدهم فكلهم موصوفون بالتطرف والتشدد؟! أم ماذا يجيب به عن تهوره في كلامه الذي لم يتثبت فيه ولم يتأمل فيما يترتب عليه من القدح في الصحابة والتابعين وأكابر العلماء بعدهم ورميهم بالتطرف والتشدد من أجل أنهم تمسكوا بأقوال رسول الله ﷺ في تحريم ربا الفضل وقابلوها بالقبول والتسليم؟!
وقد يقال إن صفة التطرف والتشدد التي أطلقها الفتان على من حرَّم ربا الفضل لذاته قد تتناول رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي حرم ربا الفضل في الأصناف الستة وغلَّظ ......
стр. 77
القول في تحريمه ونصَّ على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، وقال لمن باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» ففي هذه الروايات الثابتة أن رسول الله ﷺ غلَّظ القول في ربا الفضل وجعله مُحرَّما لذاته وأنكر على من باع به وأمره برد البيع.
وإذا علم هذا فهل يستجيز الفتان أن يطلق الصفة السيئة على النبي ﷺ من أجل ما جاء عنه من التغليظ في ربا الفضل والإنكار على من باع به؟! أم ماذا يجيب به عن التهور الذي لو صدر من عالم بما يلزم على كلامه وما يترتب عليه لكان يحكم عليه بالردة وتجرى عليه أحكام المرتدين؟! وإنه لينطبق على الفتان قول الشاعر:
لقد كان في الإعراض ستر جهالة ... غدوت بها من أشهر الناس في البُلْدِ
الوجه الثالث: أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بتحريم ربا الفضل، وقد ذكرت منها قريبا من ثلاثين حديثا فلتراجع (١). وقد جاء في بضعها النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، وفيها النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، وفي صحيح مسلم أن رجلا باع صاعين من تمر رديء بصاع من تمر طيب فقال رسول الله ﷺ : «هذا الربا فرده» وفي الصحيحين وغيرهما أن بلالا باع صاعين من تمر رديء بصاع من تمر طيب فقال النبي ﷺ : «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «إن هذا لا يصلح» ففي هذا النصوص أوضح دليل على أن ربا الفضل في الأصناف الستة محرم لذاته وأنه من الربا الجلي القطعي وليس من الربا الخفي، قال النووي في (شرح مسلم): "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم". انتهى، وفي هذه النصوص أيضا أبلغ رد على من قال إن ربا الفضل غير قطعي وإنه من الربا الخفي وإنه لم يحرم لذاته وإنما حرم سدا للذريعة إلى ربا النسيئة.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الفتان قد تقول على ابن رشد حيث زعم أنه كان من الذين حاولوا أن يكسروا من حدة التطرف والتشدد في الربا، وقد نقل جملة من كلامه في (بداية المجتهد) وهو ما زعم أنه يكسر من حدة التطرف والتشدد في الربا وأعرض ........
стр. 78
عما بعده من كلامه الذي ذكر فيه إجماع العلماء على أن الربا صنفان نسيئة وتفاضل وأن الربا في هذين النوعين ثابت عن النبي ﷺ . وهذه الجملة تنقض على الفتان ما تقوَّله على ابن رشد أنه قد حاول الكسر من حدة التطرف والتشدد في الربا. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر الجملة التي نقلها الفتان وذكر الجملة التي لم ينقلها ليعلم المُطَّلعون على ذلك أن الفتان قد افترى على ابن رشد ولم يؤدِّ الأمانة في نقله لبعض كلامه وإعراضه عن بعضه.
وأما ابن القيم -رحمه الله تعالى- فله في ربا الفضل كلام ليس بالجيد وسيأتي التنبيه عليه -إن شاء الله تعالى-.
وأما الاتجاه الذي ذكره الفتان وزعم أنه أكثر تضييقا لمنطقة الربا حيث أنه جعل كلاً من ربا الفضل وربا النسيئة الواردين في الحديث الشريف محرمين لا لذاتهما بل سدا للذرائع. وربا الجاهلية هو وحد المحرم لذاته.
فجوابه: أن يقال: هذا من التحكم في الأحاديث ووضعها على غير مواضعها وجعل الآراء والاتجاهات التي يراها بعض الناس بعقولهم القاصرة ميزانا توزن به أقوال رسول الله ﷺ . وهذا الصنيع عظيم الخطر؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أنه يجب على كل مسلم أن يعظم أقوال الرسول ﷺ غاية التعظيم وأن يقابلها بالقبول والتسليم. وليحذر أشد الحذر من التهاون بها وجعلها تابعة لأقوال الناس وآرائهم واتجاهاتهم فإنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ . وكل قول أو رأي أو اتجاه خالف قول النبي ﷺ فهو مردود على صاحبه كائنا من كان. وإذا كان النبي ﷺ قد وضع ربا الجاهلية وقال للمرابين لكم رؤوس أموالكم فإنه أيضا قد نهى أمته عن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة وهي الذهب .........................................
стр. 79
والفضة والبر والشعير والتمر والملح ونص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، ونهى عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق إلا وزنًا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، وقال: «لا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وغلَّظ في الإنكار على من باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب وقال: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «إن هذا لا يصلح» فهذه النصوص الصريحة تعادل النصوص في وضع ربا الجاهلية وتزيد عليها بالتغليظ في الإنكار على من أربى في بيع التمر الرديء بالتمر الطيب والأمر برد البيع. وفي كل نص من هذه النصوص أبلغ رد على الاتجاه الذي ذكره الفتان وزعم أن فيه تضييقًا لمنطقة الربا. وقد ذكرتُ فيما تقدم قريبا من ثلاثين حديثا في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فلتراجع (١) ففي كل حديث منها أبلغ رد على الاتجاه الذي ذكره الفتان وزعم أن فيه تضييقا لمنطقة الربا.
فصل
قال الفتان: "فنحن إذًا نواجه- إذا أضفنا اتجاه ابن عباس- اتجاهات ثلاثة متدرجة في التضييق من منطقة الربا. أقلها تضييقا لهذه المنطقة هو اتجاه ابن رشد وابن القيم الذي يميز ما بين ربا الفضل وربا النسيئة. فالأول هو ربا خفي، والثاني هو الربا الجلي، ثم يتلوه في التضييق الاتجاه الثاني وهو الذي يميز ما بين الربا الوارد في الحديث الشريف والربا الوارد في القرآن الكريم، فالثاني دون الأول هو الربا الجلي، وأشد الاتجاهات تضييقا لمنطقة الربا هو الاتجاه الثالث الذي كان عبد الله بن عباس يتزعمه وهو لا يعتمد إلا بالربا الوارد في القرآن الكريم وهو ربا الجاهلية فهو وحده الذي يحرمه ولا يحرم غيره من ضروب الربا فضلا كان أو نسيئة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: كل هذه الاتجاهات مردودة بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ أنه كان ينهى عن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. وقد ذكرتُ الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (٢). وقد جاء في بعضها النص على ...........................
стр. 80
أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، وجاء في بعضها الأمر برد البيع والتغليظ في الإنكار على من أربى في بيع التمر الرديء بالتمر الطيب. ولا قول لأحد مع رسول الله ﷺ . ومن عارض شيئا من أقواله ﷺ بآراء الناس واتجاهاتهم فهو على شفا هلكة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن رشد ليس له اتجاه يخالف ما جاء في الأحاديث الصحيحة وما أجمع عليه العلماء من أن الربا صنفان نسيئة وتفاضل وأن الربا في هذين النوعين ثابت عن النبي ﷺ ، وسيأتي نص كلامه في الفصل الذي بعد هذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
الوجه الثالث: أن يقال: قد تقدم في الفصل الذي قبل هذا الفصل ذكر النصوص الدالة على أن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة من الربا الجلي وليس من الربا الخفي فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الفتان.
الوجه الرابع: أن يقال: ما ذكره الفتان عن ابن عباس ﵄ أنه كان لا يُحرِّم إلا ربا أهل الجاهلية وحده ولا يحرم غيره من ضروب الربا فضلا كان أو نسيئة فهو غلط على ابن عباس ﵄؛ لأن ابن عباس ﵄ لم يحصر الربا في ربا أهل الجاهلية كما زعم ذلك الفتان، وإنما كان في أول أمره يفتي بجواز المفاضلة في الصرف إذا كان يدًا بيد ولا يرى الجواز إذا كان ذلك نسيئة، وكان يستدل لرأيه هذا بالحديث الذي جاء فيه: «إنما الربا في النسيئة» حتى أنكر عليه أبو سعيد الخدري ﵁ وقال له: "ألا تتقي الله؟! إلى متى تؤكل الناس الربا". وفي رواية أنه قال له: "أكلت الربا وأطعمته"، وأنكر عليه أيضا أبو أسيد الساعدي وأغلظ له القول فرجع عن قوله في الصرف ووافق ما عليه الجماعة واستغفر الله وتاب إليه مما كان يفتي به، ثم كان بعد ذلك ينهى عنه أشد النهي، وقد ذكرت الآثار الدالة على رجوعه عن رأيه في الصرف وموافقته الجماعة في الفصل الذي بعد ذكر الإجماع على تحريم الربا فلتراجع (٢) ففيها أبلغ رد على الفتان الذي قد تعلق برأي ابن عباس الذي قد رجع عنه واستغفر الله وتاب إليه منه.
الوجه الخامس: أن يقال: إنه لم يأت في القرآن نص يدل على أن ربا أهل الجاهلية ..
стр. 81
هو الذي ورد تحريمه في القرآن دون غيره من ربا الفضل والنسيئة، وإنما جاءت النصوص في القرآن على وجه العموم فيدخل في عمومها ربا أهل الجاهلية وربا أهل الإسلام فضلا كان أو نسيئة، وقد تقدم بيان هذا في الجواب عن قول الفتان إن الربا الذي كان معروفًا في الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن فليراجع ما تقدم (١).
فصل
قال الفتان: الإتجاه الذي يميز ما بين ربا النسيئة الجلي وربا الفضل الربا الخفي يقول ابن رشد في بداية المجتهد: "واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين، في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك. فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان، صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية الذي نهى عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظِرون فكانوا يقولون أَنظِرني أزدك، وهذا هو الذي عناه الرسول ﵊ بقوله في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب» والثاني، ضع وتعجل، وهو مختلف فيه".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: قد تقدم قريبا ذكر النصوص الدالة على أن ربا الفضل في الأصناف الستة من الربا الجلي القطعي وليس من الربا الخفي، فلتراجع النصوص (٢) ففيها أبلغ رد على اتجاه الفتان.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد نقل من كلام ابن رشد ما يتعلق بالربا فيما تقرر في الذمة وترك كلامه في الربا في البيع، وإنما فعل ذلك ليوهم من لا علم لهم أن ابن رشد كان من الذين يقسمون الربا إلى جلي وخفي ويقولون إن الربا الجلي هو ربا النسيئة وإن الربا الخفي هو ربا الفضل، وهذا التقسيم ليس له ذكر في كلام ابن رشد، وقد ذكرت قريبا أن ابن رشد ليس له اتجاه يخالف ما جاء في الأحاديث الصحيحة وما أجمع عليه العلماء من أن الربا صنفان نسيئة وتفاضل وأن الربا في هذين النوعين ثابت عن النبي ﷺ . وقد قال في (بداية المجتهد) بعد الجملة التي نقلها الفتان ما نصه:
"وأما الربا في البيع فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان نسيئة وتفاضل إلا ما روي ...
стр. 82
عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل لما رواه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا في هذين النوعين لثبوت ذلك عنه ﷺ ".
وقال أيضا: "أجمع العلماء على أن التفاضل والنسأ مما لا يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي نص عليها في حديث عبادة بن الصامت إلا ما حكي عن ابن عباس، وحديث عبادة هو قال سمعت رسول الله ﷺ : «ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى» فهذا الحديث نص في منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الأعيان. وأما منع النسيئة فيها فثابت من غير ما حديث، أشهرها حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» فتضمن حديث عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد، وتضمن أيضا حديث عبادة منع النسأ في الصنفين من هذه وإباحة التفاضل، وذلك في بعض الروايات الصحيحة، وذلك أن فيها بعد ذكره منع التفاضل في تلك الستة: «وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يدا بيد والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد» وهذا كله متفق عليه بين الفقهاء إلا البر والشعير". انتهى المقصود من كلام ابن رشد. وفيه كفاية في الرد على الفتان وبيان أنه لم يؤد الأمانة في النقل من كلام ابن رشد؛ لأنه قد اقتصر على نقل الجملة التي يظن أنها تؤيد قوله في تقسيم الربا إلى جلي وخفي. وأعرض عن نقل الجملة التي توضح اتجاه ابن رشد وتدل على أنه لم يكن من الذين يقولون بتقسيم الربا إلى جلي وخفي.
فصل
قال الفتان: "أما ابن القيم فعنده أن ربا النسيئة محرم لذاته تحريم مقاصد، وهو الذي نزل فيه القرآن الكريم وكانت عليه العرب في الجاهلية وهو الربا الذي لا شك فيه كما يقول أحمد بن حنبل. أما ربا الفضل فهو محرم أيضا ولكن تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة".
والجواب: أن يقال: إن الفتان قد نقل بعض كلام ابن القيم في الربا بالمعنى وزاد ....
стр. 83
في قوله في ربا النسيئة "وهو الذي نزل فيه القرآن الكريم" وهذه الزيادة ليست من كلام ابن القيم فوضعها في أثناء كلامه ينافي الأمانة. وسأذكر -إن شاء الله تعالى- كلام ابن القيم بلفظه ملخصًا وأنبه على ما ينبغي التنبيه عليه منه.
قال في (إعلام الموقعين): "الربا نوعان جلي وخفي، فالجلي حُرِّم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي، فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني وسيلة، فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دَيْنه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عند آلافًا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج - إلى أن قال - وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل - ثم ذكر حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة» قال: ومثل هذا يراد به حصر الكمال وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة. قال: وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإن أخاف عليكم الرَّمَا» والرما هو الربا، فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة". انتهى المقصود من كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- وفيه نظر من أوله إلى آخره.
فأما تقسيمة الربا إلى جلي وخفي وقوله إن الجلي ربا النسيئة - يعني والخفي ربا الفضل فهو تقسيم لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من الصحابة، بل الدليل يدل على خلافه وهو قول النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وروى الشافعي وأحمد والدارمي ومسلم وأهل السنن من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، وفيه اختصار في أوله، وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» ففي هذه الأحاديث النص على أن من زاد أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى، وفي رواية مسلم عن أبي هريرة ﵁ فهو ربا، وفي هذا .....................................
стр. 84
النص أوضح دليل على أن الربا في الأصناف الستة من الربا الجلي، ويدل على ذلك أيضا قصة بلال ﵁ لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال النبي ﷺ عند ذلك «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفي رواية للنسائي: «أوه عين الربا لا تقربه» قال النووي: "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم"، وفي رواية لمسلم أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول الله ﷺ : «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» ففي هذه النصوص أوضح دليل على أن ربا الفضل من الربا الجلي، وفيها أبلغ رد على من قال إنه من الربا الخفي.
وأما قوله: إن الخفي حُرِّم لأنه ذريعة إلى الجلي وأن الأول - وهو ربا النسيئة - محرم قصدا، وأن تحريم الثاني - وهو ربا الفضل - تحريم وسيلة، فهو قول لا دليل عليه إلا ما ذكره من حديث أبي سعيد الخدري وهو حديث ضعيف الإسناد كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- وبيان أنه من حديث ابن عمر لا من حديث أبي سعيد.
وفي قول النبي ﷺ : «فمن زاد أو استزاد فقد أربى» وفي رواية: «فهو ربا» أوضح دليل على أن ربا الفضل محرم قصدًا وليس تحريمه تحريم وسيلة، ويدل على ذلك أيضا قول النبي ﷺ لبلال: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية: «أوه عين الربا لا تقربه» وقوله في رواية مسلم: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» ففي هذه النصوص أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التهوين لشأن ربا الفضل وجعله من الربا الخفي وقوله إنه لم يحرم قصدًا وإنما حرم تحريم وسيلة، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه ابن القيم لكان ينبغي أن يقال: فمن زاد أو استزاد فقد توسل إلى الربا. وأن يقال في قصة بلال: لا تفعل فإنه وسيلة إلى الربا.
وأما ما ذكره عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أنه سئل عن الربا الذي لا شك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل.
فجوابه: أن يقال: إن هذا القول مما يشك في ثبوته عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-؛ لأن مفهومه يدل على أن ما سوى ربا أهل الجاهلية الذين كانوا يقولون إما أن تقضي وإما أن تربي فكله مشكوك فيه. وهذا المفهوم يأتي على كل ما جاء عن النبي ﷺ في نحو من ثلاثين حديثا من الأحاديث الثابتة عنه ﷺ أنه نهي عن ربا الفضل، وفي بعضها ...........
стр. 85
النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة المذكورة في بعض الأحاديث المروية عن أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وبلال -رضي لله عنهم-، وقد قال في بعض هذه الأحاديث: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وقال في بعض الروايات: «فمن زاد أو استزاد فهو ربا» وقال في بعض الروايات: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» وقال في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وقال في حديث عمر بن الخطاب ﵁: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» وفي رواية: «الذهب بالذهب هاء وهاء، والفضة بالفضة هاء وهاء، والتمر بالتمر هاء وهاء، والبر بالبر هاء وهاء، والشعير بالشعير هاء وهاء، لا فضل بينهما» وفي بعض الروايات عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» ففي هذه النصوص وغيرها مما تقدم ذكره في أول الكتاب (١) أوضح دليل على أن ربا الفضل وربا النسيئة معلوم باليقين الذي لا يتطرق إليه الشك عند من له أدنى علم وفهم فضلا عن الإمام أحمد الذي قد آتاه الله حظًا وافرا من علم الكتاب والسنة والفقه في الأحاديث، وعلى هذا فيبعد كل البعد أن يقول في ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية أنه مما يشك فيه، ولو ثبت هذا عن الإمام أحمد لكان يتعين رده بما جاء في القرآن والسنة من التشديد في الربا على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواعه من التفاضل والنسيئة والقرض الذي يجر نفعا. ولا قول لأحد مع قول الله -تعالى- وقول رسوله ﷺ . وفي النصوص أيضا مع ما تقدم من الأحاديث أبلغ رد على مفهوم الرواية التي ذكرها ابن القيم عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
وأما حديث أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة» فقد ذكرت كلام العلماء فيه وقولهم أنه محمول على الأجناس المختلفة فإنه لا ...
стр. 86
ربا فيها من حيث التفاضل وإنما الربا فيها في النسيئة، فليراجع ما تقدم ذكره ففيه رد لقول ابن القيم إنه يراد به حصر الكمال وإن الربا الكامل إنما هو في النسيئة.
ولا يخفي ما في كلام ابن القيم من التهوين لشأن ربا الفضل وذلك مخالف لما ثبت عن النبي ﷺ من التشديد فيه حيث قال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وأنكر ﷺ على بلال لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب وغلظ في الإنكار عليه فقال: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أن قال له: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» ففي هذه النصوص أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم من التهوين لشأن ربا الفضل وأنه ليس من الربا الكامل.
وأما قوله: وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرَّمَا» والرما هو الربا، فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت ﵄ أنه قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» هذا لفظ حديث أبي سعيد ﵁ وفي بعض الروايات عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» ففي هذا النص أوضح دليل على أن ربا الفضل محرم قصدًا وليس تحريمه من باب سد الذرائع.
ويدل على ذلك أيضا أن رسول الله ﷺ غلظ في الإنكار على بلال لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب وقال له: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال له: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فرُدوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» وقد ذكرت هذه النصوص في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم من التهوين لشأن ربا الفضل وقوله .............
стр. 87
إن تحريمه من باب سد الذرائع.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الحديث الذي احتج به ابن القيم لقوله في تحريم ربا الفضل إنه من باب سد الذرائع لم يُرو عن أبي سعيد الخدري ﵁، وإنما هو مروي عن ابن عمر ﵄ مرفوعا وموقوفا من قوله ومن قول أبيه عمر بن الخطاب ﵁، فأما المرفوع فقد رواه الإمام أحمد من طريق أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الرماء والرماء هو الربا» إسناده ضعيف جدا لأنه من رواية أبي جناب الكلبي عن أبيه - واسم أبي جناب يحيي بن أبي حية. واسم أبي حية حي - وقد تكلم الأئمة في أبي جناب وفي أبيه، قال علي بن المديني: "كان يحيى بن سعيد يتكلم في أبي جناب وفي أبيه"، وقد ضعَّف أبا جناب كثيرٌ من الأئمة منهم يحيي القطان وابن سعد وعثمان الدارمي والعجلي والجوزجاني ويعقوب بن سفيان وأبو عمار والدارقطني، وقال عمرو بن علي الفلاس:" متروك الحديث"، وقال أحمد: "أحاديثه مناكير"، وقال النسائي: "ليس بالثقة يدلس"، وقال الساجي: "صدوق منكر الحديث"، وقال ابن حبان في كتاب (المجروحين): "كان ممن يدلس على الثقات ما سمع من الضعفاء فالتزقت به المناكير التي يرويها عن المشاهير فوهَّاه يحيي بن سعيد القطان وحمل عليه أحمد بن حنبل حملا شديدًا"، ثم ذكر ابن حبان عن يحيى بن معين أنه قال: "أبو جناب ليس بشيء"، وعنه أيضا أنه قال: "ضعيف ضعيف"، وقال ابن حجر في (تقريب التهذيب): "ضعَّفوه لكثرة تدليسه". وأما أبوه حي فقد تقدم عن يحيي بن سعيد أنه كان يتكلم فيه، واختلف قول الحافظ ابن حجر فيه فقال في موضع من (تقريب التهذيب): "إنه مقبول"، وقال في موضع آخر منه: "إنه مجهول".
ومما ذكرته من كلام العلماء في أبي جناب الكلبي يعلم أن حديثه لا يصلح للاستشهاد به فضلا عن الاحتجاج به.
وأما الموقوف على ابن عمر ﵄ فقد رواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن إبراهيم- يعني ابن علية- حدثنا أيوب عن نافع قال: قال ابن عمر ﵄: «لا تبيعوا الذهب بالذهب والورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا شيئا غائبا منها بناجز فإني أخاف عليكم الرماء والرما الربا» قال: فحدَّث .............
стр. 88
رجل ابن عمر هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري يحدثه عن رسول الله ﷺ فما تم مقالته حتى دخل به علي أبي سعيد وأنا معه فقال إن هذا حدثني عنك حديثا يزعم أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ أفسمعته فقال: بصر عيني وسمع أذني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا شيئا غائبا منها بناجز» إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد رواه البيهقي في سننه من طريق جرير بن حازم قال: سمعت نافعا يقول: كان ابن عمر يحدث عن عمر ﵁ في الصرف ولم يسمع فيه من النبي ﷺ شيئا قال: قال عمر ﵁: «لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء ولا تشفوا بعضه على بعض إني أخاف عليكم الرماء» قال: قلت لنافع: وما الرماء؟ قال: الربا، قال: فحدثه رجل من الأنصار عن أبي سعيد الخدري حديثا قال نافع فأخذ بيد الأنصاري وأنا معهما حتى دخلنا على أبي سعيد الخدري فقال: يا أبا سعيد هذا حدث عنك حديث كذا وكذا قال: ما هو؟ فذكره قال: نعم سمع أذناي وبصر عيني قالها ثلاث فأشار بإصبعه حيال عينيه من رسول الله ﷺ وهو يقول: «لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا تبايعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء ولا تبيعوا شيئا منها غائبا بناجز ولا تشفوا بعضه على بعض».
وقد علم من رواية البيهقي أن الموقوف ليس هو من قول ابن عمر ﵄ وإنما رواه عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁، وسيأتي ذلك فيما رواه مالك في الموطأ، وقد تبين من سياق هذا الحديث أن ابن القيم -رحمه الله تعالى- قد وهم في الحديث فجعل الموقوف منه على ابن عمر وعلي أبيه عمر مرفوعا إلى النبي ﷺ وجعله من حديث أبي سعيد الخدري، وحديث أبي سعيد ليس فيه قوله: «فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء الربا» وإنما ذلك في الموقوف على ابن عمر ﵄ وعلى أبيه عمر ﵁.
وأما الموقوف على عمر بن الخطاب ﵁ فقد رواه مالك في الموطأ بإسنادين صحيحين أحدهما: عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا».
стр. 89
الإسناد الثاني: رواه مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا شيئا منها غائبا بناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا».
وقد تبين من روايتي مالك أن ابن عمر ﵂ قد اختصر الموقوف الذي جاء في رواية أحمد والبيهقي فلم يذكر قوله في آخره: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا».
قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث): "الرماء بالفتح والمد الزيادة على ما يحل، ويروي الإرماء، يقال أرمي على الشيء إرماء إذا زاد عليه كما يقال أربى". انتهى.
وتفسير الرماء بالربا يحتمل أن يكون من كلام نافع؛ لأن في رواية جرير بن حازم عند البيهقي قلت لنافع وما الرماء؟ قال: الربا، ويحتمل أن يكون من كلام ابن عمر ﵄؛ لأن مالكا رواه من طريق نافع عن ابن عمر ومن طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر وفي كل من الروايتين تفسير الرماء بالربا، ويحتمل أن يكون من كلام عمر ﵁، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن يقال: قد جاء في روايتي مالك في الموطأ جملة ليست في رواية أحمد ولا في رواية البيهقي وهي قوله: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء» وفي هذه الجملة فائدة جليلة: وهي: أن الذي خافه عمر ﵁ عليهم من الرماء هو ما يكون بسبب التفرق اليسير بين المتبايعين بقدر ما يلج أحدهما بيته فيكون البيع حينئذ من بيع الغائب بناجز وهو من ربا النسيئة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في بيع الذهب بالذهب والورق بالورق: «لا تبيعوا منها غائبا بناجز» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفي رواية لمسلم: «ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد» وفي هذا الحديث الصحيح وقول عمر ﵁: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء» دليل على أن المراد في هذا ربا النسيئة وهو بيع الغائب من الذهب والورق بالناجز - أي الحاضر - وهذا هو الرماء الذي خافه عليهم عمر ﵁. وقد جاء ذلك ..............................
стр. 90
صريحا في قول النبي ﷺ : «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال الترمذي: "معنى قوله: «إلا هاء وهاء» يقول يدًا بيد"، وفي النص على أن بيع الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء دليل على اشتراط التقابض في مجلس العقد ومنع التفرق قبله ولو كان التفرق يسيرا بقدر ما يلج أحد المبايعين بيته؛ لأنهما إذا تفرقا قبل التقابض ولو كان التفرق يسيرا فإن البيع حينئذ يكون من الربا، وهو الرماء الذي كان عمر ﵁ يخافه عليهم.
الوجه الرابع: أن يقال: إن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قد اشتمل على جملتين: الأولى: في تحريم ربا الفضل، والثانية: في تحريم ربا النسيئة، وليس فيه ما يدل على أن تحريم ربا الفضل إنما كان لسد الذريعة إلى ربا النسيئة. فأما الجملة الأولى ففيها النهي عن بيع الورق بالورق إلا مثلا بمثل والنهي عن إشفاف بعضها على بعض، والإشفاف هو الزيادة وتفضيل أحدهما على الآخر. وأما الجملة الثانية ففيها النهي عن بيع الغائب من الذهب أو الورق بالناجز منه، والناجز هو المعجل الحاضر وفي سياق الحديث أوضح دليل على أن ربا الفضل محرم قصدًا وليس تحريمه من باب سد الذرائع.
فصل
وقال الفتان: "يترتب على التمييز بين ربا النسيئة وربا الفضل نتيجة هامة، ذلك أنه لما كان ربا النسيئة محرما لذاته تحريم المقاصد، وكان ربا الفضل محرما باعتباره وسيلة تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد؛ فإن درجة التحريم في ربا النسيئة أشد منها في ربا الفضل، ومن ثَمَّ لا يجوز ربا النسيئة إلا لضرورة ملجئة كالضرورة التي تبيح أكل الميتة والدم، أما ربا الفضل فيجوز للحاجة، ولا يخفي أن الحاجة أدنى من الضرورة، فكلما اقتضت الحاجة للتعامل بربا الفضل جاز ذلك، ومن ثم تضيق منطقة هذا الربا إذا قامت الحاجة إلى إباحته في بعض صوره بحيث يتبين في هذه الصور أنه لا يمكن اتخاذه ذريعة لربا النسيئة فينتفي سبب التحريم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الفتان قد زل في هذه الجملة زلة خطيرة عليه وعلى من عمل بقوله الباطل، وذلك في زعمه أن ربا النسيئة يجوز للضرورة
стр. 91
وأن ربا الفضل يجوز للحاجة، وهذه الزلة العظيمة هي حاصل نتيجة السوء التي استنتجها بعقله الفاسد وزعم أنها نتيجة هامة، وهي في الحقيقة هامة من الهوام المهلكة للدين؛ لأن استحلال الربا ودعاء الناس إلى استحلاله يفتك بالدين أعظم مما تفتك الهوام الأرضية بالأبدان.
وقد قال الجوهري: "الهامة واحدة الهوام ولا يقع هذا الإسم إلا على المخوف من الأحناش"، وقال ابن الأثير: "الهامة كل ذات سم يقتل"، وذكر ابن منظور في (لسان العرب) عن شمر أنه قال: "الهوام الحيات وكل ذي سم يقتل". انتهى.
وإذا علم ما قاله أهل اللغة في تعريف الهامة وأنها الأفاعي والأحناش التي تقتل بسمها فليعلم أيضا أن رسول الله ﷺ قد نصَّ على أن أكل الربا من الموبقات - أي المهلكات - وما كان بهذه الصفة فهو هامة من الهوام التي تفتك بالدين ولا شك أن ضرر الربا على الدين أعظم من ضرر السم القاتل على الأبدان؛ لأن الأبدان إذا أصيبت بسم الأحناش والأفاعي فمآلها في الغالب إلى الموت، والموت لابد منه لكل مخلوق، وقد يكون فيه راحة للميت إذا كان من أولياء الله، وأما أكل الربا فإنه يؤول بأصحابه إلى الهلاك الديني وإلى الشر العظيم في الدنيا وفي البرزخ وفي الدار الآخرة، وبيان ذلك من وجوه: أحدهما: أنه من الكبائر السبع الموبقات - أي المهلكات - الثاني: أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، واللعن هو الطرد والإبعاد من الله ومن الخير. الثالث: أن الله -تعالى- قد آذن المرابين بالحرب منه ومن رسوله ﷺ ، وما أشد الخطر في هذا. الرابع: أن كثيرًا من العلماء قد صرحوا بتكفير من استحل الربا ولم يفرقوا بين وجود الضرورة والحاجة وعدم وجودهما. الخامس: ما رواه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه» وإذا كان هذا قول ابن عباس ﵄ فيمن كان مقيما على الربا فكيف بمن يستحله بالشبهات ويدعو الناس إلى استحلاله، فهذا أولى أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. السادس: أن المرابين يعذبون في البرزخ بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم أو هو من الدم ويلقمون الحجارة. السابع: ما روي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أن المرابين تكون بطونهم في البرزخ كالبيوت الضخمة فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. الثامن: ما روي من حديث أبي سعيد مرفوعا أن المرابين يصفدون في البرزخ وينضدون على سابلة آل فرعون فيتوطؤهم آل فرعون غدوا وعشيًا.
стр. 92
التاسع: أن المرابين إذا بعثوا من قبورهم فإنهم يعذبون بالجنون أو بما يشبه الجنون عقوبة لهم وتمقيتًا عند جمع المحشر. العاشر: وهو أعظمها أن المرابين يحشرون إلى نار جهنم. وكل ما ذكرته ههنا من ضرر الربا على المرابين فقد تقدم بيانه في الآيات والأحاديث الدالة على تحريم الربا وفي فوائدها فليراجع ذلك في أول الكتاب، وليتأمله المؤمن الناصح لنفسه حق التأمل، وليحذر أشد الحذر من نتيجة الفتان وهامّته فإنها من نتائج الضلال ومن الهوام التي تهلك الدين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن التحليل والتحريم مردهما إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فما أحله الله في كتابه أو أحله رسول الله ﷺ فهو حلال، وما حرمه الله في كتابه أو حرمه رسول الله ﷺ فهو حرام، وليس للآراء والاستنتاجات حق في التحليل والتحريم، ومن أحل شيئا أو حرمه بمجرد الرأي والاستنتاج فقد افترى على الله الكذب واستدرك على الله وعلى رسوله ﷺ وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن الفتان قد أقدم على تحليل ربا النسيئة للضرورة وتحليل ربا الفضل للحاجة، ولم يستند في ذلك إلى دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، إذ لا وجود لذلك في هذه الأصول الثلاثة، وإنما استند إلى أقوال المتلاعبين بالدين وهم الذين وصفهم الشيخ أحمد شاكر بأنهم يلعبون بالقرآن ويزعمون أن الربا المحرم هو الأضعاف المضاعفة ويجيزون ما بقي من أنواع الربا، وقد تقدم كلامه وكلام الشيخ محمود شلتوت في ذمهم فليراجع ذلك في أثناء الكتاب (١).
فإن قال الفتان: إنه قد اعتمد في نتيجته المضلة على قول ابن القيم في تقسيم الربا إلى جلي وخفي وأن الجلي هو ربا النسيئة الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وأن تحريم هذا النوع كان قصدا وتحريم ربا الفضل وسيلة لأنه ذريعة إلى الجلي.
فالجواب: أن يقال: إنه ليس في كلام ابن القيم ما يتعلق به الفتان في تحليل ربا النسيئة للضرورة وتحليل ربا الفضل للحاجة، وقد صرح ابن القيم بتحريم نوعي الربا إلا أنه جعل تحريم ربا الفضل من باب سد الذرائع، وقد ذكرت نصوص الأحاديث الدالة على خلاف قوله في الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع ذلك (٢).
стр. 93
وفي النصوص الثابتة عن النبي ﷺ كفاية وغنية عن أقوال الناس، ولا قول لأحد مع رسول الله ﷺ .
الوجه الثالث: أن يقال: إن كلام الفتان ينقض بعضه بعضًا؛ لأنه قد صرح في أول نتيجته المضلة أن ربا النسيئة محرم لذاته تحريم المقاصد وأن ربا الفضل محرم تحريم الوسائل باعتباره وسيلة إلى ربا النسيئة، ثم نقض قوله في التحريم فأجاز ربا النسيئة للضرورة وأجاز ربا الفضل للحاجة، وهذا في الحقيقة من التلاعب بالدين إذ ليس في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على جواز ربا النسيئة للضرورة ولا على جواز ربا الفضل للحاجة، بل إن الأدلة من القرآن والسنة والإجماع كلها تدل على تحريم الربا على وجه العموم تحريما مطلقًا وليس فيها استثناء ضرورة ولا حاجة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
الوجه الرابع: أن يقال: ما زعمه الفتان من جواز ربا النسيئة للضرورة وجواز ربا الفضل للحاجة فهو مردود بما جاء في القرآن والسنة من التشديد في أكل الربا على وجه العموم، فمن ذلك قول الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وقوله -تعالى- في آخر الآية: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
ومن ذلك قول النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكرها ومنها أكل الربا، ومن ذلك أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية»، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله».
وما جاء في هذا الآيات والأحاديث من التشديد في أكل الربا فهو يعم جميع الحالات كما تدل على ذلك ظواهر الآيات والأحاديث، ومن استثنى حالة الضرورة في ربا النسيئة وحالة الحاجة في ربا الفضل فقد خالف القرآن والسنة وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الضرورة التي تبيح أكل الميتة والدم هي الخوف على
стр. 94
النفس من التلف إذا لم يأكل الميتة أو الدم بقدر ما يسد به رمقه، فمن ألجأته الضرورة إلى الأكل من الميتة أو الدم وهو غير باغ ولا عاد جاز له الأكل ولا إثم عليه، فأما أكل الربا فإن الله -تعالى- حرمه تحريمًا مطلقًا وجاءت السنة بتحريمه على الإطلاق، وما كان بهذه الصفة فليس لأحد أن يستثني منه ضرورة ولا حاجة؛ لأن ذلك من الاستدراك على الله وعلى رسول ﷺ .
الوجه السادس: أن يقال: إن الفتان قد قاس الضرورة التي زعمها في ربا النسيئة على الضرورة التي تبيح أكل الميتة والدم، وهذا قياس فاسد، وهو من جنس قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، وقد رد الله على الذين قالوا بهذا القول الفاسد فقال -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وأما قياس الفتان فإنه يرد عليه بأن الله -تعالى- أباح للمضطرين أن يأكلون من الميتة والدم ولم يبح أكل الربا لضرورة ولا غيرها بل حرمه تحريما مطلقًا وتوعد عليه بأشد الوعيد، وهذا يسد باب التحليل لاستحلال الربا بدعوى الضرورة المزعومة والحاجة وغيرهما من الدعاوى الباطلة.
فصل
وقال الفتان: "الاتجاه الذي يميز ما بين الربا الوارد في القرآن الكريم وهو الربا الجلي، والربا الوارد في الحديث وهو الربا الخفي، وهذا الاتجاه يقسم الربا إلى ثلاثة أنواع؛ الأول: ربا الجاهلية، وهو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم، وخصيصته الأولى هي أن يقول صاحب الدَين للمدين عند حلول أجل الدين: "إما أن تقضي وإما أن تربي". الثاني: ربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف، وهو أوسع كثيرا في مداه من ربا الجاهلية، بل ويختلف عنه اختلافا بيِّنا في كثير من الصور فهو بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون والجنس بجنسه نسيئة لا فورا ولو من غير تفاضل. الثالث: ربا الفضل الوارد في الحديث الشريف وهو بيع المكيل أو الموزون بجنسه متفاضلا".
والجواب: أن يقال: أما تقسيم الربا إلى جلي وخفي فهو تقسيم لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من الصحابة، وقد ذكرت الرد عليه من نصوص الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ بعد إيراد كلام ابن القيم الذي جاء فيه هذا التقسيم فليراجع (١) ففيه كفاية في الرد على هذه الجملة من كلام الفتان.
стр. 95
وأما قول: إن ربا الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن الكريم.
فجوابه: أن يقال: إن نصوص القرآن عامة فيدخل في عمومها ربا أهل الجاهلية وربا أهل الإسلام، وقد ذكرت الرد على هذه الجملة عند قول الفتان: إن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن فليراجع ذلك فيما تقدم (١)، وليراجع (٢) أيضًا قول الجصاص: "إن قول الله -تعالى-: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ قد انتظم تحريم جميع ضروب الربا لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، وقال أيضًا اسم الربا في الشرع يعتريه معانٍ أحدها: الربا الذي عليه أهل الجاهلية، والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل أو الموزون، والثالث: النساء". انتهى.
فصل
وقال الفتان: الاتجاه الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية الوارد في القرآن وحده «لا ربا إلا في النسيئة».
"يستدل أصحاب هذا الاتجاه وعلى رأسهم ابن عباس بحديث رواه ابن عباس نفسه عن أسامة أن النبي ﷺ قال: «لا ربا إلا في النسيئة» فهم لا يحرمون ربا الفضل ولا يحرمون إلا ربا النسيئة، وقد ذكر السبكي في تكملة المجموع أن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب، وروي عن معاوية ما يحتمل موافقتهم، ولف لفهم كثير من التابعين مثل عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة وفقهاء الأمصار - أن هذه الطائفة رأت أن الربا لا يكون إلا في النسيئة وكانوا يجيزون ربا النقد، وقال سعيد بن جبير: صحبت ابن عباس حتى مات فو الله ما رجع عن الصرف، أي قوله بجواز التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مع القبض، وقصر الربا على ربا النسيئة وهو ربا القرآن الكريم، ويقول سعيد: سألت ابن عباس أيضا قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير فيه بأسًا، وقال الشافعي في كتاب اختلاف الحديث: كان ابن عباس لا يري في دينار بدينارين ولا في درهم بدرهمين يدًا بيد بأسا ويراه في النسيئة، وكذلك عامة أصحابه".
стр. 96
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الفتان لم يؤد الأمانة فيما نقله عن السبكي، حيث أنه قد غير عبارته عما كانت عليه في (تكملة المجموع) فأفسدها بما أدخل فيها من التغيير والزيادة التي هي محض الكذب، فأما التغيير ففي قوله: "إن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وكثيرًا من التابعين مثل عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة وفقهاء الأمصار - أن هذه الطائفة رأت أن الربا لا يكون إلا في النسيئة، وكانوا يجيزون ربا النقد"، هكذا لفَّق الفتَّان هذه العبارة ونسبها إلى السبكي، وقد جمع فيها بين التلبيس على الجهال وبين الكذب على السبكي.
فمن تلبيسه وكذبه أنه ذكر علي سبيل الجزم عن عبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب أنهم كانوا يجيزون ربا النقد ويرون أن الربا لا يكون إلا في النسيئة، وهذا خطأ وكذب لأن السبكي لم يجزم بثبوت ذلك عن هؤلاء الأربعة، وإنما ذكره عنهم رواية بصيغة التمريض.
ومن تلبيسه وكذبه أيضا قوله: "ولف لفهم كثير من التابعين مثل عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة وفقهاء الأمصار"، وهذا خطأ وكذب؛ لأن السبكي إنما ذكر من هؤلاء عطاء بن أبي رباح وحده، ثم قال وفقهاء المكيين، فجاء الفتان الذي يهرف بما لا يعرف فزاد طاوسًا ومن بعده، وغيَّر قوله وفقهاء المكيين فقال وفقهاء الأمصار. وقد تقدم (١) في ذكر الإجماع على تحريم الربا ما ذكره ابن المنذر عن علماء الأمصار؛ أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال: وروينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وجماعة يكثر عددهم من التابعين. انتهى. وقد نقله السبكي في (تكملة شرح المهذب).
وقال الترمذي بعد ذكره حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل لا يشف بعضه على بعض ولا تبيعوا منه غائبا بناجز» قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم". انتهى المقصود من كلامه.
стр. 97
ونقل السبكي في (تكملة شرح المهذب) عن ابن عبد البر أنه قال: "لا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنًا ولا الدرهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه إلا ما كان عليه أهل مكة قديما وحديثًا من إجازتهم التفاضل على ذلك إذا كان يدا بيد، أخذوا ذلك عن ابن عباس"، قال ابن عبد البر: "ولم يتابع ابن عباس على قوله في تأويله حديث أسامة أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها وليس أحد بحجة عليها". انتهى.
وفي كلام الترمذي وابن المنذر وابن عبد البر أبلغ رد على تلبيس الفتان وكذبه على فقهاء الأمصار وعلى السبكي.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد أخطأ فيما نقله من كلام السبكي حيث أنه قد اقتصر على نقل الأقوال التي يرى فيها تأييدًا لاتجاهه الباطل الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية، وأعرض عما ذكره السبكي من الآثار في رجوع ابن عباس وابن مسعود وابن عمر ﵃ عن رأيهم المخالف للسنة. وما ذكره أيضا من التوقف في صحة ما ذكر عن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وعبد الله بن الزبير ﵃ أنهم كانوا يجيزون ربا النقد ويرون أن الربا لا يكون إلا في النسيئة وما ذكره عن معاوية ﵁ أنه غير قائل بقول ابن عباس مع شذوذ ما قال به أيضا، ولا يخفي ما في فعل الفتان من التمويه والتلبيس على الجهال.
وقد ذكرت الآثار الدالة على رجوع ابن عباس وابن مسعود ﵄ عن القول بجواز بيع الذهب بالذهب متفاضلا والفضة بالفضة متفاضلا إذا كان يدًا بيد، فليراجع ذلك بعد الفصل الذي ذكر فيه الإجماع على تحريم الربا (١).
وتقدم في الحديث السادس والثلاثين عن ابن عمر ﵄ أنه نهى عن ربا الفضل، وتقدم في الحديث الثالث والعشرين عنه أنه قال: «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم، وتقدم في الحديث التاسع والثلاثين عنه أنه قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن فمن زاد أو استزاد فقد أربى» والله ما كذب ابن عمر علي رسول لله ﷺ .
стр. 98
قال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "وأما ابن عمر فقد تقدم رجوعه في الرواية التي دلت على قوله وأن ذلك في صحيح مسلم واشتهر عنه بعد ذلك من طرق كثيرة قوله بالتحريم ومبالغته في ذلك في روايات صحيحة صريحة، ولم يكن قوله الأول قد اشتهر عنه ولعله لم يستقر رأيه عليه زمانًا، بل رجع عنه قريبًا والله أعلم". انتهى.
وتقدم أيضا في الحديث الحادي والعشرين والحديث الثاني والعشرين عن أبي المنهال - وأسمه عبد الرحمن بن مطعم البناني - قال سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينا» متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «ما كان يدا بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فهو ربا».
الصرف هو بيع الفضة بالذهب ذكره النووي في (شرح مسلم) عن العلماء وتقدم ذكره في الفائدة السابعة عشرة من فوائد الأحاديث الدالة على تحريم الربا (١)، وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على من زعم أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب ﵃ كانا من الذين لا يحرمون ربا الفضل ولا يحرمون إلا ربا النسيئة.
وأما أسامة بن زيد ﵄ فقال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "لا أعلم عنه في ذلك شيئا إلا روايته عن النبي ﷺ «إنما الربا في النسيئة» ولا يكفي ذلك في نسبة هذا القول إليه فإنه لا يلزم من الرواية القول بمقتضى ظاهرها لجواز أن يكون معناها عنده على خلاف ذلك أو يكون عنده معارض راجح". انتهى.
وأما عبد الله بن الزبير ﵄ فقال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "لم أقف على إسناده إليه بذلك". انتهى.
وأما معاوية ﵁ فقد تقدم (٢) ما يدل على رجوعه عن رأيه في جواز التفاضل في بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بالتبر منه أو العين، قال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "وأما معاوية فقد تقدم أنه غير قائل بقول ابن عباس مع شذوذ ما قال به أيضا، والظن به لما كتب إليه عمر ﵁ أنه يرجع عن ذلك". انتهى. وبما ذكرته في هذا الوجه تنقطع التعلقات التي تعلق بها الفتان على بعض الصحابة.
الوجه الثالث: أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان ينهى عن ربا الفضل، وقد ذكرت في أول الكتاب ثلاثين حديثًا أو قريبا من الثلاثين مما جاء في .....
стр. 99
ذلك فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على كل من قال بجواز ربا الفضل، وقد قال الطحاوي في كتابه (شرح معاني الآثار): "جاءت السنة بتحريم الربا في التفاضل في الذهب بالذهب والفضة بالفضة وسائر الأشياء المكيلات والموزونات على ما ذكره عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ فكان ذلك ربا حرم بالسنة وتواترت به الآثار عن رسول الله ﷺ حتى قامت بها الحجة" ثم إن الطحاوي أورد أحاديث كثيرة مما جاء في النهي عن ربا الفضل. وقد تقدم ذكرها مع الأحاديث الدالة على تحريم الربا وقال بعد إيرادها: "فثبت بهذه الآثار المتواترة عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلا وكذلك سائر الأشياء المكيلات التي قد ذكرت في هذه الآثار التي رويناها فالعمل بها أولى من العمل بحديث أسامة، ثم هذا أصحاب رسول الله ﷺ من بعده قد ذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله ﷺ أيضا"، ثم روي بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: خطب عمر فقال: «لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين ولا درهما بدرهمين ولا قفيزا بقفيزين إني أخشى عليكم الرماء (٢) وإني لا أوتى بأحد فعله إلا أوجعته عقوبة في نفسه وماله».
قال الطحاوي: "فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يخطب بهذا على منبر رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه -رضوان الله عليهم- لا ينكره عليه منهم منكر فدل ذلك على موافقتهم له عليه"، ثم قد روي في ذلك أيضا عن أبي بكر وعلي وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ ما يوافق ذلك أيضا، ثم روى بإسناد صحيح عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص قال: كتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام: «أما بعد فإنكم قد هبطتم أرض الربا فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن ولا الطعام بالطعام إلا كيلا بكيل» قال أبو قيس: قرأت كتابه.
وروى الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن أبي صالح السمان قال: كنت جالسا عند علي بن أبي طالب ﵁ فأتاه رجل فقال: يكون عندي الدراهم فلا تنفق عني في حاجتي فأشتري بها دراهم تجوز عني وأخصم فيها، قال: فقال علي ﵁: «اشتر بدراهمك ذهبًا ثم اشتر بذهبك ورقا ثم أنفقها فيما شئت».
стр. 100
وروى أيضا بإسناد حسن عن شريح عن عمر ﵁ قال: «الدرهم بالدرهم فضل ما بينهما ربا» وروي أيضا بإسناد صحيح عن سالم بن عبد الله بن عمر قال كان عمر وعبد الله بن عمر ﵄ ينهيان عن بيع الدرهمين بالدرهم يدًا بيد ويقولان: «الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار» وروى أيضا بإسناد حسن عن أبي رافع قال: مرَّ بي عمر بن الخطاب ومعه ورق فقال: «اصنع لنا أوضاحا لصبي لنا» فقلت: يا أمير المؤمنين: عندي أوضاح معمولة فإن شئت أخذت الورق وأخذت الأوضاح، فقال عمر ﵁: «مثلا بمثل» فقلت: نعم فوضع الورق في كفة الميزان والأوضاح في الكفة الأخرى فلما استوى الميزان أخذ بإحدى يديه وأعطى بالأخرى، وروى أيضا بإسناد حسن عن علي بن رباح اللخمي قال: كنا في غزاة مع فضالة بن عبيد ﵁ فسألته عن بيع الذهب فقال: «مثلا بمثل ليس بينهما فضل». انتهى المقصود مما ذكره الطحاوي -رحمه الله تعالى-.
وفيما ذكره عن الصحابة ﵃ أبلغ رد على كل من قال بجواز ربا الفضل ولا سيما كتاب أبي بكر الصديق ﵁ إلى أمراء الأجناد بالنهي عن بيع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن وعن بيع الورق بالورق إلا وزنا بوزن وعن بيع الطعام بالطعام إلا كيلا بكيل، ولم يذكر عن أحد من أمراء الأجناد ولا عن غيرهم من الصحابة الذين كانوا معهم- وهم كثيرون جدًا- أنهم خالفوا ما جاء في كتاب أبي بكر الصديق ﵁ فدل ذلك على موافقتهم له.
وكذلك خطبة عمر ﵁ على منبر رسول الله ﷺ بالنهي عن شراء الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين والقفيز بالقفيزين، والوعيد لمن فعل ذلك بالعقوبة الموجعة في نفسه وماله. ولم يذكر عن أحد من الصحابة أنه أنكر ذلك على عمر ﵁ فدل ذلك على موافقتهم له.
وكذلك ما جاء عن علي بن أبي طالب وعمر وابنه عبد الله وفضالة بن عبيد ﵃ من النهي عن المفاضلة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة.
فهذه الآثار مع ما تقدم من الأحاديث والآثار في الوجه الثاني تقطع جميع التعلقات التي يتعلق بها الفتان وغيره من المفتونين بتجويز ربا الفضل.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- أمر المؤمنين عند التنازع بالرد إليه وإلى رسوله ﷺ فقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ........
стр. 101
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.
قال البغوي: قوله : " ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أي اختلفتم ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمر دينكم - والتنازع اختلاف الآراء - ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيًا وبعد وفاته إلى سنته، والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد". انتهى.
وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: " ﴿إلى الله﴾ إلى كتابه، و ﴿إلى الرسول﴾ إلى سنة نبيه"، وروى أيضا عن ميمون بن مهران وقتادة نحو ذلك.
وقال ابن كثير في قوله -تعالى-: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: "قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال -تعالى-: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد". انتهى.
وإذا علم ما جاء في الآية الكريمة من الأمر برد الآراء المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة وعلم ما ذكر في الوجه الثالث من تواتر الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ربا الفضل، فليعلم أيضا أنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ ، فكل قول خالف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فهو مردود على قائله كائنا من كان، ومن رد شيئا من أقوال الرسول ﷺ أو عارض أقواله بأقوال غيره فهو على شفا هلكة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ ...........................
стр. 102
الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وفي هذه الآيات مع الآية التي فيها الأمر بالرد إلى الله وإلى رسوله عند التنازع أبلغ رد على اتجاه الفتان الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية وحده، وهذا الاتجاه الباطل مؤسس على أربعة أصول من أصول الشر، أحدها: مخالفة أقوال الرسول ﷺ المتواترة عنه في النهي عن ربا الفضل، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك في الآية من سورة النور.
الثاني: استحلال ما نهى عنه رسول الله ﷺ من ربا الفضل، وهذا يدل على عدم التقوى عند الفتان وقلة مبالاته بالعقاب الشديد الذي توعد الله به من لم يأخذ بما جاء عن الرسول ﷺ ولم ينته عما نهي عنه.
الثالث: معصية الله ورسوله ﷺ باستحلال ربا الفضل الذي قد قضى الله بالمنع منه على لسان رسوله محمد ﷺ ، ومعصية الله ورسوله ﷺ من الضلال المبين كما هو منصوص عليه في الآية من سورة الأحزاب.
الرابع: النفرة عن تحكيم الرسول ﷺ والتسليم لأقواله المتواترة عنه في النهي عن ربا الفضل، وهذا يدل على النفاق وعدم الإيمان كما تدل على ذلك الآية من سورة النساء وهي قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ثم أقسم ﵎ بنفسه الكريمة المقدسة على نفي الإيمان عمن لم يُحِّكم الرسول ﷺ في الأمور التي يقع فيها التنازع والتشاجر ويرض بحكمه ولا يجد في نفسه حرجا مما قضى به الرسول ﷺ ويسلم له تسليما.
فليتأمل الفتان وأشياعه ما تقدم ذكره من الآيات، ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر مما تضمنته من الوعيد الشديد ونفي الإيمان.
وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» قال النووي في كتاب (الأربعين) له: "حديث صحيح رويناه في كتاب (الحجة) بإسناد صحيح"، ثم قال في الكلام على هذا الحديث: "يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ ، وهذا نظير قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ..............
стр. 103
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فليس لأحد مع الله ورسوله ﷺ أمر ولا وهوى". انتهى.
فصل
وقال الفتان: حقيقة لا تحتاج إلى دليل. "من خلال دراسة مفهوم الربا في السنة المطهرة يتضح لنا بما لا يدع مجالا للشك أن الربا المحرم الذي لا شك فيه هو الربا الذي ذكره رسول الله ﷺ في حجة الوداع والتي هي آخر مرة خاطب فيها الرسول ﷺ أمته حيث قال: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب» ونحن نعرف أن ربا الجاهلية باتفاق العلماء هو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم وخصيصته هي أن يقول صاحب الدين للمدين عند حلول أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي فإن لم يقض زاد المدين المال وزاد الدائن الأجل".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الحقيقة التي زعمها الفتان ليست بحقيقة عند التحقيق، وإنما هي حقيقة في اتباع الهوى وما يدعو إليه الشيطان من استحلال ربا الفضل وربا النسيئة أيضا سوى الربا الذي يقول فيه الدائن للمدين إما أن تقضي وإما أن تربي، فهذه هي الحقيقة التي طنطن بها الفتان وزعم أنها لا تحتاج إلى دليل.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الحقيقة التي لا تحتاج إلى دليل هي ما وقع فيه الفتان من مشاقة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين الذين يحرمون ما حرمه الله ورسوله ﷺ من الربا على وجه العموم، وسواء في ذلك ربا الجاهلية وربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن الربا على وجه العموم فلتراجع في أول الكتاب (١) ليعلم ما فيها من النصوص الدالة على تحريم ربا الفضل وربا النسيئة تحريما مطلقًا، وليعلم أيضا أن الفتان لم يعبأ بأقوال الرسول ﷺ في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، ولم يبال باطراحها ونبذها وراء ظهره.
الوجه الثالث: أن يقال: إن حقيقة الفتان حاصلها التفريق بين الله ورسوله .........
стр. 104
والإيمان ببعض الكتاب وعدم الإيمان ببعضه، وذلك واضح في زعمه أن الربا الذي لا يشك فيه هو ربا الجاهلية الذي زعم أنه نزل فيه القرآن، ومفهوم كلامه أن ما سِوى ذلك من الربا الذي قد نهى عنه رسول الله ﷺ في الأحاديث المتواترة عنه فهو مشكوك فيه عنده، ومن شك في شيء من أقوال رسول الله ﷺ الثابتة عنه ولم يبال بها فهو من الذين يفرِّقون بين الله ورسوله شاء أم أبى، ومن كان بهذه الصفة فهو ممن يشك في إسلامه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله، ومن تحقيقها الإيمان بكل ما ثبت عن النبي ﷺ والعمل بما أمر به على قدر الاستطاعة واجتناب ما نهي عنه، والدليل على ذلك قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁،وفي هذا الحديث الصحيح دليل على أن من رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في تحريم ربا الفضل وربا النسيئة فهو غير معصوم الدم والمال.
الوجه الرابع: أن يقال: إنه لا فرق في التحريم بين ما جاء في القرآن وما جاء في السنة؛ لأن الكل من عند الله، والرسول مبلغ عن الله، قال الله -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والحكمة هي السنة على أصح الأقوال، قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ "، رواه البيهقي في كتاب (المدخل) وقال حسان بن عطية أحد التابعين: "كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن"، رواه الدارمي ورجاله رجال الصحيح، ويدل على هذا قول الله -تعالى- في صفة نبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾.
وروى الدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله».
стр. 105
وفي هذا الحديث أبلغ رد على الفتان الذي فرق بين ربا الجاهلية وبين الربا الذي جاءت السنة بالنهي عنه والتشديد فيه ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، فحرم ربا الجاهلية وزعم أن تحريمه لا شك فيه وأباح ربا النسيئة عند الضرورة وربا الفضل عند الحاجة كما تقدم ذلك صريحا في نتيجة السوء (١) التي استنتجها بعقله الفاسد، وهذا من الإيمان ببعض الكتاب وعدم الإيمان ببعضه.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الفتان لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون له مفهوم في السنة المطهرة كما زعم ذلك في أول كلامه في هذه الجملة التي تقدم ذكرها، وإما أن يكون جاهلا بالسنة وتكون دعواه دراسة مفهوم الربا في السنة مبنية على التخرص، وعلى الأول يكون إعراضه عن الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في النهي عن ربا الفضل ناشئا عن العناد والمكابرة في رد السنة الصريحة، وعلى الثاني يكون قد قفا ما ليس له به علم فأحلَّ بعض الربا وحرم بعض بمجرد رأيه واتجاهاته المضلة، وهذا حرام شديد التحريم؛ لأنه يتضمن الكذب على الله والقول عليه بغير علم وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
الوجه السادس: أن يقال: إذا كان الفتان قد درس مفهوم الربا في السنة المطهرة كما قد زعم ذلك فأي حجة له على استحلال ربا الفضل للحاجة واستحلال ربا النسيئة للضرورة مع أنه ليس في السنة ما يدل على ذلك البتة.
وأي عذر له في رد الأحاديث المتواترة في النهي عن ربا الفضل بدون استثناء حاجة، وقد جاء في بعضها النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة على وجه العموم، وليس فيها استثناء ضرورة ولا حاجة، وما كان تحريمه مطلقا بدون استثناء فليس لأحد أن يستثنى منه شيئا لم يستثنه رسول الله ﷺ ، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ ......................................
стр. 106
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
وفي الآية الكريمة والحديث أبلغ رد على الفتان الذي قد جعل لنفسه الخِيَرَة في تحليل ربا الفضل للحاجة وتحليل ربا النسيئة للضرورة، فخالف نص الآية الكريمة وخالف قول النبي ﷺ : «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».
وأي عذر للفتان في رد قول النبي ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وفي رواية: «إلا يدا بيد» وفي رواية: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء».
وأي عذر له في رد قول النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بيه فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء».
وأي عذر له في رد قول النبي ﷺ : «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» وفي رواية: «الذهب بالذهب هاء وهاء، والفضة بالفضة هاء وهاء، والتمر بالتمر هاء وهاء، والبر بالبر هاء وهاء، والشعير بالشعير هاء وهاء لا فضل بينهما».
وأي عذر له في رد قول النبي ﷺ للذي باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال للرجل: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت».
فهذه نصوص ثابتة عن النبي ﷺ في تحريم ربا الفضل والنسيئة فيجب العمل بها ولا يجوز رد شيء منها. ومن رد شيئا منها فهو على شفا هلكة، وما جاء في بعض النصوص من الأمر برد ربا الفضل فهو شبيه بما جاء عنه ﷺ في وضع ربا الجاهلية.
فالواجب على الفتان وعلى كل من كان على شاكلته أن يتقوا الله ولا يردوا شيئا من
стр. 107
أحاديث رسول الله ﷺ ولا يضربوا بعضها ببعض فإن ذلك ليس بالأمر الهين، بل عاقبته وخيمة جدًا.
الوجه السابع: أن يقال: إن النبي ﷺ إنما وضع ربا العباس وغيره من ربا الجاهلية لأنه إذ ذاك كان باقيا في ذمم المدينين وقد أبطله الإسلام فلهذا وضعه رسول الله ﷺ ، ومثله قول النبي ﷺ للرجل الذي باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «هذا الربا فردوه» فكما أن رسول الله ﷺ وضع ربا العباس وغيره من ربا الجاهلية ولم يُقرهم عليه فكذلك قد أمر ﷺ برد ربا الفضل ولم يقر الرجل عليه، فقد اتفق حكمه ﷺ في وضع ربا الجاهلية وفي رد ربا الفضل، والعمل بهذا الحكم واجب متحتم ولا يجوز لأحد أن يخالفه، ومن عمل به في ربا الجاهلية وخالفه في ربا الفضل كما فعل الفتان فقد عرض نفسه للخطر العظيم؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك"، فليحذر الفتان مما حذر الله منه في هذه الآية الكريمة، فلعله أن يكون له نصيب وافر مما جاء فيها وهو لا يشعر.
وأما قوله: إن آخر مرة خاطب فيها الرسول ﷺ أمته كان في حجة الوداع حيث قال: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
فجوابه: أن يقال: هذا كلام تضحك منه الثكلى، وينبغي أن يوضع في الكتب التي تشتمل على أقوال الحمقى والمغفلين، وإنه لينطبق على الفتان قول الشاعر:
لقد كان في الإعراض ستر جهالة ... غدوتَ بها من أشهر الناس في البُلْد
وهل يظن الفتان الذي يهرف بما لا يعرف أن رسول الله ﷺ ترك الخطاب مع أمته بعد أن قال لهم في حجة الوداع: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع» فلم يكلمهم بعد ذلك حتى مات؟ أما علم المتكلف ما لا علم له به أن رسول الله ﷺ لم يترك الخطاب مع أمته جماعات وأفرادا إلى أن نزل به الموت فجعل وهو في سياق الموت يحذرهم من اتخاذ القبور مساجد، ويوصيهم بالصلاة وما ملكت أيمانهم، قالت عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ لما نزل برسول الله ﷺ طفق يلقي خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تقول عائشة ﵂: "يحذر مثل الذي صنعوا" رواه ..............................
стр. 108
الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والدارمي.
وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال وهو في الموت: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم بها وما يفيض بها لسانه، رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وفي رواية لأحمد: فجعل يتكلم بها وما يكاد يفيض بها لسانه، وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس ﵁ قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه.
فإن قال الفتان: إنه إنما أراد الخطبة وأن آخر مرة من خطبه ﷺ هي التي قال فيها: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
فالجواب من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن كان مراده الخطبة وأنه أبدل لفظة الخطبة بالمخاطبة فلا يخفي ما في كلامه من الخطأ في التعبير؛ لأن الخطبة شيء والمخاطبة شيء آخر، قال ابن منظور في (لسان العرب): "ذهب أبو إسحاق إلى أن الخطبة عند العرب الكلام المنثور المسجع ونحوه"، وذكر عن صاحب (التهذيب) أنه قال: "الخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر"، وكذا قال الزجاج: "إن الخطبة بالضم ما له أول وآخر نحو الرسالة"، نقله النووي عنه في (تهذيب الأسماء واللغات).
وأما المخاطبة فهي المراجعة في الكلام، قال صاحب (المحكم): "الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام"، نقله النووي عنه في (تهذيب الأسماء واللغات) وكذا قال ابن منظور في (لسان العرب): "إن الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام، قال وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان". انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: إن خطبة النبي ﷺ في يوم عرفة وهي التي قال فيها: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع» ليست آخر خطبة للنبي ﷺ بل إنه قد خطب الناس في يوم النحر بمنى، ثم خطبهم في أوسط أيام التشريق، ثم خطبهم بين مكة والمدينة بماء يدعي خُمّا، ثم لم يزل يخطبهم في أيام الجُمع إلى أن مرض مرضه الذي مات فيه، وآخر خطبة خطبها كانت في مرض موته ﷺ وقد جاء ذلك في عدة أحاديث، منها حديث ابن عباس ﵄ قال: "خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر ... " فذكر الحديث في ....................................
стр. 109
الوصية بالأنصار، وقال في آخره: "فكان آخر مجلس جلس فيه النبي ﷺ " رواه البخاري، وفي رواية قال: "صعد النبي ﷺ المنبر وكان آخر مجلس جلسه ... " فذكر الحديث في الوصية بالأنصار.
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "مرَّ أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم ... " فذكر الحديث في الوصية بالأنصار، رواه البخاري.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو عاصب رأسه قال: فاتبعته حتى صعد على المنبر فقال: «إن عبدًا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة» فذكر الحديث في بكاء أبي بكر لما سمع هذا من النبي ﷺ وقال في آخره ثم هبط رسول الله ﷺ عن المنبر فما رؤي عليه حتى الساعة" رواه الإمام أحمد والدارمي.
وفي هذا الأحاديث أبلغ رد على قول الفتان أن آخر مرة خاطب فيها الرسول ﷺ أمته حيث قال في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
وأما قوله: ونحن نعرف أن ربا الجاهلية باتفاق العلماء هو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الآيات التي نزلت في تحريم الربا والوعيد الشديد على أكله ليس فيها تخصيص لربا الجاهلية دون غيره من ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، بل الآيات عامة لجميع أنواع الربا، وقد جاء بيان ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكرها فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الفتان الذي حاول حصر الربا المحرم في ربا الجاهلية وزعم أنه الربا الذي لا شك فيه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد تقوَّل على العلماء حيث زعم أنهم اتفقوا على
стр. 110
أن الربا الذي نزل فيه القرآن هو ربا الجاهلية، وهذا الاتفاق المزعوم لا وجود له في شيء من كتب التفسير المشهورة، فلم يذكره ابن جرير ولا ابن أبي حاتم ولا البغوي ولا غيرهم من أكابر المفسرين، وهو مردود بما ذكره البغوي وابن الجوزي والرازي في سبب نزول قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن الجوزي: "في نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف فلما وضع الله الربا طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم فنزلت هذه الآية والتي بعدها، هذا قول ابن عباس، والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان والعباس كانا قد أسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال صاحب التمر إن أخذتما ما لكما لم يبق لي ولعيالي ما يكفي فهل لكما أن تأخذا النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك النبي ﷺ فنهاهما فنزلت هذه الآية، هذا قول عطاء وعكرمة، والثالث: أنها نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية وكان يسلفان في الربا فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فنزلت هذه الآية فقال النبي ﷺ : «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس» هذا قول السدي، قال ابن عباس وعكرمة والضحاك إنما قال: ﴿ما بقي من الربا﴾؛ لأن كل ربا كان قد ترك فلم يبق إلا ربا ثقيف، وقال قوم: الآية محمولة على من أربى قبل إسلامه وقبض بعضه في كفره ثم أسلم فيجب عليه أن يترك ما بقي ويعفى له عما مضى، فأما المراباة بعد الإسلام فمردودة فيما قبض ويسقط ما بقي". انتهى كلام ابن الجوزي، وقد ذكر البغوي والرازي نحو ما ذكره ابن الجوزي في سبب نزول الآية، وفيما ذكروه من الاختلاف في سبب نزول الآية أبلغ رد على ما في كلام الفتان من التقول على العلماء حيث زعم أنهم اتفقوا على أن الربا الذي نزل فيه القرآن هو ربا الجاهلية وهم لم يتفقوا على ذلك.
الوجه الثالث: أن يقال: على سبيل الفرض والتقدير لو وقع الاتفاق على أن ربا الجاهلية هو الربا الذي نزل فيه القرآن فإن التحريم لا يختص به، بل يكون عاما له ولغيره من أنواع الربا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وألفاظ الآيات الواردة في تحريم الربا والتشديد فيه كلها على العموم فيدخل في عمومها ربا أهل الجاهلية وربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، وقد بين ذلك النبي ﷺ بيانا شافيا قاطعا للشبه التي يتعلق بها الفتان وأشياعه من المبطلين، وقد قال ..............................