← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((مَعْرِفَةُ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أجَلِّ عُلُومِهِ وأدَقِّها وأشرَفِها، وإنَّما يَتَضَلَّعُ (١) بذلكَ أهلُ الحِفْظِ، والخِبْرَةِ، والفَهْمِ الثَّاقِبِ)) (٢). (وَسَمِّ) أنتَ (ما) هوَ مِنَ الحديثِ (بِعِلَّةٍ) خَفِيَّةٍ مِنْ عِلَلِهِ الآتيةِ، في سندٍ، أو متنٍ (مَشْمُولُ مُعَلَّلاً)، كما عَبَّرَ بهِ ابنُ الصَّلاحِ (٣). (ولاَ تَقُلْ) فيهِ: هُوَ (مَعْلُولُ) وإنْ وَقَعَ في كلامِ كثيرٍ مِنْ أهلِ الحديثِ (٤)، والأصولِ، والكلامِ، والعَرُوْضِ؛ لأنَّهُ مِنْ ((عَلَّهُ الشَّرَابُ))، إذا سقاهُ (٥) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، لا مِمَّا نَحنُ فيهِ، وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((إنَّهُ مرذُوْلٌ عِنْدَ أهلِ العربيةِ، واللُّغَةِ)) (٦)، والنَّوَوِيُّ: ((إنَّهُ لَحْنٌ)) (٧). قَالَ النَّاظِمُ (٨): ((والأجودُ الْمُعَلُّ (٩) كما هوَ في عبارةِ بعضِهِمْ، وأكثرُ عِباراتِهِم في الفِعْلِ: أعَلَّهُ فلانٌ بِكَذا، وقياسُهُ: مُعَلٌّ، وهوَ المعروفُ لغةً قالَ الْجَوْهَريُّ (١٠): لا أَعَلَّكَ اللهُ أي: لا أصابَكَ بِعِلَّةٍ)). انتهى. وقولُهُ: والأجودُ ((الْمُعلُّ)) أي: أجودُ مِنَ المعلُولِ، أو منهُ، ومِنَ المعلَّلِ تغليباً، وإلاَّ فالْمُعَلَّلُ لا جَوْدةَ فيهِ؛ فإنَّهُ لا يجوزُ أصلاً إلاَّ بتجوُّزٍ؛ لأَنَّهُ ليسَ مِنْ هَذَا البابِ، بلْ

стр. 247

مِنْ بابِ ((التَّعَلُّلِ)) (١)، الذي هُوَ التَّشاغلُ والتَّلَهِّي، ومنهُ: تعليلُ الصَّبِيِّ بالطَّعامِ كما ذَكَرَهُ هُوَ أيضاً (٢). أمَّا ((معلولٌ)) فموجودٌ، وبهِ عَبَّرَ شيخُنا (٣)، بلْ قالَ: إنَّهُ الأولى؛ لأنَّهُ وقَعَ في عباراتِ أهلِ الفَنِّ، مَعَ ثُبُوتِهِ في اللُّغَةِ - أي: ومَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لَمْ يَحْفَظْ - لَكِنَّ الأعرفَ: أنَّ فِعْلَهُ ثلاثيٌّ مزيدٌ، فالأجودُ: ((الْمُعَلُّ)) كما قالَهُ النَّاظِمُ، وإنْ كانَ المعلولُ أولى، لِمَا مَرَّ. (وهْيَ) أي: العِلَّةُ الخفِيَّةُ، (عِبارَةٌ عَنَ اسبابٍ) - بدرجِ الهمزةِ - جَمْعُ سَبَبٍ، وهوَ لغةً: ما يُتَوَصَّلُ بهِ إلى غيرِهِ (٤). واصْطِلاَحاً: ما يَلْزَمُ مِنْ وجودِهِ الوجودُ، ومِنْ عَدَمِهِ العدَمُ (٥). (طَرَتْ) - بحذفِ الهمزةِ تخفيفاً (٦) - أي: طَلَعَتْ، بمعنى: ظهَرَتْ للنَّاقِدِ (فيها) أي: الأسبابِ، (غُمُوضٌ وخَفَاءٌ)، العطفُ فيهِ عطفُ تفسيرٍ، (أثَّرَتْ) أي: قَدَحَتْ في قَبولِ الحديثِ. (تُدْرَكُ) أي (٧): الأسبابُ، أو العِلَّةُ بعدَ جَمْعِ طُرُقِ الحديثِ، والفحصِ عنها (بالخِلاَفِ والتَّفَرُّدِ) أي: بمخالفةِ راويهِ لغيرِهِ، مِمَّنْ هوَ أحفظُ وأضبطُ، أو أكثرُ عدداً، وبتَفَرُّدِهِ بهِ بأنْ لَمْ يُتابَعْ عليهِ، (مَعَ قرائِنَ تُضَمُّ) لِمَا ذُكِرَ. (يَهْتَدِيْ) بمجموعِ ذلكَ (جِهْبَذُها) (٨) بذالٍ معجمةٍ - أي: الحاذقُ في هذا

стр. 248

الفنِّ (إلى اطِّلاَعِهِ على تَصْوِيبِ إرسالٍ لِمَا قَدْ وُصِلا، أوْ) تصويبِ (وقْفِ ما يُرْفَعُ، أوْ) تصويبِ فَصْلِ (١) (مَتْنٍ)، ولوْ بَعْضاً (دَخَلْ) مُدْرَجاً (في) مَتْنِ (غَيْرِهِ، أوْ) إلى اطِّلاَعِهِ على (وَهْمِ واهِمٍ حَصَلْ) بغَيْرِ ما ذُكِرَ، كإبدالِ راوٍ ضَعيفٍ بثقةٍ. وقَدْ (ظَنَّ) الجِهْبَذُ قوَّةَ ما وَقَفَ عليهِ مِنْ ذلكَ، (فأمضَى) الحكمَ بما ظَنَّهُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الحديثِ؛ لأنَّ مَبْنَى ذلكَ على غَلَبةِ الظنِّ. (أوْ) تَرَدَّدَ بحيثُ (وَقَفْ) بإدغامِ فائهِ في فاءِ، (فَأَحْجَما) عَنِ الحكْمِ بقَبُولِ الحديثِ، وعدمِهِ احتياطاً. كُلُّ ذلكَ (مَعْ كَوْنِهِ) أي: الحديثُ الْمُعَلُّ، أو المتَوَقَّفُ فيهِ (ظَاهِرَهُ) قبلَ الوقوفِ (٢) على عِلَّتِهِ (أنْ سَلِمَا) أي: سلامتُهُ منها لِجَمْعِهِ شروطَ قَبولِهِ ظاهِراً. فقَوْلُهُ: ((ظاهِرَهُ)) منصوبٌ خبرُ ((كانَ))، و ((أنْ سَلِمَا)) فاعِلُهُ (٣)، أو مرفوعٌ (٤) مبتدأٌ، و ((أنْ سَلِمَا)) خبرُهُ، والجملةُ خبرُ ((كانَ)) (٥). وَعُلِمَ مِنْ تَعْريفِ العِلَّةِ بما ذكرَ أنَّ الْمُعَلَّ: حديثٌ فيهِ أسبابٌ خفِيَّةٌ، طَرَأَتْ عليهِ فأثَّرَتْ فيهِ (٦). قالَ شيخُنا (٧): ((وأحسنُ منهُ أنْ يُقَالَ: هوَ حديثٌ ظاهرُهُ السلامةُ اطُّلِعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ على قادحٍ)).

стр. 249

ومثالُهُ: حديثُ ابنِ جُريجٍ في التِّرمذيِّ (١)، وغيرِهِ (٢): عَنْ موسى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُريرةَ مرفوعاً: ((مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً، فَكَثُرَ فيهِ لَغَطُهُ (٣)، فقالَ قبلَ أنْ يقومَ: سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ ... الحديثَ)) (٤). فإنَّ موسى بنَ إسماعيلَ المِنْقَرِيَّ (٥)، رواهُ عنْ وُهَيْبِ (٦) بنِ خالدٍ الباهِليِّ، عَنْ سُهَيْلٍ المذكورِ، عَنْ عَوْنِ بنِ عبدِ اللهِ. وبهذا أعلَّهُ البخاريُّ، فقالَ: هوَ مرْوِيٌّ عَنْ موسَى بنِ إسماعيلَ، وأمَّا موسَى بنُ عُقْبَةَ فلا نَعْرِفُ لهُ سماعاً مِنْ سُهَيْلٍ (٧). ١٩٩ - وَهْيَ (٨) تَجِيءُ غَالِباً في السَّنَدِ ... تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَدِ ٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ ... (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا ٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بْنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا ... (عَمْراً) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا ٢٠٢ - وَعِلَّةِ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ ... إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ ٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَساً يَقُوْلُ: (لا ... أحْفَظُ شَيْئاً فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ (٩)

стр. 250

(وهْيَ) أي: العِلَّةُ الخفِيَّةُ القادِحَةُ، (تَجيءُ غالِباً في السَّنَدِ) أي: وقليلاً في المتنِ، فالتي في السَّنَدِ (يَقْدَحُ في) قَبولِ (المتنِ، بقَطْعِ مُسْنَدِ) مُتَّصِلٍ، (أَوْ وَقْفِ مَرْفُوعٍ)، أوْ غيرِ ذلكَ مِنْ مَوانِعِ القَبولِ، وذلكَ حيثُ لَمْ يَتَعَدَّدِ السَّنَدُ، أوْ لَمْ يَقْوَ الاتِّصَالُ، أو الرَّفْعُ -مثَلاً- على القَطْعِ، أو الوقْفِ. (وقَدْ لا تَقْدَحُ) فيهِ، بأنْ يتَعَدَّدَ السَّنَدُ، أو يَقْوى الاتِّصالُ، أوْ نحوَهُ، أو يَقَعَ الاختلافُ في تعيينِ واحِدٍ مِنْ ثِقَتَيْنِ، (ك) حديثِ: (البَيِّعَانِ بالخِيَارِ) (١) المرْوِيِّ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ المدَنِيِّ، عَنْ مولاَهُ ابنِ عُمَرَ. فَقَدْ (صَرَّحُوا) أي: النُّقَّادُ (بوَهْمِ) راويهِ (يَعْلَى بنِ عُبَيْدٍ) الطَّنافِسِيِّ (٢)، إذْ (أَبْدَلاَ) - بأَلِفِ الإطلاقِ - (عَمْراً) هوَ ابنُ دينارٍ المكيُّ (بـ: عبدِ اللهِ) ابنِ دينارٍ، الذي هوَ الصَّوابُ. فالباءُ داخلةٌ عَلَى المتروكِ (٣) تشبيهاً لِلإبدالِ بالتَّبَدُّلِ، وإلاَّ فهوَ خلافُ مَا عليهِ أَئمَّةُ اللُّغةِ مِنْ أنَّها إنَّما تدخُلُ عَلَى المأخوذِ في الإبدالِ، كالتَّبديلِ، وعلى المتروكِ في الاستبدالِ و (٤) التَّبَدُّلِ، إنْ لَمْ يذكرْ مَعَ المتروكِ، والمأخوذِ غَيْرِهِما في الأربعةِ (٥). وقدْ حَرَّرَ ذلكَ شيخُنا، شيخُ الإسلامِ، الشمسُ (٦) القَايَاتيُّ (٧)، أتَمَّ تَحْريرٍ في شرحِهِ (٨) لِخُطْبَةِ " مِنْهَاج النَّوَويِّ " (٩)، وبذلكَ انْدَفَعَ ما قيلَ: إنَّ الباءَ في الإبدالِ، إنَّما تدخُلُ على المتروكِ.

стр. 251

(حِيْنَ نَقَلاَ) -بأَلِفِ الإطلاقِ- أي: روَى يَعْلَى ذلكَ، عَنْ سُفيانَ الثَّوريِّ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، وشَذَّ بذلكَ عَنْ سائِرِ أصحابِ الثَّوريِّ (١)، فَكُلُّهُمْ قالُوا: ((عَبدَ اللهِ))، بَلْ تُوبِعَ الثَّوريُّ (٢) فرَوَاهُ كثيرونَ عَنْ عبدِ اللهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وكلاهُما - أي: عَمْرٌو، وعبدُ اللهِ - ثِقَةٌ)) (٣) أي: فلهذا لَمْ يَقْدَحِ الخِلاَفُ فيهما في المتنِ. (وَعِلَّةِ المتْنِ) القادحةِ فيهِ، (كـ) حديثِ (نَفْي) قراءةِ (البسْمَلَهْ) فِي الصلاَةِ، المرويِّ عَنْ أنسٍ، (إذْ ظَنَّ راوٍ) مِنْ رُواتِهِ حِيْنَ سَمِعَ قَوْلَ أنسٍ - رَضِيَ اللهُ تعَالَى عنهُ -: ((صَلَّيْتُ خَلْفَ رسولِ اللهِ (٤) ﷺ وأبي بَكْرٍ، وعُثْمانَ ﵃ فكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ: ((الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ)) (٥)، (نَفْيَها) أي: البسمَلَةَ بذلكَ. (فَنَقَلَهْ) مُصَرِّحاً بما ظَنَّهُ، فقالَ عَقِبَ ذلكَ: ((فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ (٦) القراءَ ةَ، بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)) (٧). وَفِي روايةٍ: ((لاَ يَذْكُرُوْنَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، في أوَّلِ قِرَاءةٍ، ولاَ في آخِرِهَا)) (٨). فصارَ بذلكَ حديثاً مرفوعاً، والراوي لهُ مخطِئٌ في ظَنِّهِ.

стр. 252

ومِنْ ثَمَّ قالَ الشافِعِيُّ وأصحابُهُ: المعنى أنَّهُم يَبْدَؤُونَ بقراءَ ةِ أُمِّ القرآنِ قَبْلَ ما يُقْرَأُ بَعْدَها، لاَ أنَّهُمْ يَتْرُكُونَ البَسْمَلَةَ (١). (و) قَدْ (صَحَّ)، كما صَرَّحَ بهِ الدارَقُطْنيُّ (٢)، وغيرُهُ (٣)، ما (٤) يتَأَيَّدُ بهِ القَولُ بخطإِ النَّافِي، (أنَّ أَنَساً) ﵁ (يَقولُ: ((لاَ أَحْفَظُ شَيئاً فيهِ)) حِيْنَ سُئِلا) -بأَلِفِ الإطلاقِ-. أيْ: حِيْنَ (٥) سَأَلَهُ أبو مَسْلَمَةَ (٦) سعيدُ بنُ يزيدَ، أكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بـ: الحمدُ للهِ، أو بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ (٧)؟ لَكِنْ قَدْ رَوَى الحديثَ عَنْ أنسٍ جماعةٌ، منهمْ: حُمَيْدٌ، وقَتَادَةُ، والْمُعَلُّ إنَّما هُوَ رِوايةُ حُمَيْدٍ، إذْ رَفْعُهَا وَهَمٌ مِنَ الوَليدِ بنِ مسلمٍ (٨)، عَنْ مالكٍ عنهُ، فإنَّ سائِرَ الرواةِ عَنْ مالكٍ، لَمْ يَذكُرُوا فيها: ((خَلْفَ النَّبيِّ ﷺ )) فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ إلاَّ الوقْفُ. وأمَّا روايةُ قَتَادَةَ، فَلَمْ يَتَّفِقْ أصحابُهُ عنهُ على ذِكْرِ النَّفْيِ المذكورِ، بلْ أكثرُهُم لَمْ يَذْكُروهُ، وجماعةٌ منهمْ ذَكَرُوهُ بلفظِ: ((فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)). وجماعةٌ بلفظِ: ((فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءَ ةَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)). وَجماعَةٌ بلَفْظِ: ((فَلَمْ أَسْمَعْ أحداً (٩) منهُمْ يَقرأُ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)). والجمعُ بينَ هذِهِ الرواياتِ - كَمَا قالَ شيخُنا (١٠) - ممكِنٌ، بِحَمْلِ نَفْيِ القرَاءَ ةِ

стр. 253

على نَفْيِ السماعِ، ونَفْيِ السماعِ على نَفْيِ الْجَهْرِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رواهُ ابنُ خزيمةَ (١)، عَنْ أنسٍ: ((أنَّهُمْ كانُوا يُسِرُّونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ))، وإنْ كانَ في سنَدِهِ ضَعِيْفٌ (٢). وبهذا الجمْعِ سَقَطَتْ دَعْوَى: أنَّ هذا اضطرابٌ، لا تقومُ مَعَهُ حُجَّةٌ (٣)؛ لأنَّ شَرْطَ هَذَا الاضطرابِ عَدَمُ إمكانِ الجمعِ، وتَسَاوِي الطُّرُقِ قُوَّةً وضَعْفاً، وهذا ليسَ كذلكَ؛ لأَنَّهُ قَدْ أمْكَنَ الجمْعُ، ولَمْ تتَسَاوَ الطُّرُقُ، فإنَّ روايةَ: ((يَفْتَتِحُوْنَ بـ: الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِيْنَ)) (٤) أصحُّ. ثُمَّ روايةُ: ((فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، ثُمَّ روايةُ: لا يَذْكرونَ بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أوَّلِ قِراءَ ةٍ، ولاَ في آخِرِها)). وأمَّا روايةُ: ((فكانُوا يَجْهَرُونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ))؛ فضعيفَةٌ (٥). ٢٠٤ - وَكَثُرَ التَّعْلِيْلُ (٦) بِالإرْسَالِ ... لِلوَصْلِ (٧) إنْ يَقْوَ عَلَى اتِّصَالِ (٨)

стр. 254

٢٠٥ - وَقَدْ يُعِلُّوْنَ بِكُلِّ قَدْحِ ... فِسْقٍ، وَغَفْلَةٍ، وَنَوْعِ جَرْحِ (١) ٢٠٦ - وَمِنْهُمُ مَنْ يُطْلِقُ اسْمَ العِلَّةِ ... لِغَيْرِ (٢) قادحٍ كَوَصْلِ ثِقَةِ ٢٠٧ - يَقُوْلُ: مَعْلُوْلٌ صَحِيْحٌ كَالذّيْ ... يَقُوْلُ: صَحَّ مَعْ شُذُوْذٍ احْتُذِيْ ٢٠٨ - وَالنَّسْخَ سَمَّى (التِّرْمِذِيُّ) عِلَّهْ ... فَإنْ يُرِدْ في عَمَلٍ فَاجْنَحْ لَهْ وَلَمَّا قَدَّمَ أنَّ العِلَّةَ تكونُ خَفِيَّةً، بَيَّنَ أنَّها تكونُ أيضاً ظاهِرَةً، فقالَ: (وَكَثُرَ) مِنَ المحدِّثينَ (التَّعْلِيلُ) الأوجهُ لِمَا مَرَّ: الإعلالُ (٣) (بالإرسالِ) الظاهِرِ (لِلْوَصْلِ)، وبالوقفِ للرَّفْعِ، بمعنَى: أنَّهُ كَثُرَ إعلالُ الموصولِ بالإرسالِ والمرفوعِ بالوَقْفِ، (إنْ يَقْوَ) الإرسالُ أو الوقفُ بكونِ راويهِ أضبطَ، أو أكثرَ (٤) عدداً (عَلَى اتِّصَالِ)، أو رَفْعٍ. (وَقَدْ يُعِلُّونَ) الحديثَ (بِكُلِّ قَدْحِ) ظاهِرٍ مِنْ (فِسْقٍ) في راويهِ، (وَغَفْلَةٍ) منهُ، (وَنَوْعِ جَرْحِ) فيهِ، كَسُوءِ حِفْظٍ (٥). (ومِنْهُمُ) - بالضَّمِّ - (مَنْ يُطْلِقُ اسمَ العِلَّةِ) توَسُّعاً، وهو أبو يَعْلَى الخليليُّ (لِغَيْرِ) أي: على غَيْرِ (قَادِحٍ، كَوَصْلِ ثِقَةِ) ضابطٍ أرسَلَهُ مَنْ لَمْ يَفْقَهْ، ولاَ مُرجّحٍ، حيثُ (يقولُ) في "إرشادِهِ": الحديثُ أقسامٌ (مَعْلُولٌ صحيحٌ)، وصحيحٌ متَّفقٌ عليهِ، وصحيحٌ مختلفٌ فيهِ (٦). وَمثَّلَ (٧) للأوَّلِ بحديثِ مالكٍ في " الموطّإِ "، أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ أبا هُريرَةَ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((لِلْمَمْلُوْكِ طَعَامُهُ وكِسْوَتُهُ)) (٨) حيثُ وَصَلَهُ مالكٌ في غيرِ " الموطإِ " بمُحَمَّدِ بنِ عَجْلانَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيرَةَ، قالَ.

стр. 255

فقدْ صارَ الحديثُ بِتَبَيُّنِ الإسنادِ صَحِيْحاً، يُعْتَمَدُ عليهِ (١). وما قالَهُ في هذا، هو (كالذي يَقُولُ) فيهِ هوَ (٢) -كالحاكِمِ- (٣) (صَحَّ) أي: كالحديثِ الذي يُصَحِّحُهُ (مَعْ) بالإسكانِ (شُذُوذٍ) فيهِ، مُنَافٍ عندَ الجمهورِ للصِّحَّةِ، فقدِ (احْتُذِي) أي: اقْتُدِي في ذلكَ بهذا. فالشُّذوذُ عِنْدَ الخليليِّ، ومَنْ وافَقَهُ (٤) يَقْدَحُ في الاحتجاجِ، لا في التسميةِ. (والنَّسْخَ) مَفْعُولُ (سَمَّى التِّرمذيُّ عِلَّهْ) (٥) مِنْ عِلَلِ الحديثِ، وزادَ النَّاظِمُ: (فإنْ يُرِدْ) أي: التِّرمِذِيُّ أنَّهُ عِلَّةٌ (في عَمَلٍ) أي: في العَمَلِ بالمنسوخِ، (فاجْنَحْ) أي: مِلْ (لَهْ).

стр. 256

وإنْ يُرِدْ أنَّهُ عِلَّةٌ في صِحَّتِهِ، أو صِحَّةِ نَقْلِهِ، فلا؛ لأنَّ فِي كُتُبِ الصحيحِ أحاديثَ كثيرةً صحيحةً منسوخةً، وقدْ صَحَّحَ التِّرْمِذيُّ جُمْلَةً منهُ، فَمُرادُهُ: الأوَّلُ (١). الْمُضْطَرِبُ (٢) المضطربُ من الأحاديثِ، بكسر الراء، وَهُوَ نوعٌ مِنَ المعلَّلِ. ٢٠٩ - مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا ... مُخْتَلِفاً مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا ٢١٠ - في مَتْنٍ اوْ (٣) في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ ... فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ ٢١١ - بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا ... وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا ٢١٢ - كَالخَطِّ للسُّتْرَةِ جَمُّ الخُلْفِ ... والاضْطِرَابُ مُوْجِبٌ للضَّعْفِ (مُضْطرِبُ الحَدِيْثِ مَا قَدْ وَرَدا) حالةَ كونِهِ (مَخْتَلِفاً مِنْ) راوٍ (وَاحِدٍ) بأَنْ رَواهُ مرَّةً عَلَى وَجْهٍ، ومرَّةً عَلَى وَجهٍ آخرَ مُخالفٍ لَهُ (٤)، (فَأزْيَدَا) بأَنْ رَواهُ كُلٌّ من جماعةٍ عَلَى وجهٍ مخالفٍ للآخرِ، (فِي مَتْنٍ، اوْ فِي سَنَدٍ) - بدرجِ الهمزةِ (٥) -.

стр. 257

والاختلافُ فِي السَّنَدِ -وَهُوَ الغالبُ- يَكُونُ باختلافٍ فِي وصلٍ، وإرسالٍ، أَوْ فِي إثباتِ راوٍ وحذفِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والقضيةُ مانعةُ خلوٍّ (١)، فيكونُ ذَلِكَ فِي السَّنَدِ والمتنِ جميعاً (٢). هَذَا، (إنِ (٣) اتَّضَحْ فِيهِ تَسَاوِي الخُلْفِ) أي: الاختلافِ فِي الوجوهِ، بحيثُ لَمْ يرجَّحْ مِنْها شيءٌ، وَلَمْ يُمكنِ الجمعُ (٤). (أَمَّا إنْ رَجَحْ بَعْضُ الوُجُوهِ) أي: وَجْهينِ فأكثرَ عَلَى غَيْرِهِ، بأحفظيةٍ، أَو أكثريةٍ مُلازمةٍ للمرويِّ عَنْهُ، أَوْ غيرِهِما مِن وجوهِ التَّرجيحِ فَقُلْ: (لَمْ يَكُنْ) أي: الحَدِيْثُ (مُضْطَرِبا، والحُكْمُ للرَّاجحِ مِنْها) أي: مِنَ الوجوهِ (وَجَبَا) (٥). إِذْ لاَ أَثَرَ لِلمَرجوحِ، ولاَ اضْطِرابَ أَيْضاً إذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ، بحَيْثُ يمكنُ أَنْ يعبِّرَ المُتَكَلِّمُ بالألفاظِ، عَنْ معنىً واحدٍ، وإن لَمْ يَتَرجَّحْ شيءٌ (٦). ومضْطَرِبُ السَّنَدِ (كَ) (٧) حَدِيثِ (الخَطِّ) مِنَ المُصَلِّي (للسُّتْرَةِ)، المرويِّ بلفظِ: ((فَإذَا لَمْ يَجِدْ عَصا يَنْصِبُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَخُطَّ خَطّاً)). فإن إسنادَهُ (جَمُّ) -بالفتح والتشديد - أي: كَثِيْرُ - (الخُلْفِ) أي: الاختلافِ عَلَى راويهِ، وَهوَ إسماعيلُ بنُ أميَّةَ. فإنَّه (٨) رُوِيَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بنِ مُحَمَّدِ بنِ حُرَيْثٍ، عَنْ جدِّهِ حُرَيثٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٩).

стр. 258

ورُوِيَ عَنْهُ، عَنْ أبي عمرِو بنِ حُرَيثٍ، عَنْ أبيهِ (١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة (٢). وَرُوِيَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بنِ محمدٍ بنِ عَمْرِو بنِ حُريثٍ، عَنْ جَدِّهِ حُرَيثِ بنِ سُلَيْمٍ (٣)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٤). ورُوي عَنْهُ، عَنْ ابنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ورُوي عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حُريثٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ. ومِنْ ثَمَّ حَكَمَ غَيْرُ واحدٍ من الحفَّاظِ باضطرابِ سَنَدِهِ (٥)، لَكِنَّ بعضَهُم صَحَّحَهُ تَرْجيحاً للروايةِ الأولى (٦)، بَلْ قَالَ شَيْخُنا: ((هذِهِ كُلُّها قابلةٌ لترجيحِ

стр. 259

بَعْضِها عَلَى بعضٍ، والراجحةُ (١) مِنْها يُمكنُ التوفيقُ بينها)) (٢). قَالَ: ((والحقُّ أنَّ التمثيلَ لا يليقُ إلاَّ بحديثٍ لَولاَ الاضطرابُ لَمْ يضعَّفْ، وهذا الحَدِيْثُ لَيْسَ كَذلِكَ، فإنَّهُ ضَعِيْفٌ بدونِهِ؛ لأنَّ شيخَ إِسْمَاعِيْلَ مجهولٌ)) (٣). وأما مُضْطَرِبُ المَتْنِ، فكحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ، قَالتْ: ((سَألْتُ، أَوْ سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: إنَّ فِيْ الْمَالِ لَحَقاً سِوَى الزَّكَاةِ)). فرواهُ التِّرْمِذِيُّ (٤) هكذا. ورواهُ ابنُ ماجه عَنْهَا بلفظِ: ((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ)) (٥). لَكِنْ فِي سندِ (٦) التِّرْمِذِيِّ راوٍ ضَعِيْفٌ، فَلاَ يَصْلُحُ مِثالاً نظيرَ مَا مَرَّ، عَلَى أنَّه -أَيْضاً (٧) - يُمكنُ (٨) الجمعُ، بِحَمْلِ الحقِّ فِي الأولِ عَلَى الْمُستحَبِّ، وفِي الثَّانِي عَلَى الواجِبِ. (والاضْطِرَابُ) فِي سَندٍ، أَوْ مَتْنٍ (مُوْجِبٌ للضَّعْفِ)؛ لإشعارِهِ بِعَدَمِ ضبطِ راويهِ، أَوْ رواتِهِ (٩).

стр. 260

الْمُدْرَجُ (١) ويقعُ فِي المَتْنِ، وَفِي السَّنَدِ، كَمَا سَيأتي، ولكلٍّ مِنْهُمَا (٢) أقسامٌ، فمنَ الأوَّلِ: ٢١٣ - المُدْرَجُ: المُلْحَقُ آخِرَ الخَبَرْ ... مِنْ قَوْلِ راوٍ مَا، بلا فَصْلٍ ظَهَرْ ٢١٤ - نَحْوُ (إذَا قُلْتَ: التَّشَهُّدَ) وَصَلْ ... ذَاكَ (زُهَيْرٌ) وَ (ابنُ ثَوْبَانَ) فَصَلْ ٢١٥ - قُلْتُ (٣): وَمِنْهُ مُدْرَجٌ قَبْلُ قُلِبْ ... كـ (أسْبِغُوا الوُضُوْءَ وَيْلٌ لِلعَقِبْ) (المُدْرَجُ: المُلْحَقُ آخِرَ الخَبَرْ، مِنْ قَوْلِ راوٍ مَا) مِنْ رواتِهِ (٤)، صَحَابِيٍّ، أَوْ غيرِهِ، (بِلاَ فَصْلٍ ظَهَرْ) بَيْنَ الخبرِ، والملحَقِ بِهِ، يَعْزوهُ لِقائلِهِ، بحيثُ يتوهَّمُ أنَّهُ مِنَ الخَبرِ. وسَبَبُ الإدراجِ: إما تَفْسيرُ غَرِيْبٍ فِي الخبرِ: كخَبرِ النَّهي عَنْ الشِّغارِ (٥)، أَوْ

стр. 261

استنباطٌ (١) مِمّا فَهِمَهُ مِنْهُ أَحَدُ رواتِه، كَمَا فَهِمَ ابنُ مسعودٍ مِن خبرِهِ الآتي، أنَّ الخروجَ مِنَ الصَّلاةِ، كَمَا يَحْصلُ بالسلامِ، يحصلُ بالفراغِ من التشهُّدِ، فأدرجَ فِيهِ بَعْضُ رواتهِ: ((إنْ شِئْتَ أنْ تَقُوْمَ))، إلى آخرِه (٢). وكما فَهِمَ عَروةُ من خبرِهِ الآتي أنَّ سببَ نقضِ الوضوءِ مسُّ مظِنَّةِ الشَّهوةِ فأدرجَ فِيهِ بَعْضُ رواتِه ((الأُنثيينِ، والرُّفْغَ)) - بضمِّ الراءِ وفتحِها (٣) - أي: أصْلَ الفَخِذينِ؛ لأنَّ مَا قَاربَ الشيءَ، أُعْطِيَ حُكْمَهُ. أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ (نَحْوُ) قَوْلِ ابنِ مَسْعُودٍ فِي آخرِ خبرِ القاسمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ (٤) عَنْ عَلْقَمةَ بنِ قَيْسٍ، عَنْهُ فِي تَعْليمِ النَّبيِّ ﷺ لَهُ التشهدَ فِي الصلاةِ: (إذَا قُلْتَ) هَذَا (التَّشَهُّدَ)، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ، إِنْ شِئْتَ أنْ تَقُوْمَ فَقُمْ، وَإنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ)) (٥). فَقَدْ (وَصَلْ ذَاكَ) بالخبرِ (زُهَيْرٌ)، هُوَ ابنُ مُعاويةَ أَبُو خَيْثَمَةَ (و) عَبْدُ الرحمانِ بنُ ثابتٍ هُوَ (ابنُ ثَوْبَانَ فَصَلْ) ذاكَ عَنِ الخبرِ، بقولِهِ: ((قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ)) (٦)، بَلْ

стр. 262

رَواهُ شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ - وَهُوَ ثِقَةٌ - عَنْ زُهَيرٍ (١) نفسِهِ - أَيْضاً - كَذلِكَ (٢). ويُؤيدُهُ: اقتصارُ جماعاتٍ عَلَى الخبرِ، وتصريحُ جماعاتٍ بعدمِ رفعِ ذَلِكَ. بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ: ((اتَّفقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أنَّه مُدْرَجٌ)) (٣). انتهى. مَعَ أنَّهُ لَوْ صَحَّ وَصْلُهُ (٤) لكانَ مُعَارِضاً لِخبَرِ: ((تَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ)) (٥)، عَلَى أنَّ الخَطَّابِيَّ (٦) جمعَ بَيْنَهُمَا عَلَى تقديرِ وَصْلِهِ، بأنَّ قولَهُ: ((قَضيْتَ صَلاَتَكَ)) أي: مُعْظَمَها. (قُلْتُ: وَمِنْهُ) أي: مِنَ المُدرجِ مِنَ القِسمِ الأَوَّلِ: (مُدرجٌ قَبْلُ) أي: قَبْلَ آخرِ الخبرِ أي: فِي أَوَّلِهِ، أَوْ أثنائِهِ (٧) (قُلِبْ) بالنِّسبةِ للمُدْرجِ آخرُه، وَهُوَ تأكيدٌ لقَبْلُ، مَعَ إشارةٍ إلى أكثريةِ المُدرجِ آخر الخبرِ. (كَ) خَبرِ: (أسْبِغُواْ) أي: أَكْمِلُوا (٨) (الْوُضُوْءَ، وَيْلٌ لِلْعَقِبْ) (٩) مِنَ النارِ، وَفِي لَفْظٍ - وَهُوَ الأكثرُ - للأَعْقَابِ.

стр. 263

فَقَدْ رَواهُ شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ، وغيرُهُ (١)، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ برفعِ الجُملتينِ، مَعَ كونِ الأولى مِن كلامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا بيَّنهُ جُمْهُورُ الرُّواةِ، عَنْ شُعْبَةَ، واقْتَصَرَ بَعْضُهُم عَلَى الثانيةِ (٢). فَهُوَ مِثالٌ للمُدرجِ أَوَّل الخبرِ، وَهُوَ نادرٌ جِدّاً، حَتَّى قَالَ شَيْخُنا: ((إنَّهُ لَمْ يَجدْ غيرَهُ إلاَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ خبرِ بُسْرَةَ الآتي)) (٣). عَلَى أنَّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((أسْبِغُواْ الْوُضُوْءَ))، قَدْ ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٤) مَرْفُوْعاً، من خبرِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ. وبِذَلِكَ سَقَطَ مَا قِيلَ: إنَّ المُدْرَجَ فِي الأَوَّلِ أكثرُ مِنْهُ فِي الأثناءِ. وَمِثَالُ المُدْرَجِ (٥) فِي الأثناءِ - وَهُوَ قَليلٌ بالنِّسبةِ لِلْمُدرجِ فِي الآخِرِ، كثيرٌ بالنسبةِ للمُدرَجِ فِي الأَوَّلِ - خَبَرُ هِشامِ بنِ عُروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أبيهِ، عَنْ بُسْرَةَ بنتِ صَفْوَانَ، مَرْفُوْعاً: ((مَنْ مَسَّ ذكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ رُفْغَهُ (٦) فَلْيَتَوَضَّأ)). فَقَدْ رَواهُ عَبْدُ الحميدِ بنُ جَعْفرٍ (٧)، وغيرُهُ، عَنْ هِشامٍ كَذلِكَ، مَعَ أنَّ الأُنثيينِ والرُّفغَ، إنَّما هُوَ من قَوْلِ عُروةَ، كَمَا بيَّنهُ جماعاتٌ عَنْ هِشامٍ (٨)، واقتصرَ كَثِيْرٌ من أصحابِ هشامٍ عَلَى الخبرِ هَذَا.

стр. 264

وَقَدْ رَواهُ الطبرانيُّ فِي " الكَبيرِ " (١) من خبرِ مُحَمَّدِ بنِ دينارٍ، عَنْ هشامٍ بلفظِ: ((مَنْ مَسَّ رُفْغَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ ذَكَرَهُ)). فَهُوَ عَلَى هَذَا مثالٌ للْمُدْرَج فِي الأَوَّلِ، عَلَى مَا أفادَهُ كلامُ شيخِنا (٢). ٢١٦ - وَمِنْهُ جَمْعُ مَا أتَى كُلُّ طَرَفْ ... مِنْهُ بِإسْنَادٍ بِوَاحِدٍ سَلَفْ ٢١٧ - كـ (وَائِلٍ) في صِفَةِ الصَّلاَةِ قَدْ ... أُدْرِجَ (ثُمَّ جِئْتُهُمْ) وَمَا اتَّحَدْ ٢١٨ - وَمِنْهُ أنْ يُدْرَجَ بَعْضُ مُسْنَدِ (٣) ... في غَيْرِهِ مَعَ اخْتِلاَفِ السَّنَدِ ٢١٩ - نَحْوُ (وَلاَ تَنَافَسُوْا) في مَتْنِ (لاَ ... تَبَاغَضُوا) فَمُدْرَجٌ قَدْ نُقِلاَ ٢٢٠ - مِنْ (٤) مَتْنِ (لاَ تَجَسَّسوا) (٥) أدْرَجَهُ ... (إبْنُ أبي مَرْيَمَ) إذْ أخْرَجَهُ (ومِنْهُ) أي: مِنَ المُدْرَجِ مِنَ القِسْم الثَّانِي، وَهُوَ الأَوَّلُ مِن ثلاثةِ أقسامٍ، ذَكَرَهَا ابنُ الصَّلاحِ (٦): (جَمْعُ مَا) أي: خَبرٌ (أتَى كُلَّ طَرَف مِنْهُ) عَنْ راويهِ (بإسْنادٍ)، غَيْرِ إسنادِ الطَّرَفِ الآخرِ (بوَاحدٍ سَلَفْ) مِنَ الإسنادَينِ، مُتَعَلِّقٌ ب ((جَمْعُ)) و ((سَلَفْ)) تَكْمِلةٌ. (كَ) خَبرِ (وَائِلٍ)، هُوَ ابنُ حُجْرٍ (فِي صِفَةِ الصَّلاةِ) أي: صلاةِ النَّبيِّ ﷺ الَّذِي رَواهُ زائِدةُ (٧) وغيرُهُ (٨)، عَنْ عَاصمِ بنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْهُ.

стр. 265

فإنَّهُ (قَدْ أُدْرِجَ) مِن بَعْضِ رواتهِ فِي آخرهِ بهذا السَّنَدِ (١): (((ثُمَّ جِئْتُهُمْ) بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيْدٌ، فَرَأيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ، تَحَرَّكُ (٢) أيْدِيْهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ)). (وَمَا اتَّحَدْ) سَنَدُ (٣) الجُملتينِ، بَلِ الذي عِنْدَ (٤) عاصمٍ بهذا السَّنَدِ الجُملةُ الأولى فَقَطْ، وأما الثانيةُ فإنَّما رَواها عَنْ عَبْدِ الجبارِ بنِ وائلٍ، عَنْ بَعْضِ أهلِهِ، عَنْ وائلٍ هَكذا. فَصَلَهُما زُهَيْرُ بنُ معاويةَ (٥)، وغيرُه (٦)، ورجَّحَهُ مُوسى بنُ هارونَ الحَمَّالُ (٧) وقَضَى عَلَى الأَوَّلِ - وَهُوَ جمعُهما بسندٍ واحدٍ - بالوَهَمِ، وصوَّبهُ ابنُ الصَّلاحِ (٨). وَوَجْهُ كونِهِ مُدرجَ الإسنادِ أنَّ الرَّاوِيَ، لما رَوَى الجُملتينِ بسندِ إحداهما، كانَ كأنَّه أدْرجَ أَحَدَ السَّنَدينِ فِي الآخرِ، حَتَّى سَاغَ لَهُ أنْ يُركِّبَ عَلَيْهِ الجُملتينِ. (وَمِنْهُ): وَهُوَ ثاني الثلاثةِ (أَنْ يُدْرَجَ) مِنَ الراوي (بَعْضُ) خبرٍ (مُسْنَدِ فِي) خَبرِ (غَيْرِهِ مَعَ اخْتِلافِ السَّنَدِ) فِيْهِمَا. (نَحْوُ: ((ولاَ تَنَافَسُوا)) فِي مَتْنِ: ((لاَ تَباغَضُوا)) فَمُدْرجٌ) أي: فلفظُ: ((وَلاَ (٩) تَنَافَسُواْ)) مدرجٌ فِي مَتْنِ: ((لاَ تَبَاغَضُواْ))

стр. 266

المرويِّ عَنْ مَالِكٍ (١)، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنسٍ بلفظِ: ((لا تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا)). فإنَّه (قَدْ نُقِلاَ) - بألِفِ الإطْلاقِ - أي: نَقَلَهُ راويه ابنُ أَبِي مَرْيَمَ (٢) الآتي (مِنْ مَتْنِ: لاَ تَجَسَّسُوا) -بالجيم أَو بالحاء- المرويِّ عَنْ مَالِكٍ (٣) أَيْضاً، لَكِنْ عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعرجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظِ: ((إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيْثِ، وَلاَ تَجَسَّسُواْ، وَلاَ تَحَسَّسُواْ (٤)، وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوْا)). ثُمَّ (أَدْرَجَهُ) أي: ((وَلاَتَنَافَسُواْ)) فِي السَّنَدِ الأَوَّلِ (إبنُ أَبِي مَرْيَمَ) الحافظُ أَبُو مُحَمَّدٍ سعيدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَكَمِ (٥) الجُمَحيُّ (٦) شَيْخُ البُخَارِيِّ (إِذْ أخرَجَهُ) أي: حِيْنَ رَواهُ عَنْ مَالِكٍ. فصيَّرهُما بإسنادٍ واحدٍ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْهُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْخَطيبُ (٧)، وصرَّحَ هُوَ وغيرُهُ، بأنَّهُ خَالفَ بِذَلِكَ جَميعَ الرُّواةِ عَنْ مَالِكٍ. ٢٢١ - وَمِنْهُ مَتْنٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَرَدْ ... وَبَعْضُهُمْ خَالَفَ بَعْضاً في السَّنَدْ

стр. 267

٢٢٢ - فَيَجْمَعُ الكُلَّ بإسْنَادٍ ذَكَرْ ... كَمَتْنِ (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ) الخَبَرْ ٢٢٣ - فَإنَّ (عَمْراً) (١) عِنْدَ (وَاصِلٍ) فَقَطْ ... بَيْنَ (شَقيْقٍ) وَ (ابْنِ مَسْعُوْدٍ) سَقَطْ ٢٢٤ - وَزَادَ (٢) (الاعْمَشُ) (٣) كَذَا (مَنْصُوْرُ) ... وَعَمْدُ (٤) الادْرَاجِ لَهَا مَحْظُوْرُ (وَمِنْهُ) (٥)، وَهُوَ ثالثُ الثلاثةِ (مَتْنٌ) أي خَبرٌ (عَنْ جَمَاعَةٍ) من الرُّواةِ (وَرَدْ، وَبَعْضُهُم) قَدْ (خَالَفَ بَعْضاً) بزيادةٍ أَوْ نقصٍ (فِي السَّنَدْ؛ فَيَجْمَعُ) بَعْضُ من رَوَى عَنْهُمْ (الكُلَّ) أي: كُلَّ الجماعةِ (بإسنادٍ) واحدٍ (ذَكَرْ) أي: مذكورٌ، ويُدْرِجُ روايةَ مَنْ خالفَهُم مَعَهُمْ عَلَى الاتِّفاقِ. (كَمَتْنِ) أي: خَبَرِ ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟). قَالَ: أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّاً)) (٦)، (الخَبرْ، فإنّ عَمْراً)، وَهُوَ ابنُ شُرَحْبِيْلَ (عِنْدَ وَاصِلٍ) هُوَ ابنُ حَيَّانَ (٧) الأسدِيُّ (فَقَطْ بَيْنَ) شَيْخِهِ (شَقيقٍ) أَبِي وائلِ بنِ سَلَمَةَ، (وابنِ مَسْعُودٍ سَقَطْ)، فَرَواهُ عَنْ شَقيْقٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، وأسقطَ عَمْراً مِنْ بَيْنِهِما.

стр. 268

(وَزَادَ) هُ (١) (الاعمَشُ) - بدرج الهمزةِ - (كَذَا مَنْصُورُ) بنُ المُعْتَمِرِ. فَرَوَياهُ عَنْ شقيقٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ (٢). فلمَّا رَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْهُمَا، وَعَن واصلٍ صارَتْ روايةُ واصلٍ هذِهِ مدرجةً عَلَى روايتهما. وَقَد فصَلَ أحدَ الإسنادينِ عَنِ الآخرِ يَحْيَى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ (٣). لَكِنْ رُوِيَ عَنْ واصلٍ أَيْضاً أنَّه أثبتَ عَمْراً، كالأعمشِ، ومنصورٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعمشِ: أنَّه أسقطَهُ (٤). (وَعَمْدُ) أي: تَعَمُّدُ (الادراجِ) -بِدرجِ الهَمْزةِ- (لَهَا) بمعنى فِيْهَا أي: فِي أقْسَامِ الْمُدرجِ بِقِسْمَيْهِ (مَحْظُورُ) أي: ممنوعٌ (٥) لِتَضَمُّنِهِ عَزْوَ القَوْلِ لغيرِ قائلِهِ. نَعَمْ، مَا أُدْرِجَ لتفسيرِ غَرِيْبٍ، فمسامحٌ فِيهِ، ولهذا فعلَهُ الزُّهْرِيُّ، وغيرُه من الأئمَّةِ.

стр. 269

الْمَوْضُوْعُ (١) من ((وَضَعَ الشَّيْءَ)) أي: حَطَّهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لانحطاطِ رُتبتِهِ دائماً بحيث لا ينجبرُ أصلاً. ٢٢٥ - شَرُّ الضَّعِيْفِ: الخَبَرُ الموضُوْعُ ... الكَذِبُ، المُختَلَقُ، المَصْنُوْعُ ٢٢٦ - وَكَيْفَ كَانَ لَمْ يُجِيْزُوا ذِكْرَهُ ... لِمَنْ عَلِمْ، مَا لَمْ يُبَيِّنْ (٢) أمْرَهُ ٢٢٧ - وَأكْثَرَ الجَامِعُ فِيْهِ إذْ خَرَجْ ... لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ، عَنَى (٣): أبَا الفَرَجْ ٢٢٨ - وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ ... أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا ٢٢٩ - قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ ... مِنْهُمْ، رُكُوْناً لَهُمُ ونُقِلَتْ ٢٣٠ - فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا ... فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا

стр. 270

(شرُّ) أنواعِ (الضعيفِ) من مرسلٍ، ومنقطعٍ، وغيرِهما (الخبرُ الموضوعُ) أي: المحطوطُ، (الكذبُ) أي: المكذوبُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، (المختلَقُ) - بفتح اللام - أي: الذي لا يُنسبُ إِليهِ أصلاً، (المصنوعُ) من واضعِهِ. وجيء فِي تعريفه بهذهِ الألفاظِ الثلاثةِ المتقاربةِ، للتأكيدِ فِي التَّنفيرِ مِنْهُ، والأوَّلُ مِنْها مِن زيادتِهِ (١). وأوردَ المَوْضُوْعَ فِي أنواعِ الحَدِيْثِ (٢)، مَعَ أنَّه لَيْسَ بحديثٍ؛ نظراً إلى زَعْمِ واضعِهِ، ولتُعْرَفَ طرقُهُ التي يُتوصَّلُ بها لمعرفتِهِ لينفى عَنْ القَبولِ. (وَكَيْفَ كَانَ) الموضوعُ أي: فِي أيِّ مَعْنًى كَانَ مِن حُكْمٍ، أَوْ قِصَّةٍ، أَوْ ترغيبٍ، أَوْ ترهيبٍ، أَوْ غيرِها (لَمْ يُجيزوا) أي: العُلَمَاءُ (ذِكْرَهُ) بروايةٍ أَوْ غَيْرِها، كاحتجاجٍ أَوْ ترغيبٍ (٣) (لمَنْ عَلِم) -بإدغامِ ميمِهِ فِي ميمِ مَا الآتية- أنَّه مَوْضُوْعٌ؛ لخبرِ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّيْ بِحَدِيثٍ يُرَى- أي: يَظُنُّ - أنَّه كَذِبٌ، فَهُوَ أحَدُ الْكَاذبِيْنَ)) (٤) بالتثنيةِ والجمعِ (٥) (مَا لَمْ يُبَيِّنْ) ذاكرهُ (أمرَهُ) فإن بيَّنَهُ كأنْ قَالَ: ((هَذَا كَذِبٌ، أو بَاطلٌ)) جَاز ذِكْرُهُ. (وَ) لَقَدْ (أَكْثَرَ الجامِعُ فِيهِ) مصنَّفاً نَحْو مجلَّدين (إذْ خَرَجْ) عَنْ مَوْضُوْعِ مصنَّفِهِ (لِمُطْلقِ الضَّعْفِ)، حَيْثُ أودعَ فِيهِ كثيراً من الأحاديثِ (٦) الضعيفةِ التي لا دليلَ عَلَى وَضْعها (٧)، بَلْ ربَّما أودَعَ فِيهِ الحَسَنَ والصَّحيحَ.

стр. 271

و (عَنَى) أي: ابنُ الصَّلاحِ (١) بالجامعِ المذكورِ (أبَا الفَرَجْ) ابنَ الْجَوْزِيِّ، والْمُوقِعُ لَهُ فِي ذَلِكَ، استنادُهُ غَالِباً لِضَعْفِ (٢) راوِي الحَدِيْثِ الذي رُمِيَ بالكذبِ - مثلاً - غافلاً عَنْ مجيئِهِ من وجهٍ آخرَ. (وَالوَاضِعُوْنَ لِلْحديثِ)، وهم كثيرونَ مَعْروفونَ فِي كُتُبِ الضُّعَفاءِ، ك" الميزانِ " للذَّهَبِيِّ (٣)، و" لِسانهِ " لشيخِنا (٤)، (أضْرُبُ): فَضَرْبٌ: يَفْعَلونَهُ استِخْفَافاً بالدِّين، ليُضِلُّواْ بِهِ النَّاسَ، كالزَّنادقةِ (٥)، وهم: الَّذِيْنَ (٦) يُبْطِنُوْنَ الكُفْرَ ويُظْهِرُوْنَ الإِسْلاَمَ، أَوْ الذين لاَ يَتَدَيَّنُوْنَ بِدِيْنٍ. وَضَرْبٌ: يَفْعَلُونَهُ انتِصَاراً، وتعصباً لمذاهبهِم كالخَطَّابيَّةِ (٧): فرقةٌ تُنسبُ لأبي الخطَّابِ الأسديِّ، كَانَ يَقُولُ بالحلولِ. وكالسَّالِمِيَّةِ (٨): فرقةٌ تنسبُ للحسنِ بنِ مُحَمَّدِ بن أَحْمَدَ بنِ سالمٍ السالميِّ (٩).

стр. 272

وضربٌ: يتقرَّبونَ لِبعضِ الخُلفاءِ، والأمراءِ بوضعِ مَا يُوافقُ أفعالَهُم، وآراءهُم، ليكونَ كالعذرِ لهم فِيْمَا أتوا بِهِ (١)، كغياثِ بنِ إِبْرَاهِيمَ، حَيْثُ وضعَ للمهديِّ فِي حَدِيثِ: ((لاَ سَبَقَ (٢) إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ))، فزاد فِيهِ: ((أَوْ جناح))، وَكَانَ المهديُّ إِذْ ذاك يَلْعَبُ بالحَمَامِ، فتركها بَعْدَ ذَلِكَ وأمرَ بذبحِها، وَقَالَ: أنا حَمَلْتُهُ عَلَى ذَلِكَ (٣). وضَرْبٌ: يفعلونَهُ لذمِّ مَنْ يُريدونَ ذمَّهُ. وضَرْبٌ: يفعلونَهُ للاكتسابِ والارتزاقِ (٤). وضَرْبٌ: امتُحِنُوا بأولادِهم، أَوْ ورَّاقينَ فوضَعوا لهم أحاديثَ، ودسُّوها عَلَيْهِمْ، فحدَّثوا بها من غَيْرِ أنْ يَشْعرُوا (٥). وضَرْبٌ: يَلْجَؤْونَ إلى إقامةِ دليلٍ عَلَى مَا أَفتوا فِيهِ بآرائِهم (٦). وضَرْبٌ: يَتديَّنونَ بِهِ (٧) لِتَرغيبِ النّاسِ فِي أفْعالِ الخيرِ بِزَعْمِهِم، وَهُم مَنْسوبونَ (٨) للزُّهْدِ. وَكُلٌّ مِن هَؤُلاَءِ حَصلَ لَهُ، وبِهِ الضَّررُ.

стр. 273

و (أَضَرُّهُم قَوْمٌ لِزُهدٍ) وصلاحٍ (نُسِبُوا، قَدْ وَضَعُوْهَا) أي: الأحاديثَ فِي الفَضَائلِ والرغائبِ (حِسْبةً) أي: لِيَحْتَسِبوا (١) بها عِنْدَ اللهِ، بِزَعْمِهِم الباطِلَ، وجَهْلِهِم. وإنما كَانُوا أضرَّ؛ لأنَّهم يَرونَ ذَلِكَ قُرْبَةً، فَلا يتركونَهُ (٢). (فَقُبِلَتْ) مَوْضُوْعاتُهم (مِنْهُمْ رُكُوناً لَهُمُ) - بضم الميم - أي: ميلاً إليهم، ووثوقاً بِهم، لِما نُسِبوا لَهُ مِنَ الزُّهدِ والصلاحِ. (٣) (وَنُقِلَتْ) عَنْهُمْ عَلَى لسانِ مَن اتَّصَفَ بالخيرِ، والتَّقوى، وحُسنِ الظنِّ، وسَلامةِ الصَّدرِ، بحيثُ يَحْمِلُ كلَّ مَا سَمِعَهُ عَلَى الصِّدْقِ، ولاَ يهتدي لتمييزِ الخطإِ مِنَ الصَّوابِ. (فقيَّضَ اللهُ لها) أي: لموضوعاتِهِم (نُقَّادَها) جمعُ ناقدٍ من ((نَقَدْتُ الدَّرَاهِمَ))، إذَا استخرجتُ مِنْها الزَّيْفَ (٤). وَهُمْ مَنْ خَصَّهم اللهُ بقوَّةِ البصيرةِ فِي علمِ الحَدِيْثِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ حالُ الكذَّابِ، وغيرِهِ. (فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا) وقاموا بأعباءِ مَا تَحمَّلوهُ (٥). ومِن ثَمَّ لَمَّا قِيلَ لابنِ المباركِ: هذِهِ الأحاديثُ المصنوعةُ (٦)؟ قَالَ: يعيشُ (٧) لها الجهابذةُ ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ﴾ (٨) (٩).

стр. 274

٢١٣ - نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى ... زَعْماً نَأوْا عَنِ القُرَانِ (١)، فافْتَرَى ٢٣٢ - لَهُمْ حَدِيْثاً في فَضَائِلِ السُّوَرْ ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ ٢٣٣ - كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ ... رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ ٢٣٤ - وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ ... - كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِئٌ صَوَابَهْ ٢٣٥ - وَجَوَّزَ (٢) الوَضْعَ عَلَى التَّرْغِيْبِ ... قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْبِ ومثَّلَ لمَنْ كَانَ يضعُ حِسْبَةً بقولِهِ: (نَحْوَ) مَا رويْنَاهُ عَنْ (أَبِي عِصْمةَ) نوحِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ القرشيِّ (٣)، الْمَرْوَزِيِّ، قاضي مَرْوَ (٤)، المُلَقَّبِ بـ ((الجامعِ)) لما يأتي، ولجمعِهِ بَيْن التفسيرِ، والحديثِ، والمغازي، والفقهِ، مَعَ العلمِ بأمورِ الدنيا. (إِذْ رَأى الوَرَى) أي: الخلقَ (زَعْماً) مِنْهُ -بتثليثِ الزاي (٥) - أنَّهم (نَأَوْا)، أَعْرَضوا (عَنِ القرانِ) - بنقلِ حركةِ الهمزةِ - واشتغلوا بفقهِ أَبِي حَنَيْفَةَ، وَمَغازي ابنِ إسحاقَ، مَعَ أنَّهما مِن شيوخِهِ. (فَافْتَرَى) أي: اختلقَ (لَهُمْ) مِن عِنْدِ نفسِهِ حِسبةً باعترافِهِ (حديثاً فِي فضائلِ) قراءةِ (السُّوَرْ)، ورواهُ عَنْ عِكرمةَ، (عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ)، ﵄. زاد النَّاظِمُ: (فَبِئسَمَا ابتَكَرْ) مِن وَضْعِهِ، وَمَا لَحِقَهُ بِهِ. وممَّن صَرَّحَ بِوضعِهِ ذَلِكَ: الحَاكِمُ (٦)، وَقَالَ هُوَ وابنُ حِبَّانَ: إِنَّه جَمَعَ كُلَّ شيءٍ إلاّ الصِّدقَ (٧).

стр. 275

و (كَذَا الحَدِيْثُ) الطويلُ (عَنْ أُبَيٍّ) - هُوَ ابنُ كَعْبٍ ﵁ - فِي فضائلِ قراءةِ السورِ أَيْضاً (١) (اعترفْ رَاوِيْهِ بالوَضْعِ) لَهُ. فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْد الرحمانِ المؤمَّلُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ (٢): حَدَّثَني بِهِ شَيْخٌ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ حَدّثَكَ بِهِ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ بالمدائنِ، وَهُوَ حيٌّ. فصرتُ إِليهِ، فَقَالَ: حَدَّثَني بِهِ شيخٌ بواسطٍ، وَهُوَ حيٌّ (٣). فصرتُ إِليهِ، فَقَالَ: حَدَّثَني بِهِ شيخٌ بالبصرةِ. فصرتُ إِليهِ، فَقَالَ: حَدَّثَني بِهِ شيخٌ بعَبَّادَانِ. فصرتُ إِليهِ، فأخذَ بيدي، فأدخلني بيتاً، فإذا فِيهِ قومٌ من المتصوِّفةِ، ومَعَهُمْ (٤) شيخٌ، فَقَالَ: هَذَا الشَّيْخُ حَدَّثَني بِهِ. فقلتُ لَهُ: يا شيخُ! مَنْ حَدَّثكَ بهذا؟ فَقَالَ: لَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ أَحَدٌ، ولكنَّا رأينا الناسَ رَغِبوا عَنِ القرآنِ، فَوضَعْنَا لَهُمْ هَذَا الحَدِيْثَ، لِيصْرِفوا (٥) قُلوبَهُم إلى القُرْآنِ (٦). زادَ الناظِمُ أَيْضاً: (وبِئسَمَا اقْتَرَفْ) أي: اكْتَسبَ مِنْ وضْعِهِ.

стр. 276

(وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتابَهْ) التفسيرَ، أَوْ نحوَهُ (١) (كَ) أَبِي الحَسَنِ عَلِيٍّ (الواحديِّ)، وأبي إسحاقَ الثَّعْلَبِيِّ، وأبِي القاسِمِ الزَّمَخْشَرِيِّ (مُخْطئٌ) فِي ذَلِكَ (صَوَابَهْ) إِذْ الصَّوَابُ تجنُّبُه إلاَّ مبيِّناً، كَمَا مَرَّ. وأشدُّهُم خَطأً الزَّمَخْشَرِيُّ، حَيْثُ أوْردَهُ بصيغةِ الجزمِ، وَلَمْ يُبرّزْ سَنَدَهُ (٢). (وَجَوَّزَ الوَضْعَ) فِي الحَدِيْثِ (عَلَى) وَجْهِ (التَّرْغِيبِ) لِلنّاسِ فِي فضائلِ الأعمالِ (قَوْمُ) مُحَمَّدٍ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ابنِ كَرَّامٍ) (٣) - بالتشديدِ، مَعَ فتحِ الكافِ -، عَلَى المشهورِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنا (٤) كغيرِهِ (٥). وَقِيلَ: بالتخفيفِ مَعَ فتحها. وَقِيلَ: بِهِ مَعَ كَسْرِها، وَهُوَ الجارِي عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ بلدِهِ سِجِسْتانَ (٦). (و) جَوَّزه أَيْضاً (فِي التَّرْهِيبِ) زَجْراً عَنِ المَعْصِيةِ، محتجِّيْنَ فِي ذَلِكَ بأنَّ الكذبَ فِي التَّرغيبِ والتَّرهيبِ للنبيِّ ﷺ ، لكونِهِ مقوِّياً لشريعتِهِ (٧)، لا عَلَيْهِ. والكَذِبُ عَلَيْهِ إنَّما هُوَ كأَنْ يُقالَ: إنَّه ساحرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بخبرِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّداً، ليُضِلَّ بِهِ النَّاسَ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (٨).

стр. 277

وتمسكُهُم بِهِ مردودٌ؛ لأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ فِي وَضْعِ الأحكامِ، فإنَّ المندوبَ مِنْها، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإخبارُ عَنِ اللهِ بالوعدِ عَلَى ذَلِكَ العملِ بالثوابِ. ولأنَّ لفظةَ: ((ليُضِلَّ بِهِ النَّاسَ)) اتَّفَقَ الأئِمّةُ عَلَى ضَعْفِها. وبتقديرِ قَبُولِها، فالّلامُ لَيْسَتْ للتَّعلِيلِ، ليكونَ لها مفهومٌ، بَلْ للعَاقِبةِ، كَمَا فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ، لِيَكُوْنَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (١)؛ لأنَّهم لَمْ يلتقطوهُ لِذلِكَ. أَوْ للتأكيدِ، كَمَا فِي قوله تَعَالَى (٢): ﴿فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً ليُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) إِذِ افتراؤُه الكذبَ عَلَى اللهِ محرَّمٌ مطلقاً، سَوَاءٌ أقَصَدَ بِهِ الإضلالَ أَمْ لا (٤)؟

стр. 278

٢٣٦ - وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا ... مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا ٢٣٧ - كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ ... وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ ٢٣٨ - نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ (مَنْ كَثُرَتْ ... صَلاَتُهُ) الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ (وَالواضِعُونَ) أَيْضاً (بَعْضُهُم قَدْ صَنَعَا) كَلاماً (١) وَضَعَهُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ (مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ) مِنْهُمْ قَدْ (وَضَعَا كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا) - بالقَصْرِ لِلوَزْنِ - أَوْ الزُّهَّادِ، أَوْ الصَّحَابَةِ، أَوْ الإسرائيلياتِ (فِي المُسْنَدِ) المَرْفُوْعِ تَرويجاً لَهُ. كحديثِ: ((حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ))، فإنَّهُ مِن كَلامِ مَالِكِ بنِ دينارٍ، كَمَا رَواهُ ابنُ أَبِي الدُّنيا (٢)، أَوْ مِن كَلامِ عِيسى بنِ مَرْيَمَ ﵇، كَمَا رَواهُ البَيْهَقِيُّ فِي " كِتَاب الزُّهدِ " (٣). وَقَالَ فِي " شُعَبِ الإيمَانِ ": وَلاَ أصْلَ لَهُ مِن حَدِيثِ النَّبيِّ ﷺ ، إلاّ مِن مَراسيلِ الحَسَنِ البصريِّ (٤). قَالَ النَّاظِمُ: ومراسيلُ الحَسَنِ عِنْدَهم شِبْهُ (٥) الريحِ (٦). وكحديث: ((الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ)). فإنَّه من كلامِ بَعْضِ الأطباءِ (٧).

стр. 279

(ومِنْهُ) أي: مِنَ المَوْضُوْع (نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَد، نَحْوُ حَدِيثِ ثابتٍ)، هُوَ ابنُ مُوسى الزاهدُ الذي رَواهُ عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأعمشِ (١)، عَنْ أَبِي سُفيانَ، عَنْ جابِرٍ مرفوعاً: (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ) بِاللَّيْلِ، (الحَدِيْثَ). وتمامُه: حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ (٢). فهذا لا أصلَ لَهُ عَن النَّبيِّ ﷺ ، وَلَمْ يقصدْ ثابتٌ وَضْعَه، وإنَّما دخلَ عَلَى شَرِيكِ بنِ عبدِ اللهِ الْقَاضِي، وَهُوَ بمجلسِ إملائِهِ عِنْدَ قوله: حَدَّثَنَا الأعمشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَذْكُرِ المَتْنَ (٣)، أَوْ ذكرَهُ عَلَى مَا اقتضاهُ كلامُ ابنِ حِبّانَ، وَهُوَ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أحَدِكُمْ)) (٤). فَقَالَ شَرِيكٌ مُتَّصِلاً بالسَّندِ، أَوْ المَتْنِ (٥) حِيْنَ نَظَرَ إلى ثابتٍ مُمازِحاً لَهُ: ((مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ)) إلى آخرِهِ - مريداً بِهِ ثابتاً، لِزُهْدهِ وَوَرَعِهِ، وَعِبادتِهِ. فَظَنَّ ثابتٌ أنَّ هَذَا (٦) متنُ السَّنَدِ، أَوْ بقيَّته، فكانَ يحدِّثُ بِهِ كَذلِكَ منفصلاً (٧)، أَوْ مُدرِجاً لَهُ فِي الْمَتْنِ (٨).

стр. 280

وهذا (وَهْلَةٌ) أي: غَفْلةٌ، أَوْ غَلْطةٌ مِنْ ثابتٍ، نشأَتْ من سَلامةِ صَدْرِهِ (سَرَتْ) مِنْهُ إلى غيرِهِ، بحيثُ انْتَشَرَتْ حديثاً؛ فرَواهُ عَنْهُ كَثِيْرٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ (١): يقالُ: وَهِلَ فِي الشَّيءِ وَعَنْهُ - أي بالكسرِ - يَوْهَلُ وَهَلاً، إذَا غَلِطَ فِيهِ وَسَهَا. وَوَهَلَ إِليهِ -بالفتح- يَهِلُ وَهْلاً، إذَا ذَهَبَ وهمُكَ إِليهِ، وأنتَ تُرِيدُ غيرَهُ. ٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالاقْرَارِ، وَمَا ... نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا ٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَّةِ قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ ... (الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى ٢٤١ - مَااعْتَرَفَ الوَاضِعُ إذْ قَدْ يَكْذِبُ ... بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ (وَيُعْرَفُ الوَضْعُ) للحديثِ (بالاقْرارِ) - بدرج الهمزةِ - من واضعِهِ (و) بـ (مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ)، كأنْ يُحَدِّثَ بحديثٍ عَنْ شَيخٍ، ثُمَّ يُسْألَ عَنْ مَوْلِدِهِ، فيذكرَ تاريخاً يُعلَمُ بِهِ وَفَاتُهُ قبلَهُ، ولا يُعرفُ ذَلِكَ الحَدِيْثُ إلاّ عِنْدَهُ (٢). فَهَذا لَمْ يقرَّ بوضعِهِ، لكنَّ إقرارَهُ بمولدِهِ ينزلُ منزلةَ إقرارِهِ بوضعِهِ؛ لأنَّ ذَلِكَ الحديثَ لا يُعرفُ إلاَّ (٣) عِنْدَ الشَّيْخِ، ولا يُعرفُ إلاَّ بروايةِ هَذَا. (ورُبَّمَا يُعْرَفُ) وَضْعُهُ (بالرِّكَّةِ) للفظِهِ، مما يرجعُ إلى عدمِ الفصاحةِ، وما يتبعُها، مَعَ التَّصريحِ بأنَّهُ لفظُ النَّبيِّ ﷺ (٤). أَوْ لِمعناهُ مما يَرْجعُ إلى الإخبارِ عَنْ الجَمْعِ بَيْنَ النقيضينِ، وَعَنْ نَفي الصَّانعِ، وعَنْ قدمِ الأجسامِ، ونحوِ ذَلِكَ. أَوْ لَهُمَا مَعاً. وَقَدْ رُوي عَنْ الرَّبِيْعِ بنِ خُثَيْمٍ (٥) التَّابِعيِّ، قَالَ: إنَّ للحديثِ ضَوْءاً كضوءِ النَّهارِ، تعرفُهُ، وظلمةً كظلمةِ اللَّيلِ تُنكِرُهُ (٦).

стр. 281

وَقَالَ ابنُ الجوزيِّ: الحديثُ المنكرُ يقشعرُّ مِنْهُ جلدُ طالبِ (١) العلمِ، ويَنْفُرُ مِنْهُ قلبُهُ فِي الغالبِ (٢). وذلك بأنْ يحصُلَ-كَمَا قَالَ ابنُ دقيقِ العيدِ-للمُحَدِّثِ، لكَثْرةِ محاولةِ ألفاظِ النَّبيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نفسانيةٌ، وَمَلَكَةٌ قويَّةٌ، يَعْرِفُ بها مَا يجوزُ أنْ يكونَ من ألفاظِ النُّبوَّةِ، وما لا يجوزُ (٣). (قُلْتُ): وَقَدْ (اسْتَشْكَلاَ) (٤) ابنُ دقيقِ العيدِ (الثَّبَجِيُّ) (٥) - بمثلثةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مفتوحتينِ - نِسْبةً إلى ثَبَجِ البحرِ بساحلِ يَنْبُعَ من الحجازِ (الْقَطعَ بِالْوَضعِ عَلَى مَا) أي: المرويِّ الذي (اعْتَرفَ الواضِعُ) فِيهِ عَلَى نفسِهِ بالوضعِ بمجردِ اعترافِه من غَيْرِ قرينةٍ مَعَهُ (٦). (إِذْ قَدْ يَكْذِبُ) فِي اعترافِهِ لِقَصْدِ (٧) التنفيرِ عَنْ هَذَا المرويِّ، أَوْ لغيرِهِ، مما يُورِثُ ريبةً، وحينئذٍ، فالاحتياطُ أنْ لا يصرَّحَ بالوضعِ (٨). (بَلَى نردُّهُ) أي: المرويَّ لاعترافِ راويهِ بما يفسِّقُه (وعَنْهُ نُضْرِبُ) -بضَمِّ النُّونِ- أي: نُعْرِضُ؛ فَلا نحتجُّ بِهِ، ولا نعملُ بِهِ مواخذةً لَهُ باعترافِهِ.

стр. 282

وَحَاصِلُهُ: أنَّ إقرارَهُ بوضعِهِ كافٍ فِي ردِّه، لكنَّه لَيْسَ بقاطِعٍ فِي كونِهِ موضوعاً؛ لجواز كذبهِ فِي إقرارهِ (١). ففي الحقيقةِ لَيْسَ ذَلِكَ استشكالاً، بَلْ بيانٌ للمُرادِ والواقعِ؛ إِذْ لا يُشتَرطُ فِي الحكمِ القطعُ، بَلْ يَكْفِي غَلَبةُ الظنِّ، واللهُ أعلمُ. الْمَقْلُوْبُ (٢) اسمُ مفعولٍ من القَلْبِ، وَهُوَ تبديلُ شيءٍ بآخرَ عَلَى الوجهِ الآتي. وَهُوَ من أقْسَامِ الضَّعِيفِ، بَلْ الإغراب الآتي من أقسام الوضعِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنا (٣) كغيرِه. ٢٤٢ - وَقَسَّمُوا المَقْلُوْبَ قِسْمَيْنِ إلى: ... مَا كَانَ مَشْهُوراً بِراوٍ أُبْدِلا ٢٤٣ - بِواحدٍ نَظِيْرُهُ، كَيْ يُرْغَبَا ... فِيهِ، لِلاغْرَابِ (٤) إذا مَا اسْتُغْرِبَا ٢٤٤ - وَمِنْهُ قَلْبُ (٥) سَنَدٍ لِمَتْنِ ... نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ إمَامَ الفَنِّ ٢٤٥ - في مِئَةٍ لَمَّا أتَى بَغْدَادَا ... فَرَدَّهَا، وَجَوَّدَ الإسْنَادَا ٢٤٦ - وَقَلْبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّوَاةُ ... نَحْوُ: (إذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ ... )

стр. 283

٢٤٧ - حَدَّثَهُ - في مَجْلِسِ البُنَاني - ... حَجَّاجٌ، اعْنِي: ابْنَ أبي عُثمَانِ ٢٤٨ - فَظَنَّهُ - عَنْ ثَابِتٍ - جَرِيْرُ، ... بَيَّنَهُ حَمَّادٌ الضَّرِيْرُ (وَقَسَّمُوا) أي: المُحَدِّثُوْنَ (المَقْلُوبَ) سَنداً (قِسْمَينِ): عَمْداً وَسَهْواً، والعمدُ (إلى) قِسْمَيْن: أحدُهما: (مَا) أي: حَدِيثٌ (كَانَ مَشْهُوراً براوٍ) كسالمٍ (١) (أُبْدِلا بِواحدٍ) مِنَ الرواةِ (نَظِيْرُهُ) فِي الطَّبقةِ، كنافعٍ (٢) (كَيْ يُرْغَبَا) - بألِفِ الإطلاقِ - (فِيهِ) أي: فِي روايتِهِ عَنْهُ، ويروجُ حالُهُ (للاغرابِ) -بدرجِ الهمزةِ - (إذَا مَا) زائدةٌ (استَغْرِبا) - بألفِ الإطلاقِ - مَنْ وقفَ عَلَيْهِ، لكونِ المشهورِ خِلافَهُ (٣). وَمِمَّنْ كَانَ يَفْعَلُهُ بِهذَا القصدِ كَذِباً حمَّادُ بنُ عَمْرٍو النَّصِيْبِيُّ (٤)، حَيْثُ رَوَى الحَدِيْثَ المعروفَ بسُهَيْلِ بن أَبِي صَالحٍ، عَنْ أبيهِ (٥)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً: ((إذَا لَقِيْتُمُ الْمُشْرِكِيْنَ فِيْ طَرِيْقٍ فَلاَ تُبْدُوْهُمْ بِالسَّلاَمِ ... )) الحَدِيْثَ (٦)، عَنِ الأعمشِ، عَنْ أَبِي صالحٍ؛ ليُغربَ بِهِ، وَهُوَ لا يُعرفُ عَنِ الأعمشِ، كَمَا صرَّحَ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ (٧).

стр. 284

وللخوفِ مِن ذَلِكَ كَرِهَ (١) أَهْلُ الحَدِيْثِ تتبُّعَ الغرائبِ، كَمَا سيأتي فِي بابِهِ (٢). (وَمِنْهُ) وَهُوَ ثاني قِسمَيِ العمدِ: (قلبُ سندٍ) تامٍ (لمتْنِ) فَيُجْعَلُ لِمَتْنٍ آخرَ مرويٍّ بسندٍ آخرَ، ويُجعلُ هَذَا المَتْن لإسنادٍ (٣) آخرَ، بقَصْدِ امتحانِ حِفْظِ المحدِّثِ (٤)، واختبارِهِ هل اختلطَ أَوْ لاَ؟ وهَلْ يَقبلُ التلقينَ (٥) أَوْ لاَ؟ (نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ) أي: المُحَدِّثِيْنَ ببغدادَ (إمَامَ الفنِّ) البُخَارِيَّ (فِي مِئةٍ) مِنَ الأحاديثِ، (لَمَّا أَتَى) إِلَيْهِم (بَغْدَادَا) -بألف الإطلاق، وبإهمالِ الدالِ الأخيرةِ عَلَى إحدى اللغاتِ (٦) -. حَيْثُ اجتمعوا عَلَى تقليبِ مُتُونها، وأسانيدِها، فصيَّروا مَتْنَ سندٍ لسندِ متنٍ آخرَ، وسندَ هَذَا المَتْنِ لمتنٍ آخرَ، وعَيَّنُوا عَشَرَةَ رجالٍ، ودفعوا مِنْها لكُلٍّ مِنْهُمْ عَشَرَةَ أحاديثَ، وتواعدوا عَلَى الحضورِ لمجلس البُخَارِيِّ، ليُلقِي عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمْ عَشَرَتَهُ بحَضْرتِهِم (٧). فَلمَّا حَضَروا واطمأنَّ المجلِسُ بأهلِهِ البَغْداديِّينَ، وَغيرِهِم مِنَ الغُرَباءِ، مِن أَهْلِ خُرَاسَانَ وغيرِهم، تقدَّمَ إِليهِ واحدٌ مِنَ العَشَرةِ، وسألَهُ عَنْ أحاديثِهِ واحداً واحداً، والبخاريُّ يَقُولُ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْها: لا أَعْرِفُهُ. ثُمَّ الثَّانِي كَذلِكَ، وهكذا إلى أَنْ استوفى العَشَرةُ المئةَ، وَهُوَ لا يزيدُ فِي كلٍ مِنْها عَلَى قولِهِ: لا أعرِفُهُ.

стр. 285

فكانَ الفُهَماءُ (١) ممَّن حَضرَ يلتفتُ بعضُهم إلى بعضٍ، ويقولونَ: فَهِمَ الرجلُ، ومَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، يَقضي عَلَيْهِ (٢) بالعَجْزِ والتَّقصيرِ وَقِلَّةِ الفَهْمِ. فَلمَّا عَلِمَ أنَّهم فَرَغُوا، التفتَ إلى السَّائِلِ الأَوَّلِ، وَقَالَ لَهُ: سألتَ عَنْ حَدِيثِ كَذَا، وصَوابُه كَذَا، إلى آخرِ أحاديثِهِ، وكَذا البقيةُ عَلَى الولاءِ (فَرَدَّهَا) أي: المئةَ إلى أصلِها (٣) (وجوَّدَ الإسنادَا)، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ موضعٌ مِمَّا (٤) قلبوُهُ وركَّبُوهُ، فأقرَّ لَهُ الناسُ بالحِفْظِ، وأذعنوا لَهُ بِالفضلِ (٥). وأغربُ مِن حِفظِه لَها، وتيقُّظِه لِتمييزِ صَوابِها مِن خَطَئِها؛ حِفْظُهُ لتواليها، كَمَا أُلقيتْ عَلَيْهِ من مَرَّةِ واحدةٍ. وَقَدْ يُقصَدُ بقلبِ السَّندِ كُلِّه أَيْضاً: الإغرابُ: إِذْ لا يَنْحَصِرُ فِي راوٍ واحدٍ، كَمَا أنَّه قَدْ يُقصَدُ بقلبِ راوٍ واحدٍ أَيْضاً: الامتحانُ، وَهُوَ مُحرَّمٌ إلاَّ بِقَصْدِ الاختبارِ. فَقَالَ النَّاظِمُ: ((فِي جَوازِه نَظَرٌ، إلاّ أنَّه إذَا فَعَلَهُ أَهْلُ الحَدِيْثِ، لا يَسْتَقِرُّ حديثاً)) (٦). قَالَ شَيْخُنا: ((وَشَرْطُ الجوازِ أَنْ لا يَسْتمرَّ عَلَيْهِ، بَلْ ينتهي بانتهاءِ (٧) الحاجةِ)) (٨). (و) قِسْمُ السَّهْوِ: (قلبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّواةُ) قَلْبَهُ، بَلْ وَقَعَ مِنْهُمْ سَهْواً، وَوَهَماً (نَحْوُ) حَدِيثِ: (((إذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ)، فَلاَ تَقُوْمُوْا حَتَّى تَرَوْنِيْ)). فَقَدْ (حَدَّثَهُ) أي: الحَدِيْثَ (فِي مَجْلسِ) ثابتِ بنِ أسلمَ (البُنَاني) - بضمِّ أَوَّلِهِ - نِسْبةً إلى (بُنانةَ) مَحَلَّةٍ بالبصرةِ (٩) (حَجَّاجٌ اعني) - بدرجِ الهمزةِ - (ابنَ أَبِي عُثمانِ)
следующие страницы →