← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عُمَرَ (١) بنِ عُبَيْدٍ (٢) الطَّنَافِسِيِّ، أنَّه كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا، ثُمَّ يِسكُتُ (٣)، وينوي القَطْعَ، ثُمَّ يَقُولُ: هِشامُ بنُ عُروَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عَائِشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عَنْهَا -. وَمِنْهُ تَدْلِيْسُ العَطْفِ: وَهُوَ أنْ يُصرِّحَ بالتَّحْدِيثِ عَنْ شَيخٍ لَهُ، ويَعْطِفَ عَلَيْهِ شَيْخاً آخرَ لَهُ (٤)، وَلا يَكُونُ سَمِع ذَلِكَ المَرْوِيَّ مِنْهُ (٥). مثالُهُ: مَا رَواهُ الحَاكِمُ في "عُلومِهِ" (٦)، قَالَ: اجْتَمَعَ أصْحَابُ هُشَيمٍ، فَقَالوا: لاَ نكْتُبُ عَنْهُ اليومَ شيئاً مِمّا يُدلِّسُه، فَفَطِنَ لِذلِكَ، فلمَّا جَلَسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، ومُغِيْرَةُ، عَنْ إبراهيمَ، وساقَ عدَّة أحاديثَ، فَلمّا فَرَغَ، قَالَ: هَل دَلَّسْتُ لَكُم شيئاً؟ قالوا: لا. فَقَالَ: بلى كُلُّ مَا حَدَّثتُكُم عَنْ حُصَيْنٍ، فَهُوَ سماعي، وَلَمْ أسمعْ مِن مُغيرةَ مِن ذَلِكَ شيئاً. وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَحْمُوْلٌ عَلَى أنَّه نَوَى القَطْعَ، ثُمَّ قَالَ: وَفُلانٌ أي: وَحَدَّثَ فُلاَنٌ. (واخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ) أي: أَهْلِ هَذَا القِسْمِ أيرَدُّ حَديثُهم أَمْ لاَ؟ (فالرَّدُّ) لَهُ (مُطْلَقاً) أي: سَوَاءٌ أبيَّنوا (٧) الاتّصَالَ، أَمْ لاَ، دَلَّسوا عَنِ الثِّقاتِ، أَمْ غَيْرِهِم، نَدَرَ تدليسُهُمْ أَمْ لا (ثُقِفْ) - بضمِّ المثلثةِ -أي: وُجِدَ (٨) عَنْ جمعٍ مِنَ المُحدِّثينَ (٩) والفُقهاءِ (١٠)، حَتَّى عَنْ بَعْضِ مَن يحتجُّ بالمُرْسَلِ؛ لأنَّ التدليسَ جَرْحٌ، لما فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ

стр. 212

والغشِّ (١). وَقِيلَ: يُقبل مُطلقاً، كالمُرْسَلِ عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ (٢)، وَقِيلَ: إن لَمْ يدلِّسْ إلاَّ عَنْ الثِّقاتِ - كسُفْيِانَ بنِ عُيَيْنَةَ - قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ، وَقِيلَ: إن نَدَرَ تدليسُه قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ. (والأكْثَروْنَ) مِنَ المُحدِّثينَ والْفُقهاءِ والأصوليينَ، ومِنْهُم الإمامُ الشَّافِعيُّ (٣) ﵀ (قَبِلُوْا) مِن حَدِيثِهِم (مَا صَرَّحَا) بألفِ الإطلاقِ، (ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ)، ك: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا (٤). لأنَّ التَّدْلِيْسَ لَيْسَ كَذِباً، وإنَّما هُوَ تَحسينٌ لِظاهرِ الإسنادِ، وَضَرْبٌ مِنَ الإيهامِ بِلَفْظٍ مُحتملٍ، فإذا صَرَّحَ بوصْلِهِ، قُبِلَ (٥). (وَصُحِّحَا) بِبِنَائِهِ لِلمَفْعُولِ - أي: هَذَا القولُ، ومِمَّنْ صَحَّحهُ: الخطيبُ (٦)، وابنُ الصَّلاحِ (٧)، لَكنَّهُ لَمْ يعزُه للأكثرينَ، فعزوهُ لَهُم مِن زيادةِ النَّاظِمِ، وَحَكاهُ عَنْ شيخِهِ أبي سعيدٍ العَلاَئِيِّ (٨).

стр. 213

(وفي) كُتُبِ (الصَّحِيحِ) لكُلِّ مِنَ البُخاريِّ، وَمُسْلِمٍ وغيرِهمَا (عِدَّةٌ) مِنَ الرُّواةِ المُدلِّسينَ، خُرِّجَ فِيْهَا مَا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحديثِ، (ك: ((الأعْمَشِ)) وك: ((هُشَيْمٍ))) - بالتَّصْغِيرِ - ابنِ بَشِيْرٍ - بالتَّكبيرِ - (بَعْدَهُ) أي: بَعْدَ الأعمشِ، وَقَدْ أخذَ عَنْهُ (١). (وَفَتِّشِ) أي: الصِّحاحَ تَجِدْ فِيْهَا التَّخريجَ لِكثيرٍ مِمَّا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحْدِيثِ (٢)، بَلْ قَدْ يَقعُ فِيْهَا التَّخريجُ مِن مُعنعنِهِم، لكنَّه مَحْمُوْلٌ - كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ - عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ عِنْدَهم فِيهِ مِن جهةٍ أُخرى، إذا كَانَ فِي أحاديثِ الأصولِ، لا المُتابعاتِ (٣). ١٥٧ - وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ ... وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخِ ١٥٨ - أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ ... بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ ١٥٩ - فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا ... وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا ١٦٠ - و (الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّةِ ... قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَةِ (وَذَمَّهُ)، التَّدْلِيْسَ بأقسامِه نَصّاً فِيْمَا مَرَّ، واقتضاءً فِيْمَا يَأْتِيَ، (شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاجِ (ذُو الرُّسُوْخِ) في الحِفْظِ والإتقانِ. فروى الشَّافِعيُّ عَنْهُ (٤) أنَّهُ قَالَ: التَّدليسُ أخو الكذبِ (٥)، وَقَالَ: لأِنْ أزني

стр. 214

أحبُّ إليَّ من أَنْ أُدَلِّسَ (١). وَلَمْ يَنْفَرِدْ شُعْبَةُ بِذمِّه، بَلْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ (٢)، إلاّ أنَّه مَعَ تَقَدُّمِه زَادَ بِالمُبالغَةِ فِيهِ (٣). (وَدُوْنَهُ) أي: دُوْنَ القسمِ الأَوَّلِ مِن أقسامِ التَّدلِيس، وَهُوَ ثانِي أَقْسَامِهِ: (التدليسُ للشيوخِ)، وَهُوَ: (أَنْ يَصِفَ) المُدلِّسُ (الشيخَ) الذي سَمِعَ ذَلِكَ الحَدِيْثَ مِنْهُ (بِمَا لا يُعْرفُ) أي يَشتَهِرُ (بِهِ) مِن اسمٍ، أَوْ كُنْيَةٍ، أَوْ لَقبٍ، أَوْ نِسبةٍ إلى قَبيلةٍ، أَوْ بلدةٍ، أَوْ صَنْعةٍ، أَوْ نحوِها، كي يُوعِّرَ مَعْرِفَةَ الطَّريقِ عَلَى السَّامِعِ مِنْهُ (٤). فـ ((أَنْ)) بمدخولِهما خبرُ مُبتدإٍ مَحْذُوْفٍ، كَمَا تَقَرّرَ، أَوْ بيانٌ لِما قَبْلَها. وَمِثَالُهُ: قولُ أبي بكرِ بنِ مجاهدٍ المُقْرِئِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أبي عَبْدِ اللهِ. يُرِيْدُ بِهِ الحافظَ عبدَ اللهِ بنَ أبي داودَ السِّجِسْتَانِيَّ. قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَفيهِ تَضْييعٌ للمَرْوِيِّ عَنْهُ)) (٥). قَالَ النَّاظِمُ: وللمَرْوِيِّ أَيْضاً، بأنْ لا يتنبَّهَ لَهُ، فَيَصِيرُ بَعْضُ رواتِهِ (٦) مَجْهُوْلاً (٧). (وَذَا) الفِعلُ (بمَقْصِدٍ) -بكسر المُهْمَلَة- أي: باختلافِ مَقْصِدِ حاملٍ لفاعلِه، عَلَيْهِ (يَخْتَلِفُ) حَالُه في الكَراهَةِ. (فَشَرُّهُ) مَا كَانَ الوصْفُ بِمَا ذَكَرَ، إما (لِلضَّعْفِ) فِي المرويِّ عَنْهُ، لِتَضَمُّنِهِ الخيانةَ، والغِشَّ. وحُكْمُ مَنْ عُرِفَ بِهِ: أَنْ لا يقبلَ خبرُهُ. كَمَا نَقَلَهُ النَّاظِمُ عَنْ ابنِ الصَّباغِ (٨).

стр. 215

وَذلكَ حَرامٌ هُنا، وَفيمَا مَرَّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ المرويُّ عَنْهُ ثِقَةً عِنْدَ المُدَلِّسِ (١). (وَ) إمّا (اسْتِصْغَارا) لِلمَرويِّ عَنْهُ سِنّاً، أَوْ تكبُّراً، بأَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ المُدلِّسِ، أَوْ أَكْبرَ، لكنْ بيَسِيْرٍ، أَوْ بكثيرٍ لَكِنْ تأخَّرتْ وَفاتُهُ حَتَّى شارَكَهُ في الأخذِ عَنْهُ مَنْ هُوَ دونَهُ، وَمَعْلومٌ أنَّ مَن اسْتَصغرَ غَيرَهُ، استكبرَ عَلَيْهِ. فَلو قَالَ بدلَ استصغاراً: استكباراً (٢) - أي من المدلِّسِ - كَانَ في البيتِ جِنَاسٌ خَطّيٌّ، مَعَ حُصولِ الغَرضِ. (وَ) إمّا لِكَونِهِ، (كَالْخَطيبِ) أي: كَفِعْلِهِ، (يُوْهِمُ) الفاعلَ بِذلِكَ (اسْتِكْثَارا) مِنَ الشيوخِ، بِأنْ يروِيَ عَنْ شَيخٍ واحدٍ فِي مَواضِعَ، فَيَصِفَهُ في مَوضِعٍ بصفةٍ، وَفِي آخرَ بأخرى (٣)، يُوهِمُ أنَّه غيرُهُ، كَمَا كَانَ الخطيبُ يَفْعَلُ ذَلِكَ (٤). (والشَّافِعيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِنيةِ الوقْفِ - (أَثْبَتَهُ)، يعني: تَدْلِيْسَ الإسْنادِ (بِمَرَّةِ) واحدةٍ صَدَرَتْ مِن فَاعِلِهِ، حَيْثُ قَالَ: ((مَن عُرِفَ بالتَّدْلِيْسِ مَرَّةً، لا يُقبلُ مِنْهُ مَا يقبلُ مِن أَهْلِ النَّصيحةِ في الصِّدقِ، حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي، أَوْ سَمِعْتُ)) (٥).

стр. 216

وَذَلكَ لأَنَّهُ بثبوتِ تدليسِه مرَّةً، صَارَ ذَلِكَ ظَاهرَ حَالِهِ في مُعَنْعَناتِهِ، كَمَا أنَّه بثبوتِ اللِّقاءِ، مَرّةً، صَارَ ظاهِرَ حَالِهِ السَّمَاعُ. القِسْمُ الثَّالِثُ: تَدْلِيْسُ التّسويةِ المُعبَّرُ عَنْهُ عِنْدَ القُدماءِ بـ ((التَّجويدِ)) (١)، حَيْثُ قَالوا: ((جَوَّدَ فُلاَنٌ)) يُريدونَ ذَكَرَ مَنْ فِيهِ مِنَ الأجوادِ، وحَذَفَ الأدنياءِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ: (قلتُ: وشَرُّها) (٢) أي: أقسامُ التدليسِ، (أَخُو) أي: صاحبُ (التَّسْوِيَةِ)، كأنْ يَرْوِيَ حَدِيثاً عَنْ ضَعِيْفٍ، بَيْن ثِقَتينِ، لَقِيَ أحدُهُمَا الآخَرَ، فيُسْقِطَ الضَّعِيفَ، ويَرْوِي الحَدِيْثَ عَنْ شَيْخِهِ الثِّقَةِ (٣) الثَّانِي بِلفظٍ مُحتملٍ؛ فَيسْتوي الإسنادُ كلُّه ثِقاتٌ (٤). وإنَّما كَانَ هَذَا شرَّ الأقْسَامِ؛ لأنَّ الثِّقةَ الأَوَّلَ، قَدْ لاَ يَكُونُ مَعْرُوفاً بالتَّدْلِيْسِ، وَيَجِدُهُ الواقفُ عَلَى السّنَدِ بَعْدَ التَّسويةِ قَدْ رَواهُ عَنْ ثِقَةٍ آخرَ، فيحكمُ لَهُ بالصِّحَّةِ، وَفيهِ غرورٌ شديدٌ. وخرجَ باللِّقاءِ: الإرسالُ. وهذا الذي جَعَلهُ قِسْماً ثالثاً، جعلَهُ شيخُنا نَوعاً مِنَ الأَوَّلِ (٥). فَالتَّدْلِيْسُ قِسْمانِ: تَدليسُ الإسنادِ، وتدليسُ الشيوخِ، وعليهِما اقتصرَ ابنُ الصَّلاحِ (٦)، والنَّوَوِيُّ (٧).

стр. 217

وفي الحقيقةِ هَذَا الأخيرُ داخلٌ في المُنْقَطِعِ عَلَى قولٍ فِيهِ، لكنْ شرطُهُ (١) أنْ يكونَ الساقطُ ضَعِيْفاً، كَمَا تَقَرَّرَ. نَعَمْ، بَعْضُهم لَمْ يُقيِّدْهُ بالضَّعِيفِ، بَلْ سوَّى بَيْنَهُ وبينَ الثِّقَةِ (٢). الشَّاذُّ (٣) ١٦١ - وَذُو الشُّذُوذِ: مَا يُخَالِفُ الثِّقَهْ ... فِيهِ المَلاَ فَالشَّافِعيُّ حقَّقَهْ ١٦٢ - والحَاكِمُ (٤) الخِلاَفَ فِيهِ ما اشْتَرَطْ ... وَلِلْخَلِيليْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ (وَذُو الشُّذُوذِ) أي: والشَّاذُّ في الحَدِيْثِ اصْطلاحاً: (مَا يُخَالِفُ) الرَّاوي (الثِّقَهْ فِيهِ) بزيادةٍ، أَوْ نَقْصٍ في السَّنَدِ، أَوْ المَتْنِ (المَلاَ) بالإسكانِ للوزنِ أَوْ لنية الوقف - أي: الجماعةُ الثِّقاتُ فِيْمَا رَوَوْهُ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا (٥).

стр. 218

(فالشَّافِعيُّ) بِهذا التعريفِ (حَقَّقَهْ)؛ لأنَّ العَددَ أولى بالحِفْظِ مِنَ الواحِدِ. ويُؤخذُ مِنْهُ أنَّ مَا يُخَالِفُ الثِّقَةُ فِيهِ الوَاحِدَ الأحْفَظَ شَاذٌّ، وَفِي كَلامِ ابنِ الصَّلاحِ، وغيرِهِ مَا يُفهِمُهُ، وجَرى عَلَيْهِ شَيْخُنا (١). مِثالُ الشُّذوذِ فِيْ السَّنَدِ: مَا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وغيرُهُ (٣) مِن طَريقِ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، عَنْ عَوْسَجَةَ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّ رَجُلاً تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثاً إلا مَوْلًى هُوَ أعْتَقَهُ ... الحَدِيْثَ)). فإنَّ حَمَّادَ بنَ زيدٍ، رَواهُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَوْسَجَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ ابنَ عَبَّاسٍ، لكنْ تابعَ ابنَ عُيَيْنَةَ عَلَى وَصْلِهِ ابنُ جريجٍ، وغيرُهُ. قَالَ أَبُو حاتِمٍ: المحفوظُ حَدِيثُ ابن عُيَيْنَةَ (٤). فَحمَّادٌ مَعَ كونِهِ مِن أَهْلِ العَدالةِ، والضَّبْطِ، رجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ رِوَايَةَ مَنْ هُم أكثرُ عَدداً مِنْهُ. وَمِثالُهُ فِيْ المَتْنِ: زيادةُ يومِ عَرَفَةَ فِيْ حَدِيثِ: ((أيَّامُ التَّشْرِيْقِ أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ)) (٥)، فإنَّهُ من جميعِ طُرُقِهِ بدونِها، وإنَّما جاءَ بِهَا مُوسى بنُ عُلَيِّ (٦) ابنِ رَبَاحٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ.

стр. 219

فحَدِيثُ مُوْسَى شَاذٌّ، لَكِنَّهُ (١) صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢)، والحاكِمُ (٣)، وَقَالَ: إنَّه عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّه ((حَسَنٌ صَحِيْحٌ)) (٤). لأنَّهُ (٥) زِيادةُ ثِقَةٍ غيرُ منافيةٍ. (والحَاكِمُ الخِلافَ فِيهِ) أي: فِيْ الشّاذِّ (٦) (مَا اشْتَرَطْ)، بَلْ قَالَ: ((هُوَ مَا انْفردَ بِهِ ثِقةٌ، وَليسَ لَهُ أصْلٌ بمُتابعٍ لِذلِكَ الثِّقَةِ)) (٧). فقيَّدَ بالثِّقةِ دُوْنَ المُخالفةِ. وَذَكَرَ أنَّهُ يُغايِرُ المعَلَّلَ، بِأَنَّ المعَلَّلَ وُقِفَ عَلَى عِلَّتِهِ الدَّالةِ عَلَى جِهةِ الوَهَمِ فِيهِ، والشَّاذُّ لَمْ يُوْقَفْ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ كَذلِكَ. (وَلِلخَلِيليْ) -بالإسكانِ لما مَرَّ غَيْرَ مرّةٍ -، نِسبةً لجدِّهِ الأعْلى؛ لأنَّهُ أَبُو يَعْلَى الخَلِيْلُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الخَلِيْلِ القَزْوِيْنِيُّ - قولٌ ثالثٌ نَسَبَهُ إلى حُفَّاظِ الحَدِيْثِ، وَهُوَ: أنَّ الشَّاذَّ (مُفْردُ الرَّاوِي فَقَطْ) ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ، خَالفَ أَوْ لَمْ يُخالفْ. فَمَا انفردَ بِهِ الثِّقَةُ يتوقَّفُ فِيهِ، وَلا يَحْتَجُّ بِهِ، لَكِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِداً، وَمَا انفردَ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ مَتْروكٌ (٨). ١٦٣ - وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثِّقَةِ ... كالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلاَ وَالهِبَةِ ١٦٤ - وَقَوْلُ مُسْلِمٍ: رَوَى الزُّهْرِيُّ ... تِسْعِينَ فَرْداً كُلُّهَا قَوِيُّ ١٦٥ - واخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أنَّ مَنْ ... يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ

стр. 220

١٦٦ - أوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ ... عَنْهُ فَمِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ (ورَدَّ) ابنُ الصَّلاحِ (مَا قَالا) أي: الحَاكِمُ والخليليُّ (بِفَرْدِ الثِّقَةِ) (١) المُخَرَّجِ لَهُ فِيْ كُتُبِ الصَّحِيحِ، المشترطِ فِيهِ نفيَ الشذوذِ، فإنَّ العَدَدَ لَيْسَ بشرطٍ فِيهِ عَلَى المعتمدِ (٢). (ك) حديثِ (النَّهْي عَنْ بَيعِ الوَلاَ) بالقصرِ للوزن (وَالهِبةِ) لَهُ، فإنَّه لَمْ يَصِحَّ إلاَّ مِن رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارٍ (٣) عَنِ ابنِ عُمَرَ، مَعَ أنَّهُ في"الصَّحِيحينِ" (٤). (وقولُ) أي: وَرَدَّ أَيْضاً مَا قَالا، بقولِ الإمامِ (مُسْلِمٍ) فِيْ بابِ الأَيمانِ والنُّذُورِ من " صَحيحِهِ ": (رَوَى الزُّهْرِيُّ) نَحْوَ (تِسْعينَ فَرْداً)، لا يُشارِكُهُ فِيْ روايتِها أحدٌ (كُلُّها قَوِيُّ) إسنادُها (٥).

стр. 221

(وَ) بَعْدَ ردِّه مَا قَالاَهُ (اخْتَارَ) ممَّا اسْتَخْرَجَهُ مِن كَلامِ الأئِمَّةِ، (فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ) فِيهِ الثِّقَةُ غيرَهُ، وإنَّما أتى بِشيءٍ انفردَ بِهِ، (أنَّ مَنْ يقرُبُ مِنْ ضَبْطٍ) تامٍّ (فَفَرْدُهُ حَسَنْ) (١). كَحَديثِ إسرائيلَ، عَنْ يُوسُفَ بنِ أبي بُرْدَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عائِشةَ قَالتْ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ (٢)، قَالَ: غُفْرَانَكَ)) (٣). فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: ((حَسَنٌ غَرِيْبٌ، لا نعْرِفُهُ إلاّ مِن حَدِيثِ إسرائيلَ، عَنْ يُوسُفَ، عَنْ أبي بُرْدَةَ)) (٤). (أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ) التَّامَّ (فَصَحِّحْ) أنتَ فَرْدَهُ، كحديثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الولاءِ وَهِبَتِهِ، (أَوْ بَعُدْ عَنْهُ) بأَنْ قلَّ ضَبْطُهُ، (فمِمَّا شذّ) أي: ففرْدُهُ من الشاذِّ (فَاطْرَحْهُ وَرُدْ). فالشّاذُّ المردودُ كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ قِسْمانِ: أَحَدُهُما: الحَدِيْثُ الفردُ المُخالِفُ، وَهُوَ مَا عَرَّفَهُ الشَّافِعيُّ. وَثَانِيَهُمَا: الفردُ الذي لَيْسَ فِيْ راويهِ مِنَ الثِّقَةِ والضَّبْطِ مَا يَقعُ جَابراً لِما يُوجِبُهُ التفرُّدُ، والشُّذُوذُ مِنَ النَّكارةِ والضَّعْفِ (٥). وقوله: ((ورُدْ)) تأكيدٌ وتكملةٌ.

стр. 222

الْمُنْكَرُ (١) ١٦٧ - وَالْمُنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْدِيجِيْ (٢) ... أَطْلَقَ، وَالصَّوَابُ فِي التَّخْرِيْجِ ١٦٨ - إِجْرَاءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَرْ ... فَهْوَ بِمَعْناهُ (٣) كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ ١٦٩ - نَحْوَ ((كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ)) الخَبَرْ ... وَمَالِكٍ (٤) سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ: عُمَرْ

стр. 223

١٧٠ - قُلْتُ: فَمَاذَا؟ بَلْ حَدِيْثُ ((نَزْعِهْ ... خَاتَمَهُ عِنْدَ الخَلاَ وَوَضْعِهْ)) (وَالمُنْكَرُ) الحَدِيْثُ (الفَرْدُ)، وَهُوَ: الذي لا يُعرفُ متنُهُ مِن غيرِ جِهةِ راويهِ، (كَذَا) الحافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ هارونَ (البَرْدِيْجِيْ) أَطلقَ (١). (والصوابُ فِيْ التخريجِ)، يعني: فِيْ المرويِّ كَذلِكَ (إجْراءُ تَفْصِيلٍ لَدَى) أي: عِنْدَ (الشذوذِ مَرْ) حَتَّى إنَّهُ ينقسمُ قسمينِ، كالشاذِّ (٢). (فَهْوَ بمعناهُ، كَذَا الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (ذكرْ)، فلم يُميِّزْ بَيْنَهُمَا. والمعتمَدُ أنَّهما متميِّزانِ، كَمَا جَرى عَلَيْهِ شَيْخُنا (٣). فالشَّاذُّ: مَا خالفَ فِيهِ الثِّقَةُ مَنْ هُوَ أوثقُ مِنْهُ، أَوْ تفرَّدَ بِهِ قليلُ الضَّبْطِ، كَمَا مَرَّ (٤). والمُنكرُ: مَا خالفَ فِيهِ المستورُ، أَوْ الضعيفُ الذي يَنْجَبِرُ بمتابعةِ مِثْلِهِ، أَوْ تفرَّدَ بِهِ الضَّعِيفُ الذي لا (٥) يَنْجَبِرُ بِذَلِكَ. فَعُلِمَ أنَّهما مُتميِّزانِ، وأنَّ كلاً مِنْهُمَا (٦) قسمانِ. والمقابلُ للشاذِّ: المحفوظُ، وللمنكرِ: المعروفُ (٧). وبهذا عُلِمَ تفسيرُ المحفوظِ، والمعروفِ، وَقَدْ أهملَهُما النَّاظِمُ تَبَعاً لابنِ الصَّلاحِ، واللائقُ ذِكْرُهُما، كَمَا ذكرَ مَعَ المُتَّصِلِ مَا يقابلُهُ من المرسلِ، والمنقطعِ، والمعضَلِ.

стр. 224

ولكلٍّ من قِسْمَيِ المنكرِ هُوَ بمعنى الشاذِّ أمثلةٌ: فمثالُ الثَّانِي مِنْهُمَا: (نَحْوُ ((كُلُواْ البَلَحَ بِالتَّمْرِ))، الخَبَر) (١) وتمامُه: ((فإنَّ ابْنَ آدَمَ إذَا أكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أكَلَ الْجَدَيْدَ بالخَلَقِ! (٢))) (٣). فهذا الحَدِيْثُ مُنْكَرٌ، كَمَا قَالَهُ النَّسائيُّ (٤)، وابنُ الصَّلاح (٥)، وغيرُهما، فإنَّ راويه أبا زُكَيْرٍ وَهُوَ يَحْيَى بنُ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسٍ البَصْرِيُّ، عَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عائِشةَ تفرَّدَ بِهِ، وأخرجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي المتَابَعاتِ (٦)، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يبلُغْ رُتْبَةَ مَن يُحتملُ تفرُّدهُ. ولأنَّ مَعناهُ رَكِيكٌ لا ينطبقُ عَلَى مَحاسنِ الشَّريعةِ؛ لأنَّ الشَّيطانَ لا يَغْضَبُ من مجرَّدِ حياةِ ابنِ آدمَ، بَلْ حياتُهُ مسلماً مطيعاً لله تَعَالَى. ومثالُ الأَوَّل: نَحْوُ (مَالِكٍ) حَيْثُ (سَمَّى ابنَ عُثْمانَ) المعروفَ عِنْدَ غيرِهِ، بعَمْرٍو -بفتح العين- (عُمَرْ) بضمها -فِي روايتهِ- (٧) حديثَ: ((لا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ

стр. 225

المُسْلِمَ)) (١) عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ، عَنْ عُمَر بنِ عُثْمانَ، عَنْ أسامةَ بنِ زيدٍ.

стр. 226

وَعَمْرُو وَعُمَرُ ثِقتانِ، وكلاهما وَلَدُ عُثمانَ، غَيْرَ أنَّ هَذَا الحَدِيْثَ إنَّما هُوَ عَنْ عَمْرٍو - بفتح العينِ - (١). وَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ، وغيرُهُ عَلَى مَالِكٍ بالوَهَمِ (٢)، وَقَالَ ابنُ

стр. 227

الصَّلاحِ (١): فَهُوَ مُنْكرٌ. وَكأنَّهُ أرادَ أنَّهُ مُنْكرُ السَّنَدِ، وإلاّ فَهُوَ مُنْتَقَدٌ بقولِ النَّاظِمِ: (قُلْتُ: فَمَاذا) يَلزمُ مِنْ تَفَرُّدِ مَالِكٍ بِذَلِكَ (٢)، مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ وَلَدَيْ عُثْمَانَ ثِقةً (٣)؟ غَايتُه أنَّ السَّنَدَ مُنكرٌ، أَوْ شاذٌّ لمخالفةِ مَالِكٍ الثِّقات فِي ذَلِكَ، ولا يلزمُ مِنْهُ نكارةُ المَتْنِ، ولا شذوذُهُ، بدليلِ مَا ذكرَهُ - أعني: ابنَ الصَّلاحِ - فِي المعلَّلِ مِثالاً لما يَكُونُ مَعْلولَ السَّنَدِ، مَعَ صحَّةِ مَتْنِهِ، وَهُوَ خَبرُ ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)) حَيْثُ رَواهُ يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ (٤)، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ. قَالَ: والعِلَّةُ فِي قولِهِ: عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، وإنَّما هُوَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارِ، والمتنُ صَحِيْحٌ بكلِّ حالٍ؛ فَلاَ يَصْلُحُ ذَلِكَ الخبرُ مِثالاً لمُنكرِ المتنِ (٥).

стр. 228

بَلْ مِثالُهُ: (حديثُ: نَزْعِهْ) ﷺ (خَاتَمَهُ عِنْدَ) دخولِ (الخَلاَ) - بالقصرِ للوزنِ - (وَوَضْعِهْ) (١). فإنَّ همَّامَ بنَ يَحْيَى رَواهُ عَنْ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنسٍ، كَمَا رَواهُ أصحابُ " السُّنَنِ " الأربعةِ. فَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ((إنَّه مُنكرٌ)) (٢). قَالَ: وإنَّما يُعرفُ عَنْ ابنِ جُريجٍ، عَنْ زيادِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنسٍ: ((أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، اتَّخَذَ خَاتَماً من وَرِقٍ، ثُمَّ ألْقَاهُ)). قَالَ: والوَهَمُ فِيهِ من همَّامٍ، وَلَمْ يروِهِ غيرُهُ. لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّه حَسَنٌ صَحِيْحٌ غَرِيْبٌ (٣).

стр. 229

قَالَ النَّاظِمُ (١): وَهَمَّامٌ ثقةٌ، احتجَّ بِهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ، لكنَّهُ خالفَ الناسَ فِيْمَا ذَكَرُوا (٢). واعْلَمْ أنَّ مَا ذكرَهُ من ردِّهِ لتمثيلِ ابنِ الصَّلاحِ، ومِنْ تمثيلِهِ بهذا، مبنيٌّ عَلَى أنَّ المنكرَ خاصٌّ بالمتنِ، وأنَّ المخالِفَ يستوي فِيهِ الثِّقَةُ، وغيرُهُ. والأوَّلُ: ممنوعٌ. والثاني: إنَّما يأتي عَلَى قَوْلِ البَرْدِيْجِيِّ، لاَ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنا، وَلِهذا مَثَّلَ شيخُنا (٣) بِمَا يوافقُ مَا مَرَّ عَنْهُ. الاعْتِبَارُ (٤) وَالْمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ (٥) اللَّتَانِ يُسْتَفادُ بكُلٍّ مِنْهُمَا التَّقْوِيةُ ١٧١ - الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيْثَ هَلْ ... شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فيْمَا حَمَلْ ١٧٢ - عَنْ شَيْخِهِ، فَإنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ ... مُعْتَبَرٍ (٦) بِهِ، فَتَابِعٌ، وَإنْ

стр. 230

١٧٣ - شُورِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا ... وَقَدْ يُسَمَّى شَاهِداً (١)، ثُمَّ إذَا ١٧٤ - مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أتَى فَالشَّاهِدُ ... وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ (الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ) أي: اختبارُكَ، ونظرُكَ (الحَدِيْثَ) الذي تجدُهُ فِي كُتُبِهِ، بأنْ تَنْظُرَ طُرقَهُ، لتعْرِفَ: (هل شَارَكَ) راويه الذي يُظَنُّ تفرُّدُهُ بِهِ (راوٍ غيرَهُ فِيْمَا حَمَلْ) مِن ذَلِكَ الحَدِيْثِ (عَنْ شَيْخِهِ) سواءٌ اتَّفقا فِي روايتهِ بلفظِهِ عَنْهُ أَمْ لا (٢)؟ فالاعتبارُ لَيْسَ قَسِيْماً لتاليَيْهِ، بَلْ طريقٌ لَهُمَا. ومفعولُ (شارَكَ) محذوفٌ كَمَا تقرَّر، أَو (راوٍ) عَلَى لُغَةِ مَنْ جَعَلَ إعرابَ المنقوصِ نَصْباً كإعرابهِ رفعاً وجراً. فالفاعلُ عَلَى الأَوَّل ((راوٍ))، وعلى الثَّانِي ((غيرَهُ)). (فَإنْ يَكُنْ) راوي الحَدِيْثِ (شُوْرِكَ مِنْ) راوٍ (مُعتبَرٍ بِهِ)، بأَنْ يصلُحَ أَنْ يُخَرَّجَ حديثُهُ للاعتبارِ، والاستشهادِ بِهِ، كَمَا يأتي بيانُه فِي مراتبِ الجرحِ، والتعديلِ، (ف) حديثُ مَنْ شاركَ (تابعٌ) حقيقةً، وهذهِ متابعةٌ تامَّةٌ، إنْ اتَّفَقا فِي رِجالِ السنَدِ كُلِّهِم. (وإنْ شُورِكَ شيْخُهُ) فِي روايتِهِ لَهُ (٣) عَنْ شيخِهِ (فَفَوْقُ) -بِبنائِهِ عَلَى الضَمِّ - أي: ففوقَ شيخِهِ إلى آخرِ السَّنَدِ واحداً بَعْدَ واحدٍ حَتَّى الصَّحَابيّ (فكذا) أي: فَهُوَ تابعٌ أَيْضاً، لكنَّهُ قاصرٌ عَنْ مُشاركتِهِ هُوَ، وكُلَّما بَعُدَ فِيهِ المتابعُ، كَانَ أقصرَ. (وَقَدْ يُسَمَّى) أي: كُلٌّ مِنَ المتَابعِ لشيخِهِ، فَمَنْ فَوْقَهُ (شَاهِداً) أَيْضاً (٤). (ثُمَّ) بَعْدَ فَقْدِ التابعِ، (إذَا مَتْنٌ) آخرُ فِي البابِ، إمّا عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابيّ، أَوْ غيرِهِ، (بِمَعْناهُ أَتَى ف) هُوَ (الشاهِدُ).

стр. 231

والحاصلُ أنَّ التابعَ مُخْتصٌّ بما كَانَ باللفظِ، سواءٌ أكانَ (١) من رِوَايَة ذَلِكَ الصحابيِّ أَمْ لا، وأنَّ الشاهدَ مُختصٌّ بِما كَانَ بالمعنى كَذلِكَ، وأنَّه قَدْ يُطلقُ عَلَى المتابعةِ القاصرةِ. وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ شَيْخُنا، لكنَّه رجَّحَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ من أنَّه لا اختصاصَ فيهِمَا بِذَلِكَ، وأنَّ افتراقَهما بالصَّحابيِّ فَقَطْ، فكلُّ مَا جَاءَ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابيِّ فتابعٌ، أَوْ عَنْ غيرِهِ فَشَاهدٌ. قَالَ: وَقَدْ يُطلقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الآخرِ، والأمرُ فِيهِ سَهْلٌ (٢). (وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا) أي: مَا ذُكِرَ مِن تابعٍ وشاهدٍ (مَفَارِدُ) - بفتح الميم - أي: أفرادٌ، فيكونُ الحَدِيْثُ فرداً، وينقسمُ بَعْدَ ذَلِكَ لِقسمَيِ: الشَّاذِّ والمُنكرِ، كَمَا مَرَّ. وممَّنْ صرَّحَ بما مَرَّ فِي كيفيةِ الاعتبارِ، ابنُ حِبَّانَ (٣)، حَيْثُ قَالَ: مثالُه: أن يَرْوِيَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ حَدِيثاً، لَمْ يُتَابعْ عَلَيْهِ عَنْ أيُّوبَ، عَنْ ابنِ سِيرينَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ-، عَنْ النَّبيِّ ﷺ ، فيُنْظَرَ (٤): هل رَوَى ذَلِكَ ثِقَةٌ غَيْرُ أيوبَ، عَنِ ابنِ سيرينَ؟ فإنْ وُجِدَ، عُلِمَ أنَّ للخبرِ أصلاً يُرْجَعُ إِليهِ. وإنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فثقةٌ غيرُ ابنِ سيرينَ رَواهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وإلاَّ فَصَحَابِيٌّ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٥)، رَواهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ؟ فأيُّ ذَلِكَ وُجِدَ، يُعْلَمُ بِهِ أَنَّ للحديثِ أصلاً يرجعُ إِليهِ، وإلاّ فَلاَ (٦). انتهى.

стр. 232

ولا يختصُّ ذَلِكَ بالثقةِ، وَلهَذا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((واعلمْ أنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي بابِ المتابعةِ والاستشهادِ روايةُ مَنْ لا يُحتجُّ بِحَدِيثِهِ وَحْدَهُ، بَلْ يكونُ مَعدوداً من الضُّعفاءِ، وفِي كتابَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعفاءِ، ذَكَرَاهُم فِي المتابعاتِ والشواهدِ، وَلَيْسَ كُلُّ ضعيفٍ يَصْلُحُ لِذلِكَ، ولهذا يقولونَ: فُلاَنٌ يعتبرُ بِهِ، وفلانٌ لا يعتبرُ بِهِ)) (١). ١٧٥ - مِثَالُهُ ((لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا)) ... فَلَفْظَةُ ((الدِّبَاغِ)) مَا أتَى بِهَا ١٧٦ - عَنْ عَمْرٍو الاَّ (٢) ابنُ عُيَيْنَةٍ (٣) وَقَدْ ... تُوبِعَ (٤) عَمْروٌ في الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ ١٧٧ - ثُمَّ وَجَدْنَا ((أَيُّمَا إِهَابِ)) ... فَكَانَ فيهِ شَاهِدٌ (٥) في البابِ (مِثَالُهُ) أي: مَا وُجِدَ لَهُ تابعٌ وشاهدٌ، خَبَرُ: (لَوْ أخَذُواْ إهَابَهَا) -بكسرِ الهمزة - أي: جِلْدَها ((فَدَبَغُوْهُ فَانْتَفَعُواْ بِهِ)) المرويُّ عَنْ مسلمٍ (٦)، وغيرِهِ (٧)، من طريقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، عَنْ عطاءِ بنِ أَبِي رباحٍ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوْحَةٍ أعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ))، فَذَكَرَهُ. (فلفظةُ الدِّبَاغِ) فِيهِ (مَا أَتَى بِهَا) أَحَدٌ (٨) (عَنْ عَمْرٍو) مِن أَصْحابِهِ (الاَّ) (٩) -بدرجِ الهمزةِ - (ابنُ عُيَيْنَةٍ) بصَرفِهِ للوزنِ - فإنَّه انفردَ بِها، وَلَمْ يُتابعْ عَلَيْهَا. (وَقَدْ تُوبعَ) شيخُهُ (عَمْرٌو)، عَنْ عطاءٍ (فِي الدِّباغِ).

стр. 233

فَرواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، والْبَيْهَقِيُّ (٢) عَنْ ابنِ وَهْبٍ، عَنْ أُسامةَ بنِ زيدٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أن النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ لأهلِ شاةٍ مَاتتْ: ((ألاَّ نَزَعْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوْهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ)). قَالَ البَيْهَقِيُّ (٣): وَهَكذا رواهُ اللَّيثُ بنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزيدَ بنِ أبي حَبِيْبٍ، عَنْ عطاءٍ. وكذا رَواهُ يَحْيَى بنُ سعيدٍ، عَنْ ابنِ جُريجٍ، عَنْ عطاءٍ. فهذهِ مُتابعاتٌ لابنِ عُيَيْنَةَ فِي (٤) شَيخِ شيخِهِ، (فاعتُضِدْ) بها (٥). (ثُمَّ وَجَدْنَا) من روايةِ عبدِ الرَّحمانِ بنِ وَعْلَةَ (٦)، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ مرفوعاً: ((أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)) (٧) رَواهُ مُسْلِمٌ (٨) وغيرُهُ (٩). ولفظُ مُسْلِمٍ: ((إذَا دُبِغَ الإِهَابُ)). (فَكانَ فِيهِ) لكونِه بمعنى حَدِيثِ ابنِ عُيَيْنَةَ (شاهدٌ فِي البابِ). أي: عِنْدَ من لا يَقْصُرُهُ عَلَى مَا جاءَ عَنْ صَحَابِيٍّ آخرَ، أما مَنْ يَقْصُرُهُ عَلَيْهِ -وهم الْجُمْهُورُ كَمَا مَرَّ- فعنَدهُم: أنَّ رِوَايَةَ ابنِ وَعْلَةَ هذِهِ مُتَابعةٌ لفظاً (١٠) لِعَطاءٍ.

стр. 234

ولهذا عَدَلَ شَيْخُنا (١) عَنْ التمثيلِ بِهِ، إلى التمثيلِ بحديثٍ فِيهِ المتابعةُ التامَّةُ والقاصرةُ، والشاهدُ باللَّفْظِ، والشاهدُ بالمعنى. وَهُوَ: مَا رَواهُ الشَّافِعيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: ((الشَّهْرُ تِسعٌ وَعِشْرُوْنَ، فَلاَ تَصُوْمُوْا حَتَّى تَرَواُ الهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوْا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوْا الْعِدَّةَ ثَلاَثِيْنَ)) (٢). رَواهُ عِدَّةٌ مِنْ أصْحابِ مَالِكٍ بِلَفظِ: ((فَاقْدُرُوْا لَهُ)). فَأشارَ البَيْهَقِيُّ (٣) إلى أنَّ الشَّافِعيَّ تَفَرَّدَ بقولِهِ: ((فَأكْمِلُوْا الْعِدَّةَ ثلاَثِيْنَ)). فنظرنا، فَوَجَدْنا البُخَارِيَّ (٤) رَواهُ بلفظِ الشَّافِعيِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ إلى آخرِهِ. فهذهِ مُتَابَعةٌ تامَّةٌ لما رَواهُ الشَّافِعيُّ. ودلَّ هَذَا عَلَى أنَّ مالكاً رَواهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارٍ باللفظينِ، وَقَدْ تُوبعَ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بنُ دينارٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ، حَيْثُ رواهُ مُسْلِمٌ (٥) مِن طَريقِ أَبِي أُسامةَ، عَنْ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عَنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ بلفظِ: ((فَاقْدُرُوْا ثَلاَثِينَ)). ورواهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (٦) من طريقِ عَاصِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ زيدٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ ابنِ عُمَرَ، بلفظِ: ((فَكَمِّلُوْا ثَلاَثِيْنَ)).

стр. 235

فهذهِ متابعةٌ قاصرةٌ. وَلَهُ شاهِدانِ: أحدُهما: مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَواهُ البُخَارِيُّ (١) عَنْ آدمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظِ: ((فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ)). وثانيهما: من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَواهُ النَّسَائِيُّ من طريقِ عَمْرِو بنِ دينارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ حُنَيْنٍ (٢)، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ بلفظِ حَدِيثِ ابنِ دينارٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ سواءٌ (٣). وهذا باللفظِ، ومَا قبلَهُ بالمعنى. زِيَادَاتُ الثِّقَاتِ (٤) ١٧٨ - وَاقْبَلْ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ مِنْهُمُ ... وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ المُعْظَمُ ١٧٩ - وَقِيْلَ: لاَ، وَقِيْلَ: لاَ مِنْهُمْ وَقَدْ ... قَسَّمَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا انْفَرَدْ ١٨٠ - دُوْنَ الثِّقَاتِ ثِقَةٌ خَالَفَهُمْ ... فِيْهِ صَرِيْحاً فَهْوَ رَدٌّ عِنْدَهُمْ ١٨١ - أَوْ لَمْ يُخَالِفْ، فَاقْبَلَنْهُ وَادَّعَى ... فِيْهِ الخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعَا ١٨٢ - أَوْ خَالَفَ الاطْلاَقَ نَحْوُ ((جُعِلَتْ ... تُرْبَةُ الارْضِ)) (٥) فَهْيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ

стр. 236

وتُعْرَفُ بجَمْعِ الطُّرُقِ والأبوابِ، وهيَ مِنَ الصَّحابةِ مقبولةٌ اتِّفاقاً، ومِنْ غيرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ: (واقْبَلْ) أنتَ (زياداتِ الثِّقاتِ) مُطْلَقاً مِنَ التابِعِينَ فَمَنْ دُوْنَهُم (مِنْهُمُ) أيْ: مِنَ الثِّقَاتِ الرَّاوِينَ للحديثِ بِدُونِها؛ بأنْ رَواهُ أحدُهُم بدونِها ومَرَّةً بها. (وَمَنْ سِوَاهُمْ) أي: سِوَى الرَّاوِينَ بِدُونِها مِنَ الثِّقاتِ أيضاً، سَواءٌ أكانتْ (١) فِي اللَّفْظِ، أمْ فِي المَعْنَى، تَعَلَّقَ بها حُكْمٌ شرعيٌّ أمْ لاَ، غَيَّرتِ الحكْمَ الثابتَ أمْ لاَ، غَيَّرتِ الإعرابَ أمْ لاَ، عُلِمَ اتِّحادُ (٢) المجلسِ أمْ لاَ، كَثُرَ السَّاكِتونَ عنها أمْ لا؟. (ف) هَذَا مَا (عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ) مِنَ الفقهاءِ والمحدِّثِينَ والأصولِيِّيْنَ (٣). وَقَيَّدَهُ جماعةٌ - مِنْهُمْ: ابنُ عبدِ البَرِّ - بما إذا لَمْ يَكُنْ راويها دونَ مَنْ لَمْ يَرْوِها حِفْظاً وإتقاناً (٤). (وَقِيْلَ: لاَ) تُقبلُ الزِّيادةُ مُطلَقاً، لا (٥) ممَّنْ رواهُ نَاقِصاً، ولاَ مِنْ غَيرِهِ (٦)؛ لأنَّ تَرْكَ الْحُفَّاظِ لَها يُضَعِّفُها، إذْ يبعدُ عادةً سماعُ الجماعةِ لحديثٍ واحدٍ، وذهابُ زيادةٍ فيهِ عَلَى أكثرِهِمْ و (٧) نِسيانِها.

стр. 237

(وَقِيْلَ: لاَ) تُقْبَلُ (مِنْهُمْ) أي: ممَّنْ رواهُ مرَّةً بِدُونِها، ومرَّةً بها؛ لأنَّ رِوَايتَهُ لَهُ بدونِها أورثَتْ شَكّاً فِيْهَا؛ لأنَّ الإنسانَ طُبِعَ علَى (١) إشهارِ (٢) عِلْمِهِ. وتُقْبَلُ مِنْ غيرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ؛ لانتفاءِ ذلكَ فيهِ. وقيلَ: تُقْبَلُ إنْ لَمْ تُغَيِّرِ الإعرابَ (٣). وقِيلَ: تُقْبَلُ إنِ اخْتَلَفَ المجلسُ، أو ادَّعَى نسيانَها (٤). وَقِيْلَ: لاَ تُقْبَلُ إنْ كَثُرَ السَّاكِتونَ عنها، ولَمْ يَغْفُلْ مِثْلُهُمْ عَنْ مِثْلِها (٥). وقِيْلَ: لا تُقْبَلُ إلاَّ أنْ تُفِيْدَ حُكْماً (٦). وقِيْلَ: تُقْبَلُ في اللَّفْظِ، كالتأكيدِ دونَ المعنى (٧). وقيْلَ: عَكْسُهُ (٨).

стр. 238

(وَقَدْ قَسَّمَهُ) أي: مَا يَنفردُ بهِ الثِّقَّةُ مِنَ الزيادةِ (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاَحِ (١)، (فَقَالَ): أخذاً من كلامِهِمْ قَدْ رأيتُ تقسيمَ ما ينفرِدُ بهِ الثِّقَةُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: (ما انفردْ): بروايتِهِ (دُوْنَ الثِّقَاتِ)، أو ثقةٍ أحفظَ، (ثِقَةٌ خالَفَهُمْ)، أو خالَفَ الثِّقَةَ الأحفَظَ (فيهِ) أي: فيما انفَرَدَ بهِ (صَرِيحاً)، بأنْ لا يمكنُ الجمْعُ بينَهُما. (فَهْوَ رَدٌّ) أي: مردودٌ، كما مَرَّ في الشاذِّ، (عِندَهُم) أي: عِنْدَ المحقِّقِينَ، ومنهمْ: الشافِعيُّ. (أو لَمْ يُخالِفْ) فيهِ أصلاً، كتفرُّدِهِ بحديثٍ. (فاقْبَلَنْهُ) (٢)؛ لأنَّهُ جازمٌ بما رواهُ، وهو ثقةٌ، ولا مُعارضَ لروايَتِهِ؛ إذِ السَّاكِتُ عنها لَمْ يَنْفِها لفظاً ولا معنًى. (وادَّعَى فيْهِ) أي: في قَبولِ هذا القِسْمِ (الخطيبُ) البغداديُّ (٣) (الاتِّفاقَ) مِنَ العُلماءِ حالةَ كونِهِ (مُجْمَعا) عليهِ، وهَذَا تكملةٌ وتأكيدٌ. (أو خَالفَ الاطلاقَ)، بأنْ زادَ لفظةً في حديثٍ لَمْ يَذْكُرْها سائرُ مَنْ رواهُ. (نَحْوُ: جُعِلَتْ تُرْبَةُ الارْضِ) بدرجِ الهمزةِ -في حديثِ: ((فُضِّلْتُ على الناسِ بثلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوْفُنا كصُفُوفِ الملائكةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً)) (٤). (فَهْيَ) أي: زيادَةُ: ((تُرْبَةٍ)) (فَرْدٌ نُقِلَتْ) تَفَرَّدَ بها أبو مالكٍ (٥) سَعْدُ بنُ طارقٍ الأشْجَعِيُّ (٦)، عنْ رِبْعِيٍّ (٧)، عَنْ حُذَيْفَةَ. رواهَا مسلمٌ (٨) وغيرُهُ (٩).

стр. 239

قالَ - أعني: ابنَ الصلاحِ -: ((فهذا يُشْبِهُ القسمَ الأوَّلَ، مِنْ حيثُ إنَّ ما رواهُ الجماعةُ عامٌّ - أي: في جميعِ أجزاءِ الأرضِ (١) -، وما رواهُ المنفردُ (٢)، مخصوصٌ - أي: بالترابِ (٣) - وفي ذلكَ نوعُ مخالفَةٍ، ويُشْبِهُ الثانيَ مِنْ حيثُ إنَّهُ لا منافاةَ بينَهُما)) (٤). ١٨٣ - فَالْشَّافِعِيْ وَأَحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا ... وَالوَصْلُ والارْسَالُ مِنْ ذَا أُخِذَا ١٨٤ - لَكِنَّ في الإرْسَالِ جَرْحاً (٥) فَاقْتَضَى ... تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى ١٨٥ - هَذَا قَبُولُ الوَصْلِ إذْ فِيْهِ وَفِيْ ... الجَرْحِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَفِيْ (٦)

стр. 240

(فالشَّافِعِيْ) - بالإسكانِ - لِمَا مرَّ (١) (وأحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا) أيْ: باللَّفْظِ الزَّائِدِ، حيثُ خَصَّا التَّيَمُّمَ بالتُّرابِ (٢). (والوَصْلُ والارسالُ) في تعارضِهِما (مِنْ ذَا) أي: مِنْ بابِ زيادةِ الثِّقَاتِ (أُخِذَا)، فالوصلُ زيادةُ ثقةٍ. (لَكِنَّ) - بالتَّشديدِ - (في الإرسالِ جَرْحاً) في الحديثِ، (فاقْتَضَى) ذلكَ (تَقْدِيْمَهُ) عندَ الأكثَرِ؛ لكونِهِ مِنْ قَبيْلِ تقديمِ الْجَرْحِ على التَّعْدِيْلِ: فافْتَرَقا. (وَرُدَّ) تَقْديمُ الإرسالِ بـ (أنَّ مُقْتَضَى هَذا) أي: ما عُلِّلَ بهِ تَقْديْمُهُ (قَبُولُ الوَصْلِ) أيضاً (إذْ فيْهِ) أي: في الوصْلِ (وفي الْجَرْحِ عِلْمٌ زائِدٌ لِلْمُقْتَفيْ) أي: الْمُتَّبِعِ، فتَعَارَضَا. والأوْجَهُ أنَّ الزيادةَ في الوصلِ: إذِ الإرسالُ نَقْصٌ في الحِفْظِ (٣).

стр. 241

الأَفْرَادُ (١) ١٨٦ - الفَرْدُ قِسْمَانِ، فَفَرْدٌ مُطْلَقَاْ ... وَحُكْمُهُ عِنْدَ الشُّذُوْذِ سَبَقَا ١٨٧ - وَالفَرْدُ بِالنِّسْبَةِ: مَا قَيَّدْتَهُ ... بِثِقَةٍ، أوْ بَلَدٍ ذَكَرْتَهُ ١٨٨ - أوْ عَنْ فُلانٍ نَحْوُ قَوْلِ القَائِلْ ... لَمْ يَرْوِهِ عَنْ بَكْرٍ الاَّ (٢) (٢) وَائِلْ ١٨٩ - لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاّ (٣) (٤) (ضَمْرَهْ) ... لَمْ يَرْوِ هَذَا غيرُ أهْلِ البَصْرَهْ

стр. 242

١٩٠ - فَإنْ يُرِيْدُوا وَاحِداً مِنْ أهْلِهَا ... تَجَوُّزاً، فاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلهِا ١٩١ - وَلَيْسَ في أفْرَادِهِ النِّسْبِيَّهْ ... ضَعْفٌ لَهَا مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّهْ ١٩٢ - لَكِنْ إذَا قَيَّدَ ذَاكَ بِالثِّقَهْ ... فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطْلَقَهْ الأفرادُ - بفتحِ الهمزَةِ - (الفَرْدُ قِسْمانِ: فَفَرْدٌ) يَقَعُ (مُطْلَقا) (١) وهوَ أوَّلُهُما: بأنْ يَنْفَرِدَ بهِ راوٍ واحدٌ عَنْ كُلِّ أحدٍ (٢). (وَحُكْمُهُ) مَعَ مِثالِهِ (عِنْدَ الشُّذوذِ سَبَقا) أي: سَبَقَ في نوعِ الشَّاذِّ. (والفَرْدُ بالنِّسْبَةِ) إلى جِهَةٍ خاصَّةٍ، وهوَ ثانيهُما، ولهُ أنواعٌ: (ما قَيَّدْتَهُ بِثِقَةٍ أوْ بَلَدٍ) مُعَيَّنٍ (ذَكَرْتَهُ)، كَمَكَّةَ، والبصْرَةِ، والكُوفَةِ، وسيأتي مثالُهَا، (أوْ) برَاوٍ مُعيَّنٍ، بأنْ لَمْ يَرْوِهِ (عَنْ فلانٍ)، إلاَّ فلانٌ. (نَحْوُ قَوْلِ القائِلْ) أبي الفَضْلِ بنِ طاهِرٍ (٣) في حديثِ أصحابِ " السُّنَنِ الأربعةِ " مِنْ طريقِ سُفيانَ بنِ عُيَيْنةَ، عَنْ وائلِ بنِ داودَ، عَنْ ابنِهِ بكرِ بنِ وائلٍ (٤)، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أنسٍ: ((أنَّ النبيَّ ﷺ أوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيْقٍ (٥) وَتَمْرٍ)) (٦)، (لَمْ يَرْوِهِ عَنْ بَكْرٍ الاَّ وائِلْ) - بدرجِ الهمزةِ - أي: أبوهُ، ولَمْ يَرْوِهِ عَنْ وائِلٍ إلاَّ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَهُوَ غريبٌ؛ وكذا قالَ التِّرْمذيُّ: ((إنَّهُ حَسَنٌ غريبٌ)) (٧).

стр. 243

ولاَ يلزمُ مِنْ تفرُّدِ وائلٍ بهِ عَنْ ابنِهِ بكرٍ تَفرُّدُهُ بهِ مطلقاً، فقدْ ذَكَرَ الدارَقطنيُّ فِي "علَلِهِ" أنَّهُ رواهُ مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ التَّوَّزِيُّ (١)، عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قالَ: ((ولَمْ يُتَابعْ عليهِ، والمحفوظُ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ وائلٍ، عَنِ ابنِهِ، ورواهُ جماعةٌ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلاَ واسطةٍ)). ومثالُ المقَيَّدِ بالثِّقَةِ: قولُ القائلِ في حديثِ: ((قِراءةُ النبيِّ ﷺ في الأضْحَى، والفِطْرِ بـ ((قافْ)) و (٢) ((اقْتَرَبَتِ)) (٣): (لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاَّ ضَمْرَهْ) -بدرجِ الهمزةِ- أي: ابنُ سعيدٍ المازِنيُّ، فقدِ انفردَ بهِ عنْ عُبيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أبي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ، عَنِ النبيِّ ﷺ رواهُ مسلمٌ (٤)، وغيرُهُ (٥). وإنَّما قَيَّدَ بالثِّقَةِ لروايةِ الدارَقُطنيِّ (٦) لهُ مِنْ رِوَايةِ ابنِ لَهِيْعَةَ (٧) - وقَدْ ضَعَّفَهُ الجُمْهورُ (٨) - عَنْ خالِدِ بنِ يزيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ. ومِثَالُ المقَيَّدِ بِبَلَدٍ: قَوْلُ القائِلِ في حديثِ أبي داودَ (٩)، عَنْ أبي الولِيْدِ (١٠) الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبي نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: ((أَمَرَنَا

стр. 244

رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ نَقْرَأَ بفَاتِحَةِ الكِتابِ، ومَا تَيَسَّرَ)): (لَمْ يَرْوِ هذا) الحديثَ (غَيرُ أهلِ البَصْرَهْ)، فقدْ قالَ الحاكِمُ: ((إنَّهُم تَفَرَّدُوا بِذِكْرِ الأمرِ فيهِ، مِنْ أوَّلِ الإسنادِ إلى آخرِهِ)) (١). وكذا قالَ في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، في صِفَةِ وُضُوءِ (٢) رسولِ اللهِ ﷺ : إنَّ قولَهُ: ((وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ)) (٣)، ((سُنَّةٌ غريبةٌ، تَفَرَّدَ بها أهلُ مِصْرَ)) (٤). (فإنْ يُرِيْدُوا) أي: القائلونَ بما ذُكِرَ ونحوِهِ (واحِداً) فقطْ (مِنْ أهلِهَا) أي: (٥) أهلِ تِلْكَ البَلْدَةِ (تَجَوُّزاً) في الإضافةِ، كما يُضافُ فِعْلُ واحِدٍ مِنْ قَبيلَةٍ إليها مَجَازاً (فَاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلِهَا) أي: مِنْ أوَّلِ الصُّوَرِ المذكورةِ في البابِ وهوَ الفَرْدُ المطلقُ. ومنهُ حديثُ: ((كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ)) (٦) السابِقُ في نوعِ المنكرِ، حيثُ قالَ الحاكِمُ: ((هو مِنْ أفرادِ البصريِّيْنَ عَنِ المدنيِّيْنَ، تَفَرَّدَ بهِ أبو زُكَيْرٍ (٧)، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ)) (٨)، فجَعَلَهُ مِنْ أفرادِ البَصْريِّيْنَ وأرادَ واحِداً منهمْ (٩). (وليسَ في أفرادِهِ) أي: هذا البابُ (النِّسْبِيَّه)، وهيَ أنواعُ القِسْمِ الثاني (ضَعْفٌ لَها مِنْ هذهِ الْحَيْثِيَّه) أي: حَيْثِيَّةِ الفرديَّةِ. (لَكِنْ إذا قَيَّدَ) القائِلُ مِنَ الْحُفَّاظِ (ذاكَ) التَّفَرُّدَ (بالثِّقَهْ)، كقولِهِ: لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ إلاَّ فلانٌ (فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطلَقَهْ) أي: مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ؛ لأنَّ روايةَ غيرِ الثِّقَةِ كَـ: لاَ رِوَايَةٍ، فَيُنْظَرُ فيهِ: هَلْ بَلغَ رُتْبَةَ مَنْ يُعْتَبَرُ بحدِيْثِهِ أوْ لاَ؟ وفي الْمُتَفَرِّدِ (١٠)

стр. 245

بالحديثِ، هلْ بَلَغَ رُتْبَةَ مَنْ يُحْتَجُّ بتَفَرُّدِهِ أو (١) لاَ؟ فَعُلِمَ أنَّ مِنْ أنواعِ القِسْمِ الثاني، ما يُشَارِكُ الأوَّلَ، كإطلاقِ تَفَرُّدِ أهلِ بَلَدٍ بما يكونُ راويهِ منها واحداً، وتَفَرُّدِ ثِقَةٍ بما يُشارِكُهُ في روايَتِهِ ضَعِيْفٌ (٢). تَنْبِيْهٌ: قالَ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ: ((إذا قِيْلَ في حديثٍ: تَفَرَّدَ بهِ فلانٌ، عَنْ فلانٍ، احتملَ أنْ يكونَ تفرُّداً مُطلَقاً، وأنْ يكونَ تَفَرَّدَ بهِ عنْ (٣) هذا الْمُعَيَّنِ خاصَّةً، ويكونَ مرويّاً عن غيرِ ذلكَ الْمُعَيَّنِ: فَلْيُتَنَبَّهْ لذلكَ)) (٤). المُعَلَّلُ (٥) ١٩٣ - وَسَمِّ مَا بِعِلَّةٍ مَشْمُوْلُ ... مُعَلَّلاً، وَلاَ تَقُلْ: مَعْلُوْلُ ١٩٤ - وَهْيَ عِبَارَةٌ عَنَ اسْبَابٍ (٦) طَرَتْ ... فِيْهَا غُمُوْضٌ وَخَفَاءٌ أثَّرَتْ ١٩٥ - تُدْرَكُ بِالخِلاَفِ وَالتَّفَرُّدِ ... مَعَ قَرَائِنَ تُضَمُّ، يَهْتَدِيْ ١٩٦ - جِهْبَذُهَا إلى اطِّلاَعِهِ عَلَى ... تَصْويْبِ إرْسَالٍ لِمَا قَدْ وُصِلاَ ١٩٧ - أوْ وَقْفِ مَا يُرْفَعُ، أوْ مَتْنٍ دَخَلْ ... في غَيْرِهِ، أوْ وَهْمِ وَاهِمٍ حَصَلْ ١٩٨ - ظَنَّ فَأمْضَى، أوْ وَقَفْ (٧) فأحْجَمَا ... مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرَهُ أنْ سَلِمَا

стр. 246

قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((مَعْرِفَةُ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أجَلِّ عُلُومِهِ وأدَقِّها وأشرَفِها، وإنَّما يَتَضَلَّعُ (١) بذلكَ أهلُ الحِفْظِ، والخِبْرَةِ، والفَهْمِ الثَّاقِبِ)) (٢). (وَسَمِّ) أنتَ (ما) هوَ مِنَ الحديثِ (بِعِلَّةٍ) خَفِيَّةٍ مِنْ عِلَلِهِ الآتيةِ، في سندٍ، أو متنٍ (مَشْمُولُ مُعَلَّلاً)، كما عَبَّرَ بهِ ابنُ الصَّلاحِ (٣). (ولاَ تَقُلْ) فيهِ: هُوَ (مَعْلُولُ) وإنْ وَقَعَ في كلامِ كثيرٍ مِنْ أهلِ الحديثِ (٤)، والأصولِ، والكلامِ، والعَرُوْضِ؛ لأنَّهُ مِنْ ((عَلَّهُ الشَّرَابُ))، إذا سقاهُ (٥) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، لا مِمَّا نَحنُ فيهِ، وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((إنَّهُ مرذُوْلٌ عِنْدَ أهلِ العربيةِ، واللُّغَةِ)) (٦)، والنَّوَوِيُّ: ((إنَّهُ لَحْنٌ)) (٧). قَالَ النَّاظِمُ (٨): ((والأجودُ الْمُعَلُّ (٩) كما هوَ في عبارةِ بعضِهِمْ، وأكثرُ عِباراتِهِم في الفِعْلِ: أعَلَّهُ فلانٌ بِكَذا، وقياسُهُ: مُعَلٌّ، وهوَ المعروفُ لغةً قالَ الْجَوْهَريُّ (١٠): لا أَعَلَّكَ اللهُ أي: لا أصابَكَ بِعِلَّةٍ)). انتهى. وقولُهُ: والأجودُ ((الْمُعلُّ)) أي: أجودُ مِنَ المعلُولِ، أو منهُ، ومِنَ المعلَّلِ تغليباً، وإلاَّ فالْمُعَلَّلُ لا جَوْدةَ فيهِ؛ فإنَّهُ لا يجوزُ أصلاً إلاَّ بتجوُّزٍ؛ لأَنَّهُ ليسَ مِنْ هَذَا البابِ، بلْ

стр. 247

مِنْ بابِ ((التَّعَلُّلِ)) (١)، الذي هُوَ التَّشاغلُ والتَّلَهِّي، ومنهُ: تعليلُ الصَّبِيِّ بالطَّعامِ كما ذَكَرَهُ هُوَ أيضاً (٢). أمَّا ((معلولٌ)) فموجودٌ، وبهِ عَبَّرَ شيخُنا (٣)، بلْ قالَ: إنَّهُ الأولى؛ لأنَّهُ وقَعَ في عباراتِ أهلِ الفَنِّ، مَعَ ثُبُوتِهِ في اللُّغَةِ - أي: ومَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لَمْ يَحْفَظْ - لَكِنَّ الأعرفَ: أنَّ فِعْلَهُ ثلاثيٌّ مزيدٌ، فالأجودُ: ((الْمُعَلُّ)) كما قالَهُ النَّاظِمُ، وإنْ كانَ المعلولُ أولى، لِمَا مَرَّ. (وهْيَ) أي: العِلَّةُ الخفِيَّةُ، (عِبارَةٌ عَنَ اسبابٍ) - بدرجِ الهمزةِ - جَمْعُ سَبَبٍ، وهوَ لغةً: ما يُتَوَصَّلُ بهِ إلى غيرِهِ (٤). واصْطِلاَحاً: ما يَلْزَمُ مِنْ وجودِهِ الوجودُ، ومِنْ عَدَمِهِ العدَمُ (٥). (طَرَتْ) - بحذفِ الهمزةِ تخفيفاً (٦) - أي: طَلَعَتْ، بمعنى: ظهَرَتْ للنَّاقِدِ (فيها) أي: الأسبابِ، (غُمُوضٌ وخَفَاءٌ)، العطفُ فيهِ عطفُ تفسيرٍ، (أثَّرَتْ) أي: قَدَحَتْ في قَبولِ الحديثِ. (تُدْرَكُ) أي (٧): الأسبابُ، أو العِلَّةُ بعدَ جَمْعِ طُرُقِ الحديثِ، والفحصِ عنها (بالخِلاَفِ والتَّفَرُّدِ) أي: بمخالفةِ راويهِ لغيرِهِ، مِمَّنْ هوَ أحفظُ وأضبطُ، أو أكثرُ عدداً، وبتَفَرُّدِهِ بهِ بأنْ لَمْ يُتابَعْ عليهِ، (مَعَ قرائِنَ تُضَمُّ) لِمَا ذُكِرَ. (يَهْتَدِيْ) بمجموعِ ذلكَ (جِهْبَذُها) (٨) بذالٍ معجمةٍ - أي: الحاذقُ في هذا

стр. 248

الفنِّ (إلى اطِّلاَعِهِ على تَصْوِيبِ إرسالٍ لِمَا قَدْ وُصِلا، أوْ) تصويبِ (وقْفِ ما يُرْفَعُ، أوْ) تصويبِ فَصْلِ (١) (مَتْنٍ)، ولوْ بَعْضاً (دَخَلْ) مُدْرَجاً (في) مَتْنِ (غَيْرِهِ، أوْ) إلى اطِّلاَعِهِ على (وَهْمِ واهِمٍ حَصَلْ) بغَيْرِ ما ذُكِرَ، كإبدالِ راوٍ ضَعيفٍ بثقةٍ. وقَدْ (ظَنَّ) الجِهْبَذُ قوَّةَ ما وَقَفَ عليهِ مِنْ ذلكَ، (فأمضَى) الحكمَ بما ظَنَّهُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الحديثِ؛ لأنَّ مَبْنَى ذلكَ على غَلَبةِ الظنِّ. (أوْ) تَرَدَّدَ بحيثُ (وَقَفْ) بإدغامِ فائهِ في فاءِ، (فَأَحْجَما) عَنِ الحكْمِ بقَبُولِ الحديثِ، وعدمِهِ احتياطاً. كُلُّ ذلكَ (مَعْ كَوْنِهِ) أي: الحديثُ الْمُعَلُّ، أو المتَوَقَّفُ فيهِ (ظَاهِرَهُ) قبلَ الوقوفِ (٢) على عِلَّتِهِ (أنْ سَلِمَا) أي: سلامتُهُ منها لِجَمْعِهِ شروطَ قَبولِهِ ظاهِراً. فقَوْلُهُ: ((ظاهِرَهُ)) منصوبٌ خبرُ ((كانَ))، و ((أنْ سَلِمَا)) فاعِلُهُ (٣)، أو مرفوعٌ (٤) مبتدأٌ، و ((أنْ سَلِمَا)) خبرُهُ، والجملةُ خبرُ ((كانَ)) (٥). وَعُلِمَ مِنْ تَعْريفِ العِلَّةِ بما ذكرَ أنَّ الْمُعَلَّ: حديثٌ فيهِ أسبابٌ خفِيَّةٌ، طَرَأَتْ عليهِ فأثَّرَتْ فيهِ (٦). قالَ شيخُنا (٧): ((وأحسنُ منهُ أنْ يُقَالَ: هوَ حديثٌ ظاهرُهُ السلامةُ اطُّلِعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ على قادحٍ)).

стр. 249

ومثالُهُ: حديثُ ابنِ جُريجٍ في التِّرمذيِّ (١)، وغيرِهِ (٢): عَنْ موسى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُريرةَ مرفوعاً: ((مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً، فَكَثُرَ فيهِ لَغَطُهُ (٣)، فقالَ قبلَ أنْ يقومَ: سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ ... الحديثَ)) (٤). فإنَّ موسى بنَ إسماعيلَ المِنْقَرِيَّ (٥)، رواهُ عنْ وُهَيْبِ (٦) بنِ خالدٍ الباهِليِّ، عَنْ سُهَيْلٍ المذكورِ، عَنْ عَوْنِ بنِ عبدِ اللهِ. وبهذا أعلَّهُ البخاريُّ، فقالَ: هوَ مرْوِيٌّ عَنْ موسَى بنِ إسماعيلَ، وأمَّا موسَى بنُ عُقْبَةَ فلا نَعْرِفُ لهُ سماعاً مِنْ سُهَيْلٍ (٧). ١٩٩ - وَهْيَ (٨) تَجِيءُ غَالِباً في السَّنَدِ ... تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَدِ ٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ ... (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا ٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بْنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا ... (عَمْراً) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا ٢٠٢ - وَعِلَّةِ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ ... إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ ٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَساً يَقُوْلُ: (لا ... أحْفَظُ شَيْئاً فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ (٩)

стр. 250

(وهْيَ) أي: العِلَّةُ الخفِيَّةُ القادِحَةُ، (تَجيءُ غالِباً في السَّنَدِ) أي: وقليلاً في المتنِ، فالتي في السَّنَدِ (يَقْدَحُ في) قَبولِ (المتنِ، بقَطْعِ مُسْنَدِ) مُتَّصِلٍ، (أَوْ وَقْفِ مَرْفُوعٍ)، أوْ غيرِ ذلكَ مِنْ مَوانِعِ القَبولِ، وذلكَ حيثُ لَمْ يَتَعَدَّدِ السَّنَدُ، أوْ لَمْ يَقْوَ الاتِّصَالُ، أو الرَّفْعُ -مثَلاً- على القَطْعِ، أو الوقْفِ. (وقَدْ لا تَقْدَحُ) فيهِ، بأنْ يتَعَدَّدَ السَّنَدُ، أو يَقْوى الاتِّصالُ، أوْ نحوَهُ، أو يَقَعَ الاختلافُ في تعيينِ واحِدٍ مِنْ ثِقَتَيْنِ، (ك) حديثِ: (البَيِّعَانِ بالخِيَارِ) (١) المرْوِيِّ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ المدَنِيِّ، عَنْ مولاَهُ ابنِ عُمَرَ. فَقَدْ (صَرَّحُوا) أي: النُّقَّادُ (بوَهْمِ) راويهِ (يَعْلَى بنِ عُبَيْدٍ) الطَّنافِسِيِّ (٢)، إذْ (أَبْدَلاَ) - بأَلِفِ الإطلاقِ - (عَمْراً) هوَ ابنُ دينارٍ المكيُّ (بـ: عبدِ اللهِ) ابنِ دينارٍ، الذي هوَ الصَّوابُ. فالباءُ داخلةٌ عَلَى المتروكِ (٣) تشبيهاً لِلإبدالِ بالتَّبَدُّلِ، وإلاَّ فهوَ خلافُ مَا عليهِ أَئمَّةُ اللُّغةِ مِنْ أنَّها إنَّما تدخُلُ عَلَى المأخوذِ في الإبدالِ، كالتَّبديلِ، وعلى المتروكِ في الاستبدالِ و (٤) التَّبَدُّلِ، إنْ لَمْ يذكرْ مَعَ المتروكِ، والمأخوذِ غَيْرِهِما في الأربعةِ (٥). وقدْ حَرَّرَ ذلكَ شيخُنا، شيخُ الإسلامِ، الشمسُ (٦) القَايَاتيُّ (٧)، أتَمَّ تَحْريرٍ في شرحِهِ (٨) لِخُطْبَةِ " مِنْهَاج النَّوَويِّ " (٩)، وبذلكَ انْدَفَعَ ما قيلَ: إنَّ الباءَ في الإبدالِ، إنَّما تدخُلُ على المتروكِ.
следующие страницы →