← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(وَ) للإمامِ أَبِي بَكْرٍ (الصَّيْرَفِيِّ) شارحِ " الرِّسالةِ " (١) (مِثْلُهُ) أي: مثلُ مَا نُقلَ عَنْ الإمامِ أَحْمَدَ، والحُميديِّ (٢). (وَ) لكنْ (أَطْلَقَ الكِذْبَ) -بكسرِ الكافِ-، وإسكانِ الذَّالِ فِي لغةٍ (٣) - وَلَمْ يقيِّدْهُ بالحديثِ النبويِّ، حَيْثُ قَالَ: ((كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خبرَهُ من أَهْلِ النقلِ، بكذبٍ وجدناهُ عَلَيْهِ، لَمْ نَعُدْ لقَبُولِهِ بتوبةٍ تَظْهَرُ)) (٤). لَكِنْ قَالَ الناظمُ: الظاهرُ أنَّ التقييدَ بِهِ مُرادٌ لَهُ بقرينةِ قولِهِ: ((مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ)) أي لِلحديثِ (٥). (وَزَادَ) الصَّيْرَفِيُّ عَلَيْهِمَا (أنَّ مَنْ ضُعِّف نَقْلاً) أي: مِن جِهةِ نقْلِهِ كَوَهَمٍ (٦)، وقِلَّةِ اتقانٍ، (لَمْ يُقَوَّ بَعْدَ أَنْ) حُكِمَ بضعفِهِ أي: وإنْ رَجَعَ إلى التحرِّي، والإتقانِ عَلَى مَا اقْتَضاهُ كلامُهُ. لَكِنْ حَمَلَهُ الذهبيُّ عَلَى مَنْ يموتُ عَلَى ضَعْفِهِ (٧)، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لأنَّ الصَّيْرَفِيَّ قَالَ: (وَلَيْسَ) الراوِي فِي ذَلِكَ (كَالشَّاهِدِ)، فإنَّ شهادتَهُ تقبلُ بَعْدَ توبتِهِ وإتقانِهِ، بخلافِ روايةِ الرَّاوِي، كَمَا تقرَّرَ. لأنَّ الحَدِيْثَ حُجَّةٌ لازِمةٌ لجميعِ المكلَّفينَ، وَفِي جَمِيْعِ الأمْصارِ (٨)، فكانَ حُكْمُهُ أغلظَ مبالغةً فِي الزَّجرِ عَنِ الرِّوَايَةِ لَهُ بلا إتقانٍ، وعنِ الكذبِ فِيهِ، عملاً بقولِهِ ﷺ : ((إنَّ

стр. 317

كَذِباً عَلَيَّ، لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ)) (١). (و) الإمامُ (السَّمْعَانِيْ أَبُو المظَفَّرِ يَرى فِي) الرَّاوِي (الجانِي بكَذِبٍ فِي خَبَرٍ) نبويٍّ (إسْقَاطَ مَالَهُ مِنَ الحَدِيْثِ) أي: مَا (قَدْ تَقَدَّمَا) لَهُ مَنَ الحَدِيْثِ (٢). قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَمَا ذَكَرهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ يُضاهِي، مِن حَيْثُ المَعْنَى، مَا ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ)) (٣). أي: لكونِ ردِّ حديثِهِ المستقبَل، إنَّما هُوَ لاحتمالِ كذبِهِ، وذلك جارٍ فِي حديثِهِ الماضي، وفُهِمَ بالأولى أنَّه لا يُقبَلُ حديثُهُ عِنْدَ ابنِ السَّمْعانيِّ فِي المستقبَلِ. هَذَا وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرحِ مسلمٍ "، وغيرِهِ: ((وما ذَكرهُ هؤلاءِ الأئمةُ ضَعِيْفٌ مُخالِفٌ للقواعدِ، والمُختارُ: القطعُ بِصِحَّةِ توبتِهِ فِي هَذَا - أي فِي الكَذِبِ فِي الحَدِيْثِ- وَقَبُولِ رواياتِهِ بَعْدَها، وَقَدْ أَجْمَعوا عَلَى صِحةِ روايةِ مَنْ كَانَ كافِراً، فأَسْلَمَ. قَالَ: وأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ شَهادَتِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الشَّهادَةِ والروايةِ فِي هَذَا)) (٤). وَمَا قالَهُ كُنْتُ مِلْتُ إِليهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الأوجهَ مَا قالَهُ الأئِمَّةُ، لما مَرَّ، ويؤيِّدُه قولُ أئمّتِنا: ((إنَّ الزانِيَ إذَا تابَ لا يعودُ محصناً، ولا يحدُّ قاذفُهُ)). وأما إجماعُهم عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَ كَافِراً فأَسْلَمَ، فَلنصِّ القرآنِ عَلَى غُفرانِ مَا سَلَفَ مِنْهُ (٥).

стр. 318

والفَرْقُ بَيْن الرِّوَايَةِ والشَّهادةِ أنَّ الكَذِبَ فِي الرِّوايةِ أغلظُ مِنْهُ فِي الشَّهادةِ؛ لأنَّ مُتَعلقَها لازمٌ لكلِّ المكلَّفينَ، وَفِي كُلِّ الأعصارِ، كَمَا مَرَّ، مَعَ خَبَرِ: ((إِنَّ كَذِباً عَلِيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أحَدٍ)) (١). ٣٠٤ - وَمَنْ رَوَى عَنْ ثِقَةٍ فَكَذَّبَهْ ... فَقَدْ تَعَارَضَا، وَلَكِنْ كَذِبَهْ ٣٠٥ - لاَ تُثْبِتَنْ (٢) بِقَوْلِ شَيْخِهِ فَقَدْ ... كَذَّبَهُ الآخَرُ، وَارْدُدْ مَا جَحَدْ (٣) ٣٠٦ - وَإنْ يَرُدَّهُ بِـ (لاَ أذْكُرُ) أوْ ... مَا يَقْتَضِي نِسْيَانَهُ، فَقَدْ رَأوْا ٣٠٧ - الحُكْمَ لِلذَّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ، ... وَحُكِيَ الإسْقَاطُ عَنْ بَعْضِهِمِ ٣٠٨ - كَقِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِيْنِ إذْ ... نَسِيَهُ (سُهَيْلٌ) الَّذِي أُخِذْ ٣٠٩ - عَنْهُ، فَكَانَ بَعْدُ عَنْ (رَبِيْعَهْ) ... عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيْهِ لَنْ يُضِيْعَهْ ٣١٠ - وَ (الشَّافِعي) نَهَى (ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ) ... يَرْوِي عَنِ الحَيِّ لخَوْفِ التُّهَمِ ثُمَّ بيَّن النَّاظِمُ حُكْمَ إنكارِ الأصْلِ لحديث (٤) الفرعِ عَنْهُ، فَقَالَ: (وَمَنْ رَوَى) مِنَ الثِّقاتِ (عَنْ) شيخٍ (ثِقَةٍ) حَدِيثاً، (فكذَّبَهْ) صَريْحاً، كقوله: كَذَبَ عَلَيَّ (فَقَدْ تَعَارَضَا) فِي قولهِما، كالبيِّنتَيْنِ إذَا تكاذبتا (٥)، إِذْ (٦) الشَّيْخُ قَطَعَ بكذبِ الرَّاوِي، والراوِي قطعَ بالنّقلِ عَنْهُ. (ولَكِنْ كَذِبَهْ) أي: الرَّاوِي (لا تُثبتَنْ) أنتَ (بقولِ شيخِهِ) هَذَا، بحيثُ يَكُونُ جَرْحاً لَهُ، (فَقَدْ كَذَّبَهُ الآخَرُ) أَيْضاً؛ فإنَّه يَقُولُ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.

стр. 319

وَلَيْسَ قَبُولُ جَرحِ أحدِهما بأولى مِنَ الآخَرِ، بخلافِ شَهادةِ الفرعِ، فإنَّ تكذيبَ الأصْلِ لَهُ جَرْحٌ لَهُ فِي تِلْكَ الشهادةِ، وفرقَ بغلظِ بابِ الشَّهادةِ وضيقِهِ (١). (وَارْدُدْ) أنت إذَا تعارضا (مَا جَحَدْ) الشَّيْخُ لكذبِ واحدٍ مِنْهُمَا لا بِعَينِهِ، لَكِنْ لَوْ حدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُ الأَوَّلِ عَنْهُ، وَلَمْ يكذبْهُ قُبِلَ. أما إذَا لَمْ يصرِّحْ بتكذيبِه، فإنْ جزمَ بالردِّ، كقولِهِ: ((مَا رويتُ هَذَا))، أَوْ ((مَا حدَّثْتُ بِهِ))، أَوْ ((لَمْ أُحدِّثْ (٢) بِهِ)) فحكْمُهُ كَذلِكَ، كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٣) تَبَعاً لِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ (٤) فِي شَرْحِهِ (٥)، وكذا شَيْخُنا فِي " شَرْحِ النُّخْبةِ " (٦) لكنهُ نَقَلَ فِي " شرحِ البُخَارِيِّ " عَنْ جُمْهُورِ المُحَدِّثِيْنَ قَبُولَهُ حَمْلاً لما قَالَهُ عَلَى النِّسيانِ (٧). (وإنْ يَردَّهُ (٨) ب) قولِهِ (لاَ أذْكُرُ) هَذَا، أَوْ لا أعرفُ أني حَدَّثْتُهُ بِهِ، (أَوْ) نحوُهما مِنْ (مَا يَقْتَضِي)، يعني: يَحْتَمِلُ (نِسيانَهُ)، ك ((لا أعرفُ أنَّه من حديثي)) (٩)، (فَقَدْ رَأوا) أي: جُمْهُورُ المُحَدِّثِيْنَ (الحُكْمَ للذَّاكرِ)، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْهُ، كَمَا هُوَ (عِنْدَ الْمُعْظَمِ) مِنَ الفُقَهَاءِ (١٠)، والْمُتكلِّمينَ، وَصَحَّحَهُ جماعاتٌ (١١) مِنْهُمْ ابنُ الصَّلاحِ (١٢)؛ لأنَّ الرَّاوِيَ مثبتٌ والشيخَ نافٍ، ولأنَّهُ ثقةٌ جازمٌ، فَلا تُرَدُّ روايتُهُ بالاحتمالِ؛ لأنَّ الشَّيْخَ غَيْرُ جازمٍ بالنفي، لاحتمالِ نسيانِهِ.

стр. 320

وَعبارةُ النَّظْمِ (١) تشملُ ظَنَّي الأصلِ والفرعِ (٢)، فيقدّمُ الرَّاوِي، وَهُوَ الأشبهُ فِي " المحصولِ " (٣) لَكِنْ يشكلُ بتقديمِ الشَّيْخِ فِي جَزْميهما. وعلى مَا اخترْتُه فِي "شرحِ لُبِّ الأصولِ" من تقديمِ الرَّاوِي فِي المسْألتينِ، تقديماً للمثبتِ عَلَى النافي ولا (٤) إشكالَ (٥). (وَحُكِيَ الإسْقَاطُ) فِي المروِيِّ أي: عَدمُ قَبُولِهِ بِذَلِكَ (عَنْ بَعْضِهِم) - بكسر الميم - وَهُم قَوْمٌ مِنَ الحنفيَّةِ؛ لأنَّ الرَّاوِيَ فَرْعُ الشَّيْخِ، فَهُوَ تَابعٌ لَهُ؛ فإذا انْتَفتْ روايتُه انتفتْ روايةُ فرعِهِ، كشهادةِ فَرْعِهِ (٦). ورُدَّ بأن شهادةَ الفرعِ لا تُسْمَعُ معَ القدرةِ عَلَى شهادةِ الأصلِ، بخلافِ الروايةِ. ومَثَّلَ لذلكَ بقولهِ: (كَقِصَّةِ) حديثِ (الشاهدِ واليمينِ) المرويِّ بلفظِ: ((إن النَّبيّ ﷺ قضى باليمينِ معَ الشَّاهدِ)) (٧). (إذ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ) هُوَ ابنُ أبي صالحٍ (الَّذِي أُخِذْ) بالبناءِ للمفعولِ أي: رُوِيَ الحَدِيْثُ عَنْهُ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، (فكانَ) سُهَيْلٌ (بَعْدُ عَنْ ربيعهْ) بنِ أبي عَبْدِ الرحمانِ، (عَنْ نَفسِهِ يرويهِ)، فيقولُ: أخبرني ربيعةُ، وَهُوَ عِندي ثقةٌ أنني حدَّثتُه إياهُ، ولا أحفَظُهُ.

стр. 321

قَالَ عَبْدُ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ? (١) وَقَدْ كَانَ أصابَتْ سُهَيْلاً عِلَّةٌ أذهبتْ بَعْضَ عقلِهِ، ونسيَ بَعْضَ حديثِهِ، فكانَ يحدِّثُ بِهِ عَمَّن سَمِعَهُ مِنْهُ (٢). وَفائِدتُهُ: الإعلامُ بالمرويِّ، وكونُهُ (لَنْ يُضِيْعَهْ) مِنْ أضاعَ -إِذْ بتركِهِ لروايتِهِ يضيعُ. وَقَدْ جمعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ أخبارَ مَنْ حدَّثَ ونَسِيَ، مِنْهُمْ: الدَّارَقُطْنِيُّ (٣) والخطيبُ (٤) قَالَ: ولأجلِ أنَّ النِّسيانَ غَيْرُ مأمونٍ عَلَى الإنسانِ، فيبادرُ إلى جحودِ مَا رُوِيَ عَنْهُ، وتكذيبِ الرَّاوِي لَهُ، كَرِهَ مَنْ كَرِهَ منَ العُلَمَاءِ التحديثَ عَنْ الأحياءِ (٥) (والشَّافِعيْ) -بالإسكانِ لما مَرَّ- قَدْ (نَهَى ابنَ عَبْدِ الحَكَمِ) مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ، حِيْنَ رَوَى حكايةً فأنكرَها (٦)، ثُمَّ ذَكَرَها عَلَى أنَّهُ (يَرْوِي عَنِ الحيِّ لخوفِ التُّهمِ)، بتقديرِ إنكارِ الشَّيْخِ. وظاهرٌ أنَّ محلَّهُ إذَا كَانَ للمرويِّ طريقٌ آخرُ غيرُ طريقِ الحيِّ (٧) وإلاّ فَلا كَراهةَ: إِذْ قَدْ يموتُ الرَّاوِي قَبْلَ موتِ الشَّيْخِ (٨) فيضيعُ المروي إن لَمْ يحدِّثْ بِهِ غيرُهُ.

стр. 322

٣١١ - وَمَنْ رَوَى بأُجْرَةٍ لَمْ يَقْبَلِ ... (إسْحَاقُ) و (الرَّازِيُّ) و (ابْنُ حَنْبَلِ) ٣١٢ - وَهْوَ شَبيْهُ أُجْرَةِ القُرْآنِ ... يَخْرِمُ مِنْ مُرُوْءةِ الإنْسَانِ ٣١٣ - لَكِنْ (أبُوْ نُعَيْمٍ الفَضْلُ) أَخَذْ ... وَغَيْرُهُ تَرَخُّصاً، فإنْ نَبَذْ ٣١٤ - شُغْلاً بِهِ - الكَسْبَ أجِزْ إرْفَاقَا، ... أفْتَى بِهِ الشَّيْخُ (أبُوْ إسْحَاقا) ثُمَّ بيَّنَ حُكْمَ أخذِ الأُجرةِ عَلَى التحديثِ، فَقَالَ: (ومَنْ رَوَى) الحديثَ (١) (بأُجْرَةٍ)، أَوْ نحوِها، كجَعالةٍ، (لَمْ يَقْبَلِ) روايتَهُ (إسحاقُ) بنُ إِبْرَاهِيمَ، المعروفُ بابنِ رَاهَوَيْهِ (٢)، (وَ) أَبُو حاتِمٍ (٣) (الرَّازِيُّ، و) الإمامُ أَحْمَدُ (٤) (ابنُ حَنْبَلِ، وَهْوَ) أي: المأخوذُ عَلَى ذَلِكَ (شَبيهُ أُجْرَةِ) مُعلِّمِ (القُرْآنِ)، ونحوِهِ، في الجوازِ وعدمِه. إلا أنَّ العادةَ ثَمَّ جاريةٌ بالأخذِ مِنْ غَيْرِ خرمِ مروءةٍ، والأخذُ هنا (يَخْرِمُ) أي: يُنْقِصُ (مِن مُروءةِ الإنسانِ) الآخذِ لِذلِكَ؛ إِذْ قَدْ شَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيْثِ رَداءةُ ذَلِكَ، وتنزيهُ العرضِ عَنِ النظرِ إِليهِ، ولإساءةِ الظنِّ بفاعلِهِ (٥). (لَكِنْ) الحافِظُ (أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ) بنُ دُكَيْنٍ، شَيخُ البُخَارِيِّ (أَخَذْ) عِوضاً عَلَى التَّحديثِ (٦)، (وَ) كَذَا أخذَهُ (غيرُهُ)، كَعَفَّانَ (٧) شَيخِ البُخَارِيِّ أَيْضاً (تَرخُّصاً) للحاجةِ. فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ: سَمِعتُ أبَا نُعَيْمٍ، يَقُول: يَلومونَني عَلَى الأخذِ، وَفِي بيتي ثَلاثةَ عَشَرَ نَفْساً، وما فِيهِ رغيفٌ (٨).

стр. 323

ومِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الأخذَ بغيرِ طَلَبٍ. ومِنْهُمْ مَن كَانَ يأخذُ مِنَ الأغنياءِ فَقَطْ. وَمَحلُّ مَا مَرَّ مِن كونِ الأخذِ خارِماً للمروءةِ، إذَا لَمْ يقتَرِنْ بعُذرٍ مِن فَقْرٍ، وَعَدَمِ كَسْبٍ. (فإنْ) كَانَ ذا كَسْبٍ، لَكِنْ (نَبَذْ) أي: أَلْقَى (شُغْلاً بِهِ) أي: لشُغلِهِ بالتَّحدِيثِ (الكَسْبَ) لنفسِهِ وعيالِهِ، (أجزْ) أنتَ لَهُ الأخذَ (إرْفَاقا) بِهِ في معيشتِهِ، عوضاً عَمّا فاتَهُ مِنَ الكَسْبِ، فَقَدْ (أَفْتى بِهِ) أي: بجوازِ الأخذِ (الشَّيْخُ أَبُو إسْحاقا (١)) الشِّيْرَازِيُّ، لما سَأله أَبُو الحُسَينِ ابنُ النَّقُّوْرِ، لكون أصحابِ الحَدِيْثِ كانوا يمنعونَهُ مِنَ (٢) الكَسْبِ، فَكَانَ يأخذُ كِفايتَهُ (٣). ٣١٥ - وَرُدَّ ذُوْ تَسَاهُلٍ في الحَمْلِ ... كَالنَّوْمِ وَالأدَا كَلاَ مِنْ أصْلِ، ٣١٦ - أوْ قَبِلَ التَّلقِيْنَ، أوْ قَدْ (٤) وُصِفَا ... بِالمُنْكَرَاتِ كَثْرَةً، أوْ عُرِفَا ٣١٧ - بِكَثْرَةِ السَّهْوِ، وَمَا حَدَّثَ مِنْ ... أصْلٍ صَحِيْحٍ فَهْوَ رَدٌّ، ثُمَّ إنْ ٣١٨ - بُيِّنْ (٥) لَهُ غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ، ... سَقَطَ عِنْدَهُمْ حَدِيْثُهُ جُمَعْ ٣١٩ - كَذَا (الحُمَيْدِيُّ) مَعَ (ابْنِ حَنْبَلِ) ... و (ابْنِ المُبَارَكِ) رَأَوْا فِي العَمَلِ ٣٢٠ - قَالَ: وَفيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ إذَا ... كَانَ عِنَاداً مِنْهُ مَا يُنْكَرُ ذَا (ورُدَّ) عِنْدَ الْمُحدِّثينَ (ذُوْ تَسَاهُلٍ في الحَمْلِ) أي: التحمُّلِ للحديثِ (ك) التحمل (٦) حالَ (النَّومِ) الواقعِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ شَيخِهِ (٧).

стр. 324

(و) رُدَّ أَيْضاً ذو تساهُلٍ في حالِ (الأدا) (١) أي: التحديثِ (كلا من أصلِ) أي: كالمُؤَدِّي لا مِن أصلٍ صَحِيْحٍ، والحالةُ أنَّه أَوْ القارئَ، أَوْ بَعْضَ السَّامِعينَ غَيْرُ حافظٍ عَلَى مَا يأتي في بابِهِ. (أَوْ) أي: ورُدَّ أَيْضاً رِوَايَةُ مَن (قَبِلَ التَّلقِينَ) في الحَدِيْثِ، بأنْ يُلقَّنَ الشَّيءَ فيُحدِّثَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يعلمَ أنَّه مِن حَدِيثِهِ (٢) - وَلَو مرَّةً (٣) -كمُوسى بنِ دينارٍ (٤)، حَيْثُ لقَّنَهُ حفصُ بنُ غِيَاثٍ (٥)؛ فَقَالَ لَهُ: حَدَّثَتكَ عائشةُ بنتُ طلحةَ عَنْ عائشةَ بكذا (٦) وكذا. فَقَالَ: حَدَّثتْنِي عَنْهَا بِهِ. وَقَالَ لَهُ (٧): حَدّثك القاسمُ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائشةَ بمثلِهِ. فَقَالَ: حَدَّثَني عَنْهَا بمثلِهِ؛ وذلكَ لِدلالتِهِ عَلَى مُجازفتِهِ، وعدمِ تثبُّتهِ (٨). (أَوْ) مَنْ (قَدْ وُصِفَا) مِنَ الأئِمَّةِ (ب) روايةِ (المُنْكَراتِ)، أَوْ الشواذِّ (كَثْرَةً) (٩) أي: حالةَ كونِها ذاتَ كَثْرَةٍ، وَلَم يميِّزها. (أَوْ عُرِفَا بِكَثرةِ السَّهوِ)، أَوْ الغلطِ في روايتِهِ (و) الحالةُ أنَّه (مَا حدَّثَ مِن أصلٍ صَحِيْحٍ) بَلْ من حفظِهِ، أَوْ من أصلٍ غَيْرِ صَحِيْحٍ.

стр. 325

(فَهْوَ) أي: المتَّصفُ بشيءٍ مِن ذَلِكَ (رَدٌّ) أي: مردودٌ عِنْدَهُم؛ لأنَّ الاتصافَ بِذَلِكَ يَخْرِمُ الثِّقَةَ بالراوِي، وَضَبْطِهِ، وهذا تأكيدٌ وإيضاحٌ لِما قَبْلَهُ. أما مَنْ لَمْ تكثرْ مناكيرُهُ وَشَواذُّهُ، أَوْ ميَّزَها، أَوْ حدَّثَ مَعَ اتِّصافِهِ بكَثْرَةِ السَّهوِ، أَوْ الغلطِ من أصلٍ صَحِيْحٍ، فَلا يُردُّ (١). (ثُمَّ إنْ بُيِّنْ) -بِضَمِّ أوّلِهِ، وتشديدِ ثانيهِ، وإسكانِ نُونِهِ مُدْغَمَةً في لامِ- (لَهُ) أي: للراوي الذي سَهَا أَوْ غَلِطَ، وَلَوْ مَرّةً (غَلَطُهُ) أَوْ سَهْوُهُ (فَمَا رَجَعْ) عَنْهُ، بَلْ أصرَّ، (سَقَطَ عِنْدَهُمْ) أي: المُحَدِّثِيْنَ (حديثُهُ جُمَعْ) أي: أحاديثُهُ جميعُها. وَهَذا شَامِلٌ لقولِهِ: (كَذَا) عَبْدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ (الحُمَيْديُّ مَعَ) أَحْمَدَ (ابنِ حَنْبَلِ، وابنِ الْمُبارَكِ) عَبْدِ اللهِ الْمَرْوَزِيِّ، (رَأوْا) إسقاطَ حَدِيثِهِ بِذَلِكَ (في العَمَلِ) احتجاجاً وروايةً، حَتَّى تركوا الكِتَابَةَ عَنْهُ (٢). (قَالَ) ابنُ الصَّلاحِ (٣): (وفيهِ نَظَرٌ) أي: لأنه رُبَّما لَمْ يَعْتقِدْ صِدقَ مَا قِيلَ لَهُ. قَالَ: (نَعَمْ: إذَا كَانَ) عَدمُ رجوعِهِ (عِنَاداً مِنْهُ)، لا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، ولا طَعْنَ، فَقُلْ: (مَا يُنْكَرُ ذا) أي: القَوْلُ بسقوطِ حَدِيثِهِ، وعدمِ الكتابةِ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ ابنُ مَهْدِيٍّ لِشُعْبَةَ: مَنِ الذي تَتْرُكُ الروايةَ عَنْهُ؟ قَالَ: إذَا تمادَى في غَلَطٍ (٤) مُجمعٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ نفسَهُ عِنْدَ اجتماعِهِم عَلَى خلافِهِ، أو رجلٌ يُتَّهَمُ بالكذبِ (٥). وذَكَرَ نَحْوَهُ ابنُ حِبَّانَ (٦).

стр. 326

٣٢١ - وَأعْرَضُوا فِي هَذِهِ الدُّهُوْرِ ... عَنِ اجتِمَاعِ هَذِهِ الأمُوْرِ ٣٢٢ - لِعُسْرِهَا، بَلْ يُكْتَفَى بِالعَاقِلِ ... المُسْلِمِ البَالِغِ، غَيْرِ الفَاعِلِ ٣٢٣ - لِلفِسْقِ ظَاهِراً، وَفِي الضَّبْطِ بأنْ ... يُثْبِتَ مَا رَوَى بِخَطِّ مُؤْتَمَنْ ٣٢٤ - وَأنَّهُ يَرْوِي مِنَ اصْلٍ (١) وَافَقَا ... لأصْلِ شَيْخِهِ، كَمَا قَدْ سَبَقَا ٣٢٥ - لِنَحْوِ ذَاكَ (البَيْهَقِيُّ)، فَلَقَدْ ... آلَ السَّمَاعُ لِتَسَلْسُلِ السَّنَدْ (وأَعْرَضوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ، وغيرُهم، (في هذِهِ الدُّهورِ) المتأخرةِ (عَنِ) اعتبارِ (اجتماعِ هذِهِ الأمورِ) السّابقةِ، أي: شروطِ مَنْ تُقبلُ (٢) روايتُهُ (لعسرِها)، وتَعذُّرِ الوفاءِ بِهَا (٣)، (بَلْ يُكْتَفَى) في اشتراطِ عدالتِهِ (بالعاقلِ، المسلمِ، البالغِ، غَيْر الفاعلِ للفسقِ)، ولما (٤) يَخْرِمُ المروءةَ (ظاهراً) بأَنْ يَكُونَ مستورَ الحالِ. (و) يُكْتَفَى (فِي) اشْتِراطِ (الضَّبطِ) أي: ضبطِهِ (بأَنْ يُثْبِتَ) سماعُ (مَا رَوَى بخطِّ) ثقةٍ (مؤتمَنْ) سواءٌ الشَّيْخُ، والقارئُ، وبعضُ السَّامعينَ، وسواءٌ أكتبَ سماعَهُ عَلَى الأصلِ، أَمْ في ثَبَتٍ (٥) بيدِهِ، إذَا كَانَ الكَاتِبُ ثِقةً من أهلِ الخِبرةِ بهذا الشأنِ، بحيثُ لا يكونُ الاعتمادُ في روايةِ هَذَا الرَّاوِي عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى الثِّقةِ المُقَيِّدِ (٦) لِذلِكَ. (وأنَّهُ يَرْوِي) أي: وبأَنْ يَرْوِي (مِن اصلٍ) - بدرجِ الهمزةِ - (وافَقَا لأصْلِ شَيْخِهِ، كَمَا قَدْ سَبَقَا لِنَحوِ ذَاكَ) الحافظُ (البَيْهَقِيُّ). فإنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ توسُّعَ مَنْ توسَّعَ في السَّمَاعِ من بعضِ محدِّثي زمانِهِ، الذين لا يحفظونَ حديثَهُم، ولا يُحسِنُونَ قراءتَهُ في كُتُبِهِم، ولا يعرفونَ مَا يُقرَأُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ

стр. 327

تكونَ القِرَاءةُ عَلَيْهِمْ مِن أصلِ سَماعِهم، وذلك لتدوينِ الأحاديثِ في الجوامعِ التي جَمعَها أئِمَّةُ الحَدِيْثِ، قَالَ: فمَنْ جاءَ اليومَ بحديثٍ، لا يوجدُ عِنْدَ جميعِهم، لَمْ يُقبلْ مِنْهُ، ومَنْ جاءِ بحديثٍ معروفٍ عِنْدَهُم، فالذي يَرويه لا ينفردُ بروايتِهِ، والحُجَّةُ قائمةٌ بحديثِهِ بروايةِ غيرِهِ (١). (فلَقَدْ آلَ السَّمَاعُ) مِنْهُ، والروايةُ عَنْهُ (٢) الآنَ (لِتَسلْسُلِ السنَدْ) أي: إلى أَنْ يبقى الحَدِيْثُ مسلسلاً بـ: حَدَّثَنَا، و (٣) أخبرنا، لتبقى هذِهِ الكرامةُ التي خُصَّتْ بها هذِهِ الأمةُ شرفاً لنبيِّها ﷺ . وسَبَقَ البَيْهَقِيَّ إلى نحوِ قولِهِ شَيْخُهُ الحاكمُ، ونحوُه عَنِ (٤) السِّلَفيِّ (٥). وَقَالَ الذهبيُّ: ((العُمْدةُ في زمانِنا لَيْسَ عَلَى الرُّواةِ، بَلْ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ والمقيِّدينَ الذين عُرفَتْ عدالتُهم وصدقُهم في ضَبطِ أسماءِ السَّامِعينَ)) (٦). والحاصلُ أنَّهُ لما كَانَ الغرضُ أولاً مَعْرِفَةُ التعديلِ والتجريح، والتفاوتُ في الحِفظِ والإتقانِ، ليتوصلَ بِذَلِكَ إلى التَّصْحِيحِ، والتَّحسينِ، والتضعيفِ، شُدِّدَ باجتماعِ تِلْكَ الشُّروطِ، ولما كَانَ الغَرضُ آخِراً الاقتصارَ عَلَى مجرَّدِ وجودِ سلسلةِ السنَدِ اكتَفَى بما ذُكِرَ. مَرَاتِبُ التَّعْدِيْلِ (مراتبُ) ألفاظِ (التعديلِ)، وَهِيَ أربعةٌ، بَلْ خمسةٌ، أَوْ ستةٌ. ٣٢٦ - وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ قَدْ هَذَّبَهُ ... (إِبْنُ أبي حَاتِمِ) إِذْ رَتَّبَهُ ٣٢٧ - وَالشَّيْخُ زَادَ فِيْهِمَا، وَزِدْتُ ... مَا فِي كَلاَمِ أَهْلِهِ وَجَدْتُ

стр. 328

٣٢٨ - فَأَرْفَعُ التَّعْدِيلِ: مَا كَرَّرْتَهُ ... كَـ (ـثِقَةٍ) (ثَبْتٍ) وَلَوْ أَعَدْتَهُ ٣٢٩ - ثُمَّ يَلِيْهِ (ثِقَةٌ) أوْ (ثَبْتٌ) اوْ ... (مُتْقِنٌ) (١) اوْ (حُجَّةٌ) اوْ (٢) إذا عَزَوْا ٣٣٠ - الحِفْظَ أَوْ ضَبْطاً لِعَدْلٍ وَيَلِي (٣) ... (لَيْسَ بِهِ بَأسٌ) (٤) (صَدُوقٌ) وَصِلِ ٣٣١ - بِذَاكَ (مَأَمُوْناً) (خِيَاراً) وَتَلا ... (مَحَلُّهُ الصِّدْقُ) رَوَوْا عَنْهُ إلى ٣٣٢ - الصِّدْقِ مَا هُوَ كذَا (٥) شَيْخٌ وَسَطْ ... أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ أَوْ شَيْخٌ فَقَطْ ٣٣٣ - وَ (صَالِحُ الْحَدِيْثِ) أَوْ (مُقَارِبُهْ) ... (جَيِّدُهُ)، (حَسَنُهُ)، (مُقَارَبُهْ) ٣٣٤ - صُوَيْلِحٌ صَدُوْقٌ انْ (٦) شَاءَاللهْ ... أَرْجُوْ بِأَنْ (لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) عَرَاهْ (٧) (والجرْحُ والتَّعديلُ) الْمُنْقَسِمانِ إجْمالاً إلى أعلى، وأدْنى، وأوسطِ (٨) (قَدْ هذَّبَهُ) أي: نقى كُلاً مِنْهُمَا، أي: نقَّى اللفظَ الصَّادِرَ مِنَ الْمُحدِّثينَ فِيْهِمَا الإمامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرحمانِ (إبنُ أبي حاتِمِ) - بغير تنوينٍ للوزنِ -، وبه مَعَ درجِ الهمزةِ (إِذْ رَتَّبَهُ) في مقدّمةِ كتابِهِ " الْجَرحِ والتَّعْدِيْلِ " (٩) فأجَادَ وأحْسَنَ.

стр. 329

(والشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (١) (زَادَ) عَلَيْهِ (فِيْهِمَا) ألفاظاً من كَلامِ غيرِهِ مِنَ الأئِمّةِ، (وَزِدْتُ) أنا عَلَيْهِمَا (مَا في كَلاَمِ) أئِمَّةِ (أهْلِهِ) أي: الحَدِيْث (وَجَدْتُ) مِنَ الألفاظِ في ذَلِكَ. (فأرفَعُ) مَراتبِ (التَّعديلِ) مَا أتى - كَمَا قَالَ شيخُنا - بصيغَةِ أفْعَلَ، كأوثقِ الناسِ، أَوْ أثبتِ الناسِ، وكذا إِليهِ المُنْتَهَى في التثبُّتِ (٢). ثُمَّ يَلِيهِ مَا هُوَ المرتبةُ الأولى عِنْدَ الذَّهَبِيِّ (٣)، وتَبِعَهُ الناظمُ (مَا كرَّرْتَهُ) أنتَ مِن ألفاظِ (٤) المرتبةِ الثانيةِ عندهُ، سَواءٌ اختلفَتِ الألفاظُ (ك: ثِقَةٍ ثَبْتٍ) أَوْ ثَبْتٍ حُجَّةٍ أَمْ لا، كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ: (وَلَوْ أَعَدْتَهُ) أي: اللفظَ الواحدَ كثقةٍ ثقةٍ، أَوْ ثَبْتٍ ثَبْتٍ. فإنْ زادَ عَلَى مرَّتينِ، أَوْ أكثرَ كَانَ أعْلى مِنْها، والثَّبْتُ - بالإسكان - الثابتُ، وبالفتح: الثَّبَاتُ (٥)، والحُجَّةُ، وما يُثْبِتُ فِيهِ المُحَدِّثُ سماعَهُ مَعَ أسماءِ المشاركينَ لَهُ فِيهِ. (ثُمَّ يَلِيْهِ) مَا هُوَ المرتبةُ الأولى عِنْدَ ابنِ أبي حاتمٍ (٦)، وابنِ الصَّلاحِ (٧)، والثانيةُ عِنْدَ الناظمِ (٨)، والثالثةُ عِنْدَ شَيخِنا (٩): (ثِقةٌ، أَوْ ثَبْتٌ، اوْ) فلانٌ (متقنٌ، اوْ حُجَّةٌ،

стр. 330

اوْ إذَا عَزَوا) بدرج همزة ((أَوْ)) في الثَّلاثَةِ الأخيرةِ أي: أَوْ نسبَ (١) الأئِمَّةُ (الحِفْظَ، أَوْ ضَبْطاً لِعَدْلٍ (٢))، كأنْ يُقالَ فِيهِ: حافظٌ، أَوْ ضابطٌ. فَمُجرَّدُ الوصفِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ كافٍ في التَّوثيقِ، بَلْ بَيْنَهُمَا وَبينَ العَدْلِ عُمومٌ وخُصوصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لأنَّهما يُوجدانِ بدونِهِ، ويوجدُ بدونهما، ويوجدُ (٣) الثَّلاثَةُ (٤). فَعُلِمَ أنَّ الوصفَ بكلٍّ مِنْهُمَا مَعَ العَدْلِ كافٍ، وأنَّهُ يَلِي مرتبةَ التكريرِ عِنْدَ الناظمِ كالذهبيِّ، لَكِنْ جعلَهُ شَيخُنا مِنْهُمَا. (وَيَلِي) هذِهِ المرتبةَ رابعةٌ عِنْدَ شَيْخِنا (٥)، وَهِيَ قولُهم: (لَيْسَ بِهِ بَأسٌ)، أَوْ لا بأسَ بِهِ، أَوْ (صَدُوقٌ، وَصِلِ) - بكسر اللام - مما لَمْ يذكرْهُ ابنُ الصَّلاحِ (بذاكَ) أي: بما ذكرَ في المرتبةِ الرابعةِ (مَأمُوناً)، أَوْ (خِيَاراً). كأنْ يُقالَ: هُوَ مأمونٌ، أَوْ خيارُ الناسِ. (وَتَلا) هذِهِ المرتبةَ خامسةٌ في غَيْرِ صالحِ الحَدِيْثِ، وَهِيَ: (مَحَلُّهُ الصِّدْقُ) وفاقاً للذهبيِّ (٦)، خلافاً لابنِ أبي حاتِمٍ، وابنِ الصَّلاحِ في إدراجِهما لَها في الرابعةِ التي هِيَ ثانيةٌ عِنْدَهُما. أَوْ (رَوَوْا عَنْهُ)، أَوْ يُروى عَنْهُ، أَوْ (إلى الصِّدْقِ مَا هُوَ) أي: هُوَ قَريبٌ مِنْهُ. فحرفُ الجرِّ متعلقٌ بقريبٍ المقدَّرِ، و ((ما)) زائدةٌ (٧). (كَذا شَيْخٌ وَسَطْ، أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ) أي: بدونِ شيخٍ، (أَوْ شيخٌ فَقَطْ) أي: بدونِ وسطٍ.

стр. 331

وَلَمْ يَذْكُرِ ابنُ أبي حاتِمٍ، وابنُ الصَّلاحِ في هذِهِ المرتبةِ - التي هِيَ عِنْدَهُمَا الثالثةُ - غَيْرَ الأخيرةِ. (و) كَذَا (صَالِحُ الحَدِيْثِ)، وهذه عِنْدَهُمَا الرابعةُ، وعندَ الناظمِ في "شرحِهِ" (١) - بترددٍ - الخامسةُ، وعند شيخِنا السادسةُ. ومن المرتبةِ (٢) الخامسةِ، قولُهم: يُعْتَبَرُ بِهِ-أي: في المُتابعاتِ والشواهدِ-أَوْ يُكتبُ حديثُهُ. (أَوْ مُقَارِبُهْ) أي: الحَدِيْثُ، وَهُوَ بكسرِ الراء من القُرْبِ ضدَّ البُعْدِ، أي: حديثُه يقارِبُ حديثَ غيرِهِ، أَوْ (جَيِّدُهُ)، أَوْ (حَسَنُهُ)، أَوْ (مقارَبُهْ) - بفتحِ الرّاء - أي: حديثُه يُقَاربهُ حديثُ غيرِهِ، فَهُوَ بالكسرِ، والفتحِ (٣) بمعنى: أنَّ حديثَهُ لَيْسَ بشاذٍّ ولا مُنكرٍ. أَوْ (صُوَيْلحٌ)، أَوْ (صَدُوقٌ انْ شاءَ اللهْ) - بدرجِ الهمزةِ -، أَوْ (٤) (أَرْجُوْ بِأَنْ) أي: أَنْ (لَيْسَ بِهِ بأسٌ عَرَاهْ) أي: غَشِيَهُ (٥). وخالفَ الذهبيُّ في أهلِ (٦) هذِهِ المرتبةِ، فجعلَ: محلَّه الصِّدقَ، وصالِحَ الحَدِيْثِ، وحَسَنَهُ، وصدوقاً إنْ شاءَ اللهُ؛ مرتبةً (٧). ورَوَى الناسُ عَنْهُ، وشَيْخاً (٨)، وصُويلحاً، ومُقارباً، مَعَ مَا بِهِ بأسٌ، ويُكتَبُ حديثُهُ، وما عَلِمْتُ فِيهِ (٩) جَرْحاً أخرى.

стр. 332

وصرَّحَ ابنُ الصَّلاحِ (١) بأنَّ قولَهُم: ((مَا أعلمُ بِهِ بأساً)) دُوْنَ ((لا بأسَ بِهِ)) والناظمُ بأنَّ ((أرجو أنْ لا بأسَ بِهِ)) نظيرُ ((مَا أعلمُ بِهِ بأساً))، أَوْ أرفعُ مِنْها؛ إِذْ لا يلزمُ من عدمِ العِلْمِ بِالشيءِ حصولُ الرجاءِ بِهِ (٢). والحُكْمُ في أهلِ هذِهِ المراتبِ، الاحتجاجُ بهم في الثلاثةِ الأُوْلى بخلافِهم في الباقي؛ لأنَّ ألفاظَهم فِيهِ لا (٣) تُشْعِرُ بشريطةِ الضَّبْطِ، بَلْ يضبطُ حديثُهم للاعتبار وللاختبارِ (٤)، هَلْ لَهُ أصلٌ من روايةِ غيرِه؟ نَعَمْ، حديثُ بَعْضِ أهلِ الخامسةِ، لكونِها دُوْنَ الرابعةِ، قَدْ لا يكتبُ للاختبارِ. وَفِي قولِهِ: (إنْ (٥) شاءَ اللهْ)، و (بأسٌ عراهْ) إذالةٌ وَهِيَ: زيادةُ ساكنٍ آخرَ (٦) بَعْدَ وتدٍ مَجْمُوْعٍ مَعَ أنَّ في الأَوَّلِ القطعَ أَيْضاً، وَهُوَ: حَذْفُ ساكنِ الوتدِ المجموعِ، وتسكينُ مَا قَبْلَهُ. والإذالةُ جائزةٌ في مجزوءِ البسيطِ والكاملِ، وكأنَّ الناظمَ ارتكبَها في الرَّجَزِ تشبيهاً لَهُ بهما للضرورةِ (٧). ٣٣٥ - وَ (ابْنُ مَعِيْنٍ) قال: مَنْ أَقُوْلُ: (لاَ ... بَأْسَ بِهِ) فَثِقَةٌ وَنُقِلاَ ٣٣٦ - أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَلْ: ... أَثِقَةً كَاَنَ أبو خَلْدَةَ؟ بَلْ ٣٣٧ - كَانَ (صَدُوْقاً) (خَيِّراً) (مَأْمُوْنَا) ... الثِّقَةُ (الثُّوْرِيُّ) لَوْ تَعُوْنَا ٣٣٨ - وَرُبَّمَا وَصَفَ ذَا الصِّدْقِ وَسَمْ ... ضُعْفاً بِ (صَالِحِ الْحَدِيْثِ) إِذْ يَسِمْ

стр. 333

ثُمَّ مَا مَرَّ مِنْ أنَّ الوصفَ بثقةٍ أرفعُ مِنْهُ بـ ((لَيْسَ بِهِ بأسٌ))، قَدْ يُقَالُ: يُنافيهِ مَا ذكرَهُ بقولِهِ: (و) الإمامُ يَحْيَى (ابنُ مَعِيْنٍ) - بفتح الميمِ - سوَّى بَيْنَهما، إِذْ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تقولُ: فلانٌ لَيْسَ بِهِ بأسٌ، وفُلانٌ ضَعِيْفٌ؟ (قَالَ: مَنْ أقُوْلُ) فِيهِ: (لا بأسَ بِهِ، فَثِقَةٌ)، ومَنْ أقولُ فِيهِ: ضَعِيْفٌ، فليس بثقةٍ، لا (١) يُكْتَبُ حديثُهُ (٢). ونحوهُ قولُ دُحَيْمٍ عبدِ الرحمانِ بنِ إِبْرَاهِيمَ، فإنَّ أبا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ (٣)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا تقولُ في عَلِيِّ بنِ حَوْشَبٍ الفزاريِّ؟ قَالَ: لا بأسَ بِهِ (٤). قَالَ فقلتُ: وَلِمَ لا تقولُ: ثقةٌ، ولا تعلمُ إلاَّ خيراً؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ إنَّه ثقةٌ. وأجابَ ابنُ الصَّلاح (٥) بأنَّ ابنَ مَعِيْنٍ، إنَّما نَسَبَ ذَلِكَ لنفسِهِ، بخلافِ مَا مَرَّ. وهَذَا قَدْ يشكلُ بجوابِ دُحَيْمٍ. وأجابَ الناظمُ (٦) بما حَاصِلُهُ: أنَّ ابنَ مَعِيْنٍ، لَمْ يُصَرِّحْ بالتسويةِ بَيْنَهُمَا، بَلْ أشرَكَهَا في مطلقِ الثقةِ؛ فَلا ينافي مَا مَرَّ. (ونُقِلاَ) - بِبِنائِهِ لِلمَفْعولِ - مِمّا يُؤيّدُ أرفعيةَ الوَصْفِ بالثقةِ (أنَّ) الإمامَ (٧) عبدَ الرحمانِ (ابنَ مَهْدِيٍّ) لَمَّا رَوَى عَنْ أبي خَلْدَةَ (٨) خالدِ بنِ دينارٍ التميميِّ التابعيِّ

стр. 334

(أَجَابَ مَنْ سألْ) مِنْهُ، وَهُوَ عمرُو بنُ عَلِيٍّ الفلاَّسُ (أثقةً كَانَ أَبُو خَلْدَةَ؟) بقولِهِ: (بَلْ كَانَ صَدُوقاً)، وَكَانَ (خَيِّراً)، ورُوِيَ خِيَاراً، وَكَانَ (مَأمُوناً، الثِّقةُ) شُعبةُ وسفيانُ (١) (الثَّوْرِيُّ، لَوْ) كنتُم (تَعُونَا) أي: تَفْهَمونَ مراتبَ الرُّواةِ، ومَواقعَ ألفاظِهم، مَا سألتُم عَنْ ذَلِكَ. فصرَّحَ بأرفعيةِ ((ثِقَة)) عَلَى كُلٍّ مِنْ صدوقٍ، وخيِّرٍ، ومأمونٍ، الذي كُلٍّ مِنْهُمَا في مرتبةٍ ((لَيْسَ بِهِ بأسٌ)). وقولُه: ((لَوْ تَعُونَا)) تكملةٌ. (ورُبَّمَا وَصَفَ) ابنُ مهديٍّ أَيْضاً (ذا الصِّدقِ) أي: الصدوقَ الذي (وَسْمَ ضَعْفاً) أي الموسومَ بالضعفِ لسوءِ حِفظِه وغلطِهِ، ونحوِهما: (بـ: صالحِ الحَدِيْثِ) المنحطِّ عَنْ مرتبةِ ((لَيْسَ بِهِ بأسٌ)) (إِذْ يَسِم) -بفتحِ التحتيةِ- أي: حِيْنَ يُعَلِّمُ عَلَى الرُّواةِ بما تتميَّزُ بِهِ مراتبُهم من لفظٍ أَوْ كتابةٍ. مَرَاتِبُ التَّجْرِيْحِ (مراتبُ) ألفاظِ (التجريحِ)، وَهِيَ ستةٌ: ٣٣٩ - وَأَسْوَأُ التَّجْرِيْحِ: (كَذَّابٌ) (يَضَعْ) ... يَكْذِبُ وَضَّاعٌ وَدَجَّالٌ وَضَعْ ٣٤٠ - وَبَعْدَهَا مُتَّهَمٌ بَالْكَذِبِ ... وَ (سَاقِطٌ) وَ (هَالِكٌ) فَاجْتَنِبِ ٣٤١ - وَذَاهِبٌ مَتْرُوْكٌ اوْ (٢) فِيْهِ نَظَرْ ... وَ (سَكَتُوْا عَنْهُ) (بِهِ لاَ يُعْتَبَرْ) ٣٤٢ - وَ (لَيْسَ بِالثِّقَةِ) ثُمَّ (رُدَّا ... حَدِيْثُهُ) كَذَا (ضَعِيْفٌ جِدَّا) ٣٤٣ - (وَاهٍ بِمَرَّةٍ) وَ (هُمْ قَدْ طَرَحُوْا ... حَدِيْثَهُ) وَ (ارَمِ بِهِ مُطَّرَحُ) ٣٤٤ - (لَيْسَ بِشَيءٍ) (لاَ يُسَاوِي شَيْئاً) ... ثُمَّ (ضَعِيْفٌ) وَكَذَا إِنْ جِيْئَا

стр. 335

٣٤٥ - بِمُنْكَرِ الْحَدِيْثِ أَوْ مُضْطَرِبِهْ ... (وَاهٍ) وَ (ضَعَّفُوهُ) (لاَ يُحْتَجُّ بِهْ) ٣٤٦ - وَبَعْدَهَا (فِيْهِ مَقَالٌ) (ضُعِّفْ) ... وَفِيْهِ ضَعْفٌ تُنْكِرُ وَتَعْرِفْ ٣٤٧ - (لَيْسَ بِذَاكَ بالْمَتِيْنِ بِالْقَوِيْ ... بِحُجَّةٍ بِعُمْدَةٍ بِالْمَرْضِيْ) ٣٤٨ - لِلضَّعْفِ مَا هُوْ فيْهِ خُلْفٌ طَعَنُوْا ... فِيْهِ كَذَا (سَيِّئُ حِفْظٍ لَيِّنُ) ٣٤٩ - (تَكَلَّمُوا فِيْهِ) وَكُلُّ مَنْ ذُكِرْ ... مِنْ بَعْدُ شَيْئاً بِحَدِيْثِهِ اعْتُبِرْ (١) (وأَسْوَأُ التَّجريحِ) مَا أتى - كَمَا قَالَ شَيْخُنا (٢) - بصيغةِ أفْعَلَ، ك: أكذَبِ الناسِ، وَكَذا إِليهِ المنتهى في الكذبِ، أَوْ الوضعِ. ثُمَّ يليهِ مرتبةٌ ثانيةٌ بالنظرِ لِذلِكَ، وَهِيَ: (كذَّابٌ)، أَوْ (يَضَعْ) أي: الحديثَ، أَوْ (يَكْذِبُ)، أَو (وضَّاعٌ، و) كَذَا (دَجَّالٌ)، أَوْ (وَضَعْ) أي: الحديثَ (٣). وهذه الألفاظُ - وإنْ كانتْ في مَرتبةٍ - تَتَفاوتُ، كَمَا لا يَخْفَى. (وَبَعْدَهَا) أي: هذِهِ المرتبة، ثالثةٌ، وَهِيَ: فلانٌ (مُتَّهَمٌ بالكذبِ)، أَوْ بالوضعِ، (و) فلانٌ (ساقطٌ، و) فلانٌ (هالكٌ؛ فاجتَنِبِ) الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ. (و) فلانٌ (ذاهبٌ)، أَوْ ذاهبُ الحَدِيْثِ، أَوْ (متروكٌ)، أَوْ متروكُ الحَدِيْثِ، أَوْ تَرَكُوهُ، (اوْ) -بدرجِ الهمزةِ-، (فِيهِ نظرْ، و) فلانٌ (سَكَتُوا عَنْهُ)، أَوْ (بِهِ لا يُعتَبَرْ) عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، أَوْ لا يُعتبرُ بحديثِهِ، (و) فلانٌ (لَيْسَ بالثقةِ)، أَوْ لَيْسَ بثقةٍ، أَوْ غيرُ مأمونٍ، أَوْ نحوُها. (ثُمَّ) يليها رابعةٌ، وَهِيَ:

стр. 336

فلانٌ (رُدَّا) (١) ببنائِه للمفعولِ (حديثُهُ)، أَوْ رَدُّوْا حديثَهُ، أَوْ مردودٌ، أَوْ مردودُ الحَدِيْثِ، و (كَذَا) فلانٌ (ضعيفٌ جدّا)، وفلانٌ (واهٍ بِمرَّةٍ) أي: قَوْلاً جازماً، (و) فلانٌ (هُمْ) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (قَدْ طَرَحُوا حديثَهُ، و) فلانٌ (ارْمِ بِهِ)، أَوْ (مُطَّرَحُ)، أَوْ مَطْرُوحُ الحَدِيْثِ، أَوْ لا يُكتَبُ حديثُهُ، أَوْ (لَيْسَ بشيءٍ)، أَوْ لا شيءَ، أَوْ لا يساوي فلساً، أَوْ (لا يُسَاوي شَيْئاً)، أَوْ نحوها. (ثُمَّ) يلي (٢) هذِهِ خامسةٌ، وَهِيَ: فلانٌ (ضعيفٌ، وكذا إن جِيئَا) - بألفِ الإطلاقِ - في وَصْفِ الرَّاوِي (بِمُنْكَرِ الحَدِيْثِ)، أَوْ حديثُهُ منكرٌ، أَوْ لَهُ مَا يُنْكَرُ (٣)، أَوْ مناكيرُ، (أَوْ مُضْطَرِبِهْ (٤)) أي: الحَدِيْثِ، أَوْ (واهٍ، و) فلانٌ (ضَعَّفوهُ)، أَوْ (لا يُحتجُّ بِهْ). (وبَعْدَها) سادسةٌ، وَهِيَ: فلانٌ (فِيهِ مَقالٌ)، أَوْ أدْنى مَقالٍ، أَوْ (ضُعِّفْ) - بالتشديدِ، والبناءِ للمفعولِ -، (و) فلانٌ (فِيهِ)، أَوْ في حديثِهِ (ضَعْفٌ)، أَوْ (تُنْكِرُ) أي: مِنْهُ مرَّةً، (وتَعْرِفْ) أي: مِنْهُ أُخرى (٥)؛ لكونِهِ يأتي مرةً بالمناكيرِ، ومرةً بالمشاهيرِ. والجزءُ الثَّانِي من عجزِ البيتِ دخلَهُ الكَفُّ، إنْ لَمْ تُشْبَعْ حركةُ ((تُنْكِر))، وَهُوَ لا يَدْخُلُ بحرَ الرَّجَزِ، وَلَوْ قَالَ: ((تُنكرهْ)) - بهاءٍ ساكنةٍ - سَلِمَ مِن ذَلِكَ، و ((تَعْرِفْ)) دَخَلهُ الخَبْنُ والقَطْعُ (٦). وفلانٌ (لَيْسَ بِذاكَ)، أَوْ بِذاكَ القويِّ، أَوْ لَيْسَ (بالمتينِ)، أَوْ لَيْسَ (بالقويْ) أَوْ لَيْسَ (بحجَّةٍ)، أَوْ لَيْسَ (بعُمْدَةٍ)، أَوْ لَيْسَ بمأمونٍ، أَوْ لَيْسَ (بالمَرْضِيْ).

стр. 337

وفلانٌ مَجْهُوْلٌ، أَوْ فِيهِ جَهالةٌ، أَوْ لا أدري مَا هُوَ، أَوْ (لِلضَّعْفِ مَا هُوْ) أي: هُوَ قريبٌ مِنْهُ عَلَى مَا مَرَّ، أَوْ (١) (فِيهِ خُلْفٌ)، أَوْ (طَعَنُوا فِيهِ)، أَوْ مَطْعونٌ فِيهِ. (كذا (٢) سَيِّئُ حِفْظٍ)، أَوْ (ليِّنُ)، أَوْ ليِّنُ الحديثِ، أَوْ فِيهِ لِيْنٌ، أَوْ (تَكَلَّموا فِيهِ). والحكمُ في أهلِ المراتبِ الأربع الأُوَلِ: أنَّه لا يُحتجُّ بأحدٍ مِنْهُمْ، ولا يُستَشْهَدُ بِهِ، ولا يُعتَبَرُ بِهِ. (وكلُّ مَنْ ذُكِرْ مِنْ بَعْدُ) قوله: لا يساوي (شيئاً)، وَهُوَ مَا عدا الأربعِ (بحديثِهِ اعتُبِر) لإشعارِ صيغتِهِ بصلاحيةِ المتصفِ بمضمونِها لِذلِكَ. ومَا زادَهُ من ألفاظِ الجرحِ التي أشارَ إليها فِيْمَا مَرَّ بقولِهِ: ((وزدْتُ مَا في كَلامِ أهلِهِ وَجَدْتُ)) (٣)، وَهُوَ: يَضَعُ، ووضَّاعٌ، والثلاثةُ بعدَهُ، وهَالكٌ، وفِيهِ نَظرٌ، والتِّسعةُ بعدَهُ ولا يُساوي شيئاً، ومنكرُ الحَدِيْث، وواهٍ، وضَعَّفُوهُ، وفيه مَقالٌ، وضُعِّفَ، وتُنكِرُ وتَعْرِفُ (٤)، وَلَيْسَ بالمتينِ، وَلَيْسَ بحُجَّةٍ إلى آخرِهِ مَا عَدا قوله: ليِّنٌ (٥). مَتَى يَصحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيْثِ أوْ يُسْتَحَبُّ ؟ (متى يَصِحُّ تحمُّل الحَدِيْثِ، أَوْ) أي ومتى (يُستحبُّ). ٣٥٠ - وَقَبِلُوا مِنْ مُسْلِمٍ تَحَمُّلاَ ... فِي كُفْرِهِ كَذَا صَبِيٌّ حُمِّلاَ ٣٥١ - ثُمَّ رَوَى بَعْدَ الْبُلُوْغِ وَمَنَعْ ... قَوْمٌ هُنَا وَرُدَّ (كَالسِّبْطَيْنِ) مَعْ ٣٥٢ - إِحْضَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلصِّبْيَانِ ثُمّْ ... قَبُوْلُهُمْ مَا حَدَّثُوا بَعْدَ الْحُلُمْ

стр. 338

(وقَبِلُوا) - أي: المُحَدِّثُوْنَ - الرِّوَايَةَ (من مُسْلِمٍ) مُسْتَكْمِلٍ الشروطَ (تَحَمُّلا)، الحديثَ (١) (في) حالِ (كُفْرِهِ)، وأدائِهِ بَعْدَ إسْلامِهِ؛ لأنَّ جُبَيْرَ بنَ مُطْعِمٍ ﵁ قَدِمَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ في فِدَاءِ أُسَارَى بدرٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَسَمِعَهُ حينئذٍ يَقْرَأُ في المغربِ بِالطُّورِ (٢)، قَالَ: وذلك أوَّلُ مَا وَقَرَ الإيمانُ في قَلْبِي (٣). ثُمَّ أدَّى ذَلِكَ بَعْدَ إسلامِهِ، وحُمِلَ عَنْهُ. و (كَذَا) يقبلُ عِنْدَهُم (صَبيٌّ حُمِّلا) الحديثَ (ثُمَّ رَوَى بَعْدَ البلوغِ) مَا تَحَمَّلَهُ في حالِ صِباهُ، (وَمَنَعْ قومٌ) القَبُولَ (٤) (هُنَا) أي: في مَسْأَلَةِ الصبيِّ؛ لأنَّ الصَّبيَّ مَظِنَّةُ عَدمِ الضَّبْطِ. (ورُدَّ) عَلَيْهِمْ، بإجماعِ الأئمَّةِ عَلَى قَبولِ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِن صِغارِ الصَّحابةِ، تحمَّلُوهُ (٥) في صِغَرِهِم، (كالسِّبطينِ) الحسنِ والحُسَينِ ابني بنتِهِ ﷺ فاطمةَ، وكعبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، والنعمانِ بنِ بَشِيْرٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ (٦).

стр. 339

(مَعْ إحْضَارِ أَهْلِ العِلْمِ) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ وغيرِهم (للصِّبْيَانِ) مجالسَ التحديثِ، (ثُمّْ قَبُولُهُمْ) مِنْهُمْ (مَا حدَّثوا) بهِ مِن ذَلِكَ (بَعْدَ الحُلُمْ) أي: البلوغِ. كَمَا وقعَ للقاضيِ أَبِي عُمَرَ (١) الهاشميِّ، فإنَّه سَمِعَ " السننَ " لأبي دَاوُد من اللُّؤْلُويِّ، ولِهُ خمسُ سنينَ، وَاعْتَدَّ (٢) الناسُ بسماعِهِ، وحمَلوهُ (٣) عَنْهُ (٤). وَقَالَ يعقوبُ الدَّوْرَقِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصمٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ بابني إلى ابنِ جُرَيْجٍ، وسنُّهُ أقلُّ من ثلاثِ سنينَ، فحدَّثَهُ (٥). وهذا بالنَّظَرِ إلى صِحَّةِ السَّماعِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كونِ السَّامِعِ طَلبَ الحَدِيْثَ بنفسِهِ، أَمْ بغيرِهِ. ٣٥٣ - وَطَلَبُ الْحَدِيْثِ فِي الْعِشْرِيْنِ ... عِنْدَ (الزُّبَيْرِيِّ) أَحَبُّ حِيْنِ ٣٥٤ - وَهْوَ الَّذِي عَلَيْهِ (أَهْلُ الْكُوْفَهْ) ... وَالْعَشْرِ فِي (الْبَصْرَةِ) كَالْمَألُوْفَهْ ٣٥٥ - وَفِي الثَّلاَثِيْنَ (لأَهْلِ الشَّأْمِ) ... وَيَنْبَغِي تَقْيِيْدُهُ بِالْفَهْمِ ٣٥٦ - فَكَتْبُهُ بالضَّبْطِ، والسَّمَاعُ ... حَيْثُ يَصِحُّ، وَبِهِ نِزَاعُ ٣٥٧ - فَالْخَمْسُ (٦) لِلْجُمْهُورِ ثُمَّ الحُجَّهْ ... قِصَّةُ (مَحْمُوْدٍ) وَعَقْلُ الْمَجَّهْ ٣٥٨ - وَهْوَ ابْنُ خَمْسَةٍ، وَقِيْلَ أَرْبَعَهْ ... وَلَيْسَ فِيْهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَهْ ٣٥٩ - بَلِ الصَّوَابُ فَهْمُهُ الْخِطَابَا ... مُمَيِّزاً وَرَدُّهُ الْجَوَابَا

стр. 340

(و) أما (طلبُ الحَدِيْثِ) بنفسِهِ، وكتابتُهُ، فَهُوَ (في العِشْرينِ) -بكسرِ النون- مِنَ السنينِ (عِنْدَ) الإمامِ أبي عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِ بنِ أَحْمَدَ (الزُّبَيْرِيِّ) -بضمِّ الزاي (١) - (أحبُّ حِينِ) مِمّا قبلَهُ، فهي وَقْتُ استحبابِ طَلَبِ الحديثِ، وكتابتِهِ؛ لأنَّها مُجْتَمَعُ العقلِ (٢). (وَهْوَ) أي: استحبابُ طلبِهِ فِيْهَا (الّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الكوفَهْ)، فَقَدْ كانوا لا يُخرجُونَ أولادَهم في طلبِهِ إلا عِنْدَ استكمالِ عِشْرينَ سنةً (٣). (وَ) طلبُهُ في (العَشْرِ) مِنَ السِّنينِ (فِي) أَهْلِ (البصْرةِ، ك) الطريقةِ (المأْلُوفَهْ) لَهُمْ حَيْثُ قيَّدوا بها (٤)، ويجوزُ رفعُ ((العشرِ)) بالابتداءِ، وخبرُهُ: ((كالمألوفَهْ)). (و) طلبُهُ (في الثلاثينَ) مِنَ السنينِ طريقةٌ مألوفةٌ (٥) (لأهلِ الشأْمِ). (و) الحقُّ عدمُ تقييدِهِ (٦) بسِنٍّ مخصوصٍ (٧)، بَلْ (يَنْبَغِي تقييدُهُ بالفَهْمِ)، لحصولِ الغرضِ بِهِ. (فَكَتْبُهُ) أي: ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ (٨) كَتْبَ الحَدِيْثِ (بالضَّبْطِ) أي: بالتأهُّلِ لَهُ. فَفِي الوقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لابتداءِ الطَّلَبِ، أربعةُ أقوالٍ. (وَ) يَنْبَغِي أَنْ يُقيّدَ (السَّمَاعُ) أي: سَمَاعُ الصَّبيِّ لِلحديثِ (حَيْثُ) أي: بحيثُ، بمعنى حِينَ (يَصِحُّ) سَمَاعُهُ فِيهِ، وذلكَ يختلفُ بِاختلافِ الأَشْخاصِ، ولا ينْحَصِرُ في زمنٍ مَخْصوصٍ، كَمَا قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ.

стр. 341

قَالَ: ((وينبغي بَعْدَ أنْ صارَ الملحوظُ إبقاءَ سِلْسِلةِ الإسنادِ، أن يُبَكَّرَ بإسماعِ الصغيرِ في أوَّلِ زمانٍ يصحُّ فِيهِ سَمَاعُهُ)) (١). (وبِهِ) أي: وَفِي وَقْتِ صِحَّةِ سَماعِهِ (نِزاعُ) بَيْنَ العُلَمَاءِ، جملتُهُ فِيْمَا ذكرَهُ أربعةُ أقوالٍ أَيْضاً. (فالخَمْسُ) مِنَ السِّنينِ التقييدُ بها (للجمهورِ). قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: وَعَلَيْهِ استقرَّ عَمَلُ أَهْلِ الحَدِيْثِ المتأخِّرينَ، فَيَكْتُبونَ لابنِ خمسٍ فأكثرَ: ((سَمِعَ))، ولمنْ لَمْ (٢) يبلغْهَا ((حَضَرَ))، أَوْ ((أُحْضِرَ)) (٣). (ثُمَّ الْحُجَّهْ) لَهُمْ في التقييدِ بها (قِصَّةُ مَحْمُودٍ)، هُوَ ابنُ الربيعِ، (و) هِيَ: (عَقْلُ الْمجَّهْ) أي: عَقْلُهُ لها، وَهِيَ إرسالُ الماءِ من الفَمِ (٤)، (وَهْوَ) أي: ومحمودٌ (ابنُ خَمْسَةٍ) مِنَ الأعوامِ. فَقَالَ - كَمَا في البُخَارِيِّ (٥)، وغيرِهِ (٦) -: ((عَقَلْتُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِيْ عَنْ دَلْوٍ وَأنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِيْنَ)). وَفَعَلَ ذَلِكَ مَعَهُ مُدَاعَبةً، أَوْ تبريكاً (٧). (وَقِيلَ): يعني، وَقَالَ ابنُ عَبْدِ البرِّ: إنَّ محموداً عَقَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ ابنُ (أربعَهْ) مِنَ الأعوامِ (٨).

стр. 342

(وَلَيسَ فِيهِ) أي: في تعيينِ وقتِ صِحَّةِ سَمَاعِهِ (سُنَّةٌ مُتَّبعَهْ)؛ إِذْ لاَ يلزمُ مِن تمييزِ مَحْمُودٍ، أَنْ يميِّزَ غيرُهُ تمييزَهُ، بَلْ قَدْ يَنقُصُ عَنْهُ، وَقَدْ يزيدُ. ولا يلزمُ أنْ لا يَعْقِلُ ذَلِكَ، وسنُّهُ أقلُّ مِن ذَلِكَ، كَمَا أنَّهُ لا يلزمُ مِنْ عَقْلِ المجَّةِ أَنْ (١) يَعْقِلَ غيرَها ممَّا سَمِعَهُ (٢). (بَلِ الصَّوابُ) الْمُعْتَبرُ في صِحَّةِ سَمَاعِهِ (فَهْمُهُ الْخِطَابا) حَالةَ (٣) كونِهِ (مميِّزاً، وردُّه الْجَوابا) وإنْ كَانَ ابنَ أقلَّ مِنْ أرْبَعٍ (٤). فإنْ لَمْ يكنْ كَذلِكَ، لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ، وإن زادَ عَلَى الخَمْسِ. ٣٦٠ - وَقِيْلَ: (لابْنِ حَنْبَلٍ) فَرَجُلُ ... قَالَ: لِخَمْسَ عَشْرَةَ التَّحَمُّلُ ٣٦١ - يَجُوْزُ لاَ فِي دُوْنِهَا، فَغَلَّطَهْ ... قال: إذا عَقَلَهُ وَضَبَطَهْ ٣٦٢ - وَقِيْلَ: مَنْ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْبَقَرْ ... فَرَّقَ سَامِعٌ، وَمَنْ لاَ فَحَضَرْ ٣٦٣ - قال: بِهِ الَحْمَّالُ، وابْنُ الْمُقْرِيْ ... سَمَّعَ لاِبْنِ أَرْبَعٍ ذِي ذُكْرِ (و) مِمّا يَدلُّ عَلَى اعتبارِ الفَهْمِ، والتَّمييزِ دُوْنَ التَّقييدِ بسِنٍّ، أنَّهُ (قِيلَ لابن حَنْبَلٍ: فَرَجُلُ) أي: أنَّ رجلاً، وَهُوَ ابنُ مَعِيْنٍ (٥) (قَالَ: لِخَمسَ عَشْرةَ) سنةً (التَّحمُّلُ يَجُوزُ، لا في دُوْنِها) مُحْتَجّاً بأنَّهُ ﷺ ردَّ البراءَ، وابنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يومَ بدرٍ لصغرِهِمَا عَنْ هَذَا السنِّ. (فَغَلَّطَهْ) ابنُ حَنْبَلٍ، و (قَالَ): بئسَ القَوْلُ، بَلْ (إذَا عَقَلهُ) أي: الحَدِيْثَ، (وَضَبَطَهْ) صَحَّ تحمُّلُه وسَماعُهُ، وَلَوْ كَانَ صَبيّاً (٦).

стр. 343

قَالَ (١): وإنَّما التّقْييدُ بِذَلِكَ في القِتالِ، وإلاّ، فَكيفَ يعملُ بوكيعٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ، وغيرِهما، ممَّنْ سَمِعَ قَبْلَ هَذَا السنِّ (٢). (وَقِيلَ: مَنْ بينَ الحِمَارِ والبَقَرْ فرَّقَ)، فَهُوَ (سَامِعٌ، ومَنْ لاَ) يُفَرِّقُ بينَهُما (ف) يُقال لَهُ: (حَضَرْ)، ولا يُقالُ لَهُ: سَمِعَ. (قَالَ بِهِ) مُوسى بنُ هارونَ (الحمَّالُ) بالمهملةِ - جواباً لمَنْ سألَهُ: متى يُسَمِّعُ للصبيِّ؟ فَقَالَ: إذَا فرَّقَ بَيْن البقرةِ، والحمارِ. وَفِي روايةٍ: بَيْن البقرةِ والدَّابةِ (٣). (وَ) الحافظُ أَبُو بكرِ (ابنُ المُقْرِيْ) لاعتبارِهِ الفَهْمَ والتَّمييزَ، (سَمَّعَ) أي: قَالَ بصحَّةِ السَّمَاعِ (لابنِ أرْبَعٍ) مِنَ السنينِ، (ذي ذُكِرْ) - بضمِّ المُعْجَمَةِ - أي: صَاحبُ حِفْظٍ، وَفَهْمٍ. فَقَدْ قَالَ الخطيبُ: سَمِعْتُ القاضيَ أبا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرحمانِ الأصبهانيَّ، يَقُول: حَفِظْتُ القُرْآنَ وَلَيْسَ لي خمسُ سنينَ، وأُحْضِرْتُ عِنْدَ أبي بَكْرِ ابنِ المقرئ، لأسمعَ مِنْهُ، ولي أربعُ سنينَ، فأرادوا أَنْ يُسَمِّعُوا لي فِيْمَا حَضَرْتُ قراءتَهُ، فَقَالَ بَعْضُهم: إنَّه يصغرُ مِنَ (٤) السَّمَاعِ. فَقَالَ ابنُ المقرئ: اقرأْ سورَة ((الكافرونَ))، فقرأتُها، فَقَالَ: اقرأْ سورةَ ((التكوير))، فقرأتُها، فَقَالَ غيرُه: اقرأ سورةَ ((والمرسلاتِ)) فقرأتُها، وَلَمْ أغلَطْ فِيْهَا، فَقَالَ (٥) ابنُ المقرئِ: سَمِّعُوا لَهُ، والعُهْدَةُ عَلَيَّ (٦) (٧).

стр. 344

أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ (١) (أقسامُ التحمُّلِ)، وأوَّلُهَا: سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَهُوَ أعلاها كَمَا قَالَ: ٣٦٤ - أَعْلَى وُجُوْهِ الأَخْذِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ ... وَهْيَ ثَمَانٍ: لَفْظُ شَيْخٍ فَاعْلَمِ ٣٦٥ - كتَاباً او (٢) حِفْظاً وَقُلْ: (حَدَّثَنَا) ... (سَمِعْتُ)، أَوْ (أَخْبَرَنَا)، (أَنْبَأَنَا) ٣٦٦ - وَقَدَّمَ (الْخَطِيْبُ) أَنْ يَقُوْلاَ: ... (سَمِعْتُ) إِذْ لاَ يَقْبَلُ (٣) التَّأْوِيْلاَ ٣٦٧ - وَبَعْدَهَا (حَدَّثَنَا)، (حَدَّثَنِي) ... وَبَعْدَ ذَا (أَخْبَرَنَا)، (أَخْبَرَنِي) ٣٦٨ - وَهْوَ كَثْيِرٌ وَ (يَزِيْدُ) اسْتَعْمَلَهْ ... وَغَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا قَدْ حَمَلَهْ ٣٦٩ - مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ، وَبَعْدَهُ تَلاَ: ... (أَنْبَأَنَا)، (نَبَّأَنَا) وَقَلَّلاَ (أعلى وُجُوهِ الأخْذِ) للحديثِ، وتحمُّلِهِ عَن الشِّيوخِ (عِنْدَ الْمُعْظَمِ) مِنَ الْمُحدِّثينَ، وغيرِهم - (وَهْيَ) أي: الوجوهُ (ثَمَانٍ) هذِهِ الجملةُ معترضةٌ بَيْنَ المبتدإِ والخبرِ- وَهُوَ (لَفظُ شَيخٍ) أي: السَّمَاعُ مِنْهُ، (فاعْلَمِ) ذَلِكَ. سواءٌ حدَّثَ (كتاباً) أي: مِن كِتابِهِ، (اوْ) (٤) بِدرجِ الهَمْزةِ (حِفْظاً) أي: من حفظِهِ إملاءً، أَوْ غَيْرَ إملاءٍ، لكنَّهُ في الإملاءِ أعلى؛ لما فِيهِ مِن شِدَّةِ تحرُّزِ (٥) الشَّيْخِ،

стр. 345

والراوي، إِذْ الشَّيْخُ مُشْتَغِلٌ بالتحديثِ، والراوِي بالكتابةِ عَنْهُ، فَهُمَا أبعدُ عَنِ (١) الغَفْلَةِ، وأقربُ إلى التحقيقِ مَعَ جريانِ العَادةِ بالْمُقابَلَةِ بعدَهُ. (وَقُلْ) في حالةِ الأداءِ لما سَمِعْتَهُ من لفظِ الشَّيْخِ: (حَدَّثَنَا) فُلاَنٌ، أَوْ (سَمِعْتُ) فُلاَناً، (أَوْ أَخْبَرَنَا)، أَوْ خبَّرنا، أَوْ (أنْبَأَنَا)، أَوْ نَبَّأنَا فُلاَنٌ، أَوْ قَالَ لَنَا فُلاَنٌ، أَوْ ذكرَ لَنَا فُلاَنٌ. فيجوزُ جَمِيْعُ ذَلِكَ اتِّفاقاً، كَمَا حكاهُ الْقَاضِي عياضٌ (٢). وجوازُ جميعِه اتِّفاقاً، لا يُنافي مَا يأتي من أرفعيَّةِ بعضِهِ عَلَى بعضٍ. قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَيَنْبغِي فِيْمَا شَاعَ استعمَالُهُ مِن هذِهِ الألفاظِ فِيْمَا سُمِعَ مِن غَيْرِ لفظِ الشَّيْخِ أَنْ لا يُطْلَقَ فِيْمَا سُمِعَ من لفظِهِ، لما فِيهِ من الإيهامِ، والإلباسِ)) (٣). قَالَ النَّاظِمُ: ((مَا قَالَهُ القاضِي مُتَّجِهٌ؛ إِذْ لا يجبُ عَلَى السَّامِعِ أن يبيِّنَ، هَلْ كَانَ السَّمَاعُ مِن لفظِ الشَّيْخِ، أَوْ عَرَضاً؟ نَعَمْ، ينبغي عدمُ الإطلاقِ في ((أَنْبَأَنَا)) بَعْدَ اشْتِهارِ استعمالِها في الإجازةِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى إسقاطِ المرويِّ، بِها عِنْدَ مَنْ لا يَحتَجُّ بالإجازةِ)) (٤). وبالجملةِ فهذهِ الألفاظُ متفاوِتَةٌ، (وَ) قَدْ (قَدَّمَ الخَطيبُ) مِنْها (أَنْ يَقُولاَ) أي: الرَّاوِي: (سَمِعْتُ، إِذْ) لفظُها صريحٌ في سَمَاعِ لفظِ الشَّيْخِ (٥)، (لا يَقْبَلُ التأويْلاَ) الآتي بيانُه، بخلافِ ((سَمِعْنَا))، فإنَّه يقبلُهُ ((ك: حَدَّثَنَا)). (وبَعْدَها) أي: بَعْدَ ((سَمِعْتُ)) في الرُّتبةِ (حَدَّثَنَا)، و (حَدَّثَنِي)؛ لأنَّها لا تكادُ تُستَعْمَلُ في الإجازةِ بخلافِ هاتينِ، ولأنَّها -كَمَا مَرَّ- لا تَقبلُ التأويلَ بخلافِ ((حَدَّثَنَا)) (٦).

стр. 346

فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الحسَنَ البصريَّ كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، ويتَأَوَّلُ: ((حَدَّثَ أَهْلَ المدينة وأنا بِها))، كَمَا كَانَ يَقُولُ: خَطَبَنا ابنُ عَبَّاسٍ بالبصرةِ، ويريدُ خَطَبَ أهْلَها (١). والمشهورُ أنَّ الحَسَنَ لَمْ يَسْمعْ من أبي هُرَيْرَةَ، بَلْ قَالَ يونُسُ بنُ عُبَيْدٍ: إنَّهُ مَا رَآهُ قطُّ (٢). (وَبَعْدَ ذَا) أي: لفظُ ((حَدَّثَنَا)) و ((حَدَّثَنِي)) (أَخْبَرَنَا)، و (أَخْبَرَنِي، وَهْوَ) أي: الأداءُ بكلٍّ من هاتينِ لسماعِ لفظِ الشَّيْخِ (كَثِيْرٌ) في الاستعمالِ. (ويَزيدُ) بنُ هارونَ (اسْتَعْمَلَهْ) في ذَلِكَ، هُوَ (وَغَيرُ واحدٍ)، كحمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، وابنِ المباركِ، وعبدِ الرزَّاقِ، (لِمَا قَدْ حَمَلَهْ) كلٌّ مِنْهُمْ (مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ). قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَشِيْعَ تَخْصِيْصُ ((أَخْبَرَنَا)) بالعَرْضِ)) (٣). (وبعدَهُ) أي: بَعْدَ لَفْظِ ((أَخْبَرَنَا))، و ((أَخْبَرَنِي)) (تَلاَ) تأكيد (أَنْبَأَنَا)، و (نبَّأنا. وقَلَّلا) استعمالَهُ فِيْمَا سَمِعَ مِن لَفْظِ الشَّيْخِ أي: قَبْلَ اشتهارِهِ في الإجازةِ. ثُمَّ مَا تقرَّرَ مِنْ أنَّ ((سَمِعتُ)) راجحةٌ - لما مَرَّ - صَحِيْحٌ، لَكِنْ لـ: حَدَّثَنَا، و ((أَخْبَرَنَا)) - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ - جهةُ ترجيحٍ عَلَيْهَا مِن جِهةِ أنَّهمَا يَدلاَّنِ عَلَى أنَّ الشيخَ رَوَّاهُ الحَدِيْثَ، وخاطبَهُ بقولِهِ (٤). ٣٧٠ - وَقَوْلُهُ: (قَالَ لَناَ) وَنَحْوُهَا ... كَقُوْلِهِ: (حَدَّثَنَا) لَكِنَّهَا ٣٧١ - الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا (٥) مُذَاكَرَهْ ... وَدُوُنَهَا (قَالَ) بِلاَ مُجَارَرَهْ ٣٧٢ - وَهْيَ عَلى السَّمَاعِ إِنْ يُدْرَ اللُّقِيْ ... لاَ سِيَّمَا مَنْ عَرَفُوْهُ فِي الْمُضِيْ

стр. 347

٣٧٣ - أنْ لاَ يَقُوْلَ ذَا بِغَيْرِ (١) مَا سَمِعْ ... مِنْهُ (كَحَجَّاجٍ) وَلَكِنْ (٢) يَمْتَنِعْ ٣٧٤ - عُمُوْمُهُ عِنْدَ الْخَطيْبِ وَقُصِرْ ... ذَاكَ عَلى الَّذِي بِذَا الوَصْفِ اشْتُهِرْ (وَقَولُهُ) أي: الرَّاوِي: (قَالَ لَنَا، وَنَحْوُهَا)، مثلُ: ((قَالَ لي))، أَوْ ((ذَكَرَ لي)) (كقولِهِ: حَدَّثَنَا) فلانٌ في الحُكْمِ لها بالاتِّصالِ، (لَكِنَّها الغَالِبُ) مِنْ صَنيعِهِم (استِعْمَالُهَا) فِيْمَا سَمِعُوهُ (مذاكرهْ). وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ: إنَّهُ، أي لَفْظَ ((قَالَ لَنَا))، ونحوِهِ لائقٌ بما سَمِعَهُ مِنْهُ في المذاكرةِ، وَهُوَ بِهِ أشبهُ من ((حَدَّثَنَا)) (٣). انتهى. (وَدُونَها) أي: ((قَالَ لَنَا)) و ((قَالَ لي))، ونحوِهما (قَالَ بِلاَ مُجاررهْ) أي: بغيرِ ذِكْرِ (٤) الجارِّ والمجرورِ. وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَهِيَ أوضعُ العباراتِ)) (٥). (وَهْيَ) مَعَ ذَلِكَ مَحْمُولةٌ (عَلَى السَّمَاعِ) من لفظِ الشَّيْخِ، (إنْ يُدْرَ اللُّقي) بينَهُما (٦)، ويسلَمَ قائلُها مِنَ التدليسِ. (لاَسيَّمَا مَنْ عَرفُوهُ) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ، بأنْ عُرِفَ بَيْنَهُم (في الْمُضيْ) أي: فِيْمَا مَضَى (أنْ لاَ يَقُولَ ذا) أي: لفظَ ((قَالَ)) عَنْ شيخِهِ (بغَيْرِ ماَ سَمِعْ مِنْهُ، كَحَجَّاجٍ) هُوَ ابنُ مُحَمَّدٍ الأعورُ، فإنَّه رَوَى كُتبَ ابن جُرَيْجٍ بلفظِ: قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ، فَحَمَلَها النَّاسُ عَنْهُ، واحْتَجّوا بِها (٧).

стр. 348

(ولكنْ يمتنعْ عُمُومُه) أي: الحُكْمُ بحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى السَّمَاعِ (عِنْدَ) الحافِظِ (الخطيبِ) حَيْثُ مَنَعَ الْحُكمَ بِهِ إنْ لَمْ يُعْرَفِ اتِّصافُ الرَّاوِي بأنَّه لا يَرْوِي إلاَّ مَا سَمِعَهُ (١)، (وَقُصِرْ ذَاكَ) (٢) الْحُكمُ (عَلَى) الرَّاوِي (الّذِي بِذا الوَصْفِ اشتُهِرْ). قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((والْمَحْفُوظُ الْمَعْروفُ مَا قَدَّمْنَاهُ)) (٣). الثَّاْنِي: القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ (والثاني) مِن أَقْسامِ التَّحمُّلِ: (القراءةُ عَلَى الشَّيْخِ) ٣٧٥ - ثُمَّ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَعَتَهَا ... مُعْظَمُهُمْ عَرْضاً سَوَا (٤) قَرَأْتَهَا ٣٧٦ - مِنْ حِفْظٍ او كِتَابٍ او (٥) سَمِعْتَا ... والشَّيْخُ حَافِظٌ لمِاَ عَرَضْتَا ٣٧٧ - أولاَ، وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ ... بِنَفْسِهِ، أو ثِقَةٌ مُمْسِكُهُ ٣٧٨ - قُلْتُ: كَذَا إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ ... يَحْفَظُهُ (٦) مَعَ اسْتِماَعٍ فَاقْتَنِعْ (ثُمَّ) يَلي السَّماعَ مِنْهُ (القِرَاءةُ) عَلَيْهِ (الّتِي نَعَتَهَا) أي: سمَّاها (مُعْظَمُهُمْ) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ (عَرْضاً)، بمعنى أنَّ القارئَ يَعْرضُ عَلَى الشَّيْخِ الحَدِيْثَ، كَمَا يُعْرضُ القُرْآنُ عَلَى الْمُقْرئ (٧).

стр. 349

(سَوَا) - بفتحِ أوَّلِهِ والقَصْرِ في لغةٍ - (١) أي: سَواءٌ في ذَلِكَ (قرأْتَها) أي: الأحاديثَ بنفسِكَ عَلَى الشَّيْخِ (من حِفْظٍ) مِنْكَ، (اوْ كِتَابٍ) لَكَ، أَوْ لَهُ، أَوْ لغيرِكُما، (اوْ) - بالدّرجِ فِيهِ -، وفيما قبلَهُ (سَمِعْتَا) بقراءةِ غيرِكَ عَلَيْهِ من كتابٍ، كَذلِكَ، أَوْ حِفْظِهِ أَيْضاً، (والشَّيْخُ) في حالِ القراءةِ عَلَيْهِ (حَافِظٌ لِمَا عَرَضْتَا) أنتَ، أَوْ غيرُكَ عَلَيْهِ. (أَوْ لا) (٢) يَحْفَظُ، (ولكِنْ) يكونُ (أصلُهُ) مَعَهُ (يُمْسِكُهُ) هُوَ (بنفسِهِ، أَوْ ثِقَةٌ) غيرُهُ (مُمْسِكُهُ)، ولَو كَانَ هُوَ القارئُ فِيهِ، خلافاً لبعضِ الأصوليينَ، كَمَا سَيَأْتِي في التَّفْريعاتِ. وكأصلِهِ مَا قُوبِلَ عَلَيْهِ. (قُلْتُ): و (كَذَا) الحُكْمُ (إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ) مَعَكَ (يَحْفَظُهُ) أي: المقروءُ (مَعَ استماعٍ) مِنْهُ لَهُ، وعدمِ غفلتِهِ عَنْهُ، (فاقْتَنِعْ) بِذَلِكَ. وَكذا بخطِّ (٣) القَارئِ فَقَطْ، كَمَا نَقَلَهُ النَّاظِمُ (٤). وتَرَكَ جَزْمَ ((يَحْفَظُهُ)) المفسِّرُ لِشَرْطِ ((إنْ)) للوزنِ، وَلَوْ قَالَ: ((حَفِظَهُ)) لَمْ يَحْتَجْ لِذلِكَ (٥) ٣٧٩ - وَأَجْمَعوُا أَخْذاً بِهَا، وَرَدُّوا ... نَقْلَ الخِلاَفِ، وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا ٣٨٠ - وَالْخُلْفُ فِيْهَا هَلْ تُساوي (٦) الأوَّلاَ ... أو دُوْنَهُ أو فَوْقَهُ؟ فَنُقِلاَ ٣٨١ - عَنْ (مَالِكٍ) وَصَحبْهِ وَمُعْظَمِ ... (كُوْفَةَ) وَ (الحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ) ٣٨٢ - مَعَ (البُخَارِيِّ) هُمَا سِيَّانِ ... وَ (ابْنُ أبِي ذِئْبٍ) مَعَ (النُّعْمَانِ) ٣٨٣ - قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ وَعَكْسُهُ أَصَحّْ ... وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) نَحْوَهُ جَنَحْ

стр. 350

(وأَجمَعُوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (أَخْذاً) أي: عَلَى صِحَّةِ الأخْذِ، والتَّحمُّلِ (بِها) أي: بالرِّوَايَةِ عَرْضاً، (وَرَدُّوا نَقْلَ الخِلافِ) فِيْهَا، (وبِهِ) أي: بالخِلافِ (مَا اعْتَدُّوا) بَلْ عَمِلوا بِخِلافِهِ. فَكانَ مَالِكٌ يُنكرُ عَلَى المخالفِ، ويقولُ: كَيْفَ لا يُجزيك هَذَا في الحَدِيْثِ، ويُجْزيكَ في القُرْآنِ، والقرآنُ أعظمُ (١)؟ (و) لَكِنْ (الخُلْفُ) بينَهُم (فِيْهَا) أي: في القراءةِ عَرْضاً (هَلْ تساوي) القِسْمَ (الأوَّلا) أي: السَّمَاعَ من لفظِ الشَّيْخِ، (أَوْ) هِيَ (دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ؟ فنُقِلاَ عَنْ مالكٍ (٢)، وصَحْبِهِ، ومُعْظَمِ) عُلَمَاءِ أَهْلِ (كوفَةَ) - بمنعِ الصرفِ -، (و) أَهْلِ (الحجازِ أَهْلِ الحرمِ) أي: مَكَّةَ (مَعَ البُخَارِيِّ، هُمَا) أي: أنَّهُما في الصِّحَّةِ (سيَّانِ) (٣). (وابنُ أبي ذِئْبٍ) أَبُو الحارثِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرحمانِ بنِ المغيرةِ المدنيُّ (٤) (مَعَ) أَبِي حَنِيْفَةَ (النعمانِ) بنِ ثابتٍ (٥) (قَدْ رجَّحَا العَرْضَ) عَلَى السَّمَاعِ؛ لأنَّ الشَّيْخَ لَوْ سَهَا لَمْ يتهيَّأْ للطالبِ الردُّ عَلَيْهِ، إما لجهلِهِ، أَوْ لهيبةِ الشَّيْخِ، أَوْ لغيرِ ذَلِكَ، بخلافِ الطالبِ. (وَعكْسُهُ) أي: ترجيحُ السَّمَاعِ مِنَ الشَّيْخِ عَلَى العَرْضِ (أصَحّْ)، وأَشْهَرُ، (وجُلُّ) أي: مُعظمُ (أَهْلِ الشَّرْقِ)، وخُراسَانَ (٦) (نحوَهُ جَنَحْ) أي: مَالَ. وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُصيِّرُ العَرْضَ أَوْلى، كأنْ يَكُونَ الطالبُ أعلمَ، أَوْ أَضْبَطَ، أَوْ الشَّيْخُ في حالِ العَرْضِ أوعى مِنْهُ في حالِ قراءتهِ (٧).

стр. 351

٣٨٤ - وَجَوَّدُوا فِيْهِ قَرَأْتُ أو قُرِىْ ... مَعْ وَ (أَنَا أَسْمَعُ) ثُمَّ عَبِّرِ ٣٨٥ - بِمَا مَضَى فِي أولٍ مُقَيِّدا ... (قِرَاَءةً عَلَيْهِ) حَتَّى مُنْشِدا ٣٨٦ - (أَنْشَدَنَا قِرَاَءةً عَلَيْهِ) لاَ ... (سَمِعْتُ) لَكِنْ بَعْضُهُمْ قَدْ حَلَّلاَ (وَجَوَّدُوا فِيهِ) أي: رَأوا الأجودَ في أداءِ مَنْ سَمِعَ (١) عَرْضاً، أَنْ يَقُولَ: (قرأتُ) عَلَى فلانٍ، إن كَانَ العَرْضُ بقراءةِ نفسِهِ (أَوْ قُرِيْ) عَلَى فلانٍ إنْ كَانَ يقرأُ غيرُه (مَعْ) - بالإسكان - أي: مَعَ قولِهِ: (وأنا) -بإثباتِ الألفِ- (أَسْمَعُ) خشيةَ التدليسِ. (ثُمَّ) يَلي ذَلِكَ عباراتُ السَّمَاعِ مقيَّدةً بِما يأتي، كَمَا ذَكرَها بقولِهِ: (عَبِّرِ) أنتَ عَنْ ذَلِكَ (بِما مَضى في أَوَّلٍ) أي: في القِسمِ الأَوَّلِ (مقيِّدا) لَهُ بِقولِك (٢): (قراءةً عَلَيْهِ). فَقُلْ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ بقراءتِي (٣)، أَوْ قراءةً عَلَيْهِ، وأَنا أسْمَعُ، أَوْ أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ بقراءتِي، أَوْ قِراءةً عَلَيْهِ، أَوْ أَنْبَأَنَا أَوْ نَبَّأنَا فُلاَنٌ بقراءتي، أَوْ قِراءةً عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ لَنَا فُلاَنٌ بقراءتي، أَوْ قِرَاءةً عَلَيْهِ، أَوْ نحوَ ذَلِكَ (٤). (حَتَّى) وَلَوْ كنتَ (مُنْشِدا) نَظْماً لغيرِكَ قرأتَهُ عَلَيْهِ، أَوْ سَمِعْتَهُ بقراءةِ غَيْرِكَ عَلَيْهِ، فَقُلْ: (أَنْشَدَنَا) فُلاَنٌ (قِرَاءةً عَلَيْهِ)، أَوْ بقراءتِي، أَوْ سَمَاعاً عَلَيْهِ. (لا) أي: إلاَّ (سَمِعْتُ) فُلاَناً، أَوْ مِنْهُ، فإنَّهُم لَمْ يجوِّزوهُ في العَرْضِ لصَراحَتِها في السَّمَاعِ مِن لفظِ الشَّيْخِ. (لَكِنْ بَعْضُهُمْ) كالسُّفيانينِ، ومَالكٍ (٥) (قَدْ حَلَّلاَ) -بألِفِ الإطْلاقِ- ذَلِكَ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا قَالَ: سَمِعْتُ عَلَى فُلاَنٍ، وَحينئذٍ فالخِلافُ لَفْظِيٌّ.

стр. 352

٣٨٧ - وَمُطْلَقُ التَّحْدِيْثِ وَالإِخْبَارِ ... مَنَعَهُ (أَحْمَدُ) ذُوْ الْمِقْدَارِ ٣٨٨ - (وَالنَّسَئِيُّ) وَ (التَّمِيْمِيْ يَحْيَى) ... وَ (ابْنُ الْمُبَارَكِ) الْحَمِيْدُ سَعْيَا ٣٨٩ - وَذَهَبَ (الزُّهْرِيُّ) وَ (الْقَطَّانُ) ... وَ (مَالِكٌ) وَبَعْدَهُ (سُفْيَانُ) ٣٩٠ - وَمُعْظَمُ (الْكُوْفَةِ) وَ (الْحِجَازِ) ... مَعَ (الْبُخَارِيِّ) إلى الْجَوَازِ ٣٩١ - وَابْنُ جُرَيِجٍ وَكَذَا الأوزَاعِيْ ... مَعَ (ابْنِ وَهْبٍ) وَ (الإمَامُ الشَّافِعِيْ) ٣٩٢ - وَ (مُسْلِمٌ) وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) ... قَدْ جَوَّزُوا أَخْبَرَنَا لِلْفَرْقِ ٣٩٣ - وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الإِنْصَافِ ... (للنَّسَئيْ) مِنْ غَيْرِ مَا خِلاَفِ ٣٩٤ - وَالأَكْثَرِيْنَ وَهُوَ (١) الَّذِي اشْتَهَرْ ... مُصْطَلَحاً لأَهْلِهِ أَهْلِ الأَثَرْ ٣٩٥ - وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا أَعَادَا ... قِرَاءَةَ الصَّحِيْحِ حَتَّى عَادَا ٣٩٦ - فِي كُلِّ مَتْنٍ قَائِلاً: (أَخْبَرَكَا) ... إِذْ كَانَ قال أوَّلاً: (حَدَّثَكَا) ٣٩٧ - قُلْتُ وَذَا رَأْيُ الَّذِيْنَ اشْتَرَطُوا ... إِعادَةَ اْلإِسْنَادِ وَهْوَ شَطَطُ (ومُطْلَقُ التَّحْدِيْثِ، والإخبارِ) ممَّنْ أخذَ عَرْضاً، بأنْ يَقُولَ: ((حَدَّثَنَا))، أَوْ ((أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ)) بِلا تَقْييدٍ بقراءتِه، أَوْ قراءةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ (مَنَعَهُ) الإمامُ (أَحْمَدُ ذُو الْمِقْدارِ) الجليلِ (٢)، (وَالنَّسَئِيُّ، والتَّمِيميْ) -بالإسكان لما مَرَّ- (يَحْيَى) بنُ يَحْيَى (٣)، (وابنُ الْمُبارَكِ) عَبْدُ اللهِ (٤) (الحميدُ سَعْيَا). وَقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ الباقِلاَّنِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ (٥).

стр. 353

(وذَهَبَ) الإمامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمِ بنِ شهابٍ (١) (الزُّهْرِيُّ، و) يَحْيَى بنُ سَعيدٍ (٢) (القطَّانُ)، والإمامُ أَبُو حَنِيْفَةَ (٣)، (و) الإمامُ (٤) (مَالِكٌ) في أحدِ قَوْلَيهِمَا، (وبَعْدَهُ سُفْيَانُ) بنُ عُيَيْنَةَ (٥)، والإمامُ أَحْمَدُ في أحدِ قوليهِ، (وَمُعْظَمُ) أهلَيِ (الكوفةِ (٦)، والحِجَازِ، مَعَ) الإمامِ (البُخَارِيِّ إلى الجوازِ) أي: جوازِ الإطْلاقِ، كَمَا في القِسْمِ الأَوَّلِ. (وَابْنُ جُرَيجٍ) عَبْدُ الملكِ (٧)، (وَكَذا) أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الرحمانِ بنُ عَمْرٍو (٨) (الأوزاعيْ، مَعَ ابنِ وَهْبٍ) عَبْدِ اللهِ (٩)، (والإمامُ الشَّافِعيْ، و) الإمامُ (مُسْلِمٌ (١٠)، وَجُلُّ) أي: أكثرُ (١١) (أَهْلِ الشَّرقِ، قَدْ جَوَّزُوْا) إطْلاَقَ (أَخْبَرَنَا)، دُوْنَ ((حَدَّثَنَا))، (لِلْفَرْقِ) بينَهُما اصطلاحاً، وللتَّمييزِ بَيْنَ القِسْمَينِ (١٢).

стр. 354

وَخُصَّ أَوَّلُهمَا بالتَّحديثِ، لقوةِ إشعارِهِ بالنُّطقِ، والْمُشَافَهَةِ. فلفظُ الإخْبَارِ أعَمُّ مِنَ التَّحْدِيثِ. (وَقَدْ عَزَاهُ) أي: القَوْلَ بِالْفَرْقِ، مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (١) التَّمِيميُّ الْجَوْهَرِيُّ (صاحِبُ " الإنْصَافِ "، للنَّسئِي مِن غَيْرِ مَا خِلافِ) -بزيادةِ مَا- أي: مِن غَيْرِ حِكايةِ خِلافٍ عَنْهُ. وَهَذا خِلافُ مَا قَدَّمَهُ عَنْهُ، بَلْ ذاكَ هُوَ الْمَشْهورُ عَنْهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ (٢). (والأَكْثَريْنَ) أي: وَعَزاهُ لِلأَكْثَرينَ مِن أَصْحَابِ الحَدِيْثِ. (وَهُوَ) - بضم الهاء - (الَّذِي اشْتَهَرْ مُصْطَلَحاً)، مِن جِهةِ الاصْطِلاحِ (لأَهْلِهِ) أي: (أَهْلِ الأثرْ). والاصْطِلاحُ، وإنْ كَانَ لا مُشَاحَّةَ فِيهِ، لَكِنْ خَطَّأَ جماعةٌ (٣) مَنْ خَرجَ عَنْهُ عِنْدَ الإلباسِ (٤)، كَمَا أشارَ إِليهِ بقوله: (وبعضُ مَنْ قَالَ بِذا) أي: بالفرْقِ، وَهُوَ أَبُو حاتمٍ مُحَمَّدُ بنُ يعقوبَ الهَرَوِيُّ (٥)، (أعادَا قِرَاءةَ الصَّحِيحِ) للبخاريِّ بَعْدَ قِرَاءتِهِ عَلَى بَعْضِ رُواتِهِ عَنِ الفِرَبْرِيِّ (٦) (حَتَّى عَادَا) (٧) أي:

стр. 355

رَجَعَ (في كُلِّ مَتْنٍ) حالةَ كونِهِ (قَائِلاً) فِيهِ: (أَخْبَرَكَا) الفِرَبْرِيُّ (إِذْ) أي: لكونِهِ (كَانَ قَالَ) لَهُ (أَوَّلاً) لِظَنِّهِ أنَّه سَمِعَهُ مِن لَفْظِ الفِرَبْريِّ: (حَدَّثَكَا) الفِرَبْرِيُّ. بَلْ قَالَ لَهُ: تَسْمَعُني أَقُولُ حَدَّثَكُم الفِرَبْرِيُّ، فَلا تُنْكِرُ عَلِيَّ، مَعَ عِلْمِكَ بِأَنَّكَ إنّما سَمعتَهُ مِنْهُ قراءةً عَلَيْهِ (١). (قُلْتُ: وَذَا رأيُ الّذينَ اشْتَرَطُوا إعادةَ الإسنادِ) في كُلِّ مَتْنٍ، وَلَوْ مَعَ اتحادِ السَّنَدِ، وإلاّ لاكْتَفى بِقوْلِهِ: أَخْبرَكُمْ الفِرَبْرِيُّ بجميعِ " صَحِيْحِ البُخَارِيِّ " مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ قراءةِ جَمِيْعِ الكتابِ، ولا تكرُّرِ الصِّيغةِ في كُلِّ متنٍ. (وَهْوَ) أي: اشتِراطُ الإعادةِ (شَطَطُ) أي: جَوْرٌ، وَالصَّحِيحُ (٢): خلافُهُ، كَمَا سَيأتي في الروايةِ مِنَ النُّسْخِ التي إسنادُها واحدٌ (٣). تَفْرِيْعَاتٌ (تَفْرِيْعَاتٌ) سَبعةٌ لهذينِ القِسْمَينِ: أوَّلُهَا: فِيْمَا إذَا لَمْ يَحْفَظِ الشَّيْخُ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ، وأمسكَ الأصلَ عَدْلٌ ضابطٌ، وَهُوَ مَا ذكرَهُ بقولِهِ: ٣٩٨ - وَاخْتَلَفُوا إِنْ أَمْسَكَ الأَصْلَ رِضَا ... وَالشَّيْخُ لاَ يَحْفَظُ مَا قَدْ عُرِضَا ٣٩٩ - فَبَعْضُ نُظَّارِ الأُصُوْلِ يُبْطِلُهْ ... وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثْيِنَ (٤) يَقْبَلُهْ ٤٠٠ - وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ ... مُمْسِكُهُ فَذَلِكَ (٥) السَّمَاعُ رَدّْ
следующие страницы →