← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وذكر حاجي خليفة أن ولده هَذَا شرح مختصراً لبعض الشافعية لكتاب " التحرير في أصول الفقه " لابن همام (١). وَلَمْ نقف عَلَى تاريخ وفاته. والذي يظهر أن لَهُ ولداً آخر يدعى: ((زكريا))، وإن لزكريا الأخير ابناً يدعى: ((زكريا)) أيضاً، ترجمه الغزي في الكواكب السائرة (٢) فَقَالَ: ((زكريا ابن زكريا الشَّيْخ العلاَّمة زين الدين المصري، حفيد شيخ الإسلام قاضي القضاة زكريا الأنصاري))، وكانت وفاته في شوال سنة (٩٥٩ هـ) (٣). وَكَانَ جده يحبه محبة عظيمة (٤). رابعاً: نشأته كَانَ مولد المترجم في بلده الأول ((سُنَيكة)) فنشأ بِهَا، وابتدأ بحفظ القُرْآن الكريم - عَلَى العادة في بدء التعليم - ودَرَسَ مبادئ الفقه العامة، فقرأ " عمدة الأحكام " وبعض " مختصر التبريزي " في الفقه (٥)، وما كاد يدخل النصف الثَّانِي من عقد عمره الثَّانِي حَتَّى شدَّ رحاله نَحْو عاصمة العِلْم والعلماء التي كَانَتْ تعج بمظاهره: القاهرة، وسواء كَانَ قَدْ رحل بنفسه إلى القاهرة، أو أن الشَّيْخ ربيع بن عَبْد الله هُوَ الذي سافر بِهِ - كَمَا تقدم -، فَقَدْ ورد المترجم القاهرة (٦)، ونزل الجامع الأزهر مستوطناً، وهناك أكمل حفظ المختصر الذي بدأ بِهِ في مقتبل عمره (٧)، ومن ثَمَّ بَدَأَ بحفظ الكُتُب التي وفَّرت لَهُ مبادئ العلوم التي كَانَتْ تدرَّس آنذاك، فحفظ " المنهاج " الفرعي و" الألفية " النحوية و " الشاطبية " و " الرائية " وبعض " المنهاج " الأصلي ونحو النصف من " ألفية الحَدِيْث " و " التسهيل " إلى باب ((كاد)) (٨).

стр. 37

وكانتْ تِلْكَ قدمته الأولى إلى القاهرة، وَلَمْ يطل المكث فِيْهَا، وعاد أدراجه إلى بلده ملازماً هناك الجدَّ والاشتغال (١). وبعد مدة من الزمن - نجهل تحديدها - عاود المجيء إلى القاهرة (٢)، يروم استخراج العِلْم من معادنه، فَدَرَسَ في الفقه: " شرح البهجة " وغيرها (٣)، وقرأ في أصول الفقه: " العضد " و " شرح العبري " (٤)، وقرأ في النحو والصرف، ومما قرأه فِيْهِمَا: " شرح تصريف العزي " (٥)، وأخذ المعاني والبيان والبديع فقرأ فِيْهَا " المطول " (٦)، وأخذ المنطق عَنْ عدة مشايخ وقرأ فِيهِ شرح القطب عَلَى "الشمسية" وأكثر حاشية الشريف الجرجاني عَلَيْهِ، وكذا حاشية التقي الحصني عَلَيْهِ (٧). كَمَا أخذ اللغة، والتفسير، وعلم الهيأة، والهندسة، والميقات، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والطب، والعروض، وعلم الحروف، والتصوف، وتلا بالسبع والثلاثة الزائدة عَلَيْهَا، وقرأ مصنفات ابن الجزري كـ" النشر " و "التقريب" و" الطيبة "، وأخذ رسوم الخطِّ، وآداب البحث، والحديث (٨). وهكذا دأب وانهمك في الطلب والتحصيل، فأجازه مشايخه، وكتب لَهُ بِذَلِكَ كَثِيْر مِنْهُمْ مَعَ الإطناب في المدح والثناء، يزيدون عَلَى مئة وخمسين (٩)، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني إذْ كتب لَهُ في بَعْض إجازاته: ((وأذنت لَهُ أن يقرأ القُرْآن عَلَى الوجه الذي تلقَّاه، ويقدر الفقه عَلَى النمط الذي نص عَلَيْهِ الإمام وارتضاه، والله المسؤول أن يجعلني وإياه، ممن يرجوه ويخشاه إلى أن نلقاه)) (١٠).

стр. 38

وأذن لَهُ في إقراء " شرح النخبة " وغيرها من مصنفاته في حياته، وكذا فعل غَيْر ابن حجر حَتَّى قَالَ العيدروسي: ((وتصدّى للتدريس في حياة غَيْر واحد من شيوخه)) (١). وهكذا أصبح المترجم من المؤهلين للانضمام إلى ركب العُلَمَاء، وأن يشقَّ طريقه وسطهم. خامساً: صفاته وأخلاقه لقد كَانَ الْقَاضِي زكريا بن مُحَمَّد الأنصاري مضرب المثل في وقته في حَسَن الخلق، والتحلي بمكارم الأخلاق وفضائلها، لا يدع باباً إليها إلاَّ دخله، قَالَ العلائي (٢): ((قَدْ جمع من أنواع العلوم والمعارف والمؤلفات المقبولة ومكارم الأخلاق وحسن السمت والتؤدة والأخذ عَنْ الأكابر مَا لَمْ يجمعه غيره)) (٣). ولعل أبرز صفاته التي كَانَ يتحلَّى بِهَا أنه كَانَ حافظاً للجميل شاكراً لصنيع المحسنين إليه، ويدل عَلَى ذَلِكَ -كَمَا مَرَّ- أن الشَّيْخ ربيع بن عَبْد الله كَانَ صاحب الفضل عَلَيْهِ في توجهه إلى طلب العِلْم وسفره إلى القاهرة، فكان ردّ المترجم عَلَى ذَلِكَ أنه: ((إذا ورد عَلَيْهِ الشَّيْخ ربيع أو زوجته أو أحد من أقاربه يجعله في زمن صمدته ومنصبه، وَكَانَ يقضي حوائجهم ويعترف بالفضل لَهُمْ، وربما مازحته زوجة الشَّيْخ ربيع التي ربَّتْهُ)) (٤). وَكَانَ في النهاية من الانهماك في طلب العِلْم، لا يجعل لنفسه متنفساً سواه، حَتَّى أشغله عَنْ مأكله ومشربه، فحكى عَنْ نَفْسه، قَالَ: ((جئت من البلاد وأنا شابٌّ فلم أعكف عَلى الاشتغال بشيء من أمور الدنيا وَلَمْ أعلّق قلبي بأحد من الخلق، قَالَ: وكنت أجوع في الجامع كثيراً، فأخرج في الليل إلى الميضأة وغيرها، فأغسل مَا أجده من قشيرات البطيخ حوالي الميضأة وآكلها، وأقنع بِهَا عَنْ الخبز)) (٥).

стр. 39

وَكَانَ عَلَى دَرَجَة من اليقين بالله وتفويض الأمور إليه، فروى من حاله أنه قَالَ: ((فلما أتممت شرحها - يعني: " البهجة " - غار بَعْض الأقران، فكتب عَلَى بَعْض نسخ الشرح: كِتَاب الأعمى والبصير؛ تعريضاً بأني لا أقدر أشرح البهجة وحدي، وإنما ساعدني فِيهِ رفيق أعمى كنت أطالع أنا وإياه، قَالَ: فاحتسبت بالله تَعَالَى، وَلَمْ ألتفت إلى مِثْل ذَلِكَ)) (١). وَكَانَ من أخلاقه أنه كَانَ صداعاً بالحق، لَمْ يثنه الخوف عَلَى المنصب أو هيبة سلطان عَنْ زجر الظالم أو إنذار العاصي، حَتَّى أن الغزي يذكر أن سبب عزله عَنْ القضاء: ((بسبب خطه عَلَى السلطان بالظلم، وزجره عَنْهُ تصريحاً وتعريضاً)) (٢). ((ومتع بالقول عَلَى ملازمة العِلْم والعمل ليلاً ونهاراً، مَعَ مقارنة مئة سنة من عمره من غَيْر كلل ولا ملل، مَعَ عروض الانكفاف لَهُ، بحيث شرح البُخَارِيّ جامعاً فِيهِ ملخص عشرة شروح، وحشَّى تفسير البيضاوي في هذِهِ الحالة)) (٣). والمترجم ممن قاسى مرارة الحرمان وعاش مصاعبها؛ لذا كَانَ يعرف لوعة المحرومين وضيق ذات يد المعدمين، فكان كَثِيْر البرِّ بطلبته وتفقد أحوالهم (٤)، مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من كثرة الصدقة والمبالغة في إخفائها، وَكَانَ لَهُ جَمَاعَة يرتب لَهُمْ من صدقته مَا يكفيهم إلى يوم وإلى أسبوع وإلى شهر، وإذا جاءه سائل - بَعْدَ أن أصيب بالعمى - يَقُول لِمَنْ عنده من جماعته: هَلْ هنا أحد؟ فإن قَالَ لَهُ: لا، أعطاه، وإن قَالَ لَهُ: نعم، قَالَ لَهُ: قل لَهُ: يأتينا في غَيْر هَذَا الوقت (٥). وَقَدْ أورد الغزي كلمة جامعة في بيان أخلاقه، فَقَالَ: ((وَكَانَ صاحب الترجمة مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الاجتهاد في العِلْم اشتغالاً واستعمالاً وإفتاءً وتصنيفاً ومع مَا كَانَ عَلَيْهِ

стр. 40

من مباشرة القضاء ومهمات الأمور، وكثرة إقبال الدنيا، لا يكاد يفتر عَنْ الطاعة ليلاً ونهاراً، ولا يشتغل بما لا يعنيه، وقوراً مهيباً مؤانساً ملاطفاً، يُصَلِّي النوافل من قيام مَعَ كبر سنه وبلوغه مئة سنة وأكثر، ويقول: لا أعوّد نفسي الكسل. حَتَّى في حال مرضه كَانَ يُصَلِّي النوافل قائماً، وَهُوَ يميل يميناً وشمالاً لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض، فقيل لَهُ في ذَلِكَ، فَقَالَ: يا ولدي، النفس من شأنها الكسل، وأخاف أن تغلبني وأختم عمري بِذَلِكَ. وَكَانَ إذا أطال عَلَيْهِ أحد في الكلام يَقُول لَهُ: عجِّل قَدْ ضيَّعتَ عَلَيْنَا الزمان، وَكَانَ إذا أصلح القارئ بَيْن يديه كلمة في الكِتَاب الذي يقرأ ونحوه، يشتغل بالذكر بصوت خفي قائلاً: الله الله، لا يفتر عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يفرغ، وَكَانَ قليل الأكل لا يزيد عَلَى ثلث رغيف، ولا يأكل إلا من خبز خانقاه سعيد السعداء، ويقول: إنما أخص خبزها بالأكل لأن صاحبها كَانَ من الملوك الصالحين)) (١). سادساً: وفاته بَعْدَ عُمر بَلَغَ أو جاز بقليل المئة عام، كَانَتْ مملوءة بالعلم والتعليم، والتربية والإرشاد، اختار الباري - عزوجل - الْقَاضِي زكريا الأنصاري إلى جواره الكريم، بَعْدَ أن ابتلي بفقد نعمة البصر. وَقَدْ حصل خُلْفٌ بين المؤرخين في تحديد سنة وفاته، بَعْدَ أن اتفقت كلمة جمهورهم عَلَى تحديد اليوم والشهر، وَهُوَ الرابع من ذي الحجة (٢). فالجمهور عَلَى أن وفاته كَانَتْ سنة (٩٢٦ هـ) (٣)، في حين ذهب العيدروسي (٤)، وتابعه ابن العماد الحنبلي (٥)، إلى أنها كَانَتْ سنة (٩٢٥ هـ).

стр. 41

ولقد أغرب الأدنروي في تحديد وفاته، فزعم أنها كَانَتْ سنة (٩١٠ هـ) (١) وَهُوَ وهم لا محالة، ولا متابع لَهُ ولا عاضد عَلَى هَذَا، وإنما هُوَ قَوْل انفرد بِهِ، وخالف فِيهِ المؤرخين جملة وتفصيلاً. المبحث الثاني: سيرته العلمية أولاً: شيوخه بَلَغَ شيوخ الْقَاضِي زكريا الأنصاري كثرة كاثرة، ومَرَّ بنا أنهم زادوا عَلَى المئة والخمسين شيخاً (٢)؛ لذا سنقتصر في الترجمة عَلَى أشهرهم مَعَ ذكر مَا أخذ الْقَاضِي عَنْهُمْ، ثُمَّ نعرِّج عَلَى باقي شيوخه سرداً. فمن أشهر مشايخه (٣): ١ - زين الدين أبو ذرٍّ عَبْد الرحمان بن مُحَمَّد بن عَبْد الله الزَّرْكَشِيّ القاهري الحنبلي، المتفرد برواية " صَحِيْح مُسْلِم " بعلو (٤). تُوُفِّي في ذي الحجة سنة (٨٤٦ هـ)، وَقَدْ ناهز التسعين (٥). أخذ عَنْهُ: " صَحِيْح مُسْلِم " (٦). ٢ - شمس الدين مُحَمَّد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن يعقوب القاياتي، تُوُفِّي ليلة الاثنين الثامن عشر من محرم، سنة (٨٥٠ هـ) (٧).

стр. 42

أخذ عَنْهُ: الفقه، وأصوله، والمعاني، والبديع، والبيان، واللغة، والتفسير، وشرح الألفية للعراقي، وغيرها (١). ٣ - شهاب الدين أبو العَبَّاس أحمد بن رجب بن طَيْبُغَا الشَّافِعيّ، المعروف بابن المَجْدي، مات في ذي القعدة سنة (٨٥٠ هـ)، عَنْ أربع وثمانين سنة (٢). أخذ عَنْهُ: الفقه، والنحو، وعلم الهيأة، والهندسة، والميقات، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة (٣). ٤ - الْقَاضِي عز الدين عَبْد الرحيم بن المؤرخ ناصر الدين مُحَمَّد بن عَبْد الرحيم المصري الحنفي، عُرِفَ بابن الفرات، تُوُفِّي في ذي الحجة سنة (٨٥١ هـ)، وَقَدْ جاز التسعين (٤). سَمِعَ عَلَيْهِ العديد من كُتُب الحَدِيْث كـ: " البعث " لابن أبي دَاوُد، وغيره (٥). ٥ - زين الدين أبو النعيم رضوان بن مُحَمَّد بن يوسف العقبي ثُمَّ القاهري الشَّافِعيّ، المُسْنِد الصَّيِّن، تُوُفِّي في رجب سنة (٨٥٢ هـ)، عَنْ ثلاث وثمانين سنة (٦). أخذ عَنْهُ: الفقه، والقراءات السبع، وآداب البحث، وشرح الألفية للعراقي، وصحيح مُسْلِم، وسنن النَّسَائِيّ (٧). ٦ - شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلِيّ بن أحمد الكناني العسقلاني الأصل، المصري ثُمَّ القاهري. تُوُفِّي ليلة السبت الثامن عشر من ذي الحجة سنة (٨٥٢ هـ) (٨).

стр. 43

أخذ عَنْهُ: الفقه، والتفسير، وشرح الألفية للعراقي، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث لابن الصَّلاح، وشرح النخبة، والسيرة النبوية لابن سيد الناس، وغالب سُنَن ابن ماجه، وغيرها (١). ٧ - أبو اليمن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلِيّ بن أحمد الهاشمي العقيلي النويري المكي الشَّافِعيّ قاضي مكة، مات في ذي القعدة سنة (٨٥٣هـ)، عَنْ ستين سنة (٢). أخذ عَنْهُ لَمّا ورد مكّة حاجاً (٣). ٨ - شرف الدين أبو الفتح مُحَمَّد بن زين الدين أبي بَكْر بن الْحُسَيْن بن عُمَر القرشي العثماني المراغي القاهري الأصل المدني الشَّافِعيّ. تُوُفِّي في محرم سنة (٨٥٩ هـ)، عَنْ ثلاث وثمانين سنة (٤). أخذ عَنْهُ: الحَدِيْث، والفقه، وغيرهما لما ورد المدينة في طريق حجه (٥). ٩ - جلال الدين أبو السعادات مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَلِيّ القرشي المخزومي المكي، ويعرف بابن ظهيرة. مات في صفر سنة (٨٦١ هـ)، عَنْ خمس وستين سنة (٦). سَمِعَ عَلَيْهِ الحَدِيْث عندما ورد مكة حاجاً (٧). ١٠ - كمال الدين مُحَمَّد بن عَبْد الواحد بن عَبْد الحميد السيواسي الأصل السكندري ثُمَّ القاهري الحنفي. مات في رمضان سنة (٨٦١ هـ)، عَنْ ستين سنة (٨). أخذ عَنْهُ: النحو، والمنطق، وشرح الألفية للعراقي (٩).

стр. 44

١١ - جلال الدين مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن إبراهيم الأنصاري المحلي الأصل القاهري الشَّافِعيّ. مات في محرم سنة (٨٦٤ هـ) (١). أخذ عَنْهُ: أصول الفقه، والعلوم العقلية (٢). ١٢ - بدر الدين الحَسَن بن مُحَمَّد بن أيوب الحسني القاهري الحسيني الشَّافِعيّ. مات في مستهل صفر سنة (٨٦٦ هـ)، وَقَدْ قارب المئة (٣). أخذ عَنْهُ: الفقه، والنسب (٤). ١٣ - علم الدين صالح بن عُمَر بن رسلان البلقيني الأصل القاهري. مات في رجب سنة (٨٦٨ هـ)، عَنْ سبع وسبعين سنة (٥). أخذ عَنْهُ: الفقه (٦). ١٤ - تقي الدين أبو الفضل مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الله الهاشمي الأصفوني ثُمَّ المكي الشَّافِعيّ، عُرِفَ بابن فهد، تُوُفِّي في ربيع الأول سنة (٨٧١ هـ)، عَنْ أربع وثمانين سنة (٧). أخذ عَنْهُ: فنون الحَدِيْث (٨). ١٥ - شرف الدين أبو زكريا يَحْيَى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحمد بن مخلوف الحدادي الأصل المناوي القاهري الشَّافِعيّ. تُوُفِّي ليلة الاثنين الثَّانِي عشر من جُمَادَى الثانية سنة (٨٧١ هـ)، وَقَدْ جاز السبعين (٩). أخذ عَنْهُ: الفقه (١٠).

стр. 45

١٦ - تقي الدين أبو العَبَّاس أحمد بن كمال الدين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَسَن القسنطيني الأصل السكندري ثُمَّ القاهري الشمني الحنفي، مات في ذي الحجة سنة (٨٧٢ هـ)، وَقَدْ جاز الستين (١). أخذ عَنْهُ: النحو (٢). ١٧ - محيي الدين أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن سليمان بن سعيد الرومي الحنفي المعروف بالكافيجي نزيل القاهرة، مات في جُمَادَى الثانية سنة (٨٧٩ هـ)، وَقَدْ جاز التسعين (٣). أخذ عَنْهُ: أصول الفقه، والمنطق، والتفسير، وسائر علوم الآلة (٤). أما بقية مشايخه (٥)، فهم: ١ - الآمدي. ٢ - إبراهيم بن صدقة أبو إسحاق الحنبلي. ٣ - أحمد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن حميد الدمياطي. ٤ - البدشيني. ٥ - البرهان الصالحي. ٦ - البرهان الفاقوسي البلبيسي. ٧ - التقي الحصني. ٨ - أبو الجود الليثي. ٩ - الرشيدي. ١٠ - الزين البوشنجي. ١١ - الزين جَعْفَر نزيل المؤيدية. ١٢ - الزين ظاهر المالكي. ١٣ - الزين ابن عياش المكي.

стр. 46

١٤ - سارة بنت جَمَاعَة. ١٥ - السراج الورودي. ١٦ - الشرف بن الخشاب. ١٧ - الشرف السُّبْكِيّ. ١٨ - الشرواني. ١٩ - الشمس البُخَارِيّ. ٢٠ - الشمس الحجازي. ٢١ - الشمس الوفائي. ٢٢ - الشهاب أحمد الأنكاوي. ٢٣ - الشهاب الغزي. ٢٤ - الشهاب القلقيلي السكندراني. ٢٥ - العز بن عَبْد السلام البغدادي. ٢٦ - الكمال نزيل زاوية الشَّيْخ نصر الله. ٢٧ - مُحَمَّد بن حمد الكيلاني. ٢٨ - مُحَمَّد بن ربيع. ٢٩ - مُحَمَّد بن عُمَر الواسطي الغمري. ٣٠ - مُحَمَّد الغومي. ٣١ - مُحَمَّد بن قرقماس الحنفي. ٣٢ - النور البلبيسي إمام الأزهر. ثانياً: تلامذته كتب الله تَعَالَى للقاضي زكريا القبول بَيْن الناس، وأَمدَّ في عمره حَتَّى تفرد بعلو الإسناد، فأصبح مطمح الأنفس، ومؤول الطلبة، قَالَ الغزي: ((فأقبلت عَلَيْهِ الطلبة للاشتغال عَلَيْهِ، وعُمِّر حَتَّى رأى تلاميذه وتلاميذ تلاميذه شيوخ الإسلام، وقرَّت عينه بهم في محافل العِلْم ومجالس الأحكام، وقصد بالرحلة إليه من الحجاز والشام)) (١).

стр. 47

وسنقتصر في الترجمة عَلَى أشهرهم مَعَ ذكر باقي تلامذته سرداً كَمَا صنعنا في شيوخه، فمنهم: ١ - حمزة بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَلِيّ الناشري اليمني الشَّافِعيّ الأديب. تُوُفِّي سنة (٩٢٦ هـ) (١). ٢ - جمال الدين أبو عَبْد الله عَبْد القادر -أبو عبيد- بن حَسَن الصاني القاهري الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٣١ هـ) (٢). ٣ - تاج الدين عَبْد الوهاب الدنجيهي المصري الشَّافِعيّ الكاتب النحوي. تُوُفِّي سنة (٩٣٢ هـ) (٣). ٤ - شمس الدين أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان الكفرسوسي الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٣٢ هـ) (٤). ٥ - أبو الفضل عَلِيّ بن مُحَمَّد بن عَلِيّ بن أبي اللطف المقدسي الشَّافِعيّ نزيل دمشق. تُوُفِّي سنة (٩٣٤ هـ) (٥). ٦ - الإمام العلاّمة فخر الدين عُثْمَان السنباطي الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٣٧ هـ) (٦). ٧ - شمس الدين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحمد المقدسي الشَّافِعيّ. عرف بابن العجيمي، العلاّمة المحدّث الواعظ. تُوُفِّي سنة (٩٣٨ هـ) (٧). ٨ - قاضي القضاة ولي الدين مُحَمَّد بن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمود بن عَبْد الله بن محمود بن الفرفور الدِّمَشْقِيّ. تُوُفِّي سنة (٩٣٧ هـ) (٨).

стр. 48

٩ - مفتي بعلبك مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلِيّ الفصي البعلي الشَّافِعيّ، تُوُفِّي سنة (٩٤١هـ) (١). ١٠ - الإمام العلاّمة المحقق الشَّيْخ تقي الدين أبو بَكْر بن مُحَمَّد بن يوسف القاري ثُمَّ الدِّمَشْقِيّ الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٤٥ هـ) (٢). ١١ - الشيخ الإمام المحدِّث علاء الدين أبو الحَسَن عَلِيّ بن جلال الدين مُحَمَّد البكري الصديقي الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٥٢ هـ) (٣). ١٢ - الإمام العلاّمة الورع الشَّيْخ شهاب الدين أحمد بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مُحَمَّد الأنطاكي الحلبي الحنفي المعروف بابن حمادة (٤). تُوُفِّي سنة (٩٥٣ هـ) (٥). ١٣ - الشَّيْخ الإمام برهان الدين إبراهيم بن العلاّمة زين الدين حَسَن بن عَبْد الرحمان بن مُحَمَّد الحلبي الشَّافِعيّ، شُهِر بابن العمادي. تُوُفِّي سنة (٩٥٤ هـ) (٦). ١٤ - الإمام العلاّمة محب الدين أبو السعود مُحَمَّد بن رضي الدين مُحَمَّد بن عَبْد العزيز ابن عُمَر الحلبي الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٥٦ هـ) (٧). ١٥ - الإمام الشَّيْخ شهاب الدين أحمد الرملي المنوفي المصري الأنصاري الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٥٧ هـ) (٨). ١٦ - الإمام الْقَاضِي برهان الدين إبراهيم بن قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف ابن قاضي القضاة زين الدين عَبْد الرحمان الحلبي الحنفي. عُرِف بابن الحنبلي. تُوُفِّي سنة (٩٥٩هـ) (٩). ١٧ - بدر الدين حَسَن بن يَحْيَى بن المزلق الدِّمَشْقِيّ الشَّافِعيّ، الإمام المحقق. تُوُفِّي سنة (٩٦٦ هـ) (١٠).

стр. 49

١٨ - الإمام العلاّمة شهاب الدين أبو العَبَّاس أحمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلِيّ ابن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٧٣ هـ) أو (٩٧٤ هـ) (١). ١٩ - الإمام باكثير عَبْد المعطي بن الشَّيْخ حَسَن بن الشَّيْخ عَبْد الله المكي الحضرمي الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٨٩ هـ) (٢). ٢٠ - الشَّيْخ الصالح العلاّمة شهاب الدين أحمد بن الشَّيْخ بدر الدين العباسي المصري الشَّافِعيّ. تُوُفِّي سنة (٩٩٢ هـ) (٣). وأما باقي تلامذته، فهم (٤): ٢١ - البدر ابن السيوفي. ٢٢ - بدر الدين العلائي الحنفي. ٢٣ - جمال الدين عَبْد الله الصافي. ٢٤ - جمال الدين يوسف. ٢٥ - شهاب الدين الحمصي ٢٦ - شهاب الدين الرملي. ٢٧ - شمس الدين الخطيب الشربيني. ٢٨ - شمس الدين الرملي. ٢٩ - شمس الدين الشبلي. ٣٠ - عَبْد الوهاب الشعراني. ٣١ - عميرة البرلسي. ٣٢ - كمال الدين بن حمزة الدِّمَشْقِيّ. ٣٣ - مُحَمَّد بن أحمد الغزي. ٣٤ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحمد الغزي. ٣٥ - محيي الدين عَبْد القادر بن النقيب.

стр. 50

٣٦ - نور الدين المحلي. ٣٧ - نور الدين النسفي. رابعاً: علومه ومعارفه وفَّرت البداية المبكرة للقاضي زكريا في طلب العِلْم فسحة من الوقت، استطاع خلالها تنويع مصادر معرفته، وَلَمْ يغفل هذِهِ النقطة، بَلْ استثمرها عَلَى وجهها الصَّحِيح، فجنى ثمارها جنية مرتعة، قَالَ الغزي: ((وَكَانَ - رضي الله تَعَالَى عَنْهُ - بارعاً في سائر العلوم الشرعية وآلاتها حديثاً وتفسيراً وفقهاً وأصولاً وعربية وأدباً ومعقولاً ومنقولاً)) (١). ومرَّ بنا في نشأته أنه درس صنوف فنون العِلْم، ومن بَيْن تِلْكَ العلوم التي أفنى في طلبها ردحاً من عمره المديد (٢): ١ - القُرْآن الكريم، حفظاً. ٢ - الفقه. ٣ - أصول الفقه. ٤ - التفسير. ٥ - الحَدِيْث رِوَايَة ودراية. ٦ - اللغة. ٧ - النحو. ٨ - الصرف. ٩ - العروض. ١٠ - البيان. ١١ - البديع. ١٢ - المعاني. ١٣ - المنطق. ١٤ - علم الهيأة.

стр. 51

١٥ - الهندسة. ١٦ - الميقات. ١٧ - الفرائض. ١٨ - الحساب. ١٩ - الجبر والمقابلة. ٢٠ - الفلسفة. ٢١ - علم الكلام. ٢٢ - التصوف. ٢٣ - القراءات السبع والعشر. ٢٤ - آداب البحث والمناظرة. ٢٥ - السيرة. خامساً: وظائفه بَعْدَ أن استكمل الْقَاضِي زكريا الأنصاري الأدوات التِي مكنته من مزاولة نشاطه العلمي، وبعد أن تبوأ الصدارة بَيْنَ معاصريه ومنافسيه، فَقَدْ أُسندت إِلَيْهِ مهمات عدة، وهي: ١ - التدريس بمقام الإِمَام الشَّافِعِيّ. قَالَ العيدروسي: ((وَلَمْ يَكُنْ بمصر أرفع منصباً من هَذَا التدريس)) (١). ٢ - مشيخة خانقاه (٢) الصوفية (٣). ٣ - منصب قاضي القضاة، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ امتناع طويل (٤)، في سلطنة خشقدم (٥) ولما ولي السلطنة قايتباي أصر عَلَى توليه قضاء القضاة فقبل (٦)، وَكَانَ ذَلِكَ في سنة

стр. 52

(٨٨٦ هـ) (١)، واستمر مدة ولاية قايتباي وبعده (٢). وذكر العيدروسي (٣) أن سبب عزله عَنْ هَذَا المنصب إصابته بالعمى، وجمهور الفقهاء على أن الْقَاضِي يعزل بفقدان البصر، في حِيْنَ أن الغزي (٤) والشوكانِي (٥) يذكران أن سبب عزله زجر السلطان عَنْ ظلمه، وأغلب الظن أن هَذَا السلطان هُوَ مُحَمَّد ولد السلطان قايتباي الَّذِي تسلطن بَعْدَ والده (٦). وتحديد وقت عزله يكتنفه الغموض، لا سيما عَلَى رِوَايَة الغزي والشوكاني، ولكنها لا تتعدى سنة (٩٠٤ هـ) فهي السنة التِي قتل فِيْهَا السلطان مُحَمَّد بن السلطان قايتباي (٧)، وَلَكِن الشوكاني (٨) يجزم أن عزله كَانَ سنة (٩٠٦ هـ)، وَلَمْ تذكر المصادر التِي بَيْنَ أيدينا تحديداً لتاريخ فقده لبصره، وَكَانَ السلطان قَدْ طلب مِنْهُ العودة إِلَى منصبه لكنه رفض، إِلَى حِيْنَ نكبته فترك السلطان الإلحاح عَلَيْهِ. وذكر الشعراني أن الْقَاضِي زكريا كَانَ يعتبر توليه القضاء: غلطة (٩). ٤ - قَالَ الغزي: ((وولي الجهات والمناصب)) (١٠). ٥ - وَقَالَ العيدروسي: ((ولي تدريس عدة مدارس رفيعة)) (١١). ٦ - وَقَالَ الشوكاني: ((ودرّس في أمكنة متعددة)) (١٢).

стр. 53

سادساً: ثناء الْعُلَمَاء عَلَيْهِ تمتع الْقَاضِي زكريا - زيادة عَلَى مكانته العلمية - بأخلاقه العالية التِي حببته إِلَى قلوب العباد، فانطلقت ألسنتهم بالثناء عَلَيْهِ، وذكر محاسنه وشيمه، وإذا رحنا نستقصي ما قَالَ الناس فِيْهِ أطلنا المقام، لذا سنقتصر عَلَى نبذ مِنْهَا: ١ - قَالَ الغزي: ((الشَّيْخ الإِمَام، شيخ مشايخ الإسلام، علامة المحققين، وفهامة المدققين، ولسان المتكلمين، وسيد الفقهاء والمحدّثين، الحَافِظ المخصوص بعلو الإسناد، والملحق للأحفاد بالأجداد، العالم العامل، والولي الكامل)) (١). ٢ - وَقَالَ العيدروسي: ((الشَّيْخ الإِمَام العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة)) (٢). ٣ - وَقَالَ السخاوي: ((لَهُ تهجد وتوجه وصبر واحتمال، وترك القيل والقال، وله أوراد واعتقاد وتواضع وعدم تنازع، وعمله في التودد يزيد عَن الحد، ورويته أحسن من بديهته وكتابته أمتن من عبارته، وعدم مسارعته إِلَى الفتوى تعدُّ من حسناته)) (٣). ٤ - وَقَالَ أَيْضاً: ((وَلَمْ ينفك عَنْ الاشتغال عَلَى طريقة جميلة من التواضع وحسن العشرة والأدب والعفة، والانجماع عَنْ بني الدنيا مَعَ التقلل وشرف النفس ومزيد العقل وسلامة الباطن والاحتمال والمداراة)) (٤). ٥ - وَقَالَ العيدروسي: ((ويقرب عندي أنه المجدد عَلَى رأس القرن التاسع لشهرة الانتفاع بِهِ وبتصانيفه)) (٥). ٦ - قَالَ السيوطي: ((لزم الجد والاجتهاد في القلم والعلم والعمل، وأقبلَ عَلَى نفع الناس إقراءً وإفتاءً وتصنيفاً، مَعَ الدين المتين، وترك ما لا يعنيه، وشدة التواضع ولين الجانب، وضبط اللسان والسكوت)) (٦).

стр. 54

٧ - وَقَالَ ابن حجر الهيتمي: ((وقدّمت شيخنا زكريا لأنه أجلُّ مَنْ وقع عَلَيْهِ بصري من الْعُلَمَاء العاملين والأئمة الوارثين، وأعلى من عَنْهُ رويت من الفقهاء والحكماء المسندين، فَهُوَ عمدة الْعُلَمَاء الأعلام، وحجة الله عَلَى الأنام، حامل لواء مذهب الشَّافِعِيّ عَلَى كاهله، ومحرر مشكلاته وكاشف عويصاته في بكرته وأصائله، ملحق الأحفاد بالأجداد، المتفرد في زمنه بعلو الإسناد، كيف وَلَمْ يوجد في عصره إلا من أخذ عَنْهُ مشافهة أَوْ بواسطة أَوْ بوسائط متعددة، بَلْ وقع لبعضهم أنه أخذ عَنْهُ مشافهة تارة، وعن وغيره مِمَّنْ بينه وبينه نحو سبع وسائط تارة أخرى، وهذا لا نظير لَهُ في أحد من عصره، فنعم هَذَا التميز الَّذِي هُوَ عِنْدَ الأئمة أولى وأحرى؛ لأنَّه حاز بِهِ سعة التلامذة والأتباع، وكثرة الآخذين عَنْهُ ودوام الانتفاع)) (١). ٨ - وَقَالَ ابن العماد: ((شيخ الإسلام قاضي القضاة زين الدين الحَافِظ)) (٢). ٩ - وَقَالَ الأدنروي: ((مفتي الشافعية العالم الفاضل الْقَاضِي)) (٣). سابعاً: آثاره العلمية وظَّف الْقَاضِي زكريا الأنصاري معرفته العلمية في التأليف إِلَى جانب التدريس، وخلال المئة سنة التِي عاشها استطاع أن يترك لنا جملة كبيرة من المصنفات، الأمر الَّذِي دفع الشوكاني للقول بأن: ((لَهُ شرح ومختصرات في كُلّ فن من الفنون)) (٤). وَقَدْ عنى الشوكاني بكلمته هَذِهِ، أن الْقَاضِي خاض غمار فنون العلوم عَلَى اختلاف ماهياتها فمن اللغة إِلَى المنطق، ومن الكلام إِلَى الْحَدِيْث، ومن الفقه إِلَى القراءات، ومن التصوف إِلَى التفسير، ومن أصول الفقه إِلَى الفرائض، وهكذا تنوعت طبيعة مؤلفاته. وَلَيْسَ عجباً أن تكثر مصنفاته، فعلى حد تعبير الغزي إذ يَقُوْل: ((وجملة مؤلفاته (٤١) مؤلفاً تقريباً)) (٥)، إِذْ كَانَ شغله الشاغل التدريس والتصنيف، وَقَدْ وقفنا عَلَى

стр. 55

ذكر لما يربو من (٥٠) مصنفاً في شتى صنوف الْمَعْرِفَة، هِيَ (١): ١ - أحكام الدلالة عَلَى تحرير الرسالة (٢). شرح فِيْهِ الرسالة القشيرية في التصوف. ٢ - أدب الْقَاضِي عَلَى مذهب الإِمَام الشَّافِعِيّ (٣). ٣ - أضواء البهجة في إبراز دقائق المنفرجة (٤). شرح عَلَى القصيدة المنفرجة. ٤ - بلوغ الأرب بشرح شذور الذهب (٥). شرح عَلَى مَتْن شذور الذهب في النحو لابن هشام. ٥ - بهجة الحاوي (٦). شرح عَلَى " الحاوي الصغير " للقزويني في الفقه. ٦ - تحرير تنقيح اللباب (٧). اختصار لـ " تنقيح اللباب " في الفقه. ٧ - تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب (٨). شرح لمختصره السابق. ٨ - لب الأصول (٩). ٩ - التحفة العلية في الخطب المنبرية (١٠). ١٠ - تحفة نجباء العصر في أحكام النون الساكنة والتنوين والمد والقصر (١١). ١١ - تلخيص الأزهية في أحكام الأدعية للزركشي (١٢). ١٢ - تلخيص أسئلة القرآن وأجوبتها لأبي بكر الرازي صاحب مختار الصحاح (١٣). ١٣ - حاشية عَلَى شرح ابن المصنف عَلَى ألفية ابن مالك في النحو (١٤).

стр. 56

١٤ - حاشية عَلَى شرح البهجة لولي الدين بن العراقي (١). ١٥ - حاشية عَلَى شرح المحلي عَلَى جمع الجوامع (٢). ١٦ - حاشية عَلَى شرح المقدمة الجزرية (٣). ١٧ - خلاصة الفوائد الحموية في شرح البهجة الوردية (٤). ١٨ - الدرر السنية في شرح الألفية، في النحو لابن مالك (٥). ١٩ - الدقائق المحكمة في شرح المقدمة، للجزري (٦). ٢٠ - ديوان شعر (٧). ٢١ - الزبدة الرائقة في شرح البردة الفائقة (٨). ٢٢ - شرح البسملة والحمدلة (٩). ٢٣ - شرح الجامع الصَّحِيْح للبخاري (١٠). ٢٤ - شرح الروض لابن المقريء (١١). ٢٥ - شرح الشمسية في المنطق (١٢). ٢٦ - شرح صَحِيْح مُسْلِم (١٣).

стр. 57

٢٧ - شرح طوالع الأنوار للبيضاوي في علم الكلام (١). ٢٨ - شرح مختصر المزني (٢). ٢٩ - شرح المقدمة الجزرية (٣). ٣٠ - شرح المنهاج للبيضاوي في أصول الفقه (٤). ٣١ - غاية الوصول إِلَى شرح الفصول (٥). في الفرائض. ٣٢ - الغرر البهية بشرح البهجة الوردية (٦). ٣٣ - فتح الإله الماجد بإيضاح شرح العقائد (٧). حاشية عَلَى شرح العقائد النسفية. ٣٤ - فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (٨). ٣٥ - فتح الجليل ببيان خفي أنوار التنْزيل (٩). ٣٦ - فتح رب البرية في شرح القصيدة الخزرجية (١٠). في علم العروض. ٣٧ - فتح الرَّحْمَان بشرح رسالة الولي رسلان في التوحيد (١١). ٣٨ - فتح الرَّحْمَان بشرح لقطة العجلان (في الفقه) للزركشي (١٢). ٣٩ - فتح الرَّحْمَان بكشف ما يلتبس من القرآن (١٣).

стр. 58

٤٠ - فتح العلام بشرح أحاديث الأحكام (١). ٤١ - فتح الوهاب بشرح الآداب (آداب البحث والمناظرة) (٢). ٤٢ - فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (٣). ٤٣ - الفتحة الأنسية لغلق التحفة القدسية (في الفرائض) (٤). ٤٤ - الفتوحات الإلهية في نفع أرواح الذوات الإنسانية (٥). ٤٥ - اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم (٦). ٤٦ - المطلع في شرح ايساغوجي (في المنطق) (٧). ٤٧ - المقصد لتلخيص ما في المرشد (في القراءات) (٨). ٤٨ - مناهج الكافية في شرح الشافية (في الصرف) (٩). ٤٩ - منهج الوصول إِلَى تخريج الفصول (في الفرائض) (١٠). ٥٠ - نِهاية الهداية في شرح الكفاية (في الفرائض) (١١). ٥١ - نَهج الطلاب في منهاج الطالبين للنووي (في الفقه) (١٢).

стр. 59

الفصل الثانِي: كتاب " فتح الباقي " المبحث الأول: منهجه التزم الْقَاضِي زكريا الأنصاري في أثناء شرحه، بمبدأ اختصار الشرح وإن لَمْ يَكُنْ صرح بهذا، وَلَمْ يَكُنْ من منهجه التطويل والدخول في مناقشات طويلة ذات عمق علمي، لذا صار أمراً لَيْسَ بالميسور أن نحدد معالم منهجه الَّذِي حاول السير عَلَيْهِ في شرحه، لَكِنْ بَعْدَ التمعن والتمحيص استطعنا أن نجمل عدداً من تِلْكَ السمات، مِنْهَا: ١ - بيانه لما يخرج بقيود التعريف: كَمَا في بيانه لما يخرج بقيود تعريف الصَّحِيْح (١). ٢ - بَيَان ما تحتمله ألفاظ الألفية من المواقع الإعرابية: كَمَا في ((عَبْد الرحيم)) (٢)، و ((صعبها وسهلها)) (٣)، وَقَدْ ينبه عَلَى إعراب بَعْض ألفاظ النظم ويبين الوجوه التِي يصح حملها عَلَيْهَا إِذَا كانت مواقعها الإعرابية تناسب أكثر من إعراب كَمَا في ((ثلاثةٍ)) (٤)، و ((مبهماً)) (٥). ٣ - إتيانه تعريفات خارجة عَنْ موضوع الكِتَاب: مثل تعريف لفظ الجلالة ((الله)) (٦)، والرحمة (٧)، والحمد (٨)، والمنة (٩)، والنبي (١٠).

стр. 60

٤ - تفرده بالنقل من شرح النَّاظِم الكبير (١). ٥ - التنبيه عَلَى فوائد الأنواع (٢). ٦ - ضبط الكلمات عَلَى ما قِيْلَ فِيْهَا من اللغات المختلفة (٣). ٧ - كَانَ يسوق بَعْض الأقوال بسند صاحب الأصل ابن الصَّلاَح (٤). ٨ - ذكره لفوائد متممة مستفادة من أقوال علماء آخرين (٥). ٩ - تنبيهه عَلَى ضبط ألفاظ الأرجوزة بِمَا يستقيم مَعَ الوزن (٦). ١٠ - زيادته عَلَى النَّاظِم وابن الصَّلاَح، كَمَا في زيادته لذكر وفاة ابن ماجه (٧). ١١ - تعريفه لبعض المصطلحات التِي أغفل النَّاظِم شرحها (٨). ١٢ - الإشارة إِلَى الأوجه البلاغية في النظم (٩). ١٣ - نبه على زيادات النَّاظِم عَلَى ابن الصَّلاَح (١٠). ١٤ - لَمْ يلتزم حرفية النص عَلَى قلة نقولاته (١١). ١٥ - الإشارة إِلَى اختلاف نسخ الْمَتْن (١٢). ١٦ - ضبط الكلمات التِي لا خلاف فِيْهَا، كون الشائع عَلَى الألسنة خلاف الصَّحِيْح (١٣).

стр. 61

١٧ - بيانه بعض الفروق، كَمَا في بَيَان الفرق بَيْنَ عدل الرِّوَايَة وعدل الشهادة (١)، والفرق بَيْنَ ((متوفى)) بفتح الفاء وكسرها (٢). ١٨ - بيانه لماهية بَعْض الألفاظ عَلَى ما تقتضيه قواعد العلوم (٣). ١٩ - تنبيهه عَلَى مناسبة الترتيب والتقديم والتأخير (٤). ٢٠ - الإحالة إِلَى بَعْض كتبه، كشرح البهجة (٥)، وشرح تنقيح اللباب (٦). ٢١ - بيانه لأصل اشتقاق بَعْض الألفاظ، مثل: نبي (٧). المبحث الثانِي: مُميزات الشرح قَدْ بدا واضحاً عقب هَذَا كله أن الْقَاضِي زكريا الأنصاري حاول جاهداً توضيح وفكّ عبارات "التبصرة والتذكرة "، وكما كَانَ هدفه منذ البدء تحقيقاً لطلب ذَلِكَ العزيز، فَقَالَ: ((طلب منى بَعْض الأعزة عليَّ، من الفضلاء المترددين إليَّ، إِلَى أن أضع عَلَيْهَا شرحاً يحل ألفاظها، ويبين دقائقها، ويحقق مسائلها، ويحرر دلائلها فأجبته إِلَى ذَلِكَ)) (٨). وَلَكِنْ الأمر الَّذِي لا مناص عَنْهُ، ونقرره نحن عملاً بالأمانة العلمية، أن الْقَاضِي زكريا لَمْ تَكُنْ كتابته هنا ذات أصالة بكرٍ، وإنَّمَا استمد أغلب مادته من شرح السخاوي، وشرح النَّاظِم، حَتَّى اتهمه السخاوي صراحة بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((وكنت أتوهم أن كتابته أمتن من عبارته، إِلَى أن اتضح لي أمره حَيْثُ شرع في غيبتي بشرح ألفية الْحَدِيْث، مستمداً من شرحي، بِحَيْثُ عجب الفضلاء من ذَلِكَ)) (٩).

стр. 62

ولسنا في مقام تقرير المحق من غيره، لكننا لا نغمط الرجل حقه، فَقَدْ كانت الفوائد والزيادات التِي أتى بِهَا شيئاً جيداً نسبياً، لا سيما في النصف الأول من الكِتَاب، وتكاد تَكُوْن معدومة في النصف الثاني، خاصة الأنواع الأخيرة، إِذْ لَمْ يَكُنْ إلا تجريداً لفوائد شرح العراقي بالتحديد. وأيّما يَكُنْ الأمر فَقَدْ كانت لهذا الشرح حسناته، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فائدة إلا تِلْكَ النقولات عَنْ شيخه الحَافِظ علامة عصره ((ابن حجر)) لكفاه بِهَا فخراً. أضف إِلَيْهَا حرصه عَلَى ضبط نص الأرجوزة لغوياً وعروضياً، والتنبيه عَلَى ذَلِكَ بكثرة، وعَلَى كُلّ حال فالشرح يمثل حلقة من حلقات جهد السلف الصالح في خدمة هَذَا العِلْم الشريف، ولا نعدم مِنْهُ نفعاً، لا سيما مَعَ ما حليناه بِهِ من نكت وفوائد وتكميلات، أتَمت صورته، وأخرجته بوجه مشرق وضَّاءٍ تقرّ بِهِ العيون - إن شاء الله -. الباب الثَّالِث: التحقيق الفصل الأول: التعريف بالكتاب المبحث الأول: اسم الكتاب لَيْسَ هناك خلاف البتة في تسمية هَذَا الشرح، لاسيما أن الْقَاضِي زكريا نَصَّ عَلَى اسمه في مقدمته، فَقَالَ: ((وسميته "فتح الباقي بشرح ألفية العراقي ")) (١). وَلَكِنْ بعضهم يذكره فيتجوز في التسمية فيقول: شرح الْقَاضِي زكريا، أَوْ شرح الألفية للقاضي زكريا، والحق أن هَذَا لَمْ يرد بصدد وضع اسم يَكُوْن علماً عَلَى هَذَا الشرح حَتَّى يصح لنا أن ننقل خلافاً، ومن ثَمَّ مقارنة بَيْنَ أقوال القائلين.

стр. 63

المبحث الثانِي: توثيق نسبة الكِتَاب إِلَى مؤلفه تظافرت المصادر التِي تحدثت عن ألفية الْحَدِيْث للحافظ العراقي عَلَى ذكر شرح الْقَاضِي زكريا الأنصاري، مِنْهُمْ: حاجي خليفة (١)، وإسماعيل باشا البغدادي (٢)، والكتاني (٣) وغيرهم. والأمر الثاني الَّذِي يعزز هَذَا القول: أن الْقَاضِي ذكر في أثناء الشرح كتباً مشهورة من تصانيفه، مثل: " شرح البهجة " و " تنقيح اللباب " وغيرها. كَمَا أن جَمِيْع النسخ الخطية اتفقت عَلَى إثبات اسم الْقَاضِي زكريا عَلَى طررها، زيادة عَلَى اتحاد الأسلوب مَعَ المؤلفات المقطوع بنسبتها إِلَيْهِ. وهناك أمر آخر يساهم في البتِّ بهذه النسبة، وَهُوَ نقولاته عَنْ مشايخه لا سِيَّما ابن حجر، بلفظ قَالَ شيخنا، وأفاده شيخنا، ونحوها. فَلَمْ يبق شك في تصحيح نسبة " فتح الباقي بشرح ألفية العراقي " إِلَى الْقَاضِي زكريا بن مُحَمَّد الأنصاري. المبحث الثَّالِث: تاريخ إكماله لَمْ يترك الْقَاضِي زكريا الأنصاري الباحث في حيرة من تحديد تاريخ إكمال الشرح، وذلك من خلال البحث عَنْ قرائن وإشارات تعين عَلَى ذَلِكَ المقصد، بَلْ كَانَ صريحاً جداً، واضحاً في تحديده، فصرح في نهاية الكِتَاب بذَلِكَ وأرّخ الانتهاء مِنْهُ في عاشر رجب سنة (٨٩٦ هـ) (٤).

стр. 64

الفصل الثانِي: وصف النسخ المعتمدة في التحقيق اعتمدنا في تحقيقنا لـ " فتح الباقي " عَلَى نسخ خطية للشرح، ونسخ مطبوعة، بغية الوصول إِلَى أفضل نص، واضعين نصب أعيننا كونه سليماً قويماً، خالياً من السقوطات والتصحيف والتحريف، فَقَدْ اعتمدنا عَلَى نسخ مخطوطة لنص " التبصرة والتذكرة " وسنعرض لكل مِنْهَا في مبحث: المبحث الأول: النسخ الخطية للشرح وَكَانَ نصيبنا مِنْهَا ثلاث نسخ، هِيَ: ١ - نسخة خطية محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة الكائنة في مدينة السلام بغداد - حرسها الله تَعَالَى - برقم (١٣٨٣٨)، خطها فارسي واضح مقروء، تقع في (١١٤) ورقة، بواقع (٢١) سطراً في الصفحة الواحدة، وبمعدل (١١) كلمة في كُلّ سطر. كَانَ الفراغ من نسخها سنة (١٣٠٤ هـ)، عَلَى يد ناسخها: السيد حسن البغدادي الشَّافِعِيّ بن السيد مُحَمَّد (١). وعليها حواشٍ لعلاّمة العراق ((الآلوسي))، ورمزنا لها بالرمز (ق). ٢ - نسخة خطية محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد -عمرها الله- برقم (٢٨٢٠)، خطها نسخي واضح مقروء، وَهُوَ مشكول في بَعْض المواطن، كتبت كلمات النظم بالمداد الأحمر، والشرح بالمداد الأسود، تقع في (٢٢٦) ورقة، بواقع (٢٠) سطراً في الصفحة الواحدة، وبمعدل (٨) كلمات في السطر. كَانَ الفراغ من نسخها في سنة (١١٧٠هـ)، عَلَى يد ناسخها: مُحَمَّد عُبادة (٢). وَهِيَ نسخة جيدة، تظهر عَلَيْهَا آثار المقابلة والتصحيح، وعليها حواش كثيرة نقلاً عَنْ علماء عديدين، مِنْهُمْ: السخاوي، والسيوطي، وأكثر تِلْكَ الحواشي منقولة عَنْ حاشية العدوي عَلَى شرح الْقَاضِي زكريا الأنصاري، ورمزنا لها بالرمز (ع).

стр. 65

٣ - نسخة خطية محفوظة في دار الكتب المصرية (قسم حماية التراث)، برقم (١٦٢طلعت)، خطها نسخي دقيق واضح مقروء جميل، قَدْ يشكل الناسخ بَعْض الكلمات. تقع في (١١٦) ورقة بواقع (٢٧) سطراً في الصفحة الواحدة، وبمعدل (١٠) كلمات في السطر الواحد. وَهِيَ نسخة جيدة تظهر في حواشيها آثار المقابلة والتصحيح، وَكَانَ الفراغ من نسخها سنة (١٢٣٧ هـ)، عَلَى يد ناسخها: مُحَمَّد صالح البنديْجي الحنفي (١). وَقَدْ رمزنا لها بالرمز (ص). المبحث الثَّانِي: النسخ الْمطبوعة وكانت عمدتنا فِيْهَا الطبعة المستقلة التِي قام بتحقيقها السيد: حافظ ثناء الله الزاهدي، أما الطبعات التِي طبعت مَعَ شرح الحَافِظ العراقي سواء أكانت الطبعة الفاسية، أَمْ الطبعة البيروتية، فهي من السوء إِلَى الحد الَّذِي يفقد كُلّ ثقة في الاعتماد عَلَيْهَا. وَقَدْ يتبادر إِلَى الذهن سؤال مفاده: علام هَذَا التحقيق ما دام الكِتَاب قَدْ طبع مستقلاً؟ فنقول: بالرغم من أن السيد الزاهدي قَدْ استفرغ وسعه في طبع الكِتَاب، فَقَدْ بدت فِيْهِ جملة من الهفوات، نجملها فيما يأتي تاركين تفصيلها إِلَى ما نبهنا عَلَيْهِ في هوامش تحقيقنا لهذا الشرح. ١ - السقوطات الكثيرة. ٢ - الزيادات البينة السقم. ٣ - الأخطاء الإملائية. ٤ - أخطاء في الضبط والشكل. ٥ - مخالفة الضبط لنص الْقَاضِي زكريا. ٦ - قلة الإحالات والتخريجات. وغيرها كَثِيْر، وانظر في مصداق ذَلِكَ تعليقنا عَلَى الصفحات الآتية:

стр. 66

الجزء الأول: ٨٦، ٨٨، ٩٠، ٩٤، ١٠٦، ١١٧، ١١٩، ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٢، ١٣٣، ١٣٦، ١٣٩، ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٢، ١٥٤، ١٦٨، ١٧٧، ١٧٨، ١٧٩، ١٨٦، ١٨٨، ١٩١، ١٩٢، ١٩٤، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٨، ٢١١، ٢١٣، ٢١٥، ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٣١، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤٤، ٢٤٧، ٢٥٢، ٢٥٤، ٢٥٨، ٢٦١، ٢٧١، ٢٧٢، ٢٨١، ٢٩١، ٢٩٢، ٣١٠، ٣١٥، ٣١٦، ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٤، ٣٢٧، ٣٣٣ ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦٢، ٣٦٩، ٣٧٨، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٩٠، ٣٩٣ ٣٩٥، ٣٩٦، ٣٩٧، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٤، ٤٠٥، ٤٠٦، ٤٠٨. الجزء الثاني: ١٣، ١٤، ١٥، ١٧، ١٨، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٨، ٢٩، ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٨ ٤١، ٤٢، ٤٩، ٥٤، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦١، ٦٧، ٦٩، ٧٢، ٨٠، ٨١، ٨٤، ٨٧، ٨٨، ٨٩، ٩٢، ٩٤، ٩٨، ١٠٠، ١٠٢، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٠، ١١١، ١١٤، ١١٥، ١٢١، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٢، ١٣٤، ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٤١، ١٤٣، ١٤٥، ١٤٦، ١٤٧، ١٥١، ١٥٧، ١٦٦، ١٦٨، ١٧٦، ١٨٠، ١٨١، ١٨٢، ١٨٤، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، ١٩١، ١٩٣، ١٩٤، ١٩٦، ٢٠٠، ٢٠٣، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢٠٩، ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٧، ٢١٩، ٢٢٠، ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣١، ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٤٦، ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥١، ٢٥٣، ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧٢، ٢٧٦، ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٥، ٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٦، ٢٩٧، ٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠١، ٣٠٣، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣١١، ٣١٦، ٣٢١، ٣٢٣، ٣٣٢. المبحث الثَّالِث: النسخ الخطية لـ" التبصرة والتذكرة " اعتمدنا على ثلاث نسخ خطية فيما يأتي وصفها: ١ - النسخة الأولى: وهي النسخة المحفوظة في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد -حرسها الله- تحت الرقم (٨/ ٢٨٩٩مجاميع)، تقع في (٤٨) ورقة خطها نسخي جميل واضح مشكول، وهي حديثة العهد، إذ نسخت في سنة (١٢٠٨ هـ). ورمزنا لها بـ (أ). ٢ - النسخة الثانية، وَهِيَ النسخة المحفوظة في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد تَحْتَ الرقم (٢٨١٨) تقع في (٥٥) ورقة، كتبت بخط نسخ واضح مشكول تظهر عليها آثار المقابلة، وعلى حواشيها نقولات عدة عن شرح العراقي، وشرح زكريا الأنصاري، ونكت البقاعي، كتبها محمد أمين بن أحمد أفندي المدرس، وانتهى منها في سنة (١٢٤٤هـ)، وعلى طرتها بعض التملكات وصورة وقفيتها، ورمزنا لها بالرمز (ب).

стр. 67

٣ - النسخة الثالثة: تقع ضمن مجموع محفوظ في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد تحت الرقم (١/ ٢٩٥٥ مجاميع) تقع في (٥٢) ورقة، وخطها نسخي جميل واضح جداً ومشكول، وهي أقدم هذه النسخ إذ كتبت في سنة (١١١٨هـ) عَلَى يد رَجُل لَمْ يدون سوى اسمه: عَبْد الغفور، وعلى طرتها تظهر صورة وقفيتها عَلَى المدرسة الأمينية، ورمزنا لها بالرمز (جـ). كَمَا لا يفوتنا أن نذكر أننا اعتمدنا في ضبط نص " التبصرة والتذكرة " عَلَى نسختين مطبوعتين، هما: الأولى: نصها المطبوع ضمن مجموعة: ((النفائس)) بتحقيق العلاّمة الراحل مُحَمَّد حامد الفقي المطبوعة بمطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٧٢ هـ-١٩٥٣ م. الثاني: نصها المطبوع مَعَ: " فتح المغيث " متناً: وَهُوَ مستل من ((النفائس))، وشرحاً: وَهُوَ الممزوج بشرح السخاوي نفسه، وَقَدْ حققها صلاح مُحَمَّد عويضة، وَقَدْ طبع الكِتَاب بدار الكتب العلمية ١٤١٤ هـ- ١٩٩٣ م. الفصل الثَّالِث: منهج التحقيق يمكننا أن نلخص منهج التحقيق الذي سرنا عليه والتزمناه في تحقيقنا لكتاب " فتح الباقي بشرح ألفية العراقي " في ما يأتي: ١ - حاولنا ضبط النص قدر المستطاع معتمدين على النسخ الخطية، ومستعينين بما نثق به من الكتب والطبعات السابقة للكتاب، مع مراجعة المصادر المباشرة للمؤلف، ككتب المتون والأسانيد، وكتب الرجال على اختلاف ألوانها. ٢ - خرّجنا الآيات الكريمات من مواطنها في المصحف، مع الإشارة إلى اسم السورة ورقم الآية. ٣ - خرّجنا الأحاديث النبوية الكريمة تخريجاً مستوعباً حسب الطاقة، وبينا ما فيها من نكت حديثية، ونبّهنا على مواطن الضعف، وكوامن العلل مستعينين بما ألّفه الأئمة الأعلام جهابذة الحديث ونقّاد الأثر في هذا المجال. ٤ - خرّجنا أكثر نقولاته عن العلماء وذلك بعزوها إلى كتبهم.

стр. 68

٥ - تتبّعنا المصنف فيما يورده من المذاهب سواء أكانت لغوية، أم فقهية، أم غيرها؟ ووثّقناها من المصادر التي تعنى بتلك العلوم. ٦ - لم يكن من وكدنا أن نترجم للأعلام الذين يذكرهم المصنف عَلَى الرغم من فائدتها التي لا تخفى، مقدمين دفع مفسدة تضخم الكتاب، على مصلحة التعريف بهؤلاء الأعلام، على أن الكتاب لا يخلو من التعريف ببعضهم. ٧ - قدّمنا للكتاب بدراسة نراها - حسب اعتقادنا - كافية كمدخل إليه. ٨ - لم نألوا جهداً في تقديم أي عمل يخدم الكتاب، وهذا يتجلى في الفهارس المتنوعة التي ألحقناها بالكتاب، بغية توفير الوقت والجهد على الباحث. ٩ - قمنا بشكل النص شكلاً كاملاً. ١٠ - علّقنا على المواطن التي نعتقد أنها بحاجة إلى مزيد إيضاح وبيان. ١١ - ذيّلنا الشرح بالمهم من نكت وتعليقات، ممّا أغنى الكتاب وتمّم مقاصده. ١٢ - حاولنا جاهدين إيراد النكت والتعقبات وأجوبتها في أكثر الأحيان من مصادرها الأصيلة كـ" نكت الزركشي " و " نكت العراقي " و "نكت ابن حجر" و " البحر الَّذِي زخر " وغيرها. ١٣ - تناول الْقَاضِي زكريا الأنصاري نص " التبصرة والتذكرة " بالشرح حَتَّى إنّه يشرح العنوان ويفك أجزائه، لذَا ارتأينا أن نضع العناوين من " التبصرة والتذكرة " كَمَا ذكرها الحَافِظ العراقي إضافةً من عندنا حرصاً عَلَى فائدة القارئ. ١٤ - بالنسبة لتوزيع الأبيات التِي ترتبط بموضوع واحد، وتتناول جوانب عدة مِنْهُ، فَقَدْ اعتمدنا تقسيم السيد الزاهدي لتلك الأبيات، حَيْثُ إن الْقَاضِي ترك إيراد الأبيات أصلاً، ولأننا رأينا تقسيمه ذا موضوعية تخدم الشرح وتقدمه بصورة أبهى، عَلَى أنا لَمْ نعتمد نصه. سبحان ربك ربّ العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 69

صور مخطوطات

стр. 70

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الحمدُ للهِ الذي وَصَلَ مَنِ انْقَطَعَ إِليهِ بدينهِ القويمِ، ورفع مَن أَسندَ أمرَهُ إِليهِ باتباعِ سُنَّةِ نبيِّهِ الكريمِ، وهدى مَن وفقَّهُ إلى طريقٍ (١) مستقيمٍ. أحْمَدُهُ عَلَى آلائِهِ، وأشكرُهُ عَلَى نَعْمائهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ الواحدُ القهَّارُ، الكريمُ الحليمُ الستَّارُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا مُحَمَّداً عبدُهُ ورسولهُ، وصفيُّه، وحبيبُه، وخليلُه، صَلَّى اللهُ وسلَّم عَلَيْهِ، وعلى إخوانِه النبيِّينَ، وعلى آلِ كُلٍّ، وسائرِ الصالحينَ.] (٢) وبعدُ: فإنَّ ألْفِيَّةَ علمِ الحديثِ المسمَّاةَ بـ " التبصرةِ والتذكرةِ " (٣) للشيخِ الإمامِ الحافِظِ، شيخِ الإسلامِ، أبي الفَضْلِ عبدِ الرَّحيمِ زَيْنِ الدِّينِ بنِ الحسينِ بنِ عبدِ الرَّحمانِ (٤) بنِ أبي بكرِ بنِ إِبْرَاهِيمَ العراقيِّ (٥)؛ لَمَّا اشتملَتْ عَلَى نقولٍ عجيبةٍ، ومسائلَ غريبةٍ، وحدودٍ منيعةٍ، وموضوعاتٍ بديعةٍ، مَعَ كثرةِ علمِها، ووجازةِ نَظْمِها؛ طلبَ مني بعضُ الأعِزَّةِ عليَّ مِنَ الفضلاءِ المتردِّدينَ إليَّ أنْ أضعَ عليها شَرْحاً يَحُلُّ ألفاظَها، ويُبرِّزُ دقائقَها، ويُحَقِّقُ مسائلَها، ويُحرِّرُ دلائِلَها. فأجبتُه إلى ذَلِكَ، بعونِ القادرِ المالكِ، ضامّاً إِليهِ مِنَ الفوائدِ المُسْتَجادَاتِ (٦) ما تقرُّ بِهِ أعيُنُ أولي الرغباتِ؛ راجياً بذلك جزيلَ الأجرِ والثوابِ، من فَيضِ مولانا الكريمِ (٧) الوهَّابِ، وسمَّيتُهُ " فَتْحَ الباقي بشرحِ ألفيَّةِ العراقي ".

стр. 71

واللهَ أَسألُ أَنْ ينفعَ بِهِ، ويجعلَهُ خالِصاً لوجهِه الكريمِ. وأرويها وشرحَها درايةً وروايةً عَنْ مشايخِ الإسلامِ: الشهابِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيِّ، والشمسِ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ القَايَاتيِّ الشافعيَّينِ، والكمالِ مُحَمَّدِ بنِ الهُمامِ الحنفيِّ (١). بروايةِ الأولِ لهما عَنْ مؤلِّفِهِمَا، والثاني عَنْ ابنِ مُؤَلِّفِهِمَا شيخِ الإسلامِ أبي زُرْعَةَ وليِّ الدينِ (٢)، والثالثِ عَنْهُ، وعَنِ الإمامِ السِّراجِ (٣) قارِئِ " الهدايةِ "، عَنْ مؤلِّفِهِما. وحيثُ أطلقتُ شيخَنا فَمُرادي بِهِ الأولُ. قَالَ المؤلِّفُ: (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) (٤) أي: أؤَلِّفُ. والاسمُ مشتقٌّ من ((السُّمُوِّ)) [بضمِّ السينِ وكسرِها] (٥)، وَهُوَ: العلوُّ، وَقِيلَ: من ((الوَسْمِ)) وَهُوَ: العلامةُ (٦). و (اللهِ) عَلَمٌ على الذَّاتِ الواجبِ الوجودِ، المستحقِّ (٧) لجميعِ المحامدِ. و (الرحمانِ) و (الرحيمِ) صفتانِ مشتقَّتانِ (٨) بُنِيتا للمبالغةِ من ((رَحِمَ)) كغضبان من ((غَضِبَ)).

стр. 72

والرَّحْمَةُ لغةً (١): رِقَّةُ القلبِ (٢). وَهِيَ كيفيِّةٌ نفسانِيَّةٌ، تستحيلُ في حقِّ اللهِ تعالى (٣)؛ فَتُحْمَلُ عَلَى غايتِها، وَهِيَ الإنعامُ؛ فتكونُ صفةَ فعلٍ، أَوْ الإرادةُ؛ فتكونُ صفةَ ذاتٍ (٤). والرحمانُ أبلغُ من الرحيمِ؛ لأنَّ زيادةَ البناءِ تدلُّ عَلَى زيادةِ المَعْنَى، كَمَا في ((قَطَعَ)) و ((قَطَّعَ)) (٥). ١ - يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ المُقْتَدِرِ (٦) ... عَبْدُ الرَّحيمِ بنُ الحُسَيْنِ الأَثَريْ ٢ - مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ ذِي الآلاءِ ... عَلَى امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إحْصَاءِ ٣ - ثُمَّ صَلاَةٍ وسَلامٍ دَائِمِ ... عَلَى نَبِيِّ الخَيْرِ ذِي المَرَاحِمِ (يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ) أي: مُؤمّلُ عفوِ مالكِهِ (المقتدرِ) أي: تامِّ القدرةِ عَلَى مَا يريدُ. قَالَ النَّاظِمُ في " شرحهِ الكبيرِ " (٧): والمقتدرُ من أسماءِ الجلالِ والعظمةِ. قَالَ: وَكَانَ المناسبُ لراجي رَبِّهِ أنْ يذكرَ بدلَهُ اسماً من أسماءِ الرأفةِ والرحمةِ؛ لكنَّ الذي ذكرَهُ أبلغُ في قُوَّةِ الرجاءِ؛ إذ وجودُهُ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجلالِ أدلُّ عَلَى وجودِهِ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجمالِ. (عَبْدُ الرحيمِ) عطفُ بيانٍ عَلَى راجي، أَو بدلٌ مِنْهُ، أَوْ خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ (٨). (بنُ الْحُسَيْنِ الأَثَريْ) -بفتح الهمزة والمثلثة-، نسبةً إلى ((الأَثَرِ)) (٩)، وَهُوَ الأحاديثُ

стр. 73

مرفوعةً أَوْ موقوفةً (١)، وإن قصَرَهُ بعضُ الفقهاءِ عَلَى الموقوفةِ (٢). (مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ) الشَّامِلِ للبَسْمَلَةِ، والحَمْدَلَةِ؛ فالمرادُ بَعْدَ ذكرِ اللهِ، وكلٌّ مِنْهُمَا ذكرُ اللهِ، فيكونُ قَدْ ابتدأَ بهما اقتداءً بالكتابِ العزيزِ، وعملاً بخبرِ: ((كُلُّ أمْرٍ ذِيْ بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بـ ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ))؛ فَهُوَ أَقْطَعُ)). وَفِي روايةٍ: بِـ: ((الحمدُ للهِ)) وَفِي روايةٍ: ((بِذِكْرِ اللهِ)). رواهُ أبو دَاوُدَ وغيرُهُ (٣)، وحسَّنَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ. والحمدُ لغةً: الثناءُ باللِّسانِ عَلَى الجميلِ الاختياريِّ، عَلَى جهةِ التبجيلِ والتعظيمِ، سواءً أتعلَّقَ (٤) بالفضائلِ أَمْ بالفواضلِ؟ وعُرْفاً: فعلٌ (٥) ينبئُ عَنْ تَعْظيمِ المُنْعِمِ من حيثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الحامدِ، أو غيرِهِ (٦). وَقَدْ بسطْتُ الكلامَ عَلَيْهِ، وعلى الشكرِ والمدحِ في شرحِ " البهجة " (٧). (ذِي الآلاءِ) أي: صاحبِ النِّعَمِ. وفي مفردِها لغاتٌ: ((أَِلاً)) - بِفَتْحِ الهمزةِ وكَسْرِها مَعَ التَّنوين وَعَدمِهِ (٨) فِيْهِمَا -، ((وألْي)) - بتثليث الهمزة مَعَ سكون اللام والتنوين-، وأشهرُها الأُوْلَى: ألاً (٩) بوزن: رَحًى (١٠).

стр. 74

(عَلَى امتنانٍ) مِنْهُ - تعالى - عليَّ. مأخوذٌ من ((المنَّة))، وَهِيَ النِّعْمَةُ. وَقِيلَ: النعمةُ الثقيلةُ. وتطلقُ المنَّةُ عَلَى تَعْدادِ (١) النِّعَمِ، بأنْ يقولَ المُنْعِمُ لمَنْ أنْعَمَ عَلَيْهِ: فعلتُ مَعَكَ كَذَا وكذا. وَهُوَ في حقِّ اللهِ - تعالى - صَحِيْحٌ، وفي حقِّ العبدِ قبيحٌ؛ لقولهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالْمَنِّ والأَذَى﴾ (٢). وتنكيرُ امتنانٍ للتكثيرِ والتعظيمِ. أي: امتناناتٍ كثيرةٍ عظيمةٍ منها: الإلهامُ لتأليفِ هَذَا الكتابِ والإقدارِ عَلَيْهِ، و (عَلَى امتِنَانٍ (٣)) صِلةُ (حمدِ). وإنَّما حُمِدَ عَلَى الامتنانِ، أي: في مقابلتِهِ لا مطلقاً؛ لأنَّ الأوَّلَ واجبٌ والثاني مَنْدوبٌ. ووصفَ الامتنانَ بما هُوَ شأنهُ فَقَالَ: (جَلَّ) أي: عَظُمَ. (عَنْ إحصاءِ) أي: ضبطٍ بالعدِّ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصَوهَا﴾ (٤). (ثُمَّ) بَعْدَ (صلاةٍ) وهِيَ من اللهِ: رَحمةٌ، ومِنَ الملائكةِ: استغفارٌ، ومن الآدمي: تضرُّعٌ ودعاءٌ (٥). (وسلامٍ) أي: تسليمٍ (دائمِ)، كلٍّ منهما (عَلَى نبيِّ الخيرِ) الجامعِ لكُلِّ محمودٍ دنيويٍّ، وأخرويٍّ (ذي المرَاحمِ) جَمْعُ ((مَرْحَمَةٍ))، وَهِيَ (٦) بمعنى: الرحمةِ (٧). ففي خبرِ مسلمٍ: ((أنَا نَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ)). وفي روايةٍ: ((الرَّحْمَةِ))، وفي روايةٍ: ((الْمَلْحَمَةِ)) (٨). وَهِيَ المعركةُ، والمرادُ بها القتالُ.

стр. 75

والنَّبيُّ: إنسانٌ أوحيَ إِليهِ بشرعٍ، وإنْ لَمْ يُؤمَرْ بتبليغِهِ، فإنْ أُمِرَ بِهِ؛ فرسولٌ أَيْضَاً؛ [فالنَّبيُّ أعمُّ من الرسولِ] (١). وَقَالَ: نبيٌ دُوْنَ رسولٍ (٢)؛ لأنهُ أعمُّ مَعْنًى واستعمالاً، وللتعبيرِ بِهِ في خبرِ: ((أنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ)) الدالِّ عَلَى وصفهِ بها. ولفظُهُ: بالهمزِ من النَّبأِ أي: الخبرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مُخْبِرٌ عَنْ اللهِ تعالى، وبلا همزٍ، وَهُوَ الأكثرُ. قِيلَ: إنَّه مخفَّفُ المهموز بقلبِ (٣) همزتِهِ ياءً. وَقِيلَ: إنَّهُ الأصلُ مِنَ النَّبْوَةِ - بفتح النونِ وإسكانِ الباءِ - أي: الرِّفعةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مرفوعُ الرُّتبةِ عَلَى سائرِ الخلقِ (٤). ٤ - فَهَذِهِ المَقَاصِدُ المُهِمَّهْ ... تُوْضِحُ مِنْ عِلْمِ الحدِيْثِ رَسْمَهْ ٥ - نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلمُبتَدِيْ ... تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي والْمُسْنِدِ ٦ - لَخَّصْتُ فيهَا ابْنَ الصَّلاحِ أَجْمَعَهْ ... وَزِدْتُهَا عِلْماً تَرَاهُ مَوْضِعَهْ ثُمَّ بَيَّن مَقُولَ الْقَولِ مُنَبِّهاً عَلَى ما حَذَفَهُ مِنْهُ بفاءِ الجَزاءِ، بقوله: (فهذهِ) أي:
следующие страницы →