← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

واللهَ أَسألُ أَنْ ينفعَ بِهِ، ويجعلَهُ خالِصاً لوجهِه الكريمِ. وأرويها وشرحَها درايةً وروايةً عَنْ مشايخِ الإسلامِ: الشهابِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيِّ، والشمسِ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ القَايَاتيِّ الشافعيَّينِ، والكمالِ مُحَمَّدِ بنِ الهُمامِ الحنفيِّ (١). بروايةِ الأولِ لهما عَنْ مؤلِّفِهِمَا، والثاني عَنْ ابنِ مُؤَلِّفِهِمَا شيخِ الإسلامِ أبي زُرْعَةَ وليِّ الدينِ (٢)، والثالثِ عَنْهُ، وعَنِ الإمامِ السِّراجِ (٣) قارِئِ " الهدايةِ "، عَنْ مؤلِّفِهِما. وحيثُ أطلقتُ شيخَنا فَمُرادي بِهِ الأولُ. قَالَ المؤلِّفُ: (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) (٤) أي: أؤَلِّفُ. والاسمُ مشتقٌّ من ((السُّمُوِّ)) [بضمِّ السينِ وكسرِها] (٥)، وَهُوَ: العلوُّ، وَقِيلَ: من ((الوَسْمِ)) وَهُوَ: العلامةُ (٦). و (اللهِ) عَلَمٌ على الذَّاتِ الواجبِ الوجودِ، المستحقِّ (٧) لجميعِ المحامدِ. و (الرحمانِ) و (الرحيمِ) صفتانِ مشتقَّتانِ (٨) بُنِيتا للمبالغةِ من ((رَحِمَ)) كغضبان من ((غَضِبَ)).

стр. 72

والرَّحْمَةُ لغةً (١): رِقَّةُ القلبِ (٢). وَهِيَ كيفيِّةٌ نفسانِيَّةٌ، تستحيلُ في حقِّ اللهِ تعالى (٣)؛ فَتُحْمَلُ عَلَى غايتِها، وَهِيَ الإنعامُ؛ فتكونُ صفةَ فعلٍ، أَوْ الإرادةُ؛ فتكونُ صفةَ ذاتٍ (٤). والرحمانُ أبلغُ من الرحيمِ؛ لأنَّ زيادةَ البناءِ تدلُّ عَلَى زيادةِ المَعْنَى، كَمَا في ((قَطَعَ)) و ((قَطَّعَ)) (٥). ١ - يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ المُقْتَدِرِ (٦) ... عَبْدُ الرَّحيمِ بنُ الحُسَيْنِ الأَثَريْ ٢ - مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ ذِي الآلاءِ ... عَلَى امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إحْصَاءِ ٣ - ثُمَّ صَلاَةٍ وسَلامٍ دَائِمِ ... عَلَى نَبِيِّ الخَيْرِ ذِي المَرَاحِمِ (يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ) أي: مُؤمّلُ عفوِ مالكِهِ (المقتدرِ) أي: تامِّ القدرةِ عَلَى مَا يريدُ. قَالَ النَّاظِمُ في " شرحهِ الكبيرِ " (٧): والمقتدرُ من أسماءِ الجلالِ والعظمةِ. قَالَ: وَكَانَ المناسبُ لراجي رَبِّهِ أنْ يذكرَ بدلَهُ اسماً من أسماءِ الرأفةِ والرحمةِ؛ لكنَّ الذي ذكرَهُ أبلغُ في قُوَّةِ الرجاءِ؛ إذ وجودُهُ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجلالِ أدلُّ عَلَى وجودِهِ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجمالِ. (عَبْدُ الرحيمِ) عطفُ بيانٍ عَلَى راجي، أَو بدلٌ مِنْهُ، أَوْ خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ (٨). (بنُ الْحُسَيْنِ الأَثَريْ) -بفتح الهمزة والمثلثة-، نسبةً إلى ((الأَثَرِ)) (٩)، وَهُوَ الأحاديثُ

стр. 73

مرفوعةً أَوْ موقوفةً (١)، وإن قصَرَهُ بعضُ الفقهاءِ عَلَى الموقوفةِ (٢). (مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ) الشَّامِلِ للبَسْمَلَةِ، والحَمْدَلَةِ؛ فالمرادُ بَعْدَ ذكرِ اللهِ، وكلٌّ مِنْهُمَا ذكرُ اللهِ، فيكونُ قَدْ ابتدأَ بهما اقتداءً بالكتابِ العزيزِ، وعملاً بخبرِ: ((كُلُّ أمْرٍ ذِيْ بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بـ ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ))؛ فَهُوَ أَقْطَعُ)). وَفِي روايةٍ: بِـ: ((الحمدُ للهِ)) وَفِي روايةٍ: ((بِذِكْرِ اللهِ)). رواهُ أبو دَاوُدَ وغيرُهُ (٣)، وحسَّنَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ. والحمدُ لغةً: الثناءُ باللِّسانِ عَلَى الجميلِ الاختياريِّ، عَلَى جهةِ التبجيلِ والتعظيمِ، سواءً أتعلَّقَ (٤) بالفضائلِ أَمْ بالفواضلِ؟ وعُرْفاً: فعلٌ (٥) ينبئُ عَنْ تَعْظيمِ المُنْعِمِ من حيثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الحامدِ، أو غيرِهِ (٦). وَقَدْ بسطْتُ الكلامَ عَلَيْهِ، وعلى الشكرِ والمدحِ في شرحِ " البهجة " (٧). (ذِي الآلاءِ) أي: صاحبِ النِّعَمِ. وفي مفردِها لغاتٌ: ((أَِلاً)) - بِفَتْحِ الهمزةِ وكَسْرِها مَعَ التَّنوين وَعَدمِهِ (٨) فِيْهِمَا -، ((وألْي)) - بتثليث الهمزة مَعَ سكون اللام والتنوين-، وأشهرُها الأُوْلَى: ألاً (٩) بوزن: رَحًى (١٠).

стр. 74

(عَلَى امتنانٍ) مِنْهُ - تعالى - عليَّ. مأخوذٌ من ((المنَّة))، وَهِيَ النِّعْمَةُ. وَقِيلَ: النعمةُ الثقيلةُ. وتطلقُ المنَّةُ عَلَى تَعْدادِ (١) النِّعَمِ، بأنْ يقولَ المُنْعِمُ لمَنْ أنْعَمَ عَلَيْهِ: فعلتُ مَعَكَ كَذَا وكذا. وَهُوَ في حقِّ اللهِ - تعالى - صَحِيْحٌ، وفي حقِّ العبدِ قبيحٌ؛ لقولهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالْمَنِّ والأَذَى﴾ (٢). وتنكيرُ امتنانٍ للتكثيرِ والتعظيمِ. أي: امتناناتٍ كثيرةٍ عظيمةٍ منها: الإلهامُ لتأليفِ هَذَا الكتابِ والإقدارِ عَلَيْهِ، و (عَلَى امتِنَانٍ (٣)) صِلةُ (حمدِ). وإنَّما حُمِدَ عَلَى الامتنانِ، أي: في مقابلتِهِ لا مطلقاً؛ لأنَّ الأوَّلَ واجبٌ والثاني مَنْدوبٌ. ووصفَ الامتنانَ بما هُوَ شأنهُ فَقَالَ: (جَلَّ) أي: عَظُمَ. (عَنْ إحصاءِ) أي: ضبطٍ بالعدِّ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصَوهَا﴾ (٤). (ثُمَّ) بَعْدَ (صلاةٍ) وهِيَ من اللهِ: رَحمةٌ، ومِنَ الملائكةِ: استغفارٌ، ومن الآدمي: تضرُّعٌ ودعاءٌ (٥). (وسلامٍ) أي: تسليمٍ (دائمِ)، كلٍّ منهما (عَلَى نبيِّ الخيرِ) الجامعِ لكُلِّ محمودٍ دنيويٍّ، وأخرويٍّ (ذي المرَاحمِ) جَمْعُ ((مَرْحَمَةٍ))، وَهِيَ (٦) بمعنى: الرحمةِ (٧). ففي خبرِ مسلمٍ: ((أنَا نَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ)). وفي روايةٍ: ((الرَّحْمَةِ))، وفي روايةٍ: ((الْمَلْحَمَةِ)) (٨). وَهِيَ المعركةُ، والمرادُ بها القتالُ.

стр. 75

والنَّبيُّ: إنسانٌ أوحيَ إِليهِ بشرعٍ، وإنْ لَمْ يُؤمَرْ بتبليغِهِ، فإنْ أُمِرَ بِهِ؛ فرسولٌ أَيْضَاً؛ [فالنَّبيُّ أعمُّ من الرسولِ] (١). وَقَالَ: نبيٌ دُوْنَ رسولٍ (٢)؛ لأنهُ أعمُّ مَعْنًى واستعمالاً، وللتعبيرِ بِهِ في خبرِ: ((أنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ)) الدالِّ عَلَى وصفهِ بها. ولفظُهُ: بالهمزِ من النَّبأِ أي: الخبرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مُخْبِرٌ عَنْ اللهِ تعالى، وبلا همزٍ، وَهُوَ الأكثرُ. قِيلَ: إنَّه مخفَّفُ المهموز بقلبِ (٣) همزتِهِ ياءً. وَقِيلَ: إنَّهُ الأصلُ مِنَ النَّبْوَةِ - بفتح النونِ وإسكانِ الباءِ - أي: الرِّفعةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مرفوعُ الرُّتبةِ عَلَى سائرِ الخلقِ (٤). ٤ - فَهَذِهِ المَقَاصِدُ المُهِمَّهْ ... تُوْضِحُ مِنْ عِلْمِ الحدِيْثِ رَسْمَهْ ٥ - نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلمُبتَدِيْ ... تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي والْمُسْنِدِ ٦ - لَخَّصْتُ فيهَا ابْنَ الصَّلاحِ أَجْمَعَهْ ... وَزِدْتُهَا عِلْماً تَرَاهُ مَوْضِعَهْ ثُمَّ بَيَّن مَقُولَ الْقَولِ مُنَبِّهاً عَلَى ما حَذَفَهُ مِنْهُ بفاءِ الجَزاءِ، بقوله: (فهذهِ) أي:

стр. 76

يقولُ بَعْدَ مَا ذَكرَ أمَّا بَعْدُ: فهذهِ (المَقَاصِدُ)، [أي (١): الموجودةُ في كتابِ ابنِ الصَّلاحِ] (٢) (المُهِمّهْ) أي: التي يُهْتَمُّ بها، (تُوضِحُ) أي: تُبيِّنُ لَكَ (مِنْ عِلْمِ الحَديْثِ رَسْمَهْ) أي: أثرَهُ (٣) الذي تُبْنَى عَلَيْهِ أصولُهُ. يعني: ما خَفيَ عليكَ مِنْهُ. ومِنْهُ: رسمُ الدارِ، وَهُوَ ما كَانَ من آثارِها لاصقاً بالأرضِ (٤). وعبَّرَ - كما قَالَ - بالرسمِ هنا إشارةً إلى دُرُوسِ (٥) كثيرٍ من هَذَا العلمِ، وإنَّهُ بقيَتْ مِنْهُ آثارٌ يُهْتَدَى بها، ويُبنَى عليها (٦). والحديثُ - ويُرادفُه الخبرُ (٧) - عَلَى الصحيحِ: ما أُضيفَ إلى النبيِّ ﷺ - قِيلَ: أَوْ إلى صحابيٍّ، أَوْ إلى مَنْ (٨) دُونَهُ - قولاً، أَوْ فعلاً، أَوْ تقريراً، أَوْ صفةً. ويُعبَّرُ عَنْ هَذَا بعلمِ الحديثِ رِوَايَةً. ويُحَدُّ بأنَّهُ: علمٌ يشتملُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ. وموضوعُه: ذاتُ النبيِّ ﷺ من حيثُ إنَّهُ نبيٌّ. وغايتُه: الفوزُ بسعادةِ الدارينِ (٩).

стр. 77

وأما علمُ الحديثِ درايةً - وَهُوَ المرادُ عِنْدَ الإطلاقِ، كما في النَّظْمِ - فَهُوَ: علمٌ يعرفُ بِهِ حالُ الراوي والمرويِّ (١) من حيثُ القبولُ والردُّ. وموضوعُهُ: الراوي والمرويُّ من حيثُ ذَلِكَ. وغايتُهُ: معرفةُ ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ. ومسائلُه: ما يُذكَرُ (٢) في كُتُبِهِ من المقاصدِ. (نَظَمْتُها) أي: المقاصدَ. أي: جمعتُها عَلَى بحرٍ يُسَمَّى بـ: بحرِ الرَّجَزِ (٣). (تبصرةً للمُبتدِيْ) - بترك الهمزة - يتبصَّرُ بها ما لَمْ يعلَمْهُ. و (تذكرةً للمُنتهِي) يتذكرُ بها ما عَلِمَهُ وغَفَلَ عَنْهُ. (و) للراوي (المُسنِدِ) - بكسرِ النونِ -: الذي اعتنى بالإسنادِ خاصَّةً، يتبصَّرُ، أَوْ يتذكرُ بها كيفيَّةَ التحمُّلِ والأداءِ ومتعلقاتِهِمَا (٤). والمبتدي: مَنْ حَصَّلَ شيئاً ما (٥) من الفنِّ. والمنتهي: مَنْ حَصَّلَ مِنْهُ أكثرَهُ، وصلَحَ لإفادتِهِ. والمتوسِّطُ مفهومٌ بالأَوْلَى، فلا (٦) يَخْرُجُ عنهما؛ لأنَّهُ بالنسبةِ لما أتقنَهُ مُنْتَهٍ، ولما لَمْ يُتْقِنْهُ مُبْتَدٍ. ويُقالُ: مَنْ شَرَعَ في فنٍّ فإنْ لَمْ يستقلَّ بتصوُّرِ (٧) مسائلِهِ فمُبْتَدٍ، وإلاَّ فمُنْتهٍ، إنِ استحضرَ غالبَ أحكامِهِ، وأمْكَنَهُ الاستدلالُ عَلَيْهَا، وإلاَّ فمتوسِّطٌ.

стр. 78

وأشارَ بـ " التبصرةِ والتذكرةِ " إلى اسمِ منظومتِهِ. (لَخَّصْتُ فِيْهَا) عُثْمَانَ أبا عَمْرٍو (ابنَ الصَّلاحِ) أي: مقاصدَ كتابِهِ (١) (أجمعَهْ). فلا ينافي ذَلِكَ حذفَ كثيرٍ من أمثلتِه، وتعاليلِه، ونسبةِ أقوالٍ لقائلِيها وما تكررَ فِيهِ. (و) مَعَ تلخيصي مقاصدَهُ فيها، (زِدْ تُها عِلْماً تَرَاهُ) أي: الزائدَ، (مَوْضِعَهْ) مُتَميِّزاً (٢) أَوَّلَ كثيرٍ مِنْهُ بـ ((قلتُ))، أَوْ بدونِهِ، كأنْ يكونَ حكايةً عَنْ متأخّرٍ، عَنِ ابنِ الصلاحِ، أَوْ تعقُّباً لكلامِهِ بردٍّ، أَوْ نحوِهِ، أَوْ إيضاحاً لَهُ. وما لَمْ يتميَّزْ سأميِّزُهُ في محالِّهِ (٣). ٧ - فَحَيْثُ جَاءَ الفِعْلُ والضَّميْرُ ... لِواحِدٍ وَمَنْ لَهُ مَسْتُوْرُ (٤) ٨ - كَـ (قَالَ) أوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ مَا ... أُرِيْدُ إلاَّ ابْنَ الصَّلاحِ مُبْهَِما ٩ - وَإِنْ يَكُنْ لاثْنَيْنِ نَحْوُ (الْتَزَمَا) ... فَمُسْلِمٌ مَعَ البُخَارِيِّ هُمَا ١٠ - وَاللهَ أرجُوْ في أُمُوْرِي كُلِّهَا ... مُعْتَصَِماً في صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا وَقَدِ اصطَلَحَ عَلَى شيءٍ للاختصارِ في نظمه، فبيَّنَهُ بقولِهِ: (فحيثُ جاءَ الفعلُ والضميرُ) أي: أحدُهما (لواحدٍ) فقطْ (ومَنْ لَهُ) أي: الفعلُ أَوْ الضميرُ (مستورُ) أي: غَيْرُ مذكورٍ، كـ (قَالَ)، وله (أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ، مَا أُريْدُ) بكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ (إلاَّ ابنَ الصَّلاحِ مُبْهَما) بتلكَ الألفَاظِ بفتحِ الهاءِ (٥): حالٌ من

стр. 79

مفعولِ ((أريدُ)) (١)، وبكسرِها: حالٌ من فاعلِهِ (٢)، مَعَ أنَّ هَذَا يُغنِي عَنْهُ إطلاقُ تِلْكَ الألفاظِ: إذِ المتبادرُ مِنْها الإبهامُ. (وإنْ يَكُنْ) أي (٣): ما ذكر من الفعلِ أَو (٤) الضميرِ (لاثنينِ نحوُ) قولِك: (التَزَما) كقولِهِ: (واقْطَعْ بصحةٍ لِمَا قَدْ أسنَدا) (٥). وقولِه: (وأرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْويُّهُما) (٦). (فَمُسْلِمٌ مَعَ البُخَارِيِّ هُمَا)، وَهُمَا: إماما المحدِّثينَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ المغيرةِ بنِ بَرْدِزْبَه (٧) الجُعْفِيُّ البُخَارِيُّ، وأبو الحسينِ مُسْلِمُ بنُ الحجَّاجِ بنِ مسلمٍ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ. وقدَّمهُ عَلَى البخاريِّ - مَعَ أنَّ البخاريَّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ رتبةً (٨) - اكتفاءً بما هُوَ معلومٌ، أَوْ بتعبيرِه بـ ((مَعَ)) المُشْعِرةِ بتبعيِّةِ ما قبلَها لما بعدَها، أَوْ لضرورةِ النَّظْمِ عِندَهُ. (واللهَ) لا غيرَ (أَرْجوْ) أي: أؤمِّلُ (في أُمُوْرِيْ كُلِّها) الدنيويةِ والأخرويةِ (معتصَماً) بفتحِ الصادِ تمييزٌ للنسبةِ. أي: أرجوه من جهةِ العِصْمَةِ بمعنى الحِفْظِ. وبكسرِها (٩) حالٌ من فاعلِ (أرجو) (١٠) بِجَعْلِ العِصْمَةِ بمعنى المنعِ من المعصيةِ (١١) أي: مانعاً نفسي منها (١٢) بلطفِ اللهِ تعالى في أموري كلِّها.

стр. 80

(في صَعْبِها وسَهْلِها) عطفُ بيانٍ عَلَى (في أموري) (١) أَوْ بدلٌ مِنْهُ. أَقْسَامُ الْحَدِيْثِ ١١ - وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ ... إلى صَحِيْحٍ وَضَعِيْفٍ وَحَسَنْ ١٢ - فَالأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الإسْنَادِ ... بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَادِ ١٣ - عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوْذِ ... وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوْذِي (وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ) أي: الحَدِيثِ. أي: مُعْظَمِ أَهْلِهِ (قَسَّمُوا السُّنَنْ) المضافةَ للنبيِّ ﷺ قولاً، أَوْ فعلاً، أَوْ تقريراً أَوْ صِفَةً أَوَّلاً، وبالذاتِ (إلى: صَحِيحٍ وَضَعيفٍ وَحَسَنْ)؛ لأنَّها إنِ اشتملَت من أوصافِ القبولِ عَلَى أعلاها؛ فالصحيحُ، أَوْ عَلَى أدناها؛ فالحسنُ، أَوْ لَمْ تشتملْ عَلَى شيءٍ منها: فالضعيفُ (٢). وقدَّمَهُ عَلَى الحسنِ مَعَ أَنَّهُ مؤخّرٌ عَنْهُ رتبةً، بَلْ لا يُسَمَّى سُنةً؛ لضرورةِ النظمِ عندَه، أَوْ لرعايةِ مقابلتِه بالصحيحِ. قَالَ: وتعبيرِي بالسُّنَّةِ أولى من تعبيرِ الخطَّابيِّ وغيرِهِ بالحديثِ؛ لأنَّهُ لا يختصُّ عِنْدَ بعضِهم بالمرفوعِ، بَلْ يَشْمَلُ الموقوفَ، بخلافِ السُّنَّةِ. وبما قالَهُ عُرِفَ أنَّ بينَهُمَا عموماً مطلقاً. (فالأولُ) يعني: الصحيحَ (٣) المجمعَ عَلَى صحتِهِ عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، هُوَ: المتنُ (المُتَّصِلُ الإسْنَادِ) الذي هُوَ: حكايةُ طريقِ المتنِ، (بِنَقْلِ عَدْلٍ)، وَهُوَ

стр. 81

مَنْ لَهُ مَلَكَةٌ تحمِلُهُ عَلَى ملازمةِ التَّقْوى والمروءةِ (١). والمرادُ: عدلُ الروايةِ لا عدلُ الشهادةِ؛ فَلا يختصُّ بالذَّكَرِ الحرِّ (٢). (ضَابطِ الفُؤَادِ) أي: حازمِ (٣) القلبِ، (عَنْ) أي: بنقلِ عَدْلٍ عَنْ (مِثْلِهِ) مِنْ أوَّلِ السَّنَدِ إلى آخرِهِ. بأنْ ينتهيَ إلى النَّبيِّ ﷺ أخذاً مِمَّا قَالهُ الناظمُ آنفاً، أَوْ إلى الصحابيِّ، أَوْ إلى مَنْ دونَهُ؛ ليشمَلَ الموقوفَ وغيرَهُ، كَمَا قالَهُ غيرُه. ولا يُنافيهِ تفسيرُ السُّنَّةِ بما مرَّ؛ لأنَّ القِسْمَ قَدْ يكونُ أعمَّ مِنَ المُقْسَمِ، كقولِكَ (٤): الحيوانُ إمَّا أبيضُ أَوْ غيرُه، والأبيضُ: إما عاجٌ، أَوْ غيرُه. (منْ غَيْرِ ما شُذُوذِ) بزيادةِ ما (و) غيرِ (عِلَّةٍ قادحةٍ)، فهذه خمسةُ قيودٍ لا ستةٌ؛ للاغتناءِ بقوله: (بنقلِ عدلٍ) عَنْ قولِه (٥): (عَنْ مِثْلِهِ). فخرجَ بالأوَّلِ مِنْها: المنقطعُ، والمرسلُ، والمعضلُ الآتي بيانُها في ... محالِّها (٦). وبالثَّانِي: ما في سنَدِهِ مَنْ عُرِفَ ضَعْفُهُ، أَوْ جُهِلَتْ عينُهُ أَوْ (٧) حالُهُ، كما سيأتي (٨). وبالثالثِ: ما في سنَدِهِ مُغَفَّلٌ كثيرُ الخطإِ، وإن عُرِفَ بالصدْقِ والعدالةِ، لعدَمِ ضَبْطِهِ (٩).

стр. 82

والضَّبْطُ - كما سيأتي - ضبطُ صَدْرٍ، وَهُوَ: أنْ يُثْبِتَ الراوي ما سمعَهُ بحيثُ يتمكنُ من استحضارِهِ متى شاء. وضَبْطُ كتابٍ، وَهُوَ: صيانتُهُ عندَهُ منذُ سَمِعَ فيهِ وصحَّحَه، إلى أنْ يؤديَ (١) مِنْهُ (٢). والمرادُ بالضَّبْطِ (٣): الضَّبْطُ التَّامُّ، كما يُفْهِمُهُ الإطلاقُ المحمولُ عَلَى الكاملِ؛ فيخرجُ الحسَنُ لذاتِه المُشْتَرطِ فِيهِ مُسَمَّى الضَّبْطِ فَقَطْ. لكن قَدْ يُقالُ: يلزمُ عَلَيْهِ (٤) خروجُه إذَا اعتضدَ وصارَ صحيحاً لغيرِهِ. ويجابُ: بأنَّ التعريفَ للصحيحِ لذاتِهِ. وخرجَ بالرَّابعِ: الشَّاذُّ (٥)، وَهُو: ما خالفَ فِيهِ الراوي مَنْ هُوَ أرجحُ مِنْهُ (٦)؛ كما سيأتي في بابهِ مَعَ زيادةٍ. ولا يرِدُ عَلَيْهِ الشاذُّ الصحيحُ عِنْدَ بعضِهِم؛ لأنَّ التعريفَ للصحيحِ المجمَعِ عَلَى صحتِهِ - كما مرَّ - لا مطلقاً. وبالخامسِ (٧): ما فِيهِ عِلَّةٌ (٨) قادحةٌ؛ كإرسالِهِ، وسيأتي بيانُها مَعَ بَيَانِ غيرِ القادحةِ. ومن قيَّدها بكونها خفيَّةً (٩) لَمْ يُردْ إخراجَ الظاهرةِ؛ لأنَّ الخفيَّةَ إذَا أثَّرت فالظاهرةُ أولى، وإنَّما قيَّدَ بِذَلِكَ؛ لأنَّ الظاهرةَ راجعةٌ إلى ضعفِ الرَّاوي، أَوْ عدمِ اتِّصالِ السَّند، وذلك محتَرَزٌ عَنْهُ بما مرَّ.

стр. 83

(فتوذيْ) أي: العلةُ القادحةُ صِحَّةَ الحديثِ. أي: تمنعُ من الحكمِ والعمل بِهِ، وهذا تصريحٌ (١) بما علِم. واعْلَمْ: أنَّ الصَّحِيحَ قسمانِ كالحسَنِ؛ لأنَّ المقبولَ من الحَدِيثِ إنِ اشْتَملَ من صفاتِ القبولِ عَلَى أعلاها، فَهُوَ الصَّحِيحُ لذاتِهِ. أَوْ لا، فإنْ وُجِدَ ما يجبرُ قصورَهُ كَكَثْرةِ الطُّرُقِ؛ فَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْضَاً، لكنْ لا لذاتِهِ (٢). أَوْ لَمْ يوجدْ ذَلِكَ، فَهُوَ الحَسَنُ لذاتِهِ. وإنْ قامِتْ قرينةٌ تُرجِّحُ قَبُولَ ما يُتَوقَّفُ فِيهِ، فَهُوَ الحسنُ أَيْضاً، لكنْ لا لذاتِهِ، كَذَا ذكرَهُ شيخُنا (٣). ١٤ - وَبالصَّحِيْحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا ... في ظَاهِرٍ لاَ الْقَطْعَ، وَالْمُعْتَمَدُ ١٥ - إمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلى سَنَدْ ... بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطْلَقاً، وَقَدْ ١٦ - خَاضَ (٤) بهِ قَوْمٌ فَقِيْلَ مَالِكُ ... عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ ١٧ - مَوْلاَهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ ... الشَّافِعِيْ قُلْتُ: وعَنْهُ أَحْمَدُ (وبالصَّحِيحِ والضَّعِيفِ) في قولِهم: هَذَا حديثٌ صحيحٌ، أَوْ ضعيفٌ، (قَصَدُوا) الصِّحةَ والضعفَ (في ظاهرٍ) أي: فيما ظهرَ (٥) لهُم عملاً (٦) بظاهرِ الإسنادِ (لاَ الْقَطْعَ) بصحتِه، أَوْ ضَعْفِهِ في نفسِ الأمرِ؛ لجوازِ الخطإِ والنسيانِ عَلَى الثقةِ، والضَّبْطِ والصِّدْقِ عَلَى غيرِه (٧).

стр. 84

والقطعُ إنَّما يُستفادُ مِنَ المتواترِ (١)، أَوْ مِمَّا احْتَفَّ بالقرائِنِ (٢). وخالف ابنُ الصَّلاحِ فيما وَجَدَ في " الصَّحِيْحَيْنِ "، أَوْ أحدِهما، فاختارَ القطعَ بصِحَّتِهِ (٣)، وسيأتي بيانُهُ في حكمِ " الصَّحِيْحَيْنِ ". فـ (بالصَّحيْحِ والضَّعِيفِ) متعلِّقٌ بـ (قَصَدُوا) و (في ظاهرٍ) متعلِّقٌ (٤) بمحذوفٍ، و (القطعَ) معطوفٌ عَلَى المحذوفِ، أَوْ عَلَى محلِّ (في ظاهرٍ) أي: قَصدُوا الصِّحةَ والضعفَ ظاهراً لا قطعاً. وسكَتَ كغيرِهِ عَنْ الحَسَنِ، إما لِشُمُولِ الصَّحيحِ لَهُ بأَنْ يُرادَ بِهِ المقبولُ، أَوْ لأنَّهُ يُعْرَفُ بالمقايَسَةِ. (وَالْمُعتَمَدُ) عَلَيْهِ (إمْسَاكُنا) أي: كفُّنا (عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدْ) معيَّنٍ. والسنَدُ: الطريقُ الموصِلَةُ إلى المتْنِ. وتقدَّمَ تعريفُ الإسنادِ (٥). وعبَّرَ عَنْهُ البدرُ بنُ جَمَاعَةَ (٦) بأنَّهُ: ((الإخبارُ عَنْ طريقِ المتْنِ، وعن الإسنادِ بأنَّهُ: رفعُ الحديثِ إلى قائِلِهِ)). قَالَ: ((والمُحدِّثونَ يسْتَعمِلونَهما لشيءٍ واحدٍ)) (٧). (بأنَّهُ أصَحُّ) الأسانيدِ (مُطلقاً)؛ لأنَّ تفاوتَ مراتبِ الصَّحِيحِ مُرتَّبٌ (٨) عَلَى تمكّن الإسناد من شروطِ الصِّحَّةِ ويَعْسُر الاطِّلاعُ عَلَى ارْتِفاعِ (٩) جَمِيْعِ رِجَالِ تَرْجَمةٍ

стр. 85

واحدةٍ إلى أعلى صفاتِ (١) الكمالِ من سائرِ الوجوهِ (٢) (وَقَدْ خَاضَ) أي: اقْتَحَمَ الغمرات (٣) (بِهِ) أيْ: بالحُكمِ بأنَّهُ أصَحُّ مُطلقاً (قَوْمٌ) فَتَكَلّموا فِيهِ واضطربت فِيهِ أقوالُهُم بِحَسَبِ اجْتِهَادِهم (فَقِيلَ) يعني قَالَ البُخَارِيُّ (٤): أصَحُّ الأسانِيدِ (مَالِكُ عَنْ نافعٍ بِمَا) أي بالذي (رَوَاهُ) لَهُ (النَّاسِكُ) أي: العابدُ (مَوْلاهُ) أيْ: مَوْلى نافعٍ أي: مُعْتِقُهُ -بكسرِ التاءِ-. وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَر بنِ الخطَّابِ، وَكَانَ جديراً بوصْفِهِ بالنُّسْكِ؛ لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِ بِالأخْبارِ النَّبويَّةِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ النَّبيُّ ﷺ : ((نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، فَكانَ بَعْدُ لا يَنَامُ مِنَ اللَّيلِ إلاَّ قليلاً)) (٥). وفي قَوْلِ النّاظمِ في شرْحِهِ (٦): ((أصحُّ الأسانيدِ مَا رواهُ مَالِكٌ)) تَجَوُّزٌ؛ لأنَّ مَا رواهُ متنٌ لا سندٌ فكانَ حَقُّهُ أنْ يَقُولَ كابنِ الصَّلاحِ: أصحُّ الأسَانِيدِ مَالِكٌ ... الخ، وكذا الكلامُ في نظائِرِهِ الآتيةِ. (واخْتَرْ) إذَا قُلْتُ بذلِكَ، وزِدْتَ راوياً عَنْ مَالِكٍ (حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ) إمامُنا (الشَّافِعيْ) - بالإسكان - للوزن أَوْ لِنِيَّةِ الوقفِ. إنَّ أصحَّ الأسانيدِ: الشَّافِعيُّ، عَنْ مالكٍ، عَنْ نافعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ؛ فَقَدْ (٧) قَالَ الأستاذُ أَبُو منصورٍ التميميُّ (٨): إنَّهُ أجلُّ الأسانيدِ، لإجماعِ (٩) أهلِ الحديثِ عَلَى أنَّهُ لَمْ

стр. 86

يَكُنْ في الرُّواةِ عَنْ مالكٍ أجلُّ مِنَ الشَّافِعيِّ (١). فمفعولُ (اخْتَرْ) محذوفٌ، أَوْ مَا بَعْدَهُ بمعنى: اخْتَر مَحَلَّ إسْنَادِ الشَّافِعيِّ المذكورِ، وَهُوَ سَنَدُهُ، أَوْ مَفْعُولُهُ الشَّافِعيّ [أَوْ ضميرٌ يعودُ إِليهِ] (٢) بطريقِ التنازُعِ. (قلتُ: و) اخْتَرْ أَيْضاً -إذَا قلتَ بذلكَ، وزدتَ راوياً- عَنْ الشَّافِعيِّ حيثُ (عَنْهُ) يُسنِدُ الإمامُ (أَحْمَدُ) بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبلٍ إنَّ أصحَّ الأسانيدِ: الإمامُ أَحْمَدُ، عَنْ الشَّافِعيِّ، عمَّنْ ذَكَرَ؛ لاتِّفاقِ أهلِ الحديثِ عَلَى أنَّ أجلَّ مَنْ أخذَ عَنْ الشَّافِعيِّ من أهلِ الحديثِ: أَحْمَدُ (٣). ولم يَقَعْ مِن ذَلِكَ في " مُسْنَدِه " (٤) إلاَّ حديثٌ واحدٌ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الشَّافِعيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نافعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: ((لاَ يَبِيْعُ (٥) بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَنَهى عَنْ حَبَلِ الحَبَلَةِ (٦)، وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيْبِ كَيْلاً)). وأخرجه البخاريُّ (٧) مفرَّقاً من حديثِ مالكٍ.

стр. 87

١٨ - وَجَزَمَ ابْنُ حَنْبَلٍ بالزُّهْرِي ... عَنْ سَالِمٍ أَيْ: عَنْ أَبيهِ البَرِّ ١٩ - وَقِيْلَ: زَيْنُ العَابِدِيْنَ عَنْ أَبِهْ ... عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ ٢٠ - أَوْ فَابْنُ سِيْريْنَ عَنِ السَّلْمَاني ... عَنْهُ أوِ الأعْمَشُ عَنْ ذِي الشَّانِ ٢١ - النَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ ... عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ (وَجَزَمَ) الإمامُ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ (١)، هُوَ (ابنُ حَنْبَلٍ)، وكذا إسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ (٢) (بالزُّهْرِي) أي: بأن أصحَّ الأسانيدِ - وإن كَانَتْ عبارةُ الأوَّلِ ((أجودُها)) - أبو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمِ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ ابنِ شهابٍ الزهريُّ، (عَنْ سالِمٍ)، هُوَ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، (أي): راوياً، (عَنْ أبيهِ): عبدِ اللهِ (البَرِّ) - بفتحِ الباءِ -أي (٣): المُحْسِنِ في جميعِ أعمالِ البِرِّ - بكسرِها -.

стр. 88

(وقيلَ:) يعني: وَقَالَ عَبدُ الرَّزاقِ بنُ هَمَّامٍ (١): أصحُّ الأسانيدِ: (زينُ العابِدينَ) عَلِيُّ بنُ الحسينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، (عَنْ أَبِهْ) الحسينِ-بحذفِ الياء عَلَى لغةِ النقصِ- عَلَى حدِّ: بأبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ في الكَرَمْ ... [وَمَنْ يُشَاْبِهْ أَبَهُ فَمَاْ ظَلَمْ] (٢) (عَنْ جَدِّهِ): عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ. (وابْنُ شهابٍ) أي: والحالةُ أنَّ الراوي (عَنْهُ) أي: عَنْ زَيْنِ العَابِدينَ ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ (بِهْ) أي: بالسَّنَدِ المذكورِ. وحاصلُهُ أنَّ أصحَّ الأسانيدِ: ابنُ شهابٍ، عَنْ زينِ العابدينَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ. (أَوْ فابْنُ سيْريْنَ): أَوْ هُنا وفيما يأتي، لَيْستْ للتخييرِ ولا للشكِّ، بَلْ لتنويعِ الخلافِ، كَما قَالَ (٣)، فالمعنى عَلَى الواو يعني. وَقَالَ عَمْرُو (٤) بنُ عليٍّ الفَلاَّسُ (٥)، وغيرُهُ (٦): أصحُّ الأسانيدِ: أَبُو بكرٍ مُحَمَّدُ بنُ سيرينَ الأنصاريُّ، (عَنْ) أبي عَمْرٍو عَبيدةَ - بفتح العين (٧) - (السَّلْمَاني) - بإسكان اللام -، عَلَى الصَّحِيح، نِسبةً إلى سَلْمَانَ، حيٍّ مِن مُرَادٍ (٨)، قَالَ ابنُ الأثيرِ: ((والمُحَدِّثونَ يفتحون اللام)) (٩). (عَنْهُ) أي: عَنْ جدِّ زينِ العابدينَ، وَهُوَ عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ كما مرَّ.

стр. 89

(أَوْ) يعني: وَقَالَ يحيى بنُ مَعين: أصحُّ الأسانيدِ: سليمانُ بنُ مِهْرانَ (الأعمشُ عَنْ ذي الشَّانِ) أي: الحالِ (١) إِبْرَاهِيمَ بنِ يزيدَ بنِ قيسٍ (النَّخَعِيْ) - بالإسكانِ - للوزنِ، أَوْ لِنِيَّةِ الوقفِ نسبةً للنَّخَعِ قبيلةٍ من اليَمَنِ (٢) (عَنِ ابنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ): عبدِ اللهِ (٣). فجملةُ الأقوالِ التي في النَّظْمِ خَمْسةٌ، وَهِيَ التي حَكَاهَا ابنُ الصَّلاحِ (٤). قَالَ الناظمُ: ((وفي المسْأَلةِ أقوالٌ أُخَرُ ذكرتُها في "الشرحِ الكبيِر")) (٥). جملتُها عَلَى ما ذكرهُ ستةٌ، ويُمْكنُ (٦) الزيادةُ عليها. (وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ) من زِيادتِه أي: واعْتُبْ (٧) مَنْ عمَّمَ الحكمَ بأصحّيةِ الأسانيدِ في ترجمةٍ واحدةٍ، لصحابيٍّ واحدٍ، بأنْ جعلَهُ عامّاً لجميعِ الأسانيدِ كأنْ يقولَ: أصحُّ الأسانيدِ: مالكٌ عَنْ نافعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ كما مرَّ لشدَّةِ الانتشارِ. والحاكِمُ بِذَلِكَ عَلَى خَطَرٍ مِنَ الخطإِ، كَمَا قِيلَ بمثلهِ في قولهِم: ليسَ في الرُّواةِ مَنْ اسمُهُ كَذَا سِوى فلانٍ. بَلْ - إنْ كَانَ ولابُدَّ - ينبغي لَهُ أَنْ يُقيِّدَ كُلَّ ترجمةٍ بصحابيِّها، أَوْ بالبلدةِ التي مِنْها أصْحَابُ تِلْكَ الترجمةِ - كما اختارهُ الحاكِمُ (٨) -؛ لأنَّهُ أقَلُّ انتشاراً، فيقولَ: أصحُّ

стр. 90

أسانيدِ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سالمٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّه. وأصحُّ أسانيدِ ابنِ عُمَرَ: مالكٌ، عَنْ نافعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ. وأصحُّ أسانيدِ المكِّيِّينَ: سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عَنْ عَمرِو بنِ دينارٍ، عَنْ جابِرٍ. وأصحُّ أسانيدِ اليَمانِيِّينَ: مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. وأصحُّ أسانيدِ المِصْريِّينَ: الليثُ، عَنْ يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عَنْ أبي ... الخيرِ، عَنْ عُقْبةَ بنِ عامر. وهكذا (١). قَالَ النَّوَوِيُّ في "أذكارهِ" (٢): ((ولا يلزمُ من هذِهِ العبارة صِحَّةُ الحديثِ؛ فإنهم يقولونَ: ((هَذَا أصحُّ مَا جاءَ في البابِ)) وإن كَانَ ضعيفاً، ومرادُهُم أرجحُه أَوْ أقلُّه ضَعْفاً)). انتهى. ومِن ذَلِكَ: أصحُّ مسلسلٍ، وسيأتي في مَحلِّهِ. واقتصرَ في النَّظْمِ عَلَى تكلُّمِهِم - عَلَى اختلافِهِم - في أصحيِّةِ الأسانيدِ؛ لأنَّها الأَهَمُّ، وإلاَّ فَقَدْ تَكَلَّموا عَلَى أوْهَاهَا، كما قَالَ الحاكمُ (٣) وغيرُهُ (٤): أَوْهَى أسانيدِ أبي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ (٥) بنُ إسماعِيلَ، عَنْ داودَ بنِ يزيدَ الأَوْدِيِّ (٦)، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. وأَوْهَى أسانيدِ ابنِ مَسْعُودٍ: شَرِيْكٌ، عَنْ أبي فَزَارةَ، عَنْ أبِي زيدٍ، عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ. وأَوْهَى أسانيد أنَسٍ: داودُ بنُ المُحَبَّرِ (٧) عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبَانَ بنِ أبي عَيَّاشٍ (٨)، عَنْ أنسٍ. وفائدتُه: ترجيحُ بعضِها عَلَى بعضٍ، وتمييزُ ما يَصْلُحُ للاعتبارِ مما لا يصلحُ لَهُ (٩). واللهُ تَعَالَى هُوَ الموَفِّقُ (١٠).

стр. 91

أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ ٢٢ - أَوَّلُمَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتَّرْجِيْحِ ٢٣ - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ (أوَّلُ مَنْ صنَّفَ) في (١) الحديثِ (الصَّحِيحِ) الإمامُ (مُحَمَّدٌ)، هُوَ ابنُ إسماعيلَ البخاريُّ (٢)، ولا يَرِدُ " موطأُ " الإمامِ مَالِكٍ؛ لأنَّهُ وإنْ كَانَ سابِقاً؛ فمؤلِّفُهُ لَمْ يتقيَّد بالصَّحِيحِ الذي مَرَّ تعرِيفُه؛ لأنَّه أدْخلَ فِيهِ المُرسلَ، والبلاغَ، والمقطوعَ، ونحوَها عَلَى سبيلِ الاحتجاجِ؛ فليس هُوَ أولُ مَنْ صنَّفَ في الصحيحِ (٣)؛ لانصرافِ الصَّحِيحِ بقرينةِ ((ال)) العهديةِ إلى الصَّحيحِ المذكورِ. (وخُصَّ) أي: البخارِيُّ، أي (٤): صحيحُهُ (بالتَّرجيحِ) أي: بترجيحِ (٥) مَا أسندَهُ فِيهِ دُوْنَ تعاليقِه، وتراجِمِهِ (٦)، وأقوالِ الصحابةِ، وغيرِهِم عَلَى سائرِ الصِّحَاحِ؛ لِتَقدُّمِهِ عَلَى غيرِهِ في الفنِّ. (و) الإمامُ (مُسْلِمٌ) أي: صحيحُه (بَعْدُ) أي: بعدَ صحيحِ البُخَارِيِّ وضعاً بلا نزاعٍ، وصِحَّةً؛ كَمَا ذهب إِليهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ المشهورُ (٧).

стр. 92

(وَبَعْضُ) أهلِ (١) (الغَرْبِ مَعْ) حافظِ عصرِهِ (أَبِي عَلِيٍّ) الحسينِ بنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابوريِّ (٢)، شيخِ الحاكمِ (فَضَّلُوا ذَا) أي: صحيحَ مسلمٍ عَلَى صحيحِ البخاريِّ (٣)، لَكِنْ (لَوْ نَفَعْ) تفضيلُهم لقُبِلَ مِنْهُمْ، لكنَّهُ لَمْ ينفعْ؛ لِعَدمِ تصريحِهِم بالتفضيلِ - وإن كَانَ كلامُهم ظاهراً فِيهِ عُرفاً - ولأنَّ البُخَارِيَّ اشتَرطَ في الصِّحةِ اللُّقِيَّ (٤)، وَمُسْلِمٌ اكتَفَى بالمعاصرةِ، وإمكان اللُّقِيِّ، ولاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ عَلَى أنَّ البُخَارِيَّ أجلُّ مِنْهُ، وأَعْلمُ مِنْهُ بصناعةِ الحَدِيثِ، مَعَ أنَّ مُسلماً تلميذُهُ، حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ((لولا البخاريُّ لما راحَ مسلمٌ، ولا جاءَ)) (٥). وَقِيلَ: هُما سَوَاءٌ (٦). وَقِيلَ: بالوقف. وبالجملةِ فكتاباهُما أصحُّ كُتبِ الحَدِيثِ. وأمَّا قولُ الشافعيِّ: ((مَا عَلَى وجهِ الأرضِ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تعالى أصحُّ من كتابِ مالكٍ)) (٧) فذاكَ قبلَ وجودِهِما (٨).

стр. 93

وما ذُكِرَ فِيهِمَا من الضُّعفاءِ كمَطرٍ الورَّاقِ، وبَقِيَّةَ، وابنِ إسحاقَ، ونُعْمَانَ بنِ راشدٍ، لَمْ يذكرْ عَلَى سبيلِ الاحتجاجِ بَلْ عَلَى سبيل المتابعةِ والاستشهادِ، أَوْ ذُكِرَ لعُلوِّ الإسنادِ، أَوْ هُوَ ضعيفٌ عِنْدَ غيرِهما، ثقةٌ عِنْدَهُما (١). ولا يُقالُ: الجَرْحُ مُقَدَّمٌ [عَلَى التَّعْدِيلِ] (٢)؛ لأنَّ شَرْطَ قَبولِهِ بيانُ السببِ، حَكَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ (٣)، عَنِ ابنِ الصلاحِ وأقرَّهُ (٤). ولكنْ قَالَ شيخُنا في تفضيل البُخَارِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ: إنَّ البُخَارِيَّ يَذكُرُ هؤلاءِ غالباً في المتابعاتِ، والاستشهاداتِ، والتعليقاتِ بخلافِ مُسْلِمٍ، فإنَّهُ يَذْكُرُهُم كثيراً في الأصولِ والاحتجاجِ (٥). انتهى. ٢٤ - وَلَمْ يَعُمَّاهُ وَلَكِنْ قَلَّمَا ... عِنْدَ ابنِ الاخْرَمْ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا ٢٥ - وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ ... لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلاَّ النَّزْرُ ٢٦ - وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي ... أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ (٦) أَلفِ أَلْفِ ٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ ... لَهَا وَمَوْقُوْفٍ، وفي البُخَارِي ٢٨ - أَرْبَعَةُ الآلافِ (٧) والمُكَرَّرُ ... فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفاً ذَكَرُوا

стр. 94

(و) مَعَ كَوْنِ كتابَيْهِمَا أصَحَّ (لَمْ يَعُمَّاهُ) أي: الصَّحِيحَ. أي: لَمْ يستوعِبا فيهما كلَّ صَحِيْحٍ عَلَى شرطِهما فضلاً عَنْ مُطلقِه، كما صرَّحا بِذَلِكَ (١). فإلزامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وغيرِهِ إياهُمَا بأحاديثَ عَلَى شرطِهما ليس بلازمٍ (٢). (وَلكنْ قَلَّمَا) حديثٌ (عِنْدَ) الحافظِ أبي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بنِ يعقوبَ النَّيْسابوريِّ (٣) (ابْنِ الاخْرَمْ) - بالدَّرجِ وبالخاءِ المعجمة - شيخِ الحاكِمِ، وميمُهُ مدغمةٌ في ميمِ (مِنْهُ) أي: مِنَ الصَّحِيحِ (قَدْ فَاتَهُمَا) في كتابَيْهِمَا (٤). وحقُّ ((قَلَّمَا)) أنْ يليَها الفعلُ صريحاً (٥)، لكنَّهُ (٦) أخَّرَهُ للضرورةِ عندهُ، كما قِيلَ بِهِ في قَوْلِ المَرَّارِ (٧) (٨): صَدَدْتِ (٩) فأَطْوَلْتِ (١٠) الصُّدُودَ (١١) وَقَلَّمَا (١٢) ... وِصَالٌ عَلَى طُوْلِ الصُّدُودِ (١٣) يَدُوْمُ

стр. 95

فـ ((مَا)) كافةٌ إن وُصِلَت بـ ((قلَّ)) كَمَا تَقَرَّرَ، وَفِي نسخةٍ فصلُها عَنْهَا، فهي موصولةٌ، وَهِيَ (١) أولى لسلامتِها مِمَّا (٢) مرَّ (٣). (وَرُدَّ) أي: ردَّهُ (٤) ابنُ الصلاحِ بأنَّ ذَلِكَ كثيرٌ لا قليلٌ، كما يُعلم (٥) مِنْ (٦) ((مستدرَكِ)) الحاكمِ عَلَيْهِمَا (٧). (لكِنْ قَالَ) الشَّيْخُ (٨) (يحيى) النَّوَوِيُّ (البَرُّ) أي: المُحْسِنُ في جميعِ أعمالِ البِرِّ، بَعْدَ تصحيحِه لما قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ: وَالصَّوَابُ أنَّهُ (لَمْ يَفُتِ) الأصولَ (الخَمْسةَ): الصَّحِيْحَيْنِ، وسننَ أبي دَاوُدَ، والترمذيَّ، والنسائيَّ (إلاَّ النَّزْرُ) أي: القليلُ (٩).

стр. 96

(وفِيْهِ) أي: فِي كلامِ النَّوَوِيِّ (مَا فِيْهِ) أي: ضَعْفٌ ظاهرٌ (لِقَولِ الجُعْفِي) أي: البُخَارِيِّ، نسبةً لجدِّ أبيهِ المغيرةِ، لكونِه مَوْلى ليمانٍ الجعفيِّ، والي (١) ((بُخارى)) (٢): (أَحْفَظُ مِنْهُ) أي: من الصحيحِ (عُشْرَ أَلْفِ ألْفِ) حَدِيثٍ أي: مئةَ ألفٍ كما عَبَّر بها (٣) حَيْثُ قَالَ: ((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ)) (٤). والأصولُ الخمسةُ فضلاً عَنْ " الصحيحينِ " أقلُّ من ذَلِكَ بكثيرٍ؛ ففاتَهما كثيرٌ. (وعَلَّهُ) لغة في ((لَعَلَّ)) (٥) أي: وَلَعَلَّ البُخَارِيَّ (أراد) بلوغَ ما حَفِظَهُ من الأحاديثِ العددَ المذكورَ (بالتَّكْرارِ لَها، وَمَوْقُوفٍ) أي: بَعْدَ المُكَرَّرِ والموقوفِ منها. أي: وما أُلْحِقَ بِهِ من آثارِ الصَّحَابَة، وغيرِهم مَعَ غيرِ المُكَرَّرِ؛ فلا (٦) ينافي كلامَهُ كلامَي ابنِ الأخرمِ والنوويِّ (٧). عَلَى أَنَّ شيخَنا قَالَ (٨): والظاهرُ أنَّ ابنَ الأخْرَم إنّما أرادَ ما فاتَهُمَا مِمَّا عَرَفاهُ، واطَّلَعا عَلَيْهِ مِمَّا يبلُغُ شرطَهما لا بقيدِ كتابَيْهما، كما فَهِمَهُ ابنُ الصَّلاحِ. قَالَ: وقولُ النوويِّ: ((لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ إلاّ القليلُ)) مُرادُه من أحاديثِ الأحكامِ خاصَّةً، أما غيرُها فكثيرٌ (٩).

стр. 97

ثُمَّ بيَّنَ الناظِمُ عِدَّةَ أحاديثِ " صَحِيْحِ (١) البُخَارِيِّ " بقولِهِ: (وفي) صحيحِ (البُخَارِي) منها بغيرِ تكرارٍ: (أربعةُ الآلافِ، والمكرَّرُ) منها (فوقَ ثلاثةٍ أُلُوفاً) - بنصبِهِ تمييزاً -، يعني: ثلاثةَ آلافٍ ومئتينِ، وخمسةً وسبعينَ حديثاً عَلَى ما (ذَكَرُوا) أي: جماعةٌ من رُواتِه (٢). فجملةُ مَا فِيهِ مِنَ المُكَرَّر وَغَيْرِهِ: سبعةُ آلافٍ ومئتانِ وخمسةٌ وسبعونَ. كَذَا جزمَ بِهِ ابنُ الصلاح (٣)، وَمُخْتَصِرُو كلامِهِ (٤). قَالَ النَّاظِمُ (٥): ((هُوَ مسلَّمٌ في رِوَايَة الفِرَبْرِيِّ (٦)، وأما رِوايةُ حمادِ بنِ شاكرٍ، فهي دونَها بمئتي حديثٍ، ودونَ هذِهِ بمئةِ حديثٍ روايةُ إِبْرَاهِيمَ بنِ معقلٍ)) (٧). وردَّهُ شيخُنا بأنَّ عِدَّةَ أحاديثِ البُخَارِيِّ في رِوَايَةِ (٨) الثلاثةِ سواءٌ، وإنما حصلَ الاشتباهُ من جهةِ أنَّ الأَخِيْرَيْنِ فاتَهما من سَماعِ " الصَّحِيحِ " عَلَى البُخَارِيِّ ما ذُكِرَ من آخرِ الكتابِ فرويَاهُ بالإجازةِ؛ فالنَّقْصُ إنَّما هُوَ في السَّماعِ، لا في الكِتَابِ (٩).

стр. 98

قَالَ: ((والذي تحرَّرَ لي أنَّها بالمُكَرَّرِ - سوى المعلَّقاتِ، والمتابعاتِ، والموقوفاتِ، والمقطوعاتِ - سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعةٌ وتسعونَ حديثاً. وبغيرِ المكَرَّرِ مِنَ المُتُونِ الموصُولَةِ ألفَانِ وستُّ مئةٍ وحَدِيْثَانِ، ومِنَ المُتُونِ المعلَّقةِ المرفوعةِ التي لَمْ يُوصِلْها في موضعٍ آخرَ مِنْهُ: مئةٌ وتسعةٌ وخمسونَ. فمجموعُ غيرِ المكرّرِ ألفانِ وسبعُ مئةٍ وواحدٌ وستون)) (١). قَالَ النَّاظِمُ: ((ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ عِدَّةَ أحاديثِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ ذكرَ النَّوَوِيُّ أنَّهَا نحوُ: أربعةِ آلافٍ بإسقاطِ المُكَرَّرِ)) (٢). ولم يذكُرْ عدَّتَها بالمكرّرِ، وَهِيَ تزيدُ عَلَى عِدَّةِ كتابِ البُخَارِيِّ، لكَثْرةِ طُرُقِهِ. قَالَ: ((ورأيتُ عَنْ أبِي الفضلِ أَحْمَدَ بنِ سَلَمَةَ (٣): أنَّهَا اثنا عَشَرَ ألفاً)). قَالَ الزَّرْكَشِيُّ - بَعْدَ نقلِهِ كلامَ ابنِ سَلَمَةَ -: ((وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ المَيَانَجِيُّ (٤): إنَّها ثمانيةُ آلافٍ)) (٥). قَالَ: ((ولعلَّ هَذَا أقربُ)) (٦). قَالَ شَيْخُنا: ((وقولُ الناظِمِ: ((وفي البُخاري إلى آخرهِ)) جعلَهُ فائدةً مستقلةً (٧) زائدةً، وليس مراداً لابنِ الصَّلاحِ. بَلْ هُوَ تَتِمّةُ ردِّهِ لكلامِ ابنِ الأخرمِ؛ بمعنى

стр. 99

أنَّ كلامَهُ يَردُّ بأنَّ مَا فَاتَ البخاريَّ ومسلماً أكثرُ مِمَّا خَرَّجاهُ، لقولِ البخاريِّ: ((أحفظُ مِنْهُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ)) (١) وليس في كتابهِ بالنسبةِ إليها إلا القليلُ: فإنَّ جميعَ ما فِيهِ بغيرِ تكرارٍ أربعةُ آلافٍ، وبالتكرارِ نحوُ سبعةِ آلافٍ، ومسلمٌ أكثرُ ما يَكُونُ فِيهِ نَحْو ذَلِكَ كما مَرَّ، ففاتهما كثيرٌ لا قليلٌ (٢). أما أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُطلقاً فابنُ جُريجٍ بمكّةَ (٣)، ومالكٌ وابنُ أبي ذِئْبٍ بالمدينةِ، والأوزاعيُّ بالشامِ، والثوريُّ بالكوفةِ، وسعيدُ بنُ أبي عَرُوْبةَ، والربيعُ بنُ صَبِيْحٍ، وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ بالبصرةِ، ومَعْمَرُ بنُ راشدٍ، وخالدُ بنُ جَمِيْلٍ باليمنِ، وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ بالرَّيِّ، وابنُ المباركِ بخراسانَ (٤). وهؤلاء في عصرٍ واحدٍ فلا يُدرَى أيُّهم أسبقُ، ذكرَهُ شيخُنا كالناظم (٥). الصَّحِيْحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُن عَلَى شرطِهما: ٢٩ - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصّْ ... صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنَّفٍ يُخَصّْ ٣٠ - بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِيْ ... (وَابنِ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَكِ ٣١ - عَلى تَسَاهُلٍ - وَقَالَ: مَا انْفَرَدْ ... بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ ٣٢ - بِعِلَّةٍ، وَالحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا ... يَليْقُ، والبُسْتِيْ يُدَانِي الحَاكِما (وَخُذْ) بَعْدَ معرفتِك أن مؤلِّفَيْهِما لَمْ يستوعِباه (زِيادةَ الصَّحِيحِ إذْ) أي: حيثُ (تُنَصّْ) أي: تُرفَعُ (صِحَّتُهُ) بأنْ يَنُصَّ عليها إمامٌ معتمَدٌ كأبي داودَ، والتِّرمذيِّ،

стр. 100

والنَّسائيِّ، والدَّارَقُطْنِيِّ، والخَطَّابيِّ، والبيهقيِّ في مصنَّفاتِهم الشَّهِيرةِ أَوْ في غيرِها (١)، وصحَّ الطريقُ إليهم. أَوْ ينصَّ عَليْهَا حينئذٍ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لَهُ تصنيفٌ مِنَ الأئِمةِ، كيحيى بنِ سعيدِ القَطَّانِ، وابنِ مَعِينٍ؛ خِلافاً لابنِ الصَّلاحِ حيثُ قَيَّدَ بالمصنفاتِ الشهيرةِ بناءً عَلَى مَا ذهبَ إِليهِ من أَنهُ ليسَ لأحدٍ في هذِهِ الأَعْصارِ أن يُصَحِّحَ الأحاديثَ، كَمَا سيأتي. وإنما تَبِعَهُ النوويُّ في التَّقْييدِ هُنا (٢) بذلكَ اكتِفاءً بما صحَّحَهُ بَعْدُ مِنْ أنَّ لَهُ ذَلِكَ، فلتؤخذ زيادةُ الصحيحِ من جَمِيْع ذَلِكَ (٣). (أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ) - بِفَتحِ النُّونِ - (يُخَصّْ بجمْعِهِ) أي: الصَّحِيحَ، (نَحْوَ) صحيحِ الإمامِ مُحَمَّدٍ أبي حاتِمِ (ابنِ حِبَّانَ) - بكسر الحاء -، البُسْتيِّ (الزَّكِيْ) أي: الزاكي. سُمِّي بِهِ لنموِّهِ في الصفاتِ الجميلةِ، ومُصَنَّفُهُ مُسَمًّى بـ: "التقَاسِيمِ والأنواعِ" (٤). (و) نحوَ صحيحِ الإمامِ مُحَمَّدِ أبي بكرٍ (ابنِ) إسحاقَ بنِ (خُزَيْمَةَ) شيخِ ابنِ حِبَّانَ (٥). (وَكَالمُسْتَدْرَكِ) عَلَى " الصَّحيحينِ " مِمّا فاتَهُما للحاكِمِ أبي عَبدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ االنَّيْسَابوريِّ حالةَ كونِهِ (٦) (عَلَى تَساهُلٍ) مِنْهُ فِيهِ بإدخالِهِ فِيهِ عدَّةَ أحاديثَ

стр. 101

ضعافٍ وموضوعاتٍ إمَّا لأنَّهُ لَمْ يتيسَّرْ لَهُ تحرِيرُهُ، أَوْ لأنَّهُ صنَّفَهُ أواخرَ عُمُرِهِ، وَقَدْ تغيَّر حالُه، أَوْ لغيرِ ذَلِكَ (١). وبالجُمْلَةِ فَهُوَ معروفٌ عِنْدَ أهلِ العِلمِ بالتَّساهُلِ في التصحيحِ (٢). (وَ) لهذا (قَالَ) ابنُ الصلاحِ: (ما انفردْ) أي: الحاكمُ (بِهِ) أي: بتصحيحِهِ لا بتخرِيجِهِ فقط، ولا مَا شَارَكَهُ (٣) غيرُهُ في تصحيحِهِ (فَذاكَ) إن لَمْ يَكُن صَحيحاً، فَهُوَ (حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ) - بتشديدِ الدالِ - (بـ) ظهورِ (عِلَّةٍ) توجبُ ضَعْفَهُ (٤). فابنُ الصَّلاحِ جَعَلَ ما انْفردَ الحاكمُ بتصْحِيحِهِ، ولمْ يكن مَردوداً، دائراً بَيْنَ الصَّحِيحِ والحسَنِ، احتياطاً، لا حَسَناً مُطلقاً، كما اقْتَضاهُ النَّظمُ، وإن جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وغيرُه مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تحكُّماً (٥). ويُمكِنُ تصحيحُ ذَلِكَ بأنْ يقالَ: إنَّه حَسَنٌ في الحُكْمِ مِن حيثُ الحجِّيَّةُ، وإنْ لَمْ يَتَميَّزْ فِيهِ الصَّحيحُ من الحسَنِ اصطلاحاً. ثُمَّ بَيَّنَ الناظمُ تحريرَ ذَلِكَ فَقَالَ: (والحقُّ أَنْ) يُتَتَبَّعَ (٦) كتابُهُ بالكشفِ عَنْهُ (٧)

стр. 102

و (يُحْكَمْ) (١) بالجزمِ في لغةٍ أَوْ بالإخفاءِ فيما يأتي عَلَى كُلِّ حديثٍ غيرِ مردودٍ (بما يَليقُ) بِهِ من الصِّحَّةِ، أَوْ الحُسْنِ، أَوْ الضَّعْفِ. ولما كَانَ رأيُ ابنِ الصلاحِ؛ أنَّه ليسَ لأحدٍ فِي هذِهِ الأعصارِ أَنْ يصحِّحَ حديثاً، قُطِعَ النظرُ عَنْ تتبُّعِ ذَلِكَ (٢). (و) ابنُ حِبَّانَ (البُسْتيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِنِيَّةِ الوقفِ، وبِضمِّ الموحدةِ - نسبةً إلى ((بُسْتَ)) (٣) مدينةٍ ببلادِ (٤) كابُلَ (٥) (يُداني) أي: يُقاربُ (الحاكِمَا) - بألفِ الإطلاقِ - في التَّساهُلِ، وإنْ شرطَ في كتابِه ما يقتضي أنَّه لا يتساهَلُ، فَهُوَ أخفُّ تساهلاً من الحاكمِ (٦). قَالَ الحافظُ أَبُو بكرٍ مُحَمَّدُ (٧) بنُ مُوسَى الحازميُّ: ((ابنُ حِبَّانَ أمكنُ في الحديثِ من الحاكمِ)) (٨). وعلى كُلِّ حالٍ لابُدَّ من تتبُّعِ كتابِهِ للتمييزِ أَيْضاً.

стр. 103

الْمُسْتَخْرَجَاتُ ٣٣ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي ... عَوَانَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِبِ ٣٤ - عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا ... إذْ خَالَفتْ لَفْظاً وَمَعْنىً رُبَّمَا ٣٥ - وَمَا تَزِيْدُ (١) فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِهْ ... فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ ٣٦ - وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقيْ وَمَنْ عَزَا ... وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِيْ مَيَّزَا المستخرجاتُ جمعُ مُسْتَخْرَجٍ، وَهُوَ مُشْتقٌّ مِنَ الاستخراجِ، وَهُوَ: أَنْ يأتيَ (٢) حافظٌ إلى " صَحِيْحِ البُخَارِيِّ " - مثلاً - فيوردُ أحاديثَهُ بأسانيدَ لنفسِهِ من غيرِ طَريقِ البُخَارِيِّ إلى أَنْ يلتقي مَعَهُ في شيخِهِ، أَوْ في مَنْ فَوقَهُ (٣). قَالَ شيخُنا: ((وَشَرْطُهُ: أن لا يصِلَ إلى شيخٍ أبعدَ مَعَ وجودِ سَندٍ يُوصِلُهُ إلى الأقربِ إلا لغرضٍ من عُلُوٍّ (٤) أَوْ زيادةِ حكمٍ، أَوْ نحوِهِ، وإلاَّ فَلا يُسَمَّى مُسْتَخْرَجاً)) (٥). (واسْتَخْرَجُوا) أي: جمعٌ من الحُفَّاظِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لكُلٍّ من البُخَارِيِّ، ومسلمٍ بقرينةِ ما يأتي، وإنْ لَمْ يختصَّ الاستخراجُ بهما، بَلْ ولا بالصحيحِ. والمخرِّجُونَ علِيهما أَوْ عَلَى أحدِهما كثيرٌ (كأبِي عَوَانَةٍ) - بالصرف للوزن - يعقوبَ بنِ إسحاقَ الإسْفَرَايِيْنيِّ (٦)، استخرجَ عَلَى " صَحِيْحِ مُسْلِمٍ " (٧).

стр. 104

(ونحوِهِ) هَذَا عُلِمَ (١) مِنَ الكَافِ - أي: ونحوِ أبي عَوَانَةَ كأبي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ إسماعيلَ (٢)، استخرج عَلَى " صَحِيْحِ البُخَارِيِّ ". وكأبي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ البَرْقَانيِّ (٣)، وأبي نُعَيمٍ الأصفهانيِّ (٤)، استخرجَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى " الصَّحِيْحَيْنِ ". والمخرِّجُونَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَلتزموا لفظَهما، بَلْ رَوَوْهُما بالألفاظِ التي وَقَعتْ لَهُم عَنْ شيوخِهم (٥). (و) لهذا قَالَ: كَغيرِهِ للناقلِ مِنَ المُستخرَجاتِ عَلَيْهِمَا: (اجْتَنِبِ) وجوباً (عَزْوَكَ) أي: نِسْبَتَك (ألفاظَ المُتُونِ) أي: الأحاديثَ التي تنقلُها منها. (لَهُمَا) حيثُ توردُها للحُجَّةِ، كما في المُصنَّف عَلَى أبواب الأحكامِ لا عَلَى غيرها (٦) كالمعاجمِ والمشيخاتِ نَقَلَهُ شيخُنا عَنْ ابنِ دقيقِ العيدِ وأَقَرَّهُ (٧) فَلا تقلْ: أَخْرجَهُ الشيخانِ بهذا اللّفظِ إلاَّ بَعْدَ مُقابلَتِهِ، أَوْ تصريحِ المخرِّج بِهِ (٨). (إذْ) قَدْ (خَالَفَتْ) أي: المستخرجاتُ " الصحيحينِ " لفظاً كثيراً لتقيُّدِ مخرِّجيهما بألفاظِ رواتِهم، كَما مَرَّ، (وَمَعْنًى) غيرَ منافٍ قليلاً (ربَّما).

стр. 105

فـ ((رُبَّما)) داخلةٌ عَلَى (خَالَفَتْ) أي: رُبَّمَا خالفتهما لفظاً ومَعْنًى، وَهِيَ تستعملُ تارةً للتكثيرِ، وتارةً للتقليلِ بناءً عَلَى الأصحِّ أنَّها لا تَخْتَصُّ بأحدِهِما، وَقَدْ استُعملَتْ هنا فِيْهِمَا معاً كَمَا تَقرَّرَ (١)، فَهُوَ من استعمالِ المشْتَركِ في مَعنَيَيْهِ، وإنْ كَانَ الشارحُ جَعلَها مستعلمةً في الثَّاني فَقَطْ (٢). والمُتونُ: جمعُ ((مَتْنٍ)) مِنَ المُمَاتَنَةِ، وَهِيَ: المبَاعدةُ في الغايةِ (٣)؛ لأنَّ المتنَ غايةُ السَّندِ. أو مِنَ المتْنِ، وَهُوَ: ما صلُبَ وارتفعَ مِنَ الأرضِ (٤)؛ لأنَّ راوِي الحَدِيثِ يقوِّيهِ بالسَّندِ، وَيَرفعُه بِهِ (٥) إلى قائِلِه. (وَمَا تَزِيْدُ) - بالمثناةِ فوقُ أَوْ تحتُ - أي: المستَخْرَجاتُ، أَوْ المستَخْرجُ من تتمَّةِ كلامٍ، أَوْ زيادةِ شرحٍ لحديثٍ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ، وَوُجِدَتْ شروطُ الصِّحَّةِ في رُواةِ المخرِّجِ (فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِهْ) (٦)، ثُمَّ أشارَ إلى فوائدِ الاستخراجِ، فقال: (فَهُوَ) أي: ما يُزادُ (مَعَ العُلُوِّ) أي: علوِّ الإسْنادِ الذي هُوَ جلُّ قصدِ المخرِّجينَ (من فائدتِهْ) وزادَ لفظةَ ((مِنْ)) ليفيدَ أنَّ لَهُ فوائدَ أُخرَ، منها: القوَّةُ بكَثْرَةِ الطُّرُقِ للتَّرْجِيحِ عِنْدَ المعارضةِ (٧)، ومنها: ١ - تسميةُ المُبْهَمِ والمُهْمَلِ (٨).

стр. 106

٢ - والتصريحُ بالمدَلِّس. ٣ - واتِّصَالُ المُرْسَل. ٤ - ووصلُ المعلَّق (١). ومثالُ العلوِّ: أنَّ أبا نُعيمٍ الأصبهانيَّ (٢) - مثلاً - لَوْ رَوى حديثاً عَنْ عبدِ الرَّزاق من طريقِ البخاريِّ - مثلاً - لَمْ يصلْ إِليهِ إلاَّ بأربعةٍ، اثنانِ بينَهُ وبين البخاريِّ، والبخاريُّ (٣) وشيخُهُ. وإذا رواهُ عَنِ الطَبرانيِّ، عَنْ إسحاقَ بنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيِّ -بفتحِ الموحَّدةِ- عَنْهُ، وصلَ إِليهِ باثنينِ فَقَطْ. وأشارَ إلى جَوابِ سؤالٍ بقولِهِ: (وَالأَصْلَ) - بالنصبِ - بقوله: (يَعْني) الإمامُ أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ الحُسَينِ (البَيْهَقِيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لنيةِ الوقفِ - نِسْبةً لـ ((بَيْهَقَ)) قرىً مجتمعةٍ بنواحي نَيْسَابورَ - في " السُّننِ الكُبرى "، و " المعرفَةِ "، وغيرِهما (وَمَنْ عَزَا) أي: نَسَبَ للشيخينِ، أَوْ أحدِهما، كالإمامِ أبي مُحَمَّدٍ الحُسَينِ بنِ مسعودٍ البَغَوِيِّ، في " شَرْحِ السُّنَّةِ ". كأنَّه قِيلَ: فالبَيْهَقِيُّ، والبَغَوِيُّ، وغيرُهما يَرْوونَ الحديثَ بأسانِيدِهم، ثُمَّ يعزونَهُ للشيخينِ أَوْ أحدِهما، مَعَ اختلافِ اللفظِ، أَوْ المعنى (٤). فأجابَ: بأنَّهم إنَّما عَنَوْا بعَزْوِهم أَصْلَ (٥) الحديثِ، لا عزوَ ألفاظِهِ (٦).

стр. 107

(وَلَيْتَ إذْ زَادَ) الحافظُ أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أبي نَصْرٍ (الحُمَيديْ) (١) - بالإسكانِ للوزنِ، أَوْ لِنيةِ الوقْفِ، وبالتَّصْغِيرِ - نسبةً لجدِّهِ الأعلى: حُمَيْدٍ الأندلسيِّ في كتابهِ " الجمعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ " ألفاظاً (٢) (مَيَّزا) أي: ليتَهُ ميَّزَها عَنْ ألفاظِ " الصَّحِيحِ " في جَمِيْعِ كِتابهِ، وإلا فَقَدْ مَيَّزَ في الأكثر مِنْه، بَلْ قِيلَ: في جَميعِهِ (٣). فيقول بَعْدَ إيرادِهِ الحديثَ: اقْتَصَرَ مِنْهُ البُخَارِيُّ - مَثلاً - عَلَى كَذَا، أَوْ زادَ فِيهِ فُلاَنٌ كَذَا، أَوْ نحوُ ذَلِكَ. وَقَدْ لا يُمَيِّزُ فينقلُ مَنْ لا يُمَيِّزُ (٤) بعضَ ما يجِدُهُ فِيهِ عَنِ " الصَّحِيْحَيْنِ "، أَوْ أحدِهما، وَهُوَ مخطئٌ، لكونِه زيادةً ليْسَتْ في واحدٍ منهما. أما الجمعُ بينهما لعبدِ الحقِّ (٥) ومختصراتُهما، فلَكَ أن تعزوَ منها لَهما، ولو باللفظِ؛ لأنَّهم أتوا فِيها بألفاظِهِما، ذَكَرَهُ النَّاظِمُ (٦). ومن نَظْمِ الحُمَيدِيِّ (٧): لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيْدُ شَيْئاً ... سِوَى الهَذَيَانِ مِنْ: قِيْلٍ وَقَالِ فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إلاَّ ... لأَخْذِ العِلْمِ، أَوْ إصْلاَحِ حَالِ

стр. 108

مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ ٣٧ - وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ... ثُمَّ البُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ، فَمَا ٣٨ - شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي ... فَمُسْلِمٌ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفِي ٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ ... فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ مراتبُ الصَّحِيحِ مُطلقاً، وَهِيَ تتفاوتُ بِحَسَبِ تمكُّنِهِ من شروطِ الصِّحَّةِ، وَعَدم تمكُّنِهِ منها (١). (وأرفعُ الصَّحِيحِ مرويُّهما) أي: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ؛ لاشتمالهِ عَلَى أعْلى مقتضياتِ الصِّحَّةِ، ويعبَّرُ عَنْهُ (٢) بـ ((المتَّفقِ عَلَيْهِ)) أي: بما اتَّفَقا عَلَيْهِ، لا بِما اتَّفقَ عَلَيْهِ الأمَّةُ، لَكنَّ اتفاقَهما عَلَيْهِ لازمٌ من ذَلِكَ؛ لاتفاقِها عَلَى تلقِّي ما اتَّفَقَا عَلَيْهِ بالقَبولِ (٣). (ثُمَّ) مرويُّ (البُخَارِيُّ) وَحْدَهُ؛ لأنَّ شَرْطَهُ أضْيَقُ كما مَرَّ (فَـ) مرويُّ (مُسلِمٌ) وَحْدَهُ لمشاركتِهِ للبخاريِّ في اتِّفاقِ الأمَّةِ عَلَى تلقِّي كِتابِهِ بالقبول. (فما شَرْطَهُمَا) أي: فما (حَوَى) أي: جَمَعَ شرْطَهُمَا، والمرادُ بِهِ رُواتُهما، أَوْ مثلُهم مَعَ باقي شُروطِ الصَّحِيحِ من اتصالِ السَّندِ، ونفي الشُّذوذِ والعلَّةِ (٤). (فَـ) مَا حَوَى (شَرْطُ الجُعْفِي) أي: البُخَارِيُّ (فـ) مَا حَوَى شرطُ (مُسْلِمٌ فَـ) مَا حَوَى (شَرْطُ غَيْرٍ) (٥) أي: غيرُهما من سائرِ الأئمَّةِ (٦).

стр. 109

فهذهِ سبعةُ أقسامٍ، وَهِيَ شاملةٌ للمتواترِ الَّذِي هُوَ أرفعُها، وللمشهورِ (١) وَهُوَ: ((ما لَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنينِ)) (٢)، ولما وُصِف بأنَّه أصحُّ الأسانيدِ، ولغيرِها ممَّا أوْرِد عَلَى الحصْرِ فيها (٣). مَعَ أنَّ المتواترَ لا يضرُّ خروجُه؛ إذ لا يُشتَرَطُ فِيهِ عَدالةُ الراوِي (٤)، فليس هُوَ من الصَّحِيحِ الذي مَرَّ تعريفُهُ. نَعَمْ، يَرِدُ عَلَيْهِ ما وُصِفَ بأنَّه أصحُّ الأسانيدِ، ولم يُخْرِجْهُ الشيخانِ، ومشهورٌ ليسَ مِنَ المتفقِ عليهِ، ولكنْ توقَّفَ شَيْخُنا في رُتْبَتِهِ هل هِيَ قبلَ (٥) المتّفقِ عَلَيْهِ، أَوْ بعدَهُ؟ (٦) واعْلَمْ: أنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ للمُفُوَّقِ ما يُصيِّرُهُ فَائِقاً (٧)، كأَنْ يجيءَ من طُرُقٍ يبلغُ بها التواترَ (٨)، أَوْ الشهرةَ القويةَ.

стр. 110

كما لَوْ كَانَ الحديثُ الذي لَمْ يُخْرِجْهُ الشيخانِ من ترجمةٍ وُصِفَتْ بكونِها أصحَّ الأسانيدِ، كمالِكٍ، عَنْ نافعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ؛ فإنَّه يُقَدَّمُ عَلَى ما قبلَهُ، نبَّه عَلَيْهِ شيخُنا (١). ثُمَّ لَوْ لُوحِظَ الترجيحُ بَيْنَ شروطِ غيرِهما، كما لوحظَ في شروطِهما لزادتِ (٢) الأقسامُ، لكنَّ ما ذُكِر (يَكْفِي) في المقصودِ، والتصريحُ بهذا من زيادتِه. (وَعِنْدَهُ) أي: ابنُ الصلاحِ (التَّصْحِيحُ)، وكذا التحسينُ والتضعيفُ، (لَيْسَ يُمْكِنُ) حَيْثُ جَنَحَ لمنعِ الحُكْمِ بِذَلِكَ في الأَعْصارِ المتأخّرةِ الشاملةِ لَهُ (في عَصْرِنَا)، واقْتَصرَ فيها عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ في تَصانيفِهم المُعتمدةِ التي يُؤْمَنُ فيها - لشُهْرَتِها - مِنَ التغييرِ والتحريفِ، مُحتجّاً بأنَّه مَا مِنْ إسنادٍ إلاَّ وفي رُواتِه مَنِ اعتمدَ عَلَى ما في كتابِه عَرِيّاً (٣) عَنِ الضبطِ، والإتقانِ. قَالَ: ((فإذا وجدنا حديثاً صَحِيْحَ الإسنادِ، ولم نجدْهُ في أحدِ " الصحيحينِ " ولا منصوصاً عَلَى صِحَّتِهِ في شيءٍ من مُصنَّفاتِ أئمةِ الحديثِ المعتمدةِ المشهورةِ، فإنا لا نتجاسرُ عَلَى جَزْمِ الحُكْمِ بصِحَّتِهِ)) (٤). وصارَ مُعظمُ المقصودِ بما يُتداولُ من الأسانيدِ خارجاً من ذَلِكَ إبقاءً لسلسلةِ الإسنادِ التي خُصَّتْ بها هذِهِ الأُمَّةُ، زادَها اللهُ شَرَفاً. (وَقَالَ) أَبُو زكريّا (يَحْيَى) النَّوويُّ: الأظهرُ عندي: أنَّ ذَلِكَ (مُمْكنُ) لِمَنْ تمكَّنَ، وقويَتْ مَعْرِفَتُهُ (٥)؛ لأنَّ شروطَهُ لا تختصُّ بمعيَّنٍ من راوٍ، أَوْ غيرِهِ، إذ المقصودُ معانيها في السَّندِ، فإذا وُجِدَتْ فِيهِ رُتِّبَ (٦) عَلَيْهَا (٧) مُقْتَضاها (٨).
следующие страницы →