← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فَعَن ابنِ الْمَدِيْنِيِّ: ((إِذَا رَأيْتَ الْمُحَدِّثَ أَوَّلَ مَا يَكْتُبُ يَجْمعُ حَدِيْثَ الغُسْلِ، وَحَدِيْثَ: ((مَنْ كذَبَ عَلَيَّ))، فاكتب عَلَى قَفَاهُ: لا يُفْلِحُ)) (١). و (كَذَاكَ (٢) الاخْراجُ) - بالدرجِ - لما صَنَّف، أي: رأوْا كَرَاهَةَ إخْرَاجِهِ لِلنَّاسِ (بلا تَحْريرِ) وتَهْذِيبٍ، وتَكْرِيرٍ للنَّظَرِ فِيْهِ؛ لأنَّهُ يُوْرِثُ غَالِباً نَدماً، وتَعْييراً (٣)، وذماً (٤). العَالِي والنَّازِلُ (٥) (العَالِي والنَّازِلُ) مِنَ المسْنَدِ (٦)، وما مَعَهُمَا (٧) مِمَّا يَأْتِي: الإسْنَادُ خِصيْصَةٌ فَاضِلةٌ مِنْ خَصَائصِ هذِهِ الأُمَّةِ، قَالَ ابنُ المبارَكِ: ((الإسْنادُ مِنَ الدِّيْنِ، ولوْلاَ الإسْنادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ)) (٨).

стр. 527

وعَنْهُ قَالَ: ((مَثَلُ الذي يَطْلُبُ أمْرَ دِيْنِهِ، بلا إسْنادٍ، كَمثلِ الذي يَرْتَقِي السَّطْحَ بلاَ سُلَّمٍ)) (١). وعَنِ الثَّوْرِيِّ قالَ: ((الإسْنادُ سِلاحُ المؤْمِنِ، فإذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاحٌ فَبِأَيِّ شَيءٍ يُقَاتِلُ؟)) (٢). ٧٣٧ - وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَقَدْ ... فَضَّلَ بَعْضٌ النُّزُوْلَ وَهْوَ رَدّْ (وَطَلَبُ الْعُلُوِّ) في السَّنَدِ، أو قدم سَمَاعِ الرَّاوِي، أو وفَاتِهِ (٣) (سُنَّةٌ) عَنْ مَنْ سَلَفَ، وعَنْ مُحَمَّدِ بنِ أسْلمَ الطُّوسِيِّ، قَالَ: ((قربُ الإسْنادِ قُرْبٌ - أو قَالَ: قربةٌ - إلى اللهِ ) (٤). وَقَالَ الحَاكِمُ: ((إنَّ طلبَ العُلُوِّ سُنَّةٌ صَحِيْحَةٌ)) (٥) مُحْتَجّاً في ذَلِكَ (٦) بخبر أنَسٍ في مجيءِ ضمامِ بنِ ثَعْلَبةَ إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ ليسْمَعَ مِنْهُ مُشَافَهةً مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِهِ إليهِ؛ إذْ لوْ كَانَ طَلبُ العُلُوِّ غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ، لأنْكَرَ ﷺ (٧) سُؤالَهُ عَمَّا أَخْبَرَ بهِ رَسُولُهُ عَنْهُ، ولأمَرَهُ بالاقْتِصَارِ عَلَى خبرِ رَسُولِهِ عَنْهُ (٨).

стр. 528

لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لجوازِ أنْ يَكُونَ إنَّما جَاءهُ وسَأَلَهُ؛ لأنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ رَسُولَهُ (١)، أوْ لأنَّهُ أرادَ الاسْتِثْبَاتَ لاَ العُلُوَّ. (وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ) مِنْ أهلِ النَّظَرِ (النُّزُولَ) أي: طَلَبَهُ؛ إذْ عَلَى الرَّاوِي أنْ يَجْتَهِدَ في مَعْرِفَةِ جَرْحِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ، وتَعْدِيْلِهِ، والاجْتِهَادُ في أحْوَالِ رُواةِ النَّازِلِ أكْثَرُ، فَكَانَ الثَّوابُ فِيهِ أوْفَرَ (٢). (وهْوَ) أي: هَذَا القَوْلُ (رَدّْ) أي: مَرْدُودٌ لِضَعْفِهِ، وضَعْفِ حُجَّتِهِ. قَالَ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ: ((لأنَّ كَثْرَةَ المشَقَّةِ لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِهَا)) (٣). قَالَ: ((ومُرَاعاةُ المَعْنَى المقْصُودِ مِنَ الرِّوَايَةِ - وَهُوَ الصِّحَّةُ - أولَى)) (٤). وأَيَّدَهُ النَّاظِمُ بأَنَّهُ: ((بِمَثَابَةِ مَنْ يَقْصدُ المسْجِدَ لِصَلاةِ الجَمَاعَةِ، فَيَسْلُكُ طَرِيْقَةً بَعِيدَةً؛ لِتَكْثِيْرِ الخُطَا، وإنْ أدَّاهُ سُلُوكُها إلى فَواتِ الجَمَاعةِ التِي هِيَ المقْصُودُ (٥))). وَذَلِكَ أنَّ المقْصُودَ مِنَ الحَدِيْثِ التَّوَصُّلُ إلى صِحَّتِهِ، وبُعْدُ الوَهَمِ، وكُلَّمَا كَثُرَ رِجَالُ الإسْنَادِ تَطَرَّقَ إليهِ احْتِمَالُ الخَطَأِ والخَلَلِ، وكُلَّمَا قَصرَ السَّنَدُ كَانَ أسْلَمَ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَكُونَ رِجَالُ السَّنَدِ النَّازِلِ أوْثَقَ، أوْ أحْفَظَ، أوْ أفْقَهَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ البابِ)) (٦).

стр. 529

٧٣٨ - وَقَسَّمُوْهُ خَمْسَةً فَالأَوَّلُ ... قُرْبٌ مِنَ الرَّسُوْلِ وَهْوَ الأَفْضَلُ ٧٣٩ - إِنْ صَحَّ الاسْنَادُ (١) وَقِسْمُ القُرْبِ ... إلى إِمَامٍ وَعُلُوٍّ نِسْبِي ٧٤٠ - بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ إِذْ ... يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيْقِهَا أُخِذْ (وَقَسَّمُوْهُ) أي: قَسَّمَ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ، كَأبي الفَضْلِ بنِ طَاهِرٍ (٢)، وابنِ الصَّلاحِ العُلُوَّ أقْسَاماً (خَمْسَةً) (٣)، وإنِ اخْتَلَفَ كَلاَمُ هذينِ في مَاهِيَّةِ بَعْضِهَا. وتَرْجِعُ الثلاَثَةُ الأُوَلُ مِنْها إلى عُلُوِّ مَسَافَةٍ، وَهُوَ قِلَّةُ العَدَدِ، والأخِيْرانِ إلى عُلُوِّ صِفَةٍ في الرَّاوِي، أو شَيْخِهِ (٤). (فَالأَوَّلُ) مِنْها: عُلُوٌّ مُطْلَقٌ، وَهُوَ: مَا فِيهِ (قُرْبٌ مِنَ الرَّسُولِ) ﷺ بالنَّظَرِ لِسَائِرِ الأسَانِيْدِ، أوْ لإِسْنَادٍ آخَرَ فأَكْثَرَ، لِذلِكَ الحَدِيْثِ بِعَيْنِهِ (٥). (وَهْوَ) أي: هَذَا القِسْمُ (الأفْضَلُ) والأجَلُّ، (إنْ صَحَّ الاسْنَادُ (٦)) - بالدرجِ -؛ لأنَّ القُرْبَ مَعَ ضَعْفِ الإسْنَادِ لا اعْتِبَارَ بهِ (٧). (و) الثَّانِي مِنْها: عُلُوٌّ نِسْبِيٌّ، وَهُوَ: (قِسْمُ القُرْبِ إلى إمامٍ) مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيْثِ، وإنْ كَثُرَ العَدَدُ إلى النَّبيِّ ﷺ ، أو لَمْ يَكُنِ الإمامُ مِنْ أرْبَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، كَالأعْمَشِ، وابنِ جُرَيْجٍ، والأوْزَاعِيِّ، وشُعْبَةَ، والثَّوْرِيِّ مَعَ صِحَّةِ الإسْنادِ إليهِ أيضاً. (و) الثَّالِثُ مِنْها: (عُلُوٍّ نِسْبِي) أيْضاً، لَكِنْ (٨) مُقَيَّدٌ (بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ) مَثَلاً " الصَّحِيْحَيْنِ " و " السُّنَنِ الأرْبَعَةِ " (٩) (إذْ يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيْقِها أُخِذْ) أي: نُقِلَ

стр. 530

أي (١): إذْ لَوْ رَوَيْنا الحَدِيْثَ مِنْ طريقِ كِتَابٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ يَقَعُ أنزَلَ مِمَّا لَوْ رَوَيْناهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيْقِها. وقَدْ يَكُونُ عَالِياً مُطْلَقاً أيضاً، كَحَدِيْثِ ابنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعاً: ((يَوْمَ كَلَّمَ اللهُ مُوْسَى عَلَيْهِ (٢) السَّلامُ كَانَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوْفٍ))، الحَدِيْثَ (٣). فإنَّا لَوْ رَوَيْناهُ مِنْ ((جُزْءِ ابنِ عَرَفَةَ))، عَنْ خَلَفِ بنِ خَلِيفَةَ، يَكُونُ أعْلَى مِمَّا لَوْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَريقِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بنِ حُجْرٍ، عَنْ خَلَفٍ. فَهَذَا - مَعَ كَوْنِهِ عُلواً نِسْبِيّاً - علوٌّ مُطْلَقٌ؛ إِذْ لا يقعُ هَذَا الْحَدِيْثُ اليَوْمَ أعْلَى مِن رِوايَتِهِ مِن هَذَا الطَّرِيقِ (٤). وسَمَّى ابنُ دَقِيقِ العِيدِ هَذَا القِسمَ عُلُوَّ التَّنْزِيلِ (٥)، وَفِيْهِ تَقَعُ الْمَوافَقَاتُ والأبْدَالُ، والْمُسَاوَاةُ والْمُصَافَحاتُ (٦)، كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ: ٧٤١ - فَإِنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ قَدْ وَافَقَهْ ... مَعَ عُلُوٍّ فَهُوَ (٨) الْمُوَافَقَهْ ٧٤٢ - أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ فَالْبَدَلْ ... وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدّاً قَدْ حَصَلْ ٧٤٣ - فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ وَحَيْثُ (٧) رَاجَحَهْ ... الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ (فإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (في شَيْخِهِ) أي: شَيْخِ أحدِ الأئِمَّةِ السِّتةِ، (قَدْ وَافَقَهْ)، كَحَدِيْثٍ يَرويهِ البُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ (٩) عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيِّ، عَنْ حميدٍ،

стр. 531

عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعاً، فإذا رَوَيْنَاهُ مِن " جُزْءِ الأنْصَارِيِّ " يَقَعُ مُوافَقَةً لِلبُخَارِيِّ في شَيْخِهِ (مَعَ عُلُوٍّ) بِدَرَجَةٍ، كَمَا في هَذَا، وَقَدْ يَكُوْنُ بأكْثَرَ، (فَهُوَ) -بِضَمِّ الْهَاءِ (١) - (الْمُوَافَقهْ)؛ لأنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا في الأنْصَارِيِّ (٢). (أَوْ) إنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَهُ في (شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ) أي: مَعَ عُلوٍّ بِدَرَجةٍ، فَأَكْثَرَ، كَحَدِيْثِ ابنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ. (فَ) هُوَ (البدلْ)، لِوُقُوعِهِ مِنْ طَرِيقِ رَاوٍ بَدلِ الرَّاوِي الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَحَدُ السِّتَّةِ، وَقَدْ يُسمُّونَهُ مُوافَقَةً مُقيَّدةً، فيُقَالُ: هُوَ مُوافَقَةٌ في شَيْخِ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ مَثَلاً (٣). وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَقْيّيدِ الْمُوافَقَةِ، والبَدَلِ بالعُلُوِّ ذكرَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٤)، لَكِنْ خالَفَهُ غَيْرُهُ فَأطْلَقُوهُمَا بِدونِهِ، فإنْ عَلاَ قِيْلَ: مُوافَقَةٌ عَالِيةٌ، أَوْ بَدَلٌ عَالٍ، نبَّه عَلَى ذَلِكَ النَّاظِمُ (٥). (وإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (سَاوَاهُ) أي: أَحَدُ السِّتَّةِ (عَدّاً قَدْ حَصَلْ) أي: مِنْ جِهَةِ العَدَدِ الْحَاصِلِ لَهُ في السَّنَدِ، بأنْ يَكُوْنَ بَيْنَ الْمُخرِّجِ، وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ في الْمَرْفُوعِ، أَوْ الصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ قبلَهُ في غَيْرِهِ إِلَى شَيْخِ أحدِ السِّتَّةِ، كَمَا بَيْنَ أحد السِّتَّة، وأحد من ذَكَرَ مِن العَدَدِ (فَهْوَ (٦) الْمُسَاواةُ) لكنَّهَا مَفْقُودَةٌ الآنَ (٧). (وَحَيْثُ رَاجَحَهْ الأصْلُ) أي: عَلاَ سَنَدُ أحَدِ السِّتَّةِ (بالوَاحِدِ) أي: براوٍ (٨) واحِدٍ عَلَى سَنَدِ الْمُخْرِّجِ (فَ) هُوَ (الْمُصَافَحَهْ) لَهُ، بِمَعْنَى أنَّ الْمُخَرِّجَ كأنَّهُ لقيَ أحدَ السِّتَّةِ، وَصَافَحَهُ بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ.

стр. 532

وَمَعَ كَوْنِهِ مُصَافَحَةً لَهُ، هُوَ مُسَاوَاةٌ لِشَيْخِهِ، فَإنْ كَانَتْ الْمُسَاوَاةُ لِشَيخِ شَيْخِهِ، كَانَتْ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِهِ، أَوْ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِهِ كَانَتْ (١) لِشَيخِ شَيْخِهِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ (٢) مُصَافَحَةً، لِجَرَيَانِ العَادَةِ غَالِباً بِهَا بَيْنَ الْمُتَلاَقِيَيْنِ (٣). ٧٤٤ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاةِ ... أَمَّا الْعُلُوُّ لاَ مَعَ الْتِفَاتِ (٤) ٧٤٥ - لآخَرٍ فَقِيْلَ لِلْخَمْسِيْنَا ... أَو الثَّلاَثِيْنَ مَضَتْ سِنِيْنَا ٧٤٦ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ السَّمَاعِ ... وَضِدُّه النُّزُوْلُ كَالأَنْوَاعِ ٧٤٧ - وَحَيْثُ ذُمَّ فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ ... وَالصِّحَّةُ الْعُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ (ثُمَّ) الرَّابِعُ مِنَ الأقْسَامِ: (عُلوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ الوَفَاةِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بِالنّسبَةِ لِرَاوٍ آخَرَ مُتَأَخِّرِ الوَفَاةِ عَنْهُ شَارَكَهُ في الرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ. فمَنْ سَمِعَ " سُنَنَ أَبِي داودَ " عَلَى الزكيِّ عَبْدِ العَظِيمِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى (٥) النَّجِيبِ الْحَرَّانِيِّ، ومَنْ سَمِعَهُ عَلَى النَّجِيبِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى ابنِ خَطيبِ الْمِزَّةِ والفَخْرِ ابنِ البُخَارِيِّ، وإنْ اشْتَرَكَ الأرْبَعَةُ في رِوَايَتِهِ عَنْ شَيخٍ واحِدٍ، وَهُوَ ابنُ طَبَرْزَذْ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الزَّكيِّ عَلَى النَّجِيْبِ، وَوفَاةِ النَّجِيْبِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ. وقضيةُ ذَلِكَ أنَّهُ (٦) يَكُوْنُ أَعْلِى إسْنَاداً سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَ (٧) سَمَاعُهُ أَمْ اقْتَرَنَ أَمْ تَأخر؛ لأنَّ مُتَقَدِّمَ الوَفَاةِ يَعِزُّ وُجودُ الرُّوَاة (٨) عَنْهُ بالنَّظَرِ لِمُتأخِّرِهَا، فَيرغبُ في تَحْصِيلِ مَرْوِيِّهِ (٩).

стр. 533

لَكِنَّ الأخْذَ بِالقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَحلُّهُ في غَيْرِ (١) تأخُّرِ السَّمَاعِ لَهُ أخذاً مِمَّا يَأْتِي في القِسْمِ الْخَامِسِ. ثُمَّ هَذَا في العُلُوِّ المفادِ مِنْ تَقَدمِ الوَفَاةِ مَعَ الالتِفَاتِ لِنِسْبَةِ شَيْخٍ إِلَى شَيخٍ. (أمَّا العُلُوُّ) المفادُ مِن مُجَرَّدِ تَقَدُّمِ وَفَاةِ الشَّيخِ (لاَ مَعَ التِفَاتِ لآخَرٍ) - بالصَّرْفِ للوزنِ - أي: لِشَيخٍ آخَرَ، فَقَدْ اخْتُلِفَ في وَقْتِهِ، (فَقِيلَ): يَكُونُ (لِلْخَمْسِينَا) مِنَ السِّنِينِ مَضَتْ بَعْدَ (٢) وَفَاتِهِ (٣)، (أَوْ الثَّلاَثِينَ مَضَتْ) بَعْدَ وَفاتِهِ (سِنِينَا) أي: مِنَ السِّنِينِ (٤). (ثُمَّ) خَامِسُ الأقْسَامِ: (عُلُوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ السَّمَاعِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ آخرَ شارَكَهُ في السَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ، أَوْ لِرَاوٍ سَمِعَ مِن رَفيقِ شَيْخِهِ، فالأوَّلُ أعْلَى، وإنْ تَقَدَّمَتْ وَفَاةُ الثَّانِي (٥). وَلِهَذَا قَدْ يَقَعُ التَّدَاخُلُ بَيْنَ هَذَا، والقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، بِحَيْثُ جَعَلَهُمَا ابنُ طَاهِرٍ (٦) ثُمَّ (٧) ابنُ دَقِيقِ العِيدِ قِسْماً وَاحداً (٨). ثُمَّ زَادَا بدلَ السَّاقِطِ العُلُوَّ إِلَى البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، ومُصَنِّفِي الكُتُبِ الْمَشْهُوْرَةِ، وجَعلَ ابنُ طَاهِرٍ هَذَا قِسْمَيْنِ: أحدَهُما: عُلُوٌّ إِلَى البُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وأبِي دَاوُدَ، وأبِي حَاتِمٍ، وأبِي زُرْعَةَ. وثانيَهمَا (٩): عُلُوٌّ إِلَى كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ لأقْوامٍ كابنِ أَبِي الدُّنْيَا، والْخَطَّابِيِّ (١٠).

стр. 534

قَالَ: و ((كُلُّ حَدِيْثٍ عَزَّ (١) عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَلَمْ يَجِدْهُ عَالِياً، ولاَبُدَّ لَهُ مِن إيْرَادِهِ في تَصْنِيفٍ، أَوْ احْتِجَاجٍ بِهِ، فمِنْ أيِّ وَجْهٍ أوْرَدَهُ، فَهُوَ عَالٍ لِعِزَّتِهِ)) (٢). (وضدُّهُ) (٣) - أي: العُلُوِّ - (النُّزُولُ) فتَتَنَوَّعُ أقْسَامُهُ (كالأنْواعِ) السَّابِقَةِ لِلْعُلُوِّ، فأقْسَامُهُ خَمْسَةٌ، وَتَفْصِيلُهَا يدركُ من تَفْصِيلِ أقْسَامِ العُلُوِّ (٤). (وَحَيْثُ ذُمَّ) النُّزُولُ، كَقَوْلِ ابنِ الْمَدِيْنِيِّ (٥)، وغَيْرِهِ (٦): ((إنَّهُ شُؤْمٌ)). وَقَوْلِ ابنِ مَعِيْنٍ: ((إنَّهُ قرحةٌ (٧) في الوجْهِ)) (٨)، (فَهْوَ مَا لَمْ يُجبَرِ) بِصِفَةٍ مرجَّحَةٍ. فإنْ جُبِرَ بِها كَزِيَادَةِ الثِّقَةِ في رِجَالِهِ عَلَى العَالِي، أَوْ كونِهِمْ أحْفَظَ، أَوْ أضْبَطَ، أَوْ أفْقَهَ، أَوْ كونِهِ مُتَّصِلاً بِالسَّمَاعِ. وَفِي العَالِي (٩) حُضورٌ، وإجَازَةٌ، أَوْ مُناوَلَةٌ، أَوْ تَسَاهُلٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ في الْحَمْلِ، فالنُّزُولُ حِيْنَئذٍ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، ولا مَفْضُولٍ بَلْ فَاضَلٌ، كَمَا صرَّحَ بِهِ السِّلَفيُّ (١٠) وغيرُهُ (١١). قَالُوْا: ((والنَّازِلُ حِينْئِذٍ هُوَ العَالِي في الْمَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ والتَّحْقِيقِ)). وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بقولِهِ: (والصِّحَّةُ) مَعَ النُّزُولِ هِيَ (العُلُوُّ) الْمَعْنَوِيُّ (عِنْدَ النَّظَرِ). والعَالِي عَدَداً عِنْدَ فَقْدِ الضَّبْطِ، والإتْقَانِ عُلُوٌّ صوريٌّ، فَكَيفَ عِنْدَ فَقْدِ التَّوْثِيقِ (١٢)؟

стр. 535

فَهَذَا - مَعَ كَوْنِهِ عُلواً نِسْبِيّاً - علوٌّ مُطْلَقٌ؛ إِذْ لا يقعُ هَذَا الْحَدِيْثُ اليَوْمَ أعْلَى مِن رِوايَتِهِ مِن هَذَا الطَّرِيقِ (١). وسَمَّى ابنُ دَقِيقِ العِيدِ هَذَا القِسمَ عُلُوَّ التَّنْزِيلِ (٢)، وَفِيْهِ تَقَعُ الْمَوافَقَاتُ والأبْدَالُ، والْمُسَاوَاةُ والْمُصَافَحاتُ (٣)، كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ: ٧٤١ - فَإِنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ قَدْ وَافَقَهْ ... مَعَ عُلُوٍّ فَهُوَ (٤) الْمُوَافَقَهْ ٧٤٢ - أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ فَالْبَدَلْ ... وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدّاً قَدْ حَصَلْ ٧٤٣ - فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ وَحَيْثُ (٥) رَاجَحَهْ ... الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ (فإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (في شَيْخِهِ) أي: شَيْخِ أحدِ الأئِمَّةِ السِّتةِ، (قَدْ وَافَقَهْ)، كَحَدِيْثٍ يَرويهِ البُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ (٦) عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيِّ، عَنْ حميدٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعاً، فإذا رَوَيْنَاهُ مِن " جُزْءِ الأنْصَارِيِّ " يَقَعُ مُوافَقَةً لِلبُخَارِيِّ في شَيْخِهِ (مَعَ عُلُوٍّ) بِدَرَجَةٍ، كَمَا في هَذَا، وَقَدْ يَكُوْنُ بأكْثَرَ، (فَهُوَ) -بِضَمِّ الْهَاءِ (٧) - (الْمُوَافَقهْ)؛ لأنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا في الأنْصَارِيِّ (٨). (أَوْ) إنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَهُ في (شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ) أي: مَعَ عُلوٍّ بِدَرَجةٍ، فَأَكْثَرَ، كَحَدِيْثِ ابنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ. (فَ) هُوَ (البدلْ)، لِوُقُوعِهِ مِنْ طَرِيقِ رَاوٍ بَدلِ الرَّاوِي الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَحَدُ السِّتَّةِ، وَقَدْ يُسمُّونَهُ مُوافَقَةً مُقيَّدةً، فيُقَالُ: هُوَ مُوافَقَةٌ في شَيْخِ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ مَثَلاً (٩).

стр. 536

وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَقْيّيدِ الْمُوافَقَةِ، والبَدَلِ بالعُلُوِّ ذكرَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (١)، لَكِنْ خالَفَهُ غَيْرُهُ فَأطْلَقُوهُمَا بِدونِهِ، فإنْ عَلاَ قِيْلَ: مُوافَقَةٌ عَالِيةٌ، أَوْ بَدَلٌ عَالٍ، نبَّه عَلَى ذَلِكَ النَّاظِمُ (٢). (وإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (سَاوَاهُ) أي: أَحَدُ السِّتَّةِ (عَدّاً قَدْ حَصَلْ) أي: مِنْ جِهَةِ العَدَدِ الْحَاصِلِ لَهُ في السَّنَدِ، بأنْ يَكُوْنَ بَيْنَ الْمُخرِّجِ، وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ في الْمَرْفُوعِ، أَوْ الصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ قبلَهُ في غَيْرِهِ إِلَى شَيْخِ أحدِ السِّتَّةِ، كَمَا بَيْنَ أحد السِّتَّة، وأحد من ذَكَرَ مِن العَدَدِ (فَهْوَ (٣) الْمُسَاواةُ) لكنَّهَا مَفْقُودَةٌ الآنَ (٤). (وَحَيْثُ رَاجَحَهْ الأصْلُ) أي: عَلاَ سَنَدُ أحَدِ السِّتَّةِ (بالوَاحِدِ) أي: براوٍ (٥) واحِدٍ عَلَى سَنَدِ الْمُخْرِّجِ (فَ) هُوَ (الْمُصَافَحَهْ) لَهُ، بِمَعْنَى أنَّ الْمُخَرِّجَ كأنَّهُ لقيَ أحدَ السِّتَّةِ، وَصَافَحَهُ بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ. وَمَعَ كَوْنِهِ مُصَافَحَةً لَهُ، هُوَ مُسَاوَاةٌ لِشَيْخِهِ، فَإنْ كَانَتْ الْمُسَاوَاةُ لِشَيخِ شَيْخِهِ، كَانَتْ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِهِ، أَوْ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِهِ كَانَتْ (٦) لِشَيخِ شَيْخِهِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ (٧) مُصَافَحَةً، لِجَرَيَانِ العَادَةِ غَالِباً بِهَا بَيْنَ الْمُتَلاَقِيَيْنِ (٨). ٧٤٤ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاةِ ... أَمَّا الْعُلُوُّ لاَ مَعَ الْتِفَاتِ (٩) ٧٤٥ - لآخَرٍ فَقِيْلَ لِلْخَمْسِيْنَا ... أَو الثَّلاَثِيْنَ مَضَتْ سِنِيْنَا

стр. 537

٧٤٦ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ السَّمَاعِ ... وَضِدُّه النُّزُوْلُ كَالأَنْوَاعِ ٧٤٧ - وَحَيْثُ ذُمَّ فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ ... وَالصِّحَّةُ الْعُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ (ثُمَّ) الرَّابِعُ مِنَ الأقْسَامِ: (عُلوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ الوَفَاةِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بِالنّسبَةِ لِرَاوٍ آخَرَ مُتَأَخِّرِ الوَفَاةِ عَنْهُ شَارَكَهُ في الرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ. فمَنْ سَمِعَ " سُنَنَ أَبِي داودَ " عَلَى الزكيِّ عَبْدِ العَظِيمِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى (١) النَّجِيبِ الْحَرَّانِيِّ، ومَنْ سَمِعَهُ عَلَى النَّجِيبِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى ابنِ خَطيبِ الْمِزَّةِ والفَخْرِ ابنِ البُخَارِيِّ، وإنْ اشْتَرَكَ الأرْبَعَةُ في رِوَايَتِهِ عَنْ شَيخٍ واحِدٍ، وَهُوَ ابنُ طَبَرْزَذْ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الزَّكيِّ عَلَى النَّجِيْبِ، وَوفَاةِ النَّجِيْبِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ. وقضيةُ ذَلِكَ أنَّهُ (٢) يَكُوْنُ أَعْلِى إسْنَاداً سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَ (٣) سَمَاعُهُ أَمْ اقْتَرَنَ أَمْ تَأخر؛ لأنَّ مُتَقَدِّمَ الوَفَاةِ يَعِزُّ وُجودُ الرُّوَاة (٤) عَنْهُ بالنَّظَرِ لِمُتأخِّرِهَا، فَيرغبُ في تَحْصِيلِ مَرْوِيِّهِ (٥). لَكِنَّ الأخْذَ بِالقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَحلُّهُ في غَيْرِ (٦) تأخُّرِ السَّمَاعِ لَهُ أخذاً مِمَّا يَأْتِي في القِسْمِ الْخَامِسِ. ثُمَّ هَذَا في العُلُوِّ المفادِ مِنْ تَقَدمِ الوَفَاةِ مَعَ الالتِفَاتِ لِنِسْبَةِ شَيْخٍ إِلَى شَيخٍ. (أمَّا العُلُوُّ) المفادُ مِن مُجَرَّدِ تَقَدُّمِ وَفَاةِ الشَّيخِ (لاَ مَعَ التِفَاتِ لآخَرٍ) - بالصَّرْفِ للوزنِ - أي: لِشَيخٍ آخَرَ، فَقَدْ اخْتُلِفَ في وَقْتِهِ، (فَقِيلَ): يَكُونُ (لِلْخَمْسِينَا) مِنَ السِّنِينِ مَضَتْ بَعْدَ (٧) وَفَاتِهِ (٨)، (أَوْ الثَّلاَثِينَ مَضَتْ) بَعْدَ وَفاتِهِ (سِنِينَا) أي:

стр. 538

مِنَ السِّنِينِ (١). (ثُمَّ) خَامِسُ الأقْسَامِ: (عُلُوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ السَّمَاعِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ آخرَ شارَكَهُ في السَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ، أَوْ لِرَاوٍ سَمِعَ مِن رَفيقِ شَيْخِهِ، فالأوَّلُ أعْلَى، وإنْ تَقَدَّمَتْ وَفَاةُ الثَّانِي (٢). وَلِهَذَا قَدْ يَقَعُ التَّدَاخُلُ بَيْنَ هَذَا، والقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، بِحَيْثُ جَعَلَهُمَا ابنُ طَاهِرٍ (٣) ثُمَّ (٤) ابنُ دَقِيقِ العِيدِ قِسْماً وَاحداً (٥). ثُمَّ زَادَا بدلَ السَّاقِطِ العُلُوَّ إِلَى البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، ومُصَنِّفِي الكُتُبِ الْمَشْهُوْرَةِ، وجَعلَ ابنُ طَاهِرٍ هَذَا قِسْمَيْنِ: أحدَهُما: عُلُوٌّ إِلَى البُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وأبِي دَاوُدَ، وأبِي حَاتِمٍ، وأبِي زُرْعَةَ. وثانيَهمَا (٦): عُلُوٌّ إِلَى كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ لأقْوامٍ كابنِ أَبِي الدُّنْيَا، والْخَطَّابِيِّ (٧). قَالَ: و ((كُلُّ حَدِيْثٍ عَزَّ (٨) عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَلَمْ يَجِدْهُ عَالِياً، ولاَبُدَّ لَهُ مِن إيْرَادِهِ في تَصْنِيفٍ، أَوْ احْتِجَاجٍ بِهِ، فمِنْ أيِّ وَجْهٍ أوْرَدَهُ، فَهُوَ عَالٍ لِعِزَّتِهِ)) (٩). (وضدُّهُ) (١٠) - أي: العُلُوِّ - (النُّزُولُ) فتَتَنَوَّعُ أقْسَامُهُ (كالأنْواعِ) السَّابِقَةِ لِلْعُلُوِّ، فأقْسَامُهُ خَمْسَةٌ، وَتَفْصِيلُهَا يدركُ من تَفْصِيلِ أقْسَامِ العُلُوِّ (١١).

стр. 539

(وَحَيْثُ ذُمَّ) النُّزُولُ، كَقَوْلِ ابنِ الْمَدِيْنِيِّ (١)، وغَيْرِهِ (٢): ((إنَّهُ شُؤْمٌ)). وَقَوْلِ ابنِ مَعِيْنٍ: ((إنَّهُ قرحةٌ (٣) في الوجْهِ)) (٤)، (فَهْوَ مَا لَمْ يُجبَرِ) بِصِفَةٍ مرجَّحَةٍ. فإنْ جُبِرَ بِها كَزِيَادَةِ الثِّقَةِ في رِجَالِهِ عَلَى العَالِي، أَوْ كونِهِمْ أحْفَظَ، أَوْ أضْبَطَ، أَوْ أفْقَهَ، أَوْ كونِهِ مُتَّصِلاً بِالسَّمَاعِ. وَفِي العَالِي (٥) حُضورٌ، وإجَازَةٌ، أَوْ مُناوَلَةٌ، أَوْ تَسَاهُلٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ في الْحَمْلِ، فالنُّزُولُ حِيْنَئذٍ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، ولا مَفْضُولٍ بَلْ فَاضَلٌ، كَمَا صرَّحَ بِهِ السِّلَفيُّ (٦) وغيرُهُ (٧). قَالُوْا: ((والنَّازِلُ حِينْئِذٍ هُوَ العَالِي في الْمَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ والتَّحْقِيقِ)). وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بقولِهِ: (والصِّحَّةُ) مَعَ النُّزُولِ هِيَ (العُلُوُّ) الْمَعْنَوِيُّ (عِنْدَ النَّظَرِ). والعَالِي عَدَداً عِنْدَ فَقْدِ الضَّبْطِ، والإتْقَانِ عُلُوٌّ صوريٌّ، فَكَيفَ عِنْدَ فَقْدِ التَّوْثِيقِ (٨)؟

стр. 540

الغَرِيْبُ، وَالْعَزِيْزُ، وَالْمَشْهُوْرُ (١) ٧٤٨ - وَمَا بِهِ مُطْلَقاً الرَّاوِي انْفَرَدْ ... فَهْوَ الْغَرِيْبُ وَابْنُ مَنْدَةَ (٢) فَحَدْ ٧٤٩ - بِالإِْنْفِرَادِ عَنْ إِمَامٍ يُجْمَعُ ... حَدِيْثُهُ فَإِنْ عَلَيْهِ يُتْبَعُ ٧٥٠ - مِنْ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ فَالْعَزِيْزُ أَوْ ... فَوْقُ فَمَشْهُوْرٌ وَكُلٌّ قَدْ رَأَوْا ٧٥١ - مِنْهُ الصَّحِيْحَ وَالضَّعِيْفَ ثُمَّ قَدْ ... يَغْرُبُ (٣) مُطْلَقاً أوِ اسْنَاداً (٤) فَقَدْ (٥) (ومَا بهِ) أي: بروايتِهِ (مُطْلَقاً) عَنِ التَّقْييدِ بإمامٍ يَجْمَعُ حديثَهُ (الرَّاوِي انفَرد) عَنْ كُلِّ أحدٍ إما بِجَميعِ المَتْنِ، كحديثِ: ((النَّهي عَنْ بيع الولاء، وهبَتِهِ)) (٦) فإنه لمْ يَصِحَّ إلا من حديثِ عَبْد اللهِ بنِ دينارٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ.

стр. 541

أو ببعضِهِ، كحديثِ زكاة (١) الفطرِ (٢) حيثُ قيلَ: إن مالكاً انفردَ عَنْ سائرِ رواتهِ بقولِهِ: ((مِنَ المُسلمينَ)) (٣).

стр. 542

..................................................

стр. 543

.................................................

стр. 544

أو ببعضِ السَنَدِ، كحديثِ ((أُمِّ زرعٍ)) (١) إذِ المحفوظُ فيهِ روايةُ عيسى بنِ يونُسَ، وغيرِهِ عَنْ هشامِ بنِ عروة، عنْ أخيه عَبْد اللهِ، عَنْ أبيهِما، عَنْ عائشةَ، ورواهُ الطبرانيُّ

стр. 545

مِنْ حَديثِ الدَّراوَرْديِّ، وغيرِهِ عَنْ هشامٍ بدونِ واسطةِ أخيهِ (١). (فَهْوَ) أي: ماحصَلَ بِهِ الانفرادُ بوجهٍ مِمَّا ذُكِرَ (الغريبُ) سمّيَ بهِ، لانفرادِ راويه عَنْ غيرِهِ، كالغريبِ الَّذِي شأنُهُ الانفرادُ عَنْ وطنهِ. (و) أما أبو عبدِ الله (ابنُ مَنْدَةَ فَحدْ) هُ (بالانفرادِ) عَنْ كُلِّ أحدٍ بروايةِ شيءٍ مِمَّا ذُكِرَ (عَنْ إمامٍ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ) أي: مِنْ شأنهِ لجلالتهِ أنْ يُجْمَعَ حديثُهُ، وإنْ لَمْ يجمع، كالزهريِّ وقتادةَ (٢). وكانَ ابنُ مَنْدَه يُسمِّي الغريبَ فرداً. (فَإنْ عَليهِ) أي: المرويِّ مِنْ طَريقِ إمامٍ يُجْمَعُ حديثُهُ (يُتْبَعُ) راويهِ (مِنْ) راوٍ آخرَ (واحدٍ، وَ) كَذَا من (اثْنَينِ)، وَلَوْ في طبقةٍ واحدةٍ، (ف) هُوَ (العزيزُ). سُمِّيَ بهِ لِقِلَّةِ وجودِهِ من: عَزَّ يَعِزُّ بكسر عينِ مُضَارِعِهِ، أولكونهِ قَوِيَ بمَجيئهِ من طريقٍ آخرَ (٣)، من عَزَّ يَعَزُّ -بفتحها -، ومنهُ قولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَزَّزْنا بثَالِثٍ﴾ (٤). قَالَ شيخُنا (٥): ((وَقدْ ادَّعى ابنُ حبانَ أنَّ روايةَ اثنينِ عَنْ اثنينِ لا توجدُ أصلاً، فإنْ أرادَ روايةَ اثنينِ فَقطْ عَن اثنين فَقَطْ فَمُسَلَّم، وأما صورةُ العزيزِ الَّتِي جوزوها (٦) فَموجودةٌ بأنْ لا يرويهِ أقلُّ من اثنين عَنْ أقلَّ من اثنينِ)). (أو) يَتبعُ راويهِ عنْ ذلكَ (٧) الإمام مَنْ رَوَاهُ (فَوْقُ) أي: فوق الاثنينِ، كثلاثةٍ ما لَمْ يبلُغْ حدَّ التواترِ، (فَمَشهورٌ) سُمِّي بهِ لِشُهْرَتِهِ، ووضوحِ أمرِهِ (٨).

стр. 546

وَيُسمّى بالمستفيضِ لانتشارهِ، وشيوعهِ في النَّاسِ. وَبَعْضُهُم غايرَ بيْنَهُما بأنَّ المستفيضَ يكونُ من ابتدائهِ إلى انتهائهِ، سواءً، والمشهورُ أعمُّ منْ ذلكَ بحيثُ يَشْمَلُ (١) ما أوَّلُهُ مَنْقوُلٌ عَنْ الواحدِ (٢). فَعُلِمَ من كلام الناظمِ أنَّ ما وقعَ في سندهِ راوٍ واحد فَغَريبٌ، أو اثنانِ أو ثلاثةٌ فعزيزٌ، أَوْ فوقَ ذلكَ فمشهورٌ. وَقَدْ يكونُ الحديثُ عزيزاً مَشْهُوراً، كحديثِ: ((نَحْنُ الآخِرُوْنَ السَّابِقُوْنَ يومَ القيامةِ)) فَهو عزيزٌ عَن النَّبِيّ ﷺ ، رواهُ عَنْهُ حذيفةُ، وأبو هريرةَ، ومشهورٌ عَنْ أبي هريرةَ، رَواهُ عَنْهُ سبعةٌ: أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمانِ (٣)، وأبو حازمٍ (٤)، وطاووسُ (٥)، والأعرجُ (٦)، وهمامٌ (٧)، وأبو صالحٍ (٨)، وعبدُ الرحمانِ مولى أمِّ بُرْثُن (٩). (وكلٌّ) من الأنواعِ الثلاثةِ، لايُنافي الصَّحيحَ والضَّعيفَ، بَلْ (قَدْ رأوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (مِنْهُ الصَّحيحَ) الشاملَ للحسنِ، (والضعيفَ)، وإن لَمْ يُصّرِّحِ ابنُ الصَّلاح بِذلكَ في العزيزِ، لكنَّ الضعيفَ في الغريبِ أكثرُ، ولهذا كرهَ جمعٌ من الأئمةِ تتبُّعَ الغرائبِ (١٠).

стр. 547

(ثُمَّ) إنَّ الحديثَ (قَدْ يَغْرُبُ مطلقاً) أي: متناً وإسناداً وشيخاً، كحديثٍ انفردَ بروايتهِ راوٍ واحدٌ (١). (أو اسناداً (٢)) - بالدرج - أي: أو يغربُ إسناداً (فَقَدْ) أي: فقطْ كأنْ يكونَ متْنُهُ معروفاً بروايةِ جماعةٍ من الصَّحابةِ، فينفردَ بِهِ راوٍ من (٣) حديثِ صَحابيٍّ آخرَ، فَهُوَ منْ جهتهِ غريبٌ مَعَ أنَّ متنَهُ غيرُ غريبٍ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((ومِنْ ذلكَ غرائبُ الشيوخِ في أسانيدِ المتونِ الصَّحِيْحَةِ)) (٤). قالَ: ((وهذا الَّذِي يقولُ فيهِ الترمذيُّ: غريبٌ من هَذَا الوجهِ)). (٥) قالَ: ولا أرى هَذَا النوعَ - يعني: غريبَ الإسنادِ فقط (٦) - ينعكسُ إلا إذا اشتهرَ الحديثُ الفردُ عمَّنْ انفردَ بِهِ، فرواهُ عَنْهُ عددٌ كثيرٌ، فإنهُ يصيرُ غريباً مشهوراً، وغريباً متناً لا إسناداً، لكنْ بالنظرِ إلى أحدِ طرفَي الإسنادِ، فإنَّ إسنادَهُ غريبٌ في طرفِهِ الأوَّلِ، مشهورٌ في طرفهِ الأخيرِ، كحديثِ: ((إنما الأعمالُ بالنِّياتِ)) (٧) لأنَّ الشهرةَ إنما طرأتْ لَهُ من عندِ يَحْيَى بنِ سعيدٍ.

стр. 548

وقدْ عُلمَ منْ كلامِ الناظمِ: أنَّ الغريبَ عِنْدَ غيرِ ابنِ مَنْدَه قسمانِ: مطلقٌ، ونسبيٌ، وَهُوَ عَلَى وزان الأفرادِ السابق بيانُهُ في بابِهِ، حَتَّى قِيْلَ: إنه لا فَرْقَ بَيْنَ البابينِ. لكنْ قالَ ابنُ الصَّلاَحِ: ((وَلَيْسَ كُلُّ مايُعَدُّ من أنواع الأفرادِ معدوداً من أنواع الغريبِ، كَمَا في الأفرادِ المضافةِ إلى البلادِ)) (١) أي كأهلِ البصرةِ. وما ذكرهُ (٢) منْ أنَّ غريبَ الإسنادِ، لا (٣) ينعكسُ، هُوَ بالنظرِ إلى الوجودِ، وإلا فالقسمةُ العقليَّةُ تقتضي العكسَ. ومِنْ ثَمَّ قَالَ أبو الفَتْحِ اليَعْمريُّ فِيْمَا شَرحَهُ من الترمذيِّ: ((الغريبُ أقسامٌ: (٤) ١ - غَريبٌ سنداً ومتناً. ٢ - ومتناً لا سنداً. ٣ - وسنداً لا متناً. ٤ - وغريبٌ بَعْضُ السندِ. ٥ - وغريبٌ بعضُ المتنِ. وَلَمْ يمثل للثاني لعدم وجودِهِ. ٧٥٢ - كَذَلِكَ الْمَشْهُوْرُ أَيْضاً قَسَّمُوْا ... لِشُهْرِةٍ مُطْلَقَةٍ كَـ ((الْمُسْلِمُ ٧٥٣ - مَنْ سَلِمَ الْحَدِيْثَ)) وَالْمَقْصُوْرِ ... عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْ مَشْهُوْرِ ٧٥٤ - ((قُنُوتُهُ بَعْدَ الرُّكُوْعِ شَهْرَا)) ... وَمِنْهُ ذُوْ تَوَاتُرٍ مُسْتَقْرَا ٧٥٥ - فِي طَبَقَاتِهِ كَمَتْنِ ((مَنْ كَذَبْ)) ... فَفَوْقَ سِتِّيْنَ رَوَوْهُ وَالْعَجَبْ ٧٥٦ - بِأَنَّ مِنْ رُوَاتِهِ لَلْعَشَرَهْ ... وَخُصَّ بِالأَمْرَيْنِ فِيْمَا ذَكَرَهْ ٧٥٧ - الشَّيْخُ عَنْ بَعْضِهِمِ، قُلْتُ: بَلَى ... ((مَسْحُ الخِفَافِ)) وَابْنُ مَنْدَةٍ (٥) إلَى ٧٥٨ - عَشْرَتِهِمْ ((رَفْعَ اليَدَيْنِ)) نَسَبَا ... وَنَيَّفُوْا عَنْ مِئَةٍ ((مَنْ كَذَبَا))

стр. 549

(كَذَلِكَ المشهورُ أيضاً قَسَّموا) أي: كَمَا قَسَّموا الغريبَ إلى مُطْلَقٍ، ونسبيٍّ، قسَّموا المشهورَ أيضاً (لِـ) ذِي (شُهْرةٍ مُطْلَقَةٍ) بَيْنَ المحدثينَ، وغيرِهم (ك) حَدِيْثِ: (((المسلمُ من سَلِمَ ... الحَدِيْث))) أي: ك: ((من سَلِمَ المُسْلِمونَ من لِسانهِ وَيَدِهِ)) (١). (وَ) لِلْمَشْهُورِ (الْمَقْصُورِ) شهرتُهُ (عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْ مَشْهورِ: قُنُوْتُهُ) أي: من نَحْوِ حَدِيْثِ أنس: ((أنَّ النبيَّ ﷺ قَنَتَ (بَعْدَ الرُّكوعِ شَهْرا) يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذكوانَ)) (٢). فَقَدْ رواهُ عَنْ أنسٍ جمعٌ (٣) ثُمَّ عَنْ التابعينَ جمعٌ مِنْهُمْ: سليمانُ التيميُّ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، ثُمَّ عَنْ التيميِّ جمعٌ بحيثُ اشتهرَ بينَ المحدثينَ (٤). أما غَيْرُهم فقدْ يستغربونَهُ لكونِ الغالبِ عَلَى روايةِ التيميِّ عَنْ أنسٍ: كونَها بلا واسطةٍ، وهذا الحديثُ بواسطةِ أبي مِجْلَزٍ (٥). وينقسمُ أيضاً باعتبارٍ آخرَ إلى متواترٍ، وغيرِهِ، كَمَا أشارَ إليهِ بقوله:

стр. 550

(وَمِنْهُ) أي من المَشْهُوْرِ (ذُوْ تَواتُرٍ)، فكلُّ متواترٍ مشهورٌ، ولاينعكسُ، وإن غلبَ المشهورُ في غيرِ الْمُتَوَاتِرِ (١). والمتواترُ ما يَكونُ (مُسْتَقْرا) أي: مُتتبَّعاً (٢) (في) جميعِ (طبقاتِهِ)، بأنْ يرويهِ جَمْعٌ عَنْ جَمْعٍ غَيْرِ مَحْصُورينَ في عددٍ معيَّنٍ، ولا صِفةٍ مَخْصُوصَةٍ، بَلْ بحيث يَبلغونَ حداً تُحيل العادةُ معهُ تواطؤهم عَلَى الكذبِ (٣). (كَمَتْنِ) أي: كحديثِ: (((مَنْ كَذَبْ) عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النَّارِ)). فَقَدْ اعتنى بجمعِ طرقهِ جَمْعٌ من الحفَّاظِ (ففوقَ سِتِّينَ) صَحَابِيّاً باثنين (روَوهُ)، بَل وفوقَ تِسْعين، (والعَجَبْ بأنَّ) أي: من أنَّ (مِنْ رُواتِهِ لَلْعَشَرهْ) - بفتح اللام - المشهودِ لهم بالجنَّةِ. (وَ) إنه (خُصَّ بالأمْرَينِ): اجتماعُ أزْيدَ من ستِّين صحابيَّاً عَلَى روايتِهِ، وَكَونُ العَشَرةِ مِنْهُمْ (فِيْمَا ذَكَرَهْ الشَّيخُ) ابنُ الصَّلاحِ (٤) (عَنْ بَعْضِهِمِ)، فَلَمْ يُخَصَّ بالأمرينِ مَعَهُ (٥) غيرُهُ. (قُلْتُ: بلى) قَدْ خصَّ بهما مَعَهُ (٦) (مَسْحُ الْخِفَافِ) أي حديثُهُ، فَقَدْ رَوَاهُ جمعٌ فوقَ ستِّين صحابياً، مِنْهُمْ: العشرةُ. بَلْ رُوِي من طريقِ الْحَسَنِ البصريِّ أنَّه قَالَ: ((حَدَّثَنِي سبعونَ من الصحابةِ بالمسحِ عَلَى الخفَّيْنِ)) (٧). وجعلَه ابنُ عَبْدِ البرِّ متواتراً (٨).

стр. 551

(و) أيضاً فأبو القاسمِ (ابنُ مَنْدَةٍ)، والحاكمُ (١) وغيرُهما (إلى عَشْرَتِهِمْ) - بإسكان الشين - أي الصحابةِ (رَفْعَ اليَدَينِ) أي: حديثَهُ (نَسَبا) بَلْ خَصَّهُ الحاكمُ بذلكَ أيضاً، وجعلَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ متواتراً (٢). وبالجملةِ، فحديثُ: ((منْ كذبَ)) أكثرُ وروداً عَنِ الصَّحَابَة، كَمَا نبَّه عَلَيْهِ ابنُ الصَّلاحِ، حَتَّى قالَ أبو موسى الْمَدِينِيُّ: إنهم نحوُ الْمِئَةِ (٣). بَلْ (وَنيَّفُوا) أي: زادوا (عَنْ مِئَةٍ) مِنْهُمْ باثنين في حَدِيْث (مَنْ كَذَبَا) بألفِ الإطلاقِ. غَرْيِبُ أَلْفَاْظِ الأَحَاْدِيْثِ (غَريبُ أَلْفاظِ الحَديثِ) هُوَ ما يقعُ فيهِ مِنَ الألفاظِ الغامِضةِ، والمشتَبهةِ، وَتَتأكدُ (٤) العِنايةُ بِهِ لمَنْ يروي بالمعْنى. ٧٥٩ - وَالنَّضْرُ أَوْ مَعْمَرُ (٥) خُلْفٌ أَوَّلُ ... مَنْ صنَّفَ الْغَرِيْبَ فِيْمَا نَقَلُوْا ٧٦٠ - ثُمَّ تَلَى أبو عُبَيْدٍ وَاقْتَفَى ... القُتَبِيُّ ثُمَّ حَمْدٌ صنَّفَا ٧٦١ - فَاعْنِ بِهِ وَلاَ تَخُضْ (٦) بالظَّنِّ ... وَلاَ تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ ٧٦٢ - وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ ... كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لاِبْنِ صَائِدِ (٧) ٧٦٣ - كَذَاكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيْ، وَالْحَاكِمُ ... فَسَّرَهُ الْجِمَاعَ وَهْوَ وَاهِمُ (والنَّضْرُ) بنُ شُمَيلٍ المازنيُّ (٨) (أو) أبو عُبَيْدةَ (٩) (مَعْمَرُ) - بمنع

стр. 552

صَرْفِهِ - للوزن - ابنُ المُثَنَّى وقع (خُلْفٌ) أيُّهما (أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ) في الإسْلامِ (الغريبَ فِيْمَا نَقَلوا) أي: رواةُ الأخبارِ. فجزمَ الحاكمُ بأولِهما (١)، وغيرُهُ بثانيهِمَا (٢). ثُمَّ صَنَّفَ فيهِ عَبدُ المَلِكِ بنُ قُرَيْبٍ الأصمَعِيُّ عصريّ مَعْمَر (٣). (ثُمَّ تَلا) الْجَمِيعَ (أبو عُبَيْدٍ) القاسمُ ابنُ سَلاَّمٍ بعدَ المئتين (٤). (وَاقْتَفَى) أَثَرَهُ، وَحَذا حذوَهُ أبو مُحَمَّدٍ عَبد الله بنُ مُسْلِمِ بنِ قُتَيْبَةَ الدَّينَورِيُّ - بفتح الدالِ - (القُتَبِيُّ) نِسْبَةً لجَدِّهِ (٥) فزادَ عَليهِ مَواضِعَ وتتبَّعهُ في مواضع (٦). وصَنَّفَ فيهِ أيْضاً جَماعةٌ كَأَبي إسْحَاقَ الحرْبِيِّ (٧). (ثُمَّ) بَعْدَهُمْ أبو سُلَيْمَانَ (حَمْدٌ) بنُ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ الخَطَّابِيُّ (صَنَّفَا) كِتَابَهُ فَزَادَ عَلَى القتبيِّ، ونَبَّهَ عَلَى أغَالِيْطَ لهُ (٨). وصَنَّفَ فيهِ أيضاً جماعَةٌ، مِنْهُمْ: قاسمُ بنُ ثابِتِ بنِ حَزْمٍ السَّرَقُسْطِيُّ، وعبدُ الغافِرِ الفَارسِيُّ، وأبو الفَرَجِ بنُ الجوْزِيِّ، وأبو عُبَيْدٍ أحمدُ بنُ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيُّ

стр. 553

(فاعْنِ بِهِ) أي: بعلمِ الغريبِ، أي: اجْعلْهُ في (١) عِنَايَتِكَ حِفْظاً وتَدَبُّراً (٢)، (ولا تَخُضْ) فيهِ رَجْماً (٣) (بالظَّنِّ). فَقَدْ قالَ الإمامُ أحمدُ حِيْنَ سُئِلَ عَنْ حَرْفٍ مِنْ غريبِ الحَدِيْثِ: ((سَلُوا أصْحابَ الغَريبِ، فإنِّي أكْرَهُ أنْ أتَكَلَّمَ في قولِ رسُولِ اللهِ ﷺ بالظَّنِّ)) (٤). وسُئِلَ الأصْمَعِيُّ عَنْ حدِيثِ: ((الجَارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ)) (٥)، فقالَ: ((أنا لاَ أُفَسِّرُ حديثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ولكِنَّ العَرَبَ تَزْعُمُ أنَّ السَّقَبَ: اللُّزَيْقُ)) (٦). (ولاَ تُقَلِّدْ غَيْرَ أهْلِ الفَنِّ) أي: الغَرِيْبَ في النَّقْلِ عَنْهُ. (وخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ) أي: الغريبَ بهِ مَا كانَ (ب) الْمَعْنَى (الوَارِدِ) في بَعْضِ الرِّواياتِ مُفَسِّراً لِذلِكَ الغريبِ. (كالدُّخِّ) - بضمِّ الدَّالِ أشْهَرُ مِنْ فَتْحِها، وبالمعْجَمةِ - فإنَّهُ جاءَ في رِوَايةٍ أُخْرَى مَا يَقْتَضِي تفْسِيرَهُ (بالدُّخَانِ)، مَعَ أنَّهُ لغةٌ فِيهِ، حَكَاها الجَوْهَرِيُّ، وغيرُهُ في

стр. 554

القِصَّةِ المشْهُورةِ (لابنِ صَائِدِ) أبي عمارةَ عبدِ اللهِ - ويُقالُ لهُ: ابنُ صَيَّادٍ (١) أيضاً - أخرجَهَا الشَّيْخَانِ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ ﷺ لَمَّا قالَ لهُ (٢): ((خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيْئاً، فَمَا هوَ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخُّ)) (٣). (كَذاكَ) (٤) أي: كَوْنُ مَعْناهُ الدُّخانُ ثَبَتَ (عِنْدَ التِّرْمِذِيْ) (٥) - بالإسْكانِ لما مَرَّ - وصَحَّحَهُ، وكذا عِنْدَ أبي دَاوُدَ (٦)، قَالا: وخَبأ - يَعْنِي النَّبيَّ ﷺ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِيْنٍ﴾ (٧). وحَكَى أبو مُوسَى الْمَدِيْنِيُّ: أنَّ السِّرَّ في امْتِحَانِهِ لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الإشَارَةُ إلى أنَّ عِيْسَى ﵊ (٨) يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِجَبَلِ الدُّخَانِ (٩)، كَمَا جَاءَ في رِوَايةِ الإمامِ أحمدَ (١٠)، فأرادَ التعريضَ لَهُ بِذَلِكَ؛ لأنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أنَّهُ الدَّجَّالُ. (والحَاكِمُ فَسَّرَهُ الْجِمَاعَ)، أي (١١): بِهِ (وَهْوَ) - كَمَا قَالَ الأئِمَّةُ: - (وَاهمُ) في ذَلِكَ (١٢).

стр. 555

ولَفْظُهُ: ((سَأَلْتُ الأُدَباءَ عَنْ تَفْسِيْرِ ((الدُّخِّ))، فَقَالَ: يَدُخُّهَا ويَزُخُّهَا، أي: يُجَامِعُهَا)) (١). وَوَهِمَ فِيهِ أيضاً الخَطَّابِيُّ فَفَسَّرَهُ: ((بأنَّهُ نَبْتٌ يَكُونُ بَيْنَ النَّخِيْلِ)). وَقَالَ: ((لا مَعْنَى للدُّخَانِ هُنَا؛ لأنَّهُ لاَ يُخَبَّأُ إلاَّ أنْ يُرِيْدَ بـ: ((خَبَّأْتُ)): أضْمَرْتُ)) (٢). الْمُسَلْسَلُ (٣) (الْمُسَلْسَلُ) من الأحاديث باعتبار الرُّواةِ، أو الأسانيدِ. ٧٦٤ - مُسَلْسَلُ الْحَدِيْثِ مَا تَوَارَدَا ... فِيْهِ الرُّوَاةُ وَاحِداً فَوَاحِدَا ٧٦٥ - حَالاً لَهُمْ أوْ وَصْفاً اوْ (٤) وَصْفَ سَنَدْ ... كَقَوْلِ كُلِّهِمْ: سَمِعْتُ فَاتَّحَدْ ٧٦٦ - وَقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ ... وَقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفاً يَحْصُلُ ٧٦٧ - وَمِنْهُ ذُوْ نَقْصٍ بِقَطْعِ السِّلْسِلَهْ ... كَأوَّلِيَّةٍ وَبَعْضٌ وَصَلَهْ

стр. 556

(مُسَلْسَلُ الْحَدِيثِ ما تَواردَا) أي: تَشَارَكَ (فِيهِ الرُّواةُ) لَهُ (واحداً فَواحدا حَالاً) أي: عَلى حَالٍ (لَهُمْ) قولياً كَانَ الْحَالُ، كقولِهِ ﷺ لمعاذٍ: ((إنِّي أحِبُّكَ، فَقُلْ فِيْ دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (١). فإنَّهُ (٢) مُسَلْسَل بقولِ كُلٍّ من رواتِهِ: إني أحبُّكَ، فَقُل. أَوْ فعلياً، كقولِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((شَبّكَ بِيَدِي أَبُو القَاسِمِ ﷺ ، وَقَالَ: خَلَقَ اللهُ الأرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ)) (٣) الْحَدِيْثُ. فإنَّهُ مسلسلٌ بتشبيكِ كُلِّ مِنْهُمْ بيد مَنْ رواهُ عَنْهُ. وقد يجتمعانِ، كَمَا في حَدِيْثِ أنسِ: ((لاَ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلاَوَةَ الإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ. وَقَالَ: وَقَبَضَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَقَالَ: آمَنْتُ بِالْقَدْرِ ... إلى آخِرِهِ)) (٤)، فإنَّهُ مسلسلٌ بقبضِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى لحيتِهِ مع قولِهِ: ((آمنتُ بالقدر (٥))) إلى آخرِهِ.

стр. 557

(أَوْ وَصْفَاً) أي: أَوْ ما تواردَ فِيْهِ رواتُهُ عَلَى وصفٍ لَهُمْ قولياً كَانَ الوَصْفُ، وَهُوَ مقاربٌ لحالِهِم القولي، بَلْ مماثلٌ لَهُ، كالمسلسلِ بقراءةِ سورةِ الصفِ، أَوْ فعلياً كالمسلسلِ بالقُرَّاءِ وبالْحُفَّاظِ، وبالفُقُهَاءِ، وبالمحمدين (١)، وبروايةِ الأبناءِ عَنْ الآباءِ. (اوْ (٢) وَصْفَ سَندْ) -بالدرجِ- أي: أَوْ ما تواردَ فِيْهِ رواتُهُ عَلَى وَصْفِ سندٍ بِمَا يرجعُ إلى التَّحمُّلِ إما في صيغِ الأداءِ، (كَقَوْلِ كُلِّهِمْ) أي: الرُّوَاةِ (سَمِعْتُ) فلاناً، أَوْ نحوَهُ كَ: حَدَّثَنَا وأَخْبَرَنَا فلانٌ (فَاتَّحَدْ) ما وقعَ مِنْهَا لَهُمْ، فصارَ الحديثُ بِذَلِكَ مُسَلْسَلاً. بَلْ جعلَ الحاكِمُ (٣) مِنْهُ أَنْ تكونَ ألفاظُ الأداءِ مِنْ جَمِيْعِ الرُّوَاةِ دالةً عَلَى الاتصالِ، وإن اختلَفَتْ، فَقَالَ بعضُهم: سَمِعْتُ، وَقَالَ بَعضُهم: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ بعضُهم: حَدَّثَنَا. لَكِنَّ الأكثرَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بالتوارُدِ في صِيغةٍ واحدةٍ (٤). وإما فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَنِ الرِّوَايَةِ، كَالْمُسَلْسَلِ بقصِّ الأظفارِ يومَ الْخَميسِ، أَوْ بمكانِهَا، كَالْمُسَلْسَلِ بإجابةِ الدُّعاءِ في الْمُلْتَزمِ (٥)، أَوْ بِتَارِيْخِها، كَكَون الرَّاوِي آخرَ مَنْ يَروي عَنْ شَيْخِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أنواعِ الْمُسَلْسَلِ التي لا تَنْحَصِرُ، كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٦).

стр. 558

(وَقَسْمُهُ) أي: وَتَقْسِيمُ الْمُسَلْسَلِ (إلى) أنواعٍ (ثمانٍ)، كَمَا فعلَهُ الحاكِمُ (١) إنَّما هِيَ (مُثُلُ) لَهُ، وَلَمْ يُرد الحصرَ فِيْهَا كَمَا فهمَهُ ابنُ الصَّلاَحِ عَنْهُ، وكلامُهُ مؤذنٌ بأنهُ إنما ذكر مِن أنواعِهِ مَا يدلُّ عَلَى الاتّصالِ (٢). قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: ((ومن فضيلتِهِ اشتمالُهُ عَلَى مزيدِ الضبْطِ من الرُّوَاةِ)). قَالَ: ((وخيرُ الْمُسَلْسَلاتِ مَا كَانَ فِيْهِ دَلاَلَةٌ عَلَى اتصالِ السَّمَاعِ، وعدمِ التدليسِ)) (٣). (و) لَكِنْ (قَلَّما (٤) يَسلَمُ) الْمُسَلْسَلُ (ضَعْفاً) أي: من ضَعْفٍ (يَحصُلُ) في وصفِهِ لا في أصْلِ الْمَتْنِ. (وَمِنْهُ ذُو نَقْصٍ) لِلتَّسَلْسلِ (بقَطْعِ السِّلْسِلَهْ) في أوَّله، أَوْ وسطه، أَوْ آخره (كأوّليّةٍ) (٥) أي: كَحَدِيْثِ عبدِ اللهِ بن عمرو بنِ العاص: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَانُ)) المسلسلِ بالأوليةِ، فإنه إنَّما صَحَّ تسلسُلُهُ إلى سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ وانقطعَ فِيْمَنْ (٦) فوقَهُ (٧)

стр. 559

(وبعضٌ) من الرُّوَاةِ (وَصَلَهْ) (١) أي: تسلسلَهُ، وَلَمْ يَصِحَّ (٢). قَالَ شَيْخُنا: ((مِنْ أصحِّ مُسلسلٍ يُرْوى في الدنيا، الْمُسَلسلُ بقراءةِ سورةِ الصَّفِّ)). النَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوْخُ (٣) (النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوْخُ) من الْحَدِيْثِ: ٧٦٨ - وَاَلنَّسْخُ رَفْعُ الشَّارِعِ السَّابقَ مِنْ ... أَحْكَامِهِ بِلاَحِقٍ وَهْوَ قَمِنْ (٤) ٧٦٩ - أَنْ يُعْتَنَى بِهِ وَكَانَ الشَّافِعِي ... ذَا عِلْمِهِ ثُمَّ بِنَصِّ الشَّارِعِ ٧٧٠ - أَوْ صَاحِبٍ أَوْ عُرِفَ التَّارِيْخُ أَوْ ... أُجْمِعَ تَرْكاً بَانَ نَسْخٌ وَرَأَوْا (٥) ٧٧١ - دَلاَلَةَ الإِجْمَاعِ لاَ النَّسْخَ بِهِ ... كَالْقَتْلِ فِي رَابِعَةٍ بِشُرْبِهِ

стр. 560

(والنَّسْخُ) لُغَةً: الإزالةُ والتَّحْويلُ (١). واصْطِلاحاً (٢): (رَفْعُ الشَّارِعِ) الحكمَ (السابقَ مِنْ أحكامِهِ ب) حكمٍ مِنْهَا (لاحقٍ). والمرادُ برفْعِهِ: قطعُ تعلُّقِهِ بالْمكلَّفينَ لأنَّه قديمٌ لا يرفعُ، وخرجَ بِهِ بيانُ المجملِ (٣) والشرطِ، ونحوِهما. وبالشارعِ: قولُ الصَّحَابِيِّ مَثلاً: ((خبرُ كذا ناسخٌ لكذا)) فليس بنسخٍ، وإن لم يحصلِ التكليفُ بالخبرِ المشارِ إِلَيْهِ إلاّ بإخبارِهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بلغَهُ قَبْل. وبالسابقِ مِن أحكامِهِ رفعُ الإباحةِ الأصْليّةِ. وبحكمٍ مِنْهَا: الرفعُ بالموتِ، والنومِ، والغفلةِ (٤)، والجنونِ. وبلاَحِقٍ: انتهاءُ الحكمِ بانتهاءِ وقتِهِ، كخبرِ: ((إنَّكُمْ لاَقُوْا الْعَدُوَّ غَداً وَالْفِطْرُ أقْوَى لَكُمْ فَأفْطِرُوْا)) (٥) فَالصَّوْمُ بَعدَ ذَلِكَ (٦) اليومِ ليس بنسخٍ، وإنَما المأمورُ بِهِ مؤقَّتٌ (٧) بوقتٍ، وَقَدْ انقضى وَقتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ اليومِ المأمورِ بإفطارِهِ.

стр. 561

(وَهْوَ) أي: النَّسْخُ (قَمِنْ) - بكسر الميم، وفتحها، والكسر هُنا أنسبُ - أي: حقيقٌ (١) (أنْ يُعْتَنَى بِهِ) لجلالَتهِ، وغموضِهِ. (وَكَانَ) الإمامُ (الشَّافِعِي) رَحِمَهُ اللهُ تعالى (ذا) أي: صاحبَ (عِلْمِهِ) اتقاناً، واستنباطاً، وترتيباً. وَقَدْ قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ: ((مَا علمنا الْمجْمَل من المفسَّرِ، ولا ناسخَ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِن منسوخِهِ حَتَّى جالسنَا الشَّافِعِيَّ)) (٢). (ثم بِنَصِّ الشارِعِ) ﷺ عَلَى نسخِ أحدِ الخبرينِ بالآخرِ، كقولِهِ: ((هَذَا ناسخٌ لهذا))، وقولُهُ ﷺ : ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُوْرُوْهَا)) (٣). (أَوْ) بنصِّ (صاحبٍ) مِن أصْحابِهِ عَلَيْهِ، كقولِ (٤) جابرٍ: ((كَانَ آخِرَ الأمْرَيْنِ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الوُضُوْءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)) (٥). (أَوْ) بأنْ (عُرِفَ التَّاريخُ) بأَنْ عُرِفَ تأخرُ تاريخِ أحدِهمَا عَنِ الآخرِ وَتعذَّرَ الْجَمْعُ بينَهُما، كَخبرِ شدَّادِ بنِ أوسٍ مَرْفُوعاً: ((أفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُوْمُ)) (٦). ذكرَ الشَّافِعِيُّ (٧) أنَّه منسوخٌ بخبرِ ابنِ عباسٍ: ((أنَّ النَبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ)) (٨)، فإنَّ ابنَ عَبَّاسِ إنما صَحِبَهُ مُحرماً في حجةِ الوداعِ سنةَ عشرٍ،

стр. 562

وفي بَعْضِ طُرقِ خبرِ شدادٍ أنَّ ذَلِكَ كَانَ (١) زمنَ الفتحِ سنةَ ثمانٍ (٢). (أَوْ) بأَنْ (أُجْمِعَ تَرْكاً) أي: عَلَى تَرْكِ العَمَلِ بِمَضْمُونِ الخبرِ، (بَانَ) أي: ظَهَرَ بكلٍّ مِن هَذِهِ الْمَذْكوراتِ (نَسْخٌ) لِلْحُكْمِ. لَكِنْ محلُّ الثَّانِي مِنْهَا عِند الأصوليينَ: إذا أخبرَ الصحابيُّ بأَنَّ هَذَا متأخِرٌ أَوْ (٣) ذكرَ مستندَهُ، فإنْ قَالَ: هَذَا ناسخٌ، لَمْ يثبتْ بِهِ النسخُ لجوازِ أنْ يقولَهُ عَن اجتهادٍ بناءً عَلَى أَنَّ قولَهُ لَيْسَ بحُجَّةٍ (٤). قَالَ النّاظمُ: ((وَمَا قالَهُ المحدِّثونَ أوضحُ وأشهرُ؛ إِذْ النسخُ لا يُصارُ إِلَيْهِ بالاجتهادِ والرأي، وإنما يُصارُ إِلَيْهِ عندَ مَعرفةِ التاريخِ، والصحابةُ أورعُ من أنْ يحكمَ أحدٌ مِنْهُمْ عَلَى حُكمٍ شرعيٍّ بنسخٍ من غيرِ أَنْ يعرفَ تأخُّرَ الناسخِ عَنْهُ، وفي كلامِ الشافعيِّ ما يوافقُ (٥) الْمُحَدِّثينَ)). انتهى (٦). (و) الرابعُ: ليسَ عَلَى إطلاقِهِ في أنَّ الإجماعَ نَاسِخٌ، بَلْ (رَأَوا) أي: جُمْهُورُ المحدِّثينَ، والأصوليينَ (دلالةَ الإجماعِ) عَلَى وجودِ نَاسِخٍ غَيرِهِ، بمعنى أنَّه يَسْتَدِلُّ بالإجماعِ عَلَى وجودِ خبرٍ يقعُ بِهِ النسخُ (لا) أَنَّهم رأوا (النسخَ بِهِ)، لأنَّهُ لا يَنْسَخُ بمجرَّدِهِ (٧)؛ إِذْ لاَ ينْعَقِدُ إلا بعدَ وفاةِ الرَّسُوْلِ (٨) ﷺ ، وبعدَها ارتفعَ النسخُ (٩).

стр. 563

ولذلكَ أمثلةٌ: (ك): حَديثِ معاويةَ (١)، وجابرٍ (٢)، وأبي هُريرةَ (٣)، وغيرِهم (٤) في (القَتْلِ) لشاربِ الخمرِ (في) مرَّةٍ (رابعةٍ ب) سَببِ (شُربهِ)، فَقَدْ حَكى الترمذيُّ في آخر "جامعِهِ" (٥) الإجماعَ عَلَى تركِ العملِ بِهِ - وإن خالفَ فِيْهِ ابنُ حزمٍ (٦) - بناءً عَلَى أن خلافَ الظاهريةِ لا يقدحُ في الإجماعِ (٧).

стр. 564

ومِمَّنْ حكى الإجماعَ أيضاً النوويُّ، وَقَالَ: ((القولُ بالقتلِ قولٌ (١) باطلٌ مُخالفٌ لإجماعِ الصَّحابةِ فمَنْ بعدَهُم، والحديثُ الواردُ فِيْهِ منسوخٌ إما بحديثِ: ((لا يحلُّ دَمُ امْرِءٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاَثٍ)) (٢)، وإما بأَنَّ الإجماعَ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ)) (٣). انتهى. وَمَعَ ذَلِكَ وردَ ناسخٌ، كَمَا قالَهُ الترمذيُّ مِن حَديثي (٤) جابرٍ وقَبِيْصةَ بنِ ذؤَيْبٍ، أنَّهُ ﷺ بَعْدَ أمرهِ بقتلِ مَنْ شرِبَ في الرابعةِ أتي برجلٍ قَدْ شرب فِيْهَا، فضربَهُ الحدَّ، وَلَمْ يَقْتلْهُ (٥). التَّصْحِيْفُ (٦) (التصحيفُ) الواقعُ في المشتَبِهِ، وما يقاربُهُ (٧)، وَهُوَ فنٌّ مهمٌّ.

стр. 565

٧٧٢ - وَالْعَسْكَرِيْ وَالدَّارَقُطْنِيْ صَنَّفَا ... فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا ٧٧٣ - فِي الْمَتْنِ كَالصُّوْلِيِّ ((سِتّاً)) غَيَّرِ ... ((شَيْئاً))، أوِ الإِسْنَادِ كَابْنِ النُّدَّرِ ٧٧٤ - صَحَّفَ فِيْهِ الطَّبَرِيُّ قالاَ: ... ((بُذَّرُ)) بالبَاءِ وَنَقْطٍ ذَالاَ (وَ) أَبُو أَحْمَدَ (الْعَسْكَريْ (١)) المزيدُ عَلَى ابنِ الصَّلاَحِ، (و) أَبُو الْحَسَنِ (الدَّارَقُطْنِيْ) - بإسكانِ يائيهما لما مَرَّ - (صَنَّفَا فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفا). والتصحيفُ يقع إما (في الْمَتْنِ، ك) مَا وقعَ لأبي بَكْرٍ (الصُّوْليِّ)، فإنه لما أَمْلَى حَدِيْثَ: ((مَنْ صَامْ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ (سِتّاً) مِنْ شَوَّالٍ)) (٢) (غَيَّرِ) ذَلِكَ (شَيْئاً) (٣) - بمعجمةٍ ومثناةٍ تحتيةٍ -. وكقولِ أَبِي موسى مُحَمَّدِ بنِ المثنَّى في حديثِ: ((أَوْ شاةٌ تنعرُ)) (٤) -بالنونِ-، وإنما (٥) هُوَ بالياءِ التحتيةِ (٦).
следующие страницы →