← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(وَهْوَ) أي: النَّسْخُ (قَمِنْ) - بكسر الميم، وفتحها، والكسر هُنا أنسبُ - أي: حقيقٌ (١) (أنْ يُعْتَنَى بِهِ) لجلالَتهِ، وغموضِهِ. (وَكَانَ) الإمامُ (الشَّافِعِي) رَحِمَهُ اللهُ تعالى (ذا) أي: صاحبَ (عِلْمِهِ) اتقاناً، واستنباطاً، وترتيباً. وَقَدْ قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ: ((مَا علمنا الْمجْمَل من المفسَّرِ، ولا ناسخَ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِن منسوخِهِ حَتَّى جالسنَا الشَّافِعِيَّ)) (٢). (ثم بِنَصِّ الشارِعِ) ﷺ عَلَى نسخِ أحدِ الخبرينِ بالآخرِ، كقولِهِ: ((هَذَا ناسخٌ لهذا))، وقولُهُ ﷺ : ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُوْرُوْهَا)) (٣). (أَوْ) بنصِّ (صاحبٍ) مِن أصْحابِهِ عَلَيْهِ، كقولِ (٤) جابرٍ: ((كَانَ آخِرَ الأمْرَيْنِ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الوُضُوْءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)) (٥). (أَوْ) بأنْ (عُرِفَ التَّاريخُ) بأَنْ عُرِفَ تأخرُ تاريخِ أحدِهمَا عَنِ الآخرِ وَتعذَّرَ الْجَمْعُ بينَهُما، كَخبرِ شدَّادِ بنِ أوسٍ مَرْفُوعاً: ((أفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُوْمُ)) (٦). ذكرَ الشَّافِعِيُّ (٧) أنَّه منسوخٌ بخبرِ ابنِ عباسٍ: ((أنَّ النَبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ)) (٨)، فإنَّ ابنَ عَبَّاسِ إنما صَحِبَهُ مُحرماً في حجةِ الوداعِ سنةَ عشرٍ،

стр. 562

وفي بَعْضِ طُرقِ خبرِ شدادٍ أنَّ ذَلِكَ كَانَ (١) زمنَ الفتحِ سنةَ ثمانٍ (٢). (أَوْ) بأَنْ (أُجْمِعَ تَرْكاً) أي: عَلَى تَرْكِ العَمَلِ بِمَضْمُونِ الخبرِ، (بَانَ) أي: ظَهَرَ بكلٍّ مِن هَذِهِ الْمَذْكوراتِ (نَسْخٌ) لِلْحُكْمِ. لَكِنْ محلُّ الثَّانِي مِنْهَا عِند الأصوليينَ: إذا أخبرَ الصحابيُّ بأَنَّ هَذَا متأخِرٌ أَوْ (٣) ذكرَ مستندَهُ، فإنْ قَالَ: هَذَا ناسخٌ، لَمْ يثبتْ بِهِ النسخُ لجوازِ أنْ يقولَهُ عَن اجتهادٍ بناءً عَلَى أَنَّ قولَهُ لَيْسَ بحُجَّةٍ (٤). قَالَ النّاظمُ: ((وَمَا قالَهُ المحدِّثونَ أوضحُ وأشهرُ؛ إِذْ النسخُ لا يُصارُ إِلَيْهِ بالاجتهادِ والرأي، وإنما يُصارُ إِلَيْهِ عندَ مَعرفةِ التاريخِ، والصحابةُ أورعُ من أنْ يحكمَ أحدٌ مِنْهُمْ عَلَى حُكمٍ شرعيٍّ بنسخٍ من غيرِ أَنْ يعرفَ تأخُّرَ الناسخِ عَنْهُ، وفي كلامِ الشافعيِّ ما يوافقُ (٥) الْمُحَدِّثينَ)). انتهى (٦). (و) الرابعُ: ليسَ عَلَى إطلاقِهِ في أنَّ الإجماعَ نَاسِخٌ، بَلْ (رَأَوا) أي: جُمْهُورُ المحدِّثينَ، والأصوليينَ (دلالةَ الإجماعِ) عَلَى وجودِ نَاسِخٍ غَيرِهِ، بمعنى أنَّه يَسْتَدِلُّ بالإجماعِ عَلَى وجودِ خبرٍ يقعُ بِهِ النسخُ (لا) أَنَّهم رأوا (النسخَ بِهِ)، لأنَّهُ لا يَنْسَخُ بمجرَّدِهِ (٧)؛ إِذْ لاَ ينْعَقِدُ إلا بعدَ وفاةِ الرَّسُوْلِ (٨) ﷺ ، وبعدَها ارتفعَ النسخُ (٩).

стр. 563

ولذلكَ أمثلةٌ: (ك): حَديثِ معاويةَ (١)، وجابرٍ (٢)، وأبي هُريرةَ (٣)، وغيرِهم (٤) في (القَتْلِ) لشاربِ الخمرِ (في) مرَّةٍ (رابعةٍ ب) سَببِ (شُربهِ)، فَقَدْ حَكى الترمذيُّ في آخر "جامعِهِ" (٥) الإجماعَ عَلَى تركِ العملِ بِهِ - وإن خالفَ فِيْهِ ابنُ حزمٍ (٦) - بناءً عَلَى أن خلافَ الظاهريةِ لا يقدحُ في الإجماعِ (٧).

стр. 564

ومِمَّنْ حكى الإجماعَ أيضاً النوويُّ، وَقَالَ: ((القولُ بالقتلِ قولٌ (١) باطلٌ مُخالفٌ لإجماعِ الصَّحابةِ فمَنْ بعدَهُم، والحديثُ الواردُ فِيْهِ منسوخٌ إما بحديثِ: ((لا يحلُّ دَمُ امْرِءٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاَثٍ)) (٢)، وإما بأَنَّ الإجماعَ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ)) (٣). انتهى. وَمَعَ ذَلِكَ وردَ ناسخٌ، كَمَا قالَهُ الترمذيُّ مِن حَديثي (٤) جابرٍ وقَبِيْصةَ بنِ ذؤَيْبٍ، أنَّهُ ﷺ بَعْدَ أمرهِ بقتلِ مَنْ شرِبَ في الرابعةِ أتي برجلٍ قَدْ شرب فِيْهَا، فضربَهُ الحدَّ، وَلَمْ يَقْتلْهُ (٥). التَّصْحِيْفُ (٦) (التصحيفُ) الواقعُ في المشتَبِهِ، وما يقاربُهُ (٧)، وَهُوَ فنٌّ مهمٌّ.

стр. 565

٧٧٢ - وَالْعَسْكَرِيْ وَالدَّارَقُطْنِيْ صَنَّفَا ... فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا ٧٧٣ - فِي الْمَتْنِ كَالصُّوْلِيِّ ((سِتّاً)) غَيَّرِ ... ((شَيْئاً))، أوِ الإِسْنَادِ كَابْنِ النُّدَّرِ ٧٧٤ - صَحَّفَ فِيْهِ الطَّبَرِيُّ قالاَ: ... ((بُذَّرُ)) بالبَاءِ وَنَقْطٍ ذَالاَ (وَ) أَبُو أَحْمَدَ (الْعَسْكَريْ (١)) المزيدُ عَلَى ابنِ الصَّلاَحِ، (و) أَبُو الْحَسَنِ (الدَّارَقُطْنِيْ) - بإسكانِ يائيهما لما مَرَّ - (صَنَّفَا فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفا). والتصحيفُ يقع إما (في الْمَتْنِ، ك) مَا وقعَ لأبي بَكْرٍ (الصُّوْليِّ)، فإنه لما أَمْلَى حَدِيْثَ: ((مَنْ صَامْ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ (سِتّاً) مِنْ شَوَّالٍ)) (٢) (غَيَّرِ) ذَلِكَ (شَيْئاً) (٣) - بمعجمةٍ ومثناةٍ تحتيةٍ -. وكقولِ أَبِي موسى مُحَمَّدِ بنِ المثنَّى في حديثِ: ((أَوْ شاةٌ تنعرُ)) (٤) -بالنونِ-، وإنما (٥) هُوَ بالياءِ التحتيةِ (٦).

стр. 566

(أَوِ) في (الإسنادِ كَابنِ) أي: كعُتْبَةَ بنِ (النُّدَّرِ) - بِنون، ومهمَلَةٍ مشدَّدةٍ (١) - حيثُ (صَحَّفَ فِيْهِ) مُحَمَّدُ بنُ جَريرٍ (الطَّبَرِيُّ، قَالاَ) بألفِ الإطلاق (بُذَّرُ بالباءِ) الموحَّدةِ، (ونَقْطٍ ذَالا) أي: بالذالِ (٢) بالْمُعجَمَةِ. وَكَقولِ يَحيى بنِ مَعينٍ (٣): العوامُ بنُ مزاحمٍ، بزاي ومهملة، وإنّما هُوَ براءٍ وجيمٍ. ٧٧٥ - وَأَطْلَقُوْا التَّصْحِيْفَ فِيْمَا ظَهَرَا ... كَقَوْلِهِ: ((احْتَجَمْ)) مَكَانَ ((احْتَجَرا)) ٧٧٦ - وَوَاصِلٌ بِعَاصِمٍ وَالأَحْدَبُ ... بِأَحْوَلٍ (٤) تَصْحِيْفَ سَمْعٍ لَقَّبُوا ٧٧٧ - وَصَحَّفَ الْمَعْنَى إِمَامُ عَنَزَهْ ... ظَنَّ الْقَبِيْلَ بحَدِيْثِ ((الْعَنَزَهْ)) ٧٧٨ - وَبَعْضُهُمْ ظَنَّ سُكُوْنَ نَوْنِهْ ... فَقالَ: شَاَةٌ خَابَ فِي ظُنُوْنِهْ (وَ) كَذا (أطلقُوا) أي: الَّذِيْنَ صَنَّفوا في هَذَا الفنِّ (التَّصْحِيفَ فِيْمَا ظَهرا) أي: عَلَى ما ظَهَرَتْ حُروفُهُ مِن غَيرِ اشتباهٍ في الخطِّ بِغيرِها، وإنما غلطَ فِيْهِ الناسخُ، أَوْ الرَّاوِي بإبدالٍ، أَوْ نقصٍ، أَوْ زيادةٍ (كقولِهِ) يعني: ابنَ لَهِيْعَةَ (٥)، في حَدِيْثِ زيدٍ بنِ ثابتٍ: (احْتَجَمْ) النَّبِيُّ ﷺ في الْمَسْجِدِ (٦)، (مكانَ احْتَجَرَا) - بإبدال الراء مِيماً (٧) -.

стр. 567

وَكما رَوَى يَحيى بنُ سَلاَّم المفسِّرُ عَنْ سعيدٍ (١) بنِ أَبِي عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادةَ في قولِهِ تعالى: ﴿سَأُرِيْكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢)، قَالَ: ((مصرُ)) (٣). وَقَدْ استَعْظَمَهُ أَبُو زرعةَ الرازيُّ، واستَقْبَحَهُ، وذكرَ أنَّهُ في تفسيرِ سعيدٍ عَنْ قتادةَ: ((مصيرُهم)) (٤). وكحديثِ أَبِي (٥) سعيدٍ في خطبةِ العيدِ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ، فيُصَلِّيْ بالنَّاسِ رَكْعَتَينِ، ثم يُسَلِّمُ فَيَقِفُ عَلَى رِجْلَيهِ، فَيَسْتَقْبِلُ النَّاسَ وَهُمْ جُلُوْسٌ)) (٦)، حيثُ أبدلَ بعضُهم ((رجليهِ)) بـ ((راحِلتِه))، والصوابُ: رجليهِ. فأطلقوا عَلَى مثلِ ذَلِكَ تصحيفاً، وإنْ لَمْ يشتبه. (وَ) كذا (واصلٌ) حيثُ أُبدِلَ اسمُهُ (بعاصمٍ)، (وَ) أُبدِلَ (الأَحْدبُ) لقبُهُ أيْضاً (بأحولٍ) - بصرفه للوزنِ - لقبِ عاصمٍ. وذلك بأنْ يكونَ الْحَدِيْثُ لواصلٍ الأحدبِ، فيُبْدِلَ بعاصمٍ الأحول، كَمَا في حَدِيْثِ شعبةَ عَنْ واصلٍ الأحدبِ، عَنْ أَبِي وائلٍ، عَنْ ابنِ مسعودٍ: ((أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟)) (٧) حَيْثُ أبدلَ بعاصمٍ الأحول، أَوْ عكسُهُ بأَنْ يكونَ الحديثُ لعاصمٍ الأحولِ (٨)، فيُبدِلَ بواصلٍ الأحدبِ.

стр. 568

وَضَابطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُوْنَ الاسمُ واللقبُ، أَوْ الاسمُ واسمُ الأبِ بوزنِ اسمٍ آخرَ ولقبِهِ، أَوْ اسمٍ آخرَ واسمِ أبيهِ، والحروفُ (١) مختلفةٌ شكلاً، ونقطاً، أَوْ أحدُهما فيشتَبِهُ ذَلِكَ عَلَى السمْعِ. (تصحيفَ) بالنصبِ بـ ((لقبوا)) (سَمْعٍ) في الْمَتْنِ، أَوْ الإسنادِ (لَقَّبُوا) أي: وكلَّ مَا أطلقوا عَلَيْهِ مِمَّا لاَ يشتبِهُ بغيرِهِ في الخطِّ تَصْحيفاً، لقَّبوهُ تصحيفَ السَّمعِ، ثُمَّ مَا مَرَّ هُوَ تصحيفٌ في اللفظِ. (وَ) قَدْ (صَحَّفَ المعنَى) فَقَطْ أَبُو موسى مُحَمَّدُ بنُ المثنى (إمَامُ عَنَزهْ) أحدُ شيوخِ الأئِمةِ الستةِ (٢) حَيْثُ (ظَنَّ القبِيلَ) مرخمُ القبيلةِ (بحديثِ العَنَزهْ) التي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصلي إِلَيْهَا؛ فَقَالَ يوماً: ((نحنُ قومٌ لنَا شرفٌ، نحنُ من عَنَزةَ قَدْ صلى النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا)) ذكره الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). فصحَّفَ ابنُ المثنى معنى لفظِ العنَزةِ. (وَبَعْضُهُمْ) صَحَّفَ معناه، ولفظَهُ مَعاً حَيْثُ (ظنَّ سكونَ نونِهْ)، ثُمَّ رواه بالمعنى، (فقالَ: شاةٌ) فأخطأَ و (خَابَ في ظنونِهْ)؛ إِذْ الصوابُ ((عَنَزَة)) - بفتح النون -، وَهِيَ الْحَرْبَةُ تُنْصَبُ بين يديهِ.

стр. 569

ومن أمثلةِ تصحيفِ المعنى فَقَطْ مَا رَوَاهُ الخَطَّابِيُّ (١) عَنْ بَعْضِ شيوخِهِ بالحديثِ، أنَّه لَمّا رَوَى حَدِيْثَ النهيِ عَن التَّحليقِ (٢) يومَ الْجُمعةِ قَبْلَ الصَّلاةِ (٣) قَالَ: ((منذ أربعينَ سنةً ما حلَّقْتُ رأسي قبل الصَّلاةِ)). فُهِمَ مِنْهُ حلقَ الرأسِ، وإنما المرادُ تحليقَ الناسِ حِلَقاً (٤). مُخْتَلِفُ الْحَدِيْثِ (٥) (مُخْتَلفُ الْحَدِيْثِ) أي: مَعْرِفَتُهُ، وَهُوَ مِن أَهمِ الأَنْواعِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيْهِ الأئمةُ

стр. 570

الجامعونَ بَيْنَ الفقهِ والحديثِ. وأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ في كِتابِهِ "اختلافِ الْحَدِيْثِ" من كتابِ "الأمِّ"، ثُمَّ صنَّفَ فِيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ جريرٍ الطبريِّ، وغيرُهما. ٧٧٩ - وَالْمَتْنُ إِنْ نَافَاهُ مَتْنٌ آخَرُ ... وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلاَ تَنَافُرُ ٧٨٠ - كَمَتْنِ ((لاَ يُوْرِدُ)) مَعْ ((لاَ عَدْوَى)) ... فَالنَّفْيُ (١) لِلطَّبْعِ وَفِرَّ عَدْوَا (٢) ٧٨١ - أَوْلاَ فَإِنْ نَسْخٌ بَدَا فَاعْمَلْ بِهِ ... أَوْ لاَ فَرَجِّحْ وَاعْمَلَنْ بِالأَشْبَهِ (وَالْمَتْنُ) أي: مَتْنُ الْحَدِيْثِ الصالحِ للحُجِّيَّةِ (إنْ نَافَاهُ) ظَاهِراً (مَتْنٌ آخرُ) مثلُهُ (وأمكنَ الجمعُ) (٣) بَيْنَهُمَا بِمَا يَرفعُ الْمُنافاةَ؛ (فَلاَ تَنَافُرُ) أي: لا (٤) مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، بَلْ يُصارُ إِلَيْهِ، ويعملُ بِهِمَا، فهو أولى مِن إهمالِ أحدِهما. (كمتنِ: ((لاَ يُوْرِدُ) - بكسرِ الرّاء - مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)) (٥) المساوِي لِمَتْنِ: ((فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأسَدِ)) (٦) المشارِ إِلَيْهِ بَعْدَ (مَعْ) مَتْنِ: (((لاَ عَدْوَى) ولاَ طِيَرَةَ)) (٧).

стр. 571

إِذِ الثالثُ منافٍ للأوَّلَيْن، فَزَعَمَ جَماعةٌ نَسخَهُما بِهِ، والحقُّ الجمعُ بينهما كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ: (فالنفيُ) لِلعدوى في الثالثِ إنَّما هُوَ (لِلطَّبعِ) أي: لما كَانَ يعتقدُهُ أهْلُ الجاهليةِ، وبعضُ الحكماءِ من أنَّ الجذامَ والبرصَ ونحوَهما تُعْدِي بطبعِها (١)؛ ولهذا قَالَ في الْحَدِيْثِ: ((فمَنْ أعدى الأوَّلَ))؟ أي: إنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي ابتدأَهُ في الثاني، كَمَا ابتدأَهُ في الأوَّلِ. والنَّهْيُ والأمرُ في حديثي: ((لاَ يُوْرِدُ))، (وفِرَّ عَدْوَا) أي: سريعاً، كنايةً عَنْ فرارِكَ من الأسدِ للخوفِ منَ المخالطةِ التي جعلَها الله تَعَالَى سَبباً عادياً للإِعداءِ، وَقَدْ يتخلفُ عَنْ سَببهِ، كَمَا أَنَّ النارَ لا تحرقُ بطبعِها، ولا الطعامَ يشبعُ بطبعِهِ، ولا الماءَ يُرْوِيْ بطبعِهِ، وإنما هِيَ أسبابٌ عاديةٌ (٢). وَقَدْ وجدْنا مَنْ خالطَ المصابَ بشيءٍ مما ذكر، وَلَمْ يتأثر بِهِ، وَوَجدنَا مَن احترزَ عَنْ ذَلِكَ الاحترازَ الْمُمْكنَ، وأخذَ بِهِ. ومُمْرِضٌ في الْحَدِيْثِ مِن: أمْرَضَ الرَّجُلُ، إذا أصابَ ماشيتَهُ مرضٌ (٣)، ومُصِحٌّ من: أصَحَّ، إذا أصابَ (٤) ماشيَتَهُ مرضٌ ثُمَّ صحَّتْ مِنْهُ. (أَوْ لاَ) أي: وإنْ لَمْ يَكُنِ الجمْعُ بَيْنَهُمَا (فإنْ نَسْخٌ بَدَا) أي: ظهرَ (فَاعْمَلْ بِهِ) أي: بِمقْتَضَاهُ، (أَوْ لاَ) أي: وإن لَمْ (٥) يبدُ نسخٌ (فرجِّحْ) أحدَ المتنينِ بوجهٍ مِن وجوهِ الترجيحاتِ المتعلقةِ بالمتنِ أَوْ بإسنادِهِ، ككونِ أحدِهما سَماعاً أَوْ عرضاً، والآخرِ كتابةً أَوْ وِجادةً أَوْ مُناولةً، وَ (٦) ككثرةِ الرُّوَاةِ، أَوْ صفاتهم (٧).

стр. 572

(واعْمَلَنْ) بَعْدَ النظرِ في المرجِّحاتِ (١) (بِالأَشْبَهِ) أي: بِالأَرْجَحِ مِنْهَا، فإنْ لَمْ تجدْ مُرجِّحاً فَتَوَقَّفْ عَن العَمَلِ بِشيءٍ مِنْهَا (٢) حَتَّى يظهَرَ الأرجحُ. وَقَدْ ذكرتُ في " لبِّ الأصولِ "، كالأصلِ معَ زيادةِ ما هُوَ أقْعدُ مِمَّا ذكر هنا في هَذِهِ المسألةِ. خَفِيُّ الإِرْسَالِ (٣)، وَالْمَزِيْدُ فِي الإِسْنَادِ (٤) (خَفِيُّ الإرسالِ، والمزيدُ في) مُتَّصِلِ (الإسنادِ): هَذان مِن أهمِّ الأنواعِ، وليسَ المرادُ هُنا بالإرسالِ: إسقاطَ الصحابيِّ من السَنَدِ، كَمَا هُوَ المشهورُ في حدِّ المرسلِ، بَلْ مطلقَ الانقطاعِ، وَهُوَ نوعانِ:

стр. 573

١ - ظاهرٌ: وَهُوَ أنْ يرويَ الشخصُ عمَّنْ لَمْ يعاصرْهُ بحيث لا يشتبهُ إرسالُه باتصالِهِ (١). ٢ - وخفيٌّ (٢): وَهُوَ الانقطاعُ بين راويينِ مُتَعاصِرينِ، لَمْ يَلتقِيَا، أَو التقيا (٣)، وَلَمْ يقعْ بينَهُما سَمَاعٌ أصلاً، أَوْ لِذَلِكَ الْحَدِيْثِ (٤). ويعرفُ بِما ذكرَهُ بقولِهِ: ٧٨٢ - وَعَدَمُ السَّمَاعِ وَالِلِّقَاءِ ... يَبْدُو بِهِ الإِرْسَالُ ذُوْ الْخَفَاءِ ٧٨٣ - كَذَا زِيَادَةُ اسْمِ رَاوٍ فِي السَّنَدْ ... إِنْ كَانَ حَذْفُهُ بِعَنْ فِيْهِ وَرَدْ ٧٨٤ - وَإِنْ بِتَحْدِيْثٍ أَتَى فَالْحُكْمُ لَهْ ... مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ قَدْ حمَلَهْ ٧٨٥ - عَنْ كُلٍّ الاَّ (٥) حَيْثُ مَا زِيْدَ وَقَعْ (وَعَدمُ السَّمَاعِ) لِلراوي مِنَ المروي عَنْهُ، وإنْ تَلاقيا، (و) عدمُ (اللقاءِ) بينهما، وَقَدْ تعاصَرَا كأَنْ أخبرَ الرَّاوِي عَنْ نفسِهِ بِذَلِكَ، أَوْ جزمَ أمامٌ بأنَّهمَا لَمْ يَتَلاقيا (يبْدو بِهِ) أي: يظهر بكلٍّ من عدمِ السماعِ، وعدمِ اللقاءِ (الإرسالُ ذُو الخَفَاءِ). وَ (كَذَا) يُظهرُه (زِيادةُ اسمِ راوٍ في السَّنَدْ) بَينَ راويينِ يظنُّ الاتصالُ بَيْنَهُمَا عَلَى روايةٍ أخرى حُذِفَ مِنْهَا ذَلِكَ الاسمُ (إنْ كَانَ حَذْفُهُ) مِنْهَا (بِعَنْ)، أَوْ ((قَالَ))

стр. 574

أَوْ نحوِهما مما لا يقتضِي الاتصالَ (فِيْهِ) أي: في السَنَدِ الناقصِ (وَرَدْ) فتكونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ معلَّةً (١) بالإسنادِ الزائدِ، لأنَّ الزيادةَ مِنَ الثِّقةِ مقبولةٌ (٢). وسُمِّي هَذَا النوعُ بالخفيِّ لخفائِهِ عَلَى كَثِيْرٍ، لاجتماعِ الراويين في عصرٍ واحدٍ، وَهُوَ أشبهُ برواياتِ الْمُدَلِّسِيْنَ. (وإنْ) كَانَ حذفُ الزائدِ من السَّندِ الناقصِ (بِتَحْدِيثٍ)، أَوْ إخبارٍ، أَوْ سَمَاعٍ، أَوْ نحوِها (٣)، مِمَّا يَقْتَضِي الاتصالَ (أَتَى)، وراويه أتقن (فَالْحُكْمُ لَهُ) أي: لِلسَّنَدِ الناقِصِ؛ لأنَّ مَعَ راويهِ حينئذٍ زيادةً، وَهِيَ إثباتُ سماعِهِ مِنْهُ، مَعَ كونِهِ أتقنَ. وهذا هُوَ النوعُ المسمَّى بـ: ((المزيدِ في متصلِ الأسانيدِ))، والزيادةُ حينئذٍ غلطٌ من راويها، أَوْ سهوٌ. إِذْ المدارُ في ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ (٤). هَذَا كلُّه (مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ) أي: الرَّاوِي (قَدْ حَمَلَهْ) أي: الْحَدِيْثَ (عَنْ كُلٍّ) مِنَ الراويين، إِذْ لاَ مَانِعَ مِن أنْ يَسْمَعَهُ مِن وَاحدٍ عَنْ آخرَ ثُمَّ يسمعُهُ من الآخرِ (٥). (الاَّ) (٦) - بالدرجِ - (حَيْثُ مَا زِيْدَ) هَذَا الرَّاوِي، أي: إلا أن توجدَ قرينةٌ تدلُّ عَلَى أنَّ مَنْ زيدَ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَقَعْ وَهْمَاً) مِمَّنْ زادَهُ، فيزولُ بِذَلِكَ الاحتمالُ، فيكونُ الحكمُ للناقصِ قَطْعاً، وإن لَمْ يأتِ بتحديثٍ، أَوْ نحوِهِ. (وَفِي ذَيْنِ) النَّوعيْنِ: أي (٧): الإرسالِ الخفيِّ، والمزيدِ في متصلِ الإسنادِ، (الخطيبُ قَدْ جَمَعْ) تصنيفينِ مفردينِ، سمَّى الأوَّلَ بـ: " التفصيلِ لْمُبْهَمِ المراسيلِ "، والثاني بـ: " تمييزِ المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ ".

стр. 575

قَالَ الناظمُ: ((وَفِي كثيرٍ مِمَّا ذكرَهُ فِيْهِ نَظرٌ، والصوابُ مَا ذَكرَهُ ابنُ الصَّلاَحِ، واقْتَصَرْتُ عَلَيْهِ)) (١)، من التفصيلِ بَيْنَ أَنْ يؤتى في السنَدِ الناقصِ بِمَا لا يَقْتَضِي الاتصالَ، وأَنْ يُؤْتَى فِيْهِ بِمَا يقتَضِيهِ. مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ﵃ - (٢) (مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة): هِيَ فَنٌّ مُهِمٌّ، وفائِدتُهُ: تَمْييزُ الْمُرْسَلِ، والحكمُ لَهُمْ بالْعَدالَةِ، وغيرُهُمَا، وفيه تصانِيفُ كثيرةٌ. وَالصَّحَابِيُّ لغةً: مَنْ صَحِبَ غيرَهُ ما ينطلقُ عَلَيْهِ اسمُ الصُّحْبَةِ، وإنْ قلَّتْ. واصطِلاحاً: ما ذكرَهُ بِقولِهِ: ٧٨٦ - رَائي النَّبِيِّ مُسْلِماً ذُو صُحْبَةِ ... وقِيْلَ: إنْ طَالَتْ وَلَمْ يُثَبِّتِ ٧٨٧ - وقِيلَ: مَنْ أقَامَ عاماً أو غَزَا (٣) ... مَعْهُ (٤) وذَا لابْنِ المُسَيِّبِ عَزَا (٥) (رَائي النَّبِيِّ) ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُسْلِماً) مميِّزاً، ولو بلا مُجالسةٍ ومكالَمَةٍ، إنسياً أَوْ جِنِّيّاً (ذُو صُحْبَةِ) اكتفاءً بِمُجرَّدِ الرُؤْيَةِ، لشرفِ مَنْزِلةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فيظهرُ أثر نُورِهِ في قَلْبِ الرَّائِي، وَعَلَى جَوَارِحِهِ.

стр. 576

وجرى تَبَعاً لابن الصَّلاَحِ (١) في التَّعْبيرِ بالرُّؤْيَةِ عَلَى الغالِبِ، وإلاّ فالأولى - كَمَا قَالَ (٢) - التَّعْبيرُ بـ ((لاقي)) النَّبِيِّ ﷺ ، أي: ليدخلَ نَحْوُ ابنِ أمِّ مَكْتومٍ. ثُمَّ قَالَ: ((فالعِبارَةُ السَّالِمَةُ مِن الاعتِرَاضِ، أَنْ يُقَالَ: ((الصَّحَابِيُّ مَنْ لقيَ النَّبِيَّ ﷺ مُسْلِماً، ثُمَّ ماتَ عَلَى الإِسْلاَمِ)) لِيخْرجَ مَنِ ارتَدَّ، وماتَ كافِراً، كابنِ خَطَلٍ، ورَبِيعَةَ بنِ أُمَيَّةَ)) (٣). قَالَ: ((وفي دُخُولِ مَنْ لقيَهُ مُسْلِماً، ثُمَّ ارتَدَّ، ثُمَّ أسلَمَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ في الصحابةِ نَظَرٌ كَبِيْرٌ، كَقُرَّةَ بنِ هُبَيْرةَ، والأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ)) (٤). قَالَ شَيْخُنَا: ((وَالصَّحِيْحُ دخُولُهُ فِيْهِمْ، لإطْبَاقِ الْمُحَدِّثِيْنَ عَلَى عَدِّ الأشْعَث بن قَيْسٍ، ونحوِهِ مِنْهُمْ)) (٥). أما مَنْ رجَعَ إلى الإِسْلاَمِ في حَياتِهِ، كَعَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي سَرْحٍ، فلا مانِعَ مِنْ دُخُولِهِ فِيْهِمْ بدخُولِهِ الثَّانِي في الإِسْلاَمِ. قَالَ النَّاظِمُ (٦): ((وقولُهم: مَنْ رأى النَّبِيَّ ﷺ هَل الْمُرَادُ أنَّهُ رآهُ في حالِ نبوَّتِهِ، أَوْ أعمُّ؟))، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدلُّ عَلَى أنَّ الْمُرِادَ الأوَّلُ. وخرجَ بـ ((قَبْلَ وَفَاتِهِ)): مَنْ رآهُ بَعْدَهَا، وبـ ((الْمُسْلِمِ)): الكافِرُ، وَلَوْ أسْلَمَ بعدُ، وبـ ((المميِّزِ)) غَيْرُهُ، وإنْ رآهُ، كَعُبَيْدِ اللهِ بنِ عدِيِّ بنِ الخيار الَّذِي أحضِرَ إِلَيْهِ غَيْرَ مميِّز.

стр. 577

(وَقِيْلَ): إنَّمَا يَكُوْنُ من ذُكِرَ صَحَابِياً (إنْ طَالَتْ) عُرْفاً صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وكَثُرَتْ مُجَالَسَتُهُ لَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ، والأخْذِ عَنْهُ (١). وبهِ جزَمَ ابنُ الصَّبَّاغِ في " العدة ". (وَ) هَذَا القولُ (لَمْ يُثَبَّتِ) - بِضَمِّ التَّحْتيةِ، وتَشْديدِ الْمُوحَّدَةِ الْمَفتوحَةِ - أي: لَمْ يُقَوَّ عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ، والأصوليينَ. (وَقِيْلَ): إنَّما يَكُوْنُ صَحابياً (مَنْ أقامَ) مع النَّبِيِّ ﷺ (عاماً) أَوْ أكْثَرَ، (أو غَزَا مَعْهُ) غزوةً أَوْ أكثرَ. (وَذَا) القَوْلُ (لابنِ الْمُسَيِّبِ) سعيدٍ (٢) - بكسرِ الياءِ وفتحِهَا وَهُوَ الأشْهَرُ، والأوَّلُ أولى لما نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الفتحَ (٣)، ويقولُ: سيَّبَ اللهُ مَنْ سيَّبَنيْ - (عزا) أي: ابنُ الصَّلاَحِ متوقِّفاً في صحَّتِهِ عَنْهُ (٤). قَالَ الشَّارِحُ: ((ولا يصحُّ عَنْهُ، ففي الإسنادِ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بنُ عمرَ الواقديُّ ضَعِيفٌ في الْحَدِيْثِ)) (٥). وَقِيْلَ: الصَّحَابِيُّ مَنْ رآهُ مُسْلِماً بالِغاً عاقِلاً (٦).

стр. 578

وَقِيْلَ: مَنْ أدْرَكَ زمنَهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ وإنْ لَمْ يَرَهُ (١). ثُمَّ بَيَّنَ ما تُعْرَفُ بِهِ الصُّحْبَةُ، فقالَ: ٧٨٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ باشْتِهَارٍ أَوْ (٢) ... تَوَاتُرٍ أو قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَوْ ٧٨٩ - قَدِ ادَّعَاهَا وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلاَ ... وَهُمْ عُدُولٌ قِيلَ: لا مَنْ دَخَلاَ ٧٩٠ - في فِتْنَةٍ، والمُكْثِرُونَ سِتَّةُ ... أَنَسٌ، وابنُ (٣) عُمَرَ، والصِّدِّيقَةُ ٧٩١ - البَحْرُ، جَابِرٌ أَبُو هُرَيْرَةِ ... أَكْثَرُهُمْ وَالبَحْرُ في الحَقِيقَةِ ٧٩٢ - أَكْثَرُ فَتْوَى وَهْوَ وابنُ (٤) عُمَرا (٥) ... وَابْنُ الزُّبَيرِ وَابْنُ عَمْرٍو قَدْ جَرَى (٦) ٧٩٣ - عَلَيْهِمُ (٧) بِالشُّهْرَةِ العَبَادِلهْ ... لَيْسَ ابْنَ مَسْعُودٍ ولا مَنْ شَاكَلَهْ ٧٩٤ - وَهْوَ وزَيْدٌ (٨) وابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ ... فِي الْفِقْهِ أَتْبَاعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ (وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ) إما (باشْتِهَارٍ) بِها قاصرٍ عَنْ التواترِ، ويُسَمَّى استفاضةً عَلَى رأي، ك: عُكَاشَةَ بنِ مِحْصَنٍ، وضمامِ بنِ ثَعْلَبةَ. (اوْ) (٩) بالدرجِ (تواترٍ) بِهَا، ك: أبي بَكرٍ، وعمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ.

стр. 579

(أَوْ قَوْلِ) أي: إخبارِ (صَاحِبٍ) أخبر (١) بِهَا صريحاً، كقولِهِ: فلانٌ لَهُ صُحْبَةٌ، أَوْ ضمناً، كقولِهِ: كنتُ أنا، وفلانٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ عُلِمَ إسلامُ فلانٍ في تِلْكَ الحالةِ (٢). وكذا تُعرَفُ بقولِ آحادِ ثقاتِ التَّابِعينَ. (وَلَوْ قَدِ ادَّعاهَا) أي: الصُّحْبَةَ لنفْسِهِ (٣)، (وَهْوَ) قَبلَ دَعْوَاهُ إيَّاهَا (عَدْلٌ، قُبِلا) قولُهُ، لأنَّ مقامَهُ (٤) يِمْنَعُهُ الكذبَ. قَالَ النَّاظِمُ: ((ولابُدَّ منْ أنْ يَكُوْنَ ما ادَّعَاهُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الظاهرُ، أمَّا لَوْ ادَّعاهُ بَعْدَ مُضِيِّ مئةِ سنةٍ مِن حينِ وفاتِهِ ﷺ ، فإنَّهُ لا يقبلُ، وإنْ ثَبَتَتْ عدالتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لقولِهِ ﷺ في الْخَبْرِ الصَّحِيْحِ: ((أرَأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فإنَّهُ عَلَى رَأسِ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأرْضِ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَيْهَا أحَدٌ)) (٥)، قالَهُ في سنةِ وفاتِهِ ﷺ )) (٦). قَالَ: ((وَقَدْ اشترَطَ الأصُوْلِيُّوْنَ (٧) في قَبولِ ذَلِكَ مِنْهُ مَعْرِفَةَ معاصرتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ )) (٨). وَقِيْلَ: لا يُقْبَلُ قولُهُ بِذَلِكَ، لِكَونِهِ متهَماً بدعوى رتبةٍ يثبتُها لنفْسِهِ (٩).

стр. 580

ثُمَّ بيَّنَ مَرْتَبَتَهُمْ، فَقَالَ: (وَهُمْ) كُلُّهم باتفاقِ أهلِ السُّنَّةِ عَلَى ما حَكَاهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ (١) (عُدُولٌ) وإنْ دَخلُوا في الْفِتْنَةِ نظراً إلى ما اشتَهَرَ عَنْهُمْ مِنَ المآثِرِ الْجَميلَةِ، ولقولِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢)، وقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣). ولقولِهِ ﷺ : ((لاَ تَسُبُّوْا أصْحَابِيْ، فَوَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَوْ أنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا أدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيْفَهُ)) رَوَاهُ الشَّيْخانِ (٤). وَقَولُهُ ﷺ : ((اللهَ اللهَ فِيْ أصْحَابِيْ لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضاً، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّيْ أحبهُم، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِيْ أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِيْ، وَمَنْ آذَانِيْ فَقَدْ آذَى اللهَ وَمَنْ آذَى اللهَ (٥) فَيُوْشِكُ أنْ يَّأْخُذَهُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وابنُ حِبّانَ في " صَحِيْحِهِ " (٧). وَ (قِيْلَ: لاَ) يحكمُ بعدالةِ (مَنْ دَخَلاَ) مِنْهُمْ (في فِتْنَةٍ) وقعَتْ من حينِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، كالجمَلِ وصفينَ إلا بَعْدَ البَحْثِ عَنْهَا؛ لأنَّ أحدَ الفريقينِ فاسقٌ (٨).

стр. 581

وَقِيْلَ: يقبلُ الداخلُ فِيْهَا إذا انْفَرَدَ؛ لأنَّ الأصلَ العَدالةُ، وشَككنَا في ضِدِّهَا، ولا يقبلُ مع مُخَالفتِهِ لتحققِ (١) إبْطالِ أحدِهما من غيرِ تَعيينٍ. وَقِيْلَ: القَوْلُ بالعدالةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ اشْتُهِرَ مِنْهُمْ، ومَنْ عداهم، كسائِرِ النَّاسِ. وَالصَّحِيْحُ الأوَّلُ تَحْسِيناً للظَّنِّ بِهِمْ، وحَملاً لِمَنْ دخلَ في الفِتْنَةِ عَلَى الاجْتِهادِ. ولا التفاتَ إلى ما يذكرُهُ أهلُ السِّيَرِ؛ فإن أكثرَهُ لَمْ يصِحَّ، وما صَحَّ فَلَهُ تَأْويلٌ صَحِيْحٌ، وما أَحْسنَ قَوْلَ عمرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ ﵀: ((تِلْكَ دِماءٌ طهَّرَ اللهُ مِنْهَا سيوفَنَا، فلا نخضِّبْ بِهَا أَلْسِنَتَنَا)) (٢). قَالَ ابنُ الأنباريِّ: ((وليسَ الْمُرادُ بِعَدَالتِهِمْ ثُبوتَ عِصْمَتِهِمْ واسْتِحَالَةَ الْمَعْصِيةِ مِنْهُمْ، بَلْ قَبولَ رواياتِهِم مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ عَدالتِهِم، وطلبِ تَزْكِيَتِهمْ)) (٣). ثُمَّ بيَّنَ الْمُكثرينَ مِنْهُمْ روايةً، وفتوى، فَقَالَ: (والْمُكْثِرونَ) مِنْهُمْ رِوَايَةً، وهم مَنْ زادَ حديثُهم عَلَى ألفٍ، (سِتَّةُ)، وَهُمْ: (أَنَسٌ) هُوَ ابنُ مالكٍ، (وابنُ عمرَ) عَبْدُ اللهِ، (وَ) عَائِشَةُ (الصِّدِّيقَةُ) بنتُ الصِّدِّيقِ، و (البَحْرُ) عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ (٤) سُمِّيَ بَحْراً، لِسعةِ عِلْمِهِ (٥)، و (جابِرٌ) هُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ، و (أَبُو هُرَيْرَةِ)، وَهُوَ (أكْثَرُهُمْ) أي: الستَّةُ رِوَايَةً؛ لأنَّهُ رَوَى خمسةَ آلافِ حَدِيْثٍ وثلاثَ مِئَةٍ وأربعةً وسبعينَ حَدِيْثاً.

стр. 582

ثُمَّ ابنُ عُمَرَ؛ لأنَّهُ رَوَى ألفين وستمِئَةٍ وثلاثينَ. ثُمَّ أنسٌ؛ لأَنَّهُ رَوَى أَلْفَينِ ومِئَتَيْنِ وستةً وثَمَانِيْنَ. ثُمَّ عَائِشَةُ؛ لأَنَّهَا رَوَتْ أَلْفَينِ ومِئَتَينِ وعشرةً. ثُمَّ ابنُ عَبَّاسٍ؛ لأَنَّهُ رَوَى ألفاً وستمِئَةٍ وسِتِّينَ. ثُمَّ جَابِرٌ؛ لأَنَّهُ رَوَى ألفاً وخمسَ مِئَةٍ وأربعينَ (١). وزادَ النَّاظِمُ (٢) سابعاً، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ؛ لأَنَّهُ رَوَى ألفاً ومِئَةً وسبعينَ. وإنَّما كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أكثرَهُمْ، لقولِهِ (٣)، كَمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ " (٤): ((قلتُ: يا رَسُوْلَ اللهِ! إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ حَدِيْثاً كَثِيْراً أنْسَاهُ. قَالَ (٥): ابْسُطْ رِدَاءكَ. فَبَسَطتُهُ (٦) فَغَرَفَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ. فما نَسِيْتُ شَيْئاً بَعْدُ)). والْمُكْثرونَ مِنْهُمْ فَتْوَى سَبْعةٌ: عمرُ، وعليٌّ، وابنُ مَسْعودٍ، وابنُ عُمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وعائشةُ. (والبَحْرُ) ابنُ عَبَّاسٍ (في الْحَقيقةِ أكثرُ) الصَّحَابَةِ (فَتْوى)، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا لَهُ بقولِهِ: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ)) (٧)، وفي لفظٍ ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِيْ الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ)) (٨)، وفي آخر: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ، وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ)) (٩). ثُمَّ بَيَّنَ الْعَبادِلَةَ مِنْهُمْ، فَقَالَ:

стр. 583

(وَهْوَ) أي: البحرُ عَبْدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، (وابنُ عُمَرَا) عَبْدُ اللهِ، (وابنُ الزُّبَيْرِ) عَبْدُ اللهِ، (وابنُ عَمرٍو) ابنِ العاصِ عَبْدُ اللهِ (قَدْ جَرَى عَلَيْهِمُ بالشُّهْرَةِ: العَبَادِلَهْ). و (لَيْسَ) مَنْ جَرى عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَهُمْ (ابنَ مَسْعُودٍ) عَبْدُ اللهِ؛ لتقدُّمِ مَوتِهِ عَلَيْهِمْ (١)، (ولا مَنْ شَاكَلَهْ (٢)) في التَّسْمِيةِ بعبدِ اللهِ. فإذا اجتمعتِ الأربعةُ عَلَى شيءٍ قيل (٣): هَذَا قَوْلُ العبادلةِ. وبعضُهُم زادَ عَلَيْهِمْ، وبعضُهم نقصَ مِنْهُمْ. ثُمَّ بيَّنَ مَنْ كَانَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أتْباعٌ، وأصْحَابٌ يقولونَ برأيهِ. فَقَالَ: (وَهْوَ) أي: ابنُ مسْعودٍ، (وَزَيدٌ) هُوَ ابنُ ثَابتٍ، (وابنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ) دونَ غَيرِهِم مِنَ الصَّحَابَةِ (في الفِقْهِ أتباعٌ يَرَوْنَ) في علمِهِم وفُتْياهُم (قولَهُمْ). ٧٩٥ - وَقَالَ مَسْرُوقُ: انْتَهَى العِلْمُ (٤) إلى ... سِتَّةِ أَصْحَابٍ كِبَارٍ نُبَلا ٧٩٦ - زَيْدٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْ (٥) أُبَيِّ ... عُمَرَ، عَبْدِ اللهِ مَعْ (٦) عَليِّ ٧٩٧ - ثُمَّ انْتَهَى لِذَيْنِ والبَعْضُ جَعَلْ ... الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا (٧) بَدَلْ ٧٩٨ - وَالعَدُّ لاَ يَحْصُرُهُمْ فَقَدْ ظَهَرْ ... سَبْعُونَ أَلْفاً بِتَبُوكٍ وَحَضَرْ ٧٩٩ - الحَجَّ أَرْبَعُونَ أَلْفاً وَقُبِضْ ... عَنْ ذَيْنِ مَعْ (٨) أَرْبَعِ (٩) آلاَفٍ تَنِضّْ

стр. 584

ثُمَّ بيَّنَ الذينَ انْتَهَى إِلَيْهِم العِلْمُ مِن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ: (وَقَالَ مَسْرُوقُ) بنُ الأجْدعِ الكُوفيُّ: (انْتَهَى العِلْمُ) أي: وصلَ علمُ الصَّحَابَةِ (إلى سِتَّةِ) أنْفُسٍ، (أصْحَابٍ) لِلنَّبِيِّ ﷺ أيضاً، (كِبارٍ نُبَلاَ (١)) أي: فُضَلاء: (زَيْدٍ) هُوَ ابنُ ثابِتٍ، و (أَبِي الدَّرْداءِ) عُوَيْمِرٍ، (مَعْ أُبَيِّ) بنِ كَعْبٍ، و (عُمَرَ) بنِ الْخّطَّابِ، و (عَبْدِ اللهِ) بنِ مَسْعودٍ، (مَعْ عَلِيِّ) بنِ أَبِي طَالِبٍ. (ثُمَّ انتَهَى) علمُ السِّتَّةِ (لِذَيْنِ) أي: لعليٍّ، وابنِ مسعودٍ. كَذَا رَوَاهُ بَعْضُهم عَنْ مَسْرُوقٍ (٢). (وَ) لَكِنْ (البعْضُ) مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ أيضاً، وَهُوَ الشَّعبيُّ (٣) (جَعَلْ) أَبا مُوسَى (الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا (٤)) -بالقصرِ للوزنِ- (بَدَلْ) بالوقفِ بلغَةِ رَبيعةَ. وَلاَ يَقْدحُ في انتهاءِ علمِ السِّتَّةِ إلى عَلِيٍّ، وابنِ مَسْعُودٍ تَأَخُّرُ وفاةِ كُلٍّ مِنْ زَيْدٍ، وأبِي مُوسَى عَنْهُمَا؛ إِذْ لاَ مَانِعَ مِن انتِهاءِ عِلْمِ شَخْصٍ إلى آخرَ مَعَ بَقاءِ الأوَّلِ، كَمَا أفَادَهُ النَّاظِمُ (٥). قَالَ شَيخُنا: ((ولأنَّ عَلياً، وابنَ مَسعودٍ كَانَا مَعَ مَسْرُوقٍ بِالكُوفَةِ، فانْتَهى العِلْمُ إلَيْهِمَا بِهَا، بِمَعْنَى أنَّ عُمْدَةَ أهْلِ الكُوفَة في مَعْرِفَةِ عِلْمِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِمَا (٦))) (٧). ثُمَّ بيَّنَ عدمَ انحِصارِهِمْ، فَقَالَ: (وَالْعَدُّ لا يحصُرُهُمْ) لِتَفَرُّقِهِم (٨) في البلدانِ (٩) والنَّواحِي، (فَقَدْ) صَحَّ قَوْلُ

стр. 585

كَعْبِ بنِ مالكٍ في قِصّةِ تبوك: ((وأصْحابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ كَثيرٌ، لا يَجْمَعُهم كِتَابٌ حافِظٌ)) (١) أي: دِيْوَانٌ. و (ظَهَرْ)، يعني شهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ما رُوِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازيِّ (سَبْعُونَ ألْفاً بتبوكٍ) (٢). قَالَ: (وَحَضَرْ) مَعَهُ ﷺ (الْحَجَّ أَرْبَعُونَ ألْفاً، وقُبِضْ) ﷺ (عَنْ ذَينِ) أي: الفَريقَينِ الْمَذكورَينِ في قِصّةِ تَبُوك، وحجةِ الوَداعِ، أي مقدارُهُما، وَهُوَ مِئَةُ ألفٍ وعَشرةُ آلاف (مَعْ) زيادةِ (أرْبَعِ آلافٍ)، فَذَلِكَ مِئَةُ ألفٍ وأربَعةَ عَشَر ألفاً (٣) (تَنِضّْ) - بكسرِ النّونِ، وتَشْدِيدِ الضادِ الْمُعْجَمة - أي: تتيسرُ. يُقال: خُذْ ما نضَّ لكَ من دَيْنٍ، أي: تيسرَ، حكاهُ الْجًوهَريُّ (٤). والنَّضُّ والناضُ حقيقةٌ في النقدينِ، واستُعِيرَ لِلصَّحَابَةِ لرواجِهِم في النَّقْدِ وَسَلامتِهِم مِنَ الزَّيْفِ بِعَدالتِهِمْ. قَالَ النَّاظِمُ: ((وأُسْقِطَت الْهَاءُ من ((أربعٍ)) للضَرورَةِ، وإنْ كَانَ الألْفُ مذكراً)). انتهى (٥). وَيَصِحُّ إسقاطُها تَشْبيهاً للرِّجالِ بالدراهِمِ، قَالَ صَاحِبُ " القَامُوسِ ": ((الألفُ من العددِ مذكرٌ، وَلَوْ أُنِّثَ باعتبارِ الدراهِمِ جازَ)) (٦). ونَقَلَهُ الْجَوْهَريُّ، فَقَالَ: ((وَقَالَ ابنُ السكيتِ: لَوْ قلتُ: هَذِهِ ألفٌ، بِمَعْنى هَذِهِ الدَّراهِمُ ألفٌ، لَجَازَ)) (٧).

стр. 586

٨٠٠ - وَهُمْ طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ ... قِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْ تَزِيدُ ٨٠١ - وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ ... وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ (١) وَهْوَ الأَكْثَرُ ٨٠٢ - أَوْ فَعَلِيٌّ قَبْلَهُ خُلْفٌ حُكِيْ ... قُلْتُ: وَقَوْلُ الوَقْفِ جَا (٢) عَنْ مَالِكِ ٨٠٣ - فَالسِّتَّةُ البَاقُونَ، فالبَدْرِيَّهْ ... فَأُحُدٌ، فَالبَيْعَةُ المَرْضِيَّهْ ٨٠٤ - قَالَ: وَفَضْلُ السَّابِقِينَ قَدْ وَرَدْ ... فَقِيلَ: هُمْ، وَقِيلَ: بَدْرِيٌّ وَقَدْ ٨٠٥ - قِيلَ: بَلْ اهْلُ (٣) القِبْلَتَيْنِ، واخْتَلَفْ ... -أَيُّهُمُ أَسْلَمَ قَبْلُ؟ - مَنْ سَلَفْ ٨٠٦ - قِيلَ: أبو بَكْرٍ، وقِيلَ: بلْ عَلِيْ ... وَمُدَّعِي إجْمَاعِهُ لَمْ يُقْبَلِ ٨٠٧ - وَقِيلَ: زَيْدٌ وادَّعى وِفَاقا ... بَعْضٌ عَلَى خَدِيجَةَ اتِّفَاقا ثُمَّ بيَّنَ تفاوتَهُم في الفَضِيلةِ إجْمالاً، ثُمَّ تَفْصِيلاً، فَقَالَ: (وَهُمْ) باعتبارِ سبْقِهم إلى الإِسْلاَمِ، أَوْ الْهِجْرَةِ، أَوْ شُهودِ الْمَشَاهِدِ الفاضِلَةِ (طباقٌ إنْ يُرَدْ تَعْدِيْدُ) أي: عدّها (٤). (قِيْلَ) أي: قَالَ الْحَاكِمُ في " عُلومِ الْحَدِيْثِ " (٥): هِيَ (اثنتا (٦) عشرة) طبقةً: فالأولى: مَنْ تقدمَ إسلامُه بِمَكةَ، كالخلفاءِ الأربعةِ. الثانيةُ: أَصْحَابُ دارِ النَّدْوَةِ. الثالثةُ: مَنْ هاجَرَ إلى الْحَبَشَةِ. الرَّابِعةُ: أَصْحابُ العَقبةِ الأولى. الخَامِسَةُ: أَصْحابُ العَقبةِ الثانِيَةِ، وأكْثَرُهُم مِنَ الأنْصَارِ.

стр. 587

السَّادِسَةُ: الْمُهَاجِرونَ الذِينَ وَصَلُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ بقباء قَبْلَ أَنْ يدخلَ الْمَدِينةَ. السَّابِعةُ: أهلُ بَدْرٍ. الثَّامِنَةُ: مَنْ هَاجرَ بَيْنَ بَدْرٍ والْحُدَيْبِيةَ. التَّاسِعةُ: أهْلُ بَيعَةِ الرّضْوانِ. الْعَاشِرَةُ: مَنْ هَاجَرَ بَيْنَ الْحُدَيبيةِ، وفتحِ مَكةَ. الْحَاديةَ عشرَةَ: مسلَمَةُ الفَتْحِ. الثَّانيةَ عشرةَ: صِبيان وأطفالٌ رأوا النَّبِيَّ ﷺ يومَ الفَتْحِ وحجَّةَ الوَداعِ، وغيرِهِما. (أَوْ تَزيدُ) أي: قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: ((وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى اثنتي عَشْرةَ)) (١). وَقَالَ ابنُ سَعْدٍ: إنَّهُمْ خَمْسُ طِباقٍ فَقَطْ. الأوْلى: الْبَدْريونَ. الثَّانيةُ: مَنْ أسلمَ قديماً مِمَّنْ هاجرَ عامَّتُهُم إلى الْحَبَشَةِ، وشهِدُوا أُحُداً فما بعدَها. الثالثةُ: مَنْ شهِدَ الْخَنْدقَ فما بعدَها. الرَّابعةُ: مَسْلَمَةُ الفَتْحِ فَمَا بعدَها. الْخَامِسَةُ: الصِّبْيانُ والأطْفالُ مِمَّنْ لَمْ يغزُ. (والأَفْضَلُ) مِنْهُمْ مُطْلَقاً بإجماعِ أهْلِ السُّنَّةِ (٢) أَبو بَكْرٍ (الصِّدِّيقُ) سُمِّيَ بِهِ لِمُبَادَرَتِهِ إلى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ غيرِهِ. (ثُمَّ) يَليهِ (عُمَرُ) بنُ الْخَطَّابِ بإجماعِ أهلِ السُّنَّةِ أَيْضاً. (وَبَعْدَهُ) أي: عُمَرَ، إما (عُثْمَانُ) بنُ عَفَّانٍ، (وَهْوَ الأكْثَرُ) أي: قَوْلُ الأكثرِ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ، فترتيبُهُم في الأفْضَلِيةِ كترتيبِهِم في الْخِلاَفَةِ. (أَوْ فَعَليٌّ) هُوَ ابنُ أَبِي طَالِبٍ (قَبْلَهُ) - إيضاحٌ - أي: قَبْلَ عُثْمَانَ (خُلْفٌ) أي: خلافٌ (حُكِيْ).

стр. 588

وإلى قَوْلِ الأكثرِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمَا (١)، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ والثَّوْرِيِّ، وكَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيْثِ، والفِقْهِ، وَكَثِيْرٍ مِنَ الْمُتَكَلمينَ، كَمَا قَالَ القَاضِي عِياضٌ (٢). وإليهِ ذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الأشْعَرِيُّ، والقَاضِي أَبُو بَكرٍ الْبَاقلانِيُّ، لكنَّهُما اختَلَفَا في التَّفْضِيلِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أهُوَ قَطْعِيُّ الدَّلِيلِ أَوْ ظنيهُ؟ فالذي مالَ إِلَيْهِ الأشْعَرِيُّ: الأوَّل، والْبَاقلانِيُّ: الثَّانِي (٣). (قُلْتُ: وقولُ الوَقْفِ) عَنْ تفَضِيلِ أحدِ الأخِيرَيْنِ عَلَى الآخَرِ (جا) - بالقصْرِ للوَزْنِ - (عَنْ مَالِكِ (٤))، لَكِنْ حَكَى عَنْهُ القَاضِي عِيَاضٌ قَوْلاً بالرّجوعِ عَن الوَقْفِ إلى تَفْضِيلِ عُثْمَان (٥). قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ((وَهُوَ الأصحُّ إنْ شَاءَ اللهُ)) (٦). وَقَدْ (٧) تَقَدَّمَ أنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. (ف) يلي الْخُلَفَاءَ الأرْبَعَةَ (السِّتَّةُ الْبَاقُونَ) مِنَ العَشَرَةِ الَّذِيْنَ بَشَّرَهُم النَّبِيُّ ﷺ بالْجَنَّةِ، وهُمْ: طَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وسَعِيدٌ، وعبدُ الرَّحْمَانِ ابنُ عَوْفٍ، وأبو عُبَيْدَةَ بنُ الْجَرَّاحِ. (ف) يَلِيهِم الطَّائِفَةُ (الْبَدْرِيَّهْ) أي: الَّذِيْنَ شَهِدُوْا بَدْراً، وهُمْ ثلاثُ مِئَةٍ، وبِضْعَةَ عَشَر. (ف) يَلِيهِم (أُحُدٌ) أي: أهلُ أُحُدٍ الَّذِيْنَ شَهِدُوْهَا، وكَانُوا ألْفاً. (فَ) يَلِيهِم (الْبَيْعَةُ الْمرضِيَّهْ) أي: أهْلُ بَيعَةِ الرِّضْوَانِ بالْحُدَيْبِيةِ (٨) الَّتِيْ نَزَلَ فِيْهَا

стр. 589

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ (١) الآيَة، وَقَدْ (٢) كَانُوا ألفاً وأرْبَعَ مِئَةٍ (٣). (قَالَ) ابنُ الصَّلاَحِ (٤): (وَفَضْلُ السَّابِقِينَ) الأولينَ مِنَ الْمُهَاجِرينَ، والأنْصَارِ (قَدْ وَرَدْ) في الْقُرْآنِ بِقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَالأنْصَارِ﴾ (٥) ... الآيةُ، وقولُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٦) ... الآيةُ، وقولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ (٧) ... الآيةَ. وَقَدْ اختُلِفَ فِيْهِمْ، (فقيلَ) أي: فَقَالَ الشَّعْبِيُّ وغيرُهُ: (هُمْ) أي: الَّذِيْنَ شَهِدوا بَيْعةَ الرضوانِ (٨). (وَقِيْلَ) أي: وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ القرظيُّ (٩)، وغيرُهُ (١٠): (بدريٌّ) أي: أهلُ بَدْرٍ. (وَقَدْ (١١) قِيْلَ) أي: وَقَالَ أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ (١٢) وغيرُهُ (١٣): (بَلْ

стр. 590

اهْلُ (١)) - بالدرجِ - (القِبْلَتَين) الَّذِيْنَ صَلُّوْا إلَيْهِمَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ أوَّلُهم إسْلاماً، فَقَالَ: (واخْتَلَفَ أيُّهُمُ) - بضمِّ الْمِيمِ - (أسْلَمَ قَبْلُ) أي: الْبَاقِينَ (مَنْ سَلَفْ) فاعلُ ((اخْتَلَفَ)) أي: واختَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ فمَنْ بَعْدَهُم في أيِّ الصَّحَابَةِ أوَّلُ إسْلاماً؟ (قِيْلَ) أي: فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ (٢)، وغيرُهُ: أوَّلُهم إسْلاماً (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ، لقولِهِ رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَمَا في التِّرْمذيِّ: ((ألستُ أوَّلَ مَنْ أسلمَ؟)) (٣). ولقولِهِ ﷺ لعمرِو بنِ عبسةَ (٤) لما سألَهُ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الأمر: ((حرٌ وعبدٌ))، يعني أبا بَكْرٍ، وبلالاً، رَوَاهُ مُسْلِم (٥). (وَقِيْلَ) أي: وَقَالَ جابرُ بنُ عَبْدِ اللهِ (٦) وغيرُهُ (٧): (بَلْ) أوَّلُهُمْ إسْلاماً (عَلِيْ) بنُ أَبِي طالبٍ، لقولِهِ رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ (٨): ((لَقَدْ صَلَّيتُ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ

стр. 591

النَّاسُ سَبْعاً)) (١). (وَمُدَّعِي إجْمَاعَهُ) أي: الإجْماعِ عَلَى هَذَا القَوْلِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ (٢) (لَمْ يُقْبَلِ) مِنْهُ، بَلْ اسْتُنْكِرَ مِنْهُ، كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٣). (وَقِيْلَ) أي: وَقَالَ معمرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ (٤): أوَّلُهم إسْلاماً (زَيْدٌ) هُوَ ابنُ (٥) حارِثةَ. (وادَّعَى) حالةَ (٦) كَوْنِهِ (وِفَاقا) أي: موافِقاً لغيرِهِ، كقتادَةَ (٧)، وابنِ إسْحَاقَ (٨) (بعضٌ)، كالثَّعْلَبِيِّ (عَلَى) أُمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ (خَدِيْجَةَ) في أنَّها أوَّلُ النَّاسِ إسْلاماً (اتِّفَاقا) مفعولُ ((ادَّعَى)). قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: ((والْخِلافُ إنَّما هُوَ في مَنْ أسْلَمَ بَعْدَهَا)) (٩). وَهَذَا القَوْلُ قَالَ النَّوَوِيُّ: ((إنَّهُ الصَّوابُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِيْنَ)) (١٠). وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ: ((أوَّلُ مَنْ آمَنَ: خَدِيْجَةُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَهُوَ ابنُ عَشْرٍ، ثُمَّ زيدٌ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، فأظْهَرَ إسْلامَهُ ودعى إلى اللهِ ، فأسْلَمَ بدعائِهِ عُثْمانُ، والزُّبَيْرُ،

стр. 592

وعبدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وطلحَةُ، فَكَانَ هَؤُلاَءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيةُ أسبقَ النَّاسِ بالإسْلامِ)) (١). وَقِيْلَ: أوَّلُهُم إسْلاماً بلالُ، لِخَبرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ. قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ للجمعِ (٢) بَيْنَ الأقْوَالِ: ((والأورعُ أَنْ يُقالَ: أوَّلُ مَنْ أسلمَ مِنَ الرِّجَالِ الأحرارِ: أَبُو بكرٍ، ومنَ الصبيانِ: عليٌّ، ومن النِّساءِ: خَدِيْجَةُ، ومِنَ الْمَوالي: زيدٌ، ومِنَ الْعَبيدِ: بلالٌ)). انتهى (٣). وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيْفَةَ ﵀ (٤)، وفي الْمَسْألةِ أقوالٌ أُخَرُ (٥). ٨٠٨ - وَمَاتَ آخِراً بِغَيْرِ مِرْية ... أبُو الطُّفَيْلِ مَاتَ عَامَ مِئَةِ ٨٠٩ - وقَبْلَهُ السَّائِبُ بالمَدِينَةِ ... أَوْ سَهْلٌ اوْ (٦) جَابِرٌ اوْ (٧) بِمَكَّةِ (٨) ٨١٠ - وقِيلَ: الاخِرُ (٩) بِهَا: ابنُ عُمَرَا ... إنْ لا (١٠) أبُو الطُّفَيْلِ فِيهَا قُبِرَا ٨١١ - وأَنَسُ بنُ مالِكٍ بالبَصْرَةِ ... وابنُ أبي أوْفَى قَضَى بالكُوْفَةِ ٨١٢ - والشَّامِ فَابْنُ بُسْرٍ اوْ (١١) ذُو باهِلَهْ ... خُلْفٌ، وقِيلَ: بِدِمَشْقٍ وَاثِلَهْ ٨١٣ - وَأنَّ في حِمْصَ ابنُ بُسْرٍ قُبِضَا ... وأنَّ بالجزيرةِ العُرْسُ قَضَى

стр. 593

٨١٤ - وبِفِلَسْطِينَ أبُو أُبَيِّ ... ومِصْرَ فابنُ الحارِثِ بنِ جُزَيِّ (١) ٨١٥ - وقُبِضَ الهِرْمَاسُ باليَمَامَةِ ... وقَبْلَهُ رُوَيْفِعٌ ببَرْقةِ (٢) ٨١٦ - وقِيلَ: إفْرِيقِيَّةٍ (٣)، وسَلَمَهْ ... بادِياً اوْ (٤) بِطِيبَةَ المُكَرَّمَهْ ثُمَّ بيَّنَ مَنْ آخرُهُمْ موتاً، فَقَالَ: (وَماتَ) مِنْهُمْ (آخِراً) مُطلقاً (بغيرِ مِرْيَةِ) - بكسر الْمِيمِ أشهرُ من ضمِّها (٥) - أي: شكٍّ (أَبُو الطُّفَيلِ) عَامِرُ بنُ واثِلَةَ الليثيُّ (مَاتَ عَامَ مِئَةِ) مِنَ الْهِجْرَةِ، لقولِهِ كَمَا في مُسْلِم: ((رأيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، ومَا عَلَى وَجْهِ الأرْضِ رجُلٌ رآه غيرِي)) (٦). وَقِيْلَ: ماتَ سنةَ اثنتينِ (٧)، أَوْ سبعٍ (٨)، أَوْ عَشْرٍ ومِئَةٍ (٩)، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ (١٠). وَقِيْلَ: بالْكوفَةِ. فهو آخرُ مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، أَوْ بالكوفَةَ (١١). أَيْضاً (و) آخرُهُمْ مَوْتاً مقيَّداً بالنَّواحي (قبلَهُ) أي: قَبْلَ أَبِي الطُّفَيلِ، إمَّا (السَّائِبُ) بنُ يَزِيدَ (بالْمَدِينَةِ) النَّبَوِيَّةِ، (أَوْ سَهْلٌ) بِها، وَهُوَ ابنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، (اوْ) (١٢) بالدرجِ (جابِرٌ)،

стр. 594

وَهُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ، أي: فهو آخرُهُم مَوتاً بِهَا، أَوْ بـ ((قباءَ))، (اوْ) (١) -بالدرجِ- (بِمَكَّةِ) بالصَّرْفِ للوزنِ، وَالْجُمْهُوْرُ عَلَى الأوَّلِ. قَالَ النَّاظِمُ: ((كَذَا اقْتَصَرَ ابنُ الصَّلاَحِ عَلَى أنَّ أخِرَهُم مَوْتاً بالْمَدينَةِ أحدُ الثَّلاَثَةِ، وَقَدْ تأخَّرَ عَنِ الثَّلاَثَةِ مَوْتاً بِهَا: مَحْمُوْدُ بنُ الرَّبِيْع، وَتُوُفِّيَ سنةَ تِسعٍ وَتِسْعِيْنَ بتقديمِ التَّاءِ فِيْهِمَا، وَمَحْمُودُ بنُ لَبِيْدٍ الأَشْهَلِيُّ (٢) وتُوفيَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وتِسْعِينَ)) (٣). (وَقِيْلَ: الاخِرُ) بالدرجِ - مَوْتاً (بِهَا) أي: بِمَكَّةَ (ابنُ عُمَرا) عَبْدُ اللهِ، وكلٌّ مِنْهُ، ومِنْ جَابِرٍ عَلَى القَوْلِ بأنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ إنَّما يَكُوْنُ آخرهم مَوْتاً بِمَكَّةَ (إنْ لا) أي: إنْ لَمْ يَكُنْ (أَبُو الطُّفَيلِ فِيْهَا قُبِرَا)، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أنَّهُ قُبِرَ بِهَا، والْمُرادُ: ماتَ بِهَا. وَتُوفِيَ السَّائِبُ سنةَ ثَمَانِيْنَ أَوْ اثنتينِ (٤)، أَوْ سِتٍّ، أَوْ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ. أَوْ إحْدَى وتِسْعِينَ (٥)، أقْوَالٌ. وسَهْلٌ سنةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ (٦)، وَقِيْلَ: إحْدَى وتِسْعينَ (٧). وجابِرُ سنةَ اثنتينِ أَوْ ثلاثٍ، أَوْ أربَعٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ ثَمَانٍ، أَوْ تِسْعٍ وسَبْعِينَ، والْمَشْهُورُ: خامِسُها (٨).

стр. 595

وابنُ عُمَرَ سَنَةَ اثنتينِ (١)، أَوْ ثلاثٍ (٢)، أَوْ أربَعٍ وسبعينَ (٣)، والْمَشْهورُ ثانيها. (وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ) آخرُهُم مَوتاً (٤) (بالْبَصْرَةِ) - بفتحِ الْمُوحَّدَةِ أشْهَرُ مِن ضَمِّهَا وكَسْرِها - وتوفيَ سنةَ تِسْعينَ، أَوْ إحْدى (٥)، أَوْ اثنَتَينِ (٦)، أَوْ ثلاثٍ وَتِسْعِينَ، ورجَّحَ النَّوويُّ (٧) وغيرُهُ (٨) أخرَها. (وابنُ أَبِي أَوْفَى) عَبْدُ اللهِ الأسْلَمِيُّ (٩) (قَضَى) أي: مَاتَ آخراً (بالْكُوفَةِ) سنةَ ستٍّ (١٠)، أَوْ سَبْعٍ (١١)، أَوْ ثَمَانٍ وثَمَانينَ (١٢).

стр. 596

(وَ) أمّا آخرُهُم مَوْتاً في (الشَّامِ ف) هُوَ إمّا (ابنُ بُسْرٍ) - بضَمِّ الْمُوحَّدَةِ ثُمَّ بسينٍ مُهْمَلَةٍ - عُبيدُ اللهِ الْمَازِنِيُّ (١) (اوْ) (٢) بالدرجِ - أَبُو أُمَامَةَ صُدَيُّ بنُ عَجْلانَ (٣) (ذُو بَاهِلَهْ)، أي: البَاهِلِيُّ (خُلْفٌ)، أي: خِلافٌ. وَالصَّحِيْحُ الأوَّل. وتوفيَ الأوَّلُ سَنَةَ ثَمَانِ وَثَمانِيْنَ (٤)، وَهُوَ الْمَشْهورُ، أَوْ ست وتسعِينَ (٥)، أَوْ سنةَ مِئَة، والثَّانِي سنةَ إحْدَى (٦) أَوْ ست وَثَمَانِيْنَ (٧). ثُمَّ أشارَ النَّاظِمُ (٨) إلى طريقةٍ أُخْرَى (٩) سَلَكَهَا أَبُو زَكَرِيا ابنُ مَنْدَه في آخِرِهِم مَوتاً بِنَواحٍ مِنَ الشَّامِ، وَهِيَ: دِمَشْقُ، وحِمْصُ، والْجَزِيرةُ، وفِلَسْطِينُ، فَقَالَ: (وَقِيْلَ): إنَّ أخرَهُم مَوْتاً (بِدِمَشْقٍ) (١٠)، وَقِيْلَ: بِالْقُدسِ (١١)، وَقِيْلَ: بِحِمصٍ (١٢)

стр. 597

(وَاثِلَهْ) بنُ الأسقعِ، وتوفيَ سنةَ ثَلاثٍ أَوْ خَمْسٍ (١)، أَوْ ستٍّ وَثَمَانِينَ. (وَأنَّ فِي حِمْصَ ابنُ بُسْرٍ) السَّابقُ (قُبِضَا) آخرهم. (وأنَّ بالْجَزِيرةِ) الَّتِيْ بَيْنَ دجلَةَ والفُرَاتِ (٢) (العُرْسُ) -بضمِّ العَينِ (٣) - ابنُ عَمِيْرة -بفتحِهَا- الكِنْدِيُّ (٤) (قَضَى) (٥) آخرهم. وَقِيْلَ: آخرُهُم مَوْتاً بِهَا: وابِصَةُ بنُ معبدٍ. (و) أنَّ آخرَهُم مَوْتاً (بِفِلَسْطينَ) - بكسر الفاء، وفتح اللام، وسكون المهملة (٦) - ناحيةٌ كبيرةٌ وراءَ الأُرْدُنِّ مِنْ أرضِ الشَّامِ، فِيْهَا عدةُ مُدُنٍ: كالقُدْسِ، والرَّمْلَةِ، وَعَسْقَلاَنَ، والْمُرادُ هنا القُدْسُ (أَبُو أُبَيِّ) -بالتصغير- عَبْدُ اللهِ، ويقالُ لَهُ: ابنُ أمِّ حرامٍ. واختُلِفَ في اسْمِ أبيهِ، فقيلَ: عمرُو بنُ قَيْسٍ (٧)، وَقِيْلَ: أُبَيُ، وَقِيْلَ: كَعْبٌ. وَقِيْلَ: إنَّمَا مَاتَ بِدَمْشق (٨). (وَ) أما (٩) آخرُهم مَوْتاً في (مِصْرَ فابنُ الْحَارِثِ) عَبْدُ اللهِ (بنُ جُزَيِ) بإبدال همزتِهِ ياءً ثُمَّ إشْباعِها للوزنِ، فإنَّهُ جَزْء، وَهُوَ الزُّبَيْدِيُّ - بالتَّصْغيرِ -. وَقِيْلَ: إنَّما مَاتَ بسَفْطِ القدورِ (١٠)، وتُعْرَفُ اليومَ بسَفْطِ أبي ترابٍ بالغَرْبيةِ. وَقِيْلَ: مَاتَ باليَمَامَةِ (١١). وتوفيَ سنة خَمسٍ، أَوْ ستٍّ، أَوْ سَبعٍ، أَوْ ثَمانٍ، أَوْ تِسْعٍ وَثَمانينَ، والْمَشْهورُ ثانيها. (وقُبِضَ الْهِرْمَاسُ) - بكسرِ الْهَاءِ - بنُ زِيادٍ الْبَاهِليُّ، آخرُهم (بالْيَمَامةِ).

стр. 598

وَعَنْ عكرمةَ بنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ لقيَهُ سَنَةَ اثنتينِ ومِئَةٍ (١): فموتُهُ إمّا فِيْهَا أَوْ فِيْمَا بعدَها، فإنْ صَحَّ ذَلِكَ، أُشْكِلَ بِمَا مَرَّ مِنْ (٢) أنَّ آخرَهم مَوْتاً مُطْلَقاً: أَبُو الطُّفيلِ، وإنَّهُ مَاتَ سنةَ مِئَةٍ. (و) قُبِضَ (قبلَهُ) سنةَ ثلاثٍ، أَوْ ستٍ وخَمْسينَ (رُوَيْفِعٌ) (٣) هُوَ ابنُ ثابِتٍ الأنصاريُّ (بِبَرْقَةِ) -بالصَّرفِ للوزنِ-مِنْ بِلادِ الْمَغْربِ (٤). (وَقِيْلَ): قُبِضَ في (إفْرِيقيَّةٍ) -بِكسرِ الْهَمْزَةِ، وبالصَّرفِ للوزنِ (٥) -من بلادِ الْمَغْرِبِ أَيْضاً. وَقِيْلَ: قُبِضَ بأنطابُلس (٦). وَقِيْلَ: بالشامِ. (و) قُبِضَ (سَلَمَهْ) بنُ عَمْرٍو بنِ الأكوعِ الأسْلَمِيُّ سَنةَ أربعٍ وسَبْعِينَ. وَقِيْلَ: أربعٍ وسِتينَ (بادِياً) أي: بالْبادِيةِ، فهو آخرُهم مَوتاً بِهَا (٧)، (اوْ) (٨) -بالدرجِ- (بِطِيبةَ)، أي: الْمَدينَةِ (الْمُكَرَّمَهْ) بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ الصَّحِيْحُ (٩). قَالَ النَّاظِمُ: ((وآخرُهم مَوْتاً بِخُرَاسانَ بُرَيْدَةُ بنُ الْحُصَيْبِ، وبـ ((الرُّخَّجِ)) -أي: براءٍ مَضمومةٍ ثُمَّ خاءٍ معجمةٍ مُشَدَّدةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَقِيْلَ: ساكِنة، ثُمَّ جيم من أعمالِ سجستانَ (١٠): الْعَدَّاءُ بنُ خَالدٍ بنِ هَوْذَة، وبأصْبَهانَ: النَّابِغَةُ الْجُعْدِيُّ (١١). وبالطَّائِفِ: عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ)) (١٢).

стр. 599

مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ (١) ٨١٧ - والتَّابعُ (٢) اللاَّقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبَا ... وَلِلْخَطِيبِ حَدُّهُ: أنْ يَصْحَبَا ٨١٨ - وَهُمْ طِبَاقٌ قِيلَ: خَمْسَ عَشَرَهْ ... أَوَّلُهُمْ: رُوَاةُ كلِّ العَشَرَهْ ٨١٩ - وَقَيْسٌ الفَرْدُ بِهَذا الوَصْفِ ... وَقِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَوْفِ ٨٢٠ - وَقَوْلُ مَنْ عدَّ سَعِيداً فَغَلَطْ ... بَلْ قِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ سِوَى سَعْدٍ فَقَطْ ٨٢١ - لَكِنَّهُ الأَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَا ... وعَنْهُ قَيْسٌ وَسِوَاهُ وَرَدَا ٨٢٢ - وَفَضَّلَ الحَسَنَ أَهْلُ البَصْرَةِ ... والقَرَنِيْ أُوَيْساً اهْلُ (٣) الكُوفَةِ ٨٢٣ - وفي نِسَاءِ (٤) التَّابِعِينَ الأَبْدَا ... حَفْصَةُ مَعْ عَمْرَةَ أُمِّ الدَّرْدَا (٥) (والتّابِعُ): الأكثَرُ اسْتعمالاً التَّابِعِيُّ، هُوَ: (اللاّقِي)، وَلَوْ غَيْر مُمَيِّزٍ (لِمَنْ قَدْ صَحِبَا) أي: لِلصَّحَابِيِّ، وَلَوْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ، وَاحداً (٦) كَانَ الصَّحَابِيُّ أَوْ أكْثرَ، سَمِعَ مِنْهُ اللاّقِي أَمْ لا. (وَلِلْخَطِيْبِ حَدُّهُ) أي: التَّابِعِيُّ: (أَنْ يَصْحَبَا) الصَّحَابِيَّ (٧)، فَلاَ يَكْفِي اللُقيُ (٨). والأوَّلُ أصحُّ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بتصحيحِهِ ابنُ الصَّلاَحِ (٩)، والنَّوَوِيُّ (١٠).

стр. 600

ثُمَّ بيَّنَ تفاوتَهم، فَقَالَ: (وَهُمْ طِبَاقٌ) ثلاثٌ، كَمَا في " الطَّبَقاتِ " لِمُسْلِمٍ، وكَمَا فِيْهَا لابنِ سَعْدٍ (١)، وربما بلغَ بِهَا أرْبَعاً. وَ (قِيْلَ) أي: قَالَ الْحَاكِمُ: (((خَمْسَ عَشَرهْ) طبقةً، آخرُهم مَنْ لقي أنسَ بنَ مَالِكٍ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، ومَنْ لقي عَبْدَ اللهِ بنَ أَبِي أوْفَى مِن أَهْلِ الكُوفَةِ، ومَنْ لقي السَّائِبَ بنَ يَزِيدٍ مِن أَهْلِ الْمَدينةِ)) (٢). و (أَوَّلُهم رُوَاةُ كُلِّ العَشَرَهْ) الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، أي: الَّذِيْنَ سَمِعُوا مِنْهُمْ، (وَقَيْسٌ) هُوَ ابنُ أَبِي حَازِمٍ (الفَرْدُ) أي: انْفرَدَ مِنْهُمْ (بِهَذَا الوَصْفِ) أي: بروايتِهِ عَنْ كُلِّهم، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدَ الرَّحْمَانِ بنُ يُوسُفَ بنِ خِراشٍ (٣)، وابنُ حِبَّانَ (٤). (وَ) لكنْ (قِيْلَ) أي: قَالَ أَبُو داودَ، وغيرُهُ: إنَّهُ (لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابنِ عَوْفِ) عَبْدِ الرَّحْمَانِ (٥)، أحدهم (٦). (وَ) أمَّا (قَوْلُ مَنْ عَدَّ) - مَعَ قَيْسٍ، فِيْمَنْ سَمِعَ مِن العَشَرَةِ - (سَعِيداً)، هُوَ ابنُ الْمُسَيِّبِ؛ وَهُوَ الْحَاكِمُ (٧)، (فَغَلَطْ)؛ لأنَّ سَعِيْداً (٨) إنَّما وُلِدَ في خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَكيفَ يسمَعُ مِن أَبِي بَكْرٍ؟ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِن بَعْضِ بقيَّتِهِم أَيْضاً (٩).
следующие страницы →