← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 353

أثر تعليل النص على دلالته

أيمن صالح

Полный текст (212 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة الرسائل الجامعية أثر تعليل النص على دلالته (أو) العلة والنص تأليف أيمن علي عبد الرؤوف صالح دار المعالي

стр. 2

مقدِّمة الإصدار الإلكتروني الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه وآله ومن والاه، وبعد: فهذا الكتاب، في أصله، رسالة علمية استكملتُ بها متطلبات درجة الماجستير في الفقه وأصوله من الجامعة الأردنية في العام (١٩٩٦ م - ١٤١٧ هـ)، أي قبل حوالي عشرين سنة من الآن. وقد سبق طبع هذا الكتاب طبعة وحيدة في العام ١٩٩٩ م - ١٤٢٠ هـ، طبعته دار المعالي، في العاصمة الأردنية عمّان. ونظرًا لتعثُّر دار النشر، وإغلاقها فيما بعد، فقد أخلَّت بالتزاماتها تجاه المؤلّف حتى أني لم أرَ أيَّ نسخة للمطبوع من الكتاب إلا قبل أشهر قليلة فقط عن طريق أحد الأصدقاء في جامعة قطر، كان قد اقتنى منه نسخة في أثناء دراسته في المملكة السعودية، فاستعرتها منه آملا إعادة نشر الكتاب نشرًا إلكترونيًّا موافقًا للمطبوع منه؛ ليعمّ الانتفاع به، ولألبّي طَلب كثيرٍ من أهل العلم وطلبته الذين ما فتئوا يسألونني نُسَخًا من الكتاب. الكتاب ذو موضوع هام؛ لأنه يرسم معالم أصولية للعلاقة الجدلية بين العلة والنص، وهي علاقة شديدة الحساسية والتعقيد، وهو من أوائل الدراسات العلمية التي تناولت هذا الموضوع الدقيق. وما تلاه من دراسات، بعد ذلك، أفاد منه بطريق مباشرة أو غير مباشرة، مع العزو والإحالة أحيانا، ودونهما في أكثر الأحيان. ورغم أن عشرين سنة مُدّةٌ كفيلة بوجود كثير من التطورات العلمية التي تستدعي إعادة النظر في مادة الكتاب وتطويرها وتحسينها، ولا سيّما مع بحوثي المعمّقة في جناحي الاجتهاد: النصّ والعلة ـ كالقرائن والنص، وتحقيق معنى العلة، وأهل الألفاظ وأهل المعاني، وإشكالية القطع عند الأصوليين، وفوائد تعليل الأحكام، وغيرها من البحوث ـ إلا أني اخترت ألا أفعل ذلك؛ وذلك لأنّ الكتاب أصبح شيئًا من «التاريخ» الذي ينبغي أن يُحافظ عليه، ولذلك أخرجتُه في هذه النسخة الإلكترونية موافقًا للمطبوع منه في أرقام صفحاته ومادته العلمية، اللَّهم إلا بعض التحسينات الشكلية، والتصحيحات الطفيفة، ولا سيّما للأخطاء الطباعية واللغوية. واللَّه أسأل أن ينفع به، ويقبله مني، فهو أكرم مسؤول، وأعظم مجيب، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. د. أيمن صالح الدوحة ربيع الثاني ١٣٣٧ هـ/ يناير-كانون الثاني ٢٠١٦ م

стр. 3

المقدِّمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وآله، ومن والاه، وبعد: فإنّ التشريع السماوي، بما دلّ عليه من أحكام، لم يكن - بفضل اللَّه ورحمته - إلا هادفًا إلى إصلاح أمور الخلق في داريهم الأولى والآخرة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]- لاتّباعهم إياه - ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]- لإعراضهم عنه -، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. قال العز بن عبد السلام، ﵀: «اعلم أنّ اللَّه لم يشرع حكمًا من أحكامه إلا لمصلحة عاجلة أو آجلة، أو عاجلة وآجلة، تفضُّلًا منه على عباده، إذ لا حقَّ لأحد منهم عليه، ولو شرع الأحكام كلّها خليّةً عن المصالح لكان قسطًا وعدلًا كما كان شرعها للمصالح إحسانًا منه وفضلًا. وقد وصف نفسه بأنه لطيفٌ بعباده، وأنه بالناس رؤوفٌ رحيم، وتمنَّنَ عليهم باللطف والحكمة، كما تمنَّن عليهم بالرأفة والرحمة، وأخبر أنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، وأنّه بهم بَرُّ رحيم توّابٌ حكيم. وليس من آثار اللطف والرحمة واليسر والحكمة أن يكلِّف عباده المشاق بغير فائدة عاجلة ولا آجلة» (١).

стр. 4

وانطلاقًا من هذا الأصل، وتأسيسًا عليه، لم ينظر سلف هذه الأمة وفقهاؤها إلى النصوص الشرعية، بما تنطوي عليه من أحكام، نظرة جمود على مقتضياتها اللغوية الظاهرة مجرّدة عما يكمن فيها، أو يقف وراءها، من معان مخبوءة، ومقاصدَ مُستبْطَنة. وإنما نظروا إليها - ما وسعهم الجهد - نظر المتدبِّر المستشرف إلى ما هو فوق أرضِ حرفيّةِ تلك النصوص، من أُفق المعاني المكتظّ بالدوافع والبواعث والعلل والحِكَم والمصالح المستهدَفة من تشريع الأحكام التي اشتملت عليها تلك النصوص. حتى وإن أدى بهم هذا النظر - أحيانًا كثيرة - إلى الخروج عن حرفية النص وظاهره بتخصيص عامّه، أو تقييد مُطلقه، أو إبطال مفهومه المخالف، أو صرفه من الحقيقة إلى المجاز. كلُّ ذلك سعيًا وراء البحث الدقيق عن مراد الشارع ومقصوده - على التمام - من النصوص المقرِّرة للأحكام. و «أثر تعليل النص على دلالته» باعتباره عنوان وموضوع هذه الرسالة يخوض هذا المخاض؛ إذ إنه ليس إلا محاولة من الباحث: أولًا: للبرهنة على شرعية دور العلة - وهي ما لأجله شُرع الحكم - في توجيه النص الشرعي وتأويله وتبيين المراد منه. وثانيًا: لوضع ميزان دقيق يمكن من خلاله التوفيق أو الترجيح بين ما تقتضيه علّة النصّ من جهة، وبين ما يقتضيه ظاهر النصّ نفسِه من جهة أخرى، للخروج بعد ذلك بحكم شرعي صحيح. وثالثًا: لبيان حقيقة مسألة «أثر تعليل النص على دلالته» وواقعها عند الأصوليين، قديما وحديثا، وعرض أقوالهم فيها، وأدلتهم على هذه الأقوال ومناقشة ذلك كله.

стр. 5

وبكلمة، فإن هذه الرسالة تبحث في نقاط التقاطع، ونقاط التوافق، في النص الشرعي الواحد، بين ما يمكن تسميتهما بِ: «نظرية المصلحة» و «نظرية النص»، وأثر ذلك على الحكم الشرعي المستفاد من هذا النص. ما راعيته في منهجية البحث في هذه الرسالة: أجمله في النقاط التالية: ١ - انطلقت في عرضي فصول ومباحث هذه الرسالة من أني أخاطب بها قارئًا حصَّل شيئا من علم الأصول، ولذا فإني لم ألجأ إلى التبسيط الشديد الذي يناسب المبتدئ، ولا كذلك إلى الإجمال الذي يناسب المنتهي، وإنما ابتغيت بين ذلك سبيلا. ٢ - حاولت، قدر الإمكان، تجريد الرسالة من القضايا العقلية الكلامية الجامدة، وفي الوقت نفسه، حاولت الإكثار من الأمثلة الفقهية المخرّجة على المسائل الأصولية توضيحًا لهذه المسائل من ناحية، وربطًا لهذه المسائل بواقعها وفائدتها الفقهية من ناحية أخرى. ٣ - ترجمت لبعض الأعلام الواردة في الرسالة ممن ظننت احتياجهم للترجمة لعدم شهرتهم. ٤ - عزوت الآيات الواردة في الرسالة إلى مواضعها من كتاب اللَّه . ٥ - خرّجتُ الأحاديث الواردة في الرسالة، فما كان منها في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بعزوه إليهما أو لأحدهما، وما كان في غيرهما عزوته

стр. 6

إلى مصدر أو مصدرين ولم أستقصِ، محاولًا بيان درجة الحديث من الصحة أو الضعف بما ورد من ذلك عن أهل الحديث، فإن لم أجد لهم كلامًا، اكتفيت بالتخريج إلا في مواضع يسيرة سَهُل علي فيها الاجتهاد بالحكم على ظاهر إسناد الحديث على طريقة أهل هذا الشأن. ٦ - تدخّلت أحيانًا أثناء نقل النصوص بإيراد كلام لتوضيح المراد ببعض ما غَمُض منها، وتمييزًا لكلامي عن كلام صاحب النص، جعلت كلامي بين معكوفتين على النحو التالي: [].

стр. 7

أثر تعليل النص على دلالته الفصل الأول: التعريف بمسألة «تأثير تعليل النص على دلالته» الفصل الثاني: «أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم الفصل الثالث: «تأثير تعليل النص على دلالته» عند الأصوليين وخاتمة: في أهم نتائج هذا البحث

стр. 8

الفصل الأول التعريف بمسألة «تأثير تعليل النص على دلالته» وسيكون ذلك في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعريف بطرفي عملية «تأثير تعليل النص على دلالته» وعلاقتهما بالحكم الشرعي المبحث الثاني: التعريف بعملية «تأثير تعليل النص على دلالته» المبحث الثالث: البعد الاجتهادي لمسألة «تأثير تعليل النص على دلالته»

стр. 9

المبحث الأول التعريف بطرفي عملية «تأثير تعليل النص على دلالته»، وعلاقتهما بالحكم الشرعي طرفا عملية تأثير تعليل النص على دلالته هما - كما هو بادٍ لكلّ ناظر - العلة والنص، وإذا شئتَ التدقيق قلتَ: هما دلالة العلة ودلالة النص، وذلك لأن العلة من حيث هي معنى مناسب تترتب عليه مصلحة، والنص من حيث هو خطابٌ مكون من حروف، لا يؤثّر أو يتأثر أحدهما بالآخر، وإنما الذي يحصل له أو به التأثير فهو ما تدل عليه العلة أو - بعبارة أخرى - ما تقتضيه العلة، وهو كذلك في الطرف الآخر ما يدل عليه النص، أو ما يقتضيه النص. فلذا وللتعريف بهذين الطرفين ولبيان وجه تعلق الحكم الشرعي بكل منهما كان لا بد من تضمين هذا المبحث ثلاثة مطالب هي: المطلب الأول: التعريف بالعلة وبمقتضاها المطلب الثاني: التعريف بالنص وبمقتضاه المطلب الثالث: ثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص؟

стр. 10

المطلب الأول التعريف بالعلة وبمقتضاها وهو في مقصدين: الأول: التعريف بالعلة والثاني: التعريف بمقتضى العلة المقصد الأول التعريف بالعلة العلة لغة: قيل: هي اسم لما يتغير حكم الشيء بحصوله، مأخوذٌ من العلة التي هي المرض، لأن تأثيرها في الحكم كأثر العلة في ذات المريض. وقيل: هي مأخوذة من العَلَل بعد النَّهل، والعلل هو الشرب الثاني، والنهل هو الشرب الأول، وفي ذلك معاودة لشرب الماء مرة بعد مرة - وذلك لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر ولأن الحكم يتكرر بوجودها. وقيل: - ولعل هذا هو الصحيح - هي عمّا لأجله يُقدم على الفعل أو يمتنع عنه، يقال: فعل الفعل لعلة كيت أو لم يفعل لعلة كيت (١).

стр. 11

العلة اصطلاحًا: تباينت أقوال الأصوليين في «تعريف» العلة: فعرفها بعضهم بأنها «المعنى الموجب للحكم» (١). واعتُرض على هذا التعريف بأنّ جعْل العلل موجبة «يؤدي إلى الشركة في الألوهية فإن الموجب في الحقيقة هو اللَّه تعالى» (٢). فزاد بعضهم في التعريف قيدًا، وهو أن العلة هي «الموجب للحكم بجعل اللَّه تعالى» (٣)، واعتُرض عليه بأن «الحكم ليس إلا خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، وذلك هو كلامه القديم فكيف يُعقل كون الصفة المحدثة موجِبةً للشيء القديم، سواء أكانت الموجبيّة بالذات أو بالجعل» (٤). وللخروج عن هذا الاعتراض وغيره لجأ بعضهم إلى تعريف العلة بأنها «باعث الشرع على الحكم أو الداعي له» (٥).

стр. 12

وهذا تعريف حسن مطابق للوضع اللغوي ولما يعقله الناس من معنى العلة في أفعالهم وأقوالهم إلا أنه على الرغم من ذلك لم يسلم من انتقاد بعض الأصوليين، لا سيما أولئك الذين تأثروا بمذهب الأشعري في نفي التعليل عن أفعاله ، فقالوا: هذا التعريف يستلزم نسبة الغرض إليه وهو محال عليه «لأنّ من فَعَل فعلًا لغرض فلا بد وأن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله، وإلا لم يكن غرضًا، وإذ كان حصول الغرض أولى وكان حصول تلك الأولوية متوقفًا على فعل ذلك الفعل كان حصول تلك الأولوية لله تعالى متوقفة على الغير، فتكون ممكنة غير واجبة لذاته ضرورةَ توقفها على الغير، فيكون كماله تعالى غير واجب لذاته، وهو باطل» (١). وبناء على ذلك لجأوا إلى تعريف العلة بأنها «المعرّف للحكم أو الأمارة على الحكم» (٢)، ولم يسلم هذا التعريف من اعتراض أيضًا فقال الآمدي: إذا كانت العلة «أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين: الأول: أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه. الثاني: أن علة الأصل مستنبطةٌ من حكم الأصل ومتفرّعةٌ عنه فلو كانت معرَّفة لحكم الأصل لكان متوقفًا عليها ومتفرّعًا عنها وهو دورٌ ممتنع» (٣).

стр. 13

وللخروج عن هذا الاعتراض زاد بعضهم في هذا التعريف قيدًا وهو أن العلة هي: «المعرف لحكم الفرع» (١) لا لحكم الأصل، وبهذا يُخرج عما أورده الآمدي. وعلى الرغم من وجود هذا القيد فإن هذا التعريف لم يسلم من جديد من الاعتراض عليه، ومن ثَمَّ جوابٌ ودفعٌ لهذا الاعتراض (٢)، وهكذا حتى غَدا معنى العلة تيهًا مُضلًّا وبحرًا مهلكًا. والحقّ أن معنى العلة ليس هو بهذه الدرجة من التعقيد حتى ينشب فيه الخلاف ويكثر فيه الكلام؛ إذ لا يُراد بالعلة - لغة وعرفًا - أكثر من أنها المعنى الذي لأجله شُرع الحكم، ولا غضاضة في إطلاق أي من التعريفات السابقة إذا اتُفق على أنها تتضمّن هذا المعنى، قال الأستاذ محمد شلبي في كتابه «تعليل الأحكام» بعد إيراده جملة من تعريفات العلة والمراحل التي مر بها بعضها: «هذه بعض خطوات ذلك التعريف وما صادفه في طريقه من عوامل المد والجزر والأخذ والرد في جامعيته ومانعيته وتمامه ونقصانه، وهو شيء يوقفنا على مبلغ عناية هؤلاء بالألفاظ وتقاتلهم من أجل العبارات؛ الأمر الذي لم يوله الأئمة السابقون شيئًا من عنايتهم، بل لم يلتفتوا إليه بالكلية وما كانوا يفهمون في العلة أكثر من أنها: الأمر الجامع بين الأصل والفرع الذي من أجله شرع الحكم منصوصًا عليه أو غير منصوص يقول الإمام الشافعي ﵁ في رسالته (٣): فإن قال قائل: فاذكر من الأخبار التي

стр. 14

تقيس عليها، وكيف تقيس؟ قيل له إن شاء اللَّه: كل حكم لله أو لرسوله وجدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام اللَّه أو رسوله بأنه حُكِمَ به لمعنى من المعاني فنزلت نازلة ليس فيها نصُّ حُكْمٍ حُكِمَ فيها حُكْمُ النازلة المحكوم فيها إذا كانت في معناها» (١). ومن هنا قال الشاطبي، وهو ميّال إلى إحياء المعاني السلفية: «وأما العلة فالمراد بها الحِكَمُ والمصالح التي تعلّقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي، فالمشقة علة في إباحة القصر، والفطر في السفر» (٢). والذي يمكن الخلوص إليه بعد إمعان النظر في تعريفات الأصوليين للعلة وفيما أداروا حول هذه التعريفات من نقاش هو أن خلافهم - أي الأصوليين - نشأ عن أمرين، كلاهما محدث: أما الأمر الأول: فهو علم الكلام؛ إذ من كان مذهبه الكلامي قاضيًا بوجوب أو جواز تعليل أفعاله لم يأنف عن تعريف العلة بالموجب أو المؤثر أو الداعي أو الباعث، ومن كان مذهبه قاضيًا بخلاف ذلك عرّف العلّة بالمعرف وفرّ من كل تعريف سواه. وهاهنا يحسن التنبيه إلى حقيقة مهمة وهي أن المتكلمين جميعًا معلّلين وغير معلّلين معترفون بالقياس وبكل ما تقتضيه العلة من حيث البناء الفقهي، فخلافهم ليس منصبًا على العلة من حيث هي مصلحة يحصلها الحكم الشرعي، بل الكل متفقون على أن الأحكام الشرعية تحقق مصالح وتدفع مفاسد، وإنما خلافهم منصب - في رأي البعض - على قضية وجوب رعاية

стр. 15

المصالح عليه ، أو كون ذلك منه تفضلًا وإحسانًا (١)، وعلى رأي آخر هو منصب على جواز التعبير بنسبة «الغرض» أو «البعث» إليه أو عدم جواز ذلك لما يوحيه من النقص (٢)، قال الألوسي المفسِّر، ﵀: «الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله معللة بمصالح العباد، مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح، ومن أنكر تعليل بعض الأفعال - لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود - فقد كاد أن ينكر النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة، والوقوف على ذلك في كل محل لا يلزم، على أن بعضهم يجعل الخلاف في المسألة لفظيًا لأن العلة إن فُسِّرت بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل، امتنع ذلك في حقه سبحانه، وإن فسِّرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهرًا مع الغنى الذاتي فلا شبهة في وقوعها، ولا ينكر ذلك إلا جهول أو معاند» (٣). وعليه - وكما هو في واقع الأمر - فالخلاف بين المتكلمين في تعليل أفعاله ، ليس له ثمرة في الواقع الفقهي أو حتى الأصولي، وإنما هو - على فرض التسليم بأنه خلاف معنوي لا لفظي - خلاف في فرع من فروع الاعتقاد الكلامية المبتدعة؛ لذلك لا غضاضة في القول بلزوم محو هذه المسألة من علم أصول الفقه والاقتصار على بحثها في علم الكلام. قال الشاطبي، ﵀: «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك - فوضعها في أصول الفقه عارية» (٤).

стр. 16

وأمّا الأمر الآخر الذي جعل الأصوليين يختلفون في تعريف العلة ويتجادلون فيه هو: ما ألزموه أنفسهم من صناعة الحدود الجامعة المانعة، فكان هذا مثارًا للبحث والجدال لا في تعريف العلة فحسب بل في كثير من المفاهيم العلمية، فتجد الكم الهائل من الجدال في تعريف الحكم الشرعي وأنواعه المختلفة، وتعريف الأمر والنهي، والعام والخاص، وتعريف القياس، وغير ذلك من الأمور التي كثر فيها الأخذ والرد بما تستحق أحيانًا وبما لا تستحق في غالب الأحيان، حتى تضخم علم الأصول وتعقّد فعَسُر على المبتدئ وُلوجُه وعلى المنتهي حفظُه والإحاطة به. وصناعة الحدود أو التعريفات والجدال فيها لا ينتمي إلى منهج السلف بنسب ولا ولاء، إنما هو شيء أحدثه المناطقة؛ قال الشاطبي، ﵀: «إن ما يتوقف عليه معرفة المطلوب قد يكون له طريق تقريبيٌّ يليق بالجمهور، وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور. فأما الأول: فهو المطلوب المنبَّه عليه كما إذا طلب معنى المَلَك فقيل: «إنه خلق من خلق اللَّه يتصرف في أمره»، أو معنى الإنسان فقيل: «إنه هو هذا الذي أنت من جنسه»، أو معنى الكوكب فقيل: «هذا الذي نشاهده بالليل»، ونحو ذلك، فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبي حتى يمكن الامتثال. وعلى هذا وقع البيان في الشريعة كما قال ﷺ : "الكبر بطر الحق وغمط الناس" (١) ففسره بلازمه الظاهر لكل أحد وكما نفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغةً من حيث كانت أظهر في الفهم منها، وهي عادة العرب والشريعة عربية، ولأن الأمة أمية فلا يليق بها من البيان إلا الأمي …

стр. 17

وأما الثاني: وهو ما لا يليق بالجمهور، فعدم مناسبته أخرجه عن اعتبار الشرع له، لأن مسالكه صعبة المرام، وما جعل عليكم في الدين من حرج، كما إذا طلب معنى الملك فأُحيل به على معنى أغمض منه وهو: "ماهية مجرّدة عن المادة أصلًا" أو يقال: "جوهر بسيط ذو نهاية ونطق عقلي" أو طلب معنى الإنسان فقيل هو "الحيوان الناطق المائت" وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب ولا يوصل إليها إلا بعد قطع أزمنة في طلب تلك المعاني ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلّف به» (١). المقصد الثاني التعريف بمقتضى العلة الاقتضاء هو الاستلزام أو التطلّب (٢). ومقتضى العلّة هو ما تستلزمه أو تتطلبه العلة، أو إن شئتَ قلتَ: ما تدل عليه العلة، وذلك كما نقول: مقتضى الأمر الوجوب أي: ما يدل عليه هو الوجوب، أو ما يستلزمه هو الوجوب. والذي تقتضيه العلة - إذا ثبتت لأحد الأحكام بمسلك صحيح - أمران: أحدهما: ثبوت هذا الحكم لكل محل توجد فيه هذه العلة، وهذا ناشئ عما يعبر عنه الأصوليون بـ «اطراد العلّة» (٣) أو «العموم العقلي للعلة» (٤).

стр. 18

والآخر: انتفاء هذا الحكم عن كل محل لا تتحقق فيه هذه العلّة. وهذا ناشئ عما يعبر عنه الأصوليون بـ «انعكاس العلة» (١) أو «المفهوم المخالف للعلة» (٢). فالمقتضى الأول موجب للحكم والمقتضى الآخر سالبٌ للحكم، وفيما يلي شرح لهذين المقتضيين بشيء من التفصيل: أولًا: مقتضى اطراد العلة: معناه: ثبوت حكم العلة في كل محل تتحقق فيه. وبيان ذلك: أنه إذا تقرر أن حكمًا من الأحكام الشرعية ثبت في محل من المحال لعلة من العلل، كما لو قيل بتحريم قضاء القاضي حالة الغضب لما في ذلك من تشوش الفكر الحائل دون الإصابة في الحكم - فإنّ مقتضى اطراد العلة هذه - وهي تشوش الفكر - هو ثبوت حكمها، وهو في المثال التحريم، لجميع المحال التي تتحقق فيها هذه العلة. فيحرم بناءً على هذا المقتضى القضاء حالة الألم المفرط، أو الجوع المفرط، أو النعاس المفرط، أو الحزن المفرط، وغير ذلك من المحال التي تتحقق فيها العلة. الفرق بين مقتضى اطراد العلة وبين القياس: فإن قيل: فما الفرق بين مقتضى اطراد العلة وبين القياس مع أنهما في النتيجة يشتركان في كونهما إلحاق واقعة مسكوت عنها بأخرى منصوص عليها إذا اشتركتا في العلّة المقتضية للحكم؟

стр. 19

فالجواب: نعم، هما من حيث النتيجة سيّان؛ إذ لا اختلاف بين الحكم بالقياس في واقعة ما وبين الحكم بمقتضى اطراد العلة في الواقعة ذاتها بل هما يؤديان الغرض نفسه ويثبتان الحكم نفسه، وإنما يكمن الفرق بينهما - ولم أرَ من نبّه على ذلك - في طريقة إجراء كل منهما من قِبَل المجتهد وذلك من وجهين: الأول: أن المجتهد حين إجرائه القياس يبتدئُ النظر في الواقعة المسكوت عنها ليلحقها بما يشابهها من الوقائع المنصوص عليها، وهذا بخلاف حاله إذا أراد أن يحكم بمقتضى اطراد العلة، فإن نظره إذ ذاك، ينصب بادئ ذي بدء على الواقعة المنصوص عليها ليستنبط منها العلة ثم ليعمم حكمها في جميع الوقائع المسكوت عنها التي تتحقق فيها هذه العلة. فالقياس - على ذلك - يبدأ بالمسكوت عنه، والحكم بمقتضى اطراد العلّة يبدأ بالمنطوق به. والوجه الثاني: أن المجتهد حين إجرائه القياس ينظر في إلحاق واقعة مفردة مسكوت عنها بأخرى منصوص عليها وأما في مقتضى اطراد العلة فينظر في إلحاق عموم الوقائع المسكوت عنها والتي تتحقق فيها العلة بحكم الواقعة المنصوص عليها التي أُخذت منها هذه العلة. وعليه فمقتضى اطراد العلة هو حكم بجملة من الأقيسة في آن واحد دفعة واحدة واللَّه أعلم. عموم العلة وعموم اللفظ والفرق بينهما: والحكم بمقتضى اطراد العلة أو - بعبارة أخرى - بمقتضى عموم العلة، بما هو تتبع لمحال تحقق العلة لإلصاق حكمها بهذه المحال، كالعموم اللفظي الذي

стр. 20

هو تتبع لمحال تحقق الاسم العام لإلصاق حكمه بها - فإنه يختلف عن الحكم بمقتضى عموم اللفظ اختلافًا جوهريًا، نشأ عن التباين بين طبيعة كلا العمومين: عموم العلة، وعموم اللفظ. فعموم العلة، عموم عقلي لا بد فيه من الاطراد كما هو الشأن - تقريبًا - في القضايا العقلية إذ لا تثبت إلا بالاستقراء التام. أما عموم اللفظ فهو عموم لغوي خاضع للاصطلاح، وقد اصطلح العرب في خطابهم على أن لا يشترط له الاطراد، ولذا كان من السائغ بل الواقع الكثير أن يُحدَّ من عموم اللفظ بالتخصيص فيبطل حكم اللفظ في محلّ التخصيص بينما يبقى عاملًا فيما هو وراءه من المحال، ولا يُعد هذا التخصيص بحال من الأحوال إبطالًا للفظ العام بالكلّية. أما عموم العلة فإن ثبت تخصيصه أو - بعبارة أخرى - إن ثبت تخلّف حكم العلة عن محل من محال تحققها من غير «فرق مؤثر» (١) بين محل التخصيص وبين باقي المحال، فإن هذا يُعد إبطالًا «نقضًا» لهذه العلة بالكلية. قال الغزالي، ﵀: «اعلم أن العلة إذا ثبتت فالحكم بها عند وجودها حكم بالعموم، فإنه إذا ثبت أن الطعم علة انتظم منه أن يقال: كل مطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم، فكان ربويًا، وإذا ثبت أن السُّكْر علة انتظم أن

стр. 21

يُقال: كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، فكان حرامًا، وكذلك في كل علة دل الدليل على كونها مناطًا للحكم فينتظم منها قضية عامة كلية تجري مجرى عموم لفظ الشارع بل أقوى؛ لأن عموم اللفظ معرّض للتخصيص، والعلة إذا كانت عبارة عن مناطٍ [و] كانت جامعة لجميع أوصافها وقيودها لم يتطرق إليها تخصيص؛ إذ يكون تخصيصها نقضًا لعمومها» (١). فإن قيل: فتخصيص العلة ونقضها به مسألة مختلف فيها بين الأصوليين حتى حكى الزركشي فيها بضعة عشر قولًا (٢)، فكيف ساغ هاهنا - وكما دلّ عليه كلام الغزالي - جزم القول بأن تخصيص العلة غير جائز وأنه إذا ثبت لعلة من العلل فإنه يُعدّ نقضًا لها. فالجواب: هو أن ما سبق تقريره من أن ثبوت تخلف حكم العلة عن محل من محال تحققها من غير «فرق مؤثر» بين محل التخلف وبين باقي المحالّ يُعدّ نقضًا للعلة أمرٌ - بعد التمحيص - لا خلاف فيه، والذي جرى بين الأصوليين في هذه المسألة هو خلافٌ وهمي لا حقيقة له، إذ هو دائر على الألفاظ فحسب نشأ - في أغلبه - عن اختلاف مآخذهم في تفسير العلة. وقد أشار إلى عدم جدوى الخلاف في هذه المسألة ولفظيته كل من إمام الحرمين (٣) والغزالي (٤)، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب (٥) والبيضاوي (٦)، وقرره

стр. 22

ابن تيمية، ﵀، في «مجموع الفتاوى» (١)، وكذلك فعل ابن الهمام في «التحرير» (٢) والأنصاري في «فواتح الرحموت» (٣) وأطال في بيانه الأستاذ شلبي في «تعليل الأحكام» (٤). وعليه ساغ جزم القول بأن تخصيص العلة لا يجوز وأنه إذا ثبت فإنه يُعد نقضًا لها. والفلسفة في ذلك أن قول المعلل: إنّ هذا الحكم شُرع لهذه العلة، بعد ثبوت تخصيصها أو - بعبارة أخرى - بعد وجود محل تحقّقت فيه هذه العلة ولم يُشرع له ذات الحكم - ينافي منطقية وعدالة وحكمة التشريع اللائي يقضين بوجوب التشريك بين المتشابهات في الحكم، فإذا ما ثبت أنّ ثمة فرقًا معنويًا بين محلّ الحكم وبين محل التخلف كان ذلك خروجًا عن هذه المنافاة. ثم إن المجتهد في استنباطه للعلة إنما يستدلُّ على كونها علّةً ملحوظةً للشارع في موارد أحكامه بوجود خصيصة الاطراد فيها، فإذا انخرم هذا الاطراد بثبوت التخصيص في محل من المحال دون عذر مانع دلَّ هذا على عدم اعتبار الشارع لهذه العلة. ثانيًا: مقتضى انعكاس العلة: ومعناه: انتفاء حكم العلة عن كل محل لم تتحقق فيه.

стр. 23

وبيان ذلك: أنه إذا تقرر أن حكما من الأحكام الشرعية ثبت في محل من المحال لعلة من العلل كما سبق القول بتحريم قضاء القاضي حالة الغضب لعلة تشوش الفكر - فإن مقتضى انعكاس العلة هو انتفاء هذا الحكم عن كل محل لم تتحقق فيه العلة المذكورة، فيحل بناء على هذا المقتضى القضاء حالة الغضب اليسير الذي لا يشوش لخلوّه من العلة المقتضية للتحريم. والفلسفة التشريعية التي ينبني عليها القول بمقتضى انعكاس العلة أو - بعبارة أخرى - القول بزوال الحكم إذا زالت علته: هي أن العلة هي الباعث على تشريع الحكم أو هي المصلحة التي يستهدفها الحكم، فإذا انتفى الباعث أو انعدمت المصلحة وافترضنا عدم انتفاء الحكم لذلك، كان هذا الحكم ثابتًا من غير باعث ومستهدفًا ما ليس بمصلحة، وهذا لا يجوز؛ لأنه مناقض لحكمة الباري ولِما اطرد في أحكامه من أنها شُرعت لعلل ومصالح سواء أمكن الوقوف عليها أم لا. انعكاس العلة عند الأصوليين (١): فإن قيل: يلزم من القول بزوال الحكم إذا زالت علّته القول باشتراط الانعكاس في العلل الشرعية، وهذه قضية خلاف بين الأصوليين، والأكثرون على عدم اشتراطه فكيف يصح جزم الحكم في أفراد المسائل بمقتضى انعكاس العلة مع أن اشتراطه قضية خلاف؟! فالجواب هو أن القول في انعكاس العلة كالقول في اطرادها سواءً بسواء، وقد سبق بيان أن الأصل هو اطراد العلة وأنه لا يجوز الحدُّ من هذا الاطراد في محل من المحال إلا لعذر مانع، فكذلك الانعكاس لا بدّ منه إلا أن يمنع منه مانع - يقوم عليه

стр. 24

الدليل - وهذا مما لا ينبغي الخلاف فيه، قال إمام الحرمين: «دينًا حقَّ على كل مجتهد أن يفتي بعكس العلة إذا لم يمنع من ذلك مانع ولم يحجز حاجز» (١). وقال الغزالي، ﵀: «اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية وهذا الخلاف لا معنى له، بل لا بد من تفصيل، وقبل التفصيل فاعلم: أن العلامات الشرعية دلالات فإذا جاز اجتماع دلالات لم يكن من ضرورة انتفاء بعضها انتفاء الحكم، لكناّ نقول: إن لم يكن للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم، لا لأن انتفاء العلة يوجب الحكم بل لأن الحكم لا بد له من علة، فإذا اتحدت العلة [أي كانت واحدة] وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتًا بغير سبب، أما حيث تعدّدت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها» (٢). والذي يُلحظ من كلام الغزالي هذا هو أن القول في اشتراط الانعكاس، إثباتًا ونفيًا، إنما ينبني على كون الحكم معلّلًا بعلة واحدة أو أكثر، فحيث قيل في حكم من الأحكام: إنه معلل بعلل، فحيث انتفت إحدى هذه العلل لم يلزم من ذلك انتفاء الحكم لأنه يثبت بغيرها من العلل، ومثال ذلك: مَنْ قَتَل وارتدّ، فإنّ دمه يباح لعلّتين: الأولى: الردة. والثانية: القتل العمد العدوان. فإذا انتفت علة الردة، بأن فاء إلى الإسلام، لم ينتفِ حكم إباحة الدم لثبوته بالعلة الأخرى، وإذا انتفت علة القتل العمد العدوان، كأن تراجع

стр. 25

الشهود، لم ينتفِ كذلك حكم إباحة الدم. إذن، فالانعكاس ليس يُشترط في حالة تعدد العلل الموجبة للحكم، أما حيث قيل: بأن الحكم معلل بعلة واحدة فقط، فلا بد حينئذ من اشتراط الانعكاس أو - بعبارة أخرى - لا بد من انتفاء الحكم إذا انتفت هذه العلة. ومثال ذلك: ما لو قيل بأن العلة في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات هي حاجة الدولة إليهم في كفّ شرهم وشرّ غيرهم، فإذا انتفت هذه العلة بأن قويت الدولة فلم تعد بحاجة إليهم، كان لا بد من قطع العطاء عنهم؛ لأنا لو أعطيناهم - والحالة هذه - لكان هذا لغير علة ولا مصلحة وهو لا يجوز، ولعل هذا هو منحى اجتهاد عمر ﵁ في هذه المسألة (١). أما لو قيل بأن العلة في إعطاء المؤلفة ليست هي ما سبق فحسب، بل يضاف إليها علة تشوف الشارع إلى إسلامهم ببذل المال لهم تحبيبًا لهم في الإسلام، ففي مثل هذه الحالة لا يشترط الانعكاس، لأنها إن انتفت الحاجة إلى دفع الشر؛ نظرًا إلى قوة الدولة، فإنها لا تزال تبقى الحاجة إلى التأليف والتحبيب في الإسلام، وبهذه العلة يثبت الحكم وإن زالت العلة الأولى، وعلى هذا لا يُمنع عطاء المؤلفة بحال. وعليه فحاصل مسألة الانعكاس، وحاصل ما قاله الغزالي، ﵀، في هذا الشأن: هو أنه لا بدّ من زوال الحكم إذا زالت علته إلا أن يثبت الحكم لعلة أخرى. وهذا لا ينبغي الخلاف فيه، قال العلامة الأصولي الصفي الهندي (٢): «لا ينبغي أن يكون فيما ذكره الغزالي [وهو ما أُورد آنفًا] خلافٌ ونزاعٌ لأحد» (٣).

стр. 26

مثال لتوضيح مقتضى العلة طردًا وعكسًا في المسألة الواحدة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. دلت هذه على تحريم البيع وقت النداء يوم الجمعة، وهذا الحكم مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. وعلة هذا الحكم - كما هي لائحة من خلال السياق - هي أن البيع شاغل عن السعي المطلوب. ولهذه العلة - بطردها وعكسها - مقتضيان: موجب وسالب، أما الموجب - وهو مقتضى اطراد العلة - فهو تحريم كل عمل تحققت فيه علة الإشغال عن السعي يوم الجمعة، فيدخل في هذا إجراء العقود كلها وقت النداء، كالإجارة والسَّلم والهبة والدين وحتى عقد النكاح. بل يدخل فيه كذلك كل عمل هو في الأصل مباح لكنها تتحقق فيه علة الإشغال كالأكل والشرب واللعب وغير ذلك. لا يقال: ويدخل الوضوء أو الاغتسال وقت النداء لأنه شاغل عن السعي. لأنا نقول: إن الأمر بالشيء أمرٌ بلوازمه، فالأمر بالصلاة أمر بالوضوء، وعليه يكون الوضوء أو الغسل وقت النداء جزءًا من المأمور به بالنص نفسه. فإن قيل: فهذا نقض للعلة إذ هي لم تستلزم حكمها في جميع محالّ تحققها.

стр. 27

فيقال: بل هو تخصيص لها وقد سبق القول بجوازه بوجود دليل مانع من اطرادها ينبني على وجود فرق مناسب بين محل التخصيص وبين باقي المحال، وهو الحاصل هاهنا. هذا هو مقتضى اطراد العلة وهو موجب للحكم في جميع محال تحقق العلة. وأما المقتضى الآخر، وهو مقتضى انعكاس العلة، فيسلب حكم تحريم البيع عن جميع المحال التي لا تتحقق فيها العلة، وهي الإشغال عن السعي، حتى لو كان أحد هذه المحال مندرجًا في جنس البيع. وهذا يُتصور في حالة ما إذا تعاقد المتبايعان وهما - مثلًا - في سيارة أو حافلة تسعى بهما إلى المسجد. ففي هذه الحالة وُجد جنس متعلق الحكم، وهو مطلق البيع، وانتفت العلة المقتضية للتحريم، وهي الإشغال عن السعي، فأُبيحت هذه الصورة من مطلق البيع.

стр. 28

المطلب الثاني التعريف بالنص وبمقتضاه وهو في مقصدين: المقصد الأول: التعريف بالنص المقصد الثاني: التعريف بمقتضى النص المقصد الأول التعريف بالنص النص لغة: مأخوذٌ من الظهور، يقال: نصَّ الشيء ينصُّه نصًا إذا رفعه وأظهره، ويقال: نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنه «المنصة» وهي كرسي مرتفع أو سرير يُعدّ للخطيب ليخطب أو للعروس لتجلى (١). النص اصطلاحًا: يطلق النص في اصطلاح الأصوليين ويراد به معانٍ خمسة: الأول: نصوص الكتاب والسنة، فيقال: هذا الحكم ثبت بالنصّ وهذا بالقياس (٢). الثاني: اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أو: ما لا يحتمل التأويل وذلك كلفظ خمسة فإنه لا يحتمل الأربعة أو الستة، ولفظ الفرس فإنه لا يحتمل الحمار ولا البعير … (٣).

стр. 29

الثالث: اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى هو في أحدها أكثر ظهورًا من غيره لذا فهو يحتمل التأويل، وهو إطلاق «أطلقه الشافعي، ﵀، فإنه سمّى الظاهر نصًا وهو منطبق على اللغة ولا مانع منه في الشرع» (١). الرابع: اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى هو في أحدها أكثر ظهورًا من غيره، لذا فهو يحتمل التأويل إلا أنه لم يتطرق إليه تأويل مقبول يعضده دليل، وبهذا يختلف هذا الإطلاق عن الثالث الذي قبله (٢). الخامس: اللفظ أو المعنى الذي سيق الكلام لأجله، مع أنه يحتمل التأويل وهذا الإطلاق خاصّ بالحنفية (٣). والمراد بالنص - في اصطلاح هذه الرسالة - من بين هذه الإطلاقات هو الإطلاق الأول، إذ لا يعني كاتب هذه الرسالة بـ «أثر تعليل النص على دلالته» إلا نصوص الكتاب والسنة بغض النظر عن كون ألفاظها تحتمل التأويل أو لا تحتمله. ثم إن المراد بنصوص الكتاب والسنة ليس هو كل ما ورد في الكتاب والسنة على الإطلاق، وإنما ما ورد فأمكن استنباط الأحكام منه فقط، إذ لا علاقة لأصول الفقه بالنصوص التي لا تدل على أحكام فقهية، كالنصوص

стр. 30

الواردة في العقائد أو القصص أو الأخبار وغير ذلك مما لا يستنبط منه أحكام شرعية عملية. ومما ينبغي ذكره هاهنا هو أن نصوص الكتاب المقتضية للأحكام إنما هي مجرد أقوال بخلاف نصوص السنة إذ هي ثلاثة أنواع: أقوال وأفعال وتقريرات. وكذلك فإن الأقوال الدالة على الأحكام - سواء أكانت من الكتاب أو السنة - ثلاثة أقسام: الأول: ما دل على طلب فعل وهذه هي الأوامر. الثاني: ما دل على طلب ترك وهذه هي النواهي. الثالث: ما دل على التخيير بين الفعل والترك. المقصد الثاني التعريف بمقتضى النص مقتضى النص هو ما يدل عليه أو يستلزمه النص، والذي يدل عليه النص هو الحكم الشرعي بأنواعه المختلفة. فإن كان النص قولًا فلا يخلو أن يكون أمرًا أو نهيًا أو تخييرًا. فالأمر يدلُّ - كما هو رأي الجمهور (١) - على الوجوب إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى الندب أو الإباحة. والنهي يدل على التحريم إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى الكراهة، والتخييرُ يدلُّ على الإباحة.

стр. 31

وإن كان النص فعلًا ففي دلالته على الحكم الشرعي تفصيل كثيرٌ عند الأصوليين (١) يمكن تلخيصه بما يلي: الفعل لا يخلو، إما أن يكون على سبيل القربة، وإما لا، فإن لم يكن على سبيل القربة كالأكل والشرب والجماع، فهو يدل على الإباحة، وإن كان على سبيل القربة فهو على وجهين: الأول: أن يُفعل بيانًا لغيره كأفعاله ﷺ في الصلاة والحج إذ قد ورد بهما الأمر مجملًا فبيّنهما ﷺ بفعله، والأصل في هذا الفعل أن يتبع في حكمه حكم المبيَّن إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك. والثاني: أن يُفعل ابتداءً من غير سبب كما روي أنه ﷺ كان يضجع بعد ركعتي الفجر (٢)، ففي دلالة هذا الفعل على الحكم ثلاثة أقوال: القول الأول: الأصل فيه أن يدل على الوجوب ولا يصرف إلى غير ذلك إلا بدليل. القول الثاني: الأصل فيه أن يدل على الندب ولا يصرف إلى غير ذلك إلا بدليل. القول الثالث: أنه يُتوقف فيه فلا يحمل على الوجوب أو الندب إلا بدليل. وإن كان النص إقرارًا فهو يدل على جواز الفعل المقرّ ورفع الحرج عن فاعله.

стр. 32

القطعية والظنية في مقتضى النص: والنص إما أن يدل على الحكم قطعًا كما هو في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وإما أن يدل عليه ظنًا كما هو في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فقد قال قوم بوجوب كتابة الدين كما هو ظاهر النص، وقال قوم بندبها لأدلة قرروها (١). وإفادة القطع بمجرد النصوص وحدها قليل، وبعضهم نفاه، وذلك لكثرة الاحتمالات التي ترد على الألفاظ إلا أن القطع يكثر في النصوص إذا نظرنا إليها مع ما يحتف بها من القرائن المؤكِّدة لظواهرها (٢). فمثلًا ما سبق إيراده آنفًا وهو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وإن كان قطعيًا في تحديد عدد الجلدات فإنه مظنون في إفادة وجوب الجلد، وذلك لأن صيغة الأمر وهي هاهنا «فاجلدوهم» تتردد - بحسب ما تقضي به اللغة - بين الطلب الجازم وبين الطلب غير الجازم، وسواء أقيل بأنها ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب، أم قيل بأنها مشتركة بن المعنيين، فإنها على كل تقدير تظل ظنية الدلالة. هذا إذا كان النظر منصبًّا على مجرد النص، وأما إذا نظرنا إلى النص مع ما احتف به من قرائن، وأهمها تعامل النبي ﷺ معه، وكيف أنه كان لا يتساهل

стр. 33

في شأن الحدود ولا يتوانى في تطبيقها ولا يقبل الشفاعة فيها وغير ذلك - لم نرتَبْ في القول بأن النص هاهنا يدل على وجوب الجلد ثمانين قطعًا. ومما ينبغي تقريره هاهنا هو أن الكثرة الكاثرة من النصوص التي تدل على أحكامها قطعًا لا تخلو - على الرغم من قطعيتها - من «دلالات ظنية» على جوانب ومتعلَّقات الحكم المقطوع. فقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وإن كان - مع ما احتفّ به من قرائن - قاطعًا في وجوب الجلد ثمانين فإنَّه - مع ذلك - ظنيٌّ في كثير من جوانب هذا الحكم ومتعلقاته: فمثلًا: النص مطلق في طلب الجلد بغضّ النظر عن محلّ الجلد أهو الظهر أو البطن أو الأطراف، وبغض النظر عن الشيء الذي يتم به الجلد، وبغض النظر عن شدة الجلد ودرجة قوته. ثم إن النص عام في المجلودين، لذا فهو يقبل التخصيص بدليل كما هو الشأن في العبد إذ قد جلده الخلفاء الراشدون أربعين على النصف من حدِّ الحُر (١). وكذا هو عام في مكان الجلد حيث منع العلماء من إقامة الحد في المسجد (٢)، وكذا حصل خلاف في إقامة الحد في الغزو وفي دار الحرب (٣).

стр. 34

وكذا النص عام في زمان الجلد، وفيمن يقوم بالجلد أهو الإمام أم يجوز ذلك للأفراد، كالأب على ابنه، أو السيد على عبده، وغير ذلك (١). فكل هذا الذي ذُكر من متعلقات وجوانب حكم «وجوب الجلد ثمانين» هو مقتضيات ظنية للنص ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، دلّ عليها بإطلاقه أو بعمومه، ودلالة المطلق على الإطلاق، والعام على العموم هي - كما هو عند الجمهور - دلالات ظنية تقبل التخصيص والتقييد. إذن، فالنص وإن كان - أحيانًا - قاطع الدلالة على الحكم فإنه يبقى مع ذلك ظني الدلالة على كثير من جوانبه ومتعلقاته كزمانه ومكانه ومحله وكيفيته وغير ذلك. وفي مقابل هذا فإن النص الدال على الحكم ظنًا لا يخلو - على الرغم من ظنيته - من أن تكون له «دلالات قطعية»، بل لا بد له من ذلك. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإن كان ظنيًا في الدلالة على مدة التربص للاشتراك في لفظ «القرء» فإنه قاطع في حصر مدة التربص بين ثلاث حيض وبين ثلاثة أطهار فلا يجوز بحال أن يُختلف في أن العدة لا تقل عن ثلاث حيض وأنها لا تزيد عن ثلاثة أطهار. ومثلًا قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وإن كان ظنيًا في تحديد ماهية اللمس الناقض للوضوء أهي الجماع أم الجسُّ باليد، فإنه قاطع في كون اللمس لا يخرج عن هذين المعنيين، فالنص إذن يدل قطعًا على أن واحدًا من

стр. 35

الجماع أو الجس باليد ناقض للوضوء، والمظنون فيه هو دلالته على أحد هذين المعنيين بالتحديد. وقول القائل جاء الأولاد يدل دلالة ظنية على عموم الأولاد المعهودين لكنه كذلك يدل، وفي الوقت نفسه، دلالة قطعية على مجيئ أقل الجمع - وهو اثنان أو ثلاثة - من الأولاد، وإلا كان قوله - إذا لم يقصد مجيء أحد - كذبًا وزورًا، ومن هنا قال الأصوليون: إن دلالة العام على أقل الجمع دلالة قطعية (١)، وكذلك قالوا: إن العام إذا ورد على سبب فإن صورة السبب مرادة به قطعًا فلا يصح إخراجها بالتخصيص (٢)، مع أن العام من حيث الأصل يقبل التخصيص. وبعد هذا كله يمكن الخلوص إلى هاتين النتيجتين: الأولى: أن النص إذا دل على الحكم قطعًا فإنه في الوقت نفسه يدل على كثير من جوانب الحكم ومتعلقاته ظنًا. والثانية: أن النص إذا دل على الحكم ظنًا فإنه في الوقت نفسه يدل قطعًا على حصر هذا الظن بمجال معيّن لا يصح تجاوزه. وهاتان النتيجتان تخلصان بدورهما إلى نتيجة واحدة هي أن كل نص تشريعي - إلا النادر الذي لا يكاد يوجد - لا بد له من مقتضيين: الأول: مقتضى قطعي: وهو ما دل عليه النص قطعًا. والثاني: مقتضى ظني: وهو ما دلّ عليه النص ظنًا.

стр. 36

المقتضى الظني للنص الشرعي: إذا كان النص الشرعي ظنيًا يحتمل معنيين أو أكثر، فالنص إذ ذاك: إما أن يدلَّ على معنييه أو معانيه بدرجة من الظن مختلفة ما بين معنى وآخر وإما أن يدل عليها بدرجة متساوية. فإذا كانت دلالته على معانيه مختلفة فلا بدّ أن تكون راجحة في معنى من المعاني ومرجوحة في غيره. فإذا كانت راجحة في معنى من المعاني سُمِّيَ هذا المعنى ب «ظاهر النصّ» (١)، أما المعاني المرجوحة الأخرى فتُسمى بـ «مؤول النص» (٢). وإذا كانت دلالة النص على معانيه بدرجة متساوية من الظن سُمّي هذا النص بـ «المجمل» (٣) أو «المشكل» في اصطلاح الحنفية (٤). وعليه يمكن تعريف المقتضى الظني للنص الشرعي بأنه: دلالة النص على معنى من معانيه التي يحتملها من غير قطع، سواء أكانت هذه الدلالة من النص في غالب الظن أو في مغلوبه أو في لا غالبه ولا مغلوبه، وبتعبير آخر، سواء أكانت هذه الدلالة «ظاهرة» أو غير ظاهرة وإنّما «مؤوّلة» أو كانت لا ظاهرة ولا مؤوّلة وإنّما «مجملة». والأصل في النص الشرعي - وهو ما تقتضيه لغة العرب - أن يُحمل على معناه الظاهر إلا أن ترد «قرينة» تعضد المعنى المؤوَّل لتنقله من الضعف إلى القوة ومن المرجوحيّة إلى الرجحان، فيتقدم بذلك على المعنى الظاهر (٥).

стр. 37

هذا إذا كان للنص معنى ظاهر، وآخر مؤول، وأما إذا لم يكن له ذلك بأن كان نَصًّا مجملًا فالأصل إذ ذاك التوقف عن إحالة مراد الشارع على أيّ من معانيه حتى يتسنى الوقوف على «قرينة» ترجح أحد هذه المعاني (١). فالقرينة على هذا، وبالنظر إلى ما سبق، شيء مشترك بين إرادة حمل اللفظ على المعنى المؤول إذا كان اللفظ محتملًا للتأويل وبين حمل اللفظ على أحد معانيه إذا كان مجملًا. إلا أنه ثمّة فرق وهو: أن القرينة المحتاج إليها في دعم احتمال التأويل ينبغي أن تكون على قدر من القوة بحيث تفوق قوة المعنى الظاهر المقابل للمعنى المؤول، ومن هنا يشترط الأصوليون لصحة التأويل: «أن يكون الدليل الصّارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه عنه إلى غيره» (٢). أما القرينة المحتاج إليها في رفع الإجمال عن اللفظ بترجيح أحد معانيه فلا يشترط فيها أن تكون قوية كالقرينة الداعمة للتأويل، وذلك لأن التساوي بين معاني اللفظ المجمل في القوة يجعل أحدها يترجح على غيره بأدنى دليل على خلاف الحال في الظاهر والمؤول. ومما تنبغي الإشارة إليه هاهنا هو: أن علة النص يُسلك بها مسلك القرينة: إما الداعمة للتأويل وإما الرافعة للإجمال - إذا كان اللفظ مشتركًا - كما سيرد بيانه في المبحث القادم إن شاء الله.

стр. 38

المطلب الثالث ثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص؟ سبق القول فيما مضى بأن الذي تقتضيه العلة، وكذلك النص، هو الحكم. وعليه، فهل يُضاف الحكم في ثبوته إلى العلة أم إلى النص أم إليهما معًا؟ فعلى سبيل المثال هل ثبت حكم التحريم للخمر بالنص وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]؟ أو أنه ثبت بالعلة وهي الإسكار المؤدي إلى وقوع العداوة والبغضاء بين الناس والصدّ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة؟ أم أنه ثبت بالعلة والنص جميعًا؟ قد شجر الخلاف بين الأصوليين في ذلك، فذهب معظم الحنفية إلى أن الحكم يثبت في محل الأصل بالنص أما في محل الفرع فيثبت بالعلة، وذهب معظم الشافعية إلى أنه يثبت في محل الأصل والفرع - على حد سواء - بالعلة، وقال قائلون بأن الحكم يثبت في محله بالعلة والنص جميعًا (١). والخطب في هذه المسألة - وإن كثر فيها الجدل - سهل يسير، وذلك لأن خلاف الأصوليين فيها إنما يدور على العبارة لا أكثر (٢) وبيان ذلك: أن من قال: إن الحكم في محل الأصل يثبت بالنص فمراده أن النص هو الذي كشف عن هذا الحكم وعرف به ولولاه لما أمكن الوقوف عليه.

стр. 39

ومن قال: إنه ثبت بالعلة فمراده أن العلة هي التي بعثت عليه وأنه شرع من أجلها وبدافع منها. ومن قال: إن الحكم ثبت بالعلة والنص معًا فقد جمع بين الأمرين، قال الآمدي، ﵀: «اعلم أن الخلاف في هذه المسألة آئل إلى اختلاف في اللفظ، وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرّفة له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل وأنها التي لأجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك، وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة، وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرّفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا، وأصحابنا غير منكرين لذلك، فلا خلاف في المعنى بل في اللفظ» (١). ويمكن في هذا الصدد توضيح علاقة كل من العلة والنص بالحكم بمثال محسوس، وهذا المثال هو الشجرة: جذرها المتشعب تحت الأرض هو العلة وثمرتها هي الحكم، وما بين الجذر والثمرة من الساق والغصن هو النص، فإما أن يقال - وهو الظاهر للعيان - بأن الثمرة ثابتة بالساق والغصن لأنهما محل ظهورها وحملها وتعريف الناس بها. وإما أن يُقال بأنها ثابتة بالجذر، وذلك لأنه وإن خفي فهو على التحقيق معدن تكوينها وإنشائها وسبب حمل الساق والغصن لها. وعليه، فإضافة الثمرة إلى الغصن هي إضافة حمل وإظهار، وإضافتها إلى الجذر هي إضافة تكوين وإنشاء، ولا تناقض بين الإضافتين.

стр. 40

فكذلك الحال بالنسبة إلى الحكم، يضاف إلى النص لأنه هو الحامل له والكاشف عنه، ويضاف إلى العلة؛ لأنها هي الباعث عليه والداعي له، فإضافته إلى النص تختلف عن إضافته إلى العلّة وليس بين الإضافتين تناقض أو تضاد حتى يثور الخلاف في أيّهما الصواب. فإذا تقرر ما سبق، واتضحت حقيقة القول في وجه إضافة الحكم إلى العلة أو إلى النص فلا بدّ في هذا المقام من استعراض هذه المسألة في كتب الأصوليين، حتى يمكن من خلال ذلك النظر في كيفية نشوء هذه المسألة عندهم والمراحل التي مرّت بها وما آلت إليه عند المتأخّرين، ويتخلل ذلك كلَّه مناقشةُ ما يحتاج إلى نقاش من أقوال الأصوليين. كيف نشأت هذه المسألة؟ صرّح الغزالي (١) وغيره (٢) بأن الخلاف في هذه المسألة تولّد من الخلاف في صحة العلّة القاصرة (٣) ويؤيد ذلك أن معظم الأصوليين إذ بحثوا هذه المسألة فإنما بحثوها عقب بحث العلة القاصرة مباشرة (٤).
следующие страницы →