← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 353

أثر تعليل النص على دلالته

أيمن صالح

Полный текст (212 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المقتضى الظني للنص الشرعي: إذا كان النص الشرعي ظنيًا يحتمل معنيين أو أكثر، فالنص إذ ذاك: إما أن يدلَّ على معنييه أو معانيه بدرجة من الظن مختلفة ما بين معنى وآخر وإما أن يدل عليها بدرجة متساوية. فإذا كانت دلالته على معانيه مختلفة فلا بدّ أن تكون راجحة في معنى من المعاني ومرجوحة في غيره. فإذا كانت راجحة في معنى من المعاني سُمِّيَ هذا المعنى ب «ظاهر النصّ» (١)، أما المعاني المرجوحة الأخرى فتُسمى بـ «مؤول النص» (٢). وإذا كانت دلالة النص على معانيه بدرجة متساوية من الظن سُمّي هذا النص بـ «المجمل» (٣) أو «المشكل» في اصطلاح الحنفية (٤). وعليه يمكن تعريف المقتضى الظني للنص الشرعي بأنه: دلالة النص على معنى من معانيه التي يحتملها من غير قطع، سواء أكانت هذه الدلالة من النص في غالب الظن أو في مغلوبه أو في لا غالبه ولا مغلوبه، وبتعبير آخر، سواء أكانت هذه الدلالة «ظاهرة» أو غير ظاهرة وإنّما «مؤوّلة» أو كانت لا ظاهرة ولا مؤوّلة وإنّما «مجملة». والأصل في النص الشرعي - وهو ما تقتضيه لغة العرب - أن يُحمل على معناه الظاهر إلا أن ترد «قرينة» تعضد المعنى المؤوَّل لتنقله من الضعف إلى القوة ومن المرجوحيّة إلى الرجحان، فيتقدم بذلك على المعنى الظاهر (٥).

стр. 37

هذا إذا كان للنص معنى ظاهر، وآخر مؤول، وأما إذا لم يكن له ذلك بأن كان نَصًّا مجملًا فالأصل إذ ذاك التوقف عن إحالة مراد الشارع على أيّ من معانيه حتى يتسنى الوقوف على «قرينة» ترجح أحد هذه المعاني (١). فالقرينة على هذا، وبالنظر إلى ما سبق، شيء مشترك بين إرادة حمل اللفظ على المعنى المؤول إذا كان اللفظ محتملًا للتأويل وبين حمل اللفظ على أحد معانيه إذا كان مجملًا. إلا أنه ثمّة فرق وهو: أن القرينة المحتاج إليها في دعم احتمال التأويل ينبغي أن تكون على قدر من القوة بحيث تفوق قوة المعنى الظاهر المقابل للمعنى المؤول، ومن هنا يشترط الأصوليون لصحة التأويل: «أن يكون الدليل الصّارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه عنه إلى غيره» (٢). أما القرينة المحتاج إليها في رفع الإجمال عن اللفظ بترجيح أحد معانيه فلا يشترط فيها أن تكون قوية كالقرينة الداعمة للتأويل، وذلك لأن التساوي بين معاني اللفظ المجمل في القوة يجعل أحدها يترجح على غيره بأدنى دليل على خلاف الحال في الظاهر والمؤول. ومما تنبغي الإشارة إليه هاهنا هو: أن علة النص يُسلك بها مسلك القرينة: إما الداعمة للتأويل وإما الرافعة للإجمال - إذا كان اللفظ مشتركًا - كما سيرد بيانه في المبحث القادم إن شاء الله.

стр. 38

المطلب الثالث ثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص؟ سبق القول فيما مضى بأن الذي تقتضيه العلة، وكذلك النص، هو الحكم. وعليه، فهل يُضاف الحكم في ثبوته إلى العلة أم إلى النص أم إليهما معًا؟ فعلى سبيل المثال هل ثبت حكم التحريم للخمر بالنص وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]؟ أو أنه ثبت بالعلة وهي الإسكار المؤدي إلى وقوع العداوة والبغضاء بين الناس والصدّ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة؟ أم أنه ثبت بالعلة والنص جميعًا؟ قد شجر الخلاف بين الأصوليين في ذلك، فذهب معظم الحنفية إلى أن الحكم يثبت في محل الأصل بالنص أما في محل الفرع فيثبت بالعلة، وذهب معظم الشافعية إلى أنه يثبت في محل الأصل والفرع - على حد سواء - بالعلة، وقال قائلون بأن الحكم يثبت في محله بالعلة والنص جميعًا (١). والخطب في هذه المسألة - وإن كثر فيها الجدل - سهل يسير، وذلك لأن خلاف الأصوليين فيها إنما يدور على العبارة لا أكثر (٢) وبيان ذلك: أن من قال: إن الحكم في محل الأصل يثبت بالنص فمراده أن النص هو الذي كشف عن هذا الحكم وعرف به ولولاه لما أمكن الوقوف عليه.

стр. 39

ومن قال: إنه ثبت بالعلة فمراده أن العلة هي التي بعثت عليه وأنه شرع من أجلها وبدافع منها. ومن قال: إن الحكم ثبت بالعلة والنص معًا فقد جمع بين الأمرين، قال الآمدي، ﵀: «اعلم أن الخلاف في هذه المسألة آئل إلى اختلاف في اللفظ، وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرّفة له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل وأنها التي لأجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك، وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة، وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرّفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا، وأصحابنا غير منكرين لذلك، فلا خلاف في المعنى بل في اللفظ» (١). ويمكن في هذا الصدد توضيح علاقة كل من العلة والنص بالحكم بمثال محسوس، وهذا المثال هو الشجرة: جذرها المتشعب تحت الأرض هو العلة وثمرتها هي الحكم، وما بين الجذر والثمرة من الساق والغصن هو النص، فإما أن يقال - وهو الظاهر للعيان - بأن الثمرة ثابتة بالساق والغصن لأنهما محل ظهورها وحملها وتعريف الناس بها. وإما أن يُقال بأنها ثابتة بالجذر، وذلك لأنه وإن خفي فهو على التحقيق معدن تكوينها وإنشائها وسبب حمل الساق والغصن لها. وعليه، فإضافة الثمرة إلى الغصن هي إضافة حمل وإظهار، وإضافتها إلى الجذر هي إضافة تكوين وإنشاء، ولا تناقض بين الإضافتين.

стр. 40

فكذلك الحال بالنسبة إلى الحكم، يضاف إلى النص لأنه هو الحامل له والكاشف عنه، ويضاف إلى العلة؛ لأنها هي الباعث عليه والداعي له، فإضافته إلى النص تختلف عن إضافته إلى العلّة وليس بين الإضافتين تناقض أو تضاد حتى يثور الخلاف في أيّهما الصواب. فإذا تقرر ما سبق، واتضحت حقيقة القول في وجه إضافة الحكم إلى العلة أو إلى النص فلا بدّ في هذا المقام من استعراض هذه المسألة في كتب الأصوليين، حتى يمكن من خلال ذلك النظر في كيفية نشوء هذه المسألة عندهم والمراحل التي مرّت بها وما آلت إليه عند المتأخّرين، ويتخلل ذلك كلَّه مناقشةُ ما يحتاج إلى نقاش من أقوال الأصوليين. كيف نشأت هذه المسألة؟ صرّح الغزالي (١) وغيره (٢) بأن الخلاف في هذه المسألة تولّد من الخلاف في صحة العلّة القاصرة (٣) ويؤيد ذلك أن معظم الأصوليين إذ بحثوا هذه المسألة فإنما بحثوها عقب بحث العلة القاصرة مباشرة (٤).

стр. 41

أما وجه تولدها من مسألة العلة القاصرة، فذلك أن الحنفية عندما أبطلوا التعليل بالعلة القاصرة عللوا ذلك بأن فائدة العلة إنما هي التوسل بها إلى معرفة الحكم، وهذا غير متحقق في القاصرة؛ لأنها لا تفيد حكمًا في الفرع ولا تفيد حكمًا في الأصل، فقيل لهم: نسلم لكم أنها لا تفيد حكمًا في الفرع فلمَ قلتم: إنها لا تفيد حكمًا في الأصل فقالوا: لأن الحكم في الأصل ثبت بالنص لا بالعلة، فقيل لهم: لا نسلم ذلك بل الحكم ثابت بها لا بالنص (١) ومن ثَم كثر الأخذ والرد. حقيقة القول في العلة القاصرة: والخلاف في صحة العلة القاصرة لفظي كما هو في هذه المسألة، ذكر ذلك الغزالي (٢) والزنجاني (٣) وابن قدامة المقدسي (٤) وابن الهمام (٥) وأطال النفس في بيان ذلك الأستاذ محمد شلبي في كتابه «تعليل الأحكام» ومما قال في ذلك: «قديمًا تنازع العلماء في جواز التعليل بالعلة القاصرة وطال الأخذ والرد بين الحنفية والشافعية على وجه أخص جيلًا بعد جيل، حتى خُيّل للناظر في كلامهم أنه دفاع عن عقيدة أو تنازع في حقيقة، ويعلم اللَّه أن لا عقيدة ولا حقيقة وإنما هو خلاف في الألفاظ، ومن أنصف منهم وتجرد عن العصبية قال:

стр. 42

نزاع لفظي حيث اختلف محل النفي والإثبات، وأن كل فريق معترف بما يقول الآخر شاء أم أبى، ومن أخذته الحميّة - حميّة الدفاع عن مشايخه - حاول ردّ النزاع الصوري إلى حقيقي متكلفًا أيّما تكلف كي يوجد لهذا الخلاف ثمرة صالحة لمّا بان له ذبول ثمراته التي رتبها عليه السابقون. وأغلب الظن عندي [والكلام لا يزال لشلبي] أن منشأ هذا الخلاف هو ما روي عن الإمام الشافعي ﵁ من جعله علة الربا في الذهب والفضة الثمنيّة وهي قاصرة عليهما، والحنفية جعلوا العلة الجنس والوزن وهي موجودة في غيرهما، وسواء أكان هذا التعليل منقولًا عن الإمام وصاحبيه أم من استنباط الأتباع فقد جدّ النزاع بين أتباع المذهبين في هذا الفرع وانجر الكلام منه إلى علة قاصرة ومتعدية وأيهما تُرجح في مقام الترجيح أو في مجالس المناظرات» (١). وإذن، فثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص مسألة تفرّعت عن مسألة العلة القاصرة، والخلاف بين الأصوليين في هذين المسألتين كليهما لفظي. المراحل التي مرت بها هذه المسألة في كتب الأصوليين: أولًا: في كتب أصوليي الشافعية وثانيًا: في كتب أصوليي الحنفية أولًا: كتب أصوليي الشافعية: ما من شك في أنَّ الإمام الشافعي، ﵀ أوّلَ من دوَّن الأصول - لم يتعرّض لهذه المسألة ولا لكثير غيرها من المسائل التي كثر خوض الأصوليين فيها فيما بعد، ودليل ذلك أن أتباعه وهم الحريصون على التمسك بأدنى

стр. 43

شيء من أقواله - لم يوردوا نقلًا واحدًا عنه ﵁ يظهِر من قريب أو بعيد أنه تعرض لثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص. وأما نسبة بعض الاصوليين (١) القول في هذه المسألة له، ﵀، فذلك لأن شأن أتباع المذاهب في وضع أصول مذهبهم هو استخراج هذه الأصول مما نقل عن إمامهم من فروع فقهية، ومن ثَم نسبة هذه الأصول إلى إمام المذهب نفسه، وهذا لا يدل صراحة على أن إمام المذهب قائل بهذه الأصول، ودليل ذلك أن أصوليي المذهب الواحد أنفسهم، كثيرًا ما يختلفون في حكاية المذهب في المسألة الواحدة من مسائل الأصول على قولين أو أكثر، وذلك تبعًا لاختلافهم في تخريج مذهب إمامهم في هذه المسألة بحسب ما روي عنه من فروع فقهية (٢). وعليه، فليس للشافعي نص في هذه المسألة، وهذا يعني بالضرورة أنها نشأت بعده. وأقدم من وجدته يذكر هذه المسألة من الشافعية أبو بكر الصيرفي (٣)، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، حيث قال: «الحكم في الأصل ثبت بالعلة التي دل عليها النص، وحظ النص فيها التنبيه عليها، وهذا هو الراجح عند أصحابنا» (٤).

стр. 44

ثم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (١)، المتوفى سنة ٤١٨ هـ، إذ حكى أن للشافعية وجهين في ثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص؟ (٢). والذي يظهر أن هذه المسألة ظلت منذ نشوئها كذلك تخضع للأخذ والرد والترجيح، فيما بين الشافعية والحنفية حينًا، وفيما بين الشافعية أنفسهم حينًا آخر، حتى جاء حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ﵀، المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، فكشف عن وجه هذه المسألة قناع الالتباس لتؤول بذلك من الخلاف إلى الوفاق. فقال، ﵀: «الحكم في الأصل هل يضاف إلى العلة أم لا؟ فهم [أي الحنفية] يزعمون أن المضاف إلى العلة حكم الفرع فأما حكم الأصل فمضاف إلى النص لا إلى العلة. وهذه المسألة عندي لفظية تنبني على بيان حد العلة، وما هو المراد بإطلاقها، وقد بيّنّا أن الفقهاء يطلقون اسم العلة على العلامة الضابطة لمحل الحكم، وقد تُطلق على الباعث الداعي إلى الحكم وهو وجه المصلحة، وقد تُطلق على السبب الموجب للحكم الذي يتنزل في الإيجاب وإضافة الموجب إليه منزلة العلة العقلية بنصْب الشرع، وإذا خُرّجت المسألة على هذه المآخذ ارتفع الخلاف، فإذا أُريد بالعلة السبب الموجب الذي يقتضي إضافةً عقلية، كما في العلل العقلية، فهذا يقتضي أن يقال: إن كانت العلة منصوصًا عليها كالسرقة مثلا جاز إضافة الحكم إليها وإن كانت قاصرة، وإن كانت مستنبطة

стр. 45

بالظن فلا؛ لأنّ المضاف - وهو الحكم - مقطوع به، فيستحيل أن يكون المضاف إليه مظنونًا والعلة المستنبطة مظنونة. وإن أُطلق اسم العلة لإرادة الباعث على الحكم والداعي له وهو: وجه المصلحة، فيقول الناظر: الحكم ثابت بالنص ومضاف إليه، والسبب الباعث للشرع على النص: المصلحة الفلانية فهذا لا حجر في إطلاقه … » (١). ثم جاء بعد الغزالي تلميذه أبو الفتح ابن برهان (٢)، المتوفى سنة ٥١٨ هـ، فأضاف إلى وجهي القول في المسألة وجهًا ثالثًا وهو: أن الحكم يثبت في محله بالعلة والنص جميعًا فقال: «ثبوته [أي الحكم] بالنصّ لا يمنع من إضافته إلى العلة فنحن نجمع بينهما فنقول: الحكم ثابت بينهما جميعًا، ويجوز إضافة الحكم إلى دليلين بالاتفاق» (٣)، وكأنه في هذا القول أعرض أو غفل عما قرره شيخه الغزالي، ومع ذلك فهو لم يأت بشيء، وذلك لأن إضافة الحكم إلى النص تختلف عن إضافته إلى العلة؛ إذ هي في الحالة الأولى: إضافة تعريف ودلالة وفي الحالة الثانية: إضافة بعث وإنشاء كما سبق تقريره، والجمع بين الإضافتين على النحو الذي قاله ابن برهان زيادة خبط في المسألة؛ لأنه جمع بين مختلفين في الذات والحقيقة، وهذا ينافي الدقة ويجلب الغموض ويزيد الإيهام.

стр. 46

وتابع ابنَ برهان على ذلك أبو المظفر بن السمعاني (١)، المتوفى سنة ٥٦٢ هـ، فقرر - كابن برهان - أن الحكم في محله ثابت بالنص والعلة جميعًا (٢). وبعد ذلك جاء فخر الدين الرازي، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ ليعيد المسألة إلى حقيقتها من جديد، وليقرر ما قرره الغزالي من قبل: أن الخلاف في ثبوت الحكم في محله هل هو بالنص أو العلة: لفظي انبنى على المأخذ في تعريف العلة فقال: «اختلفوا في أن الحكم في مورد النص ثابت بالنص، أو بعلة النص، فقالت الحنفية: لا يمكن ثبوته بالعلة، لأن الحكم معلوم والعلة مظنونة، والمظنون لا يكون طريقًا إلى المعلوم، وأصحابنا جوّزوه، والخلاف لفظي؛ لأنا نعني بالعلة هاهنا أمرًا مناسبًا يغلب على الظن أنّ الشرع أثبت الحكم لأجله، وذلك ممّا لا يمكن إنكاره» (٣). ومن ثم جاء الآمدي، المتوفى سنة ٦٣١ هـ، وكذلك ابن الحاجب، المتوفى سنة ٦٤٦ هـ، ليؤكدا ما قاله الرازي من لفظية الخلاف في المسألة (٤). واستقر حال المسألة على هذا الوضع الذي قرره المحققون - الرازي والآمدي وابن الحاجب - إلى أن جاء ابن السبكي، المتوفى سنة ٧٧١ هـ، ليقرر - من جديد - أن الخلاف في ثبوت الحكم في محله هل هو بالعلة أو النص: خلاف معنوي لا لفظي قائلًا: «نحن معاشر الشافعية لا نفسّر العلة بالباعث

стр. 47

أبدًا وإنما نفسّرها بالمعرف، ونشدّد النكير على من يفسّرها بذلك؛ لأن الربّ تعالى لا يبعثه شيء على شيء، ومن عبّر عنها من الفقهاء بالباعث أراد أنها باعثة للمكلّف على الامتثال نبّه عليه أبي، رحمه اللَّه تعالى» (١)، وجعل من ثمرة الخلاف جواز التعليل بالعلة القاصرة وعدمه (٢)، فقذف بذلك المسألة إلى ملتطم بحر الخلاف بعد أن استقرت على شاطئ الوفاق. وهو في تقريره هذا لم يأت بما يستحق إعادة النظر في المسألة؛ إذ إن قوله: «نحن معاشر الشافعية … الخ» مخالفة للصواب وللواقع: أما مخالفته للصواب؛ فلأن الفرار من تفسير العلة بالباعث إنما هو تأثر بمذهب الأشعري في الكلام حيث نفى تعليل أفعاله وهو: إما خطأ، وإما أنه قصد به نفي وجوب تشريع الأحكام وفق العلل عليه، ، وقد سبق تقرير القول في هذا الشأن عند الحديث عن تعريف العلة. وأما مخالفته للواقع؛ فلأن القول بأن الشافعية - هكذا بإطلاق - لا يفسّرون العلة بالباعث عار عن الدقة؛ إذ إن كتبهم تعج بتعريف العلة بالباعث والداعي ونحوها من العبارات (٣)، ولذلك قال الأنصاري بعد نقله كلام ابن السبكي آنف الذكر: «ما ذكره مخالف لسائر كتب الشافعية فإنهم متفقون على العلة الباعثة فافهم» (٤).

стр. 48

وما اعتذر به السبكي الوالد عمّن عرف العلة بالباعث من الشافعية بأنه قصد بذلك أن العلة باعثة للمكلف على الامتثال، فهو أبعد ما يكون عن الصواب؛ بدليل أن الغزالي، وهو أحد من أطلق لفظ «الباعث» على العلة، صرّح بأنها باعثة للشرع، حيث قال: «إنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم» (١) وهذا صريح في أن فقهاء الشافعية لا يعنون بالبعث بعث المكلف على الامتثال - كما ادعاه السبكي - وإنما بعْث الشارع على الحكم؛ ولذا قال العطار (٢) منتقدًا كلام السبكي آنف الذكر: «هذا أمر مخترع لوالد المصنف لا معنى له، لأن البعث للحاكم على شرع الحكم أي إظهار تعلقه بأفعال المكلفين» (٣). وأما الثمرة الخلافية التي رتبها ابن السبكي على هذه المسألة - وهي مسألة جواز التعليل بالعلة القاصرة وعدمه - فمِمّا لا يُفرح به، وذلك لأنه قد سبق بيان أن الخلاف في صحة العلة القاصرة - كهو في هذه المسألة تمامًا - لفظي لا أكثر. وبعد السبكي جاء الزركشي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ، ليؤكد مرة أخرى أن الخلاف في هذه المسألة معنوي لا لفظي، ثم لينقل لنا عن الأبياري (٤) شارح

стр. 49

«البرهان» ثمرة جديدة ترتبت على الخلاف في هذه المسألة فقال: «والتحقيق أن الخلاف معنوي وله أصل وفرع: أما أصله فيرجع إلى تفسير العلة … وأما فرعه فالخلاف في جواز التعليل بالقاصرة … وذكر الأبياري في شرح البرهان من فوائد الخلاف: تحريم قليل النبيذ وكثيره كالخمر عندنا وعندهم [يعني الحنفية] لا يحرم إلا القدر المسكر بخلاف الخمر فإن حرمة الخمر ثابتة بالنص، وهو عام يشمل قليله بعلة الإسكار، وحرمة النبيذ والفرع ثابت بعلة الأصل وهي الإسكار فلا بد من وجودها فلا يحرم منه قدر لا يسكر» (١) هذا هو ما في النسخة المطبوعة من البحر المحيط والذي يظهر أن في الكلام سقطًا، لكنه مع ذلك واضح في الدلالة على المقصود، ويمكن توضيحه أكثر بما يلي: الحنفية يحرمون الخمر - وهو المتخذ من العنب - قليله وكثيره أسكر أو لم يسكر؛ وذلك نظرًا لأن حرمة الخمر ثبتت بالنص، وهو عام يشمل القليل والكثير، أما الأنبذة الأخرى المتخذة من غير العنب فلا يحرمون منها إلا القدر المسكر، بينما يرون القليل الذي لا يسكر مباحًا، وذلك نظرًا لأن حرمة هذه الأنبذة ثبتت عندهم بالقياس على الخمر بعلة الإسكار، وما دامت العلة هي الإسكار فلا يحرم إلا قدْرٌ يُسكِر (٢). وإذن فقد اختلف الحكم عند الحنفية ما بين الأصل، وهو الخمر، وما بين الفرع، وهو النبيذ، وذلك نتيجة لاختلاف وسيلة إثبات الحكم في كل من المحلين: الخمر والنبيذ، حيث إن ثبوته في الخمر كان بوَساطة النصّ بينما كان ثبوته في النبيذ بوَساطة العلة، والنص عام فيقتضي شمول حكم التحريم لقليل

стр. 50

الخمر وكثيره، والعلة لا تقتضي شمول حكم التحريم لقليل النبيذ الذي لا يسكر، وذلك لأنها - وهي الإسكار - لا تتحقق فيه وإنما تقتضي فقط حرمة القدر المسكر نظرًا لتحققها فيه. وعليه، فلو كان الحنفية يقولون بأن الحكم في الأصل - وهو الخمر - ثبت بالعلة لا بالنص كما هو شأن النبيذ لوجب أن يكون الحكم في الخمر والنبيذ كليهما واحدًا، وهو حرمة القدر المسكر فقط وحِلُّ القدر الذي لا يسكر، لكنهم لما قالوا بأن الحكم في الأصل يثبت بالنص وفي الفرع بالعلة فرقوا بين الأمرين؛ لأن مقتضى النص العموم، أما العلة فمقتضاها التخصيص بالمسكر فقط. هذا - واللَّه أعلم - ما أراده الأبياري بذكره هذه الفائدة من فوائد الخلاف، وهي فائدة - كغيرها مما سبق ذكره - متوهمة وغير صحيحة، وذلك لوجهين: الأول: هو أن الجمهور بما أنهم قالوا بأن الحكم يثبت في الأصل بالعلة لا بالنص بخلاف الحنفية فالواجب أن لا يحرم عندهم قليل الخمر الذي لا يسكر، وذلك لأن علة الإسكار - وهي ما ثبت بها حكم تحريم الخمر عندهم - غير متحققة فيه، وهذا ما لا تجدهم يذهبون إليه، فدل ذلك على أن مبنى الخلاف في هذه المسألة ليس هو ما ذُكر من الخلاف في ثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص كما هو مدّعى الأبياري، ويؤكد هذا أن هناك من الشافعية من يوافق الحنفية في أن الحكم يثبت في محله بالنص لا بالعلة (١)، ومع ذلك فهم يحرّمون قليل النبيذ وكثيره بخلاف الحنفية.

стр. 51

والوجه الثاني: هو أنه من الخطأ استخلاص قاعدة من قواعد الأصول لمذهب من المذاهب من خلال فرع أو أكثر من فروع الفقه، إلا أن تبلغ هذه الفروع من الكثرة والسلامة من النقد، بحيث يغلب على الظن أن المجتهد يسير في هذه الفروع على نمط واحد وقاعدة مطردة، وهذا ما لا يوجد هاهنا، حيث إن هذا الفرع - وهو حكم قليل النبيذ - الذي خُرّج على الخلاف فيما يثبت به حكم الأصل هل هو العلة أم النص؟ فضلًا عن كونه واحدًا، فإنه لا يسلم من النقد بحيث يمكن حمل الخلاف فيه على محمل أو محامل أخر - سواء عند أبي حنيفة، ﵀، أو عند الجمهور - غير محمل الخلاف في أنه هل يثبت حكم الأصل بالنص أو العلة. فأما عند أبي حنيفة فيمكن أن يقال: إن حرمة قليل الخمر وكثيرها ثبتت عنده لعلتين وهما: الإسكار والنجاسة - وأبو حنيفة ممن يقول بنجاسة الخمر (١) - فإن انتفت علة الإسكار في قليل الخمر فقد بقيت علة النجاسة، وهي تستقل بتحريم القليل كالكثير تمامًا، أما حرمة النبيذ فهي ثابتة، بعلة الإسكار فقط فيحرم الكثير دون القليل لخلوّ القليل من العلة المحرِّمة. ويمكن أن يقال: إن هذا كله لم يكن دائرًا في ذهن أبي حنيفة عندما حكم في النبيذ، بل الذي دفعه إلى مثل هذا الحكم هو تعارض الأخبار والآثار في هذه المسألة، كما يُلحظ ذلك من خلال الاطلاع على ما استدل به الحنفية والجمهور، كلٌّ على صحة مذهبه من أخبار وآثار، فرأى أبو حنيفة أن الجمع بين هذه الآثار وبين آية تحريم

стр. 52

الخمر لا يكون إلا على هذا النحو، لا سيما أن بعض الآثار التي يذكرها الحنفية توضح أن بعض الصحابة قد شرب من قليل النبيذ الذي لا يسكر (١). وأما عند الجمهور فيمكن أن يقال بأن مأخذهم في قولهم بحرمة قليل النبيذ يحتمل محلين: الأول: - وهو الأغلب على الظن - النصوص مثل قوله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (٢) وقوله "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٣)، وغير ذلك من النصوص. والثاني: وجود علة محرِّمة في القليل من النبيذ غير الإسكار، وهي أن قليله يدعو إلى كثيره أو لأن القليل الذي لا يسكر لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص فحسم فيه الباب، وهذه العلل تستقل بالتحريم واللَّه أعلم. فإذا تقرر ما سبق كله، فإنه لا يمكن الادعاء بأن الخلاف في حكم قليل النبيذ هو ثمرة من ثمار الخلاف في مسألة ثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص، لا سيما مع وجود ما ذُكر من احتمالات في محمل الخلاف في المسألة. ومن ثَمَّ يعود الخلاف في ثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص إلى اللفظ فحسب كما قرره المحققون من أصوليي الشافعية كالغزالي والرازي

стр. 53

والآمدي، ولا يُغبِّر على تقريرهم هذا ما أثاره السبكي والزركشي والأبياري من زوبعات مصطنعة سرعان ما انكشفت عن غير طائل. ثانيًا: استعراض المسألة في كتب أصوليي الحنفية: أقدم من وجدته يذكر هذه المسألة من الحنفية أبو الحسن الكرخي (١)، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، وذلك أثناء حديثه عن العلة القاصرة فقال، ﵀: «الأصل أن النص يحتاج إلى التعليل بحكم غيره لا بحكم نفسه» (٢)، وهذه هي مسألة العلة القاصرة، ثم قال موضحًا ذلك ومعللًا له: «وذلك أن الحرمة في الأشياء الستة التي في قول النبي ﷺ : الحنطة بالحنطة .. الخ (٣) ثابتة بعين النص لا بالمعنى وفي سائر المكيلات والموزونات بالمعنى وهو القدر مع الجنس» (٤)، ثم جاء من بعده تلميذه أبو بكر الجصاص، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، مؤكدًا ذلك بقوله: «إن علة تحريم التفاضل في الأرز، أنه مكيل جنس، قياسًا على البر، وليس هذا الحكم موجَبا في البر بهذه العلة؛ لأن البر إنما وجب فيه هذا الحكم بالنص لا بهذا المعنى، إذ كان دخوله تحت النص مغنيًا عن تعليله لإيجاب حكمه،

стр. 54

وإنما اقتضبنا هذا الاعتلال للفرع الذي ليس بمنصوص عليه ألا ترى أنه لولا الفرع لكان ذكر هذا الاعتلال لغوًا» (١). والذي يظهر أن قضية ثبوت الحكم في المحل هل هو بالنص أو العلة ظلت - ومنذ نشوئها عند الحنفية - تُبحث كجزء من مسألة العلة القاصرة - كما هو واضح من صنيع الجصاص وشيخه الكرخي - إلى أن جاء أبو زيد الدبوسي، المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، فأفرد المسألة بالذكر واستدل لها وكان مما قال: «الحكم في محل النص يثبت بالنص وفيما عداه من الفروع بالعلة» واحتج لذلك قائلًا «الحكم في محل النص ليس يخلو إما أن يكون ثابتًا بالنص أو بالعلة أو بهما، لا يجوز أن يقال ثبت بالعلة لأن العلة مظنونة فيكون حكمها مظنونًا والنص مقطوع به فكيف نضيف الحكم إلى أمر مظنون ونقطعه عن أمر مقطوع به، ولا يجوز أن يقال: ثبت بهما، فإن كون الحكم ثابتًا بالنص يقتضي أن يكون مقطوعًا به، وكونه ثابتًا بالعلة يقتضي أن يكون مظنونًا مقطوعًا به في حالة واحدة بالإضافة إلى شخص واحد، فدل على أنه يثبت بالنص قطعًا» (٢). ولم يرتض أبو الفتح ابن برهان كلام الدبوسي هذا فقال عقب إيراده: «وطريق الجواب عنه أن نقول: الحكم ثبت بطريق مقطوع به عندنا وهو النص، ولكن العلة هي التي دعت صاحب الشرع إلى الحكم بظنونه، فنحن نقطع على الحكم بقول الرسول ﷺ ونظن أن العلة هي الداعية لصاحب الشرع إلى الحكم، فالظن يرجع إلى غير ما رجع إليه القطع، بل هما أمران

стр. 55

مختلفان، وذلك أننا نظن أنها المثبتة للحكم عند اللَّه تعالى، فلا تناقض بينهما» (١). وبعد أبي زيد جاء البزدوي، المتوفى سنة ٤٨٢ هـ، فتابعه على مقالته (٢)، وكذلك فعل السرخسي، المتوفى سنة ٤٩٠ هـ (٣). وبعد هؤلاء برز توجه جديد لبعض الحنفية في هذه المسألة على يد علاء الدين السمرقندي الحنفي (٤)، المتوفى سنة ٥٣٩ هـ، وهو أحد من أخذ عن البزدوي، حيث رجح أن الحكم في محله يثبت بالعلة لا بالنص على النقيض مما قرره من سبق من الحنفية، والمثير في الأمر أن السمرقندي لم يذكر أن ثبوت الحكم في المحل بالعلة مذهبًا له فحسب، بل نسبه إلى مشايخ سمرقند كلهم وعلى رأسهم الإمام أبي منصور الماتُريدي، ﵀ (٥). فقال، ﵀: «من شرائط صحة القياس أن يكون الحكم في المنصوص عليه ثابتًا بالوصف الذي جُعل علة حتى يثبت مثل ذلك الحكم في غير المنصوص عليه لوجود مثل ذلك المعنى، أما متى لم يكن الحكم في الأصل ثابتًا بالعلة فكيف يثبت في الفرع بمثله وهذا على قول مشايخ سمرقند، وهو قول الإمام الأجل أبي منصور الماتريدي، ﵀، وهو قول الشافعي، ﵀.

стр. 56

وقال مشايخ العراق: هذا ليس بشرط، والحكم في النص لا يثبت بالعلة بل بعين النص، ولكن الوصف في الأصل جُعل علمًا على كونه علة للحكم في الفرع» (١)، وأفاض بعد ذلك في الاستدلال لقوله والرد على أقوال المخالفين (٢). وبعد ذلك، وفي القرن الثامن الهجري، ظهر شرح عبد العزيز البخاري، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ، على أصول البزدوي فتعرض للمسألة ونصر قول مشايخ العراق بأن الحكم في المحل يثبت بالنص لا بالعلة (٣). أما صدر الشريعة، المتوفى سنة ٧٤٧ هـ، فقد ذكر في «متن التنقيح» أن الحكم في الأصل ثابت بالنص لكنه - على خلاف عادته في مثل هذه المواضع - لم يتعرض لتفصيل القول في ذلك في شرحه المسمى بالتوضيح (٤). وفي القرن التاسع الهجري ظهر الإمام المحقق الكمال بن الهمام، المتوفى سنة ٨٦١ هـ، ليكون - واللَّه أعلم - أول من تنبه من الحنفية لحقيقة الخلاف في هذه المسألة وذلك أنه عائد إلى اللفظ لا إلى المعنى فقال: «والخلاف في كونه [أي حكم الأصل] ثابتًا بالعلة عند الشافعية وبالنص عند الحنفية لفظي، فمراد الشافعية [بثبوت الحكم بالعلة] أنها الباعثة عليه ومراد الحنفية [بثبوت الحكم بالنص] أنه المعرف [له]» (٥).

стр. 57

وبعد ابن الهمام جاء صاحب مسلم الثبوت محب اللَّه بن عبد الشكور، المتوفى سنة ١١١٩ هـ، فسار سير ابن الهمام وقرر كذلك بأن الخلاف في المسألة لفظي لا معنوي (١). وهكذا انتهت هذه المسألة عند الحنفية إلى الوفاق لا الخلاف، لكن انتهاءها إلى هذا الوضع كان متأخرًا بالقياس إلى الوقت الذي انتهت فيه عند المحققين من الشافعية.

стр. 58

المبحث الثاني التعريف بعملية «تأثير تعليل النص على دلالته» وسيكون ذلك في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأثر الذي يلقيه تعليل النص على دلالته المطلب الثاني: سبب وكيفية تأثير تعليل النص على دلالته المطلب الثالث: مجال تأثير تعليل النص على دلالته

стр. 59

المطلب الأول الأثر الذي يلقيه تعليل النص على دلالته وهذا الأثر يتلخص - ببساطة - في إفضاء التعليل: إما إلى تأكيد المعنى الظاهر للنص وتقويته. وإما إلى توهينه وصرف النص من الدلالة عليه إلى الدلالة على المعنى المؤول. هذا إذا كان للنص معنيان ظاهرٌ ومؤول، أما إذا لم يكن له ذلك بأن كان مجملًا - مشتركًا - فأثر التعليل هاهنا هو في الإفضاء إلى ترجيح أحد معنييه على الآخر. وعليه فأثر التعليل على النص ثلاثة أنواع: أحدها: تقوية المعنى الظاهر. والثاني: تقوية المعنى المؤول. والثالث: ترجيح أحد معاني المشترك. وفيما يلي ثلاثة أمثلة لتوضيح هذه الأنواع: المثال الأول: أثر التعليل في تقوية المعنى الظاهر: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ … ﴾ [الأحزاب: ٥٣].

стр. 60

النهي الوارد في هذه الآية ظاهر في التحريم، لكنه - بمقتضى تردُّد صيغة النهي بين طلب الكف الجازم وغير الجازم - محتمل لأن يراد به الكراهة. ولكن، لما ثبت تعليل النهي بكون الفعل المنهي عنه كان يؤذي النبي ﷺ ، تعين المعنى الظاهر من النص، وهو التحريم، وانتفى أو على الأقل ضَعُف جدًا المعنى المؤول من النص، وهو الكراهة، وذلك لأن إيذاء النبي ﷺ محرم قطعًا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، والفعل إنما نهي عنه لأجل الإيذاء، فيحرم هذا الفعل بناء على ذلك قطعًا، فهذا هو مثال تقوية التعليل لظاهر النص حتى يزداد ظهورًا. المثال الثاني: أثر التعليل في تقوية المعنى المؤول: ذهب الإمام الشافعي، رحمه اللَّه تعالى، إلى كون لمس النساء ناقض للوضوء استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا … ﴾ [النساء: ٤٣]. والعلة في كون لمسهن ناقض للوضوء - كما رآها الشافعي - هي كون النساء «مظنة للشهوة». ومقتضى هذه العلة أن لا يجب الوضوء من لمس النساء اللاتي لسن مظنة للشهوة كالمحارم وكالصغار اللاتي لا يشتهين عادة وهذا بالفعل ما ذهب إليه الإمام الشافعي، ﵀، في الراجح من قوليه، وهو بهذا يكون قد خصص عموم لفظ «النساء» الوارد في الآية بما استنبطه منها من علة (١).

стр. 61

وخالف الإمامان مالك وأحمد رحمهما اللَّه الإمامَ الشافعي في هذا الاجتهاد وذلك بأن رأيا - لأدلة وقفا عليها - أن العلة في كون لمس النساء ناقض للوضوء هي «ذات الشهوة» لا «مظنتها»، وبالبناء على هذا التعليل قيّدا مطلق «اللمس» الوارد في الآية بالشهوة فلم يوجبا الوضوء إلا من لمس بشهوة (١). فالشافعي، ﵀، صرف العام عن عمومه بالتعليل فصار خاصًا، ومالك وأحمد رحمهما اللَّه صرفا المطلق عن إطلاقه بالتعليل فصار مقيدًا، والخاص والمقيد معنيان مؤولان لا يصار إليهما إلا بقرينة مقوية وهو ما حدث هاهنا بقرينة التعليل. فهذا هو مثال تقوية التعليل لمؤول النص حتى يغلب على الظن فهمه منه. المثال الثالث: أثر التعليل في ترجيح أحد معاني المشترك: قال تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. واختلف العلماء في المراد بالقرء نظرًا للاشتراك في هذه اللفظة بين الطهر والحيض. فذهب الشافعية إلى أن المراد بالقرء في هذه الآية هو الطهر ورجّحوا هذا المعنى بقرائن ذكروها (٢). وذهب الحنفية إلى أن المراد به الحيض ورجحوا هذا المعنى بقرائن ذكروها، ومن بين هذه القرائن قرينة التعليل، وذلك لأن العلة الأساس

стр. 62

في تشريع العدة إنما هي معرفة براءة الرحم من الحمل، ومعرفة براءة الرحم إنما تكون بالحيض لا بالطهر، فيكون على ذلك المراد بالقرء هو الحيض لا الطهر (١). قال ابن رشد وهو بصدد ذكر أدلة الحنفية على ما ذهبوا إليه «وأقوى ما تمسك به الفريق الثاني [يعني الحنفية ومن قال بقولهم] أن العدة إنما شرعت لبراءة الرحم، وبراءتها إنما تكون بالحيض لا بالأطهار، ولذلك كان عدة من ارتفع عنها الحيض بالأيام، فالحيض هو سبب العدة بالأقراء، فوجب أن تكون الأقراء هي الحيض» (٢). فهذا هو مثال ترجيح التعليل لأحد ألفاظ المشترك. المطلب الثاني سبب وكيفية تأثير تعليل النص على دلالته مما سلف ذكره في المطلب السابق أن للتعليل على النص - القابل للتأويل - أثرين: ١ - إما تقوية ظاهر النص. ٢ - وإما توهين هذا الظاهر وبالتالي تقوية المعنى المؤول. ومما يجدر قوله هاهنا: إن هذين الأثرين إنما ينتجان عن التمازج والتفاعل بين مقتضى العلة بطردها أو عكسها من جهة وبين مقتضى النص بظاهره ومؤوله من جهة أخرى.

стр. 63

فالأثر الأول - وهو تقوي ظاهر النص - ينتج عن توافق ظاهر النص مع مقتضى العلة سواء بطردها أو عكسها. أو بعبارة أخرى ينتج عن تعارض مؤول النص مع مقتضى العلة - بطردها أو عكسها - فيزداد بهذا التعارض مؤول النص وهنًا على وهن، ليزداد - في الوقت نفسه - ظاهر النص قوة على قوة. والأثر الثاني - وهو تقوي مؤول النص - ينتج عن توافق مؤول النص مع مقتضى العلة سواء بطردها أو عكسها. أو بعبارة أخرى ينتج عن تعارض ظاهر النص مع مقتضى العلة - بطردها أو عكسها - فيَهِنُ بهذا التعارض ظاهر النص، ليتقوى - في الوقت نفسه - مؤول النص. فالتوافق والتعارض بين مقتضى النص والعلة هما إذن سبب تأثير تعليل النص على دلالته. وفهم كيفية هذا التأثير تكمن في فهم طبيعة المقتضيات التي تسبب هذا التأثير بتفاعلها مع بعضها البعض، وذلك: أنها ظنون، والظنون من شأنها أن تتوافق أو تتعارض فإذا توافق ظنان تولد من مجموعهما ظنٌ واحد قوي، وإذا تعارضا طغى الأقوى منهما على الأضعف. فالحال على ذلك إذن: أن ظاهر النص قد يقتضي حكمًا ما في محل ما، والعلة - بطردها - قد تقتضي ذات الحكم في ذات المحل، فيتأكد في ذهن المجتهد قصد الشارع إلى المعنى الظاهر من النص، وقد تقتضي العلة - بعكسها - نفي هذا الحكم عن ذات المحل، ويوافقها على ذلك مقتضى المعنى المؤول للنص، فيترجح في ذهن المجتهد قصد الشارع إلى هذا المعنى من النص دون المعنى الظاهر.

стр. 64

ويمكن توضيح ذلك بالمثال التالي: روى أبو هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (١). هذا الحديث يشتمل على أمر بغسل اليد عند الاستيقاظ من النوم، ويشتمل كذلك على ذكر علة هذا الأمر، قال البيضاوي في قوله ﷺ "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده": «فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة، لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقّبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم كان لأجلها» (٢). هذا وللعلماء اجتهادات في نص هذا الحديث الشريف نتجت عن التوافق والتعارض بين مقتضيات كل من النص والعلة. ويمكن تصنيف هذه الاجتهادات بحسب طبيعة المقتضيات المسببة لها ضمن أربعة أنواع: النوع الأول: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى مؤول النص. النوع الثاني: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى ظاهر النص. النوع الثالث: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى مؤول النص. النوع الرابع: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى ظاهر النص.

стр. 65

النوع الأول: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى مؤول النص: ويمكن إجراؤه في موضعين كما يلي: أولًا: ظاهر الأمر "فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه" يقتضي وجوب الغسل قبل الإدخال. ومؤول هذا الأمر - بحكم دلالة صيغة الأمر - يقتضي ندب الغسل قبل الإدخال. أما مقتضى اطراد العلة فهو كذلك يقتضي ندب الغسل لا وجوبه، وذلك لأن علة غسل اليدين قبل الإدخال - كما دلّ عليها النص - هي الشك في نجاستها، والشك - كما دلت عليه الأدلة - لا يرفع اليقين السابق، لذلك لم يقل العلماء بوجوب إزالة الشك إذا ما حصل، وإنما قالوا بندب ذلك احتياطًا (١). إذن فقد تعاضد مقتضى مؤول النص مع مقتضى اطراد العلة، ولذا ذهب الجمهور من العلماء إلى القول بندب غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم خلافًا لظاهر النص، قال الحافظ، ﵀: «القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور: التعليل بأمر يقتضي الشك، لأن الشك لا يقتضي وجوبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة» (٢).

стр. 66

ثانيًا: ظاهر الشرط "إذا استيقظ أحدكم من نومه" يقتضي بمفهومه المخالف عدم استحباب غسل اليدين في غير «الاستيقاظ من النوم» من الحالات، ومقتضى اطراد العلة أن يعم حكم الاستحباب كافة المحال أو الحالات التي يتحقق فيها الشك بنجاسة اليد. وعلى ذلك يدخل في حكم النص: الإفاقة من الإغماء، ومن السكر، ومن الجنون، وكذلك أي حال حصل فيها الشك بنجاسة اليد لأي سبب من الأسباب، قال النووي، ﵀: «مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كُره له غمسها في الإناء» (١). النوع الثاني: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى ظاهر النص: وإجراؤه كالتالي: قوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه" يعم بظاهره نوم الليل ونوم النهار، وقد رأى الإمام أحمد، ﵀، تخصيص هذا العموم بنوم الليل دون نوم النهار، وحجته على هذا التخصيص قرينة لفظية وردت في الحديث وهي قوله ﷺ : "أين باتت يده" حيث إن لفظ «بات» لا يستخدم لغة إلا في نوم الليل ولا يستخدم في نوم النهار، فدلّ هذا على أن المقصود في الحديث هو نوم الليل خاصة لا عموم النوم كما هو ظاهر اللفظ (٢)، لكن جمهور العلماء

стр. 67

خالفوا أحمد في هذا التخصيص، وإن دعمته القرينة اللفظية، مستندين في مخالفتهم هذه إلى مقتضى العلة، إذ لا فرق في حصول الشك بنجاسة اليد بين نوم الليل ونوم النهار (١)، وبناء على ذلك فقد تقوى عموم النص - وهو الظاهر منه - بمقتضى العلة فامتنع عن التخصيص. النوع الثالث: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى مؤول النص: وإجراؤه كالتالي: قوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه" عام في كل من يقوم من النوم من المكلفين فهذا هو الظاهر من النص، وانعكاس العلة يعارض هذا الظاهر، إذ هو يقتضي عدم وجوب أو استحباب غسل اليدين لمن قام من نومه متأكدًا من طهارة يديه كمن وضعهما في قفازين مثلًا قبل أن ينام (٢)، فيُخَصُّ عموم النص بمقتضى انعكاس العلة هذا، ويَخرُج عن حكم النص كل من لم تتحقق فيه علة الشك بنجاسة يده لأي سبب من الأسباب وإن صدق عليه أنه استيقظ من نومه، فهذا هو تخصيص - تأويل - النص بالتعليل. النوع الرابع: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى ظاهر النص: وإجراؤه كالتالي:

стр. 68

ظاهر الحديث يقتضي إخراج النبي ﷺ عن حكم النص، وذلك لأن قوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم" صريح في إضافة الحكم إلى المخاطَبين ولا يدخل فيه المخاطِب - وهو هو ﷺ إلا بدليل. والعلة بانعكاسها توافق الظاهر إذ هي تقتضي خروج النبي ﷺ عن حكم الحديث لأنه ﷺ ليس هو ممن «لا يدري أين باتت يده» إذا نام؛ لما ورد أنه ﷺ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه (١). جملة القول في هذا المطلب تعليل النص يعمل عمل «القرينة» المبيِّنة لمراد الشارع من النص، فإذا كان النص عامًا فإما أن تؤكد هذا العموم وإما أن تخصصه، وإذا كان مطلقًا فإما أن تؤكد هذا الإطلاق وإما أن تقيده، وإذا كان حقيقة فإما أن تؤكدها وإما أن تصرف النص عنها إلى المجاز، وإذا كان له مفهوم مخالف فإما أن تؤكد هذا المفهوم وإما أن تبطله. وهكذا كل ظاهر للنص إما أن يؤكده التعليل وإما أن يصرف النص من الدلالة عليه إلى الدلالة على المعنى المؤول بغض النظر عن نوع التأويل ما دام احتماله قائمًا. والفلسفة في امتلاك التعليل هذه القوة في التبيين: هي كون التعليل يحدث ظنًا دالًا على مراد الشارع من النص، فإذا اجتمع هذا الظن مع الظن الذي يحدثه ظاهر النص قواه، وإذا عارضه - وكان أقوى منه - صرفه إلى المعنى المؤول.

стр. 69

المطلب الثالث مجال تأثير تعليل النص على دلالته يمكن - بشيء من التجوز - تشبيه النص الشرعي القابل للتأويل برسالة أراد مرسلها منها الدلالة على أمر ما، لكنه - لغرض يريده - كتب ما أراد الدلالة عليه بحبر سرّي أو خفي، ثم كتب فوقه كلاما لا يقصد مدلوله بحبر عادي أو ظاهر. فمقتضى المكتوب بالحبر الخفي هو مؤول النص، ومقتضى المكتوب بالحبر الظاهر هو ظاهر النص. وموقع التعليل من هذا التشبيه هو تلك النار الهادئة التي إذا قربت إليها الرسالة برز مراد المرسل منها على التحقيق، وذلك أن التعليل يكشف عن المعنى المؤول للنص بعد أن كان خفيًّا ليبطل العمل بظاهر النص مع أنه كان واضحًا، كل ذلك سعيًا وراء تحقيق مراد الشارع من النص بالتحديد. وعليه، فعمل التعليل في النص هو عمل توضيحيٌّ كشفيٌّ عن المراد منه، وليس هو تغييرًا أو نسخًا أو إبطالًا للنص، وذلك لأن النص لم يُلغَ بالتعليل بل بقي دالًا على معنى من معانيه يحتمله لغة، وهذا ليس هو شأن التعليل فقط، وإنما هو شأن القرائن كلها، ولم يقل أحد بأن صرف النص عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول لقرينة من القرائن هو تغيير أو إبطال أو نسخ له، وإنما هو تبيين لمراد الشارع منه. نعم، هو إبطال لظاهر النص، لكن هذا شيء وإبطال النص بالكلية شيء آخر، والفرق بينهما كالفرق بين تقريب الرسالة إلى نار هادئة ليَظهر بذلك أن المراد بها هو ما دل عليه مكتوبُها الخفي دون ما دل عليه مكتوبها الظاهر وبين حرق هذه الرسالة بمكتوبيْها، الخفي والظاهر معًا.

стр. 70

فالحال الأولى هي حال المؤوِّل للنص بالتعليل أو بغيره من القرائن، والحال الثانية هي حال المبطِل للنص والناسخ له حتى لا تبقى له دلالة أصلًا لا ظاهرة ولا مؤولة. فإذا تقرر هذا، وما سبق، فعلى ضوئه يمكن تحديد مجال تأثير تعليل النص على دلالته بأنه مهما كانت دلالة النص ظنية تقبل مزيدًا من التوضيح أمكن تأثير التعليل عليها وإلا، بأن كانت قطعية، فإنه لا يتطرق إليها تأثير التعليل بحال، وذلك لأن الدلالة القطعية قد بلغت الغاية في الوضوح بحيث لا يمكن بشيء من الأشياء الزيادة من وضوحها في الدلالة على المراد منها، فإذا ما حصل وازدادت وضوحًا بقرينة من القرائن دلّ هذا على أنها لم تكن قطعية في دلالتها، لأن المقطوع لا يزيده الظن شيئًا، وإنما الذي يزداد بالظن المظنون فقط. فمجال تأثير التعليل على النص - إذن - هو الدلالات الظنية أو المقتضى الظني له فحسب، أما الدلالات القطعية أو المقتضى القطعي لنص من النصوص فهو عن تأثير التعليل بمعزل.

стр. 71

المبحث الثالث البعد الاجتهادي لمسألة «تأثير تعليل النص على دلالته» وهو في مطلبين: المطلب الأول: كيفية نظر المجتهد إلى النص الشرعي بناءً على القول بتأثير تعليل النص على دلالته المطلب الثاني: الثمرة الأصولية المترتبة على القول بتأثير تعليل النص على دلالته

стр. 72

المطلب الأول كيفية نظر المجتهد إلى النص الشرعي بناءً على القول بتأثير تعليل النص على دلالته عندما ينظر المجتهد في النص الشرعي القابل للتأويل ليستنبط منه حكمًا من الأحكام، فإن نظره يدور بين ثلاثة أقطاب لهذا النص: القطب الأول: المعنى الظاهر للنص، وهو الراجح الذي تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي، كدلالة العام على العموم أو المطلق على الإطلاق أو الخاص على الحقيقة. القطب الثاني: علة النص، سواء أكانت منصوصة أو اجتُهد في استنباطها. القطب الثالث: المعنى المؤول للنص، وهو المرجوح الذي يحتمل أن تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي كدلالة العام على الخاص أو المطلق على المقيد أو الخاص على المجاز. فإذا نظر المجتهد نظر متفحص في هذه الأقطاب الثلاثة فإنه يتحصل على جملة من الظنون لا يتسنى له استنباط الحكم منها إلا بعد أن يجمع بين هذه الظنون ويوفق بينها بحيث يخرج بعد ذلك بظن غالب على حكم من الأحكام. وهذه الظنون هي: الظن الأول: ظن المعنى الظاهر، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإن كان عامًا عُمّم الحكم، وإن كان مطلقًا أُطلق وإن كان لفظًا حقيقيًا فهو المراد دون المجاز.

стр. 73

وهذا الظن من اسمه ظاهر، أي قوي، لذلك فهو أول ظن يقع اعتبار المجتهد له. الظن الثاني: ظن العلة، ومقتضى هذا الظن أن يثبت الحكم في جميع المحال التي تتحقق فيها العلة، وأن ينتفي عن جميع المحال التي لا تتحقق فيها. وهذا الظن في القوة على درجات، وهو ثاني ظن يقع اعتبار المجتهد له، فإن انسجم واتفق هذا الظن مع ظن المعنى الظاهر في الدلالة على حكم ما قضى المجتهد بهذا الحكم واكتفى بذلك وإلا اضطر إلى النظر إلى: الظن الثالث: وهو ظن المعنى المؤول، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإذا كان خاصًا خُصّص الحكم وإن كان ظاهر النص العموم، وإذا كان مقيدًا قُيّد الحكم وإن كان ظاهر النص الإطلاق وإذا كان مجازًا فهو المراد دون المعنى الحقيقي. وهذا الظن - من حيث الأصل - ضعيف ولذا فهو آخر ما يقع اعتبار المجتهد له. هذه هي الظنون الثلاث التي تتحصل لدى المجتهد عند نظره في نص شرعي قابل للتأويل. فأما ظن المعنى الظاهر، وظن المعنى المؤول فهما ظنان متعاكسان متضادان إذا قوي أحدهما ضعف الآخر وإذا ضعف أحدهما قوي الآخر. وأما ظن العلة فله مع ظنّيِ المعنى الظاهر والمؤول حالات ثلاث: الأولى: أن لا يؤثر على كل من الظنين، وذلك كإذا لم تعرف علة النص بأن لم يوقف عليها بمسلك صحيح وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بما يقتضيه ظاهر النص لأنه هو الظن الأقوى.

стр. 74

الثانية: أن يزيد في قوة المعنى الظاهر بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، وفي هذه الحالة أيضًا يحكم المجتهد - ولكن بمزيد من الثقة - بما يقتضيه ظاهر النص. الثالثة: أن يزيد في قوة المعنى المؤول بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى المعنى المؤول للنص، وهذا بالضرورة يقتضي تعارض مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، لأن المعنى المؤول والمعنى الظاهر متضادان فموافقة أحدهما تعني بالضرورة مضادة الآخر. وهذه الحالة يتفرع عنها بحسب التقسيم المنطقي ثلاث حالات: الأولى: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول حتى يصيرا بمجموعهما أقوى من ظن المعنى الظاهر، وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى المؤول للنص. الثانية: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول ولكن بحيث يظل - في نظر المجتهد - ظن المعنى الظاهر أقوى من مجموعهما وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى الظاهر. الثالثة: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول بحيث يساويان ظن المعنى الظاهر وفي هذه الحالة: إما أن يُقال بالتوقف وطلب الدليل من خارج، وإما أن يُقال: نحكم بالظاهر لأنه هو المتبادر.

стр. 75

المطلب الثاني الثمرة الأصولية المترتبة على القول بتأثير تعليل النص على دلالته سبق القول بأن التعليل: إما أن يقوي المعنى الظاهر، وإما أن يقوي المعنى المؤول. فإذا كان النص مشتركًا فهو قد يرجح أحد معانيه على الآخر. فإذا قوّى التعليل المعنى الظاهر للنص فلذلك فائدتان: الأولى: عصمة الظاهر من التأويل لاسيما إذا أفضى التعليل إلى جعل الظاهر «نصا» أي قاطعًا في الدلالة على معناه. الثانية: عند تعارض ظاهرين أحدهما تأيد بالتعليل والآخر لم يتأيد يقدم الذي تأيد بالتعليل على الآخر. وقريب في الدلالة على هذا قول إمام الحرمين في كتاب الترجيحات من البرهان: «إذا تعارض ظاهران وفي أحدهما ما يقتضي التعليل في صيغة التعميم فهو مرجّح على العام الذي عارضه وليس فيه اقتضاء التعليل والسبب فيه أن التعليل في صيغة العموم من أقوى الدلالات على ظهور قصد التعميم حتى ذهب ذاهبون إلى أنه نص ممتنع تخصيصه، فإن قُدِّر نصًا فلا شك في تقديمه على الظاهر المعرض للتأويل» (١). وإذا قوى التعليل المعنى المؤول للنصّ أو رجَّح أحد معاني المشترك ففائدة ذلك عظيمة، وهي تكمن في الكشف عن مراد الشارع من النص وبالتالي تحديد الحكم الشرعي الملائم لإرادة الشارع هذه، وفي ذلك أمان من الخطأ في تقرير الأحكام الشرعية وأمان من الخطأ في اتباع ظاهر النص مع أنه ليس بمراد قال ابن برهان، ﵀، في شأن «التأويل» «هو أنفع كتب الأصول وأجلها» (٢).
следующие страницы →