← Акыда

Акыда · id 35312

المنظومة التبريزية في العقيدة الصحيحة السنية

عبد القاهر التبريزي

Полный текст (93 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المنظومة التبريزية في العقيدة الصحيحة السنّية شرح وتوثيق مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني الأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث بكلية الحديث والدراسات الإسلامية بالمدينة النبوية طبع على نفقة فاعل خير نسال الله لنا وله القبول وجزيل الثواب الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ ــ ٢٠٠٥ م

стр. 2

المنظومة التبريزية في العقيدة الصحيحة السنّية شرح وتوثيق مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني الأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث بكلية الحديث والدراسات الإسلامية بالمدينة النبوية طبع على نفقة فاعل خير نسال الله لنا وله القبول وجزيل الثواب الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

ح: مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، ١٤٢٥ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر. الزهراني، مرزوق بن هياس آل مرزوق. المنظومة التبريزية في العقيدة الصحيحة السنية / مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، المدينة المنورة، ١٤٢٥ هـ ردمك × ٨٩٥ - ٤٦ - ٩٩٦٠ ١ - العقيدة الإسلامية أ. ديوي ٢٤٠ ٦٥٥٨/ ١٤٢٥ رقم الإيداع: ٦٥٥٨/ ١٤٢٥ ردمك × - ٨٩٥ - ٤٦ - ٩٩٦٠ الطبعة الأولى: ص: ٩٥ ٢١×١٤، ١٤٢٦ هـ ٢٠٠٥ م الناشر: المؤلف.

стр. 5

المقدمة الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، حمدا يدوم ولا ينقطع، يكافئ فضل ربنا ومزيد نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والْبعث بعد الْموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمانِ بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه الْعزيز، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فهم المؤمنون بِأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) فَلا ينفون عنه ما وصف بِه نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون فِي أسماء الله وآياته، ولا يكيفون ولا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، لأنه سبحانه: لا سمي لَه، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقَاس بِخلقه ، فهو أعلم

стр. 6

بنفسه وبِما خلق، وهو خالق كل شيء، وبيّن سبحانه أنه ليس كمثله شيء، ومن أصدق قيلا، وأحسن حديثا، وهم يؤمنون بأن رسله صادقون مصدقون، فيما أخبروا به عن الله ، لم يختلفوا في ذلك، ولم يقولوا على الله ما لا يعلمون، ومن وصف الله بغير ذلك فقد ضل عن الحق، فالله يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فَسبّح نفسه عما وصفه بِه المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين، لسلامة ما قَالوه من النقصِ والعيب، وهو سبحانه قَد جمع فيما وصف وسمّى بِه نفسه بين النفيِ والإثبات، فَلا عدول لأَهل السنة والجماعة عما جاء بِه الْمرسلون، فَإِنه الصراط المستقيم، صراط الذين أَنعم الله عليهِم من النبِيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، المنهل العذب، الصافي النقي، لا يشوبه كدر، ولا يعلوه قتر، وما من غلو وقع في الدين إلا كان سببه بدعة، نشأت من فكر أو خيال، أو هوى ولذلك قال رسول الله ﷺ : ) أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور

стр. 7

محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (١) فعلى كل مسلم أن يجرد الإتباع لله ورسوله ﷺ ، ﴿قُلْ إِنْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وأن يتجرد من أي متبوع سوى الله ورسوله، هذا ما كان عليه أصحاب رسول الله ﵃ طيلة حياة رسول الله ﷺ ، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى سار أصحابه على المنهج النبوي، حذو القذة بالقذة، حتى ظهرت الفتنة، وما نتج عنها من ظهور بعض الفرق التي شقت وحدة المسلمين في المعبود والمتبوع والمنهج، لكن أهل السنة والجماعة ثبتوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ من التمسك بالكتاب والسنة، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣).

стр. 8

ترجمة الناظم نسبه: عبد القاهر بن محمد (١) بن عبد الواحد بن محمد بن إبراهيم بن موسى، جمال الدين، أبو محمد وأبو بكر، التبريزي، ثم الحراني، الخطيب، القاضي، الشافعي (٢). نسبته: التبريزي: نسبة إلى تبريز، أشهر مدن أذربيجان، كانت مدينة عامرة حسناء، ذات أسوار محكمة بالآجر والجص، وفي وسطها عدة أنهار جارية، والبساتين محيطة بها، وعمارتها بالآجر الأحمر المنقوش والجص، على غاية الإحكام، وكانت تبريز قرية حتى نزلها الرواد الأزدي، المتغلب على أذربيجان في أيام المتوكل، ثم إن الوجناء ابن الرواد بنى بها هو وإخوته قصورا، وحصنها بسور فنزلها الناس معه، عصمها الله من التتار سنة (٦١٨) ثمان عشرة وستمائة من الهجرة، بسبب ما بذل أهلها للصلح، وقد خرج منها جماعة وافرة من أهل

стр. 9

العلم (١) الحراني: نسبة إلى حران، بلدة من الجزيرة، وحران بطن من همدان، كان بها جماعة من الفضلاء والعلماء، وهي من ديار ربيعة أو مضر، ظهر بها الصابئة وهم الحرانيون المذكورون في كتب الملل والنحل (٢). الشافعي: نسبة إلى إمام المذهب محمد بن إدريس بن شافع القرشي (٣). القاضي: نسبة إلى القضاء بين الناس والحكومة، وأول من عرف بهذه النسبة سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو أول قاض استقضي بالكوفة، فمكث بها أربعين يوما لا يأتيه خصم (٤). ولادته: ولد بحران (١٥/ ٨/٦٤٨) نصف شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة من الهجرة. سعيه في طلب العلم: أصله من بخارى، ومولده بحران، ومنشؤه واشتغاله بد مشق (٥).

стр. 10

من أشهر شيوخه: تاج الدين الفزاري: عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء، أبو إسحاق (١) والنجم الموغاني: نسبة إلى موغان، هكذا يقول أهلها بالغين المعجمة، وهي موقان: ولاية بأذر بيجان، فيها قرى ومروج كثيرة، أكثر أهلها من التركمان، وهي بين إربيل وتبريز في الجبال (٢) وقد تفقه على هذين الشيخين، وقرأ القرآن على الزواوي (٣): محمد بن سليمان بن سومر، أبو عبد الله، البربري، قاضي القضاة، جمال الدين، المالكي (٤) ومجد الدين الظهير، سمع منه القصيدة البائية، التي أولها: كل حي إلى الممات ذهابه. حالته الاجتماعية: حكى عنه الذهبي وغيره: أن أمه ماتت وهي ابنة عشرين سنة، وأن أباه قدم به دمشق وهو ابن ست، وكان تاجرا ذا مال، فمات فكفله عمه عبد الخالق،

стр. 11

ورجع به إلى حران، وباع أملاكه بثمانين ألفا، وردَ به عمه إلى دمشق، فقال له يوما: امض بنا نتفرج، فخلا به عمه وخنقه حتى غشي عليه، فرماه في حفرة وطمّ عليه التراب، ظنا منه أنه قد مات، فعل هذا طمعا في ما ورث من أبيه من مال، فمر بعد ذلك شخص جلس يبول فرأى المدر يتحرك بتحرك رجليه، فاستخرجه، فقام يعدو إلى الماء من شدة العطش فشرب، وتوجه إلى بعض أقاربه من النساء، فأقام عندها مختفيا، حتى بلغ وحفظ القرآن، فمرّ يوما فإذا بعمه، فقال: هاه جمال الدين امش بنا؟ ! ! ، فلم يكلمه، ثم رآه مرة أخرى بالجامع، فغاب منه، وتوجه عمه إلى اليمن، فأقام بها، بعد أن أخذ مال ابن أخيه، والعجب أن التبريزي لم يطالب عمه بشيء، ولم يعاتبه على فعلته الشنعاء عندما رآه، وهذا ينبئ عن أدب وخير وبركة فيه، وهو ما ظهر عليه، فقد تفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري، والنجم الموغاني، وكان قاضيا مشهورا، وخطيبا بليغا (١). من تلاميذه: الذهبي: قال: أنشدنا القاضي عبد القاهر لنفسه، سنة (٧٠٤) أربع وسبعمائة من الهجرة:

стр. 12

كم بين بان الأجرع ورامية ولعلع ... من قلب صب موجع سكران وجد لا يعي (١). إلى تمام المنظومة التي نحن بصدد شرحها. مكانته العلمية: كان عارفا باللغة، خبيرا بالأحكام، قوي المشاركة، له نظم رائق ومحاسن كثيرة. عقيدته: قال الحافظ ابن حجر: قرأت بخط البدر النابلسي، كان عالما فاضلا، على معتقد السلف، وقال الذهبي: عزله القزويني لكونه أثبت ولم يتأول (٢)، فسار التبريزي إلى مصر فولاه ابن جماعة نيابة دمياط. وهذا مؤيد بقصيدته هذه، وأنه على منهج السلف في الاعتقاد، ولذلك عزله القزويني الأشعري؛ لأنه لم يتأول الاستواء. ذِكر بعض صفاته: كان مليح الصورة، أبيض مستدير اللحية، فصيح العبارة، فاخر البزة (٣).

стр. 13

مناصبه: ناب في القضاء عن الزرعي في صفد: مدينة في جبال عاملة من جبال لبنان المطلة على حمص (١)، وكان قد ناب في عجلون: من مدن الشام اليوم - ولم أقف على من وصفها - وسلمية: بليدة في ناحية البرية، من أعمال حماة، بينهما مسيرة يومين في ذلك الوقت، وفي تسميتها قصة: أنه لما نزل العذاب بالمؤتفكة، وهي قريبة منها، رحم الله منهم مائة نفس فنجوا، فانتزحوا إلى موقعها، فعمروا وسكنوا، فسمي الموقع "سلم مائة" ثم حرف الناس بعد ذلك اسمها فقالوا: "سلمية" بالتخفيف، ثم إن صالح بن علي بن عباس اتخذها منزلا، وبنى هو وولده الأبنية فيها ونزلوها، وبها محاريب سبعة، يقال: تحتها قبور التابعين، وفي طريقها إلى حمص قبر النعمان بن بشير، نسب إليها جماعة من العلماء (٢) ثم ولي في الآخر قضاء دمياط: مدينة بين تنيس ومصر، بينها وبين تنيس نصف نهار ذلك الوقت، تقع على زاوية بين البحر الأبيض المتوسط ونهر النيل، ومن شمالها يصب النيل في البحر، لها سور عليه محارس ورباطات، طيبة الهواء، ثغر من ثغور الإسلام، ذكر فيها رواية تتعلق بفتحها على يد عمر بن الخطاب، بها حرف وصناعات

стр. 14

عالية الجودة، ومن أجودها عمل ثياب الشَّرَب الفائق، وهي ثياب رفيعة ذات قيمة عالية، تقدر بثلاثمائة دينار للثوب الواحد، ولم يكن مشغولا بالذهب، وقيل: إنه في سنة (٣٩٨) ثلاثمائة وثمانية وتسعين من الهجرة، بيع حلتان دمياطيتان بثلاثة آلاف دينار، وهذا مما لم يسمع بمثله ببلد، في ذلك الزمان، وكان الوالي عليها عنبسة بن إسحاق الضبي أيام المتوكل، سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين من الهجرة، وفي يوم عرفة من هذه السنة هاجمها الروم فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النساء والأطفال وأهل الذمة، وعلى أثر ذلك أمر المتوكل ببناء حصن دمياط، فبقيت في أيدي المسلمين إلى أن كان شهر ذي القعدة سنة (٦١٤) أربع عشرة وستمائة من الهجرة، عهد الملك العادل أبي بكر بن أيوب هاجمها الإفرنج، فهذا شيء من قديم تاريخ هذه المدينة العريقة، في جمهورية مصر العربية اليوم (١). مؤلفاته: أنشأ خطبا سماها تحفة الألباء، وهي على حروف المعجم، في مجلد، ونظم في وقعة التتار بشقحب (٢): كانت بقيادة ابن تيمية في أول رمضان سنة (٧٠٢) ثنتين وسبعمائة من الهجرة، وحصل للناس شدة عظيمة وظهر فيها من كرامات الشيخ وإجابة دعائه وعظيم جهاده وفرط شجاعته ونهاية كرمه ونصحه للإسلام وغير ذلك ما يتجاوز الوصف (٣)، - قصيدة أولها: الله أكبر جاء

стр. 15

النصر والظفر، ومن شعره في قلعة صفد لما حاصرها الظاهر بيبرس: ترى منجنيقا يذهب العقل حسه ... إذا بات في أقطارها الناس رصدا إذا ما أراها السهم منه ركوعه ... يخر له أعلى الشراريف سجدا (١). وفاته: مات بدمياط في جمادى الآخرة سنة (٧٤٠) أربعين وسبعمائة من الهجرة، وله (٩٢) ثنتين وتسعين سنة (٢).

стр. 16

قال الناظم عبد القاهر بن عبد الواحد التبريزي ﵀، مجزوء الرجز: ١ - كم بين بان الأجرع ورامية ولعلع ... من قلب صب موجع سكران وجد لا يعي ٢ - تراه ما بين الحلل جريح أسياف المقل ... فارفق به ولا تسل عن قلبه المضيع ٣ - ود الحمى فأخلصا إذ حقه قد حصحصا ... فوده أن يخلصا من الحضيض الأوضع ٤ - إلى المقام الأول ومعهد الأنس الحلي ... والمربع السامي العلي سقيا له من مربع ٥ - رحلت عن ذاك الفضا لا باختياري والرضا ... فيا زمانا قد مضى إن عاد ماض فارجع ٦ - واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا ... وعدّ في سفن النجا إلى الفضاء الأوسع

стр. 17

٧ - عليك بالتهجد وقم طويلا واسجد ... وبت نديم الفرقد واشرب كؤوس الأدمع ٨ - قف عند حكم المصحف من غير ما تحرف ... ولا تخض وقعت في أقوال أهل البدع ٩ - فإنه كلامه أعيى الورى نظامه ... وبهرت أحكامه الغر جميع الشيع ١٠ - منه كما جاء بدا وكن به معتضدا ... ولا تجادل أحدا في آية وارتدع ١١ - ولا تؤل ما ورد لله من سمع ويد ... وقل هو الله أحد قول امرئ متبع ١٢ - وأنه كلم موسى ذا الوجل ... لما تجلى للجبل جهرا كلاما مسمع ١٣ - أصغى إليه فوعى بأذنه ما سمعا ... ثم أجاب مسرعا جواب ثبت أروع (١)

стр. 18

١٤ - ولا توافق من غوى وقل بأن ذا القوى ... حقا على العرش استوى كما أراد فاسمع ١٥ - وهو تعالى في السما عال ومعنا أينما ... بغير كيف لا كما يخطر للمبتدع ١٦ - من قاسه من البشر بخلقه فقد كفر ... وقد أطاع ونصر أمر الهوى المتبع ١٧ - ويلاه من وزن العمل وبحره عندي وشل (١) ... قد غاض (٢) طاميه وقل فما ترى من منبع ١٨ - واعترضت جهنم ونارها تضطرم ... وكب فيها المجرم وقيل يا نار ابلعي ١٩ - وجنة الفردوس قد تزخرفت لمن عبد ... وقام ليلا وسجد في طمره المرقع

стр. 19

٢٠ - ونهدت أبكارها واطردت أنهارها ... وغردت أطيارها في كل غصن مونع (١) ٢١ - يا من له تبتلي في كل ليل أليل ... ومن إليه موئلي دون الورى ومفزع ٢٢ - صل على خير البشر من كل أنثى وذكر ... محمد وجه القمر ذي الجانب الممنع

стр. 20

شرح المنظومة ١ - كم بين بان الأجرع ورامية ولعلع ... من قلب صب موجع سكران وجد لا يعي بدأ الناظم ﵀ هذه المنظومة بما درج عليه الكثيرون من الشعراء قبل الإسلام وبعده من طرق باب الغزل، وأرى أن فيه براعة استهلال، واستجلاب لنظر الحاضر وسمعه في آن واحد، فإن الناظر إلى غيرك قد لا يكون سامعا لك، فالنظر يصرف السمع في الغالب إلى المنظور، وإن سمع شيئا آخر، فضبطه لما سمع، قد يكون خفيفا، ويضاف إلى هذا زيادة استشراف السماع لما يتلو من القول، وهو أقوى في الضبط، وأوعى للسمع، وقد سلك هذا الصحابي كعب بن زهير في قصيدته والتي استهلها بقوله: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البيت إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول والتي يقال إنه أنشدها في المسجد النبوي بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنه كساه بردته، وقيل إن معاوية طلبها منه بعشرة آلاف

стр. 21

درهم، فأبى وقال: ما كنت لأوثر بها أحدا، فلما مات باعها الورثة على معاوية بعشرين ألف درهم. كم بين بان الأجرع، ورامية، ولعلع: ليس المراد الاستفهام، بل المراد الإخبار بكثرة هذا النوع من القلوب، والبان شجر مستقيم الأغصان طويلها كثيرا ما تغنى به الشعراء، والأجرع: هو علم على موضع باليمامة (١) ورامية: إما أن تكون رامن: بليدة بينها وبين همذان سبعة فراسخ، وهي من بلاد إيران اليوم، أو أنها رامة: منزل في طريق البصرة إلى مكة، وهي آخر بلاد بني تميم، وبين رامة وبين البصرة اثنتا عشرة مرحلة، أو رامة: من قرى بيت المقدس بها مقام إبراهيم ﵇، وهو الأقرب في نظري (٢) ولعلع: موضع على طريق الحاج من البصرة، بينه وبين أقر ثلاثون ميلا (٣). من قلب صب موجع سكران وجد لا يعي: أي من قلوب كثيرة أصابها العشق الشديد، فالصب: هو العاشق، والصبابة غاية العشق، ولذلك قال: موجع، أي أصابه

стр. 22

الألم من شدة الوله، وأرّقه ما نزل به من ذلك (١) حتى أصبح شبيها بمن ولغ المسكر المحرم فأفقده صوابه، وإن كان ذلك من حرام، لكن سكر المشبه هنا من نوع آخر، وهو فقدان الوعي من ولع شديد بشيء مباح، كما هو معلوم من غاية هذه المنظومة، والوجد: الحب الشديد، ومنه ما ورد في حديث ابن عمر، وعيينة بن حصن: "والله ما بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد" (٢). ٢ - تراه ما بين الحلل جريح أسياف المقل ... فارفق به ولا تسل عن قلبه المضيّع تراه ما بين الحلل جريح أسياف المقل: أي: تنظر إليه في حلل بهيجة، تدل على مكانة كريمة، وملك وغنى، والحلل مفردها حلة: وهي الفاخر من الثياب، وكانوا لا يسمون اللباس حلة إلا إذا اشتمل على إزار ورداء من نوع واحد، وهي أنواع بحسب العادات والأعراف، مما هو لباس العظماء، من الأغنياء وغيرهم (٣)، فإذا كان هذا حاله، وهو مع ذلك مضرّج جريح، صرعه ما حل به من طعن المقل، جمع مقلة: وهي الحدقة: الناظر من العين، لكنه هنا أراد العين (٤)،

стр. 23

بلحظها وجمالها، ولم يرد جزءا منها، وقد شبه اللحظ منها بالأسياف الشديدة المضاء والفتك. فارفق به ولا تسل عن قلبه المضيّع: لأن من كان هذا حاله يرفل في حلل، وهو في الوقت ذاته صريع مضرّج، فالأدعى لحاله أن تزيد الشفقة به، فما أوصله إلى هذه الحال إلا أمر جلل، شبه بمن يفقد قلبه، وما حال من فقد قلبه يا ترى؟ ! ! . ٣ - ود الحمى فأخلصا إذ حقه قد حصحصا ... فوده أن يخلصا من الحضيض الأوضع ودّ الحمى فأخلصا إذ حقه قد حصحصا: أي أخلص الود لأهل الحي، والود: المحبة الخالصة (١)، ولا يكون الود إلا في مداخل الخير، ولذلك أكد، خلوص الود للحمى قدرا لمن حل به ممن عشق، وقد كان حق هذا الحي قد وجب، ولا مفر من إخلاص الود له فقد نزل به محبوبه، وقد سمى الحي حمى تشبيها بالحمى المصان الممنوع، سواء كان ماديا كأحمية الديار، أو معنويا كما ورد في حديث الإفك من قوله: "أحمي سمعي وبصري"

стр. 24

أي أمنعهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه، وبه أصونهما من العذاب (١). فوده أن يخلصا من الحضيض الأوضع: أي مرغوبه ومقصوده من هذا الحب أن يكون نظيفا نقيا من الأدران التي تنزل بصاحبها إلى الحضيض: وهو قرار الشيء وأسفله، وأراد الصفات الموغلة المهانة والضعة (٢) وهنا يبرز مراد الناظم من هذه المقدمة الغزلية، وهو غزل في المكارم والعلا، وليس طلبا للشهوة والهوى. ٤ - إلى المقام الأول ومعهد الأنس الحلي ... والمربع السامي العلي سقيا له من مربع إلى المقام الأول ومعهد الأنس الحلي: لعل الناظم حنّ إلى مرابع الآباء والأجداد من بلاد الإسلام، بخارى من أعظم مدن ما وراء النهر، وقد خرج منها علماء في كل فن يجاوزون الحد، من أبرزهم أبو عبد الله البخاري صاحب الصحيح، وقد فتحت بخارى مرتين: الأولى في عهد معاوية ﵁، سنة (٥٥) خمس وخمسين من الهجرة، بقيادة سعيد بن عثمان بن عفان، والثانية سنة (٨٧) سبع وثمانين من الهجرة،

стр. 25

بقيادة قتيبة بن مسلم (١) أو إلى حران مسقط رأسه، ومقر نشأته ولذلك وقع في النفس كبير، وحران بلدة من الجزيرة، نسبت إلى حران بطن من همدان، كان بها جماعة من الفضلاء والعلماء، وهي من ديار ربيعة أو مضر، ظهر بها الصابئة وهم الحرانيون المذكورون في كتب الملل والنحل (٢) ولا أظنه أراد سوى الأولى، ولا يبعد حنينه لمسقط رأسه، وما في البيت من كلمات توحي بجواز الأمرين. والمربع السامي العلي سقيا له من مربع: المربع مكان الإقامة، والربع هو المنزل، والدار بعينها، والوطن متى كان، وبأي مكان كان، ومنه قول رسول لله ﷺ : (وهل ترك لنا عقيل من ربع؟ وفي رواية: من رباع) وهي المنزل ودار الإقامة (٣) وقد وصفه بالسمو والعلو في المكارم، والصفات الحسنة، لأنه لا يوصف بذلك سواها، وطلب السقيا والغيث للمرابع، من أحسن الدعاء لما يتبع ذلك من خير وحسن وجمال تكتسي به المرابع من الديار.

стр. 26

٥ - رحلت عن ذاك الفضا لا باختياري والرضا ... فيا زمانا قد مضى إن عاد ماض فارجع رحلت عن ذاك الفضا لا باختياري والرضا: أي: انتقل عن مرابعه وديار نشأته، بسبب ما قضى الله من صروف الحياة، فالقدر نافذ بغير اختيار من العبد، لكنه قد يؤول به إلى الخير إما في دنياه أو في آخرته. فيا زمانا قد مضى إن عاد ماض فارجع: فيه إشارة إلى أن ما مضى لا يعود، وإن تمنى المتمني، فكأن الناظم يقول: أتمنى عودة الأيام التي عشتها في تلك المرابع، ولما لم يكن ذلك حاصلا، عدل عنه إلى ما هو واقع من عدم الرجوع، للرد على ما تتمناه نفسه بأن الماضي لا يعود، وذلك آكد في يأسها، وأقوى في إقناعها. ٦ - واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا ... وعدّ في سفن النجا إلى الفضاء الأوسع هنا يكشف الناظم ﵀ عن مراده من تلك الأمنية العديمة التحقق، فالزمان الماضي لا يعود، لا كلا ولا جزءا، وهذا يستدعي الحرص الشديد على استثمار الوقت فيما ينفع، وإلى ما تجب العناية به في استثمار

стр. 27

الوقت، ما فيه طاعة لله ورسوله، فإنه غراس الآخرة، وهو غراس لا تجنى ثماره إلا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن أسباب السلامة حمل النفس على الطاعات وأعمال الخير، وتزكيتها من الشرور والآثام، فقد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها. وقد تضمنت هذه المنظومة مباحث مهمة في عبادة واعتقاد المسلم، يجب أن يجعلها ركائز في أعماله وتصرفاته، وكل شؤون حياته: المبحث الأول المحافظة على النوافل يقول الناظم ﵀: واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا: تجاوز الناظم ﵀ التوجيه والإرشاد إلى المحافظة على الفرائض إيماء منه إلى أن الفرائض أمر مفروغ من وجوب المحافظة عليها، وذلك أدنى الكمال من فرّط في شيء منه هلك والعياذ بالله، أخرج البخاري من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن

стр. 28

الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : (خمس صلوات في اليوم والليلة) فقال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع) قال رسول الله ﷺ : (وصيام رمضان) قال هل علي غيره؟ قال: (لا إلا أن تطوع) قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع). قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق) (١) هذا الرجل أقسم أنه لا يزيد على ذلك ولا ينقص، فلم يعنفه رسول الله ﷺ ، بل ألزم ﷺ فلاحه بصدقه في عدم النقصان، لأنه أدنى الكمال، ولم يلزمه بالتطوع لأنه زيادة طاعة على الفرض، ولذلك سمي نفلا، فكأن الناظم يقول نحن متفقون على وجوب المحافظة على أدنى الكمال، ولكني أدعو إلى الكمال نفسه، وهو الزيادة على الفرض، ثم بدأ مرة أخرى بالتوجيه إلى الكمال في أعمال النوافل، إيماء منه إلى أن أدنى الكمال في النوافل هو المحافظة على السنن الراتبة، وهي ركعتين قبل صلاة الفجر، لقول عائشة ﵂: (لم يكن النبي ﷺ ، على شيء من النوافل، أشد منه تعاهدا على ركعتي الفجر) (٢) وقولها: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي

стр. 29

ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين" (١) وما ورد في حديث ابن عمر ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ قبل الظهر سجدتين، وبعدها سجدتين، وبعد المغرب سجدتين، وبعد العشاء سجدتين، وبعد الجمعة سجدتين، فأما المغرب والعشاء والجمعة، فصليت مع النبي في بيته" (٢) وقد عبر بالسجدتين وهو يعني ركعتين، فيكون المجموع (١٢) ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، وهو ما ورد في حديث أم حبيبة أنها تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهن بيت في الجنة) قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ . وقال ابن عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة. وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة. وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس (٣). وهذا هو الكمال في الرواتب، وأدنى الكمال في النوافل، أما الكمال في النوافل فهو الإتيان بمزيد على هذا، وهو كمال نسبي يتفاوت من شخص لآخر، على قدر ما ينال

стр. 30

من جهد وحرص على ما وجه إليه رسول الله ﷺ في هذا الباب، ومن ذلك الحرص على صلاة الضحى، والتي تسمى صلاة الأوابين، وأقلها ركعتان، وأكملها ثمان، وقد أخبرت عائشة ﵂: أن رسول الله صلاها أربعا ويزيد ما شاء، وفي حديث أم هاني: أنه صلى ثمان ركعات (١) فكأن الناظم ﵀ يقول: أنا وأنتم متفقون على المحافظة على السنن الراتبة، ولكن هلموا إلى المزيد مما هو أكمل، وذلك ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، ورد في حديث عائشة ﵂، عن صلاة رسول الله ﷺ في تطوعه فقالت: "كان يصلي من الليل تسع ركعات. فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم، ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا، ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر، صلى ركعتين" (٢) وهذا ما عناه الناظم ﵀ بقوله: واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا: فإنه إرشاد منه إلى هذا العمل الجليل الذي حرّص عليه رسول الله ﷺ أمته، لما فيه من الخير والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، ومن فضل الله على هذه الأمة أنه تعالى يقبل منهم العمل الصالح القليل، ويعطي عليه

стр. 31

الأجر الكثير، ولم يوجب عليهم كثير من الطاعات سواء كانت بدنية أو مالية، وإنما ندب إلى ذلك على لسان عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ ، وسواء التزم ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، أو زاد في قيامه فذلك خير لا ينكر استنادا إلى حديث ابن عمر ﵄: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل؟ ، فقال رسول الله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى) (١). المبحث الثاني الخوف والرجاء واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا: هذا من مباحث العقيدة لبيان أن المسلم يدور أمره في الحياة بين الخوف والرجاء، وهو في كل شؤون الحياة الدينية والدنيوية يعمل بناء على هذه القاعدة العقدية العظيمة، فإن وقع منه عمل صالح استبشر ورجا الثواب من الله ، وإن وقع في معصية اشتد ندمه على ما فعل خوفا من عقاب الله ، فالجمع بين الخوف والرجاء من

стр. 32

الواجبات الشرعية، لتلازمهما في كمال التوحيد، كتلازم الشهادتين في الإيمان بالله ورسوله، وهذا منهج أهل السنة والجماعة، داعين إليه متمسكين به إلى قيام الساعة. الخوف: هو من العبادات القلبية التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فهو القائل سبحانه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) وهو ينقسم إلى قسمين: ١ - الخوف الطبعي، أو الجبلّي: وهو الخوف الذي أوجده الله في نفس الإنسان بحكم الطبع البشري، فهذا لا حرج على المسلم من أن يخاف من عدوه، أومن مؤذيات كالحيات والعقارب ونحوها، أو من السباع، أومن نار، أو أي شيء فيه أذى وهلاك، فإن ذلك أمر جبلّي، لا عيب في وجوده، ولا مانع من الأخذ بالأسباب المنجية منه بإذن الله تعالى، ومن هذا القبيل خوف نبي الله موسى ﵇، قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً

стр. 33

مُوسَى﴾ طه: ٦٧ (١) لم يعنفه الرب سبحانه، بل قال: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (٢) وقد ذكر الله هذا النوع من الخوف وأنه يحدث للمؤمنين ابتلاء وتمحيصا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وذكره تعالى في وصف المنافقين فقال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ

стр. 34

الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) إذن هذا النوع خوف جبلي في الإنسان المؤمن وغيره على حدّ سواء، بل يتعدى الإنسان إلى الدواب بكل أشكالها، حتى الأسد مثلا يخاف من صياده ولو قاوم. ٢ - الخوف الشرعي: ينقسم إلى قسمين: أ - خوف شرعي مأمور به: وهو ما كان على نحو قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ

стр. 35

لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٤) فهذا النوع من الخوف مطلوب شرعا، وهو عبادة لله، يعين على فعل الخير، ويمنع من الوقوع في الشر. ب - خوف شرعي منهي عنه: وهو الخوف الذي لا يجوز أن يكون إلا من الله وحده لا شريك له، ومن وقع فيه فسبب ذلك الشرك بالله ، وهو ما يقع وله تعلق بالاعتقاد، فيكون في قلب الإنسان الخوف من أي شيء

стр. 36

كان أنه ينفع ويضر من دون الله ، فيعمل أعمالا يتقرب بها إليه خوفا من أن يصيبه بمكروه، وسواء كان المخوف منه من الإنس أو الجن أو غير ذلك من المخلوقات، فإنه من الشرك الذي حرم الله الجنة على أهله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢) ونفي المغفرة يقتضي عدم دخول الجنة، فمن أفرد الرب سبحانه، بالخوف في أمر النفع والضر فقد حقق التوحيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) لأن أمر الله تعالى لعباده بعدم الخوف من الشيطان وأوليائه، هو أمربأحد أفراد التوحيد وهو الخوف منه دون سواه، وهو

стр. 37

في نفس الأمر نهي عن أحد أفراد الشرك، كالخوف من الشيطان وأوليائه، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) هذا دليل على أن الخوف عبادة يجب أن يوحد الله تعالى بها، على حد قول الرسول ﷺ لابن عباس ﵁: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (٢) ولذلك أثنى الله على بعض عباده فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ

стр. 38

وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) ومنه ما كان على نحو قول الله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٣). الرجاء: الأصل فيه قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)، وقوله سبحانه تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ

стр. 39

رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (١) وقول الله سبحانه تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) هذا التوجيه الرباني إلى عدم القنوط واليأس من روح الله تربية للمؤمنين على أن رحمة الله واسعة، منبها على أن ملازمة القنوط واليأس لا تكون إلا من الكافرين، الذين لم يعرفوا رحمة الله ولا فضله وإحسانه، فوقعوا في هذه الصفة الذميمة، فنتج عن أمنهم من مكر الله سبحانه، عدم خوفهم من الله ، وقد حذر الله من ذلك فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣) ولا يتم الخوف والخشية إلا لمن عرف الله ، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٤).

стр. 40

وقد يرد سؤال بناء على هذا الترغيب من الله في الرجاء، فيقال: أيهما أولى بالمسلم تغليب الخوف أم الرجاء؟ . والجواب أن الإنسان لا يخلو من إحدى ثلاث: ١ - إما أن يكون من الصالحين المسارعين إلى فعل الطاعات، وهو في صحة وعافية، فهذا يتساوى في حقه الخوف والرجاء، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، فالرجاء في حقه قائم باعتباره صاحب طاعة، وعمل صالح، وهو من أهل السلامة والعافية، وكذلك الخوف قائم باعتبار الحذر من سوء العاقبة، أو الخاتمة. ٢ - وإما أن يكون العكس، قلة الطاعة، وضعف المبادرة إلى الخيرات، فهذا يغلّب جانب الخوف، فيجب أن يخاف أن يدركه الأجل وهو على حال تؤول به إلى سوء الخاتمة، وتغليب الخوف يجعله يترك العصيان، ويبادر بالتوبة، وإن كان الرجاء قائم في حقه لكنه أضعف من الخوف. ٣ - وإما أن يكون في حال صحة متردية، وضعف مستمر، فيجب عليه أن يغلّب الرجاء، وإن كان الخوف في حقه قائما لكنه أضعف من الرجاء، لما ورد في حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام، يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) (١).
следующие страницы →