← Акыда

Акыда · id 35312

المنظومة التبريزية في العقيدة الصحيحة السنية

عبد القاهر التبريزي

Полный текст (93 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كان أنه ينفع ويضر من دون الله ، فيعمل أعمالا يتقرب بها إليه خوفا من أن يصيبه بمكروه، وسواء كان المخوف منه من الإنس أو الجن أو غير ذلك من المخلوقات، فإنه من الشرك الذي حرم الله الجنة على أهله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢) ونفي المغفرة يقتضي عدم دخول الجنة، فمن أفرد الرب سبحانه، بالخوف في أمر النفع والضر فقد حقق التوحيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) لأن أمر الله تعالى لعباده بعدم الخوف من الشيطان وأوليائه، هو أمربأحد أفراد التوحيد وهو الخوف منه دون سواه، وهو

стр. 37

في نفس الأمر نهي عن أحد أفراد الشرك، كالخوف من الشيطان وأوليائه، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) هذا دليل على أن الخوف عبادة يجب أن يوحد الله تعالى بها، على حد قول الرسول ﷺ لابن عباس ﵁: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (٢) ولذلك أثنى الله على بعض عباده فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ

стр. 38

وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) ومنه ما كان على نحو قول الله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٣). الرجاء: الأصل فيه قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)، وقوله سبحانه تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ

стр. 39

رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (١) وقول الله سبحانه تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) هذا التوجيه الرباني إلى عدم القنوط واليأس من روح الله تربية للمؤمنين على أن رحمة الله واسعة، منبها على أن ملازمة القنوط واليأس لا تكون إلا من الكافرين، الذين لم يعرفوا رحمة الله ولا فضله وإحسانه، فوقعوا في هذه الصفة الذميمة، فنتج عن أمنهم من مكر الله سبحانه، عدم خوفهم من الله ، وقد حذر الله من ذلك فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣) ولا يتم الخوف والخشية إلا لمن عرف الله ، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٤).

стр. 40

وقد يرد سؤال بناء على هذا الترغيب من الله في الرجاء، فيقال: أيهما أولى بالمسلم تغليب الخوف أم الرجاء؟ . والجواب أن الإنسان لا يخلو من إحدى ثلاث: ١ - إما أن يكون من الصالحين المسارعين إلى فعل الطاعات، وهو في صحة وعافية، فهذا يتساوى في حقه الخوف والرجاء، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، فالرجاء في حقه قائم باعتباره صاحب طاعة، وعمل صالح، وهو من أهل السلامة والعافية، وكذلك الخوف قائم باعتبار الحذر من سوء العاقبة، أو الخاتمة. ٢ - وإما أن يكون العكس، قلة الطاعة، وضعف المبادرة إلى الخيرات، فهذا يغلّب جانب الخوف، فيجب أن يخاف أن يدركه الأجل وهو على حال تؤول به إلى سوء الخاتمة، وتغليب الخوف يجعله يترك العصيان، ويبادر بالتوبة، وإن كان الرجاء قائم في حقه لكنه أضعف من الخوف. ٣ - وإما أن يكون في حال صحة متردية، وضعف مستمر، فيجب عليه أن يغلّب الرجاء، وإن كان الخوف في حقه قائما لكنه أضعف من الرجاء، لما ورد في حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام، يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) (١).

стр. 41

وعدِّ في سفن النجا إلى الفضاء الأوسع: أي: أدخل واركب مطية تنجيك من الهلاك، وقد شبه الناظم ﵀ الطاعات فرضا ونفلا، شبّهها بالسفن التي تعبر بمن امتطاها الأنهار والبحار والمحيطات، وقد أوردها الناظم بلفظ الجمع دون المفرد إيماء إلى أن كل طاعة يجريها العبد قاصدا بها وجه الله ، فهي سفينة نجاة في حد ذاتها، لكنها لا تغني عن المجموع المطلوب منها قدر الوسع والطاقة، فهي في الحقيقة سفن في سفينة واحدة، هي العمل بالكتاب والسنة، ولا تكون الطاعات منجية إلا إذا كانت مبنية على عقيدة صحيحة، بهذا يصل المسلم إلى الفضاء الأوسع، وهو الدار الآخرة، والمراد الجنة وما فيها من الرحابة والسعة، والنعيم صفة لها، ولا يقال ذلك للنار أجارنا الله منها، لأنها موصوفة بدار الجحيم والعذاب الأليم، وذلك من الضيق وليس من السعة في شيء.

стр. 42

المبحث الثالث الترغيب في الطاعات ٧ - عليك بالتهجد وقم طويلا واسجد ... وبت نديم الفرقد واشرب كؤوس الأدمع هذا توكيد لما ذكر في البيت السابق، من الإرشاد إلى ملازمة الطاعات فرضا ونفلا، على نحو ما أوضحنا، والتهجد: هو من الأضداد يطلق على السهر والنوم، لكن التهجد إذا أطلق فالمراد به قيام الليل، والمتهجدون المصلون بالليل (١) وقد ندب الناظم ﵀ إلى الطول في القيام والسجود، وعنى بطول القيام طول القراءة، وبطول السجود طول التسبيح والدعاء، وهذا عمل حسن، فعله رسول الله ﷺ ، لكنه غير واجب والاقتصار على المستطاع هو الكمال، ومن خفف فلا بأس، ومن أعظم ما يحصل لصاحب هذا العمل أن صلاته مشهودة من ملائكة الرحمة، وقد ورد ذلك في حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك

стр. 43

أفضل) (١) وما ورد من أن في الليل ساعة لا يوافقها مسلم إلا أعطي ما سأل، ورد ذلك في حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) (٢) ولا ريب أن هذه الساعة هي ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له) (٣). وبت نديم الفرقد واشرب كؤوس الأدمع: توجيه من الناظم ﵀ إلى أن يكون المسلم حريصا على الطاعات، كثير الخشية من الله ، فالخشية أخص من الخوف، وهي جالبة لدمع العين، ومن دمعت عينه من خشية الله حماها الله من النار، لما ورد في حديث ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (عينانِ لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيلِ الله) (٤).

стр. 44

المبحث الرابع الحث على التمسك بالكتاب والسنة ٨ - قف عند حكم المصحف من غير ما تحرف ... ولا تخض وقعت في أقوال أهل البدع هذا البيت فيه توجيه عام إلى التزام نهج الكتاب والسنة، ونهي عن مجاوزة ذلك، لأن من جاوز ذلك فقد اتبع الرأي، ومن اتبع الرأي وقع في الهوى، وذلك يفضي به إلى الابتداع، أو الاقتداء بمن سبقه من أهل البدع والأهواء، ويكون ممن قال فيهم الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١). قف عند حكم المصحف من غير ما تحرف: نبه الناظم ﵀ إلى الوقوف عند كلام الله ، والذي عبر عنه بالمصحف، وهو الكلام المتلو من المصحف الذي حواه، وجمع فيه، من فعل أبي بكر، ثم

стр. 45

عثمان، ﵄، واشتهرت التسمية بالمصحف من فعل عثمان ﵁ إذ جمع ما كان من القرآن في اللخاف والعسب، والرقاع، وصدور الرجال، وجعله في كتاب واحد سماه المصحف، بعث منه إلى كل مصر بنسخة، فحفظ الله بهذا العمل كلامه العزيز، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) وقول الناظم هذا هو عمل بقول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) ولم يصرح الناظم بالوقوف عند القول من السنة الصحيحة لأن ذلك داخل في الوقوف عند قول المصحف، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ

стр. 46

اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) والوقوف عند قول المصحف، معناه التدبر والفهم لمقصود الرب ، عملا بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا

стр. 47

﴾ (١) ويجب أن يكون هذا التدبر بفهم صحيح في إطار صحيح، بعيدا عن الغلو الذي هو الإفراط، وعن التساهل الذي هو التفريط، والحرص على ما بينهما وهو التوسط، منهج الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢) شهداء على الناس، الذين أفرطوا، والذين فرّطوا، ويشهد الرسول ﷺ على وسطية هذه الأمة، فلا تحريف ولا تبديل في الإسلام الدين الحق، ففيه الكمال والعدل والرأفة والرحمة، وفي هذا المعنى وصية رسول الله ﷺ ، قال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فبماذا تعهد الينا يا رسول الله؟ ، قال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فانه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين

стр. 48

المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (١) وفي رواية ابن ماجه: (وعظنا رَسُول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقلنا: يا رَسُول الله، إِنَّ هَذهِ لموعظة مودع، فما تعهد إلَيْنَا؟ قَالَ: قد تركتكم على البيضاء. ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هلك. مِن يعش منكم فيسرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم مِن سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضوا عليها بالنواجذ. وعليكم بالطاعة. وإن عبداً حبشياً. فإنما المؤمِن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد) (٢) وهذا هو العمل بالكتاب والسنة، ومن زعم غير ذلك فقد ركب مركبا صعبا من الزلل والمهالك، وهذا ما عناه الناظم ﵀ بقوله: ولا تخض وقعت في أقوال أهل البدع: وهو تحذير من الناظم رحمه الله تعالى، لأن ذلك يفضي إلى الهلاك كما قال تعالى حكاية عن الذين يطلقون ألسنتهم بكل قول من غير وعي لخطورة ما يقولون: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ

стр. 49

قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (٢) والخطر في الحقيقة ليس محدقا بهؤلاء فحسب، بل ينال الذين يجلسون معهم، ويسمعون كلامهم، ولا ينكرون عليهم، فإنهم مثلهم في الإثم والعقوبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٣) والخوض يشمل هذا وغيره من محاولة التفلسف، والتزام الجدل لرد ما هو حق بالنص من الكتاب أو السنة أو منهما معا، أو تأويل الشيء على غير وجهه مع الزعم بأن هذا مراد الله ورسوله، أو مما يقال في المجالس لإضحاك الناس، وهو من سخط الله ورسوله، ولذلك حذر رسول الله ﷺ من حصاد الألسنة كما ورد في حديث معاذ بن جبل ﵁

стр. 50

قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه: قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قلت بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا. فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على

стр. 51

مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم) (١) فالخوض شامل لكل مفسدة، فلنطهر ألسنتنا من هذا الداء الوبيل. المبحث الخامس صفة الكلام ٩ - فإنه كلامه أعيى الورى نظامه ... وبهرت أحكامه الغرّ جميع الشيع أورد الناظم ﵀ هذا البيت لوصف القرآن الكريم كلام الرب ، وما فيه من كمال الأسلوب، وعدالة المنهج والحكم، فهو أعدل الكلام وأصدقه وأجمله وأبلغه وأحلاه، بهر أرباب الفصاحة، وملّاك البلاغة، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢) وقد روي في وصفه قول علي ﵁: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه

стр. 52

الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١) من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) (٢). فإنه كلامه أعيى الورى نظامه: أي القرآن الكريم، هو كلام الله منزل غير مخلوق، ومن زعم أنه مخلوق فقد وقع في الضلال، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فالله يتكلم، ويقول، ويتحدث، وينادي، كلامه بصوت وحرف، والقرآن كلامه، مُنَزَّلٌ غير مخلوق، وكلام الله صفة ذاتية فعلية: ذاتية باعتبار الأصل، وفعلية باعتبار الآحاد، ومرد هذا القول عند أهل السنة والجماعة هو كتاب الله يقول الله تعالى:

стр. 53

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٥) وما ورد في المحاجة بين آدم

стр. 54

وموسى ﵉، من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، ثم تلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق؟ فحجَّ آدم موسى) (١) وما ورد في حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) (٢) وما ورد في الصحيحين من قول عائشة ﵂ في شأن الإفك: لَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمرٍ يتلى، ومثل هذا كثير. وبهرت أحكامه الغرّ جميع الشيع: أشار الناظم ﵀ إلى ما فيه من الإعجاز، وأنه لا يجارى، وقد تحدى به الرب أرباب الفصاحة والبلاغة من العرب، الذين سبقوا كل الأمم في ميدان الإعجاز اللغوي والبلاغي، أنزله الله تعالى بلسانهم وبالأحرف التي يتكون منها كلامهم، وغاية ما قالوا فيه إنه مفترى، فقال تعالى متحديا لهم: ﴿أَمْ

стр. 55

يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) فالقرآن مجموع سوره (١١٤) مائة وأربع عشرة سورة، تحداهم رب العزة والجلال، هم وكل من يقدر على معاونتهم على أن يأتوا بعشر سور يفترونها من عند أنفسهم، شريطة أن تماثل القران في إحكامه وإعجازه، وأنى لهم ذلك، فقال تعالى لهم زيادة في التحدي وقد عجزوا عن الإتيان بعشر سور مفتريات: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢) فثبت عجزهم هم ومن استطاعوا الاستعانة بهم، وكذلك شهداؤهم، عجزوا جميعا عن إتيانهم بسورة واحدة يفترونها، وتماثل أقل سور القرآن، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ بل هم عاجزون عن

стр. 56

محاكاة بعض آية واحدة منه كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) وإذا ثبت عجزهم عن أقل القليل فهم عن المثل أعجز وأقعد، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢) أعيى الورى، وبهر كل الشيع، لأنه صادر عن الخالق ومتسحيل أن يصدر عن المخلوق ما يماثله، أو يحاكيه. ١٠ - منه كما جاء بدا وكن به معتضدا ... ولا تجادل أحدا في آية وارتدع هذا توكيد لما تقدم من القول في كلام الله ، مِن الإيمان بأن القرآن كلام الله، منزل، غير مخلوق، منه بدأَ، وإليه يعود، وأَن الله تكلم به حقيقة، وأَن هذا القرآن الذي أَنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيرِه، ولا يجوز إطلاق القَول بأَنه حكاية عن كلام الله، أَو عبارة عنه، بل إِذا قَرأَه الناس أَو كتبوه في

стр. 57

المصاحف؛ لَم يخرج بذلك عن أَن يكون كلام الله تعالى حقيقَة، فَإِن الكلام إِنما يضاف حقيقة إِلى من قَاله مبتدئا، لا إلى من قَاله مبلغا مؤديا، وهو كلام الله، حروفه، ومعانيه، ولَيس كلام الله الْحروف دون المعاني، ولا المعانِي دون الحروف، ولذلك وجب الاعتصام به، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١). ولا تجادل أحدا في آية وارتدع: هذا توجيه إلى أن ما مضى من القول يقتضي التسليم المطلق لكلام الله ، جملة وتفصيلا، وأنه لا مجال للمراء في شيء منه ولو آية واحدة، ومن فعل ذلك فقد خالف نهج أهل السنة والجماعة.

стр. 58

المبحث السادس القول في الأسماء والصفات ١١ - ولا تؤل ما ورد لله من سمع ويد ... وقل هو الله أحد قول امرئ متبع يشير الناظم رحمه الله تعالى إلى أن لله أسماء وصفات، تليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه، وهو القائل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣)،

стр. 59

وقال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) هذه الآيات تثبت أن لله الأسماء الحسنى، وأن من يلحد في أسمائه تعالى بتأويل أو تحريف أو تعطيل، أو غير ذلك مما لا يليق بالرب سيجزيهم الله بما كانوا يعملون، ولا ريب أن من يلحد في الأسماء يلحد في الصفات، فكان أهل السنة والجماعة ألزم للحق وأبعد عن الباطل، ومنه الإلحاد في الأسماء والصفات، فمن أول أي صفة من صفات الله تعالى بغير مدلولها اللغوي، فقد ألحد، وقال إما بالتجسيم، أو بالتعطيل، بل هي على الحقيقة اللغوية، وعلى ما يليق بجلال الله تعالى وكماله، إثبات بغير تمثيل، وتنزيه بدون تعطيل، ومن أثبت بتمثيل فقد شبه الخالق بالمخلوق، ومن نزه بنفي شيء من الصفات فقد عطل، وجعل الرب عدما، ومن هنا صدق من قال: المشبهة يعبدون صنما، والمعطلة يعبدون عدما، فالقاعدة التي بنى عليها أهل السنة والجماعة القول في الأسماء والصفات قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

стр. 60

شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) فالموصوف بهذه الصفات، والنعوت، والأفعال، والعلو، والعظمة، والحفظ، والعزة، والحكمة، والملك، والحمد، والمغفرة، والرحمة، والكلام، والمشيئة، والولاية، وإحياء الموتى، والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده، وكونه فاطر السموات والأرض، وهو السميع البصير، وغير ذلك من الصفات المعلومة في الكتاب والسنة، الموصوف بها جميعا هو الذي ليس كمثله شيء، لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء، وهو الله وحده لا شريك له، فإن مِنهج أهل السنة والجماعة الإيمانِ بِما وصف الله بِهِ نفسه في كتابِه العزِيزِ، وبِما وصفه بِه رسوله محمد ﷺ ، من غيرِ تحرِيف ولا تعطِيل، ومِن غيرِ تكيِيف ولا تمثِيل، ولا ينفون عنه ما وصف بِه نفسه، ولا يحرِفون الكلِم عن مواضعه، ولَا يلحدون في أَسماء الله وآياته، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بِصفات خلقه، لأنّه سبحانه: لا سمِي له، ولا كفء له، ولا نِد له، ولا يقاس بِخلقه ، وكل ما ورد الأسماء والصفات هو على الحقيقة، وعلى ما يليق بجلال الله وعظمته، ومبنى ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ

стр. 61

السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وسُورَةِ الإِخْلَاصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وهذا هو الاتباع، وما سواه ابتداع. ١٢ - وإنه كلم موسى ذا الوجل ... لما تجلى للجبل جهرا كلاما مسمع هذا توكيد من الناظم ﵀ لما أورد في البيت التاسع، وهو المبحث الخامس، صفة الكلام، وقد تم الكلام عليه، ومنه: إن الله يتكلم، ويقول، ويتحدث، وينادي، كلامه بصوت وحرف، والقرآن كلامه، مُنَزَّل غير مخلوق، وكلام الله صفة ذاتية فعلية: ذاتية باعتبار الأصل، وفعلية باعتبار الآحاد، ومرد هذا القول عند أهل السنة والجماعة هو كتاب الله يقول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) وقوله

стр. 62

تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٤) والكلام صفة من صفات الله على الحقيقة، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، وليس من إضافة المخلوق إلى الخالق، ومن زعم ذلك فقد وقع في بدعة عظيمة، تفضي به إلى القول بخلق القرآن،

стр. 63

والقرآن كلام الله تعالى، وهو صفته وصفات الله ليست مخلوقة، وليست إضافة الكلام إليه تعالى إضافة وصف، بل إضافة صفة على الحقيقة، ومن زعم غير هذا فقد وقع في بدعة عظيمة، وهي القول بالحلول ووحدة الوجود، وقد سدد الله تعالى في الأمرين أهل السنة والجماعة فقالوا: بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وأثبتوا لله تعالى الأسماء والصفات على الحقيقة، وعلى ما يليق بجلال الله وعظمته، بلا كيف ولا تمثيل. ١٣ - أصغى إليه فوعى بأذنه ما سمعا ... ثم أجاب مسرعا جواب ثبت أروع مراد الناظم من هذا القول أن الله تعالى كلّم موسى بصوت مسموع، سمعه موسى، بأذنه ووعى كلام ربه ، ونتيجة لذلك أجاب دون تردد في أن من كلمه هو ربه ، وأسرع في تنفيذ ما كلف به من رسالة إلى فرعون وقومه.

стр. 64

المبحث السابع الاستواء على العرش ١٤ - ولا توافق من غوى وقل بأن ذا القوى ... حقا على العرش استوى كما أراد فاسمع يشير الناظم ﵀ في هذا البيت إلى أن غير أهل السنة والجماعة قد ضل في تفسير معنى الاستواء على العرش، وتأولوا الآية الكريمة على معنى يخالف ما هو الصحيح، ويلزمهم كما أثبتوا لله السمع والبصر، أن يقولوا في صفات الله الأخر، أنها على الحقيقة، وعلى ما يليق بجلال الله تعالى وكماله، فليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه استوى على العرش ورد ذلك في سبعة مواضع من كتاب الله العزيز منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ

стр. 65

رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) كل هذا عند أهل السنة والجماعة معناه الاستواء الحقيقي، على قاعدة: الاستواء معلوم والكيف مجهول، لأن الله تعالى قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ

стр. 66

كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وهذا منهج أهل السنة والجماعة، أن معاني صفات الله الثابتة بالكتاب أو السنة، أو بهما، هي على الحقيقة، لا مجاز فيها ولا يجوز تأويلها، فألفاظها معلومة المعاني، وحقيقتها مجهولة الكيف (٢). المبحث الثامن إثبات العلو والمعية ١٥ ــ وهو تعالى في السما عال ومعنا أينما ... بغير كيف لا كما يخطر للمبتدع هذا هو الحق الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن أعلم من الله بنفسه؟ ! ، ولا أحد أعلم بالله من رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿بَلْ

стр. 67

رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (٤) فهذه الآيات من كتاب الله تثبت بم لا يدع مجالا للشك أن الله عال فوق خلقه، وقد ذكر الله تعالى عن نفسه أنه استوى على العرش، وذلك في آيات من كتابه العزيز منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ

стр. 68

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وثبت أن العرش فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله تعالى، كما ورد في حديث الإسراء الطويل، ومنه قوله في صعود رسول الله محمد ﷺ : (. . . . وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربِّ لم أظنَّ أن ترفع عليَّ أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى. . . .) (٢) وحديث الجارية التي أتى بها سيدها إلى رسول الله ﷺ فقال لها: (أين الله؟ ، قالت: في السماء، قال: من أنا؟ ، قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة) (٣) وحديث النزول وفيه (ينزِل ربنا إلى السماءِ الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل

стр. 69

الآخرِ، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسأَلني فأُعطيه، من يستغفرني فأَغفر له؟ ) (١) وفي آية الكرسي ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢) أنه العلي بذاته فوق جميع خلقه، فلا يستطيع أحد منهم أن يدنو منه، وأنه العظيم عن مماثلة أو مشابهة المخلوقين، ولا خالق سواه ، وقد آمن أهل السنة والجماعة بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر نقله عن رسوله ﷺ ، وأجمعوا على أنه سبحانه فوق السماوات على عرشه، عليُّ على خلقه، فأصبح ذلك من المعلوم في الاعتقاد بالاضطرار من الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وقبلت هذا الفطر السليمة، حتى غير المسلمين يعتقدون أن الله في السماء، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام عظيم في هذا (٣) ولما سئل أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ ! ! ، قال: قد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) والسماء قبلة الدعاء، وقد اتفق الناس على أنه على كل شيء سبحانه، بمعنى أنه قاهر

стр. 70

له، قادر عليه، متصرف فيه، فهو الأعلى بجميع معاني العلو: علو الذات، وعلو القدرة على كل شيء، وعلو الغلبة والقهر لكل شيء، سبحانه وحده لا شريك له، تنزه عن كل عيب، ونقص، فله الكمال المطلق سبحانه، ولا يجوز تأويل الفوقية بغير معناها الحقيقي، ومن قال بغير هذا فقد ضل، كمن زعم أنه بذاته فوق العالم، وبذاته في كل مكان، وهذا القول الباطل يلزم عليه من الفساد ما ينزه الله تعالى عنه (١). أما المعية: فلا خلاف بين أهل السنة والجماعة أن الله مع عباده أينما كانوا، قال الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 71

اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، هذه الآيات من كتاب الله

стр. 72

- تثبت معية الله لخلقه وهو فوق عرشه بائن منهم ، وهي تنقسم إلى قسمين: ١ - معية عامة لكل البشر، يعلم أحوالهم وأسرارهم، لا يخفى عليه منها شيء ، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) وهذا الاستعمال للفظ المعية في هذه الآيات يقتضي أنه سبحانه معهم أينما كانوا، بعلمه وسمعه وبصره، يعلم ما هم عاملون، وهي معية عامة لكل الخلق، المؤمن وغيره.

стр. 73

٢ - معية خاصة: وهي معية التوفيق والنصر والتأييد، وهذه خاصة بالمؤمنين، لا ينالها سواهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا

стр. 74

فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ

стр. 75

أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) وقال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ وهما في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال ﷺ : (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) (٣). فالله سبحانه فوق عرشه بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه وسمعه وبصره أين ما كانوا، وبتوفيقه ونصره وتأييده كذلك، وكل صفة ذكرت له فهي على ما يليق بجلاله وعظمته ، بغير كيف نعلمه، ولا تمثيل نتوهّمه، فمن مثّل فقد وقع في التجسيم، وشبّه صفات الخالق بصفات المخلوق، وهذا من أبطل الباطل، وقد دخل عليه هذا الباطل من محاولة تكييف صفات الله تعالى، وتصور أنها كصفات المخلوق سواء بسواء، وجهل أن العلم بكيفية الصفات فرع عن العلم
следующие страницы →