← Акыда

Акыда · id 35312

المنظومة التبريزية في العقيدة الصحيحة السنية

عبد القاهر التبريزي

Полный текст (93 стр.). Показаны 71–93 · переход к 76.

стр. 71

اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، هذه الآيات من كتاب الله

стр. 72

- تثبت معية الله لخلقه وهو فوق عرشه بائن منهم ، وهي تنقسم إلى قسمين: ١ - معية عامة لكل البشر، يعلم أحوالهم وأسرارهم، لا يخفى عليه منها شيء ، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) وهذا الاستعمال للفظ المعية في هذه الآيات يقتضي أنه سبحانه معهم أينما كانوا، بعلمه وسمعه وبصره، يعلم ما هم عاملون، وهي معية عامة لكل الخلق، المؤمن وغيره.

стр. 73

٢ - معية خاصة: وهي معية التوفيق والنصر والتأييد، وهذه خاصة بالمؤمنين، لا ينالها سواهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا

стр. 74

فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ

стр. 75

أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) وقال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ وهما في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال ﷺ : (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) (٣). فالله سبحانه فوق عرشه بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه وسمعه وبصره أين ما كانوا، وبتوفيقه ونصره وتأييده كذلك، وكل صفة ذكرت له فهي على ما يليق بجلاله وعظمته ، بغير كيف نعلمه، ولا تمثيل نتوهّمه، فمن مثّل فقد وقع في التجسيم، وشبّه صفات الخالق بصفات المخلوق، وهذا من أبطل الباطل، وقد دخل عليه هذا الباطل من محاولة تكييف صفات الله تعالى، وتصور أنها كصفات المخلوق سواء بسواء، وجهل أن العلم بكيفية الصفات فرع عن العلم

стр. 76

بكيفية الذات، نعم عرف ذات الإنسان وكيفيتها، فثبتت له معرفة صفاته، لكنه لم يعرف ذات الرب ، فأنى له العلم بكيفية الصفات، وقد كفى الله تعالى عباده هذا العناء فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، فلماذا الخروج عن المنهج القويم، إلى القول بالتجسيم، أو الفرار منه إلى ما هو أقبح وهو القول بالتعطيل، وهو ما خطر للمبتدع ولو اعتصم بالكتاب والسنة لكان في عافية من ذلك. ١٦ - من قاسه من البشر بخلقه فقد كفر ... وقد أطاع ونصر أمر الهوى المتبع هذا توكيد من الناظم ﵀ على ما ذكر في البيت السابق، وأنه تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين في أي صفة من صفاته، وأن هذا منهج أهل السنة والجماعة، وأن من سلك غيره، ممن زعم أن الله في كل مكان، أو لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، فقد ضل، وعميت بصيرته عن الحق، وأنهم لم يتدبروا كلام الله ، فالله لا يلحقه نقص ولا عيب، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (٢).

стр. 77

المبحث التاسع التذكير بيوم الحساب ١٧ - ويلاه من وزن العمل وبحره عندي وشل ... قد غاض طاميه وقل فما ترى من منبع هذا تذكير من الناظم بما يحصى من عمل الإنسان خيره وشر، وبذلك اليوم الموعود الذي تنصب فيه الموازين، ولا يجد الإنسان سوى ما قدمت يداه، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (١)، وتنصب الموازين لمجازات الناس على أعمالهم، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 78

الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (٤)، والميزان حقيقي محسوس، له كفتان توزن فيه الأعمال، وهي محسوسة أيضا ولها ثقل، وقد ثبت ذلك قال رسول الله ﷺ : (إن الله سيخلّص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ ، أظلمك كتبتي الحافظون؟ ،

стр. 79

يقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر؟ ، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة ما هذه السجلات؟ فقال: فانك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) (١) ويقول ﷺ : (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢)، وقوله ﷺ لما ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود ﵁: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) (٣) وقال ﷺ : (ما من شئٍ أثقل في الميزان من حسن الخلق) (٤) وقد ختم الإمام البخاري

стр. 80

كتابه الجامع الصحيح بقول رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده). فما ورد في الكتاب والسنة من وصف هذا الموقف المهول يجعل كل إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر، يحسب له الحسابات الدقيقة، سيما والإنسان ضعيف بطبعه، كثير الملل، ميال إلى اللهو ونسيان الآخرة، فعمل الخير بحر لا ساحل له، والشر كذلك، وليس لدى الإنسان من عمل الخير إلا شيء قليل في مقابل عنايته بدنياه الفانية، وغفلته عن يوم وزن العمل، فيجد أنه فرّط في التزود من بحور الخير العظيمة التي يسرها له الرب في الدنيا، وجعلها سهلة في متناول كل من أراد ذلك، لكن الإنسان اشتغل بعناء الدنيا ومكاسبها الصعبة المنال، سريعة الغدر والزوال، فجاء بعمل قليل زهيد، ولو أراد تصحيح الخطأ وتعديل المسار، ما وجد إلى ذلك سبيلا، فقد جف في هذا اليوم مجرى كل عمل خير أو شر، وتوقفت المنابع، ولم يبق سوى الحصاد، ولا مطمع حينئذ إلا في عفو الله وكرمه، ومغفرته وواسع رحمته، وإلا هلك الهالكون والعياذ بالله.

стр. 81

المبحث العاشر الإيمان بالجنة والنار ١٨ - واعترضت جهنم ونارها تضطرم ... وكب فيها المجرم وقيل يا نار ابلعي منهج أهل السنة والجماعة الإيمان بوجود الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وقد خلقت الجنة لعباد الله المتقين قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ

стр. 82

الْعَظِيمِ﴾ (١) وكذلك النار خلقها الله لعباده العاصين، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣)، ويقول رسول الله ﷺ في حديث الإسراء: (ثم انطلق بي، حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها حبايل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) (٤)، وقال رسول الله ﷺ : (دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب، إلا ما أعلم من غيرتك). قال: وعليك أغار يا رسول الله؟ ) (٥) وقال ﷺ : (رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتنى أريد أن آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها ابن لحي، وهو الذي

стр. 83

سيّب السوائب) (١)، وقال ﷺ : (والذي نفس محمد بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ ! ، قال: رأيت الجنة والنار) (٢) وقال ﷺ : (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها فنظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، قال: فو عزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال فرجع إليها فإذا هي قد حفّت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفّت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هي يركب بعضها بعضا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها) (٣) هذا مما ورد في الكتاب والسنة، وهو من الأدلة الصحيحة الصريحة على أن

стр. 84

الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، وليس كما زعم البعض أنها ستخلق فيما بعد. وفي هذا البيت يصف الناظم ﵀ جهنم، وحال من أهلكه عمله، وفارقته رحمة الله ، فجهنم في يوم نصب الموازين ومحاسبة العباد المؤمن والكافر، والفاسق والفاجر، تكون معترضة بين المحشر والجنة، منصوب عليها الصراط، أدق من الشعرة، وأحد من السيف، كما ورد من قول أبي سعيد الخدري ﵁ (إن ناسا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ ، قال رسول الله ﷺ : نعم، قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة، صحوا ليس معها سحاب؟ ، وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، صحوا ليس فيها سحاب؟ ، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغير أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ ، قالوا: كنا نعبد عزير بن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ ، قالوا: عطشنا، يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟ ، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار،

стр. 85

ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ ، قالوا: كنا نعبد المسيح بن الله، فيقال لهم: كذبتم. ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ ، فيقولون: عطشنا، يا ربنا فاسقنا، قال فيشار إليهم: ألا تردون؟ ، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ ، تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا! فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا "مرتين أو ثلاثا" حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ ، فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ ، قال دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، - تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان - فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاود

стр. 86

الخيل، والركاب، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنين من النار، فو الذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد منا شدة لله، في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا، ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها خيرا) وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا

стр. 87

عَظِيمًا﴾ (١)، فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ ، فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية، قال "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ ، فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا) (٢)، فالنار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وهي لكل عتل جوّاظ مستكبر، وهي عذاب الله تعالى، يعذب بها من يشاء من عباده، نستجير بالله من غضبه وعذابه.

стр. 88

١٩ - وجنة الفردوس قد تزخرفت لمن عبد ... وقام ليلا وسجد في طمره المرقع وهذا من الناظم ﵀ تذكير بوصف الجنة، فإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا يخطر على قلب بشر، مما أعد الله فيها من النعيم لعباده المؤمنين، الذين عبدوه، وقاموا في طاعته ليلا ونهارا، ودعوه ورجوا رحمته سرا وجهارا، في بعد عن شهوات الدنيا وملذاتها، من مأكل ومشرب، وملبس ومركب، مستشرفين للدار الآخرة وما أعد الله في الجنة من الراحة والنعيم الدائم، الذي لا يحول ولا يزول. ٢٠ - ونهدت أبكارها واطردت أنهارها ... وغردت أطيارها في كل غصن مونع وفي هذا البيت يذكر الناظم ﵀ بما أعد الله لعباده في الجنة من الحور، فمنهن الكواعب الأبكار، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (١) وأنهن في غاية من الحسن والجمال ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي

стр. 89

الْخِيَامِ﴾ (١) لا يتمتع بهن أحد سواهم، قصر الطرف منهن على من خلقن من أجلهم، فلا يرين حسنا في غيرهم، ولا يتمنين سواهم، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ (٢) هن أزواجهم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٤)، هكذا جزاهم ربهم لقاء صبرهم على طاعته في الدنيا، بأن يكونوا مع أزواجهم ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (٥). هكذا جزاهم ربهم لقاء صبرهم على طاعته في الدنيا، بأن يكونوا مع أزواجهم ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)

стр. 90

وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ (١) ٢١ - يا من له تبتلي في كل ليل أليل ... ومن إليه موئلي دون الورى ومفزع هذا التوجه الصحيح في الدعاء من الناظم ﵀ هو منهج أهل السنة والجماعة، فالله وحده المسئول، عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢). وعمل بسنة رسول الله ﷺ فقد وجه ابن عباس ﵄ فقال: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم

стр. 91

يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (١) مسيرا بأحد الأوقات التي هي من مظان إجابة الدعاء، وهو ما ورد من قول رسول الله ﷺ : (إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) (٢)، وهذا هو النهج الصحيح، لا ما يقع فيه الكثيرون من الناس من الرجوع إلى بعض الصالحين وقد ماتوا، فيستعينون بهم على قضاء حوائجهم، ولا يجديهم ذلك شيئا، لأنه خلاف المنهج الصحيح. ٢٢ - صل على خير البشر من كل أنثى وذكر ... محمد وجه القمر ذي الجانب الممنع وهذا من أعظم الدعاء حرص عليه الناظم ﵀ عملا بالكتاب والسنة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، وقال ﷺ : (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا) (٤) وقد سأل

стр. 92

الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، فقال: (قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (١) وقد منح الله رسوله محمد بن عبد الله ﷺ ، من الكمال البشري، في الدين والخلق والخلق، ما لم يمنح غيره ﷺ ، وإذا كان الأنبياء أكمل الخلق وأفضلهم، والرسل أكمل من الأنبياء وأفضل، أولوا العزم وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أكمل من الرسل، ورسول الله محمد هو صاحب المقام المحمود، ينفع الله بشفاعته الخلق، فيأذن سبحانه بفصل الحساب، اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) هذا ما يسر الله تعالى لنا بحثه، فله الحمد والشكر علي توفيقه، وأسأله أن يجعله عملا متقبلا، تثقّل به موازين حسناتي في يوم لا ينفع فيه

стр. 93

مال ولا بنون، وأن ينفع به من طالعه، ومن نصح وصحح وأرشد إلى خير، وتم في يوم الأربعاء ٦/ ٩/ ١٤٢٥ هـ بالمدينة النبوية حرسها الله، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.