← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 35356

منهج الإمام تاج الدين السبكي في أصول الفقه

أحمد إبراهيم حسن الحسنات

Полный текст (183 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله الذي رفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ما دامت الأرض والسماوات. وبعد: فإن علم أصول الفقه من أشرف العلوم وأعظمها وأكثرها فائدة ونفعا، فهو العلم الذي جمع بين المعقول والمنقول، وكيف لا يكون أنفعها وهو الذي يضع القواعد والضوابط التي بها يستنبط الفقيه الأحكام، وبها يرتفع العالم من حضيض التقليد إلى علياء الاجتهاد، وقد اهتم علماؤنا المتقدمون بالأصول اهتماما بالغا فأكثروا من التأليف والتدوين فيه، وكانت لهم مدارسهم ومناهجهم المتنوعة، فتنوعت طرائقهم في التأليف. وإن دراسة مناهج العلماء في تدوين أصول الفقه من أهم المواضيع الجديرة بالبحث والاهتمام لدى الدارسين لعلم أصول الفقه، ذلك أن مثل هذه الدراسات تعطي الباحث فكرة عن جهود علماء الأصول، مما يجعل عند الدارس خلفية عن الآراء الأصولية، فيوظفها في معرفة منشأ الخلاف الفقهي، وكذا في توجيه الآراء توجيهاً سليماً حسب قواعد أصول الفقه عند أصحاب المذاهب. ولعل من أبرز العلماء الذين اهتموا بأصول الفقه في القرن الثامن الهجري الإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، حيث كانت له عناية فائقة بتدوين أصول الفقه بشكل لافت للنظر لدى الدارسين لعلم الأصول. فابن السبكي عالم كبير في مختلف العلوم الفنون، وذلك لكونه قد عاش في بيئةٍ علميةٍ رصينة أثرت في تحصيله العلمي بشكل يدعو إلى الإعجاب، حيث أولى علم الأصول اهتماماً خاصاً وأكبر دليل على ذلك أنه قد أكثر من التصنيف في علم الأصول، إذ ترك للمكتبة الإسلامية ثمانية كتب في الأصول ما بين مختصر وشرح وتقرير، فكان لزاماً على الدارسين والباحثين أن يتناولوا هذه المؤلفات بالدراسة والتمحيص، للكشف عن شخصية هذا العالم الفذ الذي ترك لنا كل هذه الآثار العلمية الرصينة وقد جاءت هذه الدراسة بهدف التعرف على الجوانب المهمة في حياة ابن السبكي العلمية وكيف أثرت هذه الجوانب في فكر ابن السبكي الأصولي لتبين حقيقة اللجهود التي بذلها التاج السبكي في علم الاصول وتبن المنهج الذي سار عليه في تأليفه لعلم الاصول وذلك من خلال دراسة كتبه في الأصول دراسة استقرائية شاملة من حيث:- ١ - سبب تأليفها. ٢ - منهجه في تأليفها. ٣ - مصادره في التأليف. ٤ - أهمية هذا التأليف. ٥ - بعض النماذج المختارة التي تبين منهجه

стр. 2

إن ابن السبكي له أثر واضح في أصول الفقه من خلال عرضه لمسائله ومناقشته الآراء، والدارس له سيستفيد كثيراً في فهم وتصور مسائل هذا الفن وغاياته، خاصة وأن ابن السبكي له مجموعة من المؤلفات في أصول الفقه والتي عم نفعها الشرق والغرب فكان لزاماً علينا دراسة هذه المؤلفات وإبراز أهميتها ومنهجها للاستفادة منها في تطوير أصول الفقه والدراسات الأصولية الحديثة. ولعل من أهم الاهداف التي نسعى ايها من خلال دراسة كتب التراث الضخم لعلماء أمتنا المجيدة، والذي نحن بأمس الحاجة إلى فهمه وتطويره، وبيان الأثر الإيجابي فيه، وإلا ستبقى الفجوة عميقة بين الدراسات الأصولية المعاصرة والدراسات الأصولية المتقدمة والقديمة، ونحن في هذا الوقت بأمس الحاجة إلى دراسات أصولية توسع المدارك وتفتح الأذهان، للوصول إلى عقلية اجتهادية لوضع حد للفوضى الفكرية التي تعيشها أمتنا، وللبحث عن حكم للمسائل العصرية المستجدة، التي لا يمكن الاجتهاد في معرفة أحكامها إلا إذا تمكنا من فهم علم الأصول، للوصول إلى نهضة حضارية شاملة أساسها وقوامها معتمداً على أصول الفقه. هذا وليس الهدف من هذه الدراسة هو تناول آراء التاج السبكي بالنقد والتحليل بقدر ما هو محاولة إبراز حقيقة المنهج الذي سار عليه بغض النظر عن موافقته أو مخالفته لغيره، أو قوته وضعفه، ومن هنا فلم يكن لزاما علي عقد المقارنات بين التاج السبكي وبين غيره من العلماء ولا مناقشته للتاج في ما يذهب إليه. وقد حاولت جهدي في هذه الرسالة أن أتناول الآراء بكل موضوعية، وأن لا تظهر العاطفة تجاه التاج السبكي أو عليه، بل تناولت الآراء بطريقتي الخاصة محاولا إيصال المعلومة بصورة علمية سليمة. وبعد: فالله العظيم أسأل، أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به قارئه وسامعه، ويجعله في صحيفة أعمالي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فإن أصبت فبفضل الله ورحمته، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، ورحم الله من صوب خطأي بالحسنى، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أحمد ابراهيم الحسنات عمان/ الأردن ١٧ ربيع الأول ١٤٢٣هـ الموافق ٣٠ أيار ٢٠٠٢ م

стр. 3

الفصل الأول تاج الدين السبكي حياته - علومه - مؤلفاته وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: عصر الإمام تاج الدين السبكي المبحث الثاني: اسمه، نسبه، أسرته المبحث الثالث: نشأته وطلبه للعلم المبحث الرابع: علومه المبحث الخامس: آثاره ومصنفاته المبحث السادس: مكانته العلمية والمناصب التي تولاها المبحث السابع: عقيدته وتصوفه المبحث الثامن: مظاهر من شخصيته المبحث التاسع: وفاته

стр. 4

الفصل الأول تاج الدين السبكي حياته - علومه - مؤلفاته سأتناول في هذا الفصل حياة تاج الدين السبكي منذ ولادته وحتى وفاته، مستعرضا نشأته ... وحياته العلمية، حتى يتبين للقارئ الجوانب الفكرية والشخصية التي أثرت في تكوين شخصية التاج السبكي العلمية ومدى ارتباطها بسلوكه وإنتاجه العلمي، وحتى يتيسر لي ذلك لا بد أولا من إعطاء فكر ة عامة عن العصر الذي عاش فيه التاج السبكي ومعرفة مدى تأثره أو تأثيره به. المبحث الأول عصر الإمام تاج الدين السبكي تُعدُّ الفترة التي عاش فيها التاج السبكي من أهم مراحل الدولة المملوكية الأولى المسماة ((بالبحرية))، ذلك أنّ التاج قد عاش في الفترة الواقعة ما بين عامي ٧٢٧هـ و ٧٧١هـ، لذا فلا بد أنّ نعطي صورة موجزة توضح لنا ماهية الوضع السياسي والعلمي والاجتماعي في مصر والشام في تلك الفترة، والتي تمثّل في مجملها القرن الثامن الهجري. المطلب الأول: الحياة السياسية تمكّن المماليك - بعد سلسلة من المؤامرات التي كانوا يُحِيكُونها ويُدبِّرونها للسلاطين - من استلام السلطنة في مصر، وذلك بعد مقتل السلطان تورانشاه (١) آخر ملوك بني أيوب سنة ٦٤٨هـ (٢)، ... وكانت بذلك بداية العهد المملوكي الذي استمر نحو قرنين من الزمان (٣). ولم يكن عهد المماليك بأفضلَ حال من سابقه؛ ذلك أنّ هذا العهد كان يواجهه عدداً من المخاطر على الساحة الخارجية، فالخطر الصليبي ما زال يتهدد العالم الإسلامي، وذلك لوجود بعض القلاع والإمارات الصليبية على سواحل بلاد الشام؛ مما استدعى المماليك أن يأخذوا على عاتقهم عبء استرجاع وتحرير ما تبقى من هذه الإمارات استمراراً لجهود السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي المتوفى سنة ٥٨٩هـ إثر هزيمته للصليبيين في موقعة حطين الشهيرة سنة ٥٨٣هـ.

стр. 5

بالإضافة إلى الخطر الصليبي المتجذر، كان قد ظهر على الساحة خطر لا يقل خطورة - بل هو أشد خطراً - من الخطر الصليبي، ألا وهو غزو المغول لبلاد الإسلام، إذ بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية على يد هولاكو عام ٦٥٦هـ (١)، وزَحْف المغول باتجاه بلاد الشام واحتلالهم لدمشق عام ٦٥٨هـ (٢)، ومن ثَمَّ محاولة الزحف باتجاه مصر، حيث كان المماليك قد تنبّهوا لذلك، وخرجوا بجيوشهم لملاقاة المغول في موقعة عين جالوت سنة ٦٥٨هـ (٣)، بقيادة السلطان المملوكي المظفر قطز (٤)، حيث حقق الله تعالى النصرَ على يديه، وبذلك استطاع المماليك من وقف الزحف المغولي، ومن ثَمَّ بدأوا باسترجاع المدن والإمارات الإسلامية من بين أيديهم حتى تمَّ تحرير سائر بلاد الشام من أيدي المغول (٥) في عهد السلطان الظاهر بيبرس (٦). وبعد ذلك التاريخ دانت بلاد الشام كلها لحكم المماليك، ومنذ ذلك الوقت ارتبط تاريخ الشام بتاريخ مصر، بحيث لا يمكن دراسة تاريخ الشام بمعزل عن تاريخ مصر؛ وذلك لقوّة الالتحام بين مصرَ والشام في هذا العصر في مختلف مظاهر الحياة العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ... والثقافية، وإنَّ ما يحدث في مصرَ من حالات ضعف وقوَّة كانت بدورها تَنْعكِس على الشام إيجاباً أو سلباً.

стр. 6

وأما بالنسبة للخطر الصليبي، فقد استمرت المناوشات بين المماليك والصليبيين وظلَّ المماليك يحقِّقون الانتصار تِلْوَ الانتصار، حتى كان تحقيق أعظمَ انتصار وأهمَّه وذلك بفتح عكا سنة ٦٩٠هـ (١) في عهد السلطان الأشرف بن قلاوون (٢)، وقد كانت تلك الضربة القاضية للصليبيين، إذ لم يَقُم لهم بعد ذلك قائمة، فما تَبقَّى لهم من مدن لم تَلْبَث أن شاركت عكا في مصيرها؛ وبذلك استطاع المماليك إنهاء التواجد الصليبي مُنهِيةً بذلك عهد الصليبيين في الشام (٣). غير أنّ الصليبيين قد أعادوا الكرَّة، وذلك في الثلث الأخير من القرن الثامن الهجري وأغاروا على الإسكندرية واحتلوها سنة ٧٦٧هـ (٤)، ويصف لنا المؤرخ ابن كثير هذه الموقعة بقوله: ((وذلك أنّهم [الفرنج] وصلوا إليها [الإسكندرية]. . . فلم يجدوا بها نائباً ولا جيشاً ولا حافظاً للبحر ولا ناصراً، فدخلوها يوم الجمعة بُكْرة النهار بعد ما حرقوا أبواباً كثيرة منها، وعاثوا في أهلها فساداً، يقتّلون الرجال ويأخذون الأموال ويأسرون النساء والأطفال)) (٥). واستمرَّ الفرنج ينهبون الإسكندرية حتى وصل السلطان والجيش المصري إليها فهرب الفرنج منها آخذين معهم كثيراً من الأموال والخيرات والأسرى (٦). هكذا كان حال الدولة المملوكية في الخارج، دولة قوية مَنِيعَة مُهابَة الجانب استطاعت وَقْف الزحف المغولي، وإخراج بقايا فُلول الصليبيين من بلاد الشام. أما في الداخل، فقد كان تاريخ المماليك متقلبا كثير الفوضى والاضطراب، حيث كانت الفتن ... والاضطرابات والصراع على السلطة هو المِيزة الرئيسة لعهد المماليك.

стр. 7

لقد كان عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (١) في ولايته الثالثة ٧٠٩ - ٧٤١هـ (٢) هو آخر عهد بالاستقرار السياسي في دولة المماليك، فبعد وفاته تولى السلطنة ثمانيةٌ من أولاده في السنوات ٧٤١هـ - ٧٦٢هـ، ومن ثَمَّ في العشرين سنة التالية ٧٦٢ - ٧٨٤هـ، تولى السلطنة أربعةٌ من أحفاده (٣)، ومعلوم أنّ هذا العدد من السلاطين دليل على عدم الاستقرار السياسي. وقد مرّ على هذه الفترة العديدُ من الأحداث الداخلية، إذ تقلَّد حكم مصرَ سلاطين ... أطفال (٤)، لم يبلغوا سن الاحتلام، كانوا يُوَلَّون ويُعْزَلون طبقاً لأهواء أمراء المماليك الذين كان لهم النفوذ الأقوى في ذلك الوقت. وخير ما يصوِّر ذلك الوضع ما قاله أحد شعراء ذلك العصر (٥): سلطانُنا اليومَ طفلٌ والأكابرُ في ... خُلْف بينهُم والشيطانُ قد نَزَغا فكيفَ يَطمَعُ من في نفسْهِ مَظْلمة ... أن يَبْلُغَ في السّؤْلِ والسلطانُ ما بَلَغا؟! ولم يكن للسلاطين في ذلك الوقت إلا مجرَّد الاسم فقط، وليس لهم من الأمر شيء؛ ذلك لصغر سِنِّهم، وضعف حيلتهم، فكان السلطان آلة في السلطنة والمتصرّف الحقيقي فيها هم الأمراء (٦). وهكذا ظل حال هؤلاء السلاطين أُلعوبة في أيدي الأمراء، وإذا ما حاول أحدهم التَمرّدَ عليهم أو التخلص من نفوذهم كانوا لا يتوَرّعون عن عزله وقتله أحياناً، فقد قُتِل أربعةٌ من السلاطين أبناء قلاوون على أيدي أمراء مماليكهم (٧). وأما بقية السلاطين فقلّما تجد واحداً منهم ترك الحكم بنتيجة طبيعية كالوفاة مثلاً، بل كانوا يُعزلون ويُولَّون تَبعاً لرغبات وأهواء الأمراء، دون النظر إلى أدنى مصلحة للبلاد أو العباد.

стр. 8

ولم يقف الحدُّ عند تآمر الأمراء على سلاطينهم، بل وجدتُ أنّ أبناء قلاوون أنفسهم يتآمرون على بعضهم ويَقتُل بعضهم بعضاً، فقد وجدت الملك الصالح إسماعيل (١) يأمر بحصار أخيه أحمد (٢) في قلعة الكرك ورميه بالمنجنيق، وذلك خَشيةً من محاولته العودة إلى السلطنة، حيث وقعت عدّة معارك بين العسكر المصري وبين أهل الكرك، وفيها قُتِل عدد كبير من الطرفين، واستمر حصار الكرك مدة سنتين انتهت بدخول الكرك ومن ثَمّ قلعتها حيث قُبِض على السلطان أحمد وقُتِل وحُمِل رأسه إلى أخيه الملك الصالح فقابله بأشدّ الفرح ولا حول ولا قوّة إلا بالله (٣). ولم يكن حال السلاطين أنفسهم بأفضل من مماليكهم، فقد عمَّ الفسق والفجور والظلم عند هؤلاء السلاطين، وفشى فيهم معاقرة الخمور وغشيان المنكرات وأكل أموال الناس بالباطل، حتى قال ابن شهبة في وصف خلاعة ومجون السلاطين وخاصة الملك المنصور سيف الدين أبو بكر (٤) أنّه كان يتعاطى شرب الخمر: ((وغشيان المنكرات وتفريق الأموال على أهل الطرب، والتعاطي بما لا يليق به، ومعاشرة الخاصكية من المردان وغيرهم)) (٥). هكذا كان حال هؤلاء السلاطين، وحَريٌّ بأمّة هكذا سلاطينها أن يذيقها الله تعالى وَبالَ أمرها، وما الفتن الداخلية والاضطرابات الكثيرة وعزل السلاطين ومقتلهم إلا نكالاً من الله تعالى بهم لفسقهم وتعدِّيهم على حرمات الله (٦).

стр. 9

كل هذه الأمور مُجتَمعةً والمتمثّلة بضعف السلاطين، وتنافسهم على العرش، وإغراق بعضهم في المجون وانغماسهم في التَّرف، إضافة إلى ازدياد نفوذ أمراء المماليك، كل هذه العوامل أدت إلى انحلال أسرة قلاوون، وإنهاء حكم بني قلاوون الذي استمر حوالي ١٠٦ سنوات من سنة ٦٧٨ - ٧٨٤هـ، وبنهاية أسرة قلاوون ينتهي عهد المماليك البحرية ويبدأ عهد المماليك الجراكسة [البرجية] سنة ٧٨٤هـ (١). هذه هي الأحوال العامّة في مصر، أما في الشام والتي عاش فيها التاج السبكي جُلّ حياته، فلم يكن الحال فيها بأحسن من حال مصر الأم، حيث كانت الشام تابعة للسلطنة في مصر في مختلف نواحي الحياة، ورَغمَ تبعية الشام المحضة لمركز السلطنة إلا أنّه وُجِدت بعض محاولات الانفصال عن مصر، غير أنّ التقسيم الإداري لبلاد الشام بحيث تكون كل نيابة شبه مستقلة، والسلطان يختار من يملأ المناصب الكبرى، ومن ثم حاجة الشام إلى العسكر المصري ضد الأخطار الخارجية حال دون نجاح أية حركة انفصالية رغم كثرة ثورات المماليك هناك (٢). إلا أنّ هناك مِيزة لأهل الشام تَميَّزوا بها عن أهل مصر ذلك أنّ أهل الشام كانوا أسرع إلى مواجهة أوامر الدولة بالإنكار من أهل مصر، وكانوا يتعلقون بكل سبب لإظهار عدم رضاهم عن بعض تصرفات الموظفين والمباشرين (٣). يمكن تلخيص الملامح العامّة للوضع السياسي في مصر والشام في القرن الثامن الهجري بما يأتي (٤): ١ - صغر سن السلاطين الذين تعاقبوا على الحكم. ٢ - ازدياد نفوذ الأمراء واشتداد سطوتهم وتَحَكُّمهم في مصالح البلاد وتلاعبهم بالسلاطين، بالتعيين والعزل والقتل وفقاً لأهوائهم. ٣ - ازدياد نفوذ طائفة المماليك الجراكسة [البرجية] ازدياداً مضطرداً، فاستطاع أفرادها كسب الجولة الأخيرة من الصراع، وأسسوا دولة مملوكية ثانية على أنقاض الدولة المملوكية الأولى. ٤ - اشتداد الانحلال الخلقي بشكل واضح، وكان السلاطين والأمراء هم مصدر هذا البلاء، فاشتهروا بالإدمان على الخمور ومعاشرة الجواري والخاصكية والمغنيات.

стр. 10

موقف التاج السبكي من الوضع السياسي لم يكن التاج السبكي رجلاً منعزلاً عن أمّته، بل كان - رحمه الله تعالى - قريباً جداً منها، يلتمس همومها ويتأثر بما تتأثر به الأمّة، ولم يكن - رحمه الله تعالى - تأخذه في الله لومة لائم؛ لذا فقد وجدته كثير الانتقاد لأحوال الدولة السياسية العامّة، وكانت له مواقف كثيرة في هذا المجال لا يَقِفها إلا أمثاله من العلماء المخلصين الذين لا يداهنون في دين الله أحداً، ومن هنا جاء انتقاد التاج السبكي للسياسة التي اتبعها المماليك في ذلك العصر، واعتبر أنّ سياستهم لا تنفع أحداً، بل مَضرّتها أكثر من نَفْعِها، وأنّه لا بد من رفع الأمور إلى الشرع، فهو يقول في ذلك مُبيّنا ما على الحاجب من أمور: ((عليه رفع الأمور إلى الشرع، وأن يعتقد أنّ السياسة لا تنفع شيئا (١)، بل تَضرّ البلاد والرعايا، وتُوجبُ الهَرَج (٢) والمَرَج (٣)، ومصلحةُ الخلق فيما شرعه الخالق الذي هو أعلم بمصالحهم ومفاسدهم، وشريعةُ نبيّنا محمد ﷺ متكفّلةٌ بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم، ولا يأتي الفسادُ إلا من الخروج عنها، ومن لَزِمَها صَلُحَتْ أيامه واطمأنت)). ثم بيّن أنّه ما من سلطان ولا حاجب ولا صاحبُ شرطة يُعْمِلُ حُكمَ الله تعالى، ويُلقِي الأمور إلى الشرع إلا اطمأنت نفسه ونجا من المصائب والمحن، وكانت أيامه أصلح وأقل مفاسد. . . وقال: ... ((وكذلك اعتبرت فلم أرَ ولم أجد من يظن أنّه يُصْلح الدنيا بعقله، ويُدَبّر البلاد برأيه وسياسته، ... ويَتعدّى حدود الله تعالى وزواجره، إلا وكانت عاقبتُهُ وخيمةً وأيامُه منغصةً منكدة، وعيشُه قلقاً، ... وتُفتح عليه أبواب الشرور، ويتسع الخرق على الراقع، فلا يَسدُّ ثُلمة (٤) إلا وتُفتَح ثُلمات، ولا تُرفَع فتنة إلا وينشأ بعدها فتن كثيرة)) (٥).

стр. 11

هذا هو موقف التاج السبكي من السياسة، وهذا رأيه فيها، ومع ذلك فلم يكن بعيداً عنها، وقد وجدته كثيراً ما ينتقد تصرفات الحكام والسلاطين، فمن ذلك ما دَوّنه في كتابه العظيم ((معيد النعم)) حيث قال مُوجّهاً خطابه إلى الخلفاء والسلاطين وولاة الأمور: ((إذا ولاك الله تعالى أمراً على الخلق فعليك البحثُ عن الرعية، والعدلُ بينهم في القضية، والحكمُ فيهم بالسوية، ومُجانَبة الهوى والميل، وعدمُ سماع بعضهم في بعض، إلا أن يأتيَ بحجة مبيّنة، وعدمُ الركون إلى الأسبق، فإن وجدت نفسك تُصغي إلى الأسبق وتميل إلى صدقه؛ فاعلم أنّك ظالم للخلق، وأنّ قلبك إلى الآن متقلّب مع الأغراض، يُميلُه الهوى كيف شاء [إلى أن قال]: وقد اعتبرتُ كثيراً من الأتراك فوجدتهم يميلون إلى أول شاك، وما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم التي صيّرت قلوبهم كالأرض الترابية التي لم تُروَ بالماء)) (١). وقال مبيّناً للسلاطين حقيقة أمرهم وحقيقة الخلافة: ((وأن تعرف أنّك أنت والرعية سواء لم تَتَميّز عنهم بنفسك، بل بفعل الله تعالى الذي لو شاء لأعطاهم ومنعك، فإذا كان قد أعطاك الولاية عليهم ومنعهم فما ينبغي أن تتمرّدَ وتستعين بنعمته على معصيته وأذاهم، بل لا أقَلّ من أن تتجنّبَ أذاهم وتكُفَّ عنهم شَرَّك، وتُجانبَ الهوى والميلَ والغَرَض، فنعمة الولاية لا تتطلب منك غير ذلك)) (٢). وقال أيضاً مبيّناً ما على السلطان من وظائف: ((فمن وظائف السلطان تجنيد الجنود، وإقامة فرض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، فإنّ الله تعالى لم يُوَلّه على المسلمين ليكون رئيساً آكلاً شارباً مستريحاً، بل لينصُرَ الدين وُيعلي الكلمة، فمن حقه ألا يدعَ الكفار يكفرون أَنعُم الله، ولا يؤمنون بالله ولا برسوله، فإذا رأينا ملكاً تقاعد عن هذا الأمر، وأخذ يظلم المسلمين، ويأكل أموالهم بغير حق ثم سلبه الله نعمته وجاء يعتب الزمان، ويشكو الدهر أفليس هو الظالم، وقد كان يمكنه بَدَل أَخْذ أموال المسلمين وظلمهم أن يُقيمَ جماعةً في البحر يتلصّصون أهل الحرب؟! فإن كان هذا الملك شجاعاً ناهضاً فَلْيُرِنا همته في أعداء الله الكفار، ويجاهدهم ويتلصّصهم، ويُعملَ الحيلة في أخذ أموالهم حِلاً وبِلاً (٣) ويدعَ عنه أذية المسلمين)) (٤). يالها من كلمات قاسية الوقع عظيمة الأثر، لا يفوه بها إلا من كان يتمتع بصفات عالية من الجرأة والشجاعة التي لا يتصف بها إلا من كان من أمثال التاج السبكي (٥).

стр. 12

المطلب الثاني: الحياة الاجتماعية إنّ الحياة الاجتماعية في أي بلد إنّما هي الانعكاس الحقيقي، والتمثيل العملي للوضع السياسي في ذلك البلد، إذ كلما كانت الحياة السياسية طبيعية ومستقرة كانت الحياة الاجتماعية مستقرة مزدهرة والناس في رَغَدٍ وهناء، وكلما اضطربت الحياة السياسية تَبِع ذلك اضطراب في الحياة الاجتماعية؛ فتسود الفوضى، ويَعم الظلم والجور والانحلال والفساد، إذ أنّ قوّة البلد سياسياً تستلزم قوّة المجتمع وترابط أفراده واستقرار نظامِهِ، وكلما كانت البلد ضعيفة سياسياً انعكس ذلك سلبياً على الحياة الاجتماعية في ذلك البلد. وقد كان الوضع السياسي في القرن الثامن الهجري في مصر والشام وضعاً كثير الاضطراب والانقلاب؛ مما يعني ضعف المجتمع وضعف الحياة الاجتماعية في مصر والشام في تلك الفترة. لقد كان المجتمع المملوكي في تلك الفترة مجتمعاً طبقياً تَميَّز بكَثْرَة طبقاته، إذ أنّ طبيعةَ حكم المماليك الأغراب عن تلك البلاد، وانعزالهم عن أهل البلاد وعن انخراطهم في سلكهم، أدى إلى ظهور طبقة مُتمَيّزة في المجتمع، تمتلكُ زِمامَ الحكم فيه وهي طبقة المماليك أصحاب السيادة والنفوذ (١). بناءً على ذلك يمكن تقسيم المجتمع المملوكي في تلك الفترة إلى الطبقات الآتية (٢): الطبقة الأولى: أهلُ الدولة من السلاطين والمماليك، وهؤلاء كانوا يعيشون حياة الترف واللهو، ... وكَثُرت الأموال في أيديهم، مما جعلهم طبقة مُتَميّزة منعزلة عن بقية الشعب (٣). الطبقة الثانية: أهلُ اليَسار من التجار وأولي النِّعمة من ذوي الرفاهة، وكان هؤلاء من المقرّبين إلى السلاطين، ذلك أنّ السلاطين كانوا قد أحسّوا أنّ هذه الطبقة هي المصدر الأساسي الذي يَمُدُّ الدولة بالمال لا سيّما في ساعات الحرج والشدة (٤). الطبقة الثالثة: المُعَمّمون، وهم أَرباب الوظائف الديوانية والفقهاء والعلماء والأدباء والكُتّاب، وهؤلاء كانوا موضعَ احترامٍ وتقدير من السلاطين؛ ذلك أنّ المماليك كانوا يَرغبون بالعلماء والفقهاء لأنّهم قوّةٌ لها وزنُها في اكتساب الرأي العام في البلاد، وبذلك يكون لهم دِعامة قوية يستندون إليها في حكمهم، ويستعينون بها على إرضاء عامّة الشعب (٥). الطبقة الرابعة: طبقة الصناع والعمال وأصحاب المهن والأُجَراء، وهم ما يطلق عليهم بالاصطلاح المعاصر بطبقة (العامّة)، وهؤلاء كالعادة كانوا يعيشون حياة البؤس والفقر بالنسبة لطبقة المماليك وغيرهم من المُنَعّمين؛ لذا كانوا كثيراً ما يلجئون إلى السلب والنهب والتسول للحصول على ما يسد رَمَقَهُم في أوقات الفتن والاضطرابات (٦).

стр. 13

الطبقة الخامسة: الفلاحين وهم أهل الزراعات والحرث سكان القرى والريف (١) الذين يمثّلون السَّواد الأعظم من السكان، وهؤلاء لم يكن لهم نصيب في هذا العصر سوى الإهمال والاحتقار حتى أصبح لفظ فلاح في ذلك العصر مرادفاً للشخص المُستضعف المغلوب على أمره، وزاد من سوء حالهم كَثْرَة المغارم والمظالم التي حلّت بهم من الولاة والحكام (٢). الطبقة السادسة: ذوي الحاجة والمسكنة، وهم الذين يتكفَّفون الناس ويعيشون منهم، وهؤلاء كما يقول المقريزي: ((فَنِي معظمهم جوعاً وبرداً ولم يَبقَ منهم إلا أقلَّ من القليل.)) (٣) هذه هي تركيبة المجتمع في ذلك العصر، والملاحظ عليها أنّ أكثَرَ هذه الطبقات كانت تعيش حياة البؤس والظلم والفقر، ولم يقف الحد عند ذلك فحسب، بل وجدتُ أنّ هذه الفترة التاريخية قد ابْتُلِيَت بالعديد من الأمراض والأوبئة الفتاكة، فيَذْكُر المُؤَرّخون أنّ الأَوبئة كانت تجتاح أكثَرَ المدن ... والإمارات المملوكية، ولكنّ أخطر هذه الأوبئة والأمراض والتي أودت بحياة الآلاف من الناس ... والحيوانات، ثلاثة أوبئة اجتاحت الأمّة في تلك الفترة وهي:- ٠١ وباء سنة ٧٤٨هـ (٤): اجتاح هذا الوباء والذي ابتدأ في أواخر سنة ٧٤٨هـ بلاد المسلمين قاطبة بما فيها مصر والشام، بل إنّ المؤرخين يَذْكُرون أنّ هذا الوباء قد عم الأرض كلها، وكان يَحصُدُ الآلاف من النفوس، واستمر هذا الوباء نحو سنتين حتى عام ٧٥٠هـ، وفَنِيَ فيه من الناس نحو ثلثيهم تقريباً (٥). ٠٢ وباء سنة ٧٦١هـ (٦): وقع هذا الوباء سنة ٧٦١هـ، واستمر إلى أوائل سنة ٧٦٢هـ، ومات فيه جماعة كثيرة من الأعيان، وقد سماه المؤرخون ((الوباء الوَسَطيّ))، لكونه وقع بين وباءين. ٠٣ وباء سنة ٧٦٩ هـ (٧): وقع هذا الوباء في القاهرة والديار المصرية واستمر أربعة شهور، انحصر بعدها بعد أن خلف عددا كبيرا من الموتى.

стр. 14

ولم يقف الأمر عند الأمراض والأوبئة الفتاكة فحسب، بل فشت في أهل ذلك العصر العديد من الأمراض الاجتماعية والمتمثلة باشتداد الانحلال الخلقي الذي عم الكثير من طبقات ذلك المجتمع، وخاصة طبقة السلاطين، وأهل الدولة، فانتشر فيهم الزنا والبغاء وشرب الخمور والمخدرات التي كانت تفتك بالمجتمع ذلك العصر (١) وكان السلاطين كلما دَاهمَ البلاد وَباءٌ لجؤوا إلى الله تعالى، وحاربوا تلك المنكرات، وأغلقوا بيوت الخواطيء وحانات الخمر (٢)، حتى يفرج الله تعالى عنهم؛ فإذا رفع الله تعالى البلاء عادوا إلى ما كانوا عليه سابقا ً، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. إلا أنّه وفي ظل هذا الوضع السيء لا بُدّ أن نُسَجّل بعض الملاحظات الهامّة عليه: الأولى: الاهتمام بالعلم والعلماء، وانتشار العلم الذي أنتج العديد من العلماء الذين كان لهم دور بارز في ذلك العصر (٣)، كما سيأتي بيانه في المبحث الثاني. الثانية: انتشار التصوف بشكل كبير ملحوظ في ذلك العصر، حتى غدا التصوف سِمة بارزة للحياة في مصر والشام في ذلك الوقت (٤). هذه حال المجتمع في ذلك العصر، مجتمع غريب التكوين، يجمع بين طياته عدداً من المتناقضات؛ فهو مجتمع كَثُر فيه الانحلال الخلقي والاجتماعي، وبالمقابل كَثُر فيه العلم والعلماء، وانتشر فيه الزهد المتمثّل بالحركة الصوفية؛ مما أعطى له أهمية كبيرة في تاريخ العالم الإسلامي، ولولا وجود هذا الكم الهائل من العلماء وانتشار العلم مع التصوف لما كان لهذا العصر أيُّ مِيزة يُحمد عليها. موقف الإمام تاج الدين السبكي من الوضع الاجتماعي في عصره: ذَكَرتُ سابقا (٥) أنّ الإمام تاج الدين السبكي لم يكن قَطُّ منعزلاً عن أمته؛ بل كان قريباً جداً منها، يتلمّسُ نواحيَ الضعف فيها، فيشخّصُ الداء، ويصفُ له أنجع دواء.

стр. 15

ومر معنا كيف وصلت الحال بالمجتمع الإسلامي في ذلك الوقت، ومن هنا فقد كان الإمام تاج الدين السبكي صاحبُ دعوةٍ إصلاحيةٍ للمجتمع، فهو لم يرضَ أبداً عن حال الأمّة في ذك الوقت، ذلك أنّ التاج السبكي وكما وصفه الأستاذ محمد صادق حسين: ((من أولئكم الرجال ذوي الشخصيات الضخمة والنفوس القوية والأخلاق المتينة، أولئكم الذين يَسمُون بأنفسهم فوق منافعهم الخاصة، ويأبون - وإن تهيأت لهم كل أسباب الراحة - أن يصبروا على فساد بيئة أو طغيان قوّة أو موت حق وقيام باطل، فلم يكن من أولئكم الأنذال أشباه الرجال الذين يرحّبون بالفساد يستغلّونه لمآربهم ... ويُسَخّرونه لمنافعهم)) (١). هكذا كان تاج الدين السبكي، ومن هنا جاء تأليفه لكتابٍ يُعدّ من أعظم ما أُلِّف في بابه ألا وهو كتابه ((معيد النعم ومبيد النقم)) (٢)، هذا الكتاب الذي حاول فيه التاج السبكي الدعوة إلى إصلاح المجتمع الإسلامي من أعلى طبقة فيه ألا وهو السلطان إلى أدنى طبقاته المتمثّلة بالشحاذين، فقد بيّن التاج في هذا الكتاب ما يجب على كل أحد من أفراد الأمّة - حكاماً كانوا أو محكومين - أن يفعله، وما يجب عليه أن يَجتَنبه، وبيّن الكثير من نواحي الضعف في هذه الأمّة مبيّناً سببها، وواصفاً لها علاجاً ناجعاً يقوم على أساس شكر النعمة، وقيام كُلٍّ بما يجب عليه (٣). وبهذه التوجيهات التي ضمنها التاج السبكي كتابه ((معيد النعم)) يعدّ التاج مصلحاً اجتماعياً ومربياً فاضلاً قلّما تجد له نظيراً، وبذلك عدّه الأستاذ محمد الصادق مصلحاً لم تعرف مصر من أبنائها آخر من طرازه حتى ظهر الشيخ محمد عبده (٤). قلت: وليس الأمر مقتصراً على مصر وحدها، بل توجيهات تاج الدين السبكي ودعوته الإصلاحية شاملة كل أنحاء البلاد الإسلامية، وأكثَرُها ينطبق على حال أمتنا اليوم، فلو أنّ علماءنا اتّخذوا من توجيهات التاج السبكي التربوية منهاجاً وساروا عليها ودعوا الناس إليها لانقلب حالنا إلى أحسن حال، وأصبحنا أمّة قوية منيعة مهابة الجانب بدلاً من الضعف والذل والخنوع الذي نعيشه اليوم صباح مساء (٥).

стр. 16

المطلب الثالث: الحياة العلمية لا غرابة ولا عجب إذا ما قلت أنّ القرن الثامن الهجري أو بالأحرى عصر المماليك، كان من أزهى العصور علمياً وثقافياً بعد القرن الثالث الهجري؛ ذلك أنّ هذا العصر قد امتاز بكَثرَة العلماء الذين أنتجتهم الأمّة في ذلك الوقت، تاركين للأجيال القادمة تراثاً ضخماً في شتى فنون المعرفة. ولم يكن سلاطين المماليك بمعزل عن هذا النشاط العلمي، فما كان لهذا النشاط الثقافي أن يزدهر لولا تشجيع المماليك للعلم وترحيبهم بالعلماء، لذا فقد أَكثَرَ المماليك من بناء المدارس والجوامع والرُّبَط (١) والخانقاوات (٢) لتكون قبلة للعلماء وطلاب العلم ينهلون منها العلم في شتى ميادين المعرفة (٣). ولعلَّ من أهم المدارس التي أنشئت في زمن المماليك وكان لها دور بارز في هذا التقدم العلمي المشهود:- ٠١ المدرسة الظاهرية (٤): وهي المدرسة التي أنشأها السلطان الظاهر بيبرس سنة ٦٦٢هـ، وفيها خِزانَةُ كُتُبٍ تشتمل على أمهات الكتب في سائر العلوم، وكان يُدَرّس فيها الفقه الحنفي والشافعي والحديث والقراءات. ٠٢ المدرسة المنصورية (٥): أنشأها السلطان الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي (٦)، ورتّبَ فيها درساً لطوائف الفقهاء الأربعة، ودرساً للطّب، ودرساً للحديث وآخر للتفسير. ٠٣ المدرسة الناصرية (٧): ابتدأ بناءها العادل كتبغا (٨)، وأتمها الناصر محمد بن قلاوون، وإليه نُسبت، فُرِغَ من بنائها سنة ٧٠٣هـ، ورُتّب فيها درساً للمذاهب الأربعة. ٠٤ المدرسة الحجازية (٩): أنشأتها الست الجليلة خوندتتر الحجازية، بنت السلطان محمد بن قلاوون وزوجة بكتمر الحجازي وإليه تُنسب، وقد رَتَّبتْ فيها درساً للفقهاء المالكية وآخر للشافعية، وجعلت فيها خزانة لأمهات الكتب.

стр. 17

٠٥ مدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد (١): شرع في إنشائها سنة ٧٥٨هـ، وهي من أعظم المدارس في ذلك العصر بناءً، وأحسنها هنداماً، وفيها أربع مدارس للمذاهب الأربعة. هذه أهم المدارس في ذلك الوقت، غير أنّه كانت هناك العديد من المدارس قد انتشرت في طول البلاد وعرضها، مثل: الخانقاه البيبرسية (٢)، وخانقاه قوصون (٣)، وخانقاه شيخو (٤)، ومدرسة صرغتمش (٥) والمدرسة الظاهرية الجوانية بدمشق (٦)، والمدرسة القيمرية (٧)، والمدرسة الناصرية الجوانية (٨)، وغيرها الكثير. هذا بالإضافة إلى المدارس التي كانت منتشرة من قبل إبان عهد الدولة الأيوبية، والتي اهتمت اهتماماً بالغاً بإنشاء المدارس (٩). وكان من نتاج هذه النهضة العلمية أن ظهر العديد من العلماء في مختلف العلوم والفنون، حيث كان لهم أثر بارز في مسيرة العلم ونشر الثقافة العربية والإسلامية، ومن هؤلاء العلماء على سبيل المثال (١٠): ٠١ ابن الرفعة: الإمام شيخ الإسلام، نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة المتوفى سنة ٧١٠هـ إمام الشافعية في زمانه، قال عنه التاج السبكي: ((أُقسم بالله يميناً بَرَّةً لو رآه الشافعي لَتَبَجّح بمكانه، وترجَّح عنده على أَقرانه، وترشّح لأن يكون في طبقة مَن عاصَرَه وكان في زمانه.)) (١١)

стр. 18

من مصنفاته: ((المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي))، ((كفاية النبيه في شرح التنبيه))، كتاب في هدم الكنائس سماه ((النفائس في هدم الكنائس)) وغيرها (١). ٠٢ ابن الزملكاني: الإمام العلامة المناظر محمد بن علي بن عبد الواحد كمال الدين بن الزملكاني، شيخ الشافعية في زمانه، انتهت إليه رياسة المذهب تدريساً وإفتاء، ذَكَره الذهبي في المعجم المختص وقال: ((شيخنا قاضي القضاة عَلَمُ العصر ... كان من بقايا المجتهدين ومن أذكياء أهل زمانه، دَرَّس ... وأفتى وتَخَرّج به الأصحاب.)) (٢) له تصانيف نافعة كثيرة، منها: ((شرح منهاج النووي))، ((كتاب في تفضيل البشر على المَلَك))، كتاب في ((الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة))، وغيرها، توفي رحمة الله سنة ٧٢٧هـ (٣) ٠٣ ابن تيمية: الإمام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، العلامة الحنبلي المعروف، ذَكَره الذهبي في معجمه وقال عنه: ((برع في علوم الآثار والسنن ودرّس وأفتى وصنّف التصانيف البديعة، وانفرد بمسائل فَنِيلَ من عرضه لأجلها، وهو بشر له ذنوب وخطأ، ومع هذا فوالله ما قلّت عيني مثله، ولا رأى هو مثل نفسه ولا رأى.)) اهـ (٤) وقال ابن كثير في حقه: ((وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء ممن يخطئ ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة من بحر لُجِّي.)) (٥) من مصنفاته: ((الفتاوى))، ((الصارم المسلول على شاتم الرسول))، ((اقتضاء الصراط ... المستقيم)) وغيرها، توفي ﵀ بدمشق سنة ٧٢٨هـ (٦). ٠٤ الإسنوي: الإمام الفهّامة الأصولي الناقد جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر الإسنوي، شيخ الشافعية في زمانه وفقيههم، وأَكثَرُ أهل زمانه اطلاعاً على كتب المذهب، قال عنه ابن شهبة: ((أَكثَرُ علماء الديار المصرية طَلَبتُه، وكان حَسَن الشكل، حَسَن التصنيف، ليِّنَ الجانب، كثيرَ الإحسان إلى طلبته، ملازماً للإفادة والتصنيف.)) (٧) له المصنفات النافعة المفيدة منها: ((شرح منهاج الوصول للبيضاوي))، ((التنقيح على ... التصحيح))، ((المهمات))، ((التمهيد))، وغيرها، توفي رحمه الله تعالى سنة ٧٧٢هـ (٨).

стр. 19

٠٥ ابن كثير: الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن كثير بن ضَوء بن كثير القرشي الدمشقي، المؤرخ المتفنن والمفسر النقاد، ذَكَره الذهبي في معجمه فقال: ((يدري الفقه، ويفهم العربية والأصول، ويحفظ جملة صالحة من المتون والتفسير والرجال وأحوالهم.)) (١) من مصنفاته المشهورة: ((البداية والنهاية)) وهو في التاريخ، ((التفسير))، ((طبقات ... الشافعية))، ((تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب))، توفي بدمشق سنة ٧٧٤هـ (٢). ٠٦ التفتازاني: الإمام المحقق المتكلم الأصولي النظار سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، عالم النحو والبيان والأصلين والمنطق وغيرها. قال عنه ابن حجر (٣): ((كان قد انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق، بل بسائر الأمصار، لم يكن له نظير في معرفة هذه العلوم، مات ولم يخلف بعده مثله)). من مصنفاته: ((شرح العقائد النسفية))، ((المقاصد)) في أصول الدين، ((شرح الشمسية)) في المنطق، ((شرح تصريف الغزي)) في الصرف، ((التلويح)) في أصول الفقه، وغيرها الكثير. توفي رحمه الله تعالى سنة ٧٩٢هـ (٤). المبحث الثاني اسمه، نسبه، أسرته المطلب الأول: ذِكْر مصادر ترجمته: تعدّ شخصية التاج السبكي شخصية عبقرية فَذَّة، كانت ولا تزال مثار اهتمام العديد من المؤرخين والدارسين، لذا فليس من المستغرب أن تجد كتب التاريخ والطبقات حافلة بذِكْره وذِكْر أخباره وآثاره، وقد استقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب التاريخ والطبقات بحثاً عن التاج السبكي فوجدت له ذِكْراً عند كل من: ? الذهبي (ت ٧٤٨هـ) في المعجم المختص ص ١٠٨. ? الصفدي (ت ٧٦٤هـ) في ((الوافي بالوفيات)) (١٩/ ٣١٥) وفي ((أعيان العصر)) (٣/ ١٣٢، ٤٣٦، ٤٣٧، ٦٥٧ وغيرها). ? الحسيني (ت ٧٦٥هـ) في ((ذيله على العبر)) (٤/ ١٧٧، ٢٠٠). ? ابن رافع (ت ٧٧٢هـ) في ((الوفيات)) (٢/ ٣٦٤). ? ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) في ((البداية النهاية)) (١٤/ ٦٨٨، ٦٩٠، ٧٢٦، ٧٣٥، ٧٤٦، ٧٢٨). ? ابن حبيب (ت ٧٧٩هـ) في ((تذكرة النبيه)) (٣/ ٢١٨). ? ابن العراقي (ت ٨٢٦هـ) في ((ذيله على العبر)) (٢/ ٣٠٣). ? ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢هـ) في ((مجالس في تفسير قوله تعالى:'' لقد منّ الله على ... المؤمنين ... '')) ص ٤٩ - ٥٠. ? المقريزي (ت ٨٤٥هـ) في ((السلوك)) (٤/ ٣٣٧). ? ابن شهبة (ت ٨٥١هـ) في ((تاريخه)) (٣/ ٣٧٢) وفي ((طبقات الشافعية)) (٣/ ١٤٠). ? ابن حجر (ت ٨٥٢هـ) في ((الدرر الكامنة)) (٢/ ٤٢٥). ? ابن تغري بردي (ت ٨٧٤هـ) في ((النجوم الزاهرة)) (١١/ ٨٦) وفي ((المنهل الصافي)) ... (٧/ ٣٨٥) وفي ((الدليل الشافي)) (١/ ٤٣٣). ? السخاوي (ت ٩٠٢هـ) في ((وجيز الكلام)) (١/ ١٢٢، ١٣٠، ١٦٢ - ١٦٣، ١٧٤، ١٧٧). ? السيوطي (ت ٩١١هـ) في ((حسن المحاضرة)) (١/ ٢٨٢). ? النعيمي (ت ٩٢٧هـ) في ((الدارس في تاريخ المدارس)) (١/ ١٨، ٣٧ - ٣٨، ٢٠٠، ٢١٦ ... وغيرها).

стр. 20

ابن طولون (ت ٩٥٣هـ) في ((قضاة دمشق)) ص ١٠٥ وفي ((تاريخ الصالحية)) (٢/ ٣٧١). ? ابن إياس الحنفي في ((بدائع الزهور)) (الجزء الأول، قسم ٢، ص ٩٨). ? طاش كبرى زاده (ت ٩٦٨هـ) في ((مفتاح السعادة)) (١/ ٢٨٥، ٣٤٠). ? ابن هداية الله (ت ١٠١٤هـ) في ((طبقات الشافعية)) ص ٢٣٤. ? حاجي خليفة (ت ١٠٦٧) في ((كشف الظنون)) (١/ ٤٦٧). ? البغدادي () في ((هداية العارفين)) (٥/ ٦٣٩). ? ابن العماد (ت ١٠٨٩هـ) في ((شذرات الذهب)) (٦/ ٤١٩). ? الغزي (ت ١١٦٧هـ) في ((ديوان الإسلام)) (٣/ ٤٥). ? الزبيدي (ت ١٢٠٥هـ) في ((تاج العروس)) (٧/ ١٤١). ? الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ) في ((البدر الطالع)) ص ٤١٥. ? القنوجي (ت ١٣٠٧هـ) في ((أبجد العلوم)) (٢/ ٣٠١). ? الألوسي (ت ١٣١٧هـ) في ((محاكمة الأحمدين)) ص ٢٤. ? الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص ١٠٥ وفي ((فهرس الفهارس)) (٢/ ١٠٣٧). ? الثعالبي (ت ١٣٧٦هـ) في ((الفكر السامي)) (٢/ ٤١١ - ٤١٢). ? المراغي () في ((الفتح المبين)) (٢/ ١٩١ - ١٩٢). ? شعبان اسماعيل في ((أصول الفقه: تاريخه ورجاله)) ص ٣٦٣ - ٣٦٤. ? محمد الصادق حسين في ((البيت السبكي)) ص ١ - ٢٢. ? الزركلي في ((الأعلام)) (٤/ ١٨٤). ? كحالة في معجم المؤلفين (٢/ ٣٤٣) ? شاكر مصطفى في ((تاريخ العرب والمؤرخون)) (٤/ ٨١ - ٨٣). ? السيد عبد العزيز سالم في ((التاريخ والمؤرخون العرب)) ص ١٨١. ? المنجد في ((معجم المؤرخين الدمشقيين)) ص ١٩٩ - ٢٠٢. كما له ذِكْر في: موسوعة طبقات الفقهاء (٨/ ١٢٤، الموسوعة العربية العالمية (١٢/ ١٣٦) والموسوعة العربية الميسرة والموسعة (١/ ٧٩)، وفي دائرة معارف القرن الرابع عشر، القرن العشرين (٥/ ٢٨). المطلب الثاني: اسمه ونسبه . هو الإمام العلامّة قاضي القضاة شَيخُ الإسلامِ ومفتي الأنام، تاجُ الدِّين أبو نَصرٍ عَبدُ الوهّابِ ابن عليٍّ بن عَبد الكافي بن عليٍّ بن تمّام بن سَوّار بن سُلَيمٍ السُّبكيِّ الخَزْرَجيِّ الأنَصْاريِّ، الأشَعريُّ مُعتَقَداً، الشافعيُّ مذهباً، القاهريُّ مولداً، والدمشقيُّ مدفناً (١). فاسمه: عَبدُ الوهّاب. وكنيته: أبو نَصْر. ولقبه: تاجُ الدِّين. ونسبه: أـ السبكي: نسبة إلى قرية ((سُبك العبيد)) (٢)، من قرى المنوفية بمصر، والتي تسمى اليوم بـ ((سبك الأحد)) أو ((سبك الحد)) عند العامّة (٣).

стр. 21

ب ـ الخزرجي الأنصاري: نسبة إلى قبيلة الخزرج من الأنصار، وهذه النسبة قد نقلها تاج الدين السبكي من خط جده عبد الكافي بن علي، وقال: إنّ النسابة شرف الدين الدمياطي (١) كان يكتبها بخطه للشيخ الوالد (٢)، وكان الشعراء يمتدحونه بها، ولم يكن لينكر عليهم (٣). إلا أنّه قد بيّن أنّ والده ما كان ليكتبها لنفسه، وذلك ورعاً منه واحتياطاً أن يكون قد دعا نفسه إلى قوم ليس منهم (٤). مما سبق يتبيّن لي أنّ هذه النسبة صحيحة مقبولة ولو كانت خطأ محضاً لما أقرها تقي الدين السبكي ولا ابنه التاج ولأنكراها وبيّنا ذلك، وأما عدم كتابته لها فهي من باب الاحتياط والورع ليس إلا، وليس نفياً لها البتة. المطلب الثالث: مولده: اختلف المؤرخون والمترجمون للتاج السبكي في سنة مولده على ثلاثة أقوال: الأول: أنّه ولد سنة ٧٢٧ هـ (٥). الثاني: أنّ مولده سنة ٧٢٨ هـ (٦). الثالث: أنّ مولده سنة ٧٢٩ هـ (٧). والذي يترجّح لديّ من هذه الأقوال هو الثاني أنّ مولده سنة ٧٢٨ هـ وذلك للأسباب الآتية: ٠١ أنّ الذهبي وهو شيخ التاج السبكي، وصديق والده، قد نص على أنّ مولده سنة ٧٢٨ هـ، وكونه شيخه وصديق والده يقوي إمكانية سماع هذا التاريخ من التاج نفسه أو من والده، أضف إلى ذلك أنّ التاج السبكي قد ذَكَر ((المعجم المختص)) في مصنفات الذهبي مما يقوي احتمالية اطلاعه عليه، ولو كان الذهبي أخطأ في تاريخ مولده لتعقبه وبيّن أنّه أخطأ فيه. ٠٢ أنّ ابن رافع وهو من معاصري التاج ومن تلامذة والده قد ذَكَر هذا التاريخ أيضاً، وقوله أقرب إلى الصحة لاحتمالية سماعه من شيخه أو من التاج نفسه. ٠٣ إنّ الصلاح الصفدي (٨) وهو من أعز أصدقاء التاج السبكي قد ذَكَر هذا التاريخ أيضاً، ومن الصعب أن يكون الصفدي قد أخطأ في تاريخ مولد صديقه وحميمه رغم ما بينهما من صداقة ومراسلات ومساجلات مشهورة.

стр. 22

٠٤ إنّ الذين ذَكَروا سنة ٧٢٨هـ كما رأيت هم من المعاصرين للتاج السبكي ومنهم شيوخه وأقرانه، في حين الذين ذَكَروا سنة ٧٢٧هـ أو سنة ٧٢٩هـ كلهم متأخِّرون عن عصره وعهده ولم يُدرِك أيّ منهم التاج السبكي، مما يَعني تقديمَ قول المعاصرين عليهم؛ لأنّهم أعلمُ بحاله من غيرهم، كلُّ ذلك يؤكّدُ أنّ مولدَه سنة ٧٢٨هـ، ما في ذلك شك. المطلب الرابع: أسرته تعدّ الأسرة التي منها التاج السبكي أسرةً عريقةً فريدةً من نوعها، إذ أنّ معظم أفراد هذه الأسرة ـ إن لم نقل كلهم ـ علماء أو قضاة أو خطباء أو مدرسون للعلم، قلّما تجد أسرة تمتاز بهذه المِيزة، وسأعرض هنا بصورة موجزة أبرز أفراد أسرة التاج السبكي، فأَذكُرُ منهم (١): والده: الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمّام بن يوسف السبكي الخزرجي الأنصاري، الشيخ الإمام الفقيه المجتهد، المحدث الحافظ، المفسر المقريء، الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الأديب، الحكيم المنطقي الجدلي الخلافي النظار. ذَكَره الذهبي في المعجم المختص وقال عنه: ((القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء ... كان صادقاً متثبتاً خيراً ديناً متواضعاً حَسَنَ السَّمتِ من أوعية العلم يدري الفقهَ ويقرّره، وعلمَ الحديث ويحرّره، والأصولَ ويُقْرِئها، والعربيةَ ويحقّقها ... ، وصنّف التصانيف المتقنة، وقد بقي في زمانه الملحوظَ إليه بالتحقيق والفضل، سمعت منه وسمع مني، وحكم بالشام وحُمِدَت أحكامه والله يُؤيّده ويُسدّده)) (٢) اهـ. له تصانيف فائقة كثيرة تربو على ٢١١ مصنفاً منها (٣): ((الاعتبار ببقاء الجنة والنار))، ((النكت على صحيح البخاري))، ((الابتهاج في شرح المنهاج))، ((ورد العلل في فهم العلل))، ((أحكام كل وما تدل عليه))، وغيرها الكثير الكثير. توفي رحمه الله تعالى في القاهرة سنة ٧٥٦ هـ (٤). إخوته: ٠١ بهاء الدين: الإمام العلامة قاضي القضاة أبو حامد أحمد بن علي السبكي، فقيه أصولي، لغوي نحوي، صاحب فضائل جمة ومناقب كثيرة، قال عنه الذهبي: ((الإمام العلامة المدرس ... له فضائل وعلم جيد، وفيه أدب وتقوى، ساد وهو ابن عشرين سنة، ودرّس في مناصب أبيه وأثنى على دروسه)) (٥) وقال عنه ابن شهبة: ((كان كثير الحج والمجاورة والتعبد والأوراد، كثير المروءة والإحسان)) (٦).

стр. 23

من مصنفاته: ((شرح التلخيص))، ((المناقضات)) في الفقه، وشرح ((قطعة من الحاوي))، ((وقطعة أخرى من مختصر ابن الحاجب))، توفي رحمه الله تعالى بمكة مجاوراً سنة ٧٧٣هـ (١). ٠٢ جمال الدين: الإمام العلامة القاضي أبو الطيب الحسين بن علي بن عبد الكافي السبكي، النحوي الأديب الشاعر الفقيه الأصولي، صاحب عقل وفضل وفهم ونبل (٢)، قال عنه ابن كثير عند ذِكْر وفاته: ((تأسف الناس عليه لسماحة أخلاقه وانجماعه على نفسه، ولا يتعدّى شره غيره، وكان يحكم جيداً، نظيف العرض في ذلك، ... أفتى وتصدر، وكانت لديه فضيلة جيدة بالنحو والفقه والفرائض)) (٣). وقال عنه أخوه التاج السبكي: ((كان من أذكياء العالم، وكان عجباً في استحضار (التسهيل) في النحو، ودرس بالآخرة على (الحاوي الصغير)، وكان عجباً في استحضاره)) (٤). من مصنفاته: جمع كتاباً في من اسمه الحسين بن علي. توفي ﵀ سنة ٧٥٥هـ في حياة والده، ودفن بتربة السبكية بسفح قاسيون (٥). ٠٣ أبو بكر: محمد بن علي السبكي، أكبر أولاد الشيخ تقي الدين السبكي، ولا يوجد بين أيدينا شيء من أخباره إلا ما ورد في طبقات أخيه التاج السبكي، حيث ذَكَره عرضاً في ترجمة والده، مبيّناً أنّ والده قد وجه إليه قصيدة يخاطبه بها ناصحاً له الاهتمام بالعلم ودروسه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وفقه الشافعي الإمام، وأصول الفقه، واتباع طريقة الجنيد في التصوف. وقد توفي قبل أن يُشتَهر ويُعرَف عن حاله شيء (٦). شقيقاته: ٠١ أم محمد: خديجة بنت علي بن عبد الكافي، الشيخة الصالحة، توفيت رحمها الله في ذي القعدة من سنة ٧٧٠هـ، ودفنت بقاسيون في مقبرة السبكية (٧). ٠٢ ست الخطباء: الشيخة الصالحة بنت القاضي علي بن عبد الكافي، حدَّثت بمصر وبحمص وغزة وغيرها، وأُضِرَّتْ في آخر عمرها، وثَقُلَ سمعها، وقد كانت خيِّرة ديِّنة، توفيت رحمها الله تعالى في جمادى الآخرة من سنة ٧٧٣هـ بالقاهرة، ودفنت بمقابر باب النصر (٨). ٠٣ أم الخير: ستيتة بنت علي، محدثة فاضلة، ماتت بالقاهرة سنة ٧٧٦هـ رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جناته (٩).

стр. 24

٠٤ سارة: بنت علي بن عبد الكافي، سمعت من أبيها ومن زينب بنت الكمال (١)، وتزوجها أبو البقاء السبكي (٢)، ولما مات رجعت إلى القاهرة، ثم عادت إلى دمشق فالقدس فالقاهرة، وحدَّثت وسمع منها الكثير منهم ابن حجر العسقلاني، توفيت رحمها الله في القاهرة سنة ٨٠٥هـ، وقد جاوزت التسعين (٣). المبحث الثالث نشأته وطلبه للعلم في ظل هذه الأسرة وهذا البيت وُلِد ونَشَأ تاج الدين وتَرعرَعَ في كَنَف والده الذي رعاه رِعايةً خاصة منذ نعومة أظفاره، وقد كان لنشأة تاج الدين الأولى أكبرَ الأثر في صقل شخصيته العلمية وتوجيهها التوجيه العلمي الصحيح. حيث كان والده الشيخ تقي الدين أوّلَ مُرّبِ ومُعلّمٍ لولده تاج الدين، ولا غرابة في ذلك إذ كان والده قِبلةً للعلماء وطلاب العلم في ذلك الوقت؛ لذا فقد وجّه ولدَه تاج الدين التوجيهَ العلميَّ الرصين والسليم. فأقبل تاج الدين على العلم مبكراً؛ فحفظ القرآن صغيراً، وأخذ عن والده علوم العربية والعقيدة والفقه وأصوله، وغيرها من العلوم التي تَميَّز بها الشيخ تقي الدين (٤). وقد كان لتوجيهات والده أكبر الأثر في تَميُّزه ونبوغه المبكر، فقد كان دائماً ما يُحرّضه على العلم وطلبه، ويُحذّره من الكسل أو التواني فيه، وها هو التاج يُحدّثُنا عن بعض هذه التوجيهات والنصائح فيقول: ((وكان ينهانا عن نوم النصف الثاني من الليل، ويقول لي: يا بني تعود السهر ولو أنّك تلعب، والويل كل الويل لمن يراه نائماً وقد انتصف الليل)) (٥). وهكذا ظل التاج يَنهَلُ العِلمَ من والده ومن غيره من علماء عصره، وطلب بنفسه واشتغل وبَرعَ وحَدّث وأفتى ودرّس؛ حتى فاق كل أقرانه وبَزغَ نَجمُه في حياة والده (٦). المطلب الأول: شيوخه لم يكن الشيخ تقي الدين هو المعلم الوحيد لولده بل قد زَجّ به والده مبكراً في أحضان العلماء ليَنْهلَ من علومهم ويكتسبَ من معارفهم ما يقوي به شخصيته ويُنمّي فكره وثقافته، حيث تتلمذ على مشايخ وجهابذة العلم في زمانه، ففي مصر حيث نشأة التاج الأولى وبدايته العلمية أخذ العلم على يحيى

стр. 25

ابن يوسف المصري (١)، وعبد المحسن بن الصابوني (٢)، والحافظ أبي الفتح بن سيد الناس (٣)، وغيرهم (٤). ولما وَلِي أبوه قضاء الشام سنة ٧٣٩ هـ (٥)، قَدِم التاج دمشق مع والده، وهنالك سمع من جماعة من العلماء وأجازه العديد منهم وأذن له ابن النقيب بالإفتاء، ولما توفي ابن النقيب لم يكن عمر التاج إذ ذاك قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره (٦). وسأعرض فيما يأتي لأهم شيوخه الذين تتلمذ عليهم (٧): ٠١ الذهبي: الإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٦ هـ (٨). قال عنه تلميذه التاج السبكي: ((شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ، مُحدّث العصر ... بَصَرٌ لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظاً، وذَهَبُ العصر معنى ولفظاً، وشيخ الجرح والتعديل والحديث، ورجل الرجال في كل سبيل)) (٩)، وقد أخذ عنه التاج علم التاريخ والجرح والتعديل والحديث ومعرفة أحوال الرجال. ويعدّ الذهبي أستاذه الأول في كل ذلك حيث يقول التاج: ((وهو الذي خَرّجَنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة)) (١٠) اهـ ٠٢ المِزِّي: الإمام الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزَّكي بن عبد الرحمن القُضاعي الدمشقي جمال الدين المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ (١١).

стр. 26

ترجمه التاج فقال عنه: ((شيخنا وأستاذنا وقُدوتُنا ... حافظُ زماننا، وحاملُ راية السنة والجماعة، والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرّع بجلباب الطاعة، إمام الحفاظ ... واحد عصره بالإجماع، وشيخ زمانه الذي تُصغي لما يقول الأسماع)) (١)، وقد قرأ عليه التاج الحديثَ وسمع منه الكثير وبه تخرج في معرفة الرجال (٢). ٠٣ أبو حيان: الإمام النحوي الأديب المفسر، أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن ... حيان، المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (٣). ذَكَره التاج في طبقاته فقال: ((شيخنا وأستاذنا ... شيخ النحاة، العَلَمُ الفَردُ والبحر الذي لم يعرف الجزر بل المد، سيبويه الزمان، والمبرد إذا حمى الوطيسُ بتشاجر الأقران، وإمام النحو الذي لقاصده منه ما يشاء، ولسان العرب الذي لكل سمع لديه إصغاء)) (٤)، وقد أخذ عليه التاج علم النحو وعلوم اللغة وهو أستاذه في النحو بلا منازع. ٠٤ ابن النقيب: الإمام الفقيه شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن النقيب المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (٥). قال عنه التاج: ((شيخنا قاضي القضاة ... وصاحب النووي، وأَعظِم بتلك الصحبة رُتبةً عَليّةً، وله الديانة والفقه والورع الذي طَرَدَ به الشيطانَ وأَرغمَ أنفه، وكان من أساطين المذهب وجمرة نار وذكاء، إلا أنّها لا تتلهب)) (٦)، وقد أخذ عنه التاج الفقه الشافعي، وهو الذي أجازه بالإفتاء ولم يكن سنه قد تجاوز الثامنة عشرة. ٠٥ زينب بنت الكمال: السيدة العذراء مُسنِدة الشام زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسية، المتوفاة سنة ٧٤٠ هـ (٧). قال عنها الذهبي: ((تفرّدَت ورَوَتْ كتباً كباراً)) (٨)، وقال ابن حجر في حقّها مادحاً: ((روت الكثير وتزاحم عليها الطلبة وقرأوا عليها الكتب الكبار)) (٩)، وتاج الدين السبكي من المُكثِرِين بالرواية عنها وخاصة في كتابه الطبقات. المطلب الثاني: تلاميذه لقد أعطى التاج السبكي جُلّ حياته في التدريس والتصنيف والإفتاء، فكَثُرَ طلاب العلم على بابه، وتخرّج على يديه العديد من العلماء، ونظراً لكَثرَة تلاميذه الذين تتلمذوا عليه سأقتصر في هذا المبحث على ذكر الأبرز منهم:

стр. 27

٠١ شمس الدين الغزي: الإمام العلامة القاضي أبو عبد الله محمد بن خلف بن كامل بن عطاء الله الغزي، المتوفى بدمشق سنة ٧٧٠ هـ، والمدفون بتربة السبكيين (١). ذَكَره التاج في طبقاته وقال عنه: ((رفيقي في الطلب)) (٢). وقال عن كتابه الذي جمع فيه مناقب الإمام الرافعي، والذي قد سماه التاج السبكي بـ ((ميدان الفرسان)) وذلك بناءً على طلب من تلميذه الغزي فقال: ((وكان يقرأ عليّ غالب ما يَكتُبُ فيه، ويسألني عما أُشكِلَ عليه، فلي في كتابه هذا كثير من العمل، وبالجملة لعلنا استفدنا منه أَكثَرَ مما استفاد منا.)) (٣) وقال أيضاً: ((استنَبْتُه في الحكم بدمشق، ونزلت له عن تدريس التقويه، ثم تدريس الناصريه)) (٤). وكان الغزي قد قام في محنة التاج السبكي (٥) قياماً عظيماً وحاقَقَ عنه، فجزاه الله خير الجزاء (٦). ٠٢ ابن سند: الإمام العالم الحافظ شمس الدين أبو العباس محمد بن موسى بن محمد بن سند بن تميم اللّخمي، المتوفى سنة ٧٩٠ هـ (٧). صَحِبَ القاضي تاج الدين ولازمه وكان يقرأ عليه تصانيفه في الدروس، كما قرأ عليه السيرة النبوية، وولاه التاج السبكي بعض الوظائف (٨). ٠٣ زين الدين القرشي: الإمام العلامة الفقيه المفسر، زين الدين أبو حفص عمر بن مسلم بن سعيد ابن عمر بن بدر بن مسلم القرشي الملحي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٩٢ هـ (٩). وكان القاضي تاج الدين هو الذي أدخله بين الفقهاء، فلما حصلت له المحنة كان ممن قام عليه (١٠). ٠٤ ابن الشّريشي: الإمام العلامة شرف الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد البكري الوائلي، المتوفى سنة ٧٩٥ هـ (١١). كان ممن لازم القاضي تاج الدين، وحضر حلقاته، وقد استَنابَهُ التاج في الحكم قبل موته بيسير (١٢). ٠٥ شرف الدين الغزي: الإمام العلامة الفقيه، أبو الروح عيسى بن عثمان بن عيسى الغزي المتوفي سنة ٧٩٩ هـ، وكان قد أخذ عن التاج الفقه وأصوله (١٣). ٠٦ ابن الجباب: الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحيم، المتوفى سنة ٨٠٠ هـ (١٤). كان ممن صحب التاج أيام محنته، فقرّبه وأحسن إليه وأدخله بين الفقهاء (١٥).

стр. 28

٠٧ العَيزري: الإمام العلامة شمس الدين محمد بن محمد بن الخضر بن شمّري الزُّبَيري الأسدي العَيزري، المتوفى سنة ٨٠٨ هـ (١). له شرح على ((جمع الجوامع)) سماه ((تشنيف المسامع في شرح جمع الجوامع)). كما له إيرادات على المتن سأل عنها التاج السبكي سماها ((البروق اللوامع فيما أورد على جمع الجوامع))، وقد أجابه التاج السبكي عليها في مؤلف سماه ((منع الموانع عن جمع الجوامع)) (٢). ٠٨ الحمَوي: الإمام الشيخ جلال الدين يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن بن مسعود بن علي بن عبد الله، خطيب المنصورية وشيخ البلاد الشمالية (٣) وعالمها وفقيها، توفي بحماة سنة ٨٠٩ هـ، وقد تخرج على التاج السبكي في الفقه (٤). ٠٩ ابن حَجّي: الإمام العلامة الحافظ المتقن، ذو الخصال الزكية والأخلاق المرضية، وشيخ الشافعية، أحمد بن حَجّي بن أحمد بن سعيد بن غشم بن غزوان، المتوفى سنة ٨١٦ هـ (٥). ١٠ ـ الفيروز آبادي: الإمام العلامة مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم الشيرازي الفيروز آبادي، إمام اللغة في عصره وصاحب ((القاموس المحيط)) توفي بزبيد سنة ٨١٧ هـ (٦). المبحث الرابع علومه لم يُعمّر تاج الدين السبكي طويلاً، فقد عاش ثلاثة وأربعين سنة، ومع قصر مدة حياته إلا أنّه ترك لنا تراثاً ضخماً في كثير من العلوم والمعارف فتاج الدين يعدّ موسوعة علمية متكاملة - إذا ما جاز لي التعبير -، فهو لم يترك علماً من العلوم الشرعية وآلاتها إلا وله فيه يد طولى وسأعرض في هذا المبحث العلوم التي كان يتقنها هذا العالم الفذ، وهي: ٠١ علم الحديث: لقد عُنِيَ التاج بالحديث عناية فائقة سواء رواية أو دراية، فهو يروي لنا الحديث بالأسانيد المتصلة إلى النبي ﵌، ويتحدث على رجالها بالنقد والتعديل، ويتحدث على ألفاظها بالإيضاح والبيان. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل وجدته يقرّر قواعدَ خاصةً في علم الجرح والتعديل ينتقد فيها سابقيه ويبيّن فيها قوله المعتمد في الجرح والتعديل (٧). ومن يطالع مصنفات التاج وخاصة كتاب الطبقات يُدرِكُ بوضوح مكانته العَليّة في هذا العلم ... وحسبه بذلك شهادة شيخ حفاظ الإسلام ابن حجر العسقلاني حيث قال في حقه: ((ومن الطبقات تعرف منزلته في الحديث)) (٨).

стр. 29

٠٢ علم الكلام: إنّ من يطالع مصنفات التاج السبكي، لَيَرى واضحاً اهتمامه بعلم الكلام، فهو مُتكلِّم على طريقة الأشاعرة من أهل السنة، وكتبه زاخِرةٌ بمسائل هذا الفن الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم الأصول الذي كان التاج فيه إمام زمانه، فهو يذَكْرُ المسألة الكلامية مبيّناً ما فيها من مذاهب معقّباً على كل مذهب بما يستحق مع بيان الحق في كل ذلك، وليس أدل على ذلك من أنّه قد ترك لنا مصنفات خاصة بعلم الكلام، وأما كتابه الطبقات فهو مليءٌ وغنيٌّ بمسائل هذا الفن (١). ٠٣ علم المنطق: وأما المنطق فلم يُهمِلهُ التاج قَط، بل له فيه باعٌ طويل، يَظهَرٌ ذلك جليّاً من مطالعتي لشرحه على ((مختصر ابن الحاجب))، حيث ضمّن ابن الحاجب ((مختصره)) بمقدمة منطقية على طريقة الإمام الغزالي وبعض الأصوليين، وترى في شرح التاج له مَقدَرةً وبراعةً في هذا العلم مما يَعدُّه من كبار علماء المنطق (٢). ٠٤ أصول الفقه: وإذا ما جئنا إلى هذا العلم، فقد بلغ به التاج عَنانَ السماء، وخضعت له رقاب العلماء، وفاق كل أقرانه بل فاق أكثَر العلماء، لقد أعطى التاجُ الأصولَ جُلَّ عنايته وعظيم اهتمامه، فتارةً يُدرّسه وأخرى يُؤلّف فيه، ويَستدرِك على من سبقه، ويُناقش من عارضه، وتارةً يقرّر عبارة سابقيه، مقيداً ما أطلقوه ومفسراً لما أجملوه، ومكمّلاً لما قد أغفلوه، وله في هذا الفن قدم راسخة، فهو ينظر إلى الأصول بنظر الناقد البصير، يوضّح مشكلاته، ويحلّ غوامضه، ويجمع شتاته، حتى عُدّتْ مؤلفاته مائدة زاخرة بكل ما لذ وطاب من هذا الفن. وليس أدلُّ على اهتمامه بهذا العلم من تركه ثمانيةَ مصنفات في علم الأصول، قلّما تجد لعالمٍ في فنّ الأصول قد ترك لنا هذا القدر من المصنفات. ٠٥ القواعد الفقهية: اهتم التاج بهذا العلم اهتماماً بالغاً، وله فيه مصنف زاخر يعدّ من أهم المصنفات في الأشباه والنظائر، فقد خرج فيه الفروع على الأصول وجمع شتات هذه الفروع في قواعد عامّة تنتظمها، فأجاد فيه وأجاد. ٠٦ الفقه: يعدّ التاج السبكي فقيهاً متمكناً وناقداً بصيراً، ولا غرابة في ذلك، فقد تربّى في أحضان والده إمامِ الدنيا في عصره، فنهل من علمه واستقى من معارفه، وكتبُه مشحونةٌ بالفتاوى والمسائل المنقولة عنه، وقد جمع قتاوى والده، واختياراته الفقهية في مصنفات خاصّة. وفي كتابه الطبقات يُكثِر من ذِكْر المسائل الفقهية المروية عن الشخصية المترجَم لها وغالباً ما يعقّب عليها، ويختار ما يراه الأصوب منها. ٠٧ التاريخ: وأما التاريخ فحدّث ولا حرج، لقد برع التاج فيه براعة لا مثيل لها، وكان ذو اطّلاع واسع على أخبار الماضين، وأحوال السابقين، وقد أسهم التاج في هذا المجال إسهاماً عظيماً، يُثبتُ أنّه مؤرخ لا نظير له، وتعدّ مؤلفاته في الطبقات من أعظم ما دوّن في هذا المجال، إذ يستوعب فيها جوانب الشخصية المترجَم لها، ويأتي بالعجب العجاب من قصص وغرائب لهذه الشخصيات، قلّما تجده عند غيره من كُتّاب الطبقات.

стр. 30

٠٨ الأدب: إنّ مَن يستقرئ مصنفات التاج السبكي، لَيجدُ فيها رَصانةً في الأسلوب، ودقّةً في التعبير وذوقاً عالياً في انتقاء العبارة والكلمة فهو رجل أديب ذوّاق، وما ذلك إلا نتيجة لصحبته لأديب وفحل زمانه صلاح الدين الصفدي، حيث صحبه منذ صغره وجرت بينهما مراسلات ومساجلات أدبية وشعرية مشهورة، قال التاج السبكي: ((كنت أصحبه منذ كنت دون سن البلوغ، وكان يُكاتِبني وأكاتبه، وبه رَغِبتُ في الأدب)) (١). وقد أتقنَ التاجُ الأدبَ بقسميه: النّثر والشعر، أما النثر فيبرز في كتاباته وخاصة مقدماته في تلك الكتب، كما ويبرز فيما يصف به الشخصيات المترجَم لها في كتابه الطبقات؛ فمن ذلك ما صدّر به ترجمة إمام الحرمين الجويني بقوله: ((هو البحر وعلومه درره الفاخرة، والسماء وفوائده التي أنارت الوجود نجومها الزاهرة يَمَلّ الحديد من الحديد، وذهنه لا يَمَلّ من نصرة الدين فولاذه، وتَكِلّ الأنفس وقلمه يَسِحّ وابل دمعه ورذاذه، ويدجو الليل البهيم ولا ترى بدراً إلا وجهه في محرابه، ولا ناظراً إلا طرفه ناظراً في كتابه ... هذا إلى لفظ غُرَّه سحر، إلا أنّه حِلّ وبِل، ودرّه يتيم، إلا أنّه لا يَذِل، بفصيح كَلِمٍ، قالت النحاة: هذا ما عجز عنه زيد وعمرو وخالد، وبليغ قول قالت البُلَغاء: قصّر عن مداه طريق الفصاحة والتّالد (٢))) (٣) اهـ. وأما الشعر ففيه رقّةٌ وعذوبةٌ وروعةٌ قد لا تجدها عند كبار الشعراء، فمن ذلك ما كتبه إلى صديقه وحميمه الصلاح الصفدي: يا راحلاً بِحَشا الُمقيمِ على الوفا ... ما الطَّرفُ بَعدَكَ مُؤذِناً بِهُجُوعِهِ إن غِبتَ عَنهُ فَما تَغَيَّرَ مِنه إلا ... جِسمُهُ سَقَماً ولَونُ دُموعِهِ والقَلبُ بَيتُ هَواكَ رَاحَ كأنّهُ ... بَيتُ العَروضِيِّينَ مِن تِقطيعِهِ (٤) وقوله أيضاً: ما غَيَّرَ البُعْدُ حالاً كُنتَ تَعرِفُهُ ... ولا تَبَدَّلْتُ بَعدَ الذِّكْرِ نِسيانا ولا ذَكَرْتُ جَليساً كُنتُ آلفُهُ ... إلا جَعَلتُكَ فَوقَ الكُلِّ عُنوانا (٥) (٦) ٠٩ النحو: علم النحو من علوم الآلة التي لا يكون الفقيه فقيهاً ولا الأصولي أصولياً إلا إذا كان ذا قدم راسخة في النحو، والتاج السبكي لم يُهمِل النحو أبداً، فقد قرأ النحو على أبي حيان الأندلسي إمام النحو في عصره بلا منازع، ويكفيه فخراً أنّه تلميذ أبي حيان في ذلك، ومن هنا تُدرِك منزلة التاج في هذا الفن.

стр. 31

ويظهر تَبحُّر التاج في النحو من خلال مطالعتنا لما كتبه في طبقاته وبخاصة عندما ترجم لشيخه أبي حيان وما ذَكَر فيها من مسائل هامّة في النحو، كما أنّه عقد فصلاً خاصاً للنحو في كتابه ((الأشباه والنظائر)) (١) وسماه بـ: ((كلمات نحوية يترتب عليها مسائل فقهية))، وقد أطال النفس في هذا الفصل حيث شغل الصفحات من ٢٠٢ - ٢٥٤ من النسخة المطبوعة. المبحث الخامس آثاره ومصنفاته لقد ترك لنا التاج السبكي ثروة علمية قلّما تجد لها نظيراً؛ فهو - كما بيّنت في المبحث السابق - صاحب يد طولى في كثير من العلوم؛ فكان من الطبيعي أن يخلّف لنا في هذه العلوم مصنفات زاخرة تُنْبِئ عن علمه، وتَشهَد له بالمعرفة وسعة الإطلاع، وسأعرض لهذه المصنفات فيما يأتي: أولاً: مصنفاته في الحديث الشريف وعددها تسعة مصنفات [٩] ١ - جزء على حديث المتبايعين بالخيار، ذَكَره التاج لنفسه في ((الطبقات)) (١٠/ ١٩١) وما يزال هذا الجزء مخطوطاً. ٢ - جزء في الطاعون، نسبه له الصفدي في ((الوافي)) (١٩/ ٣١٦). ٣ - جزء في الأحاديث التي حدّثه بها عمر بن محمد بن عبد الحكم، ذَكَره التاج في ((الطبقات)) (١٠/ ٣٧٣)، والصفدي في ((أعيان العصر)) (٣/ ٦٥٧). ٤ - ذِكْر ما عَسُر استخراجه من أحاديث الشرح الكبير، توجد منه نسخة مخطوطة محفوظة بالمكتبة السليمانية في تركيا تحت رقم ٩٦٧٢. ٥ - ذِكْر ما لم أَقِف على إسناده من أحاديث ((الإحياء))، أورده التاج بِرُمّته في ((الطبقات)) (٦/ ٢٨٧ - ٣٨٩). ٦ - رد على كتاب والده في حديث الاعتكاف، وردت نسبته له في دائرة المعارف للبستاني (٩/ ٤٦٤). ٧ - قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين، ذَكَره في ((الطبقات)) (٢/ ٩)، وهي مطبوعة وحدها بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غده ﵀ سنة ١٣٨٨هـ / ١٩٦٨م بدار الوعي في حلب. ٨ - كتاب الأربعين في الحديث، ذَكَره في ((الطبقات)) (٩/ ١٧١). ٩ - أدعية مأثورة، ذَكَره له طاش كبرى زاده في ((مفتاح السعادة)) (٣/ ١٣٥). ثانياً: مصنفاته في العقائد وعلم الكلام، وعددها أربعة [٤]: ١ - السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور، ذَكَره في ((الطبقات)) (٣/ ٣٨٤)، وفي ((منع الموانع)) ص ٢٥٦، وقد طبع في تركيا بكلية الإلهيات بمرمره سنة ١٩٨٩م. ٢ - قصيدة نونية في العقائد، أورد فيها مسائل الخلاف في أصول الدين بين الأشاعرة والماتريدية، ذَكَرها في ((الطبقات)) (٣/ ٣٧٩). ٣ - قواعد الدين وعمدة الموحدين، توجد منه نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم٨٥٠. ٤ - شرح عقيدة ابن الحاجب، ذَكَره له الزبيدي في ((إتحاف السادة المتقين)) (٢/ ١٤) ونقل عنه بعض العبارات. ثالثاً: مصنفاته في أصول الفقه وعددها ثمانية مصنفات [٨]: ١ - الإبهاج في شرح المنهاج، كمّل فيه ما بدأه والده، وهو مطبوع عدّة طبعات آخرها طبعة عن دار الكتب العلمية. ٢ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، طبع مؤخراً بتحقيق الشيخين علي معوض، وعادل عبد الموجود، عن دار عالم الكتب سنة ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م.

стр. 32

٣ - جمع الجوامع، مطبوع عدّة طبعات ضمن عدد من شروحه، ومطبوع لوحده ضمن ((مجموع مهمات أمهات المتون))، وطبع حديثاً بدار الكتب العلمية سنة. ٤ - منع الموانع عن جمع الجوامع، حقق عدّة مرات كرسائل جامعية، وطبع قديماً في مصر، وطبع مؤخراً بتحقيق الدكتور سعيد الحميري بدار البشائر الإسلامية سنة ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩م. ٥ - التعليقة، ذَكَرها التاج في مقدمة ((رفع الحاجب)) (١/ ٢٣٠) وأشاد بها، كما ذَكَرها في عدّة مواضع أخرى من ((رفع الحاجب)) منها (٤/ ٧٠، ١٦٧، ١٩٢، ٢٠٩)، وكذا في ((منع الموانع)) ص ١٦٣، وهي شرح آخر أوسع وأشمل لمختصر ابن الحاجب، كما يظهر ذلك في مقدمة ((رفع الحاجب)) (١). ٦ - الشرح الكبير، ذَكَره في ((رفع الحاجب)) (٤/ ٤١٠، ٤١٧) وأحال عليه ولم يبيّن لنا ماهية هذا الشرح، ولعله هو نفسه ((التعليقة)) المذكورة آنفاً. ٧ - همع الهوامع في منع الموانع، طبع ضمن مجموعة أخرى في مجلد بمصر، وتوجد منه نسخة محفوظة بالمكتبة الأزهرية تحت رقم [١٤٥٢] ٣٦٠٧٥، انظر: فهرس المكتبة الأزهرية (٢/ ٨٧). ٨ - أجوبة ابن السبكي على أسئلة السيد أحمد الخراساني، وهي الأسئلة التي أجاب عنها التاج السبكي في القسم الثاني من ((منع الموانع)) وتوجد منه نسخة محفوظة بالمكتبة الأزهرية تحت رقم ... [١٤٥١] ٣٦٠٧٤. رابعاً: مصنفاته في الأشباه والنظائر وعددها أربعة مصنفات [٤]: ١ - الأشباه والنظائر في فروع الشافعية، طبع بتحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوض عن دار الكتب العلمية. ٢ - قواعد السبكي، ذَكَره له ابن شهبة في طبقاته (٣/ ٤٣)، ولعله نفسه الأشباه والنظائر. ٣ - تخريج الفروع على الأصول، نسبه له محققا كتاب ((رفع الحاجب)) (١/ ٨٣). ٤ - نواضر النظائر، نسبه له محقق كتاب ترشيح التوشيح ص ٤٢. خامساً: مصنفاته في الفقه، وعددها أحد عشر مصنفاً [١١]: ١ - أرجوزة في الفقه، ذَكَرها السيوطي في كتابه ((الرد على من أخلد إلى الأرض)) ص٢٢. ٢ - أوضح المسالك في المناسك، نسبه له محققا ((رفع الحاجب)) (١/ ٨٥) ومحققا ((تشنيف المسامع)) (١/ ٢٢). ٣ - تبيين الأحكام في تحليل الحائض، نسبه له محققا ((رفع الحاجب)) (١/ ٨٥) ومحققا ((تشنيف المسامع)) (١/ ٢٢). ٤ - ترجيح التصحيح، ذَكَره في كتابه ((ترشيح التوشيح)) ص ٦٥، وذَكَر أنّه عبارة عن منظومة نظمها وهو في السجن، وقد أورد ابن طولون بعض أبياتها في ((القلائد الجوهرية)) (٢/ ٢٧٣). ٥ - ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح، جمع فيه اختيارات والده، وذكره في ((الطبقات))، ... وحُقّق كرسالة جامعية في جامعة عين شمس، ولم يُطَبع بعد. ٦ - التوشيح على التنبيه والمنهاج والتصحيح، ذكره في ((الطبقات)) (١/ ٢٥٨). ٧ - رسالة في حكم اللعب بالشطرنج، ذكرها في ((الطبقات)) (١٠/ ١٩٤). ٨ - رفع المشاجرة في بيع العين المستأجرة، نسبه له محققا ((رفع الحاجب)) (١/ ٨٦). ٩ - شرح المنهاج للنووي، ذكره ابن تغري بردي في ((النجوم الزاهرة)) (١١/ ٨٦) وقد انفرد به، ولعله وَهِمَ فيه. ١٠ - فتاوى السبكي، جمع فيه فتاوى والده، ورتبها على الأبواب، ذكره الكتاني في ((فهرس الفهارس)) (٢/ ١٠٣٧) وهي مطبوعة.

стр. 33

١١ - فتاوى السبكي، غير الأول، ينسب له، ذكره كحالة في ((معجم المؤلفين)) (٦/ ٢٢٦). سادساً: مصنفاته في التاريخ والتراجم، وعددها ستة مصنفات [٦]: ١ - ترجمة والده الشيخ تقي الدين، ذكرها له ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) وتوجد منها نسخة خطية مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٦٣٤. ٢ - طبقات الشافعية الصغرى، ذكرها في ((الطبقات)) (٧/ ١٧٧) وتوجد منها نسخة خطية محفوظة في مكتبة تشستربيتي تحت رقم ٣٧٨٠. ٣ - طبقات الشافعية الكبرى، مطبوعة في عشر مجلدات كبار بتحقيق محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو. ٤ - طبقات الشافعية الوسطى، ذكرها في ((الطبقات)) (٧/ ١٧٧)، (١٠/ ١٩١، ١٩٢)، وتوجد منها نسخة خطية محفوظة في مكتبة تشستربيتي تحت رقم ٤٩٢٢. ٥ - معجم شيوخ التاج السبكي، خرجه له ابن سعد، ومات ولم يتمه، ذكره ابن شهبة في ... ((طبقاته)) (٣/ ١٤٣)، وابن رافع في ((وفياته)) (٢/ ٣٦٣). ٦ - مناقب الشيخ أبي بكر بن قوّام، توجد منه نسخة مصورة في الجامعة الأردنية محفوظة تحت رقم ٢٧٧. سابعاً: مصنفات في أمور مختلفة وعددها ثلاثة عشر مصنفا [١٣] ١. أرجوزة في خصائص النبي ﷺ ومعجزاته، ذكرها في ((الطبقات)) (٩/ ٢٠٥) ٢. أرجوزة في مدح النبي ﷺ ، ذكرها في ((الطبقات)) (١/ ١٨١) ٣. تشحيذ الأذهان على قدر الإمكان في الرد على البيضاوي، ذكره سيد كسروي حسن في ((أسماء كتب الأعلام)) (٣/ ٤٦) ٤. جلب حلب، جواب أسئلة سأله عنها الأذرعي، ذكره ابن طولون في ((القلائد الجوهرية)) (٢/ ٣٧٢)، وابن شهبه في ((طبقاته)) (٣/ ١٤٣) ٥. خطابات موجهة، ورد نسبته في دائرة المعارف الإسلامية (١١/ ٢٦٣) ٦. الدرر اللوامع، غير معروف موضوعه، ورد نسبته في دائرة المعارف الإسلامية (١١/ ٢٦٣) ٧. رفع الحوبة بوضع التوبة، ذكره في ((الطبقات)) (٢/ ٣٢٧) ٨. الروض البهيج، غير معروف، ورد نسبته في المكتبة السليمانية، وتوجد منه نسخة في المكتبة المذكورة مخطوطة محفوظة برقم ٨٥١٧٧ ٩. فائدة في تفسير الكشاف، توجد منه نسخة خطية منسوبة للتاج في المكتبة القادرية ببغداد (٢٥/ ١٤٤٩) ١٠. معيد النعم ومبيد النقم، مطبوع عدة طبعات منها طبعة بتحقيق محمد علي النجار، وأبو زيد شلبي، ومحمد أبو العيون، من مكتبة الخانجي بالقاهرة ط ٣ ١٤١٤هـ ١٩٩٦م ١١. مصنف في محنته في القضاء، ذكره السخاوي في ((الضوء اللامع)) (١/ ١٧٨)، وذكر أنه اطلع عليه بخط التاج نفسه. ١٢. مصنف في المعاياة والألغاز، أورد بعضه في ((الطبقات)) (٩/ ١٣٣ - ١٣٨)، وفي ((معيد النعم)) ص١٠٠، وللسيوطي شرح عليه سماه ((الأجوبة الذكية على الألغاز السبكية)) مطبوع ضمن الحاوي للسيوطي. ١٣. منظومة في الألفاظ الأعجمية في القرآن، ورد نسبته له في دائرة المعارف الإسلامية (١١/ ٢٦٣) ثامناً: كتب نسبت للتاج السبكي خطأً وعددها أربعة مصنفات [٤]: ١. نَسَبَ له غير واحد من العلماء كتاب الحلبيات، وهذا الكتاب ذكره التاج السبكي في مصنفات والده في الطبقات (١٠/ ٣١١) ٢. نُسِبَ له كتاب ((أحاديث رفع اليدين))، ولكن التاج السبكي ذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات والده انظر الطبقات (١٠/ ٣١١)

стр. 34

٣. نُسِب له كتاب ((الدلالة على عموم الرسالة))، وهذا الكتاب لوالده وهو مطبوع ٤. نُسِب له كتاب ((كشف الغمة في ميراث أهل الذمة))، وهو لوالده وقد ذكره التاج في مصنفات والده في الطبقات (١٠/ ٣١٠) المبحث السادس مكانته العلمية والمناصب التي تولاها مما لا شك فيه أنّ المنزلة العلمية والمكانة الاجتماعية المرموقة التي تبوأها والده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي، وتربيته لولده التاج التربية العلمية الرصينة، كل ذلك كان له الأثر البارز في تفوق تاج الدين السبكي ونبوغه المبكر، مما جعله يحتل مكانة رفيعة بين أقرانه ـ الذين فاقهم ـ وعلماء عصره ـ الذين نازعهم ـ فلقد رأينا التاج أُذِن له بالإفتاء ولم يتجاوز سنّه الثامنة عشرة من العمر، كما أنّه بدأ التصنيف وهو في حدود العشرين من عمره، وبزغ نجمه في حياة والده، وقرّت عينه به، ولو أطال الله تعالى له العمر لربما فاق منزلة والده. وليس غريباً أن تجد كتب الطبقات والتراجم مليئةً بالثناء عليه والإشادة بعلمه بنصوص كثيرة من أقوال رفاقه ومعاصريه وكبار أهل العلم في شتى العصور والأزمنة. فالسيوطي يعدّه من الأئمة المجتهدين، ويقول: ((كتب مرة إلى نائب الشام ورقة يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق لا يَقدِرُ أحدٌ يردٌ هذه الكلمة)) وعقّب السيوطي على ذلك بقوله: ... ((وهو مقبول فيما قال عن نفسه)) (١). والشهاب أحمد بن قاسم البوني (٢) يعدّه في منزلة الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، ويقول في حقه: ((الإمام المجمع على جلالة قدره، وتمام بدره بل قيل لو قُدّر إمام خامس مع الأئمة الأربعة لكان ابن السبكي)) (٣). وقال عنه رفيقه الصفدي: ((الإمام العالم الفقيه، المحدث النحوي الناظم ... أفتى ودرّس ونَظَمَ الشعر، وراسلني وراسلته وبالجملة فعلمه كثير على صغر سنّه)) (٤). وقال أيضاً: ((وحصل بهذا الولد النجيب اليأس من القاضي إياس وكونه تقّدم في شبابه على كهول أصحابه، فهذا أصغرُ سنّاً وأكبُر منّا، وقد شهد له العقل والنّقل بأنّه فَتيُّ السنّ كَهْلُ العلم والحلم والعقل، والله يمتّعُ الزّمانَ بفوائده، ويرقّيه في الدين والدنيا إلى درجات والده بمنّه وكرمه)) (٥). ويصفه ولي الدين العراقي بقوله: ((وكان ذكياً عالماً مستحضراً فصيحاً، طَلْقَ العِبارةِ كثيرَ الإحسان إلى الطلبة)) (٦).

стр. 35

والحافظ ابن حجّي يقول فيه: ((حصّل فنوناً من العلم، من الفقه والأصول وكان ماهراً فيه والحديث والأدب، وبرعَ وشاركَ في العربية، وكان له يد في النظم والنثر، جيّدَ البديهةِ، ذا بلاغة وطلاقة لسان، وجرأة جنان، وذكاء مُفرِط، وذهن وقّاد، وكان له قدرةً على المناظرة، وصنف تصانيف عديدة في فنون على صغر سنه وكَثرَة أشغاله، قُرِئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته)) (١). وقال عنه شيخ حفاظ الإسلام ابن حجر العسقلاني: ((أمعن في طلب الحديث، وكتب الأجزاء والطباق مع ملازمة الاشتغال في الفقه والأصول والعربية حتى مَهَرَ وهو شاب، وكان ذا بلاغة وطلاوة لسان، عارفاً بالأمور، وانتشرت تصانيفه في حياته، ورزق فيها السعد)) (٢). وقال عنه ابن تغري بردي: ((قاضي قضاة دمشق وعالمها)) (٣). وقال أيضاً: ((كان إماماً عالماً بارعاً فقيهاً نحوياً أصولياً ... وكان ذكياً صحيح الذهن، وبرع في الفقه وغيره، وأفتى ودرّس)) (٤)، وقال في موضع آخر: ((كان إماماً بارعاً متفنناً في سائر العلوم)) (٥). ووصفه ابن هداية الله بقوله: ((كان فاضل أهل زمانه وناطح أقرانه، شديد الرأي قوي البحث يجادل المخالف في تقرير المذهب ويمتحن الموافق في تحريره، وبرع حتى عُدِم مثله في عصره، يرتحل إليه الطلبة من الآفاق)) (٦). وقد مدحه ابن حبيب بقصيدة بعثها إليه عند قدومه إلى دمشق قاضياً عليها سنة ٧٦٠هـ، بعد أن أقام مدة في القاهرة معزولاً عن القضاء فقال: قَدِمَ الغَمامُ فَمَرْحَباً بِقُدومِهِ ... ومَسَرَّةٍ بِخُصوصِهِ وعُمومِهِ أَهَلاً بِغَيثٍ صَيِّبٍ أَثْرى الثَّرى ... بِنُزولِهِ واخْضَرَّ لَونُ هَشيمِهِ أَهلاً بِغَوثٍ عارِفٍ يَهدي الوَرى ... بِالنُّورِ مِن أَعلائِهِ وعُلْويِّهِ أَهلاً بِأَوْبَةِ حَاكِمِ مُتَثَبِّتٍ ... يَنْفِي عَنِ المَقْهُورِ ظُلْمَ خُصومِهِ ويُؤَيِّدُ الشَّرعَ الذي يَقولُهُ ... ويَكُفُّ عَن ذي الحَقَّ كَفَّ غَريمِهِ تاجُ العُلى مَعْنى الوُجودِ ولَفْظُهُ ... شَرَفُ الأُلى مَعْنى الزَّمانِ كَريمه يُبْدي بُرُودَ الزَّهْرِ مِن مَنْثُورِهِ ... يُسْدي عُقُودَ الدُّرِّ مِن مَنْظومِهِ يَسْمو بِبَيْتِ خَزْرَجيٍّ عامِرِ ... يُبْنَى الحَلالُ على قَواعِدِ خَيْمِهِ بِمَسيرِهِ عَذُبَتْ مِياهُ النِّيلِ مِن ... فُسْطاطِ مِصْرَ وطابَ عُرْْْْْفُ نَسيمِهِ والشّامُ لمّا شامَ بارِقَهُ غَدا ... يَخْتالُ في جَنَّاتِهِ ونَعِيمِهِ والكَونُ أَضْحَى ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً ... بِإيابِ فَيّاضِ النَّوالِ عَمِيمِهِ وبِزَعَفَرانِ الأُفْقِ راحَ مُخَلِّقاً ... والأُفْقُ زُيِّنَ فَرْحَةً بِنُجومِهِ ومنها: قَاضٍ لَهُ لَفْظٌ يَبِينُ الحَقَّ مِن ... مَنْطُوقِهِ الحالي ومِن مَفْهُومِهِ وله التَّصَانيفُ التَّي لِلْفَضْلِ مِن ... أَوراقِها ثَمَرٌ زَها بِكُرومِهِ

стр. 36

وله طَرِيقٌ مُسْتَقيمٌ واضِحٌ ... خَجِلَتْ رِماحُ الخَطِّ مِن تَقْويمِهِ للسُّنَّةِ الغَرَّاءَ والقُصَّادِ ... في أَيّامِهِ عِزٌّ كَعِزِّ حَميمِهِ ولِمَجْلِسِ الحُكْمِ العَزِيزِ بِشَخْصِهِ ... شِمَمٌ تَغَارُ الشُّمُّ مِن تَفْخيمِهِ وفي آخرها: لا زِلْتَ تَعْلو في البَرِيّةِ ما عَلا ... قَدْرُ المَقامِ بِفَضْلِ إِبْراهِيمِهِ (١) وبالإضافة إلى سعة علم التاج الذي قد أثنى عليه وأشاد به علماء عصره ومن بعدهم، كان التاج ـ رحمه الله تعالى ـ متصفاً بالأخلاق الحميدة، فقد كان حسن السّمت، جواداً كريما مهيبا تخضع له رقاب القضاة ومن غيرهم ويخشون جانبه (٢). المناصب التي تولاها: لقد تولى التاج السبكي مناصب عديدة قلّما جمعت مثل هذه المناصب لأحد سواه، قال ابن كثير في ذلك: ((حصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، وانتهت إليه الرياسة بالشام)) (٣). ومن هذه المناصب التي تولاها: أولاً المناصب التعليمية: تولى التاج السبكي مشيخة العديد من المدارس الكبار، التي كانت مشهورة ويؤمها كبار العلماء والطلبة في عصره، فمن هذه المدارس التي تولاها (٤):

стр. 37

مدرسة الحديث الأشرفية (١)، والمدرسة الأمينية (٢)، ومدرسة التقوية (٣)، والدماغية (٤)، والشامية البرانية (٥)، والعادلية الكبرى (٦)، والعذراوية (٧)، والعزيزية (٨)، والغزالية (٩)، والمسرورية (١٠)، ... والناصرية الجوانية (١١).

стр. 38

كما تولى التدريس في عدد من مدارس مصر في الشيخونية (١) وجامع ابن طولون (٢) وجامع الشافعي، وقد كانت دروس التاج السبكي دروسا حافلة بالتحقيقات الرائعة والمسائل الفائقة التي تبهر جل الحاضرين، ويصف لنا ابن كثير صورة درس التاج السبكي الأول في الأمينية فيقول: ((كان درسا حافلا أخذ في تفسير قوله تعالى: '' أَمْ يَحْسُدونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِه '' (٣) فاستنبط أشياء حسنة وذكر ضربا من العلوم بعبارة طلقة جارية معسولة، أخذ ذلك من غير تلعثم ولا تلجلج (٤) ولا تنحنح ولا تكلف، فأجاد وأفاد، وشكره الخاصة والعامة من الحاضرين وغيرهم؛ حتى قال بعض الأكابر إنه لم يسمع درسا مثله قط.)) (٥) هذا وبالإضافة إلى التدريس كان التاج السبكي قد تولى خطابة الجامع الأموي (٦)، بعد وفاة ابن جملة سنة ٧٦٤هـ (٧). ثانياً المناصب الإدارية والقضائية: لم يقتصر عمل الإمام تاج الدين السبكي على التدريس وحسب، بل وجدته قد تولى بعض المناصب الإدارية الهامّة ومنها: ١ - تولية وظيفة موقع الدست (٨) في دار العدل عن نائب الشام أمير علي المارديني سنة ٧٥٤ هـ (٩). ٢ - ناب في الحكم عن أبيه عدّة مرات (١٠). ٣ - تولى مشيخة قاضي قضاة الشام لأكثَر من مرة.

стр. 39

محنته التي واجهها في القضاء: لا شك أنّ المكانة الاجتماعية والعلمية المرموقة التي حازها تاج الدين السبكي، وما تولاه من وظائف إدارية، ومناصب تدريسية عجز كثير من معاصريه عن نيلها أو تحقيق بعضها، كل ذلك أثار حفيظة الحساد والمناوئين له الذين ناصبوه العداوة والبغضاء، ولقد تجلّت هذه العداوة بوضوح عندما تولى التاج السبكي وظيفة القضاء في الشام سنة ٧٥٦ هـ، فبدأ الحاقدون يدسون الدسائس، ويثيرون الشبهات حول الإمام، ويطعنون في تقواه وعدالته، بل تعدّى ذلك إلى الطعن في إسلامه ورميه بالكفر، وكان من نتيجة هذه المحاولات أن صرف التاج السبكي عن القضاء مراراً. الأولى: كانت سنة ٧٥٩ هـ حيث عزل وتوجه إلى مصر ومكث فيها فترة قصيرة ثم أعيد إلى القضاء في نفس هذا العام (١). الثانية: كانت سنة ٧٦٣ هـ حيث عزل مرة أخرى بأخيه بهاء الدين، وتوجه التاج إلى مصر وتولى وظائف أخيه البهاء، واستمر في ذلك حتى عام ٧٦٤ هـ (٢)، حيث روجع التاج في عودته إلى القضاء بالشام إلا أنّه رفض، فروجع في ذلك مراراً حتى وافق وهو كاره لذلك (٣)، وطوال مدة إقامته في مصر تلك الفترة حظي من الإكرام والتعظيم والتبجيل الشيء الكثير، وفي ذلك يقول الحسيني: ((وقد كان أيده الله تعالى في مدة إقامته بمصر على حالة شهيرة من التعظيم والتبجيل، يعتقده الخاص والعامّ ويتبرك بمجالسته ذوو السيوف والأقلام، ويزدحم طلبة فنون العلم على أبوابه، وتمسح العامّة وجوهها بأهداب أثوابه، ويقتدي المتنسكون بما يرونه من آدابه، فالله يمتع ببقائه أهل المصرين، ويجمع له ولمواليه خير الدارين بمحمد وآله)) (٤). وقد كان يوم دخوله دمشق كالعيد لأهلها حيث استقبلته دمشق بالسرور والبشر والفرح العظيم (٥).

стр. 40

الثالثة: وهي الأخيرة وأشدها على التاج السبكي، فقد كانت سنة ٧٦٩ هـ، حيث عزل التاج عن القضاء وعن التدريس وأمر بالقبض عليه، ومصادرة أمواله والختم على بيوته، وقد عقدت له عدّة مجالس بدار النائب في دمشق للكشف عليه بحجة ما رمي به من تهم باطلة، وقد دافع التاج عن نفسه، فأفحم خصومه، وظهر قوله عليهم (١)، غير أنّ الحساد الذين تولوا هذه التهم، وعلى رأسهم ابن الرُّهاوي (٢) ما فتأ يُلحّ في ملاحقة التاج والتنقير عنه، حتى أمر القاضي ابن قاضي الجبل (٣) بحبسه مدة سنة، وبالفعل سجن التاج في قلعة دمشق، واستمر فيها مدة ثمانين يوماً، ثم طُلِبَ إلى القاهرة وهناك عقد له مجلس حضره كبار العلماء، وبيّنوا أنّ ما اتهم به التاج لا يقتضي عزله ولا الحكم بسجنه، وبالفعل أبطل حكم ابن الجبل وأعيد التاج إلى وظائفه مكرماً مبجلاً معظماً وكان ذلك سنة ٧٧٠هـ (٤). هذا ولم يَذْكُر لنا التاج السبكي تفاصيل محنته هذه (٥)، ولكني وجدت له إشارات تدلّ على ذلك فمنها: ما أشار إليه في مقدمة كتابه ((الترشيح))، من أنّه قد نظم أرجوزة في اختيارات والده وهو في السجن حيث قال: ((إنّي كنت قد نظمت وأنا في السجن أرجوزة، ثم قال: ولما كانت تلك الأرجوزة حيث أنا مسجون مهموم، قليل الكتب أو عديمها إنّما تُملى على حافظتي)) (٦). وقد ذكر ابن طولون بعض أبيات هذه الأرجوزة فمنها: الحَمْدُ لله وقَدْ تَنَجَّزا ... نَظْمي هَذا واضِحاً مُرَجَّزا في السِّجْنِ والتَّضْييقِ والتَّرْسيمِ ... أَتْمَمْتُ ما حَرَّرْتُ مِن مَنْظومي ورُبْما أَهْمَلتُ أو غَفِلْتُ ... فالحَبْسُ قد يُنْسي الّذي عَلِمْتُه وليَس عِنْدي كُتُبُ أُطالِعُ ... والحِفْظُ يَألَمُ جُهْدَ ما يُراجِعُ أَسْأَلُ رَبَّ العالمَينَ فَرَجا ... مُعَجَّلاً فَهُو الكَريمُ المُرْتَجى ولَم أَزَل في حَبْسِ قَبْرٍ عُذْرا ... خَمْسينَ يَوماً لا عُدِمْتُ أَجْرا ثم قال: حَتّى نُقِلْتُ بَعْدَهُ لِلْقَلْعَه ... وحَبْسُها مُرُّ ولكن ذُو سَعَه
следующие страницы →