← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 35356

منهج الإمام تاج الدين السبكي في أصول الفقه

أحمد إبراهيم حسن الحسنات

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وله طَرِيقٌ مُسْتَقيمٌ واضِحٌ ... خَجِلَتْ رِماحُ الخَطِّ مِن تَقْويمِهِ للسُّنَّةِ الغَرَّاءَ والقُصَّادِ ... في أَيّامِهِ عِزٌّ كَعِزِّ حَميمِهِ ولِمَجْلِسِ الحُكْمِ العَزِيزِ بِشَخْصِهِ ... شِمَمٌ تَغَارُ الشُّمُّ مِن تَفْخيمِهِ وفي آخرها: لا زِلْتَ تَعْلو في البَرِيّةِ ما عَلا ... قَدْرُ المَقامِ بِفَضْلِ إِبْراهِيمِهِ (١) وبالإضافة إلى سعة علم التاج الذي قد أثنى عليه وأشاد به علماء عصره ومن بعدهم، كان التاج ـ رحمه الله تعالى ـ متصفاً بالأخلاق الحميدة، فقد كان حسن السّمت، جواداً كريما مهيبا تخضع له رقاب القضاة ومن غيرهم ويخشون جانبه (٢). المناصب التي تولاها: لقد تولى التاج السبكي مناصب عديدة قلّما جمعت مثل هذه المناصب لأحد سواه، قال ابن كثير في ذلك: ((حصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، وانتهت إليه الرياسة بالشام)) (٣). ومن هذه المناصب التي تولاها: أولاً المناصب التعليمية: تولى التاج السبكي مشيخة العديد من المدارس الكبار، التي كانت مشهورة ويؤمها كبار العلماء والطلبة في عصره، فمن هذه المدارس التي تولاها (٤):

стр. 37

مدرسة الحديث الأشرفية (١)، والمدرسة الأمينية (٢)، ومدرسة التقوية (٣)، والدماغية (٤)، والشامية البرانية (٥)، والعادلية الكبرى (٦)، والعذراوية (٧)، والعزيزية (٨)، والغزالية (٩)، والمسرورية (١٠)، ... والناصرية الجوانية (١١).

стр. 38

كما تولى التدريس في عدد من مدارس مصر في الشيخونية (١) وجامع ابن طولون (٢) وجامع الشافعي، وقد كانت دروس التاج السبكي دروسا حافلة بالتحقيقات الرائعة والمسائل الفائقة التي تبهر جل الحاضرين، ويصف لنا ابن كثير صورة درس التاج السبكي الأول في الأمينية فيقول: ((كان درسا حافلا أخذ في تفسير قوله تعالى: '' أَمْ يَحْسُدونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِه '' (٣) فاستنبط أشياء حسنة وذكر ضربا من العلوم بعبارة طلقة جارية معسولة، أخذ ذلك من غير تلعثم ولا تلجلج (٤) ولا تنحنح ولا تكلف، فأجاد وأفاد، وشكره الخاصة والعامة من الحاضرين وغيرهم؛ حتى قال بعض الأكابر إنه لم يسمع درسا مثله قط.)) (٥) هذا وبالإضافة إلى التدريس كان التاج السبكي قد تولى خطابة الجامع الأموي (٦)، بعد وفاة ابن جملة سنة ٧٦٤هـ (٧). ثانياً المناصب الإدارية والقضائية: لم يقتصر عمل الإمام تاج الدين السبكي على التدريس وحسب، بل وجدته قد تولى بعض المناصب الإدارية الهامّة ومنها: ١ - تولية وظيفة موقع الدست (٨) في دار العدل عن نائب الشام أمير علي المارديني سنة ٧٥٤ هـ (٩). ٢ - ناب في الحكم عن أبيه عدّة مرات (١٠). ٣ - تولى مشيخة قاضي قضاة الشام لأكثَر من مرة.

стр. 39

محنته التي واجهها في القضاء: لا شك أنّ المكانة الاجتماعية والعلمية المرموقة التي حازها تاج الدين السبكي، وما تولاه من وظائف إدارية، ومناصب تدريسية عجز كثير من معاصريه عن نيلها أو تحقيق بعضها، كل ذلك أثار حفيظة الحساد والمناوئين له الذين ناصبوه العداوة والبغضاء، ولقد تجلّت هذه العداوة بوضوح عندما تولى التاج السبكي وظيفة القضاء في الشام سنة ٧٥٦ هـ، فبدأ الحاقدون يدسون الدسائس، ويثيرون الشبهات حول الإمام، ويطعنون في تقواه وعدالته، بل تعدّى ذلك إلى الطعن في إسلامه ورميه بالكفر، وكان من نتيجة هذه المحاولات أن صرف التاج السبكي عن القضاء مراراً. الأولى: كانت سنة ٧٥٩ هـ حيث عزل وتوجه إلى مصر ومكث فيها فترة قصيرة ثم أعيد إلى القضاء في نفس هذا العام (١). الثانية: كانت سنة ٧٦٣ هـ حيث عزل مرة أخرى بأخيه بهاء الدين، وتوجه التاج إلى مصر وتولى وظائف أخيه البهاء، واستمر في ذلك حتى عام ٧٦٤ هـ (٢)، حيث روجع التاج في عودته إلى القضاء بالشام إلا أنّه رفض، فروجع في ذلك مراراً حتى وافق وهو كاره لذلك (٣)، وطوال مدة إقامته في مصر تلك الفترة حظي من الإكرام والتعظيم والتبجيل الشيء الكثير، وفي ذلك يقول الحسيني: ((وقد كان أيده الله تعالى في مدة إقامته بمصر على حالة شهيرة من التعظيم والتبجيل، يعتقده الخاص والعامّ ويتبرك بمجالسته ذوو السيوف والأقلام، ويزدحم طلبة فنون العلم على أبوابه، وتمسح العامّة وجوهها بأهداب أثوابه، ويقتدي المتنسكون بما يرونه من آدابه، فالله يمتع ببقائه أهل المصرين، ويجمع له ولمواليه خير الدارين بمحمد وآله)) (٤). وقد كان يوم دخوله دمشق كالعيد لأهلها حيث استقبلته دمشق بالسرور والبشر والفرح العظيم (٥).

стр. 40

الثالثة: وهي الأخيرة وأشدها على التاج السبكي، فقد كانت سنة ٧٦٩ هـ، حيث عزل التاج عن القضاء وعن التدريس وأمر بالقبض عليه، ومصادرة أمواله والختم على بيوته، وقد عقدت له عدّة مجالس بدار النائب في دمشق للكشف عليه بحجة ما رمي به من تهم باطلة، وقد دافع التاج عن نفسه، فأفحم خصومه، وظهر قوله عليهم (١)، غير أنّ الحساد الذين تولوا هذه التهم، وعلى رأسهم ابن الرُّهاوي (٢) ما فتأ يُلحّ في ملاحقة التاج والتنقير عنه، حتى أمر القاضي ابن قاضي الجبل (٣) بحبسه مدة سنة، وبالفعل سجن التاج في قلعة دمشق، واستمر فيها مدة ثمانين يوماً، ثم طُلِبَ إلى القاهرة وهناك عقد له مجلس حضره كبار العلماء، وبيّنوا أنّ ما اتهم به التاج لا يقتضي عزله ولا الحكم بسجنه، وبالفعل أبطل حكم ابن الجبل وأعيد التاج إلى وظائفه مكرماً مبجلاً معظماً وكان ذلك سنة ٧٧٠هـ (٤). هذا ولم يَذْكُر لنا التاج السبكي تفاصيل محنته هذه (٥)، ولكني وجدت له إشارات تدلّ على ذلك فمنها: ما أشار إليه في مقدمة كتابه ((الترشيح))، من أنّه قد نظم أرجوزة في اختيارات والده وهو في السجن حيث قال: ((إنّي كنت قد نظمت وأنا في السجن أرجوزة، ثم قال: ولما كانت تلك الأرجوزة حيث أنا مسجون مهموم، قليل الكتب أو عديمها إنّما تُملى على حافظتي)) (٦). وقد ذكر ابن طولون بعض أبيات هذه الأرجوزة فمنها: الحَمْدُ لله وقَدْ تَنَجَّزا ... نَظْمي هَذا واضِحاً مُرَجَّزا في السِّجْنِ والتَّضْييقِ والتَّرْسيمِ ... أَتْمَمْتُ ما حَرَّرْتُ مِن مَنْظومي ورُبْما أَهْمَلتُ أو غَفِلْتُ ... فالحَبْسُ قد يُنْسي الّذي عَلِمْتُه وليَس عِنْدي كُتُبُ أُطالِعُ ... والحِفْظُ يَألَمُ جُهْدَ ما يُراجِعُ أَسْأَلُ رَبَّ العالمَينَ فَرَجا ... مُعَجَّلاً فَهُو الكَريمُ المُرْتَجى ولَم أَزَل في حَبْسِ قَبْرٍ عُذْرا ... خَمْسينَ يَوماً لا عُدِمْتُ أَجْرا ثم قال: حَتّى نُقِلْتُ بَعْدَهُ لِلْقَلْعَه ... وحَبْسُها مُرُّ ولكن ذُو سَعَه

стр. 41

ومَكَرَ الأَعْداءُ مَكْراً ومَكَر ... رَبِّيَ لي مَكْراً عَزِيزاً ونَصَر (١) أسباب هذه المحنة: إنّ المصادر التاريخية التي ترجمت للتاج السبكي، لم تبيّن لنا بوضوح أسباب هذه المحنة، لذا فلا زال الكثير من الغموض يكتنف هذه الواقعة، وها أنا أذْكُر بعض ما قيل من هذه الأسباب: ٠١ ما ذكره ابن حجر وابن شهبة: أنّ سبب هذه المحنة هو وجود وصولات لدى الأوصياء صرفت بها أموال ولم يُعيَّن فيها اسم القابض، فحاول ابن الرهاوي إقناع ناظر الأيتام أن يعترف أنّها وصلت للقاضي تاج الدين فرفض ذلك، فآل الأمر إلى اتهام القاضي بها بسعي ابن الرهاوي (٢). ٠٢ أنّ القاضي تاج الدين لما عقدت له المجالس في دار السعادة، تعلق بحكم لنائبه شمس الدين الغزي في شيء ذكره، فَرُدّ عليه بإبطال حكم الغزي، فقال: إن كان حكم الغزي باطلاً فما بقي إسلام أو فبطل دين الإسلام، فتعلقوا بهذه الكلمة، وحكموا بكفره وفسقه (٣). ٠٣ يرى بعض المحققين أنّ سبب هذه المحنة هو إصرار تاج الدين على أحكام صدرت منه مخالفاً فيها لنائب الشام أمير علي المارديني (٤). ٠٤ ويرى بعضهم أنّ السبب إنّما هو: تأليف تاج الدين لكتاب ((معيد النعم)) الذي انتقد فيه السياسة العامّة والأحوال الاجتماعية في دولة المماليك، مما أثار عليه حفيظة أولي السلطة والمناصب (٥). ٠٥ أنّ سبب هذه المحنة هو مخالفة التاج السبكي لابن تيمية ونقده له في كثير من آرائه وأفكاره، وقد كان في دمشق الكثير من المحبين لابن تيمية والمتعصبين له، مما أثار حفيظة هؤلاء المتعصبين ضده، فحاولوا الإيقاع به بحجة تلك الوصولات، ومما يؤكد ذلك أنّ الذي حكم بسجنه هو ابن قاضي الجبل وهو من تلاميذ ابن تيمية ومن أشهر المتعصبين له (٦). ٠٦ الحسد الذي أعمى الكثير من القلوب وأوغرها ضد التاج السبكي، يؤيد ذلك ما ورد في رسالة التاج إلى رفيقه صلاح الدين الصفدي سنة ٧٦٣ هـ إبّان عزله الثاني، حيث ذكر فيها مبلغ الحسد والمكائد التي كانت تُحاكُ ضده، وبيّن أنّ الله تعالى قد أبطل مكرهم ورفع بين الناس ذِكْره وأعلى منزلته وقدره (٧).

стр. 42

ويؤيده أيضاً: ما جاء في رد الصفدي على رسالة التاج حيث قال: ((ولو لم يكن مولانا في هذا الكمال ما حُسِدَ على ما حازه من غنائم المعالي، ولا ودّتْ النفوس الظالمة أن تَسلُبه ما وهبه الله، وهو أبهى وأبهر من عقود اللآلي، ولا تمالئوا على اهتضام قدره، وكم هذا التمادي في التمالي ... فالحمد لله على النُّصرة ... وما يُغلَق باب إلا ويُفتَح دونه من الخيرات أبواب، وعلى كل حال: أبو نَصْرٍ أبو نَصْر، وعبدُ الوهاب عبدُ الوهاب)) (١) قلت: هذه أهم الأسباب التي ذُكِرت وقيلت حول هذه المحنة، وأرى أنّ الجمع بين هذه الأسباب أمر ممكن، وتكون كلها مجتمعة سبباً لهذه المحنة، بعضها بالمباشرة والأخرى بالتسبب، فأقول: إنّ هناك أسباباً حقيقية لهذه المحنة وأخرى مباشرة، فالسبب الحقيقي لها إنّما هو الحقد والحسد الذي كان بسبب المكانة العلية والمناصب الرفيعة للتاج السبكي، وأما الحقد فبسبب ما انتقده التاج السبكي من أحوال عصره مما يَمَسُّ الساسة والحكام وأصحاب النفوذ، إضافة إلى شدة التعصب المذهبي الذي كان يموج في ذلك العصر الذي دفع بهؤلاء المتعصبين إلى البحث عن قضايا وأسباب يجعلونها طريقاً للوصول إلى أهدافهم والإيقاع بالتاج السبكي، فوجدوا في قضية الوصولات دافعاً لهم لاتهامه والطعن في أمانته، مما دفع إلى عقد المجالس له، والتي أدت إلى مقولته ((فبطل دين الإسلام)) التي حكم بها عليه بالكفر والفسق ومن ثم بالسجن والله أعلم. المبحث السابع عقيدته وتصوفه لقد كان الإمام تاج الدين السبكي يدين الله تعالى بعقيدة أهل السنة والجماعة وعلى طريقة إمام أهل السنة أبي الحسن علي بن إسماعيل بن بشر الأشعري البصري (٢٦٠هـ ـ ٣٢٤هـ) (٢) وعقيدة الشيخ أبي الحسن هي العقيدة التي تلقتها الأمّة سلفاً وخلفاً بالقبول وارتضوها لهم معتقداً، وفي ذلك يقول التاج السبكي: ((وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة، ولله الحمد في العقائد يد واحدة، كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀، لا يَحيد عنها إلا رِعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال، ورِعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبَرّأ الله المالكية فلم نَرَ مالكياً إلا أشعرياً عقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي، التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة)) (٣). وعقيدة الأشاعرة قائمة على أساس التنزيه لله تعالى عن مشابهة الحوادث، والإيمان بكل ما وصف الله تعالى به نفسه من صفات الكمال، ونفي كل ما نفاه عن ذاته العلية من صفات الحوادث والنقص، فالأشاعرة يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ولهم موقف وسط في معمعة متشابه الصفات قائم على أمرين:

стр. 43

أولاهما: أنّه لا يُتَكلّم في معناها؛ بل يقولون يجب علينا أن نُؤمنَ بها، ونَعتقدَ لها معنىً يَليقُ بجلال الله تعالى وعظمته، مع اعتقادنا الجازم أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنّه منزّه عن التجسيم والانتقال والتحيّز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وهذا هو قول أئمة السلف، وأكثر المتقدمين. ثانيهما: أنّها تُأول على ما يليق بها على حسب مواقعها، بما ويتفق مع مقتضى لغة العرب وينسجم مع سياقها في النص، وهو مذهب أكثر المتكلمين ومعظم المتاخرين (١). وقد نظم هذين المذهبين الشيخ إبراهيم اللقاني (٢) في ((جوهرة التوحيد)) وهي من أشهر المتون المعتمدة لدى الأشاعرة فقال: وكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبيها ... أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تَنْزِيها (٣) ويرى الإمام تاج الدين السبكي: أنّ أبا الحسن الأشعري لم يُنْشئ مذهباً ولم يبتدع رأياً، وإنّما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله ﵌، وأنّ الانتساب إلى الأشعري إنّما هو باعتبار أنّه عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسك به، وأقام الحجج والبراهين عليه؛ فصار المقتدى به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعرياً (٤). وعلى ذلك فلا يمكن أن يعد الأشاعرة ضمن المبتدعة، ولا يجوز ذمهم ولا الطعن عليهم، بل الابتداع كل الابتداع في مخالفة نهجهم وطريقتهم، يقول التاج السبكي مؤكداً على ذلك: ((وهذه المذاهب الأربعة ولله الحمد في العقائد يد واحدة إلا من لحق منها بأهل الاعتزال أو التجسيم، وإلا فجمهورها على الحق، يُقِرّون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفاً وخلفاً بالقبول، ويدينون الله برأي شيخ السنة أبي الحسن الأشعري، الذي لم يعارضه إلا مبتدع)) (٥). والإمام تاج الدين السبكي، يصرّح في أكثر من موضع في كتاباته بانتسابه إلى الأشعري عقيدة، وهو كثير الإجلال والتعظيم له، فمن الأدلة على ذلك قوله في حق الشيخ أبي الحسن في ترجمة حافلة له خَرّجَها التاج في الطبقات الكبرى: ((شيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى، ... شيخ طريقة أهل السنة والجماعة، إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين، سعياً يَبْقى أَثَرهُ إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين)) (٦). كما أنّه عقد فصلاً خاصاً في بداية كتابه الطبقات، بيّن فيه مسائل الإيمان والإسلام، وهل يزيد الإيمان وينقص أم لا، مقرراً في ذلك كله معتقد الأشاعرة (٧).

стр. 44

وكذلك ختم مختصره ((جمع الجوامع)) بخاتمة ذَكَر فيها معتقده مبيّناً فيها عقيدة الأشاعرة. وافتتح كتابه ((ترشيح التوشيح)) بمقدمة ذَكَر فيها جملة معتقده، وها أنا أذْكُر لك بعضاً مما ورد فيها ليتبيّن لك صحة ما ادّعَيناهُ عنه، حيث قال: ((فالحمد لله عوداً على بدء، رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، الأول فليس قبله شيء، الباطن فليس دونه شيء، ... الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدد، من زعم أنّ إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود، ومن زعم أنّ الأماكن تحيط به فقد لزمته الحيرة والتخليط، بل هو المحيط بكل مكان مُقدَّس عن الجهات مُنزَّه عن المماسات، رفيع الدرجات ذو العرش، يُلقي الروحَ من أمره على من يشاء من عباده، استوى على العرش الذي قاله بالمعنى الذي قاله لا تُنقِص منه ولا تَزيدَه، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بعظيم قدرته، ولطيف صنعته. القرآن كلامه غير مخلوق، كَلَّم موسى تكليماً بلا جوارح ولا أدوات ولا شفه ولا لَهَوات، سبحانه عن تكييف الصفات)) (١) إلى آخر تلك المقدمة الحافلة التي جمع فيها أهم مسائل الاعتقاد فانظرها. دفاعه عن أئمة الأشاعرة: يعدّ الإمام تاج الدين السبكي، حامل لواء الدفاع عن أهل السنة، وبخاصة الأشاعرة، فتراه يتحيّن الفرص للدفاع عنهم والذب عن أعراضهم فهو في كتابه ((طبقات الشافعية)) ـ والذي يعدّ بحق طبقات للأشاعرة أيضاً ـ بيّن حقيقة ما عليه هؤلاء العلماء، ورد كثيراً مما رُمِي به هؤلاء الأئمة الجِلّة الذين حملوا راية الإسلام، والدفاع عن عقائده تُجاه الملاحدة، وأتباع الفرق الضالة، وجماعة المبتدعة. وكثيراً ما كان التاج يَتعقّب شيخَه الذهبي، الذي يعدّه التاج السبكي كثيرَ الغضِّ من أئمة أهل السنة الأشاعرة، وكثير الوقيعة فيهم (٢)، وقد تتبعه التاج في كثير من المواضع، وكان يردُّ دَعاويه وأقاويله التي فيها غضٌّ من هؤلاء الأعلام، ترى ذلك واضحاً في ترجمة التاج السبكي للإمام الأشعري، وإمام الحرمين الجويني، والإمام فخر الدين الرازي، حيث وجه في هذه التراجم نقداً لاذعاً قوياً لشيخه الذهبي، الذي اعتبره التاج لم يُوفِّ هؤلاء الجهابذة حقهم في تراجمه لهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل وجدت أنّ التاج السبكي يقرّر أنّه لا يحلّ لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتمدَ على أقوال الذهبي في الغضّ عن الأشاعرة فيقول: ((والذهبي أستاذنا، والحق أحق أن يُتّبعَ، لا يحلّ لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتمدَ عليه في الضَّعة من الأشاعرة)) (٣).

стр. 45

تصوفه وموقفه من الصوفية: لم تَذْكُر المصادر التاريخية عن تَصوّف السبكي شيئاً، وليس بين يدي شيء عن صحبته في التصوف أو على من تخرج فيه، غير أنّه من المقرّر المعلوم لديّ أنّ والده الشيخ تقي الدين كان قد صحب في التصوف الشيخ العارف بالله ابن عطاء الله السكندري (١) وعليه تخرج في هذا العلم (٢). والشيخ تقي الدين كان من العلماء العارفين بالله تعالى وقد كان الشيخ تقي الدين أول مربٍّ موجِّه لولده، مما يقوي لديَّ احتمالية أنّ التاج قد أخذ التصوف عن والده وانتسب فيه إليه. وإنّ لدي من النصوص ما تثبت أنّ التاج السبكي كان ذا قدم راسخة في التصوف، فمن ذلك قوله في كتابه ((معيد النعم)) إبّان حديثه عن أسباب زوال النعم: ((وأنا أبحث عن هذه الأمور ... بحثاً مختصراً، لا أرخي فيه عنان الإطناب؛ فإنّه بحر لا ساحل له، لو ركبت فيه الصعب والذلول، وشمرت فيه مساق البيان، وخضت فيه لجج الدقائق، لذَكَرتُ ما يعسر فهمه على أكثر الخلائق، ... ولانتهينا إلى ما لم يُؤذَن لنا في إظهاره من الأسرار العلمية)) (٣). ثم أخذ يتكلم عن الشكر بلسان العارف البصير، وبيّن ما على الإنسان فعله شكراً لربه تعالى، وذكر أسباب زوال النعم، فشخص الداء ووصف له العلاج الناجح، وما هذه العلوم إلا من لب علم التصوف. وقد كان تاج الدين السبكي كثير المحبة والإجلال والتعظيم للصوفية فهو لا يذكرهم إلا بألفاظ التبجيل والتفخيم، فهو يقول عنهم في كتابه: ((معيد النعم)): ((الصوفية: حَيّاهُم الله وبَيَاهُم وجمعنا في الجنة وإياهم)) (٤). ويقول أيضا: ((والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين تُرتَجى الرحمةُ بذكرهم ويُستنزلُ الغيثُ بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنا بهم.)) (٥) وقد حذّر التاج السبكي من الإنكار عليهم والوقوع في أعراضهم، فقال: ((وقد جرّبنا فلم نجد فقيهاً ينكر على الصوفية إلا ويهلكه الله تعالى وتكون عاقبته وخيمة ... إلى أن قال: لأنّ هؤلاء القوم لا يعاملون بالظواهر، ولا يفيد معهم إلا الباطن ومحض الصفاء، وهم أهل الله وخاصته نفعنا الله بهم، وأكثر من يقع فيهم لا يفلح)) (٦).

стр. 46

وأما موقفه مما يَصدُرُ عن الصوفية من ألفاظٍ مُوهمٌ ظاهرها الخروج عن رِبْقَةِ التوحيد فهو موقف معتدل وسط، فهو يرى أنّه ينبغي النظر أولاً إلى لزوم الشخص لأوامر الله تعالى، فإن كان كذلك وجب حسن الظن به ويقول: ((وتلك الأمور قَلَّ أن يفهما من يَعِيبُها، والواجب تسليم أحوال القوم ... إليهم، وإنا لا نؤاخذ أحداً إلا بجريمة ظاهرة ومتى أمكننا تأويل كلامهم وحمله على محمل حسن لا نعدل من ذلك لا سيّما من عرفناه منهم بالخير ولزوم الطريقة، ثم إن بَدَرتْ لفظة من غلطة أو سقطة فإنّها عندنا لا تهدم ما مضى)) (١). واعلم أنّ التصوف الذي يتحدث عنه التاج السبكي، هو التصوف الصافي النقي على طريقة إمام الطائفة الجنيد (٢) رحمه الله تعالى، وأبو القاسم القشيري (٣)، وليس كل من تزيّى بزي الصوفية ونسب نفسه إليهم ممن يسيئون إلى التصوف وأهله الذين يقول فيهم التاج: ((اعلم أنّهم [أي الصوفية] قد تشبه بهم أقوام ليسوا منهم، فأوجب تشبه أولاء بهم سوء الظن، ولعل ذلك من الله تعالى قصداً لخفاء هذه الطائفة التي تؤثر الخمول على الظهور)) (٤). المبحث الثامن مظاهر من شخصيته إنّ من يطالع مصنفات التاج السبكي يرى واضحاً بروز شخصيته المميَّزة، ويستطيع أن يدركَ بعض الجوانب المهمة في شخصية هذا الرجل الفذ، وها أنا اذكر لك بعض هذه الجوانب ومنها: ١ - قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنّ وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أَولى أولويات العلماء العاملين المخلصين، فالعالم الحق لا يسكت على منكر يراه بل تراه يُجنِّد كل طاقاته لمحاربته والكف عنه، ولا يخشى في ذلك لومة لائم. والإمام تاج الدين السبكي طرازٌ فريدٌ من نوعِهِ غير قابل لأن تلينه المؤثرات، وقد كان رحمه الله تعالى سَليطَ اللّسان والبنان في محاربة المنكرات أيا كان نوعها وأيا كان فاعلها، فهو دائماً ما يصحّح ويشدّد النكير إما على عامّي فاسق، أو حاكم مارق، أو عالمٍ أو قاضٍ أو مُفتٍ أو صوفي جاهل.

стр. 47

فمن ذلك نقده لحكام زمانه الذين يكثرون من بناء الجوامع بلا حاجة لها، مع العلم بأنّ تعدّد الجمعة فيها غير جائز عند أكثر العلماء فيقول التاج في حق هؤلاء: ((ولقد رأينا منهم من يَعمُرُ الجوامع ظانّاً أنّ ذلك من أعظم القرب ... فينبغي أن يُفهّمَ هذا الملك أنّ إقامة جمعتين في بلد لا تجوز عند الشافعي وأكثر العلماء؛ فإن قال: قد جوزها قوم منهم قلنا له: إذا فعلت ما هو واجب عليك عند الكل فذاك الوقت إفعل الجائز عند البعض، وأما أنّك ترتكب ما نهى الله عنه وتترك ما أمر به، ثم تريد أن تَعمُرَ الجوامع بأموال الرعايا ليقال: هذا جامع فلان، فلا والله لن يتقبله الله أبداً، وإنّ الله سبحانه طيّب لا يَقبلُ إلا طيباً)) (١). ويقول في موضع آخر منتقداً أحكام الولاة: ((وبعض من طبع الله على قلبه من الولاة يأمر الرجلَ أن يُجّرد، فإذا شرع الجلاد في ضربه قام الوالي للصلاة وأطال ـ سمعت ذلك عن بعض ولاة القاهرة ـ فيستمرُّ المضروب تحت العصي والمقارع ما دام الوالي في الصلاة فقبحه الله، آلله أمره بهذا، وأي صلاة هذه؟!)) (٢). ويقول عن عوائد نظّار الجيش القبيحة: ((أنّهم يقولون هذا شرع الديوان، والديوان لا شرع له، بل الشرع لله تعالى ولرسوله ﷺ ، فهذا الكلام يُنهي إلى الكفر، وإن لم تنشرح النفس لتكفير قائله، فلا أقلَّ من ضربه بالسياط؛ ليكفَّ لسانه عن هذا التعظيم الذي هو في غنىً عنه)) (٣). وبعد أن ذكر جملةً من القبائح والمنكرات التي ينغمس فيها أصحاب الساسة والأمراء قال: ... ((ولكنهم احجتروا (٤) وفعلوا هذه القبائح، وطلبوا من الله تعالى أن ينصرَهم، ومنا أن ندعوَ لهم، ولو أنّهم اتقوا الله حقّ تقاته، لما افتقروا إلى دعائنا)) (٥). هذا وقد استرسل الإمام تاج الدين السبكي في بيان قبائح الولاة والحكام، وبيّن ما يجب عليهم أن يفعلوه، ومن ثم تناول جميع فئات الشعب، مبيّناً لكل فئة ما يجب عليها فعله وما ينبغي عليها الكفَّ عنه، بأسلوب سهل مبسط مقبول، فهو يشدد حيث تعيَّنَ التشديد وبخاصة عند توجيه النقد للحكام والولاة، ويمارس الرفق واللين عند مخاطبته العامّة والدهماء من الناس (٦).

стр. 48

٢ - احترامه لأهل العلم: الإمام تاج الدين السبكي كان كثير الاحترام والتقدير لأهل العلم قاطبة، فقد كان يعرف للعلماء أَقدارَهُم، وينزلهم منازلهم في أعلى المراتب، وكان التاج يرى أنّ منازل العلماء هي من أعلى المنازل، بل لقد وجدته عدّ العلماء أعلى وأرفع من الملوك والأمراء، فهو يقول في مقدمة طبقاته: ((الحمد لله الذي رفع طبقات العلماء على هام الملوك وتاجها، ودفع بألسنتهم من تُرَّهات المبطلين ما لم يدفعه مساجد التقى، ومشاهد الوغى عند عجاج ليلها، وليل عجاجها، وقمع بهم شبهات الملحدين، وما شبهة الملحدين إلا ليل غمة، وكلمة العالم صبح انفراجها)) (١). ولعل أكبر دليل على حب التاج للعلماء، هو إخراجه لكتاب جمع فيه طبقات العلماء الشافعية، فجمع فيه أشتات العلماء وبيّن مراتبهم، وكان رحمه الله تعالى لا يذكرهم إلا بصفات المدح والتبجيل والتفخيم والتعظيم، فهو لا يذكر إلا مناقبهم، ويدافع عنهم، ويَذبّ عن أعراضهم، وينتقد من ينتقدهم. وكان كثيراً ما يَغضّ الطرف عن مثالبهم، وإذا ما بَدَرتْ من أحدهم غلطة أو سقطة كان دائماً حَسَنَ الظَنِّ بهم يَلتمِسُ لهم الأعذار، ويُؤوّل لهم الأقوال، إلا إذا اقتضت الضرورة غير ذلك؛ فإنّه كان ينبّه على بعضها، وذلك لا يوجب نقصاً من أقدارهم، ولا طعناً فيهم؛ بل ليكون طلبة العلم على معرفة بها والحذر منها حتى لا يقعوا فيها. ٣ - اتباعه للحق وإنصافه لخصومه: كان الإمام تاج الدين السبكي كثير التحرّي للحق، وهو يدور مع الحق حيث دار، ولا يمنعه من قبول الحق محاباة لأحد ولا مجاملة لأي كان حتى ولو كان والده، فهو لا يتحرّج من مخالفة والده في مسألة رأى أنّ والده قد جانب الصواب فيها، لذلك وجدته قد عقد فصلاً في آخر كتابه ((الترشيح)) للمسائل التي رجّح فيها خلاف والده ويقول في ذلك: ((وذكرت من معترضاتي على الوالد، وسأذكر في آخر الكتاب أيضاً منه، ليُعلَم أنا إن شاء الله لا نحابي في دين الله أحداً، ولو حابينا لحابينا الوالد)) (٢). وبلغ من شدة تحرّيه الحق في المسائل رحمه الله تعالى، كان أحياناً ما يختلف قوله في المسألة الواحدة في كتبه المختلفة، فتراه في موضع ما يقرّر المسألة بوجه، ثم يرجع في كتاب آخر ويقرّرها بوجه آخر مغايراً له، بل إنّه قد يصرّح بخطئه ويرجع عن قوله ولا يرى في ذلك تحرّجاً، فمن ذلك أنّه صرّح في ((جمع الجوامع)) في مبحث (لو) اختيار كلام والده في عدم كونها امتناعية حيث قال هناك: ... ((والصحيح وفاقاً للشيخ الإمام امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه)) (٣).

стр. 49

ثم رجع عن هذا الرأي في ((منع الموانع)) واختار كونها امتناعية فقال: ((واعلم أنّا كتبنا هذا ونحن نوافق الوالد إذ ذاك على ما رآه، ولذلك عبّرنا عنه بلفظ الصحيح، وأما الذي أراه الآن، وأدعي ارتداد عبارة سيبويه إليه، وإطباق كلام العرب عليه، فهو قول المعرَّبين، وقول الوالد: (إنّه منقوض بما لا قبل له) مما لا يَظهَر لي، ... إلى أن قال: ولكنا هنا نَحيد عنه؛ فإن كان خطأً فمنّا ومن الشيطان، وإن كان صواباً فمن الله وببركته ﵀، فأقول: مدلول (لو) الشرطية: امتناع التالي لامتناع المقدم مطلقاً)) (١). هذا وقد امتاز التاج السبكي رحمه الله تعالى بمِيزة أخرى لا تقلّ أهمية عن كونه وقّافاً مع الحق حيث كان ومع أيّ كان، ألا وهي أنّه كان كثير الإنصاف لخصومه الذين يخالفهم في الرأي، ويوجّه النقدَ لاجتهادهم، فهو مع النقد العلمي الموجّه إليهم إلا أنّه لم يكن لينتقصَ من أقدارهم، أو يهتضم حقوقهم، بل كان ينزلهم منازلهم، ويحفظ لهم مكانتهم رغم مخالفته الشديدة لهم في كثير من أفكارهم. وليس أدل على ذلك من موقف التاج السبكي من شيخه الذهبي، فهو رغم شدة انتقاده له بسبب تحامله على الأشاعرة؛ إلا أنّه ما كان ليذكره إلا بصفات التبجيل والتفخيم والتعظيم. فهو يقول عنه، محدث العصر، ويقول: ((اشتمل عصرنا على أربعة حفاظ بينهم عموم وخصوص: المزي والبرزالي (٢) والذهبي والشيخ الإمام)) (٣). وقد رثاه بقصيدة طويلة أذكر منها: مَن لِلْحَديثِ ولِلسَّارينَ في الطَّلَبِ ... مِن بَعْدِ مَوتِ الإِمامِ الحافِظِ الذَّهَبي مَن لِلرِّوايةِ للأَخْبارِ يَنْشُرُها ... بَيْن البَريَّةِ مِن عُجْمٍ ومِن عَرَبِ مَن لِلدِّرايةِ والآثارِ يِحْفَظُها ... بِالنَّقْدِ مِن وَضْعِ أَهْلِ الغَيِّ والكَذِبِ إلى أن قال: هُو الإِمامُ الّذي رَوَّتْ رِوايَتَه ... وطَبَّقَ الأَرْضَ مِن طُلابِهِ النُّجُبِ مُُهَذَّبُ القَولِ لا عَيٌّ ولَجْلَجَةٌ ... مُثَبَّتُ النَّقْلِ سامي القَصْدِ والحَسَبِ ثَبْتٌ صَدُوقٌ خَبيرٌ حافِظٌ يَقِظٌ ... في النَّقْلِ أَصْدَقُ أَنْباءً مِن الكُتُبِ كَالزُّهْرِ في حَسَبٍ والزَّهر في نَسَبٍ ... والنَّهْرِ في حَدَبِ والدَّهْرِ في رُتَبِ (٤) ٤ - نبذه للتعصب المذهبي: رغم تمذهب التاج السبكي على فقه الإمام الشافعي ﵁، واعتباره مذهبه هو المذهب الحق، وأنّ من عانده فقد عاند الحق، ورغم عظيم حبه للإمام الشافعي، وأتباعه من السادة العلماء الذين دفعه حبه لهم إلى جمع أشتاتهم وتتبع أخبارهم في كتاب خاص بأئمة الفقهاء الشافعية.

стр. 50

رغم كل ذلك إلا أنّي وجدت التاج السبكي رحمه الله تعالى، كان ينبذ التعصب المذهبي والجمود على أقوال الأئمة، بحيث تُجعَل الفروع المروية عن الأئمة أصولاً، بحيث يعادي بعضهم بعضا لأجلها ويُبدّع بعضهم الآخر بسببها، ويرى التاج السبكي أنّ هذا التعصب الممقوت لا يرضى به أحد ولو كان الأئمة الفقهاء أحياء لشددوا النكير على أمثال هؤلاء، ويقول: ((ومنهم من تأخذه في الفروع الحمية لبعض المذاهب ويركب الصعب والذلول في العصبية، وهذا من أسوأ أخلاقه، ولقد رأيت في طوائف المذاهب من يبالغ في التعصب بحيث يمتنع بعضهم من الصلاة خلف بعض إلى غير ذلك مما يُستَقبح ذكره، ويا ويح هؤلاء! أين هم من الله تعالى! ولو كان الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى حَيّين لشددوا النكير على هذه الطائفة)) (١). ويضيف التاج السبكي أنّ على العلماء أن يتجاوزوا هذه الفروع التي للخلاف فيها مدخل وللاجتهاد فيها باب واسع، وكل مجتهد مأجور وإن أخطأ، وعليهم أن يشتغلوا بما هو أهم من ذلك؛ كالرد على أهل البدع والأهواء الذين يُفسِدون على الناس دينهم وعقائدهم، ويقول: ((وليت شعري لم لا تركوا أمر هذه الفروع التي العلماء فيها على قولين، من قائل: كل مجتهد مصيب، وقائل: المصيب واحد، ولكن المخطئ يؤجر، واشتغلوا بالرد على أهل البدع والأهواء. . . ثم قال: فقل لهؤلاء المتعصبين في الفروع وَيْحكم: ذروا التعصب، ودعوا عنكم هذه الأَهْويَة، ودافعوا عن دين الإسلام، وشَمّروا عن ساق الاجتهاد في حَسْمِ مادة من يسبّ الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله ... عنهما)) (٢). ويَعيبُ التاج على هؤلاء الفقهاء الذين شغلوا أنفسهم بالفروع ونسوا أنّ بين ظهرانيهم يعيش أهل الذمة، ولا تجد فقيها يجالس ذمياً يبيّن له هذا الدين ويدعوه إليه فيقول: ((بل هؤلاء أهل الذمة في البلاد الإسلامية تتركونهم هَمَلاً. . . ولا نرى منكم فقيهاً يجلس مع ذمي ساعة واحدة، يبحث معه في أصول الدين. . . إلى أن قال: فيا أيها العلماء في مثل هذا فاجتهدوا، وتعصبوا، وأما تعصبكم في فروع الدين، وحملكم الناس على مذهب واحد؛ فهو الذي لا يقبله الله منكم ولا يحملكم عليه إلا محض التعصب والتحاسد)) (٣).

стр. 51

والمصيبة الكبرى التي يراها التاج السبكي، أن ترى من الفقهاء من يُشدّد النّكير على المسائل الفرعية، ويترك الإنكار على المسائل الأصلية القطعية، فلا تجدهم ينكرون على تارك الصلاة، ولا على كثير من المحرمات المجمع عليها ويضيف: ((فَلَعَمْرُ الله لا أحصي من رأيته يُشمّر عن ساعد الاجتهاد في الإنكار على شافعي يذبح ولا يسمي. . . وهو يرى من العوام ما لا يُحصي عدده إلا الله تعالى يتركون الصلاة التي جزاء من تركها عند الشافعي ومالك وأحمد ضرب العنق، ولا ينكرون عليه، بل لو دخل الواحد منهم بيته لرأى كثيراً من نسائه يتركن الصلاة، وهو ساكت عنهن، فيالله وللمسلمين! أهذا فقيه على الحقيقة! قبح الله مثل هذا الفقيه، ثم ما بالكم تنكرون مثل هذه الفروع، ولا تنكرون المكوس والمحرمات المجمع عليها، ولا تأخذكم الغيرة لله تعالى فيها! وإنّما تأخذكم الغيرة للشافعي، وأبي حنيفة، والمدارس المزخرفة)) (١). وقد كان رحمه الله تعالى، ذا بعد نظر، وفكر ثاقب؛ فهو يريد أن يجتمع العلماء على كلمة واحدة، ولا يريد للأمّة أن تفترق فيما بينها وتذهب هيبتها، فقد كان يدعو العلماء إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف ويرى أنّ افتراق العلماء هو سبب هلاك الأمّة فيقول: ((فيؤدي ذلك إلى افتراق كلمتكم وتَسلّط الجهال عليكم، وسقوط هيبتكم عند العامّة، وقول السفهاء في أعراضكم ما لا ينبغي، فتهلكون السفهاء بكلامهم فيكم؛ لأنّ لحومكم مسمومة على كل حال، لأنّكم علماء، وتهلكون أنفسكم بما ترتكبونه من العظائم)) (٢). رحم الله التاج السبكي؛ فقد وضع يده على الجرح النازف في جسم أمّتنا اليوم، وحريّ بعلماء هذا الزمان - الذين مزقتهم الخلافات كل ممزق - أن يجعلوا من توجيهات التاج السبكي، دستوراً ونبراساً يهتدون به؛ لعلهم يعيدون للأمّة قوتها ومجدها، فقد آن لعلمائنا أن يقفوا صفاً واحداً في مواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بالأمّة، ولا تجد منهم من يحرك ساكناً، ألا فهبّوا أيها العلماء، وكونوا كما أرادكم الله تعالى ورثة للأنبياء. ٥ - اعتداده بنفسه وبمؤلفاته: كان التاج السبكي - رحمه الله تعالى - كثير الاعتزاز بنفسه، فهو يقول عن نفسه: ((وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق لا يقدر أحد يرد عليّ هذه الكلمة)) فانظر إلى مدى هذا الاعتزاز وهذه الثقة بالنفس والتي جعلته يتفوه بمثل هذه الكلمة، في زمن كان العلماء يقفون فيه سداً منيعاً أمام من يدعى الاجتهاد ولم يكن قد تأهل له بعد.

стр. 52

ولا يرى التاج السبكي حرجاً بالتحدث عن مؤلفاته ومزاياها، فهو لا يترك فرصة إلا ويشيد بمؤلفاته ويرفع منها، بعبارات تفوح منها رائحة العزّة والأنَفَة فهو يقول عن كتابه الطبقات: ((ومن نظر كتابي هذا علم كيف كان البدر يغيب وأنا شاهد، وتيقن أنّه وظيفة عمر رجل ناقد؛ فلقد اشتمل على بحر زاخر من غرائب المسائل، وقدر وافر من عجائب الأقوال والأوجه والدلائل وغيث هامع من العلم تتقاصر عنه الأنوا (١)، وغدير جامع تلقى عنده الدلا (٢))) (٣) ويضيف: ((إنّ هذا المجموع شمس عوارف المعارف، وقمر لطائف الظرائف، ونجم سماء العلم، والناس تِلقاءَ حرمه بين عاكف وطائف، من شاهده قال: هكذا هكذا، وإلا فلا لا، ومن أنفق من خزانة علمه لم يخش من ذي العرش إقلالاً، ومن تأمله منصفاَ جبن عن معارضته وأنشد: . .أهابك إجلالا. . .)) (٤) هكذا كان هو التاج، وحُقَّ له أن يعتز بنفسه. ولا ينبغي لمنصف أن يرى في ذلك نقيصة منه، ذلك أنّ التاج بنفسه يؤكد أنّ إشادته بمصنفاته ليس للسمعة والفخر، وإنّما من باب ''وأما بنعمة ربك فحدث'' ويهدف من ذلك إلى تشويق القارئ وحضه على مطالعته. ومع ذلك كان يرجع ويتواضع، فهو فيه عزة وتواضع معاً، فبعد أن يمدح ويستطرد في المدح يقول: ((وأنا مع وصفي هذا الكتاب، ما أبرئ كتابي ولا نفسي من شك ولا ريب، ولا أبيعه بشرط البراءة من كل عيب، ولا أدعي فيه كمال الاستقامّة، ولا أقول: بأنّ الطبقات جمع سلامّة، بل إذا دار في خلدي ذكر هذه الطبقات اعترفت بالقصور، وسألت الله الصفح الجميل عما جرى به القلم، فكم جرى بهذه السطور، وقلم اللوح المحفوظ والكتاب المسطور، ورجوت مسامحة ناظريه، فهم أهلوها، وأملت جميلهم فهم أحسن الناس وجوهاً وأنضرهموها)) (٥). ٦ - صبره وتحمله الأذى: لقد كان للتاج السبكي، الكثير من الحساد والمناوئين الذين يَحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان هؤلاء الحسّاد يَحيكون المؤامرات ضدّه للنيل من عرضه، وقد نجحوا في ذلك، فاضطهد التاج وعزل عن القضاء واتهم بالكفر وسجن (٦). وقد تجلّى صبر التاج السبكي في هذه المحنة في أبهى صورة فقد ظل رحمه الله تعالى، قوياً ثابتاً صابراً محتسباً، فهو لم يَجزَع ولم يتألّم، ولم تَفُتّ هذه المحنة من عزمه، بل ظل على ثقة مطلقة بربّه وأنّ الله سبحانه لن يتركه، ولا بد أنّ فرجه قريب، وظل كذلك حتى فرج الله تعالى عنه، وكشف عنه الغمة، وعاد التاج إلى منصبه معززاً مكرماً.

стр. 53

ولما عاد إلى منصبه؛ عفا وصفح عن كل من أساء إليه؛ فلم يعاقب أحداً بجريرة، ولم يراجع أيّاً منهم في شيء ذكره في حقه إبّان محنته، يقول ابن كثير في ذلك: ((جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله. . . وأبان في أيام محنته عن شجاعة، وقوّة على المناظرة، حتى أفحم خصومه مع كثرتهم ثم لما عاد عفا وصفح عمّن قام عليه)) (١)، ويقول ابن حجر: ((حصل له بسبب القضاء محنة شديدة مرة بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إلى منصبه صفح عن كل من أساء إليه)) (٢). المبحث التاسع وفاته لم يُعمّر شيخنا تاج الدين السبكي طويلاً، فقد وافاه القدر مبكراً، ولم يُمهله كثيراً، إذ توفي رحمه الله تعالى شهيداً بالطاعون عن ثلاثة وأربعين سنة في سابع ذي الحجة من عام ٧٧١هـ (٣). فقد خطب يوم الجمعة ثالث ذي الحجة، ثم طعن يوم السبت واستمر يعاني المرض حتى مساء يوم الثلاثاء السابع من ذي الحجة حيث اختاره الله تعالى إلى جواره شهيداً. وقد كانت جنازته جنازة حافلة حيث صُلّي عليه أكثر من مرة، وحضر نائب السلطنة، وحمل نعشه الأمراء الكبار، وقد شيعه خلائق كثر، ودفن رحمه الله تعالى بمقبرة السبكيين بسفح قاسيون، وقد تأسف الناس لموته كثيراً. وهكذا رحل تاج الدين السبكي، بعد حياة حافلة بالعطاء والصبر والجهاد، وبعد أن خلّف وراءه تراثاً ضخماً كان كفيلاً بأن يُبقي ذِكْره واسمه حياً في نفوس العلماء وطلاب العلم وأهله، فرحم الله التاج السبكي وجزاه الله عن هذه الأمّة خير الجزاء، وجمعنا الله وإياه في دار المقامة مع السعداء، آمين. ويعجبني أن أختم هذا الترجمة ببعض أبيات كان قد راسله بها صديقه الصفدي والتي يقول فيها:- لَكِنْ جَعَلْتَ الشَّامَ بَعْـ ... ـدَكَ كَالجَحيمِ وَكَانَ جَنَّه ودِمَشْقُ بَعْدَكَ قَدْ تَرَدَّ ... تْ ثَوبَ حُزْنٍ فِيهِ دُكْنَه لَم يُسْقَ مَن يَرِدُ البَريـ ... ـصَ (٤) وَلو أَتى أَولادَ جَفْنَه (٥) وكَذاكَ ثَورا (٦) بَعْدَ بُعْـ ... ـدِكَ ما تَسَنّى بَل تَسَنَّه (٧) والجَامِعُ المَعْمورُ كَا ... دَ تُزَعْزِعُ الأَشْواقُ رُكْنَه والقُبَّةُ الشَّمَّاءُ لَيـ ... ـسَ بِجَوِّها لِلنَّسْرِ قُنَّه كانَتْ بِهِ الأَعْطافُ وهِـ ... ـيَ مَوائِدٌ يَمْلأْنَ صَحْنَه والآنَ أَقْفَرَ وَحْشَةً ... وأَسالَ مِنْهُ السَّقْفُ دُهْنَه ودُموعُهُ فَوّارَةٌ ... قَدْ قَرَّحَتْ بِالفَيضِ جَفْنَه

стр. 54

وغَدَتْ قِسِيَّ قَناطِرٍ ... فيهِ مِن البَرْحاءِ (١) مُزْنَه ولَكَمْ نُفُوسٍ مِن نُفُو ... سٍ مِتْنَ حِينَ أَكَلَّ مَتْنَه لَمْ يَبْقَ إِلا زَورَةٌ ... لِتُزيلَ لَمَّا غِبْتَ غَبْنَه مَولايَ يا قاضي القُضا ... ةِ ومَن عَوارِفُهُ شَهَرْنَه ومُقيلَ عَثْرَةِ كُلِّ مَن ... قَلَبَ الزَّمانُ لَهُ مِجَنَّه (٢) ومُبَلِّغَ الآمالِ ظَمْآنا ... تَشَوَّقَ ما مَجَنَّه (٣) أنا عِنْدَ غَيرِكَ في الوَرَى ... مِمَّنْ عَوارِفُهُ أَضَعْنَه إنَّ الشُّجاعَ بِلَحْمِهِ ... سَمْحٌ إذا لَمْ يَرْضَ جُبْنَه فَاسْلَمْ ودُمْ في نِعْمَةٍ ... ما زَانَ زَهْرُ الرَّوضِ حَزْنَه (٤) (٥) وقال أيضاً: تَغايَرَتْ الأَقْطارُ فيكَ فَواحِدٌ ... لِفَقْدِكَ يَبْكي إذْ لِقُرْبِكَ يَبْسُمُ وكُلُّ مَكانٍ أَنْتَ فيهِ مُبارَكٌ ... وفي كُلَّ يَومٍ فِيهِ عيدٌ ومَوسِمُ ولا شَكَّ في أنَّ الدِّيارَ كأَهْلِها ... كَما قِيلَ تَشْقَى بِالزَّمانِ وتَنّعَمُ (٦)

стр. 55

الفصل الثاني مؤلفاته في أصول الفقه وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: الإبهاج في شرح المنهاج المبحث الثاني: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب المبحث الثالث: جمع الجوامع المبحث الرابع: منع الموانع عن جمع الجوامع

стр. 56

الفصل الثاني مؤلفاته في أصول الفقه لقد اهتمّ تاج الدين السبكي بعلم الأصول اهتماماً بالغاً؛ لذلك فقد تنوّعت أشكال تصنيفه فيه، فوُجدت له مجموعةٌ من المصنّفات الأصولية منها ما هو شَرْحٌ وتقريرٌ لكلام السّابقين، حيث تجلّى ذلك بوضوح في تَصدِّيه لشَرْح أهم متْنين في أصول المتكلمين هما: ((منهاج الوصول)) للقاضي البيضاوي، و ((مختصر المنتهى)) لابن الحاجب. كما أنّه وضعَ لنفسه مَتْناً خاصّاً في علم الأصول أَوْدعَ فيه زُبدة ما في شرحَيه وخُلاصة فِكْره ونَظَره وأسماه: ((جمع الجوامع)) ومن ثمّ وضع عليه مصنفاً ردّ فيه ما وُجّه إليه من اعتراضات وانتقادات ووسمه بـ: ((منع الموانع عن جمع الجوامع)). وسأعرض في هذا الفصل لهذه المصنفات مبيّناً أهميتها ومصادر كل مصّنف منها. المبحث الأول الإبهاج في شرح المنهاج ((الإبهاج في شرح المنهاج)) هو أقدم المصنفات الأصولية للتاج السبكي، وقد وَضعه التاجُ أيامَ شبابه وهو في حدود الخامسة والعشرين من العمر، وكان والده الشيخ تقي الدين قد ابتدأ هذا الشرح لما وَجد ولده أبا حامد بهاء الدين قد شَرعَ في قراءة ((منهاج البيضاوي))، فأحبّ أن يَضع له شرحاً لينتفع به ولده وغيره من المشتغلين بأصول الفقه، وقد أخذ تسميته من قول الشاعر ذي الرِّمَّة (١): تَزدادُ للعَيْنِ إبهاجاً إذا سَفَرتْ ... ومَخْدَجُ العَين فيها يَلْتَفِتُ (٢) ووَجْهُ تسميته بذلك أنّه شبّه ((المنهاج)) بالحسناء إذا رفعت النقّاب عن وجهها، فإنّها تَزدادُ جمالاً ورونقاً وتَبْهرُ العيونَ بها، فكذلك ((المنهاج)) فإن حلّ ألفاظه وغوامضه يزيد الناظر فيه نفعاً ومعرفة. وقد شرع الشيخُ تقي الدين في شرح ((المنهاج)) من بدايته حتى وصل إلى قول البيضاوي: ((المسألة الرابعة: وجوب الشيء مطلقاً يوجب وجوب ما لا يتمُّ إلا به وكان مقدوراً))، فوضع عليه قِطعةً من الشرح ثمّ أعرض عنه صَفْحاً (٣)؛ فشرع التاج السبكي في وضع شرح عليه يتمم ما بدأه والده فبدأ بشرحه من مقدمة الواجب حيث انتهى والده حتى أتمّه كله في حياة والده وذلك سنة ٧٥٢ هـ (٤)، في حين توفي والده سنة ٧٥٦ هـ. ومن هنا يُعلَمُ خطأُ من ظنّ أنّ الشيخَ تقي الدين لم يُتمّ شرح ((المنهاج)) بسبب الوفاة، كصاحب كتاب البيضاوي وأثره في أصول الفقه، حيث ذكر أنّ التَّقي السبكي قد عاجلته المنيّة قبل إتمام الشرح وهذا خلاف ما صرّح به التاج السبكي نفسه وما دوّنه من تاريخ الانتهاء من تصنيفه، وأزيد على ذلك أنّ الكاتب المذكور قد ناقض نفسه حيث ذكر أنّ التاج انتهى من تصنيفه سنة ٧٥٢ هـ، وذكر وفاة والده سنة ٧٥٦ هـ (٥). هذا وقد امتاز شرح الشيخ تقي الدين بالإسهاب والتطويل في كثير من المباحث، كما امتاز بدقة العبارة والتدقيق في كثير من المباحث الكلامية مما جعل هذا الشرح صعباً ومغلقاً على كثير من طلبة العلم.

стр. 57

المطلب الأول: التعريف بمنهاج الوصول . من المعلوم المقرَّر أنّ المتأخرين من العلماء عامّةً والأصوليين خاصّةً قد اهتمّوا بالمتون والمختصرات اهتماماً بالغاً، وقد مالوا إلى الإكثار منها، حيث وجدنا أكثر أولئك العلماء وضع لنفسه متْناً خاصاً أو اختصر كتاباً كانت له المكانةُ الرفيعة، والقيمةُ العلمية الرَّصينة، حيث جُمِع في هذه المختصرات زُبدة طريقة المتكلمين، ومن ثمّ اقتصر الدور على من بعدَهم على حلّ ألفاظ هذه المتون ... وبيان معانيها ومراميها. هذا ويُعَدّ كتاب ((منهاج الوصول إلى علم الأصول)) لمؤلفه القاضي ناصر الدين البيضاوي المتوفى سنة٦٨٥ هـ من أحد أهم المختصرات والمتون في هذا العلم على طريقة المتكلمين؛ وذلك لأنّه قد جمع زُبدة هذا الفن في مختصر دقيق العبارة كثير النفع والفائدة. يَتّضح ذلك من خلال إلقاء نظرة سريعة على تاريخ هذه الطريقة وأهم المصنفات فيها لتَعرف منزلة ((المنهاج)) من بينها فأقول: إنّ أهمّ ما صُنّف على طريقة المتكلمين ـ والتي تعدّ أركان هذه الطريقة ـ أربع مصنفات كان مدار جميع الأصوليين فيما بعد عليها ألا وهي (١): ١ - كتاب العُمَد أو العهد للقاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥ هـ (٢). ٢ - المعتمد شرح العُمَد لأبي الحسين البصري المعتزلي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ (٣). ٣ - البرهان لإمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني الأشعري المتوفى سنة ٤٧٨ هـ. ٤ - المستصفى لحجّة الإسلام الغزالي، الأشعري، تلميذ الجويني، المتوفى سنة ٥٠٥ هـ. ثُمّ جاء بعد ذلك الإمام المحقق الكبير فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ؛ فجمع ما في هذه المصنفات الأربعة مع بعض زيادات وتحقيقات وتدقيقات وتنقيحات في كتابه العظيم ... ((المحصول في علم أصول الفقه)) (٤). فجاء شاملاً لكل ما قيل في هذا الفن مع ما تميّز به الإمام الرازي من حُسْن سَبكٍ للعبارة والإكثار من إيراد الأدلة والاحتجاج، ولم يكن الإمام الرازي مجرّد ناقل فقط بل كان ناقداً بصيراً ومدققاً فاحصاً، وله مؤاخذاتٌ وملاحظاتٌ على كتب سابقيه مما يدلّ على تَبَحُّره في هذا العلم وإحاطته بمسائله، وبذلك استحقّ الإمام الرازي أن يكون إمامَ الأصوليين بلا منازع، وكتابه ((المحصول)) الممثل الحقيقي والنهج الواضح لطريقة المتكلمين (٥).

стр. 58

وقد تَلقّى العلماء فيما بعد كتاب ((المحصول)) بالقبول واشتهر أمره وارتفع بين الناس ذِكْره، فأكبَّ العلماءُ عليه إما شرحاً أو تعليقاً أو اختصاراً؛ فكان ممن اختصره الإمام تاج الدين الأرْموي (١) في كتابه ((الحاصل)) وكذلك فعل سراج الدين الأرْموي (٢) في كتابه ((التحصيل)) (٣). وظَلّ هذان الكتابان مدار الأصوليين حتى جاء القاضي ناصر الدين البيضاوي؛ فأخذ زُبدة ما في هذين الكتابين مع بعض زيادات عليهما من أصلهما ((المحصول)) – وإن كان أكثر اعتماده في الأخذ على كتاب الحاصل – في كتابه ((منهاج الوصول إلى علم الأصول)) (٤). وبذلك يكون ((منهاج الوصول)) جامعاً بحقٍّ لزُبدة فنّ الأصول وهو الكتاب الذي به اكتمل عِقدُ مدرسة الإمام الرازي، وقد لَقي ((المنهاج)) القبول لدى علماء الأصول المتأخرين وجعلوه أساس اعتمادهم، وبقي ((المنهاج)) من أوائل الكتب المعتمدة في الأصول حتى عصرنا الحاضر. ومما يدل على اهتمام العلماء به كثرة الشروح والحواشي عليه فقد تصدّى لشرح ((المنهاج)) أكابر الأصوليين من العلماء المحققين، حيث بلغت الشروح عليه حوالي أربعة وثلاثين شرحاً، وعليه ست حواش، ونظمه خمسة من العلماء، هذا كله بالإضافة إلى كثرة العلماء الذين اهتمّوا بتخريج أحاديثه (٥)، وإليك أهم هذه الشروح: ١ - شرح القاضي البيضاوي، فقد وضع البيضاوي شرحاً على ((منهاجه))، وهو أول شرح ((للمنهاج))، وللأسف فهو من الشروح المفقودة (٦). ٢ - شرح مجد الدين الأيكي الشيرازي (٧)، وهو أول شرح بعد شرح البيضاوي، وقد حُقّق هذا الشرح كرسالة علمية في الأزهر سنة ١٩٧٩ هـ (٨).

стр. 59

٣ - شرح الجَزَري (١) المسمى بـ: ((معراج المنهاج))، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور شعبان إسماعيل. ٤ - شرح العَبْري (٢): حَقّق هذا الشرح كلٌّ من الدكتور حمد حمدي الصاعدي من أوله إلى آخر باب الأوامر والنواهي وحصل به على درجة الدكتوراه سنة ١٤٠٦هـ من الجامعة الإسلامية، وحَقّق القسم الباقي منه الدكتور سلامه ضويعن الأحمدي وحصل به على درجة الدكتوراه سنة ١٤٠٧هـ من الجامعة الإسلامية أيضاً (٣). ٥ - شرح الجارَبَرْدي (٤) المسمى بـ: ((السراج الوهاج))، حَقّق هذا الشرح الدكتور أكرم أوزيقان كرسالة جامعية للحصول على درجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية سنة ١٤٠٩هـ، وطبع الكتاب سنة ١٤١٨هـ ١٩٩٨م ٦ - شرح الأصْفَهاني (٥)، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور عبد الكريم النملة. ٧ - شرح الإسنَوي المسمى بـ: ((نهاية السول)) مطبوع بتحقيق شعبان إسماعيل. ولمزيد من المعلومات عن هذه الشروح انظر رسالة الدكتور جلال الدين عبد الرحمن المعنونة بـ: ((القاضي ناصر الدين البيضاوي وأثره في أصول الفقه)) فقد استوعب ذكر هذه الشروح مع بيان المطبوع منها والمخطوط. المطلب الثاني: أهمية شرح ابن السبكي للمنهاج ومميزاته . يعدّ ((الإبهاج في شرح المنهاج))، من أوسع الشروح التي وضعت على ((المنهاج)) ـ في حدود علمي واطلاعي ـ حيث تجد في ((الإبهاج)) نوعاً من الإسهاب والإطالة في كثير من المواضع - مقارنة بغيره من الشروح ـ وبخاصة المواضعَ التي لم يتعرّض لها غيره، وقد وضّح لنا التاج منهجه في ذلك فقال: ((وأنا من عادتي في هذا الشرح الإطناب فيما لا يوجد في غيره، ولا يُتَلقّى إلا منه بَحْثٌ مُختَرع أو نقل غريب أو غير ذلك، والاختصارُ في المشهور في الكتب إذ لا فائدة في التطويل فيما سبقنا مَن هم سادتنا وكبراؤنا إلى جمعه، وهل ذلك إلا مجرُّد جَمعٍ من كتب متفرقة لا يَصدُق اسم المصنِّف على فاعله)) (٦). هذا ويعدّ ((الإبهاج)) من أهم شروح ((المنهاج)) وذلك للأسباب الآتية:

стр. 60

١ - لقد أخذ ((الإبهاج)) أهميته من أهمية أصله: ((المنهاج))، ((فالمنهاج)) كما بيَّنتُ هو من أهم المتون الأصولية المعتمدة، وهذه الأهمية بذاتها انعكست على شروح ((المنهاج)) ومن بينها شرح ابن السبكي. ٢ - إنّ ابن السبكي كان ضليعاً في علمَي المنطق والكلام؛ مما أعطاه مقدرةً واسعةً على تحليل كلام البيضاوي، وذِكر ما وُجّه إليه من اعتراضات وردِّها بالطرق المنطقية والكلامية. ٣ - إنّ ابن السبكي كان مطلعاً على شروح ((المنهاج)) السابقة، ولهذا كان يُكثِر من تعقُّبها والنّقل عنها مما جعل كتابه هذا شاملاً وجامعاً لكل ما قيل عن ((المنهاج)) قبله. ٤ - إنّ ابن السبكي كان ذا اطلاع واسع على كتب الأصوليين وعلى أقوالهم؛ لهذا وجدناه يُكثر من النقل عنهم والاحتجاج بهم، ومنها مصنفات مفقودة لم يُعثر عليها، وبذلك فقد حَفظ لنا التاج السبكي كثيراً من الآراء الأصولية التي قد لا تجدها عند أحد سواه. وبالإضافة إلى ذلك فقد امتاز ((الإبهاج)) بعدّة مميزات، أذكر منها: ١ - استخدام أسلوب المحاورة في الشرح: لقد نهج التاج السبكي في شرحه هذا منهج المحاورة (فإن قلتَ ... قلتُ أو قلنا ... )، فهو يذكر المسألة بشكل حِواريّ، ويذكر الاعتراضات ويردها بهذا النهج أيضا، وهذا الأسلوب يُعطي القارئَ قُدرةً على المضيّ قُدُماً في توضيح المسألة شيئاً فشيئاً، إضافة إلى ما يمتاز به هذا الأسلوب من التشويق وعدم الملل منه، وهذا المنهج واضح جَليٌّ في أغلب مباحث الكتاب. ٢ - المقارنة بين نسخ ((المنهاج)) وإثبات ما بينها من اختلافات: لقد كان الإمام تاج الدين مطلعاً على أكثر من نسخة ((للمنهاج))، لذا تجده يُثبِت ما بين هذه النسخ من اختلافات، فمن ذلك قوله عند قول البيضاوي في بيان أدلة حجية الإجماع: ((الثالث: قال ﵊ لا تجتمع أمتي على خطأ ... )) (١)، قال التاج السبكي معقِّباً: ((هذا الدليل ساقط في كثير من النسخ؛ ولذلك لا تجده مشروحاً في بعض الشروح)) (٢). ٣ - المقارنة بين ((المنهاج)) وأصوله: لقد امتاز التاج السبكي في هذا الشرح بعقد المقارنات بين عبارة ((المنهاج)) وأصوله المأخوذ منها: ((المحصول)) و ((الحاصل))، فهو في كثير من الأحيان يذكر إمّا موافقة البيضاوي لأصوله أو مخالفته لهم، فمن ذلك قوله عند الحديث على تخصيص مفهوم المخالفة: ((وقد شَرَطَ المصنف تَبَعاً لصاحب ((الحاصل)) في هذا القسم أن يكون المخصِّص راجحاً، وهو شرطٌ لم يذكره الإمام)) (٣)، فبيَّن التاج هنا موافقة البيضاوي لصاحب الحاصل ومخالفته للإمام الرازي. ومنه قوله في باب التعادل والتراجيح في الباب الثاني: ((عرّف الترجيحَ بأنّه تقويةُ إحدى الأمارتين على الأخرى ليُعمل بها أي: بالأمارة التي قَويت، وهو مأخوذ من الإمام إلا أنّ الإمام أبدل الأمارتين بالطريقتين، وما فعله المصنف أصرّح بالمقصود، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين والإمام قال: ليُعلم الأقوى فيُعمل به، وحذف المصنف لفظة العلم وهو حسن، إذ يُكتفى بالظن ... بالترجيح)) (٤).

стр. 61

٤ - الاهتمام بتحرير مواضع النزاع: أكثرَ التاج السبكي في شرح ((المنهاج)) من توضيح محل النزاع في المسائل الأصولية المختلف فيها، فهو لا يمرُّ بمسألة فيها خلاف إلا بيّنه وبين النقطة التي وقع فيها الخلاف تحديداً وذلك ببيان مواضع الاتفاق والاختلاف، ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مباحث الحكم في مسألة التكليف بالمحال: ((ما لا يَقْدرُ العبدُ عليه قد يكون معجوزاً عنه متعذِّراً عادةً لا عقلاُ كالطيران في الهواء، وقد يكون متعذِّراً عقلاً ممكناً عادةً كمن علِم اللهُ تعالى أنّه لا يؤمن؛ فإنّ إيمانه مستحيل والحالة هذه عقلاً؛ لتعلُّق علْم الله به، وإذا سُئل ذوو العوائد عنه حكموا بأنّ الإيمان في إمكانه، وهكذا كل طاعة قُدّر في الأزل عدمها، وقد يكون متعذِّراً عادةً وعقلاً كالجمع بين السواد والبياض، إذا عرفت هذا فمحل النزاع في التكليف بالمستحيل إنّما هو المتعذِّر عادةً سواءً أكان معه التعذّر العقلي أم لا، أما المتعذر عقلاً فقط لتعلُّق علم الله به فأطبق العلماء عليه، وقد ... كلّف الله الثقلين أجمعين بالإيمان مع قوله: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولَو حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين) (١))) (٢) ٥ - استيعاب المسألة وجمع كل ما قيل فيها: امتاز التاج السبكي في هذا الشرح أنّه كان يُلمّ بالمسألة من كل جوانبها؛ فيُورد كل ما ذكر فيها من الأقوال، ويذكر الأدلة والاعتراضات عليها وردِّها إن اقتضى الأمر. فمن ذلك ما دوّنه التاج السبكي شارحاً به قول البيضاوي: ((وجوب الشيء يستلزم حرمة ... نقيضه ... )) (٣). قال التاج السبكي: ((هذه هي المسألة المعروفة بأنّ الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟)) (٤)، ثمّ حرر موضع النزاع فيها، وذكر ما ورد فيها من أقوال، ثمّ عقب ذلك بأدلة كل فريق ومن ثمّ قال: ((واعلم أنّه قد تردد كلام الأصوليين في المراد من الأمر المذكور في هذه المسألة، هل هو النفساني؟ فيكون الأمر النفساني نهياً عن الضد نهياً نفسانياً، أو اللساني فيكون النهي عن الأضداد بطريق الالتزام)) (٥)، ثمّ تكلم في الأمر النفسي وبين ما فيه من أقوال، وبعدها تكلم في اللساني كذلك، ثمّ قال: ((هذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة، وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه)) (٦). ثم ختم المسألة بذكر فوائد خمسة (٧) ليكون بذلك قد أتى بالمسألة على أتمّ وجه، فلم يدع شاردة ولا واردة إلا وأتى بها. ٦ - كثرة استدراكه على البيضاوي وذِكرُ أقوالٍ أخرى غير التي في المتن: لم يكن التاج السبكي مقرراً لما في متن ((المنهاج)) فحسب، بل وجدتُه كثيرَ الاستدراك على البيضاوي في المسائل التي أغفلها، فكان يُنَبّه عليها ويذكر أقوالاً أخرى غير التي أوردها البيضاوي، ومن ذلك:

стр. 62

قوله بعد شرح تنقيح المناط عند البيضاوي: ((فائدة: قد اقتصر المصنف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط، ونحن لا نَطيب قلباً بإخلاء هذا الشرح عن الكلام فيهما ليَحصُل التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط)) (١). ومنها قوله بعد أن ذكر شروط الفرع في القياس: ((وقد أهمل المصنف من شروط الفرع كون حكمه مماثلاً لحكم الأصل)) (٢). ومن المواضع التي ذكر فيها أقوال أخرى غير التي في المتن، قوله بعد شرح قول البيضاوي في المخصَّص: ((المخصَّص بمعيّن حجة، ومنعها عيسى بن أبان، وأبو ثور وفَصَّل الكرخي)) (٣)، قال التاج معقّباً: ((واقتصر ـ المصنف ـ على حكاية هذه الثلاثة)) (٤). ثمّ أضاف إليها ثلاثة أقوال أخرى، فقال: ((والرابع: إنّ التخصيصَ إن كان قد منع تعلُّق الحكم بالاسم وأوجب تعلُّقه بشرط لا يُنْبئ عنه الظاهر لم يجز التعلُّق به ... والخامس: أنّ العام المخصوص إن كان بحيث لو تركناه وظاهره من غير بيان التخصيص؛ لكنّا نمتثل ما أريد هنا، ونضم إليه شيئاً آخر لم يرد هنا ... وإن كان العام بحيث لو تركناه وظاهره من غير بيان التخصيص؛ لم يمكننا أن نمتثل ما أريد منا لم يجز التمسك به ... والسادس: أنّه يجوز التمسك به في أقل الجمع ولا يجوز فيما زاد عليه.)) (٥) ٧ - إيراد المناقشات على المتن وتوجيه النقد إلى البيضاوي: مما امتاز به التاج السبكي في هذا الشرح هو كثرة مناقشاته لمتن ((المنهاج))، وكان كثير النقد للبيضاوي، مما يبين أنّ له شخصيته الأصولية المستقلة، والتي لم تمنعه من نقد البيضاوي، ومن ذلك: قوله بعد شرح قول البيضاوي في باب تقسيم الألفاظ: ((عَلَم إن استقلَّ، ومُضْمر إن لم يستقل)) (٦). قال التاج معقّباً: ((هذا شرح ما أورده، وفيه مناقشات من وجوه: أحدها: أنّ هذا التقسيم كلّه في الاسم، وقد قَدّم أنّ الاسم هو الذي يستقل، فكيف يٌقَسِّم ما يستقل إلى ما لا يستقل؟!. الثاني: أنّ عدم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة وغيرها، وليست مضمرات. الثالث: أنّ عدم الاستقلال قد جعله أولا رسماً للحرف، فإن أراد بالاستقلال ذلك فالاعتراض لائح، وإن أراد غيره فليُبَيِّنَه. الرابع: أنّه أهمل في تقسيم الكلي إلى اسم جنس ومُشتَقٍّ ذِكْر عَلَم الجنس. الخامس: أنّه جعل المضمر من أقسام الجزئي.)) (٧)

стр. 63

وقوله معقِّباً على قول البيضاوي في تعريف الأمر: ((أنّه حقيقة في القول الطالب للفعل)) (١)، قال: ((قوله الطالب فصل يخرج به الخبر وشبهه، وقوله للفعل فصل ثان يخرج به النهي، إذ هو طالب للترك، وهذا مدخول من جهة أنّ النهي طلب فعل أيضاً، ولكن فعلٌ هو كفٌّ، فلو قال: فعلُ غير كف كما فعل ابن الحاجب لسلم من هذا الاعتراض، ويعترض عليه أيضاً بقول القائل: أوجبت عليك كذا وأنا طالب منك كذا، فإنّه يصدق عليه التعريف مع كونه خبراً، فكان ينبغي أن يقول بالذات كما فعل في تقسيم الألفاظ)) (٢) غير أن ّالتاج السبكي كان في ذلك كله موضوعياً ومنصفاً، فلم يمنعه نقده للبيضاوي من إبداء محاسنه في هذا المصنف، فكان يبين وجه حسن قوله في المواضع التي ارتآه فيها محسناً، فمن ذلك: قوله مادحاً له في اختياره تعريف الشرط بأنّه ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده، قال: ((وإنّما قال وجوده ولم يقل ذاته كما فعل الإمام لئلا يرد على طرده العلّة التامة. . . إلى أن قال: فافهم ذلك فهو من محاسن المصنف.)) (٣) ٨ - ختمه المسائل بذكر فوائد عامة ويكثر من إيراد الفروع الفقهية المبنية على المسألة الأصولية: امتاز التاج السبكي في شرحه هذا بأنّه كان كثيراً ما يختم المسألة بذكر بعض الفوائد العامة التي يَحسُن التنبيه عليها مما له علاقة بموضوع المسألة المطروحة، كما أنّه يعقب المسألة بذكر بعض الفروع الفقهية المبنية عليها مقرراً فيها مذهب الإمام الشافعي ﵁، فمن النوع الأول: قوله بعد شرح مسألة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ونختم الكلام في المسألة بفوائد ... وذكر خمسة فوائد منها قوله: ((الثانية: قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهياً عن ضده للزم أن يكون الأمر للتكرار وللفور، لأنّ النهي كذلك، وأجاب القرافي: بأنّ القاعدة أنّ أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية)) (٤). وأما الفروع الفقهية فكثيرة جداً، وقد أسهب التاج السبكي فيها في كثير من المواضع، منها: قوله في باب المشترك: ((يضاهي الخلاف الأصولي في حمل المشترك على معنييه في الفقه أمور منها: لو وقف على مواليه وله مَوال من أعلى ومَوال من أسفل، فأوجهٌ: أرجحها عند الغزالي بطلانه، وهو منقدح على رأي من يمنع استعمال المشترك في معنييه. الثاني: يصح، ويصرف إلى الموالي من أعلى. والثالث: يصح، ويقسم بينهم، وهو الأصح عند الشيخ أبي اسحق وشيخه القاضي أبي الطيب وفقاً لقاعدة الشافعي. والرابع: يصرف إلى الموالي من أسفل لاطراد العادة بالإحسان إلى العتقاء. والخامس: الوقف إلى حين يصطلحوا، وهو متجه على رأي من يُجوِّز الاستعمال ويمنع الحمل، قال: ووجه مضاهاة هذا الفرع للمسألة التي انتهينا منها: أنّ لفظ الموالي مشترك بين الموالي من أعلى والموالي من أسفل)) (٥)

стр. 64

٩ - التنبيه على فوائد الخلاف: الخلاف الأصولي إما أن يكون لفظياً بحيث لا يترتب عليه شيء، وإنّما هو من باب زيادة التدقيق والتحقيق، وهذا من تأثير علم الكلام، وإما أن يكون أصلياً متجذراً بحيث يكون له أثر عملي، والإمام تاج الدين كان يوضح في أكثر المسائل الأصولية فائدة الخلاف فيها إن كان الخلاف حقيقياً وليس لفظياً، فمن ذلك: قوله في مسألة إذا نسخ الوجوب بقي الجواز بعد أن ذكر خلاف الغزالي فيها: ((ويظهر فائدة الخلاف فيما إذا كان الحال قبل الوجوب تحريماً، فعند الغزالي الفعل الآن يعود محرماً كما كان، وعند القوم أنّ مطلق الجواز الذي كان داخلاً في ضمن الوجوب باق يصادم ما دل على التحريم، فَوَضُح أنّ الخلاف معنوي.)) (١) هذه أهم الميزات التي امتاز بها شرح التاج السبكي ((للمنهاج)) والتي جعلت ((الإبهاج)) في مقدمة شروح ((المنهاج)) التي عليها الاعتماد وإن كان ((الإبهاج)) لم يَلقَ من الشهرة ما لقيه شرح معاصره الإسنوي، فذلك لأنّ شرح الإسنوي كان مقرراً لطلاب الدراسات الشرعية في الأزهر بخلاف ((الإبهاج))، هذا بالإضافة إلى طول شرح التاج وغزارة مسائله في الكتاب، بخلاف شرح الإسنوي فهو أولاً شرح مختصر وثانياً كان أكثر تركيزه على بيان المسألة المطروحة دون الزيادة عليها والله تعالى أعلم. ملاحظات على ((الإبهاج)) رغم كثرة الميزات التي امتاز بها شرح التاج السبكي ((للمنهاج)) إلا أنّه ـ شأنه شأن كل ما يصدر من البشر ـ توجد عليه بعض الملاحظات التي لا تقلل من أهميته شيئاً، ومنها: ١ - أنّه لم يلتزم منهجاً واحداً في عرض المسائل المطروحة؛ إذ وجدته مرة يبدأ ببيان المسألة وتفصيلها ومن ثمّ يُعرّج على شرح كلام صاحب المتن، وأحياناً أخرى يعكس الأمر فيشرح المتن ثمّ يعرّج ويزيد المسألة توضيحاً وبياناً، انظر على سبيل المثال الصفحات التالية (٣/ ٢٦، ٩١، ١١٦). ٢ - ذكره مسائل لا علاقة لها بالشرح؛ فكثيراً ما كان التاج السبكي يذكر فوائد وغرائب في نهاية المسألة مع أنّها لا علاقة لها بموضوع الشرح، انظر مثال ذلك في الصفحات التالية (٢/ ١٧٣، ٢٢٢، ٢٣٧، ٣٥٣). ٣ - مما يؤخذ عليه أيضاً كثرة إيراد الاعتراضات ومناقشتها، وأحياناً يذكر بعض الاعتراضات ولا يردُّها؛ مما جعل في هذا الشرح صعوبة يحتاج الناظر فيه إلى مزيد نظر وتدبر لتفهمه وحل ألفاظه. ٤ - إنّ التاج السبكي لم يُبَيّن لنا في كثير من المواضع رأيه في المسائل المختلف فيها في هذا الشرح؛ وإن كان قد نبه على بعضها، غير أنّ السمة البارزة عليه هي أنّه كان شارحاً ولم يكن ذابّاً عن آرائه وأفكاره، لذلك لا يستطيع الباحث معرفة رأي ابن السبكي من خلال هذا الشرح إلا بعد التأمل فيه جيداً. المطلب الثالث: مصادر التاج السبكي في كتابه ((الإبهاج)) . من المعلوم المقرَّر أنّ قيمة أيِّ مصنَّفٍ ما إنّما تنبعُ من غنى هذا المصنَّف بالمصادر التي اعتمد عليها، ومن قيمة هذه المصادر العلمية إذ كلما كانت المصادر وفيرةً وذات قيمة علمية بحيث تكون من المصادر الأصيلة في ذلك الفن انعكس ذلك على قيمة هذا التصنيف.

стр. 65

والإمامُ تاج الدين السبكي؛ كان ذا اطلاع واسع على كل ما كتب في الأصول ممن سبقوه، لذلك وجدت مصنفه ((الإبهاج)) غنياً بأقوال العلماء والنقل عنهم من مصنفاتهم الأصليَّة، وبذلك فقد حفظ لنا التاج السبكي كثيراً من الآراء والنقول التي قد لا تجدها عند أحد سواه، حيث نقل لنا عن كتب ومؤلفات لا زالت مخطوطة حتى اليوم، ومنها ما هو مفقود لم يُعثَر عليه بعد. وسأعرض في هذا المبحث لأهم المصادر التي اعتمد عليها التاج السبكي في كتابه ((الإبهاج)) ... وذلك من خلال ذكر العلماء الذين تأثر بهم ونقل عنهم وأهم مصادرهم في ذلك مرتبةً ترتيباً تنازلياً بحسب كثرة النقول عنها: أولاً: المصادر الأصولية: كانت المصادر الأصولية هي المقدَّمة في النقل عنها، ولا غرابة في ذلك؛ ((فالإبهاج)) هو كتاب أصولي بالدرجة الأولى، وأهم هذه المصادر: ١ - الإمام فخر الدين الرازي: يعدّ الإمامُ فخرُ الدين الرازي في مقدمة العلماء الذين نقل عنهم التاج السبكي في كتابه ((الإبهاج))، فقد أكثرَ التاجُ السبكي من ذكر الإمام والنقل عنه، حتى لا تكاد تخلو صفحةٌ واحدةٌ من ذكرٍ للإمام الرازي، والذي غالباً ما يذكره التاجُ السبكي بلفظ (الإمام)، فحيثما أَطلق لفظَ الإمام انصرف إلى الرازي، وقد بلغ عدد المواضع التي ذكر فيها الإمامَ الرازي مصرّحاً به حوالي أربعمئة وخمس عشرة مرة (٤١٥)، وخاصةً في النقل من كتابه ((المحصول)) و ((المنتخب)) ... و ((المعالم)) وغيرها من مصنفات الإمام. وإنّ هذا العدد الكبير في النقل عن الإمام ليجعلنا نقفُ وَقْفةً لنبحثَ عن السبب في ذلك، ولا يَلُوحُ لديَّ في الإجابة عن هذا التساؤل إلا أمران: الأول: أنّ ((المنهاج)) هو أحد مختصرات ((المحصول)) للرازي، وقد سار به مصنفه على طريقة الرازي في التصنيف، ومن الطبيعيّ أن يَلجأ شرّاحُ ((المنهاج)) ـ ومن بينهم التاج السبكي ـ إلى الإمام الرازي لحلِّ عبارات ((المنهاج))، إذ هو الأقدَرُ على ذلك؛ لأنّه هو الأصل له. الثاني: هذا يدلُّنا دلالةً واضحةً على أنّ التاج السبكي متأثرٌ جداً بالإمام الرازي، وأنّ السبكي إنّما هو تلميذٌ منْتَمٍ ومخلصٌ لمدرسة الإمام الرازي الأصولية. ٢ - القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣هـ: يأتي القاضي أبو بكر الباقلاني في المرتبة الثانية من مصادر ((الإبهاج))، فقد تكرر ذكر القاضي الباقلاني والنقل عنه في ((الإبهاج)) حوالي مئة وتسع وثمانين مرة (١٨٩)، وغالباً ما يشير إليه بلفظ (القاضي)، فحيثما أطلق القاضي انصرف إلى الباقلاني. ٣ - إمام الحرمين الجويني: الإمام تاج الدين السبكي كان كثيرَ الإجلال والاحترام بل والتعظيم لإمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني، لذلك وجدته كثير النقل عنه وبخاصة من كتاب ((البرهان)) و ((التلخيص)) و ((الأساليب))، حيث تكرر النقلُ عن إمام الحرمين في حوالي مئة وخمسين موضعاً ... (١٥٠) في أكثر هذه المواضع كان التاج السبكيُّ فيها موافقاً، وليس ذلك بمستغرب، فإمام الحرمين يعدّ من أساطين الأصوليين، وكتابه ((البرهان)) من أركان طريقة المتكلمين، ولا يمكن لأي أصولي الاستغناء عن أفكاره وآرائه.

стр. 66

٤ - الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة ٦٣١هـ: بالرغم من أنّ التاج السبكي من المنتمين لمدرسة الإمام الرازي ومن العلماء الذين انتهجوا طريقته في التصنيف، إلا أنّه لم يُغفِل ذِكْر آراء الإمام سيف الدين الآمدي الذي انتهج طريقة مغايرة نوعاً ما لطريقة الإمام الرازي، حيث يعتبر الإمام الآمدي صاحب مدرسة أصولية مستقلة ولها أتباع ينتهجونها (١)، وقد كان الآمدي من مصادر شرح ((الإبهاج)) الشهيرة وخاصة في كتابه ((الإحكام في أصول الأحكام))، فقد تكرر النقلُ عن الآمدي وذِكْره في حوالي مئة ... وثمانية وثلاثين موضعاً (١٣٨). ٥ - الإمام الغزالي: لا يكاد يخلو أي كتاب أصولي من ذكر للإمام الغزالي وذكر آرائه الأصولية وبخاصة في كتابه ((المستصفى)) الذي يعدّ من أعظم ما أُلّف في أصول الفقه، لذا فقد أكثر التاجُ السبكي من النقل عنه وذكر آرائه حيث بلغت المواضع التي صرّح باسمه فيها حوالي مئة وأحد عشر موضعاً ... (١١١)، أكثرها في النقل عنه من كتاب ((المستصفى))، ومنها ما هو نقلٌ عن كتبه الأخرى ... كـ ((المنخول)) و ((أساس القياس)). ٦ - صفي الدين الهندي (٢): لقد صرّح التاج السبكي بالنقل عن الشيخ صفي الدين الهندي في حوالي اثنين وتسعين موضعاً (٩٢) وذلك بالنقل من كتابيه ((النهاية)) و ((الفائق))، وأغلب هذه المواضع التي تمّ ذكره فيها كان يذكره التاج في رد الاعتراضات والإيرادات التي تُوجَّه على المسألة أو الدليل المطروح، ذلك أنّ الشيخ صفي الدين كان محققاً بارعاً في حل الإشكالات ورد الاعتراضات. ٧ - الإمام الشافعي: التاج السبكي أصوليٌّ على طريقة المتكلمين والتي تسمى بطريقة الشافعية أيضاً، وكان التاج السبكي يهتمُّ بإبراز حقيقة المذهب الشافعي على وجه الخصوص في المسائل الأصولية؛ لذا فقد كان الإمام الشافعي من مصادر التاج الأصلية والغنية في ذلك، فكان ينقل عن الإمام الشافعي ويصرّح باسمه في كثير من المواضع حتى بلغت حوالي ثمانية وسبعين موضعاً (٧٨)، أكثرُها من كتاب ((الرسالة)) التي تُعدّ أول مؤلَّف في أصول الفقه. ٨ - الشيخ أبو اسحق الشيرازي (٣): صرّح التاج السبكي بالنقل عن الشيخ أبي اسحق الشيرازي في حوالي اثنين وسبعين موضعاً (٧٢)، وأكثرَ التاج النقل عنه من كتابه ((اللمع)) وشرحه أيضاً. ٩ - ابن الحاجب: نقل التاج السبكي عن ابن الحاجب وذَكَر آراءَه في حوالي تسعة وستين موضعاً ... (٦٩)، وبخاصة النقل عن ((مختصره))، والذي تصدّى التاج ((لشرحه)) بعدما أتمّ شرح ... ((المنهاج)).

стр. 67

١٠ - القرافي (١): لقد أكثر التاج السبكي من النقل عن الإمام الرازي صاحب ((المحصول))، فكان من المنطقي أن يرجع أيضاً لشروح ((المحصول)) ومن بينها ((شرح القرافي))، لذا فقد نقل من هذا الشرح وكان من المصادر الأصيلة، حيث بلغ عدد المواضع التي صرّح فيها التاج بالنقل عن القرافي حوالي سبعة وستين موضعاً (٦٧)، أَكْثَرُها كان من شرح ((المحصول))، وبعضها من ((الفروق)). ١١ - تقي الدين السبكي: إنّ من المصادر الهامة في شرح التاج السبكي والدُه الشيخ تقي الدين، حيث كان والدُه أستاذَه الأول في الأصول، لذا فقد اهتمّ التاج بنقل آراء والده في كثير من المواضع بلغت حوالي ثلاثة وستين موضعاً (٦٣)، منها ما كان يسأله التاج لوالده أثناء شرحه ((للمنهاج))، وأخرى ما كان يسمعه منه شخصياً، والنوع الثالث ما كان ينقله من خَطِّه مثل كتاب ((ورد العلل في فهم العلل)) وغيره. وغالباً ما يذكره بلقب الشيخ الإمام، فحيثما أطلق الشيخ الإمام انصرف إلى والده. ١٢ - أبو الحسين البصري: صرّح التاج السبكي بالنقل عن أبي الحسين البصري في حوالي ثلاثة ... وأربعين موضعاً (٤٣)، وأكثر النقل كان من كتابه ((المعتمد)) الذي دوّن فيه أصول المعتزلة، ويعدُّ هذا الكتاب من أركان طريقة المتكلمين كما مرّ معنا، لذا فقد أُثبِتَت آراء المعتزلة الأصولية في كتب الأصوليين المخالفين لهم مع نقد ما يحتاج إلى نقد منها. ١٣ - الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني (٢): صرّح التاج السبكي بالنقل عن الأستاذ أبي اسحق الإسفراييني في حوالي تسعة وعشرين موضعاً (٢٩)، ويطلق التاج السبكي عليه لقب الأستاذ، فحيثما ذكر الأستاذ انصرف إلى الإسفرايني. ١٤ - أبو الحسن الأشعري: نقل التاج السبكي عن الإمام الأشعري في حوالي سبعة وعشرين موضعاً ... (٢٧)، وأكثر هذه المواضع كان يدور حول المسائل الأصولية التي لها جذور كلامية كمسألة الأمر النفسي ونحوها، ويطلق التاج السبكي على الأشعري لقب الشيخ، فحيثما أطلق الشيخ انصرف إلى الإمام الأشعري. ١٥ - أبو الفتح بن برهان (٣): صرّح التاج السبكي بالنقل عن أبي الفتح بن برهان في حوالي خمسة ... وعشرين (٢٥) موضعاً، أكثرها عن كتابه ((الوجيز)).

стр. 68

١٦ - الأصفهاني (١): يعدّ الأصفهاني من أكابر العلماء الذين تصدوا لشرح ((محصول)) الرازي، ويمتاز شرح الأصفهاني بتحقيق المسائل الأصولية ورد ما يوجَّه إليها من اعتراضات، لذلك فقد اعتمد عليه التاج السبكي في كتابه هذا، وصرّح بالنقل عنه في حوالي أربعة وعشرين موضعاً (٢٤). ١٧ - النقشواني (٢): يعدّ النقشواني من العلماء الذين تتبعوا الإمام الرازي في ((المحصول))، لذا فقد وضع على ((المحصول)) كتاباً سماه ((المؤاخذات))، ذكر فيه ما يوجَّه من اعتراضات على محصول الرازي، والتاج السبكي صرّح بالنقل عن النقشواني وخاصة في ذكره الاعتراضات الموجهة على الإمام، حيث صرّح بالنقل عنه في حوالي أربعة وعشرين موضعاً (٢٤). هؤلاء هم أهم العلماء الذين نقل عنهم التاج السبكي في شرحه ((للمنهاج))، وهناك العديد من العلماء الأخرين الذين نقل عنهم التاج السبكي، ويأتي هؤلاء في الدرجة الثانية، أكتفي بذكرهم سرداً وهم:

стр. 69

تاج الدين الأرموي في كتابه ((الحاصل))، سراج الدين الأرموي في ((التحصيل))، ابن دقيق العيد (١) في ((شرح العمدة)) و ((شرح الإمام))، والمازري (٢) في ((شرح البرهان))، والأبياري (٣) في ((شرح البرهان))، والقاضي عبد الوهاب (٤) في ((الملخص))، وشمس الدين الجزري، ومجد الدين الشيرازي، والعَبري في شروحهم على ((المنهاج))، وابن التلمساني (٥) في ((شرح المعالم))، وعلاء الدين الباجي (٦)، كما اهتمّ التاج السبكي بإثبات آراء الأصوليين المخالفين كالحنفية والمعتزلة وغيرهم، ومن مصادرهم كان ينقل، ومنهم: الأئمة أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الرازي (٧)

стр. 70

وأبو عبد الله البصري (١) وأبو الحسن الكرخي (٢) وعيسى بن أبان (٣) وغيرهم كثير مما تراه مبثوثاً في ثنايا ((الإبهاج))، ولولا الإطالة لاستوعبتُ الجميع، ولكن فيما ذُكِر كفاية ودلالة على عِظَم هذه المصادر. ثانياً: المصادر الفقهية قلنا إنّ التاج السبكي كان يُكثر من إيراد الفروع الفقهية للمسائل الأصولية، وأنّ التاج السبكي كان مهتمَّاً ببيان مذهب الإمام الشافعي على وجه الخصوص، لذا فقد أكثر من النقل عن الفقهاء الشافعية ومن مصادرهم الأصلية، ومن أهم هؤلاء:

стр. 71

إماما المذهب الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣هـ والنووي المتوفى سنة ٦٧٧هـ، والماوردي (١) وابن الصباغ (٢) والقفال (٣) والقاضي حسين (٤) والمحاملي (٥) والمتولي (٦) وأبو الطيب الطبري (٧) والروياني (٨)

стр. 72

والعز ابن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠هـ وأبو حامد الإسفرايني (١) وأبو اسحق المروزي (٢) وابن الرفعة وابن الصلاح (٣) وغيرهم. ثالثاً: المصادر الحديثية لم يُغفِل التاج السبكي المصنفات الحديثية، فقد كان ينقل الحديثَ من مصادره الأصلية كالكتب الستة ومسند أحمد والشافعي، كما أنّه كان يعتمد على كتب الرجال في تخريجه لهم، فكان كثير الاعتماد على شيخه الذهبي حيث أكثرَ من النقل عنه في تلك المواضيع، وأما فيما يتعلَّق بمباحث المصطلح فأكثرَ النقل عن الخطيب البغدادي وابن الصلاح وغيرهم. رابعاً: المصادر اللغوية تشمل المصادر اللغوية ما يتعلَّق بالمسائل النحوية والصرفية وكتب المعاجم، والتاج السبكي كان يردّ الأقوال إلى أهلها فهو لم يعتمد على المصادر الأصولية في نقل اللغات ـ وإن كان الأصوليون يتعرّضون لمباحثَ لغوية لم يتعرّض لذكرها أهل اللغة ـ حيث كان ينقل المسائل اللغوية من أهل اللغة مباشرة إلا إن لم يذكروها، وهذه المصادر التي اعتمد عليها التاج السبكي تعدّ في المراتب الأولى عند اللغويين، ويمكن معرفة هذه المصادر من خلال العلماء اللغويين الذين كان ينقل عنهم ومنهم:

стр. 73

ابن مالك (١) في ألفيته، والجوهري (٢) في الصحاح، والمبرد (٣) وابن دريد (٤) وسيبويه (٥) وابن جني (٦) وابن عصفور (٧) وابن فارس (٨) والسهيلي (٩) وأبو علي الفارسي (١٠) وغيرهم.

стр. 74

هذه هي أهم المصادر التي اعتمد عليها التاج السبكي في شرحه ((للمنهاج))، وبذلك ترى غنى هذا الشرح بالمعلومات الفائقة، مع ما امتاز به التاج السبكي من التصريح بأصحاب الأقوال الذين ينقل عنهم، وبذلك يمكن أن يعدّ ((الإبهاج)) موسوعةً أصوليةً غنيةً بالأقوال والمسائل، يستطيع الباحث خلاله الاطلاع على أكبر قدْرٍ ممكن من أقوال العلماء وآرائهم في المسائل الأصولية، بحيث توفّر له الجهد والوقت. المطلب الرابع: مقارنة بين شرح ابن السبكي وشرح الجزري للمنهاج حتى تتبين أهمية ومميزات شرح التاج السبكي ((للمنهاج)) لا بدَّ من بيان أوجه الاتفاق ... والاختلاف بين ((شرح التاج السبكي)) وشروح غيره ((للمنهاج))، وقد اخترتُ لعقد هذه المقارنة شرح الجزري ((للمنهاج)) المسمى بـ ((معراج المنهاج))، ومن خلال النظر في الشرحين تبيَّن لي بعض الفوارق بين هذين الشرحين، ومن هذه الفوراق: ١ - الجزري لم يخرج في شرحه عن عبارات الإمام الرازي حيث كانت هذه العبارات مُوْفيةً بالغرض إلا نادراً، بخلاف التاج السبكي فمع اعتماده على عبارات الرازي؛ إلا أنّه كثيراً ما كان يخرجُ عنها ويأتي بغيرها، بل وكان يناقش الرازي في كثير من العبارات. ٢ - الجزري اقتصر في شرحه على شرح عبارة ((المنهاج))، بأسلوب واضح سَلِس غير متكلف فيه، ... ولا يَحيدُ عن الشرح إلا نادراً، بخلاف التاج السبكي فقد امتاز شرحه بالإسهاب والتطويل وذِكْر كثير من المسائل والفروع المتمِّمة لشرح المسألة. ٣ - الجزري أَعْرَضَ عن شرح بعض عبارات ((المنهاج)) التي رأى أنّها واضحة لا تحتاج إلى بيان، بخلاف التاج السبكي فقد شرح كلّ ما ورد في المتن مع بعض زيادات أخرى عليه. ٤ - الجزري لم يتعرّض لذِكر الآراء والأقوال الأخرى في المسائل المطروحة بخلاف التاج السبكي فقد كان يستوعب الأقوال والآراء في كثير من المسائل. ٥ - الجزري لا يتعرّض لذِكر الاعتراضات والإيرادات كثيراً، بل كان يُعرِض عن ذكر هذه الاعتراضات إلا فيما دَعَت إليه الحاجة الماسّة مما لا يُستغنى عنه في الفهم، بخلاف التاج السبكي، فقد كان مُولعاً بذِكر هذه الاعتراضات والإيرادات في كثير من المباحث. ٦ - لم يكثر الجزري من مناقشة البيضاوي أو مخالفته، بخلاف التاج السبكي الذي كان ينتقد البيضاوي ويناقش عباراته وآراءه وقد خالفه في عدد لا بأس به من المسائل. ٧ - لم يتعرّض الجزري لذِكر فروع فقهية مبنيّة على المسائل الأصولية كما أنّه لم يكن مهتمّاً بتخريج الأحاديث التي يذكرها أو يستدل بها، بخلاف التاج السبكي في كل ذلك. هذه أهم الفوارق بين شرحي التاج السبكي والجزري ((للمنهاج))، وهذا لا يعني عدم وجود نقاط اتفاق وتوافق بينهما بل هناك بعض نقاط التوافق بينهما من أهمها: ١ - أنّ كلاهما شافعي المذهب وكلاهما كان مُهتمّاً بإبراز حقيقة المذهب الشافعي في المسائل المطروحة. ٢ - أنّ كلاهما كان يهتمّ بتحرير محل النّزاع في المسائل المدروسة، ولم يكن أي منهما يُطْلق النِّزاع دون تحديد لمحلِّه.

стр. 75

كلمة أخيرة بعد استعراضنا لكتاب ((الإبهاج)) وتِجْوالنا بين حدائقه العطرة واطِّلاعنا على شخصية أصولية فذَّة قلَّما يجود الزمان بمثلها أقول: بالرغم من كل ما استعرضناه من مميزات ((للإبهاج)) وصفات تجعله في مقدمة شروح ((المنهاج)) إلا أنّ ((الإبهاج)) لا زال بحاجة ماسّة إلى مزيد من العناية لإبراز رونقه ووجهه الوضّاء، فقد طُبع ((الإبهاج)) عدّة طبعات إلا أنّه ومع الأسف الشديد لم تحظَ هذه الطبعات بالعناية الكافية، فتجد فيها الكثير من الأخطاء والسَّقْط الذي يُخلّ بالمعنى مما جعل أهل العلم يَنْفِرون منه ويبتعدون عنه لعدم فَهْم كثير من عباراته بسبب سوء الترقيم والتشكيل مع الأخطاء الكثيرة والسَّقطات الفاضحة، لذا فهذه دعوةٌ إلى المشتغلين بأصول الفقه أن يَلْتَفِتوا إلى ((الإبهاج)) ويعطوه بعض جُهدهم لإخراجه إلى النور بتحقيقٍ عِلميٍّ رصين يَسدُّ كل الثغرات السابقة في مثل تلك الطبعات، يسّرَ الله تعالى ذلك ليعود ((الإبهاج)) ويحتل مكانته التي يستحقُّها. المبحث الثاني رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب يعدّ ((رفعُ الحاجب عن مختصر ابن الحاجب)) المصنَّف الرابع للتاج السبكي في أصول الفقه، حيث انتهى التاج السبكي من تصنيفه سنة ٧٥٩ هـ (١)، في حين انتهى من ((الإبهاج)) الكتاب الأول له سنة ٧٥٢ هـ، ويصرّح التاج السبكي في هذا الشرح بالنقل عن كتابين آخرين له في أصول الفقه الأول أسماه ((التعليقة)) والثاني أطلق عليه اسم ((الشرح الكبير)) فيكون ((رفع الحاجب)) هو الكتاب الرابع له في هذا الفن. و ((لرفع الحاجب)) هذا عند التاج السبكي قصة، وذلك أنّه قد وَعَدَ بهذا الشرح في نهاية شرحه ((للمنهاج)) حين قال: ((وفي عزمي والله الميسِّر أن أضعَ شرحاً على ((مختصر ابن الحاجب)) بسيطا؛ لا عُذر لي إذا لم آت فيه بالعجب العجاب، محيطاً بهذا العلم على أتمّ وجه، لا أميط عنه إلا القشر عن اللباب.)) (٢) وكان والده الشيخ تقي الدين قد شرع في وضع شرح على ((المختصر))، فبدأ فيه فعمل منه نحو كراسة واحدة، وقد وَسَمه باسم ((رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب)) غير أنّه لم يتمّه، ولم يطّلع عليه التاج السبكي، لذا وضع هذا الشرح وسمّاه باسم ((رفع الحاجب)) تبرُّكاً بصنيع والده. (٣)
следующие страницы →