قال: ((وهذا كلام موجَّهٌ قاله الآمدي [ثم قال:] وقد ردَّ الهنديُّ كلامَ الآمدي فقال: في قوله ﵊: ﴿أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته﴾ تنبيه على الوصف المشترك بين المضمضة والقُبلة، وهو عدم حصول المقصود منهما، وذلك صالح للعلية، وإن لم يكن مناسبا لعدم اشتراط المناسبة في الوصف المومئ إليه [ثم قال التاج السبكي رادا على الهندي]: وعندي في هذا نظر، فإنّ هذا لو تَمَّ لَزِم أن يحال عدم الإفطار على [عدم] (١) وجود القُبلة والمضمضة، وليس كذلك؛ بل إنما هو محال على عدم المفطر من جماع وغيره)) (٢).
ثالثاً: بيان ردوده رأسا:
وهذا منهج ثالث اتبعه التاج السبكي في بيان ردوده ومناقشاته، حيث كان يَستقلُّ بإيراد هذه المناقشات دون نقل لها عن غيره كما فعل في المنهج السابق، ومن الشواهد الدالة على ذلك:
١ - قوله معقّبا على قول الآمدي والهندي أن دلالة التنبيه والإيماء على العلية بطريق الالتزام (٣) قال: ((هذا الذي قالاه فيه نظر سنذكره ... [ثم قال:] والحق عندي في هذا أن يُقالَ ترتيبُ الحكم على الوصف يُفيد العلِّية بوضع اللغة، ولم تَضَع العربُ ذلك دالا على مدلوله بالقطع والصراحة بل بالإيماء والتنبيه، ولا بِدَعَ في مثل هذا الوضع ... وإذا وَضُحَ هذا عَلِمتَ أنَّ دلالته ليست التزامية كما زَعم الآمدي والهندي)) (٤).
٢ - وقوله في شرح قول ابن الحاجب في إفادة خبر الآحاد العلم: ((وقيل وبغير قرينة)) (٥).
قال التاج السبكي: ((أي: قد يحصلُ العلمُ بخبر العدل وإن لم يكن ثَمَّ قرينة، ولكنَّ هذا لا يطَّرد، بل يكون في وقتٍ دون وقتٍ ما، ونقله الآمديُّ عن بعض أصحاب الحديث (٦) [ثم عقَّبَ التاج السبكي قائلا:] وهو ساقط؛ فإنَّ ذلك الوقت الذي يحصلُ فيه العلم إما أن يكونَ فيه زيادةٌ على الوقت الذي لم تحصل فيه، فالزيادة قرينة، فلا وجه لقوله: بغير قرينة، أو لا يكون فيه زيادة، فيكون ترجيحاً من غير مرجح، وإنه محال)) (٧).
رابعاً: إيراده للأسئلة المقدرة والمفترضة والإجابة عليها:
لم يكن التاج السبكي يكتفي برد الاعتراضات أو توجيه الاعتراضات الصحيحة فقط والتي وجِّهت فعلاً إلى الأقوال أو الأدلة، بل كان يقدِّرُ اعتراضات وأسئلة ويجيب عليها، وهذا المنهج قد اتبعه التاج السبكي في كثير من المباحث وخاصة في كتابه ((الإبهاج))، ويتمثَّل هذا الأسلوب بعبارات (فإن قلتَ، قلتُ) أي: إن قدَّرت سؤالاً أو اعتراضاً فجوابه كما يأتي.
ومن الشواهد الدالة على اتباعه هذا الأسلوب:-
стр. 142
١ - قوله في مباحث الاستحسان في كتابه ((الإبهاج)) بعد رده على القائلين بحجِّيته وبيان سقوط الاحتجاج به: ((فإن قلتَ: قد وقع في كلام الشافعي ﵁: أستَحسِنُ في المتعة أن تكون ثلاثين درهما [ثم ساق عددا من الفروع المروية عن الشافعي وأصحابه مفادها أنهم أخذوا بالاستحسان ومن ثم أجاب عن ذلك قائلا]: قلتُ: قد عرفتَ أنه لا نزاع في ورود هذه اللفظة على الألسنة استعمالا ... ثم نقول: في هذه الصورة الدليل على أنه ليس فيها إلا استعمال اللفظ أنَّ أحداً من الأصحاب لمْ يقَدِّر المتعة بثلاثين درهما، بل منهم من استحسن هذا القدر لأجل ذهاب ابن عمر وابن عباس ﵄ إليه ... ، ولم يَقُل الشافعيُّ ولا أحد من الأصحاب أنَّ دليل ذلك الاستحسان ... وكل مستحب مستحسن قال الشافعي: استحسن أن يُتركَ شيء للمكاتب من نجوم الكتابة، ولم يقل أن مستنده الاستحسان)) (١).
بهذا ترى أنَّ التاج السبكي قد ذكر سؤالاً مقدراً تقديره: كيف تدَّعي إبطال الاستحسان وقد وردت فروع فقهية عن الشافعي نفسه وكثير من الأصحاب بنوها على الاستحسان؟
ورأيت كيف رد عليه وبيّن أن استحسانهم المذكور ليس من قبيل الاستحسان المتنازع فيه، بل هو من باب إطلاق اللفظ الذي يراد به المستحب.
٢ - وقوله بعد تبنِّيه أنَّ أحكام الله تعالى غير معللة: ((فإن قلت: قد اشْتُهِرَ قول الفقهاء: علَّةُ الحكم الفلاني كذا، أو الباعثُ على كذا وكذا، فما الجامع بينه وبين قول المتكلمين بعدم التعليل؟
قلتُ: لم يَعْنِ الفقهاءُ بالعلَّة المؤثر، كما عناه المعتزلة، ولا الباعثُ على التشريع كما عناه الآمدي، وإنما عَنوا أنَّ العلَّة باعثةٌ للمكلف على الامتثال، فحفظُ النفوس يبعثُ المكلَّفَ على فعل القصاص الذي حكم به الله تعالى لباعثٍ بعثَه فيه)) (٢).
فها هنا ترى أنَّ التاجَ السبكي قد ردَّ سؤالاً مقدَّراً تقديره: إذا كنت ترى أنَّ أفعال الله غير معلَّلة فكيف تجمع بين قولك هذا وما اشْتُهرَ على ألسنة الفقهاء أنَّ الأحكام معللة؟
خامساً: ذكره لمباحثات لا زالت في محل البحث:
شاع عند الشراح وكبار المصنفين أن يذكروا في مؤلفاتهم بعض القضايا مما لم يتوصلوا إلى نتائج لها، فيُبْدونَ ما عندهم ويتركون للآخرين المجالَ للبحث والنقاش حول هذه القضايا، وقد اتبع التاج السبكي هذا النمط من المباحثات في كتاباته المتمثلة بقوله: لقائل أن يقول أو لك أن تقول.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
قوله في مباحث حمل المطلق على المقيد بعد ذكره للقسم الثاني وهو كون المطلق والمقيد نهيا، وقوله: ((أن من يقول بمفهوم الخطاب يلزمه أن يخصص النهي العام ... [قال عقب ذلك]: ولقائل أن يقول: وجود المطلق والمقيد في جانب النهي والنفي يُصيِّرُ المطلقَ عاماً والمقيَّدَ خاصّا، لأن ذلك نَكِرةٌ في سياق النفي فلا يُتصوَّران في هذين الجانبين)) (٣).
стр. 143
١ - وقوله في مباحث الإجماع في كتابه ((رفع الحاجب)) تعقيباً على قول ابن الحاجب في تعريف الإجماع: ((ويَرِدُ عليه [إي على تعريف الغزالي للإجماع بأنَّه: اتفاقُ أمة محمد على أمر من الأمور الدينية] أنه لا يوجد، ولا يطرد ... ولا ينعكس)) (١).
قال التاج السبكي بعد شرح ذلك: ((ولقائل أن يقول: على الأول: أنَّ الأمة مختصة بالموجودين.
وعلى الثاني: أنه غير متصوَّر، لأنَّ إجماع العدد العظيم على شيء واحد لا أصل له يعود إليه، مستحيلٌ عادةً كاتفاقهم على مأكولٍ واحد في وقتٍ واحد وأنظاره ...
وعلى الثالث: أنَّه ساقطٌ بالكلية لأنه لا يُحتجُّ بالإجماع إلا في الشرعيات)) (٢).
سادساً: ردُّ دعاوى الإجماع والاتفاق:
لم يكن التاج السبكي، مغرما بادعاء الإجماع أو الاتفاق على المسائل المعروضة، بل وجدته كثير التحفُّظ على دعاوى الإجماع والاتفاق، حيث كان يقفُ عند هذه الدعاوى ويردُّ كثيراً منها، وفي هذا دلالة واضحة على منهجية التاج السبكي في التعامل مع قضايا الإجماع وأنه يرى صعوبةَ انعقاد الإجماع ولهذا كان يردُّ كثيراً من هذه الدعاوى، كما فيه دلالة واضحة على سعة إطلاع التاج السبكي على الأقوال والآراء.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
١ - قوله ردَّاً على البيضاوي حيث ادَّعى أنَّ الإجماع منعقد على أن من قال عليّ عشرة إلا تسعة فإنه يلزمه واحد (٣)، قال التاج السبكي ردّاً عليه: ((ونَقْلُ الإجماع مردود فقد حكاه أحمد بن حنبل، وبعض المالكية)) (٤).
٢ - وقوله ردّاً على ادِّعاء الباقلاني الإجماع على عدم تأثيم من أخّر الفرض إلى آخر الوقت: ((وهو نقل مدفوع؛ فإنَّ الشافعيَّ ﵁ نقل في ((الأم)) في كتاب الحج عن بعضهم التأثيم وهو أثبت)) (٥).
سابعاً: التنبيه على خطأ أو وهم وقع فيه السابقون:
كان التاج السبكي في أثناء مناقشاته يُنبِّه على بعض الأخطاء والأوهام التي وقع فيها من سبقه من العلماء، وذلك حتى لا يغترَّ الطالب بهذه الأوهام والأخطاء.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
١ - قوله في باب المبيّن في كتابه ((الإبهاج)) بعد ذكر قول البيضاوي: ((المبيَّن: وهو الواضح بنفسه أو بغيره مثل ﴿والله بكلِّ شيءٍ عليم﴾ (٦) و ﴿واسأل القرية﴾ (٧) ... )) (٨): ((جعلَ العَبريُّ ... والجاربرديُّ والإسفراييني وغيرهم من الشارحين قوله: ﴿واسأل القرية﴾ مثالاً للواضح بغيره، ... وهو وَهْمٌ؛ لأنه قسَّم ذلك الغير في المسألة الآتية إلى القول والفعل، وظاهرُ كلامه حَصْرُه فيهما؛ فلو كان هذا من أقسامه لم ينحصر في ذينك القسمين، إذ المبيِّن فيه ليس إلا العقل، وهو غير القول ... والفعل، والذي حملهم على ذلك أنهم لما رأوه قد مر قوله وبغيره، فوهموا أنه من باب اللف والنشر كذلك.)) (٩)
стр. 144
٢ - وقوله في ((رفع الحاجب)) في الواجب الموسع: ((وقوله فيعصي بالتأخير معطوف على اعتقد، أصله: لو اعتقد فعصى، وقد توهَّم الشيرازي أن لفظ المصنف فيعصي فعل مضارع، ثم توهم ثانيا أن ذلك جواب لو، ثم اعتقد ثالثا: أن عدم العصيان في هذه الصورة مفروغ منه.)) (١)
ثامناً: تنوع أساليب المناقشات والردود:
لم يتبع التاج السبكي أسلوبا واحدا في مناقشاته وردوده، بل وجدته ينوع هذه الأساليب قوَّة ... وضعفاً بحسب أهمية القول أو الدليل المذكور.
وفيما يأتي أذكر هذه الأنواع مرتَّبة ترتيباً تنازلياً بحسب قوتها مكتفياً بذكرها فقط وأما الأمثلة عليها فقد مر بعضها في الأمثلة السابقة، ويستطيع الناظر في مؤلفات التاج السبكي معرفة بقية أمثلتها.
ومن هذه الأنواع:-
١ - التصريحُ ببطلان القول أو الدليل أو سقوطه وهذه أقوى الأساليب.
٢ - التصريح بكونه ضعيفا.
٣ - قوله ليس بجيد.
٤ - قوله: إنه مدخول.
٥ - قوله: إنه غير مرضي.
٦ - قوله: إنه فيه نظر.
٧ - قوله: إنه في النفس منه شيء.
٨ - وأخفها الإتيان بالرد أو المناقشة بصيغة المباحثة فإن قال قائل أو لقائل أن يقول.
هذه أهم الإشارات التي تدلُّ على قُوَّة الرد أو المناقشة وقد ذكرتها لك مرتبة ترتيباً تنازلياً من الأقوى إلى الأضعف والأخف.
المحور الثاني: منهجه في المناقشات والردود في ((منع الموانع)):
ذكرتُ غير مرَّةٍ أنّ ((منع الموانع)) هو الكتاب الذي رد فيه التاج السبكي الإيرادات والاستفسارات التي وجِّهت على كتابه ((جمع الجوامع))، ولأنَّ هذه الإيرادات وجِّهت إلى آراءه هو وأفكاره واختياراته كان من الطبيعي أن تختلف منهجية الرد عليها، عن منهجيته في رد الأقوال ومناقشاتها في الشروح، وقد اتبع التاج السبكي عدَّة طرائق لرد الإيرادات في ((منع الموانع))، ومن أهم هذه الطرائق:-
أولاً: إذا كان الإيراد يحتاج إلى رد غير مذكور في مصنَّفاته الأخرى فإنه يرده بتوسع:
من منهج التاج السبكي في ((منع الموانع)) أن الإيراد الموجَّه إليه إن لم يتعرَّض له في مصنفاته الأخرى فإنه يردُّه ويتوسَّع ويُسْهبُ في بيان سقوطه وعدمِ صحَّته.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله ردّاً على إيراد مفاده ((لمَ زدتم على ابن الحاجب: قيل المتقتضبة لاختياركم أن ما هو من قبيل الأداء كالمد والإمالة إلى آخره متواتر.)) (٢)
стр. 145
أجاب التاج السبكي على ذلك قائلا: ((اعلم أنّ السبع متواترة، والمد متواتر والإمالة متواترة، كل هذا بيِّنٌ لا شك فيه، وقول ابن الحاجب: '' فيما ليس من قبيل الأداء'' (١) صحيح لو تجرَّد عن قوله: ''كالمد والإمالة''، لكنَّ تمثيله بهما أوجبَ فساده، كما سنوضحه من بعد، فلذلك قلنا: قيل؛ لنبين أن القولَ بأنَّ المدَّ والإمالة غير متواترين ضعيفٌ عندنا، بل هما متواتران [ثم قال]: ... وليقع الكلام على المد والإمالة وتخفيف الهمزة، ثم على ما استدركه أبو شامة (٢)، فإنّا لم نتكلَّم عليهما في ((شرح المختصر)) [ثم قال]: أما المد والإمالة فلا شك في تواتر القدر المشترك بينهما، وهو المد من حيثُ هو مدّ، والإمالة من حيث إنها إمالة)) (٣) ثم أسهب التاج في توضيح ذلك وذكر الأدلة ... والشواهد حتى استغرقت هذه المناقشة حوالي الاثنتا عشرة صفحة من صفحة ٣٣٨ - ٣٤٩ فانظرها هناك.
فأنت ترى هنا أن التاج السبكي قد أسهب في هذا الموضوع وما ذاك إلا لأنه لم يتعرَّض له في مصنفاته الأخرى.
ثانياً: إذا كان الإيراد قد تعرض له في مصنفاته الأخرى فإنه يرده إجمالا ويحيل القارئ إلى مصنفه الذي بينه فيه بتوسع:
إذا كان الإيراد المطروح قد تناوله التاج السبكي في مصنَّف آخر، فإنه لا يُطيلُ الردَّ هنا بل كان يكتفي برده إجمالا ومن ثَمَّ يُحيلُ القارئَ إلى مصنَّفه الذي ردَّه فيه بتوسع، وذلك خشيةً من الإطالة ... والتكرار في غير فائدة، ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
قوله في جواب سؤال حاصله ما معنى قولكم في اللفظ أنه محمول على عرف المخاطب أبدا؟ قال التاج السبكي: ((قلت: تقريره مستوفًا في ((شرح المختصر))، وحاصله أني أدعي أنّ كلام كل أحد يحمل على عرفه وفاقا، وإنما قُدِّمَ الشرعيُّ لأنه عرف الشارع [إلى أن قال]: وقد أطلنا القول في تحقيق هذا الموضوع في كتابنا ((الأشباه والنظائر))، وهو الكتاب الذي لا يليق بالمجدِّ في طلب العلم إهماله، ولا يسَعُ طالب التحقيق إغفاله.)) (٤)
بهذا ترى أن التاج السبكي قد قرر الجواب مجملا وأحال القارئ الذي يطلب تحقيقه إلى بقية مصنفاته التي أسهب فيها حول هذا الموضوع وهي ((شرح المختصر)) و ((الأشباه والنظائر)).
غير أني وجدته في بعض الأحيان لا يقوم برد إجمالي، بل يُحيل الجوابَ على مصنفاته الأخرى فإنه يكون مقرَّراً هناك وينبّه القارئ إلى ضرورة مراجعة المحل الذي أحال عليه ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
قوله في جواب تقرير عبارة ((النكرة في سياق النفي للعموم وضعا ... )) قال ما نصه: ((هو مقرر في ((شرح المختصر)) فلينظر هناك.)) (٥) وكذلك قوله: ((وأما قولنا ''والمختار قبول ... الترجيح ''فمقرر في ((شرح المختصر)) وكذلك قولنا: ''وأنه لا يجب الإيماء إليه'' والضمير في إليه عائد على الترجيح.)) (٦)
стр. 146
ثالثاً: الرد بتوضيح المسألة وتوجيهها على وجه لا اعتراض عليه:
أحيانا كان التاج السبكي لا يرد الاعتراض ويبين فساده بل وجدته يقرِّر المسألة ويزيدها وضوحاً بحيث يزول الإشكال عنها. ومن الشواهد الدالة على ذلك قوله في بيان سبب إطلاق لفظة الأصح في مسألة التخصيص بتقرير النبي ﷺ : ((قيل: من نازع أنّ فعله ﷺ تخصيص؟ حتى تشيروا إلى الخلاف بقولكم في الأصح فقلت: الكرخي، وأبو الحسن من الحنفية ... قيل فمسألة التقرير المذكورة هنا معادة في أول كتاب السنة حيث قلتم: ((وسكوته الصلاة عليه والسلام بلا سبب إلى آخره))
فقلت: اعلم أنّ التقرير تفعيل من الإقرار، تقول: أقرّ يقرّ تقريرا، ولا خفاء في أن التقرير فعل، فمن أقرّ غيره فقد فعل التقرير، وهل السكوت عند فعل الغير تقرير أولا؟ هذا محل نظر المسألة المذكورة في باب السنة فالبحث هناك عن أن السكوت هل هو تقرير؟ وهنا عن أن التقرير هل هو تخصيص؟ فهما مسألتان.)) (١)
ففي هذا المثال اكتفى التاج السبكي بتوضيح المسألة وأنّ ذِكْره للتقرير في باب التخصيص ... وباب السنة، ليس من باب التكرار وإنما هو لأجل اختلاف المسألتين كما رأيت.
وفي أحيان أخرى وجدته يكتفي في الرد بإعادة نص ((جمع الجوامع)) كما هو لبيان سقوط لفظة منه، بها يستقيم الكلام، ويبطل الإيراد، فمن ذلك قوله: ((وقولكم: هل يلحق بولد دون والد ما يماثله، [أي: هل يمنع من ظهورها كرامة لولي الولد دون الوالد وما يماثله أم لا؟] قال التاج السبكي عن ذلك إنه: ((عجيب، مع أنّ عبارتنا ((قال القشيري: ولا ينتهون إلى نحو ولد دون والد))، ولعلَّ لفظةَ نحو ساقطة من نسختكم، وإلا فليس له قلب جماد بهيمة ونحوه.)) (٢)
المبحث الخامس
منهجه في النقل عن غيره من العلماء
من خلال مطالعاتي في مؤلفات التاج السبكي توصَّلت إلى نتيجة حتمية مفادها أنّ التاج السبكي يُعدُّ من أكثر علماء الأصول إطلاعا على الكتب والمؤلفات الأصولية وأقوال العلماء ... وآرائهم، يظهر ذلك من خلال غزارة مصادره في التأليف، والتي مرَّ معظمها في الفصل السابق، كما يظهر ذلك من غزارة النقول المبثوثة بين ثنايا مؤلفاته، وكان للتاج السبكي أساليبُ متعدِّدة في نقل هذه الأقوال والآراء عن غيره - وإن كانت هذه الأساليب لا تخصُّه وحده، - ومن هذه الأساليب: -
стр. 147
أولاً: النقل الصريح عن المصدر الأصلي:
أول هذه الأساليب التي اتبعها العلماء عامة ومن بينهم التاج السبكي هو النقل عن المصادر الأصلية في ذلك، وذلك حيثما توفَّر المصدر، أو النقل عن العلماء مباشرة بطريق الرواية والمشافهة، وعلى كلٍّ فإنّ هذا النقل قد يكون بالنص بمعنى أن تُنْقلَ العبارة بحرفيتها دون تصرُّف فيها، وإما أن يكون بالمعنى وذلك بالتصرُّف فيها بالزيادة والنقصان حسبَ ما تقتضيه طبيعة الشرح، ويمكن معرفة ذلك من خلال مراجعة المصادر التي نصَّ عليها ومقارنتها بالمنقول عنها، وكذا إذا عبرَّ التاج السبكي بعبارة بنصِّه، أو هذا نصُّه، أو انتهى بنصِّه؛ فإنَّ ذلك يُعين على معرفة كيفية النقل، وقد اتبع التاج السبكي ذلك كله، ومن الشواهد الدالة على ذلك: -
١ - قوله في نُصْرة القول بعدمِ وقوع المعرب في القرآن الكريم ناقلاً لقول الشافعي ﵁ في ذلك حيث قال: ((ونصَّ عليه الشافعيُّ في ((الرسالة)) في باب البيان الخامس فقال ما نصُّه: ((وقد تكلَّم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلَّم فيه منه لكان الإمساك أولى وأقرب إلى السلامة، فقال منهم قائل: إنّ في القرآن عربياً وأعجميا، والقرآنُ يدلُّ على أنّه ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، ووجدنا قائل هذا القول، ومَنْ قَبِلَ ذلك منه تقليداً له، وتركاً للمسألة له عن حجَّته ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم (١)))، هذا نصُّه)) (٢)
وقد راجعت هذا النص في ((الرسالة)) للإمام الشافعي فوجدته في نفس الموضع الذي ذكره التاج، ووجدت النقلَ كما نصَّ عليه التاج السبكي إلا في عدد يسير من الكلمات وهي:
••مكان قوله وأقرب إلى السلامة قوله وأقرب من السلامة له إن شاء الله بتغيير إلى إلى من وإضافة له إن شاء الله.
••مكان وقد وجدنا قائل هذا القول ومَنْ قَبِلَ قوله ووجد ... مَنْ قَبِلَ، وذلك بصيغة الإفراد في وجدنا وحذف الواو في ومن.
ولم أجد أيَّ تغيير آخر في العبارات أبدا، وهذا يدلُّنا على أمانة التاج السبكي ودقته في النقل، وأما التغييرات اليسيرة فالذي أكاد أجزم به أن ذلك من اختلاف النُّسَخ المختلفة باختلاف النساخ ولا يضيرُ ذلك هنا أبدا.
٢ - وقوله نقلا عن الآمدي في حكم منكر الإجماع قال: ((فقال [أي الآمدي]: ((اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، فأثبته بعض الفقهاء، وأنكره الباقون، مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الإجماع الظني غير موجب للتكفير.
والمختار [عند الآمدي] إنما هو التفصيل، وهو أن اعتقاد الإجماع إما أنّ يكون داخلا في مفهوم اسم الإسلام كالعبادات الخمس ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا يكون كذلك، كالحكم بحل البيع وصحة الإجارة ونحوه، فإن كان الأول؛ فجاحده كافر، لمزايلة حقيقة الإسلام له، وإن كان الثاني فلا)) (٣) انتهى.)) (٤)
وعند رجوعي إلى ((الإحكام)) وجدتُ هذا النص بحرفيته اللهم إلا بعض التغييرات اليسيرة التي هي من قبيل اختلاف النسخ والنساخ، وهذه التغييرات تنحصر في أمرين:
стр. 148
••الأول: بدل قوله غير موجب للتكفير قال الآمدي غير موجب كفرا فجعل التاج للتكفير مكان كفرا.
••الثاني: بدل قوله اعتقاد الإجماع قال الآمدي حكم الإجماع فجعل التاج اعتقاد مكان حكم.
وهو كما قلت بسبب اختلاف النسخ وليس تصرُّفا من التاج نفسه والله تعالى أعلم.
٣ - وقوله في بيان معنى المعلوم في حد القياس في كتابه ((منع الموانع)) ناقلا تفسير الإمام في ذلك حيث قال: ((قال الإمام في ((المحصول)) (١): ((أما المعلوم فليس نعني به مطلق تعلق العلم
فقط، بل متعلق الاعتقاد والظن)).)) (٢)
وعند مراجعة ذلك في ((المحصول)) وجدته كما ذكره التاج السبكي إلا في أمرين:
••الأول: نقل التاج السبكي قوله فليس وفي ((المحصول)) فلسنا.
••الثاني: نقل التاج السبكي قوله تعلق وفي ((المحصول)) متعلق.
وهذه كما ترى تغييرات طفيفة لا تخل بالمعنى مما يؤكد أنها من اختلاف النساخ.
ومثل هذه النقول التي ذكرتها هي التي أكثر منها التاج السبكي في كتاباته، وفي بعض الأحيان كان يتصرف بالنقل بحيث أنه لا ينقل عين العبارة، وإنما ينقل معناها والمقصود منها فقط.
ومن ذلك:-
١ - قوله في مسألة تقديم القول على الفعل في البيان قال: ((وقال أبو الحسين المتقدم هو البيان)) (٣) ففي هذا النص نقل لنا التاج السبكي المقصود فقط من عبارة أبي الحسين ولم ينقل كل العبارة كما هي عند أبي الحسين.
وبالرجوع إلى ((المعتمد)) تجد أن العبارة الكاملة تعطي معنى ما قاله التاج السبكي تماما ... وهي: ((فيكون المتقدم هو الذي قصد به البيان المبتدأ.)) (٤)
٢ - وقوله في معنى كون الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري ناقلا ذلك عن الغزالي حيث قال: ... ((وقال الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يُحتاجُ في حصوله إلى التصوُّر بتوسط واسطة مفضية إليه، مع أن الواسطة حاضرة في الذهن، وليس ضروريا بمعنى أنه حاصل من غير واسطة.)) (٥)
هذا ما نقله التاج السبكي عن الغزالي، وعند الرجوع إلى ((المستصفى)) لم أجد هذا القول بحرفيته، بل وجدت كلاما طويلا مفاده ما ذكره التاج السبكي حيث قال الغزالي: ((وتحقيق القول فيه أن الضروري إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما، فهذا ليس بضروري فإنه حصل بواسطة المقدمتين المذكورتين، وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري، ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بوجه توسُّطها ... )) (٦)
٣ - قوله في قوادح العلة في النقض من كتابه ((جمع الجوامع)) ناقلا قول الآمدي حيث قال: ((وقال الآمدي: إن كان التخلف لمانع أو فقد شرط أو في معرض الاستثناء أو كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل لم يقدح.)) (٧)
стр. 149
قلت: وليس هذا نصُّ الآمدي وإنما هو مضمون كلامه، حيث لم ينقل التاج السبكي نصَّ عبارة الآمدي وإنما نقل مضمونها والمقصود منها فقط فقد قال الآمدي في ((الإحكام)): ((وأما إن كان تخلُّف الحكم عنها لا بطريق الاستثناء فلا يخلو أما أن تكون العلة منصوصة أو مستنبطة)) (١) [ثم تكلَّم على تفاصيلها وبين أنه إن لم يمكن تأويل النص لا يكون قادحا] ثم قال: ((وإن كانت العلة مستنبطة فتخلف الحكم عنها إما أن يكون لمانع أو فوات شرط أو لا يكون ... فإن كان الأول ... فلا يكون ذلك مبطلا للعلية ... )) (٢)
وبهذا ترى أنَّ التاج السبكي لم يتقيَّد بعبارة الآمدي بحرفيَّتها بل أخذ مضمونها ودوَّنه في كتابه، وهذا شأن المختصرات غالب مؤلفيها لا ينقلون فيها أقوالاً كثيرة بحرفيَّتها بل يضعون فيها خلاصة الأقوال ومضامينها دون نصوصها.
ثانياً: النقل غير المباشر [عن غير القائل الأصلي]:
الأصل في النقل أن يكون عن المصادر الأصلية، وعن القائل الأصلي ومن المآخذ التي يقع فيها بعض المؤلفين والمصنِّفين هو أنهم لا يلتزمون النقلَ عن المصادر الأصلية، بل ينقلون الأقوال عن غير قائليها ومن غير مصنفاتهم.
وهذا يُعدُّ نقصاً في البحث إلا إذا دَعَت ضرورةٌ لذلك كأن لم يوجد المصدر الأصلي لكونه مفقودا أو مخطوطا لا يعلم مكان وجوده أو لأسباب أخرى قد تدعو الباحث إلى ذلك.
والتاج السبكي كان لا يأخذ النقل إلا من المصدر الأصلي ولا ينسبه إلا لقائله، غير أنه في بعض الأحيان قد وقع في عملية النقل عن غير المصادر الأصلية، وأحيانا كنت أجده مع نقله عن هذه المصادر إلا أنه يرجع ويؤكد عدم رؤية هذا النقل في المصدر المنقول عنه.
وإليك أمثلة تدل على ذلك: -
١ - لقد بيَّن لنا التاجُ السبكي منهجه في النقل عن القاضي الباقلاني ونسبةِ الأقوال له، فالتاج السبكي كان مطَّلعاً على كتاب ((التقريب والإرشاد)) للباقلاني، كما أنه كان مطلعا على ((مختصر التقريب والإرشاد)) لإمام الحرمين الذي سماه بـ ((التلخيص))، وأحياناً كنتُ أجده ينسبُ القولَ إلى ((التلخيص)) وأخرى إلى ((مختصر التقريب)) وقد بيَّن التاج السبب في ذلك بقوله: ((واعلم أنّ هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه في هذا الشرح [أي ألإبهاج]، وهو كتابُ ((التلخيص)) لإمام الحرمين، اختصره من كتاب ((التقريب والإرشاد)) للقاضي، فلذلك أعزو النقلَ تارةً إلى ((التلخيص)) لإمام الحرمين، وذلك حيث يظهرُ لي أنّ الكلامَ من إمام الحرمين؛ فإنّه زاد من قَبِل نفسه أشياءَ على طريقة المتقدمين في الاختصار، وتارةً أعزوه إلى ((مختصر التقريب)) وهو حيث لا يَظْهر لي ذلك.)) (٣)
стр. 150
ومن ذلك قوله في بيان أن الوجوب مستفاد من وضع اللغة أم لا قال: ((وهو بعيد وممن ذكره الشيخ أبو اسحق والقاضي أبو بكر في ((مختصر التقريب)) لإمام الحرمين وقال: إن الأكثرين من القائلين بأن الصيغة تقتضي الوجوب عليه، وأنه كذلك بأصل الوضع، لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصيا ... (١))) (٢)
فأنت ترى هنا أن التاج السبكي قد نقل مقالة القاضي أبي بكر من كتاب ((مختصر التقريب)) لإمام الحرمين، ولم ينقله من ((التقريب والإرشاد)) نفسه، وقد علمت منهجه في نسبته القول إلى ((مختصر التقريب)) أو إلى ((التلخيص)).
٢ - من المواضع التي نقل فيها عن غير القائل الأصلي مع توفر المصدر الأصلي عنده قوله في مبحث النهي هل يقتضي التكرار أم لا، بعد ذكره قول الآمدي: اتفاق العقلاء على أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه قال: ((وزعمَ ابن برهان كما نقله عنه الأصفهاني انعقاد الإجماع عليه.)) (٣)
ففي هذا المثال نقلَ التاج السبكي مقالة ابن برهان من الأصفهاني، مع العلم بأنّ التاج السبكي كان مطلعا على ((الوجيز)) لابن برهان، وقد نقل عنه غير مرة في هذا الشرح.
٣ - ومنها قوله في بيان مسألة الزيادة على النص هل هي نسخ أم لا حيث نقل قول القاضي عبد الجبار فقال: ((وقال القاضي عبد الجبار: إن كانت الزيادة قد غيَّرت المزيدَ عليه تغييرا شرعيا بحيث صار المزيد عليه لو فُعلَ بعد الزيادة كما كان يُفعلُ قبلها كان وجوده كعدمه، ووجب استئنافه كزيادة ركعة على ركعتي الفجر، كان ذلك نسخاً أو كان قد خُيِّر بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخا، فتحريم ترك الفعلين السابقين وإلا فلا، كزيادة التغريب على الجلد، وزيادة عشرين جلدة على حد القاذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة كاشتراط الوضوء [ثم قال]: هذا مذهبه ذكرناه بعبارة الآمدي (٤) من نسخةٍ صحيحة مقروءة على الآمدي، وعليها خطه.)) (٥)
فأنت ترى هنا أن التاج السبكي قد نقل مقالة القاضي عبد الجبار بعبارة الآمدي، ولم ينقلها من مصدر عبد الجبار نفسه مع العلم بوجود كتابه ((العمد)) وتوفره بين يدي التاج السبكي والله تعالى أعلم.
ثالثاً: توجيه كلام العلماء وحمله على محمل حسن:
لم يكن التاج السبكي مُغرماً بتضعيف الأقوال وبيان سقوطها، بل كان رحمه الله تعالى، لا يألُ جهداً في تأويل كلام العلماء ومحاولة حمله على محمل حسن لا طعن فيه، وكان يحاول التوفيق بين النقول المتعارضة، ويوجِّه أقوالَ العلماء توجيهاً صحيحاً لا غبار ولا اعتراض عليه (٦)، ومن الشواهد الدالة على ذلك: -
стр. 151
١ - قوله في حجية الحديث المرسل في كتابه ((الإبهاج)): ((قال إمام الحرمين في ((البرهان)) إن الشافعي لا يقول بشيء من المراسيل (١)، وقال القاضي في ((مختصر التقريب)) إنه قبل المرسل في بعض الأماكن، [قال التاج السبكي بعد ذلك موضِّحاً الجمعَ بين هذين النقلين]: والحاصل أن قاعدة الشافعي رد المراسيل، والمواضع المستثناة لم يقبلها لكونها مراسيل، بل لظنٍّ عضَدَها، وقَضى بكونها مُسْندة، فكلام إمام الحرمين صحيح، وما ذكره القاضي أيضا صحيح والمواضع المستثناة منها.)) (٢)
ففي هذا المثال ترى أن التاج السبكي لم يَردَّ أيٍّ من القولين ولم يُسارِع في تضعيف أحدها أو بيان سقوطه، بل جمع بينهما بحيث انتفى التعارض بينهما.
٢ - وقوفه في باب إبطال الحسن والقبح العقليين بعد بيان بطلانه: ((واعلم أيضا أنه يأتي في عبارات بعض الأصحاب ما يؤخذ منه قاعد التحسين والتقبيح، أو يستلزم قاعدة التحسين والتقبيح، كقول أبي العباس بن سريج وأبي علي بن أبي هريرة، والقاضي أبو حامد المروزي (٣): إنّ شكرَ المنعم واجبٌ عقلا، وقول القفال: إنّ القياس يجبُ العملُ به عقلا، وقوله: إنّ خبر الواحد يجبُ العمل به عقلا إلى غير ذلك من المسائل)) ثم بيَّن التاج السبكي عُذْرَ هؤلاء وأحسنَ الظن بهم فقال: ((وسببه كما قال الأستاذ أبو اسحق في كتابه في أصول الفقه في مسألة شكر المنعم: هذه الطائفة من أصحابنا إنما ذهبت إلى هذه الآراء لأنهم كانوا يطالعون كتب المعتزلة لشغَفِهم بمسائل هذا العلم، فربما عثروا على هذه العبارة وهي شكر المنعم على النعمة قبل ورود السمع فاستحسنوها فذهبوا إليها ولم يقفوا على القبائح والفضائح التي تحتها، هذا كلام الأستاذ، وكذلك ذكر القاضي أبو بكر في ((التلخيص)) الذي اختصره إمام الحرمين في كتابه ((التقريب)) في مسألة حكم الأفعال قبل ورود الشرع، فإنّه قال: مال بعض الفقهاء إلى الحظر وبعضهم إلى الإباحة، وهذا لغفلتهم عن تشعُّب ذلك عن أصول المعتزلة مع علمنا بأنهم ما استحسنوا مسالكهم، وما اتبعوا مقاصدهم، [قال التاج السبكي معلقا على ذلك:] وهذه فائدة عظيمة جليلة.)) (٤)
٣ - وقوله في مسألة التكليف بالمحال في كتابه ((رفع الحاجب)) بعد ذكره منعَ إمام الحرمين والغزالي وابن دقيق العيد من التكليف بالمحال قال: ((فإن قلت: كيف حاد إمام الحرمين، وكذلك الشيخ أبو حامد الغزالي ومن معهم عن قول الشيخ، ووافقوا المعتزلة، ومَنْعُ التكليف بالمحال لا يمشي على قاعدة أهل السنة؟
стр. 152
قلت: هم وإن وافقوهم في الحكم، فالمأخذ مختلف، وذلك أنّ مأخذَ القدرية أن الآمر يريدُ وقوع المأمور به، والجمعُ بين علمه تعالى بأنه لا يقع وإرادته وقوعه تناقض، والإمام بريء من هذا المأخذ، وإنما تصوُّر أنّ الطلبَ في نفسه لا يتحقَّق مع علم الطالب أنّ المطلوبَ بأمره مستحيل.)) (١)
المبحث السادس
ذكر الأدلة والشواهد
التاج السبكي في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) كان مقرِّرا وشارحا للأدلة التي ذكرها البيضاوي وابن الحاجب، فهو كان يُبيِّنُ وجه الدلالة من الأدلة المذكورة وكيفية الاستدلال بها، ومن ثم يعقِّب عليها إما بذكر إيرادات عليها وردها، أو التسليم بها دون رد أو تعقيب، وقد مر معنا في المطالب السابقة أمثلة على ذلك، وشروحه مشحونة بأمثلتها، وما يهمُّنا هنا هو الأدلة التي كان يعرضها التاج السبكي نفسه والتي لم يتعرض لها البيضاوي وابن الحاجب.
أولاً: ذكر الأدلة والشواهد من القرآن ثم السنة ثم كلام العرب في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)):
كان التاج السبكي إذا ذكر دليلا فإما أن يكون هذا الدليل من القرآن فقط أو من السُنَّة أو من كلام العرب وشعرهم، وإما أن يجمعها كلها.
فمن المواضع التي جمعها كلها قوله مستدلاً على مجيء في للسببية في كتابه ((الإبهاج)): ... ((والثاني: أن ذلك شائع ذائع في لسان العرب وفي القرآن والسنة وشعر العرب، أما القرآن ففي قوله تعالى: ﴿لمسَّكُم فيما أفَضْتُم﴾ (٢) [أي: بسبب ما أفضتم]، و ﴿لمَسَّكم فيما أخَذْتم﴾ (٣)، وأما السنة فالحديث الذي أورده [أي الإمام الرازي وهو: ﴿في النفس المؤمنة مئة من الإبل﴾ (٤)]، وما رويَ أيضا من قوله ﷺ ﴿دخلت امرأة النار في هرة﴾ (٥)، وأما العرب فقال الشاعر:
بكرّتُ باللوم تلحانا ... في بعير ضل أوجانا)) (٦)
فكل هذه الأدلة ساقها التاج السبكي لبيان ورود في للسببية، والتمثيل بها واضح.
ومن المواضع التي استدل بها بالقرآن قوله استدلالا على تكليف الكفار بالفروع: ((ومن الدلائل الواضحة على أن الكافر مكلف بالفروع مطلقا، ولم أر من ذكره، قوله تعالى: ﴿الذين كَفرُوا وصَدُّوا عن سبيلِ الله زِدْناهُم عَذاباً فوقَ العذابِ بِما كانوا يُفْسِدون﴾ (٧) إذ لا يَمْتري الفهم في أنّ زيادةَ هذا العذاب إنما هو بالإفساد الذي هو قَدْرٌ زائدٌ على الكفر.)) (٨)
ومنها قوله مستدلا على كون النقض قادحٌ مطلقاً في كتابه ((رفع الحاجب)): ((وسابعها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كان مِنْ عند غَيرِ الله لَوجدوا فيه اختلافاً كثيرا﴾ (٩) قال علماؤُنا: والنقضُ من الاختلاف، فدلَّت المناقضة على أنّ الدليلَ ليس من عند الله، وما لا يكون من عند الله لا يحتج به.
стр. 153
وثامنها: قوله تعالى: ﴿إذْ قالوا ما أنزَلَ اللهُ على بَشَرٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاءَ به ... موسى﴾ (١) فقد نَقضَ الربُّ تعالى عليهم في دعواهم عموم عدم الإنزال بصورةٍ خاصة، وهي الإنزال على موسى، فلو لم يكن قادحاً لم تَبْطل دعواهم.)) (٢)
وأما ذكره للشواهد، فالمراد بالشاهد ما يُستأنَسُ به ويدلُّ على استعمال المراد التدليل عليه عند العرب أو في كلام الشارع ومن هذه الشواهد التي ذكرها التاج السبكي:-
قوله مستشهدا على صحة إطلاق ما يدور في النفس كلاما قال: ((قال الأخطل:
إنّ الكلامَ لفي الفؤاد وإنَّما ... جُعِلَ اللِّسانُ على الفؤاد دليلا)) (٣)
وقوله مستشهدا على وجود علاقة المآل في المجاز: ((أو آيلٌ ... باعتبار ما سيؤول إليه، ومنه قوله ﵊: ﴿إقرءوا على موتاكم يس﴾ (٤).)) (٥)
ومنها: قوله في بيان صحة مجيء لو للتمني: ((وأما قولنا وتَرِدُ للتمني فشاهده ... قوله تعالى: ﴿فلو أنّ لنا كرّة﴾ (٦) أي فليت لنا كرّة.)) (٧)
ثانياً: ذكر الأدلة والشواهد في ((جمع الجوامع)):
لم يُكْثر التاج السبكي من ذكر الأدلة والشواهد في ((جمع الجوامع)) وذلك لأنّ غرضه كما بينّا سابقا هو جمع الأقوال في المسائل الأصولية بطريقةٍ يَسْهُلُ على الباحث معرفة كل ما قيل فيها من آراء، وأما الأدلة فلم يكن يذكرها إلا في مواقع قليلة لأسباب بيَّنها التاج السبكي حيث قال: ((فربما ذكرنا الأدلة في بعض الأحايين إما لكونها مقرَّرة في مشاهير الكتب على وجهٍ لا يبين أو لغرابة، أو غير ذلك مما يستخرجه النظر المتين.)) (٨)
كما بيَّن التاج السبكي منهجه في ذكره هذه الأدلة والأمثلة فقال: ((ومن عادتي أنّ ما أضربه مثلا إن كان موجوداً في الكتاب أو السنة أو كلام العرب أو حملة الشريعة أُطلقه، وإن كان غيرَ موجودٍ أقول كقولك أو كما قيل ونحوه.)) (٩)
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
١ - قوله في مسألة التكليف بالمحال: ((ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد، والغزالي وابن دقيق العيد، ما ليس ممتنعا لتعلُّق العلم بعدم وقوعه.)) (١٠) قلت: لقد ذكر التاج السبكي هنا دليل أبي حامد ... والغزالي ومن معهم في هذه المسألة وذلك لبيان أنَّهم وإن وافقوا المعتزلة في الحكم إلا أنَّ مأخذهم مختلف، فالمعتزلة ينبني منعهم على قاعدة الحسن والقبح العقليين، في حين من ذكرهم لا يقولون بذلك وإنما يمنعون التكليف بالمحال لتعلق علم الله تعالى بكونه لا يقع والله تعالى أعلم.
стр. 154
٢ - من المواضع التي استشهد فيها بكلام الله وأطلقه وكلام غيره مما ليس معروفا عند العرب أو حملة الشريعة وقيده كقوله في مسألة دلالة لو: ((والصحيح وفاقا للشيخ الإمام: امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه ... كـ ﴿لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (١) ولا إن خَلَفه كقولك: لو كان إنسانا لكان حيوانا.)) (٢)
ففي هذا المثال: ذكر لنا التاج السبكي شاهدين على قوله الأول من كلام الله تعالى لذا أطلقه، والثاني من كلام غيره مما هو ليس من حملة الشريعة وإنما هو من كلام المناطقة لذا قيده بقوله كقولك.
المبحث السابع
منهجه في ذكر الفروع الفقهية
لقد أكثرَ التاج السبكي من ذكر الفروع الفقهية المبنية على المسائل الأصولية التي كان يطرحها، وهذا منهجٌ واضح جَليٌّ في أغلب مباحث شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر))، وهذه الناحية هي التي تميَّز بها التاج السبكي عن غيره من الشراح، ذلك أن الشراح الآخرين لم يكن أيٌّ منهم يأتي بمثل هذه الغزارة من الفروع، وأما التاج السبكي فلا يمرُّ بمسألة أصولية ينبني عليها فروع فقهية إلا ذكرها وبيَّنها، ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الفروع معظمها - إن لم تكن كلُّها - من فروع الفقه الشافعي، وأحيانا كنتُ أراه يأتي بفروعٍ لبيان ضعفها وردِّها وذلك تعريضاً بالفقهاء المخالفين للشافعي، سواء أكان ذلك في الأصول أم بالفروع، لذا كنت أجده يعقِّب المسألة بذكر بعض الفروع الفقهية المبنية عليها.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:
١ - قوله بعد بيان الخلاف الوارد في مسألة الوجوب إذا نسخ بقي الجواز: ((واعلم أنّ خلاف الأصوليين في هذه يناظره اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم، وذلك فيمن صلى الظهرَ قبل الزوال، فإنها لا تنعقد ظهرا، وفي انعقادها نقلاً هذا الخلاف، ويضاهيه مسائل:
منها: إذا أحال المشتري البائع بالثمن على رجل ثم وجد بالمبيع عيبا، فالأصح أن الحوالة تبطل، وهل للمحتال قبضه للمالك بعموم الإذن الذي تضمنه خصوص الحوالة فيه هذا الخلاف.)) ثم أضاف فروعا أخرى يتجه بناؤها على الأصل المذكور فقال: ((ويتجه بناء فروع على هذا الأصل لم أرَ من بناها: ...
ومنها: إذا باع بلفظ السَّلَم، فإنه ليس بسَلَمٍ قطعاً وفي انعقاده بيعاً قولان أظهرهما لا، ... وبناهما الأصحاب على أنّ الاعتبار باللفظ، أو بالمعنى، ويتجه بناؤهما على هذا الأصل أيضا.)) (٣)
стр. 155
٢ - وقوله في مسألة مَنْ هل يدخل فيها الإناث أم لا: ((فرع: لو نظرت الأجنبية في بيت الأجنبي جاز رميها على أصح الوجهين، ويمكن أن يبنى الخلاف على شمول من المؤنث، والأصل فيه ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : ﴿من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقئوا عينه.﴾ (١) وتستحق المرأة سَلَبَ المقتول على المذهب، لقوله ﷺ : ﴿من قتل قتيلا فله سلبه﴾ (٢).)) (٣)
٣ - وقوله في مسألة امتناع تكليف الغافل: ((ونظيره ميت انتفخ فانكسر بسبب انتفاخه قارورة، أو راكب مات فسقط على شيء لا يضمنان، لأنهما لا فعل لهما.)) (٤)
٤ - وقوله في مسألة وقوع أكثر من حكم بعلّة واحدة: ((والمختار وقوع حكمين بعلة إثباتا، كالسرقة للقطع والغُرم، ونفياً كالحيض للصوم والصلاة وغيرهما.)) (٥)
فأنت ترى من خلال هذه الأمثلة أن التاج السبكي قد ذكر أمثلةً فقهيةً تنطبق على القواعد الأصولية التي كان قد قررها، ووَجْهُ بنائها ظاهر لا يحتاج إلى بيان لذا اكتفيت بسردها سردا.
وأحيانا أخرى كنت أجده يذكر فروعا فقيهة لبيان كونها مستثناة من القاعدة الأصولية التي قررها من ذلك:
قوله في مسألة الإكراه الملجئ يمنع التكليف: ((على أنّ الفقهاءَ استثنوا مسائل من هذه القاعدة منها: الإكراه على القتل في أصح القولين، ومنها الإكراه على الكلام في الصلاة على الأصح، ومنها الرضاع، ومنها الحدث: وقد حكى الرافعي عن الحناطي وجهين في انتقاض الوضوء بمس الذكر ناسيا فلا يبعد أن يقال بجريانهما في حالة الإكراه، ومنها الإكراه على الزنا إن قلنا يُتصوَّر الإكراه عليه ... )) (٦)
ففي هذه الأمثلة ذكر لنا التاج السبكي فروعا ليس لبنائها على القاعدة المذكورة والتي مفادها منع التكليف بالإكراه، وإنما لبيان خروجها استثناءً من القاعدة.
ففي الإكراه على القتل الأصح أنّ القاتل آثمٌ وعليه عقوبةُ القصاص، والإكراه على الكلام في الصلاة يبطلها، والإكراه على الرضاع يُثبتُ أثره من حرمةٍ للنكاح، والإكراه على مس الذكر قد يبطل الوضوء، والإكراه على الزنا يوجبُ الحد، وبذلك وجدنا أن هذه الفروع جميعها قد ترتب عليها التكليف مع وجود الإكراه.
وأحيانا أخرى كان يذكر فروعا فقهية ترد نقضا على القاعدة الأصولية: وهذه الفروع إما أن يوردها لنقض قواعد المخالف، وإما أن يوردها لبيان كونها ناقضة لقاعدته ظاهريا ويُبيِّنُ عدمَ نقضها حقيقة ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
стр. 156
١ - قوله بعد بيان عدم صحة تصرُّفات الصبي مطلقا: ((وفي المذهب فروعٌ تَرِدُ نقضاً على ذلك وكلُّها مختلف فيها، ومنها ما هو على وجه ضعيف، فمنها: قبول قوله في رواية هلال رمضان، ومنها: إذا أخبر الصبي المميز بنجاسة أحد الإنائين، فأصح الوجهين لا يقبل خبره، منها: إذا شهد صبيَّان بأنّ فلاناً قتل فلانا فهل يكون ذلك لوثا، فيه وجهان ... ومنها: صحَّةُ بيع الاختيار على وجه، ومنها وصيته ... وفيها قولان، ومنها تدبيره وفيه قولان، ومنها أمانه وفيه طريقان ... )) (١)
فكل هذه الفروع أتى بها التاج السبكي لبيان أن القول بأن تصرفات الصبي كلها باطلة منقوضة بمثل هذه الفروع، ففي هذه الأمثلة التي ذكرها كلها قولان: أحدهما يقضي بصحة هذه التصرفات وهو النقض على القاعدة والآخر يقضي ببطلان تصرفاته وهو مستقيم مع القاعدة.
٢ - وقوله في مسألة التفريق بين الفساد والبطلان بعد تبنِّيه عدم الفرق بينهما: ((وإنَّما يُعطى الخطبُ عند متفقهة الشافعية إذا مرَّت بهم فروع فرَّق فيها الأصحاب بين الباطل والفاسد، حيثُ يظنون بها مناقضتهم لأصلهم فلنسردها ثم نفصح عن سردها، فمنها:
الخلع والكتابة، الباطل فيهما ما كان على غير عوض مقصود كالميتة، أو رجع إلى خلل كالصغر والسفه، والفاسد خلافه، وحكمٌ الباطل أنه لا يترتب عليه شيء، والفاسد يترتب عليه العتق ... والطلاق ويرجع الزوج بالمهر والسيد بالقيمة ...
ومنها: الإجارة الفاسدة يجب بها أجرة المثل، وأما إذا استأجر – مثلا – صبيٌّ رجلاً بالغاً فعمل عملا لم يستحق شيئا لأنه هو الذي فوَّت على نفسه عمله، وتكون باطلة ... [ثم بيَّن عدمَ مناقضة هذه الفروع لقواعد الشافعية أصلا فقال]: واعلم أنَّا فرقنا في هذه الفروع – كما علمت – بيدَ أنا لم نَرُم مرام الحنفية، ولم نَنْحُ طريقتهم، لأنهم يُثبتون بيعاً فاسداً يترتب عليه مع القبض أحكام شرعية، ونحن لا نفعل (٢) ذلك، وإنما العقود لها صورةٌ لغةً وعرفاً من عاقد ومعقود عليه وصيغة ولها شروط شرعية، فإن وُجدت كلُّها فهو صحيح، وإن فُقد العاقد أو المعقود عليه أو الصيغة وما يقوم مقامها، فلا عقدَ البتة، وتسميتُه باطلاً مجاز، وإن وُجدت وقارنَها مفسدٌ من عدم شرط أو نحوه فهو فاسد، وعندنا هو باطل أيضا، ولكن يطلق عليه الفاسد لمشابهته للصحيح من جهة ترتُّب أثرٍ ما عليه من أجرةِ مثلٍ ... وغير ذلك، ولم نَنْفِ عنه الإبطال، وإنما سمَّيناه بالفاسد وسكتنا عن ذكر الباطل تَفْرِقةً بين ما يترتب عليه أثرٌ ما وما لا يترتب.)) (٣)
فهذه الأمثلة التي أوردها التاج السبكي تدلُّ ظاهراً على عدم التزام الشافعية بأصول مذهبهم، ذكرها التاج السبكي ليبيِّن عدمَ مناقضتها لأصول الشافعية وبيَّن مرادَهم فيها بالفاسد والباطل وأنه غير مقصود الحنفية في ذلك.
стр. 157
٣ - وقوله في مسألة خبر الواحد مقبول في الحدود خلافا للكرخي والبصري: ((ومما يُردّ به عليهم القصاص، وهو مما يُدرأُ بالشبهات ومع هذا استدلوا عليه بخبر الواحد، كما استدلوا بخبرٍ مرسل في قتل المسلم بالذمي، واستدلوا بأثر عمر في قتل الجماعة بالواحد، واستدلوا في القصاص بالأقيسة، ... وهي أضعف من خبر الواحد.)) (١)
ففي هذا المثال ذكر لنا التاج السبكي فروعاً فقهيةً لينقض بها مُدّعا الخصم في عدم حجية خبر الواحد في الحدود حيث جاء بفروع فقهية قبلوا فيها خبر الواحد وما هو أقلَّ منه كالمرسل والقياس ... واستدلوا بها على أحكام شرعية من باب الحدود.
٤ - قوله في مسألة النفل لا يلزم بالشروع: ((ووجوبُ إتمام الحج لأن نفله كفرضه نيةً وكفارةً ... وغيرهما.)) (٢)
ذكر التاج السبكي هنا فرعا فقهيا جوابا لسؤال مقدرَّ تقديره: كيف تزعم أن النفل لا يلزم بالشروع مع أنكم تقولون بوجوب إتمام نفل الحج؟ فأجاب عنه التاج بقوله ووجوب إتمام الحج لأن نفله كفرضه، بمعنى أنه لا فارق بين الحج المفروض والحج النافلة ولا بأي وجه من الوجوه فالنية في كليهما واحدة والأركان واحدة، ومحرمات الإحرام واحدة، والكفارات المترتبة على ارتكاب المحظورات فيهما واحدة، بخلاف غيره كالصوم مثلا فإنّ النّية في فرضه تخالف النية في نفله، ففي الفرض يجبُ التبييتُ بخلاف النفل، ولا يترتب على إبطال صوم النافلة قضاءٌ ولا كفارة، بخلاف صوم الفريضة ونحوها، فظهرَ بذلك اختصاصَ الحج ببعض الأحكام دون غيره من النوافل والله تعالى أعلم.
وأحيانا أخرى وجدت التاج السبكي يذكر بعض الفروع لا لبنائها على الأصول، وإنما لبيان فسادها وعدم صحتها: ويدخل في ضمنها التعريض بالفقهاء المخالفين، ومن ذلك: قوله في مبحث التأويل من ((جمع الجوامع)): ((ومن البعيد تأويلُ أمسك على ابتدئ، وستين مسكيناً على ستين مُدّاً، وأيَّما امرأةٌ نكَحت نفسها على الصغيرة والأمة والمكاتبة، ولا صيامَ لمن لم يبيت على القضاء ... والنذر، وذكاة الجنين ذكاة أمه على التشبيه، وإنما الصدقات على بيان المصرف، ومن ملك ذا رحم على الأصول والفروع ... )) (٣)
فهذه الفروع ذكرها التاج السبكي لبيان فساد التأويل فيها وأنه لا يصح تأويلها على الوجه المذكور.
المبحث الثامن
منهجه في تخريج الأحاديث
لم يكن التاج السبكي مجرَّد أصوليٍّ فحسب، بل لقد كان ذا علوم كثيرة ومتنوعة، ومن بينها علمُ الحديث، فهو إلى جانب كونه أصولياً كان محدثاً ناقدا، ويظهر ذلك من خلال نظرته للأحاديث التي يذكرها، فهو لا يكاد يَمرُّ بحديث إلا وخرَّجه مبيِّناً مخرجيه ومتحدِّثاً عليه صِحَّةً وضعفاً بما تقتضيه صناعة الحديث، وأحيانا كنت أراه يتكلَّمُ أيضاً على بعض رجاله مبيِّناً مدى وَثاقتهم أو ضعفهم على قواعد الجرح والتعديل.
стр. 158
وقد اتبع التاج السبكي ذلك في كتاباته كلِّها ومن بينها كتاباته في أصول الفقه، ومن هنا تميَّز التاج على غيره من الشراح، فالشراح لا يتعرَّضون غالباً لصناعة الحديث في مؤلفاتهم الأصولية، بخلاف التاج السبكي ففي شرحيه لا تكاد تجده يمرُّ بحديثٍ إلا وتكلَّم عليه، وقد صرَّح التاج باتباعه هذا المنهج في مقدمة كتابه ((رفع الحاجب)) فقال: ((ومع الكلام على أحاديثه [أي مختصر ابن الحاجب] مما تقتضيه صناعة الحديث.)) (١)
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
أولاً: من الشواهد الدالة على اكتفائه بنسبة الحديث إلى مخرجيه:
١ - قوله في مبحث الإيماء في مسالك العلة بعد ذكر أمثلة على الإيماء: ((الأول: أن يدفع السؤال في صورة الإشكال بذكر الوصف كما روي أن ﵇ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب فقيل إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة فقال ﵇: ﴿إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات﴾ [قال التاج السبكي معقبا:] رواه الأربعة أصحاب السنن)) (٢)
٢ - قوله في مسألة وقوع المترادف رادا على من زعم عدم الوقوع: ((وذلك الردُّ عليهما أيضاً بما في سنن أبي داود (٣) والترمذي (٤) وابن ماجة (٥) من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: ﴿كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ بالبطحاء، فمرت سحابة فقال رسول الله صلى الله عليه ... وسلم:" أتدرون ما هذا؟ " فقلنا: السحاب، قال:" والمزن "، قلنا: والمزن، قال:" والعنان، ... ﴾ الحديث)) (٦)
ففي هذه الأمثلة اكتفى التاج السبكي ببيان رواة هذه الأحاديث ولم يبين لنا مدى صحتها أو ضعفها لديه.
ثانياً: من الشواهد الدالة على كلامه على الأحاديث صحة وضعفا:
١ - قوله في حُجَّة الإجماع ردَّاً على من زَعم عدمَ حجيته بسبب اختلاف الصحابة: ((وروى نعيم بن حماد الخزاعي عن عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر ... مرفوعا: ﴿سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى إلي يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه على اختلافهم عندي فهو على هدى﴾ (٧) [قال التاج السبكي معقِّبا على هذا الحديث]:وهذا حديث قال فيه أحمد لا يصح، ثم إنه منقطع فابن المسيب لم يسمع من عمر شيئا.)) (٨)
ففي هذا المثال بيَّن لنا التاج السبكي عدم صحة الحديث بقول الإمام أحمد ولكونه منقطعا بسبب الانقطاع بين ابن المسيب وعمر ﵁.
стр. 159
٢ - وقوله في مبحث الإيماء من مسالك العلل بعد ذكره أمثلة على الإيماء قال: ((وقيل إن قوله ﵊ لما سأله عمر عن قبلة الصائم ﴿أرأيتَ لو تمضمضت أكان ذلك مفسدا. فقال: ... لا﴾ من ذلك، [ثم قال]: والحديث رواه أبو داود (١) والنسائي وضعَّفه أحمد، وقال النسائي: أنه منكر.)) (٢)
هذا وقد بلغ من دقة التاج السبكي في هذا المجال أنه إذا روي حديث ولم يكن يعرفه بعد البحث فإنه ينص على ذلك، فمن ذلك:-
قوله معقِّبا على حديث ﴿اختلاف أمتي رحمة﴾ (٣): ((واعلم أن الحديث المشار إليه غير معروف، ولم أقف له على سند، ولا رأيت أحدا من الحفاظ ذكره إلا البيهقي في رسالته إلى الشيخ العميد عميد الملك بسبب الأشعري وقد ساقها الحافظ ابن عساكر في ((التبيين)) (٤)، إلا أنّ البيهقي لم يذكر له إسنادا، بل قال روى النبي ﷺ كذا.)) (٥)
وقوله على حديث: ﴿خذوا شطر دينكم عن الحميراء﴾ (٦): ((وهذا الحديث لا يعرف، وكان شيخنا أبو الحجاج المزي ﵀ يقول: كل حديث فيه لفظ الحميراء لا أصل له إلا حديثا واحدا في النسائي.)) (٧)
ومن دقته أيضا أنه كان يستدرك على الأصوليين في تصحيحهم لبعض الأحاديث:
فمنها قوله معقبا على قول الإمام الجويني في ((البرهان)) بأنّ حديث معاذ في الاجتهاد بالرأي مدوَّن في الصحاح متفق على صحته (٨): ((قلت [أي التاج]: وهذا عجيب من إمام الحرمين، فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري لا يصح هذا الحديث، وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل.)) (٩)
ثالثاً: من الشواهد الدالة على كلامه على رجال بعض الأحاديث: -
فمنها قوله في مبحث رد رواية المجهول: ((فإن قيل: قد قبلتم المجهول، وذلك أن عبد الرحمن ابن وعلة المصري، رجل مجهول، وقد روى عن ابن عباس أن النبي على الله عليه وسلم قال: ﴿أيما إهاب دبغ فقد طهر﴾ (١٠)، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه ذكر له حديثه هذا فقال: ومن ابن وعلة؟! قلنا: ليس ابن وعلة مجهولا، بل هو ثقة. روى عنه زيد بن أسلم ويحيى بن سعيد وغيرهما، ووثقه ابن معين والعجلي والنسائي، وروى له مسلم والأربعة (١١).)) (١٢)
стр. 160
وقوله على حديث ﴿الأئمة من قريش﴾: ((رواه أحمد (١) والنسائي من رواية بكير بن وهب الجزري عن أنس، وبكير مجهول (٢)، فإنه لم يرو عنه غير أبي الأسود علي، وقال فيه الأزدي: غير قوي، ولكن روى له النسائي، وأهل المعرفة بالحديث يرون مجرد رواية النسائي له أرجح من تضعيف الأزدي إياه.
ورواه الهيثم بن كليب الشاشي والطبراني من رواية أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ - بالنون والجيم والذال المعجمة - عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعا، وتكلم عليه الدارقطني في ((العلل)) ... قلت [أي: التاج السبكي]: وربيعة بن ناجذ مجهول (٣)، لأنه لم يرو عنه غير أبي صادق، وقد روى له ابن ماجة.)) (٤)
هذه أهم الملامح لتخريجه للأحاديث، غير أنه مما ينبغي لفت النظر إليه أن التاج السبكي لم يلتزم ذلك المنهج في كل الأحاديث التي يوردها، بل لقد وجدته ترك عددا لا بأس به من الأحاديث، ذكرها ... ولم يتكلم عليها بأي شيء سواء بنسبتها إلى مخرجيها أو نحو ذلك، وأكثر من ذلك في كتابه ((منع الموانع)) حيث كان الغالب عليه عدم تخريج الأحاديث الواردة، ومن الأحاديث التي ذكرها دون تخريج بتاتا:-
حديث: ﴿أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل﴾ ذكره التاج السبكي في ((الإبهاج)) (٥)، ولم يتكلّم عليه بشيء.
قلت: والحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب النكاح باب في الولي برقم ٢٠٨٢ ورواه أحمد في المسند برقم ٢٥٨٤٠
وحديث: ﴿لا عدوى ولا طيرة﴾ حيث ذكره التاج السبكي في ((رفع الحاجب)) (٦) هكذا ولم يعلق عليه بأي شيء، وهو مخرج في البخاري في كتاب الطب باب الطيرة حديث رقم ٥٣١٢ ومسلم في كتاب السلام رقم ٥٧٦٦
وحديث: ﴿لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى رجال دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر﴾ أورده التاج السبكي في ((منع الموانع)) (٧) ولم يعقب عليه بشيء.
قلت: وهو مخرج في الصحيحين، فقد رواه البخاري في تفسير القرآن، باب إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلا برقم ٤١٨٧، ورواه مسلم في كتاب الأقضية برقم ٤٤٤٥.
المبحث التاسع
منهجه في التعامل مع العلماء الذين تأثر بهم
مما لا شك فيه أن أي عالم أو باحث ما، لا بد وأنه قد تأثر بغيره من العلماء، ويظهر هذا التأثر من خلال موافقته له في آرائه ونقله لها، كما ويبرز في عدد النقول التي كان يعتمد عليها عن العلماء الذين تأثر بهم، والتاج السبكي كان من هؤلاء العلماء الذين تأثروا بغيرهم، وسأعرض في هذا المبحث لأربعة من العلماء الذين كان لهم عظيم الأثر في شخصية التاج السبكي مع بيان موقفه منهم.
وهؤلاء العلماء هم:-
стр. 161
أولاً: الإمام الشافعي:
كما ذكرت غير مرَّة فإن التاج السبكي كان يدين الله تعالى على مذهب الإمام الشافعي، فهو شافعي جَلْد، ومن أكثر الناس حُبَّاً للشافعي وإجلالاً وتعظيماً له، وكان يَرى أنَّ الإمام الشافعي هو أفضل الأئمة وأنَّ مذهبه هو المذهب الذي ينبغي على كل أحد أن ينتحله ويقول في ذلك في كلام طويل أنقل لك أكثره: ((إن قصر نظر بعض المصنفين (١) عن فهم مراتب المجتهدين فلا عليه لو اقتدى بقوله ﷺ : ﴿الأئمة من قريش﴾ (٢)، وقوله ﷺ : ﴿قدموا قريشاً ولا تذموها﴾ (٣)، ولم يكن أحد من أصحاب المذاهب معزياً إلى صليبة قريش بالمسلك الواضح إلا الشافعي، ولا خلاف في اختصاصه بذلك، وأنه المقصود بقوله ﷺ : ﴿عالم قريش يملأ طباق الأرض علما﴾ (٤) لأنه الذي طبَّق طباق الأرض، وتخلَّق بالطيب، ورد ليلها المسود، وجبين نهارها المبيض، وصار اسمه في مشارقها ومغاربها، وعلا على أنجم السماء طوالعها وغواربها.
وقد قام إمام الحرمين مناديا بما لَوَّحَ به جماعةٌ من الأصحاب من وجوب تقليد الشافعي في كتابه: الترجيح بين المذهبين (٥) أنه يدعي أنه يجب على كافة المسلمين وعامة المؤمنين شرقا وغربا بُعداً وقُرباً انتحالَ مذهب الشافعي، وبحيث لا يبغون عنه حولا ولا يريدون به بدلا، والذي نقوله نحن [أي التاج السبكي] إن كتابنا هذا شارح لمختصر أصول لا نرى أن نخرج عنه إلى ما لا يتعلق به من الترجيح بين المذاهب، ولكن الذي نفوه به هو أنه يتعين على المقلد النظر بعين التعظيم إلى قدوته، والإيماء بطرف التقديم نحو إمامه، ونحن نراعي ذلك في حق إمامنا رضوان الله عليه ونقول بجمع الكلام فيما نحاوله أمور ثلاثة)) ثم ذكرها بتفصيل ومنها أنه لا يرى أنّ أحداً قد بلغ رتبة الاجتهاد المطلق بعد الشافعي حيث قال: ((ولكنّا لسنا نرى أحداً من الأئمة بعد بلغ هذا المحل، كذا أجاب إمام الحرمين، وتغالى غيره وقال: لم يبلغ أحدٌ بعد الشافعي منصب الاجتهاد المطلق فضلا عن الوصول إلى ما وصل إليه الشافعي.))
وبعد ذلك ذكر [التاج السبكي] منزلة الإمام الشافعي في الأصول فقال: ((ولا يخفى على الساري في الظُّلَم رُجحانَ نظر الشافعي في الأصول التي هي أهمُّ ما ينبغي للمجتهد، وأنه أوَّلُ من أبدعَ ترتيبها ومهَّد قوانينها، وألَّف فيها رسالته، ولم لا يكون ذلك وأعظمُ ما يُستمدُّ منه أصول الفقه، اللغة، والشافعي كان من صميم العرب العرباء ممن تفقأت عينه بيضة بني مضر.))
стр. 162
ثم أسهب في بيان قَدْر الشافعي في شتى العلوم فأخذ ببيانها علماً علما فقال: ((فأما الكتاب فهو عربيٌّ مبين، والشافعي إذا أنصف الناظر عَرَفَ أنه المميَّزُ عن غيره فيما يحاوله منه، لأنه القرشي البليغ ذو اللغة التي يَحتجُّ بها الواصل إلى الذروة في معرفة الناسخ والمنسوخ ومعرفة الروايات.))
ثم تكلَّم عن الحديث فقال: ((وأما الحديث فلا ينكرُ منصفٌ مقامَه في الأخبار، وإلقاءَه الأحاديث من حفظه ... حتى قال أبو زُرعة: ما عند الشافعي حديثٌ غَلط فيه، وقال أبو داود: ما أعلمُ للشافعي حديثاً خطأ، وهو في معرفة الرجال وغير ذلك من فنون الحديث الواصل الليل بالنهار يُنزِّلُ الأحاديثَ منازلها ويَقْبلُ كلَّ ما صح منها ويجعله مذهبه لا يفرِّقُ بين كوفيٍّ ومدني، [ثم قال] وأما فِقْهُ الحديث فهو سيِّدُ الناس في ذلك.))
هذا ويرى التاج السبكي أنّ الشافعيَّ أعلمُ بالحديث من الإمام أحمد ويقول في تأويل عبارة الشافعي لأحمد أنتم أعلم منا بالحديث فقل لي كوفية وبصرية: ((يعني أنكم أهل العراق أعلم منا معشر الحجازيين بأحاديث الكوفة والبصرة ... ولم يُرِد الشافعي أنّ ابن حنبلٍ أعلم منه بالحديث كما ظن بعض الأغبياء حاش الله، وإنما أراد ما ذكرناه ... ولو أرادَ الشافعي ما زَعمه بعض الأغبياء جَبْراً لأحمد وتأدُّباً معه وتعظيما لجانب تلميذه لجاز ذلك، ولا لَومَ عليه.))
ومن ثَمَّ بيَّن التاج السبكي أرجحية نظر الشافعي في الفقه وكيفية ترتيبه لأدلة الفقه ورده للأدلة المختلف فيها كالاستحسان وغيره ثم قال: ((وآخر ما نذكره دليلا لم يُرَ من سبقنا باستنباطه يدلُّ على ما نحاوله، وهو حديث ﴿يبعث الله على رأس كل مئة من يجدد لها أمر دينها﴾ واتفق الناس على أنّ المبعوث على رأس الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى الثانية الشافعي، ويأبى الله أن يبعثَ مخطئاً في اجتهاده أو يختصَّ ناقصَ المرتبة بهذه المزية، بل هذا صريح في أنّ ما يأتي به المبعوث فهو دين الله الذي شرعه لعباده، ومن الغرائب الواقعة في هذا الأمر المؤيدة لما ذكرناه وما حاولناه تأييدا يَنْثلجُ به الصدر أن الله تعالى خصَّ أصحابَ الشافعي بهذه الفضيلة فكان على رأس الثلاثمئة ابن سريج، وهو من أكبر أصحابه، وعلى رأس الأربعمئة الشيخ أبو حامد إمام العراقيين من أصحابه، وعلى رأس الخمسمئة الغزالي القائمُ بالذبِّ عن مذهبه، والداعي إليه بكل طريق، وعلى السادسة الإمام فخر الدين الرازي أحد المقلدين له والمنتحلين مذهبه والذابين عنه، وعلى السابعة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد الذي رجعَ إلى مذهبه وانتحله وتولىَّ القضاء وحكمَ به بعد أن كان في أول نشأته مالكيا.)) (١) انتهى.
وقد أردت ذكر هذه النصوص وذلك لأنَّ فيها بياناً لمدى حُبِّ التاج للشافعي وكيف يرى وجوبَ تقديمه على غيره وبالتالي وجوبَ تقليده، واعلم أنّ أكثر هذه الاستدلالات التي أوردها التاج السبكي مأخوذةٌ من قُدوته في ذلك وسلفه العظيم الإمام الجويني، حيث ذكر هذه الاستدلالات في أواخر كتابه ((البرهان)) (٢) فانظرها هناك إن شئت.
стр. 163
وقال التاج السبكي مقرِّرا لذلك أيضا: ((إني اعتبرتُ أقوالَ غير المقلدين لواحدٍ من الأربعة في الأربعة: فوجدت الكل مطبقين على أنه إن كان تقليدٌ لأحد فليكن للشافعي، وهم مجمعون على أنه متوسط بين الرأي والأثر، آخذٌ بمجامع الأمرين، من غير إفراط ولا تفريط في واحد من الجانبين، ... وعلى ذلك جميع المحدثين إلا من شذ ممن لا يُعبأُ به من متأخري حنابلتهم، ثم وجدت طوائف الأئمة الثلاثة الحنفية والمالكية والحنابلة، متفقين على أنّه إن كان تقليدٌ لغير أئمتهم فليكن الشافعي ... فلا تجد حنفياً إلا ويقول: إن كان لا بدَّ من الخروج عن مذهب أبي حنيفة فليكن الشافعي، كذلك المالكي، وكذلك الحنبلي.)) (١)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الإمام تاج الدين السبكي قد تأثر بالشافعي كثيراً في كتاباته الأصولية ويظهر ذلك من خلال ما يأتي:-
١ - كثرة النقول التي يصرح بها باسمه والتي يأتي بها التاج السبكي ليشرح بها ويؤكد المسائل الأصولية المطروحة، وقد بلغ عدد النقول التي أحصيتها عن الشافعي في كتابات التاج السبكي موضع الدراسة حوالي مئتين وثلاثة وتسعين موضعا (٢٩٣).
٢ - اعلم أني لم أطلع على أيَّةِ مسألةٍ أصولية أو غير أصولية قد خالفَ فيها التاج السبكي الشافعي مخالفةً صريحة، بل حتى ولا ضمنية، لذا سوف تجد أن التاج السبكي في كتاباته دائما وأبدا ما يوافق الشافعي في ما يذهب إليه، وأحيانا كنت أراه يؤول كلام الشافعي ليتناسب مع ما اختاره التاج ولم يكن للشافعي فيه كلاما صريحا، ومن ذلك قوله في بيان أن صيغة الأمر لا تقتضي لذاتها الوجوب بل الوجوب مأخوذ من خارجها: ((وهذا الذي اختاره الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو المختار عندنا، فإن الوعيد لا يُستفادُ من اللفظ، بل هو أمرٌ خارجي عنه، ولكنا نقول: المنقول عن الشافعي أن الصيغة تقتضي الوجوب، ومراده الصيغة الواردة في الشرع؛ إذ لا غرض له في الكلام في شيء غيرها، ولم يصرِّح الشافعي بأن مقتضاها للوجوب مستفاد منها، فلعلَّه يرتضي هذا التركيب ويقول به، ويكون ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو الذي ذهب إليه إمامهما.)) (٢)
ففي هذا المثال ترى كيف أنَ التاجَ السبكي قد حاول فهمَ كلام الشافعي بناءً على ما رجَّحه في صيغة الأمر وذلك خوفا من مخالفته في ذلك.
٣ - الدفاع عن الإمام الشافعي وتأويلُ كلامه وحمله على محمل حسن: حيث كان التاج السبكي يحاول جهده في تقرير كلام الشافعي بحيث لا يعترض عليه أحد، بل لقد وجدته يوجِّه النقدَ اللاذع والمرَّ لكل من يتجَّرأُ ويخالف الشافعي ويَردُّ عليه، ومن الشواهد الدالة على ذلك: -
стр. 164
قوله في بيان أقوال الشافعي وأنّ تعدد الأقوال عنه علامةً على علو شأنه في العلم والدين قال بعد ذلك: ((وقد عاب القولين على الشافعي من لا خَلاق له، وأتى بزخرف من القول زكاة ونمَّقه، واللهِ لا سوَّاه ولا عدَّله، وذلك لنقصانٍ وقصورٍ وحَسدٍ كامن في الصدور، وقال في العلماء قولاً كبيراً وفاه بألسنةٍ حداد سيصلى سعيرا ... ونحن لا نَحْفَلُ بكلمه، ولا نقول بكلامه، ولا نرى أن يشتمل مثل هذا الشرح على مثل ذلك الهذيان الذي هو خيال، طَرَق ذا الخيال في منامه، ويُكتَفى بما صنَّفه أصحابنا قديماً وحديثاً في نُصْرة القولين، ويخيل العطن على ذهنه، والبليد على الوقوف عليها)) ثم بيَّن بعض الأدلة على كون القولين لا تُنْقِص من قدر العالم بل فيها مِزْيةٌ وتنبيه على غزارة العلم والمنتهى في الديانة، وختمها بقوله: ((وقد سئل بعضهم ما السبب في قِصَرِ عمر الشافعي، فقال حتى لا يزالون مختلفين، ولو طال عمره لرُفِع الخلاف.)) (١)
فانظر إلى هذه الشدة وهذه القسوة التي ردَّ بها التاج السبكي على من عاب على الشافعي ومن انتقص من قدره وظنَّ أن اختلاف الأقوال فيه نقيصة منه.
وقوله في مسألة جواز النسخ بغير بدل: ((ونُقلَ عن الشافعي ﵁ خلافه وعبارته كرم الله وجهه في ((الرسالة)): ((وليس يُنْسخُ فرضٌ أبداً إلا أُثبتَ مكانه فرض، وكما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة ... )) (٢) انتهى.
وظاهرها: أنَّه لا يُنْسخُ الفرضُ إلا ببدل هو فرضٌ أيضاً، وإنما أرادَ الشافعي بهذه العبارة كما نبّه عليه أبو بكرٍ الصيرفي في ((شرح الرسالة)) أنه يُنْقلُ من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو تخيير على حسب أحوال الفروض ... فهذا معنى قول الشافعي ﵁ فرضٌ مكان فرضٍ فافهمه ... فقد وضّح أنّ مراد الشافعي بالبدل الذي ذكر أنه لا يقع النسخ إلا به: انتقالهم من حكم شرعي إلى حكم شرعي، وذلك أعمُّ من أن يعادوا إلى ما كانوا عليه ... والمقصود أنهم ينقلون من حكم شرعي إلى مثله ولا يتركون غير محكوم عليهم بشيء.)) (٣)
فأنت ترى هنا كيف أن التاج السبكي قد أوَّلَ كلامَ الإمام الشافعي بحيث يستقيم ولا يُعترَضُ عليه، وهذا هو شأن التاج السبكي دائماً لا يرى أنّ الشافعي قد أخطأ وإن أوهمَ ظاهر كلامه غير ذلك، ذلك أنّ التاج السبكي كان يرى أنّ مخالفة الشافعي في الأصول أمرٌ عظيم وهو غير مقبول.
стр. 165
ثانياً: إمام الحرمين الجويني:
يعد إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني من أركان طريقة المتكلمين الأصولية، ولا يكاد يخلو أيُّ كتاب أصولي من ذكره وذكر آرائه، وتعد مؤلفاته من أعظم ما ألف في هذا الفن، حيث يقول التاج السبكي عن ((البرهان)) إنه من مفتخرات الشافعيين (١)، وأما كتابه ((التلخيص)) فيقول عنه: ((إني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين، ... وتنقيبي عنها على ثقة بأني لم أر كتابا أجلَّ من هذا التلخيص، لا لمتقدم ولا لمتأخر، ومن طالعه مع نظره إلى ما عداه من المصنفات، عَلِمَ قدر هذا الكتاب.)) (٢)
إذا عرفت ذلك فلا تستغرب إذا ما قلت لك أن التاج السبكي كان من أكثر العلماء الذين تأثروا بإمام الحرمين وتبنوا آراءه وناضلوا عنها، وكان يقف سداً منيعاً في وجه كل من يخالف الإمام الجويني أو ينتقص من قدره، ويظهر تأثير إمام الحرمين في التاج السبكي في النواحي الآتية:-
١ - كثرة النقول التي يوردها التاج السبكي عن إمام الحرمين: وهذه النقول تمتاز بالإطالة حيث وجدته ينقل عن إمام الحرمين النصوص الطويلة الحرفية والتي قد تتعدى الصفحة والصفحتين، وقد بلغ عدد النقول التي أوردها التاج السبكي في كتاباته حوالي أربعمئة وواحد وستين موضعا (٤٦١).
٢ - أن التاج السبكي في كثير من اختياراته الأصولية وترجيحاته إنما يكون فيها موافقا لإمام الحرمين، ... ولا أبالغ إذا ما قلت أنه من أكثر العلماء الذين تأثروا بالإمام الجويني ومن الشواهد الدالة على موافقته لإمام الحرمين في الاختيارات:-
قوله في مسلك السبر والتقسيم: ((وقد صرّح إمام الحرمين في كتاب ((الأساليب)) بأنّ السبر والتقسيم لا يُحتجُّ به إلا إن قام الدليل على أنّ الحكم معلّلٌ وأنّ العلة منحصرة في أحد أوصاف معينة ومتحدة، ثم يبطل ما عدا الوصف المدَّعى علةً فيثبت حينئذ علِّيَّة ذلك الوصف [قال التاج السبكي معلقا]: وهو المختار.)) (٣)
وقوله في مسألة العام إذا خُصَّ كان مجازاً في الباقي بعد ذكره الأقوال الواردة في المسألة: ... ((واعلم أنّ رأي إمام الحرمين هو المختار عندي وأنا أبسطه ليتضح ... اختار الإمام أنه مشترك بين الحقيقة والمجاز ... )) (٤)
وقوله في ((منع الموانع)) في الحديث على الإكراه: ((إن التكليف في حقه مستصحب لا واقع وقوعاً مبتدأً كما حققناه في الخارج من المغصوب نحن وإمام الحرمين، حين قلنا: إنه مرتبك في المعصية، وهذا وإن رده رادّون على إمام الحرمين فهو عندنا الحق الذي لا مرية فيه.)) (٥)
стр. 166
٣ - تأويل كلامه وحمله على محمل حسن والاعتذار له عن بعض الأخطاء: لم يكن التاج السبكي ليتجرأ ويخالف الإمام الجويني، بل لقد وجدته حيث وجد له كلاماً يراه باطلاً يحاول قدر الإمكان تأويله ... والاعتذار له عنه، فمن ذلك قوله في مسألة خصوص السبب هل يخصص العموم: ((وخالف في ذلك مالك والمزني، وأبو ثور فقالوا: إنّ خصوص السبب يكون مخصِّصاً لعموم اللفظ، قال إمام الحرمين: وهو الذي صح عندنا من مذهب الشافعي)) قال التاج السبكي بعد بيان حقيقة مذهب الشافعي: ... ((وأما ما ذكره إمام الحرمين فلعلّه اطلع على نصٍّ مرجوح عنه أو غير ذلك، فإن الخلاف فيه غير بعيد عن المذهب.)) (١)
فأنت ترى أنه في هذا المثال حاول التاج السبكي التماس العذر لإمام الحرمين، وذلك خشية من مخالفته.
وقوله في مسألة التعليل بعلّتين: ((وأما تعليل الحكم الواحد في شخص واحد بعلل مختلفة نحو تحريم وطء المعتدة المحرمة الحائض، وزاد إمام الحرمين الصائمة، وهو سهو لأنّ الصوم يستحيل أن يجامعَ الحيض شرعا.)) (٢)
هذا ما قاله التاج السبكي في ((الإبهاج)) حيث جعل الصائمة من باب السهو، غير أنه في ((رفع الحاجب)) ردَّ ذلك وأوَّلَ كلام إمام الحرمين بحيث لا يُعترَضُ عليه فقال: ((وزاد إمام الحرمين في كل من ((مختصر التقريب)) و ((البرهان)) و ((التدريس)) الصائمة وعبارته في ((مختصر التقريب)): وذلك كمثل المرأة يجتمع فيها الإحرام والحيض والصوم، [قال التاج السبكي]: وقيل إن ذلك سهو، لاستحالة مجامعة الصوم شرعا للحيض، ويُحتمل أن يُريد أنّ المرأة قد يجتمع فيها وصفان، وتَعْتَوِرُها حالتان مقتضيتان للتحريم، إما إحرام وحيض، وإما إحرام وصوم. ولذلك قال في ((البرهان)): مثل تحريم المرأة الواحدة بعلة الحيض والإحرام والصيام والصلاة.
فمراده اجتماع وصفين، وذلك كالصيام والصلاة، أو الإحرام مع الحيض، ونحو ذلك، لا أنّ الأربعة تجتمع.)) (٣)
٤ - الدفاع عنه ورد كل ما يوجه إليه من انتقادات: كان التاج السبكي شديد اللهجة على كل من يعارض الإمام الجويني أو ينتقده في شيء ما، وردوده في ذلك قاسية شأنها شأن ردوده على معارضي الشافعي، فمن ذلك: قوله في أدلة حجية الإجماع بعد ذكر دليل إمام الحرمين: ((هذا دليل إمام الحرمين، وهو الذي ذكره المصنف آخرا، وقد اعترضه الإمام بأنا لا نسلِّم انحصار التقسيم ... [إلى أن قال] هذا اعتراض الإمام، وزاد الشيخ الهندي اعتراضين آخرين، فقال: هذه الدلالة لو صحت لاقتضت أن يكون إجماع الخلق العظيم من كل أمة حجة ... [ثم قال التاج السبكي]: فهذه جملة الاعتراضات على إمام الحرمين، وأنا أقول: أن الأول وهو منع الحصر بالاتفاق على الشبهة - وهو أقواها - فقد يقال فيه: إنّ كلَّ اتفاق وقع عن شبهة فهناك قاطع يصادمه، وإنما تَسْكنُ النفس للإجماع إذا لم يكن ثَمَّ قاطعٌ معارض، فحيث وجدنا إجماعاً ولا قاطع يصادمه وهو الذي إما أن يكون لدليل أو أمارة فاتَّجه الحصر في القسمين وخرج إجماع المبطلين، فإنه أبداً مستصحب لقاطع مصادم.
стр. 167
وأما الثاني: فساقط؛ لأن من استقرأ أحوال الصحابة كاد علمه باتفاقهم على المنع من مخالفته يكون ضروريا.
وأما الثالث: فجوابه أن المعلوم من عادتهم أنهم ما كانوا يقطعون بالمنع من مخالفة الحكم الصادر عن الأمارة إذا لم يعضدهم إجماع.
وأما الرابع والخامس: فساقطان لأن إمام الحرمين لم يلتزمهما وصرَّح بذلك من بعد.
وقد بان بهذا حسن طريقة إمام الحرمين في الاستدلال على الإجماع.)) (١)
وقوله في مسألة خصوص السبب بعد ذكر كلام إمام الحرمين في نقله عن الشافعي أنه يخصص العموم: ((ورد عليه المازري ثم ابن الأبياري بما لا يرضاه لنفسه محقق، وهما شيخان قد بالغا في مخاطبة الإمام، ولو تتبع المتتبع كلماتهما لألفاها منقوضة العُرى منبوذةً بالقرى، ومما يدل على تعصبهما ما ذكراه في مسألة علم الله سبحانه بالجزئيات، وما نسباه إلى إمام الحرمين مما هو بريء منه من غير تأمل كلامه.)) (٢)
٥ - في ردوده على إمام الحرمين يأتي بعبارات لطيفة لا قَسوة فيها: أحيانا قد يضطر التاج السبكي للرد على إمام الحرمين، ولكنه في هذه الحالة يأتي بردود بسيطة ويحاول جهده أن لا تخرج إلى حد الانتقاد الحقيقي الصريح، فمن ذلك قوله في مسألة النقض بعد ذكر كلام لإمام الحرمين مفاده أن الصورة المستثناة لا تكون معقولة المعنى، وأن ما يعقل معناه لا يستثنى، وذكر أمثلة لذلك تحمل العاقلة ومسألة المصراة قال التاج السبكي بعد ذلك: ((وإمام الحرمين أجلّ من أن يصادم كلامه بكلمات أمثالنا، ولكنا نقول على جهة الاستشكال دون المناظرة: مسألة العاقلة معقولة المعنى واتفاق الجاهلية على ذلك قبل ورود الشرع يرشد إلى ذلك، لأن التعبدي لا تهتدي إليه العقول، وإنما يتلقى من الشرع [وبعد أن انتهى من المناقشة قال]: وقد تعرض ابن الأبياري شارح ((البرهان)) لما أوردناه في مسألة العاقلة، والذي نقول أخيرا أن الظاهر أن الحق في جانب إمام الحرمين، ولو عقل في العاقلة معنى المعاونة لعُدّي إلى الجيران ولكان أبعاض الجاني من آبائه وبنيه أولى من بقية العصبات في تحملها مع كونهم لا يتحملونها.)) (٣)
فأنت ترى هنا كيف أن التاج السبكي مع أنه قرر أن كلام إمام الحرمين مشكل إلا أنه لم يرد عليه مباشرة بل ذكر إشكالاً ومع ذلك قرر أخيرا أن الحق في جانب الإمام، وأن أمثاله لا يقدرون على مواجهة الإمام.
ثالثاً: الإمام الرازي:
ذكرت أكثر من مرة أن التاج السبكي أصولي على طريقة الإمام الرازي في الغالب، ويعد هذا أكبر أثر للإمام الرازي في شخصية التاج السبكي، ولو لم يكن له أثر غيره لكفى، لذا كان التاج السبكي يقرر المسائل ويدافع عنها بناء على أدلة وأصول مدرسة الإمام الرازي.
стр. 168
وكان التاج السبكي حريصا كل الحرص على أن يثبت آراء الإمام الرازي في كل مسألة تقريبا، فلا تكاد تخلو مسألة ما إلا ويبين رأي الإمام الرازي فيها، هذا بالإضافة إلى اعتماده عليه كثيرا في شرح وتقرير عبارات المصنفين، وبخاصة في شرحه على ((منهاج)) البيضاوي، حيث أكثر من النقل عنه في كتاباته حيث بلغ عدد هذه النقول حوالي ستمئة وأربعة وعشرين موضعا (٦٢٤) وأظن أن هذا العدد الضخم من النقل أكبر دليل على الأثر الذي تركه الإمام الرازي في التاج السبكي.
غير أنه من السمات البارزة للتاج السبكي في هذا المجال أنه لم يكن يأخذ آراء الإمام الرازي كمسلمات، ولا يرى حرجا في انتقاده والرد عليه، ومن هنا فقد حوت مؤلفاته العديد من المناقشات والردود على الإمام الرازي، فمن ذلك:-
قوله في بيان رد البيضاوي على دليل المانع من جواز تخصيص المتواتر بالآحاد: ((أنه لو جاز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد لجاز نسخهما به، واللازم منتف بالاتفاق على أنه لا يجوز نسخ المتواترة بخبر الواحد، ... وأجاب [أي البيضاوي] بأن التخصيص أهون من النسخ، لأن النسخ يرفع الحكم بالكلية، بخلاف التخصيص ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف أن يكون مؤثرا في الأقوى [قال التاج السبكي معقبا]: وهذا الدليل وجوابه يمشيان على طريقة المصنف فإنه قال لا ينسخ المتواتر بالآحاد، وهي طريقة فيها كلام، لأن جماعة نقلوا الاتفاق على الجواز وجعلوا محل الخلاف في الوقوع وجماعة جزموا بالجواز من غير حكاية خلاف كالإمام وغيره ... فالعجب ليس من المصنف لأنه مشى على طريقته وهي صحيحة ... بل من الإمام حيث لم ينبه على ذلك إذ ذكر الدليل والجواب.)) (١)
كما أنه كان يصرح في عدد لا بأس به من المسائل باختيار يخالف فيه الإمام فمن ذلك: قوله: ((المناسبة تنخرم بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية خلافا للإمام.)) (٢)
رابعاً: والده الشيخ تقي الدين السبكي:
اهتم التاج السبكي بتضمين آراء والده واختياراته الأصولية في مصنفاته؛ لذا وجدته يذكر في عدد لا بأس به من المسائل آراء والده وخاصة في كتابه ((جمع الجوامع)) الذي كان من أهداف وضعه إبراز جهود والده واختياراته في هذا العلم.
وكان التاج السبكي كثيراً ما يباحث والده في بعض المسائل الأصولية ويسأله عنها، كما كان يعرض عليه ما يصنفه ويخطه في مصنفاته ويستفيد من توجيهاته في ذلك، ويثبتها في ثنايا مصنفاته.
وأهم ميزة له في هذا المجال هو الإطالة في النقول التي كان ينقلها التاج عن والده حيث كان يتجاوز النقل عنه في بعض الأحيان الصفحة وأكثر، ومن ذلك ما نقله عنه في مسألة النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، حيث نقل جواب والده على سؤال أورده له في ذلك وأخذ هذا الجواب حوالي خمس صفحات من صفحة (٧٥ - ٨٠) من كتابه ((الإبهاج)) في الجزء الثاني، وقد بلغ عدد النقول التي سطرها التاج السبكي عن والده حوالي مئتين وخمسة مواضع (٢٠٥) أكثر هذه النقول كان موافقا له فيها.
стр. 169
هذا ويبرز موقف التاج السبكي من والده في النواحي الآتية:-
١ - في كثرة النقل عنه والإطالة فيها كما ذكرت آنفا.
٢ - في موافقته له في أغلب آرائه واختياراته ومن ذلك قوله في مقدمة الواجب: ((والحق عندنا وهو اختيار الشيخ الإمام وعليه الأكثر وجوبه مطلقا شرطا وغير شرط مما يلزم فعله عقلا كترك الأضداد في الواجب وفعل ضد في المحرم، وعادة نحو غسل جزء من الرأس لتحقق غسل الوجه كله.)) (١)
وقوله في مسألة التكليف: ((لا تكليف إلا بفعل، فالمكلف به في النهي الكف، أي الانتهاء وفاقا للشيخ الإمام.)) (٢)
وقوله في بيان القراءة الشاذة: ((والصحيح أنه ما وراء العشرة وفاقا للبغوي والشيخ الإمام.)) (٣)
٣ - ذكره لآراء والده لتقوية آراء الآخرين بها وقد نص التاج السبكي على ذلك فقال: ((فائدة التصريح بالوالد وإن خالفناه، تقوية مذهب الجمهور به، فلا يخفى أنه إمام المتأخرين عرباً وعجماً نقلاً وبحثاً حفظاً وفهما، في كل علم.)) (٤)
وقال بعد نقله كلاما لوالده مفاده أن الحصر ليس هو التخصيص: ((هذا مختصر من كلام الشيخ الإمام ﵀، وحاصله: منع أن التخصيص الحصر، والقول بأن الحصر إنما يكون في بعض المواضع، وقد قدمت نحوه اختيارا لي، وإنما أردت الاعتضاد بكلام شيخ الإسلام في زمانه ﵀.)) (٥)
٤ - مناقشته لوالده في بعض القضايا واختيار ما يخالفه: رغم أن التاج السبكي كان يوافق والده في أكثر المسائل إلا أنه في بعض الأحيان كان يخرج عن ذلك ويناقش والده ويرد عليه، ولكن في الأغلب كانت مناقشاته له هادئة جدا لا تشعر فيها بالقسوة الني كان يناقش فيها من كان يخالف الشافعي أو إمام الحرمين مثلا، وما هذا إلا لحق الأبوة التي بينهما ومن باب البر المأمور به، وهذه المناقشات فيها دلالة واضحة على موضوعية التاج السبكي، والتزامه بالحق وإن كان فيه خلاف لوالده. ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
قوله في مسألة الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو: ((وقال أبي تغمده الله برحمته: نعم ذكر البيانيون أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط، فإذا كان في مثل ذلك فلا يبعد مجيء الخلاف فيه [قال التاج السبكي]: قلت: بل قد يقال: العود فيه إلى الجميع أولى لأنه إنما ترك العطف لكمال الارتباط فليقع الاشتراك في الحكم كذلك والكلام فيما وراء هذه الحالة لندورها.)) (٦)
فانظر كيف رد قول والده هنا ولكنه أتى بالرد بصيغة التضعيف المنسوبة للمجهول وذلك تأدبا منه رحمه الله تعالى.
стр. 170
وقوله في بيان أن الهم وحديث النفس لا يؤاخذ به إلا إذا اتصل به عمل فإنه يؤاخذ على الأمرين الهم والعمل: ((قال الشيخ [أي تقي الدين السبكي] في ((شرح المنهاج)) [أي منهاج النووي] في كتاب إحياء الموات: أنه ظهر له المؤاخذة من إطلاق النبي ﷺ العمل، ... وكونه لم يقل أو يعمله، قال: فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصية، وإن كان المشي في نفسه مباحا لكن صار حراما، لانضمام قصد الحرام إليه، فكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده، أما إذا اجتمعا فإن كان مع الهم عملاً لما هو من أسباب المهموم به، فاقتضى إطلاق أو يعمل المؤاخذة به، كذا ذكر في ((شرح المنهاج)) ثم قال: فاشدد بهذه الفائدة يديك، واتخذها أصلا يعود نفعه عليك.
وذكر [أي التقي السبكي] في كتاب ((الحلبيات)): أن قوله ﷺ : '' أو يعمل '' ليس له مفهوم حتى يقال: إنها إذا تكلمت أو عملت، يكتب عليها حديث النفس لأنه إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى. [قال التاج السبكي معقبا على كلام والد]: وهذا خلاف ظاهر الحديث، وخلاف ما ذكرناه في ((جمع الجوامع)) ويلزم أن لا يؤاخذ عند انضمام عمل من مقدمات المهموم به بطريق أولى، لآنا إذا لم نؤاخذه بحديث النفس وإن انضم إليه عمل المهموم به، فلأنْ لا نؤاخذه وما انضم إليه إلا مقدمة من مقدماته أولى وأحرى.
[ثم قال التاج السبكي] وقد يقول الشيخ الإمام: أنا لا أؤاخذه بحديث النفس رأسا، إنما أؤاخذه بالعمل سواء أكان عملا لمقدمة من مقدمات المهموم به أو للمهموم به نفسه.
[قال التاج السبكي] ولكنا نقول له: تلك المقدمة لم تكن معصية لولا حديث النفس كما ذكرت، فلا نقطع النظر عنها، فالأرجح عندي المؤاخذة بحديث النفس عند انضمام العمل بالمهموم به نفسه.
وقول الشيخ الإمام: إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى، ممنوع: فلسنا نسلم له أن الهم لا يكتب له مطلقا وإنما لا يكتب عند عدم انضمام العمل إليه. وأما ما ذكره في شرح ((المنهاج)) من المؤاخذة بالمقدمة إذا انضمت إلى حديث النفس لإطلاق قوله ﵊ أو يعمل، فحسن، لو لم يقيد في حديث آخر، لكن جاء في رواية أخرى في الصحيحين '' أو يعمل به ''، ويظهر عندي أن يقال إن رجع عن عمل السيئة بعد فعل مقدمتها لله تعالى لم يؤاخذ بما فعله لما في صحيح مسلم: ﴿قالت الملائكة ربِّ ذلك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال: أرقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها حسنة، إنما تركها من جراي﴾ (١) أي: من أجلي، وفي لفظ رواية أبي حاتم: ﴿وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة﴾
[ثم قال التاج السبكي]: دل الحديثان، والثاني منهما صريح على أن الترك لله يوجب كتب المعصية المهموم بفعلها حسنة، فما ظنك بمقدمتها؟!
[ثم قال التاج السبكي]: وقد يقول الشيخ الإمام: المقدمة قد عملت، ولا كذلك نفس المعصية المقصودة.
[ثم أجاب عن ذلك بقوله]: أن المقدمة لم تُعمل لنفسها بل للوسيلة وهي بنفسها غير حرام.
стр. 171
[ثم ختم التاج السبكي المناقشة بقوله]: وإن كان رجوعه عن فعل السيئة بعد فعل مقدمتها لا لله، بل لعائق أو نحوه - وكثيرا ما يتفق ذلك - كتبت المقدمة عليه، كما يقول الشيخ الإمام والله أعلم، وهو المسئول أن يوفقنا لما يحب ويرضى.)) (١)
فهذه المناقشة ذكرتها مع طولها لترى كيف أن التاج السبكي لم يكن يأخذ كل كلام والده مسلمات، بل كان يناقش منه ما يحتاج إلى نقاش ويرد ما لا يراه قويا، وانظر ما ذكرته سابقا حول مناقشة التاج السبكي لوالده في دلالة حرف لو (٢) واستذكرها هنا ليتأكد بها ما قررناه.
المبحث العاشر
تكاملية مصنفاته
التاج السبكي - كما ذكرت سابقا - كثيرا ما يشيد بمصنفاته المختلفة ويحبب القارئ إلى قراءتها ومطالعتها، وحتى يستقيم له ذلك كان رحمه الله تعالى كثيرا ما يحيل القارئ إلى مصنفاته الأخرى في بعض المسائل فحيث كان قد ذكرها وتوسع فيها في مكان ما من مصنفاته، فإنه لا يذكرها كلها في موضع آخر من كتاباته وإنما يذكرها مختصرة ويحيل القارئ إلى ذلك المصنف الذي أسهب فيه بها.
وهذا المنهج يدلنا على أن التاج السبكي يجعل مصنفاته كالمنظومة الواحدة، بمعنى أن مصنفاته متكاملة مع بعضها البعض، وكل منها يكمل الآخر، فما يفصله في موقع ما يجمله في مكان آخر، وما يجمله في هذا الموضع يفصله في الآخر وهكذا.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
قوله بعد ذكره أمثلة على تنزيل اللفظ على المعنى الشرعي قبل العرفي: ((وأما الرجوع إلى العرف ففي مسائل تخرج عن حد الحصر وقد أتينا في كتابنا ((الأشباه والنظائر)) منها بالعد الكثير. (((٣)
وقوله في مسألة الإباحة هل تستفاد من فعل النبي المجرد بعد ذكر الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لقد كانَ لكم في رَسُول الله أُسْوةٌ حسنة﴾ (٤) ((والحق عندي أن هذه الآية لا تدل لوجوب ولا ندب ولا إباحة كما قررته في ((شرح المنهاج)).)) (٥)
وقوله في مسألة الإجماع السكوتي: ((ولقد أطلنا في ((التعليقة)) في مسألة السكوتي، ... وذكرنا ما لو رحل ذو الهمة لسماعه من بلد إلى بلد يحمد مسعاه وقد أوردنا هنا طرفا صالحا منه.)) (٦)
وقوله معقبا على رأي القاضي الباقلاني بتردده في إفادة الخمسة للتواتر: ((وقد تكلمنا معه في ((التعليقة)) بما لا نطيل بإعادته.)) (٧)
ومنها قوله في ((منع الموانع)) في مسألة نفي الحكم قبل ورود الشرع: ((ووقع في عبارات كثير من أئمتنا اختيار الوقف في هذه المسألة ... فهم يعنون في الوقف غير ما تعنيه المعتزلة من عدم الدراية ونحوها، وهذا قد قررناه في ((شرح المختصر)) فلا حاجة إلى الإعادة هنا.)) (٨)
وقوله في ((منع الموانع)) عند الكلام على أن حقيقة الإكراه لا تنافي التكليف بعد بيانه لذلك: ((وهذا يزداد تحقيقا بعد تأمل ما سطرناه في ((شرح المختصر)) في النقض.)) (٩)
стр. 172
الخاتمة
بهذا أكون قد انتهيت من عرض مادة البحث، ذلك بعد أن عشت ردحاً من الزمان مع شخصية عبقرية فذة، شخصية تمتاز بالجرأة والشجاعة في قول الحق، وبعد أن عرضت للإمام تاج الدين السبكي، وما قدمه من جهود خدمةً لدين الله تعالى وإثراءً لمكتبة أصول الفقه، فإني أسجل هنا أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسة:
أولا: إن مصنفات التاج السبكي، هي مصنفات متكاملة تكمِّل بعضها بعضا، ومن هنا فلا بد على طالبي علم الأصول من الاستعانة بهذه الكتب لفهم وتحليل ما دونه التاج في مؤلفاته، وبخاصة في جمع الجوامع، ومنع الموانع.
ثانيا: إن مصنفات التاج السبكي الأصولية، كفيلة بإعطاء الفكرة المطلوبة عن أصول الفقه بحيث يمكن لطالبي أصول الفقه الاستغناء بها عن كثير من المصنفات الأصولية الأخرى.
ثالثا: إن التاج السبكي، يعد من أكثر الأصوليين إطلاعا على الكتب والمؤلفات الأصولية السابقة، لهذا وجدته كثير النقل عنها، والتي كثير منها لا زال مخطوطا حيث حفظ لنا التاج السبكي هذه الأقوال في ثنايا كتاباته.
رابعا: إن التاج السبكي أصولي على طريقة الإمام الرازي، وإن كانت له شخصيته الأصولية المستقلة التي لم تمنعه من الخروج عن هذه المدرسة في بعض الأحيان.
وبعد فإن الباحث ليوصي بما يأتي:
أولا: إعطاء مصنفات التاج السبكي الأصولية المزيد من العناية والاهتمام وذلك من خلال:
أإعادة طباعة هذه المصنفات طباعة علمية محققة تتلاشى فيها الأخطاء في الطبعات السابقة.
ب تناول مصنفات التاج السبكي الأصولية بالتدريس واعتمادها لدى طلاب أصول الفقه.
ت دراسة مصنفات التاج السبكي الأصولية دراسة تحليلية مفصلة لتجلية المنهج التفصيلي لها ... ولإخراج الفوائد والغرر من بين ثناياها.
ثانيا: الاهتمام بشخصية التاج السبكي الأصولية بدراسة أثره في أصول الفقه، من خلال تناول آرائه واختياراته الأصولية، ودراستها دراسة شاملة لمعرفة موقف التاج السبكي منها والجديد الذي أضافه إليها.
والحمد لله تعالى أولا وآخرا، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عمان - الأردن
١٢ صفر ١٤٢٣ هـ
٢٥ نيسان ٢٠٠٢م
стр. 173
ملحق رقم (١)
أهم اصطلاحات التاج السبكي في كتاباته
سأعرض في هذا الملحق لأهم المصطلحات التي يطلقها التاج السبكي في كتاباته الأصولية، ... وهذه وإن كانت لا تخصه وحده ولكن في ذكرها فائدة للقارئ ومن يطالع كتب التاج السبكي: -
١ - الأستاذ: المراد به الأمام أبو اسحق الأسفرايني.
٢ - الإمام: المراد به الإمام فخر الدين الرازي إلا في مواضع تأتي في ملحق خاص.
٣ - الشيخ: المراد به الإمام أبو الحسن الأشعري.
٤ - الشيخ الإمام: المراد به والده الشيخ تقي الدين السبكي.
٥ - القاضي: المراد به الإمام أبو بكر الباقلاني.
٦ - أصحابنا: علماء الشافعية.
٧ - الأصح: تعني ترجيح أحد القولين أو الأقوال ويكون مقابله صحيحا.
٨ - الصحيح: ما يكون مقابله ضعيفا.
٩ - أهل الحق: الأشاعرة.
١٠ - عندنا: في الفقه أو الأصول تعني الشافعية، وفي المسائل الكلامية أو الأصولية التي لها جذور كلامية تعني الأشاعرة.
١١ - مذهبنا: كما في عندنا.
قائمة المصادر والمراجع
١ - القرآن الكريم
٢ - الألوسي، نعمان خير الدين، جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، مطبعة المدني، القاهرة
٣ - الآمدي، سيف الدين علي بن أبي علي، الإحكام في أصول الأحكام، ضبطه: إبراهيم العجوز، دار الكتب العلمية، بيروت
٤ - إسماعيل، شعبان محمد، أصول الفقه تاريخه ورجاله، دار المريخ، الرياض، ط ١، ... ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م
٥ - الإسنوي، جمال الدين عبد الرحيم، طبقات الشافعية، تحقيق: عبد الله الجبور، مطبعة الإرشاد، بغداد، ط ١، ١٣٩٠ هـ، ١٩٧٠ م
٦ - الإسنوي، جمال الدين عبد الرحيم، نهاية السول شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، تحقيق: شعبان اسماعيل، دار ابن حزم،، ط ١، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩م
٧ - الأصفهاني، شمس الدين محمود بن عبد الرحمن، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، تحقيق: محمد مظهر بقا، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٠٦هـ، ١٩٨٦م
٨ - الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة، مطبعة الإنصاف، بيروت، ط ٢، ١٣٨١هـ، ١٩٦١م
٩ - الأنصاري، شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد، غاية الوصول شرح لب الأصول، مكتبة ... ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٦٠هـ، ١٩٤١م
١٠ - ابن إياس، محمد بن أحمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق: محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٤٠٣هـ، ١٩٨٣م
١١ - الإيجي، القاضي عضد الدين، شرح مختصر المنتهى، تحقيق: د. شعبان إسماعيل، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٤٠٣هـ، ١٩٨٥م
١٢ - البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار القلم، بيروت، ١٩٨٧م
١٣ - البخيت، محمد عدنان ونوفان رجا الحمود وفالح صالح حسين، فهرس المخطوطات العربية المصورة، منشورات الجامعة الأردنية، عمان، ١٤٠٦هـ، ١٩٨٦ م
١٤ - بروكلمان، كارل، تاريخ الأدب العربي، نقله إلى العربية: رمضان عبد التواب وسيد يعقوب، دار المعارف، بيروت، ط ٣، ١٩٨٣م
١٥ - البستاني، بطرس، دائرة المعارف، مؤسسة مطبوعات إسماعيليان، طهران
١٦ - البصري، أبو الحسين محمد بن علي، المعتمد في أصول الفقه، دار الكتب العلمية
١٧ - البغدادي، إسماعيل باشا، إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الفنون، تصحيح: محمد شرف الدين بالتقايا، وكالة المعارف الجلية، ١٣٦٤هـ، ١٩٤٥م
١٨ - البغدادي، إسماعيل باشا، هدية العارفين وأسماء المؤلفين والمصنفين من كشف الظنون، دار الفكر، ١٤٠٢هـ، ١٩٨٢م
١٩ - البيضاوي، عبد الله بن عمر، منهاج الوصول في معرفة علم الأصول، عالم الكتب، ط ١، ١٤٠٥هـ، ١٩٨٥م
٢٠ - البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، دار الباز، مكة،، ١٤١٤هـ
٢١ - الترمذي، محمد بن عيسى، جامع الترمذي، دار إحياء التراث العربي
стр. 176
٢٢ - ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف، الدليل الشافي على المنهل الصافي، تحقيق: فهيم محمد علوي، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، ط، ٢، ١٩٩٨م
٢٣ - ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، تحقيق: محمد محمد أمين، مركز تحقيق التراث، ١٩٩٢م
٢٤ - ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢هـ، ١٩٩٢م
٢٥ - الثعالبي، محمد بن الحسن الحجوي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، ١٩٧٧م
٢٦ - الجاربردي، فخر الدين أحمد بن حسن السراج الوهاج في شرح المنهاج، تحقيق: أكرم أوزيقان، دار المعراج الدولية، الرياض ط ٢، ١٤١٨هـ، ١٩٩٨ م
٢٧ - الجبرتي، عبد الرحمن بن حسن، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق: عبد الرحيم عبد الرحمن عن طبعة بولاق، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٩٩٨م
٢٨ - الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: إميل يعقوب ... وعمر طريف، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٩م
٢٩ - الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله، البرهان في أصول الفقه، علق عليه: صلاح محمد عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م
٣٠ - الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله، التلخيص في أصول الفقه، تحقيق: عبد الله النيبالي وشبير العمري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، مكتبة دار الباز، مكة ط١، ١٤١٧هـ، ١٩٩٦م
٣١ - ابن الحاجب، جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر، مختصر المنتهى، مطبوع مع شرحه رفع الحاجب، تحقيق: علي معوض، عادل عبد الموجود، عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٩م
٣٢ - ابن الحاجب، جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥هـ، ١٩٨٥م
٣٣ - حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الفكر، ١٤١٤هـ، ١٩٩٤م
٣٤ - ابن حبيب، الحسن بن عمر، تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، تحقيق: محمد أمين، مطبعة دار الكتب، ١٩٧٦م
٣٥ - ابن حجر، أحمد بن علي، إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ، دار الكتب العملية، بيروت، ط ٢، ١٤٠٦هـ، ١٩٨٦م
٣٦ - ابن حجر، أحمد بن علي، الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، دار الجيل، بيروت، ١٤١٤هـ، ١٩٩٣م
٣٧ - ابن حجر، أحمد بن علي، ذيل الدرر، تحقيق: عدنان درويش، معهد المخطوطات العربية (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم)، القاهرة، ١٤١٢هـ، ١٩٩٢م
٣٨ - حسن، سيد كسروي، أسماء كتب الأعلام، مطبوع بحاشية ديوان الإسلام للغزي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١هـ، ١٩٩٠م
٣٩ - حسن، علي إبراهيم، تاريخ المماليك البحرية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط ٣، ١٩٦٧م
٤٠ - حسين، محمد الصادق، البيت السبكي بيت علم في دولتي المماليك، دار الكاتب المصري، القاهرة، ١٩٤٨م
٤١ - الحسيني، محمد بن علي، الذيل على العبر، تحقيق: محمد رشاد عبد المعطي، وزارة الإرشاد والإنباء، الكويت
стр. 177
٤٢ - الحلبي، زين الدين عمر بن أحمد، القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي، تحقيق: حسن مروه، خلدون مروه، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٩٨م
٤٣ - حلولو، أحمد بن عبد الرحمن، الضياء اللامع شرح جمع الجوامع، تحقيق: عبد الكريم النملة، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ط ١، ١٤١٤هـ، ١٩٩٤م
٤٤ - ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، تحقيق: أبو المعاطي النوري وآخرون، عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م
٤٥ - الحنبلي، مجير الدين عبد الرحمن بن محمد، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، تحقيق: عدنان يونس عبد الحميد، مكتبة دنديس، عمان، ١٩٩٩م
٤٦ - الخضري، محمد الخضري بيك، أصول الفقه، المطبعة الرحمانية، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط ٢، ١٣٥٢هـ، ١٩٣٣م
٤٧ - خلاف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه، دار القلم، الكويت، ط ١٤، ١٤٠١هـ، ١٩٨١م
٤٨ - ابن خلدون، عبد الرحمن، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم ... والبربر من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب المصري: القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م
٤٩ - ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م
٥٠ - أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، دار إحياء التراث العربي
٥١ - الدمشقي، ابن ناصر الدين، مجالس في تفسير قوله تعالى: ((لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم))، تحقيق: محمد عوامه
٥٢ - الديلمي، أبو شجاع شيراويه، مسند الفردوس، تحقيق: سعيد زغلول، دار الكتب العلمية، ١٩٨٦م
٥٣ - الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٩م
٥٤ - الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، الذيل على العبر، تحقيق: محمد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت
٥٥ - الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، معجم محدثي الذهبي (المعجم المختص)، تحقيق: روحية عبد الرحمن السويفي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٣هـ، ١٩٩٣م
٥٦ - الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: محمد علي معوض، عادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٥م
٥٧ - الرازي، فخر الدين محمد بن عمر، المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق: طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤١٢هـ، ٢٠٠٠م
٥٨ - الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، بيروت، ١٩٨٧م
٥٩ - ابن رافع، تقي الدين بن محمد، الوفيات، تحقيق: صالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٢هـ، ١٩٨٢م
٦٠ - الزاوي، طاهر أحمد، ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة، مطبعة الرسالة، القاهرة، ط ١، ١٩٥٩م
٦١ - الزبيدي، محمد بن حسن الحسيني الزبيدي، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، دار الفكر
٦٢ - الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، دار ليبيا للنشر والتوزيع، بنغازي
٦٣ - الزركشي، محمد بن بهادر، تشنيف المسامع بجمع الجوامع، تحقيق: عبد الله بن ربيع، سيد عبد العزيز، مؤسسة قرطبة، المكتبة المكية
стр. 178
٦٤ - الزركشي، محمد بن بهادر، تشنيف المسامع بجمع الجوامع، تحقيق: أبي عمرو الحسين بن عمر بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٠هـ، ٢٠٠٠م
٦٥ - الزركلي، خير الدين، الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب ... والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، ط ٩، ١٩٩٠م
٦٦ - أبو زهرة، محمد، أصول الفقه، دار الفكر العربي، القاهرة
٦٧ - سالم، سيد عبد العزيز، تاريخ والمؤرخون العرب، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية
٦٨ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، الإبهاج في شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦م
٦٩ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، الأشباه والنظائر، تحقيق: عادل عبد الموجود، علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١هـ، ١٩٩١ م
٧٠ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح، رسالة جامعية بحقيق: شوقي عبد المهدي، جامعة عين شمس
٧١ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، جمع الجوامع، مطبوع ضمن مجموع مهمات أمهات المتون
٧٢ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تحقيق: عادل عبد الموجود، علي معوض، عالم الكتب، ط ١، ١٤٢١هـ، ٢٠٠٠م
٧٣ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: محمود الطناحي، عبد الفتاح الحلو
٧٤ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، عودة النعم بعد زوالها، تحقيق: عبد الستار أبو غدة، دار الأقصى، القاهرة، ط ١، ١٤١٣هـ، ١٩٩٣م
٧٥ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ١٣٨٨هـ، ١٩٦٨م
٧٦ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، معيد النعم ومبيد النقم، تحقيق: محمد علي النجار وآخرون، دار الكتاب العربي، القاهرة، ط ١، ١٣٦٧هـ، ١٩٤٨م
٧٧ - السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، منع الموانع عن جمع الجوامع، تحقيق: سعيد بن علي الحميري، دار البشائر الإسلامية، ط ١، ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م
٧٨ - السبكي، تقي الدين علي بن عبد الكافي، الإبهاج في شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦م
٧٩ - السبكي، تقي الدين علي بن عبد الكافي، السيف المسلول على من سب الرسول، تحقيق: إياد الغوج، دار الفتح، عمان، ط ١، ١٤٢١هـ، ٢٠٠٠م
٨٠ - السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار مكتبة الحياة، بيروت
٨١ - السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن، وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام، تحقيق: بشار معروف وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٦هـ، ١٩٩٥م
٨٢ - السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، تحقيق: إبراهيم باحسن عبد الحميد، دار ابن حزم، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٩م
٨٣ - سرور، محمد جمال الدين، دولة بني قلاوون في مصر، الحالة السياسية والاقتصادية في عهدها بوجه خاص، دار الفكر العربي، ١٩٤٧م
٨٤ - أبو سليمان، عبد الوهاب إبراهيم، منهج البحث في الفقه الإسلامي وأصوله خصائصه ونقائصه، المكتبة المكية، مكة المكرمة، دار ابن حزم، بيروت، ط ٢، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠م
стр. 179
٨٥ - السمعاني، منصور بن محمد، قواطع الأدلة في الأصول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م
٨٦ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، بغية الوعاة في تراجم اللغويين والنحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ١٣٨٤هـ
٨٧ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن محمد، الحاوي في الفتاوي، دار الكتاب العربي، بيروت
٨٨ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن محمد، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م
٨٩ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن محمد، الرد على من أخلد إلى الأرض، تحقيق: فؤاد عبد المنعم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣هـ، ١٩٨٣م
٩٠ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن محمد، شرح الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، ١٤٢٠هـ، ٢٠٠٠م
٩١ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن محمد، نظم العقيان في أعيان الأعيان، حرره: فيليب حتي، المطبعة السورية الأمريكية، نيويورك، ١٩٢٧م
٩٢ - الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي، الموافقات في أصول الشريعة، شرح عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت
٩٣ - الشافعي، حسن، الآمدي وآراؤه الكلامية، دار السلام، القاهرة، ط ١، ١٤١٨هـ، ١٩٩٨م
٩٤ - الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، ١٣٠٩هـ
٩٥ - شاكر، محمود، التاريخ الإسلامي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٥هـ، ١٩٨٥م
٩٦ - شعبان، زكي الدين، أصول الفقه الإسلامي، دار التأليف، مصر، ١٩٦٥م
٩٧ - ابن شهبة، أحمد بن محمد، تاريخ ابن قاضي شهبة، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، ١٩٩٤م
٩٨ - ابن شهبة، أحمد بن محمد، طبقات الشافعية، علق عليه: الحافظ عبد العليم خان، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الدكن، الهند، ط ١، ١٣٩٩هـ، ١٩٧٩م
٩٩ - الشوكاني، محمد بن علي، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، دار الفكر، دمشق وبيروت، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م
١٠٠ - صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود، النتقيح في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٦هـ، ١٩٩٦ م
١٠١ - الصفدي، صلاح الدين، أعيان العصر وأعوان النصر، تحقيق: علي أبو زيد وآخرون، دار الفكر، بيروت، دمشق، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م
١٠٢ - الصفدي، صلاح الدين، الوافي بالوفيات، باعتناء رضوان السيد
١٠٣ - طاش كبرى زاده، أحمد بن مصطفى، مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، تحقيق: كامل بكري، عبد الوهاب أبو النور، دار الكتب الحديثة
١٠٤ - طقوش، محمد سهيل، تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام، دار النفائس، بيروت، ط ١، ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م
١٠٥ - ابن طولون، محمد بن علي، الثغر البسام في ذكر من ولي قضاء الشام (قضاة دمشق)، تحقيق: صلاح الدين المنجد، المجمع العلمي العربي، دمشق، ١٩٥٦م
١٠٦ - ابن طولون، محمد بن علي، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق: محمد بن دهمان، مكتب الدراسات الإسلامية، دمشق، ١٣٧٥هـ، ١٩٥٦م
١٠٧ - الطيالسي، سليمان بن داود، مسند الطيالسي، دار المعرفة، بيروت
стр. 180
١٠٨ - عاشور، سعيد عبد الفتاح، المجتمع المصري في عهد سلاطين المماليك، دار النهضة العربية، القاهرة، ط ١، ١٩٦٢م
١٠٩ - عاشور، سعيد عبد الفتاح، مصر في عصر دولة المماليك، مكتبة النهضة العربية
١١٠ - ابن أبي عاصم، عمرو بن أبي عاصم الضحاك، السنة، تحقيق: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ١٤٠٠هـ
١١١ - العامري، محمد بن أحمد، بهجة الناظرين إلى تراجم المتأخرين من الشافعية البارعين
١١٢ - العبادي، أحمد بن قاسم، الآيات البينات، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٧هـ، ١٩٩٦م
١١٣ - عباس، إحسان، تاريخ بلاد الشام في عصر المماليك، مطبعة الجامعة الأردنية، عمان، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م
١١٤ - عبد الحفيظ، أبو المكارم، الجواهر اللوامع في نظم جمع الجوامع، المطبعة المولوية، فاس، ١٣٢٧هـ
١١٥ - عبد الرحمن، جلال الدين، القاضي ناصر الدين البيضاوي وأثره في أصول الفقه، مطبعة السعادة، ط ١، ١٤٠١هـ، ١٩٨١م
١١٦ - العدوي، القاضي محمود، الزيارات بدمشق، تحقيق: صلاح الدين المنجد، المجمع ... العلمي، دمشق، ١٩٥٦م
١١٧ - العراقي، أحمد بن إبراهيم، الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، تحقيق: مؤسسة قرطبة، الفاروق المدنية للطباعة والنشر، ط ١، ١٤٢٠هـ، ٢٠٠٠م
١١٨ - العراقي، أحمد بن عبد الرحيم، الذيل على العبر في خبر من عبر، تحقيق: صالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٩هـ، ١٩٨٩م
١١٩ - ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله، تبيين كذب المفتري في ما نسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري، دار الفكر، دمشق، ط ٢، ١٣٩٩هـ
١٢٠ - العطار، حسن، حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م
١٢١ - ابن العماد، عبد الحي بن أحمد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م
١٢٢ - الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، معيار العلم في المنطق، شرحه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٠هـ، ١٩٩٠م
١٢٣ - الغزي، محمد بن عبد الرحمن، ديوان الإسلام، تحقيق: سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١هـ، ١٩٩٠م
١٢٤ - الغزي، نجم الدين محمد بن محمد، الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، تحقيق: ... د. جبرائيل سليمان جبور، دار الأمانة الجديد، بيروت، ط ٢، ١٩٧٩م
١٢٥ - الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٣هـ، ١٩٨٣م
١٢٦ - ابن القاضي، أحمد بن محمد، ذيل وفيات الأعيان المسمى درة الحجال في أسماء الرجال، تحقيق: محمد أبو النور، دار التراث، القاهرة، ط ١، ١٣٩١هـ، ١٩٧١م
١٢٧ - ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، الشعر والشعراء، تحقيق: مفيد قحيمة ومحمد الضناوي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢١هـ، ٢٠٠٠م
١٢٨ - القلقشندي، أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، تحقيق: محمد حسن شمس الدين، دار الكتب العامية، بيروت، ط ١، ١٤٠٧هـ، ١٩٨٧م
١٢٩ - القنوجي، صديق حسن خان، أبجد العلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م