← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 35356

منهج الإمام تاج الدين السبكي في أصول الفقه

أحمد إبراهيم حسن الحسنات

Полный текст (183 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٢٧ - شرح الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد الحلبي الشافعي، والمسمى بـ ((تفيهم السامع جمع الجوامع))، ذكره محققا كتاب تشنيف المسامع (١/ ٣٩)، وتوجد منه نسخة في المكتبة الأزهرية تحت رقم ١٧٨٦ إمبابي ٤٨٢٤٥ (١) ٢٨ - شرح الإمام محمد بن علي بن أحمد المحلي أبو الطيب المصري، المسمى بـ ((البرق اللامع في ضبط ألفاظ جمع الجوامع))، ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (١/ ١٧٦) والدكتور النملة في مقدمة تحقيق الضياء اللامع (١/ ٣٣). ٢٩ - شرح الشيخ إبراهيم اللقاني المصري المتوفى سنة ١٠٤١هـ، المسمى بـ ((البدور الطوالع من خدور جمع الجوامع))، ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (١/ ١٧١). ٣٠ - شرح الشيخ الحسن بن مسعود اليوسي (٢)، المسمى بـ ((الكوكب الساطع في شرح جمع الجوامع))، ذكره المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١١٨). ٣١ - حاشية الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي (٣) توجد منها نسخة في مصر في المكتبة الأزهرية رقم ١٠٢٩ رافعي ٢٧٠١٢. ٣٢ - شرح الشيخ أحمد بن مبارك السجلماسي (٤)، ذكره المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١١٨). ٣٣ - حاشية الشيخ حسن بن علي بن أحمد بن عبد الله الشافعي (٥)، ذكرها الجبرتي في عجائب الآثار (١/ ٣٥٠). ٣٤ - حاشية الشيخ محمد بن عبادة بن بري العدوي (٦)، ذكرها الجبرتي في عجائب الآثار (٢/ ٨٢)، ... والمراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٢٩)، توجد منها نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت ... رقم ٧٥.

стр. 107

٣٥ - حاشية الشيخ محمد بن حسين الإمبابي (١)، توجد منها نسخة خطية في المكتبة الأزهرية رقم ١٧٨٧ امبابي ٤٨٢٤٦ (٢). ٣٦ - شرح الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الشربيني المصري الشافعي (٣)، والمسمى بـ ((البدر الطالع في حل ألفاظ جمع الجوامع))، ذكره الدكتور النملة وذكر أنّ له نسخة خطية في جامعة الملك سعود برقم ١٨٩٣/ ١ (٤). ٣٧ - كما له أيضاً تقريرات على ((جمع الجوامع)) وقد طبعت هذه التقريرات بهامش حاشية العطار، وكذا بهامش حاشية البناني. ٣٨ - شرح الإمام أبو بكر بن شهاب الدين العلوي الحسيني الشافعي (٥) المسمى بـ ((الترياق النافع في إيضاح وتكميل جمع الجوامع))، ذكره محقق كتاب تشنيف المسامع د. عبد الله ربيع ود. سيد عبد العزيز وقالا: أنّه مطبوع في مجلدين بحيدرآباد الهند سنة ١٣١٧هـ (٦)، وتوجد منه نسخة في المكتبة الأزهرية محفوظة برقم (٤٠٢) ١١١٣٤ ٣٩ - حاشية الشيخ محمد حسنين مخلوف (٧) المسماة ((القول الجامع في الكشف عن مقدمة جمع الجوامع للمحلي))، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٩١)، توجد منها نسخة خطية بدار الكتب المصرية محفوظة تحت رقم ٥٨٤ وهي مطبوعة بمطبعة السعادة سنة ١٣٤١هـ (٨). ثانياً: المصنفات التي وضعت على بعض مباحث أو مسائل ((جمع الجوامع)): ١ - للإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١٠هـ كتاب تحدَّثَ فيه عن ((جمع الجوامع)) إضافةً إلى كتب أخرى أسماه ((النكت اللوامع على المختصر والمنهاج وجمع الجوامع))، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٥/ ٥٤٣).

стр. 108

٢ - للشيخ الإمام عبد الله باكثير الحضرمي (١)، نظم عقيدة ((جمع الجوامع)) سماها ((تتمّة التمام وسفك المدام في عقائد الإسلام))، ذكرها ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ١٧٦)، وزين الدين الحلبي في القبس الحاوي (١/ ٤٤٠)، وذكر أن ولده البدر حسن قد شرح هذه العقيدة ٣ - للإمام محمد بن محمد الغزي (٢)، ((شرح عقيدة جمع الجوامع)) شرح فيه قسم العقيدة من ((جمع الجوامع))، ذكره الغزي في الكواكب السائرة (٢/ ٥). ٤ - ((الكلم الجوامع في بيان مسألة الأصولي بجمع الجوامع)) للعلامة الشيخ إسماعيل بن غنيم ... الجوهري، توجد منه نسخة خطية بمكتبة الرباط مسجلة تحت رقم ٣١٧٩: ١٨٨٤/ ١٠د (٣)، ونسخة أخرى بدار الكتب المصرية تحت رقم ٤٠٤ (٤). ٥ - تقيدات على مسألة الأصولي، للعلامة الشيخ عبد الله بن حجازي الشرقاوي المصري المتوفى سنة ١٢٢٧هـ، توجد منه نسخة خطية بمكتبة الرباط مسجلة تحت رقم ٣١٨٢: ١١٨٤/ ٨٠د (٥) وأخرى في المكتبة الأزهرية تحت رقم ١٣٥٩ حليم ٣٣٠٩٩ (٦) ٦ - للشيخ محمد بن بخيت المطيعي (٧) حاشية على مقدمة ((جمع الجوامع)) سماها ((البدر الساطع على مقدمة جمع الجوامع))، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٨٦) طبع ضمن مجموعة شروح لجمع الجوامع تشمل تشنيف المسامع للزركشي ومنع الموانع للتاج السبكي والبدر الساطع بمطبعة التمدن سنة ١٣٣٢هـ، ولها نسخ خطية بدار الكتب المصرية تحت رقم ٤٨٠، ٤٨١ (٨) ثالثاً: الحواشي والتقريرات الموضوعة على بعض شروح ((جمع الجوامع)): لما كانت الحواشي الموضوعة على شروح ((جمع الجوامع))؛ تتعرّض بالضرورة ((لجمع الجوامع)) استحسنتُ إيرادها في هذا المطلب لما لها من علاقة وطيدة ((بجمع الجوامع)). وقد ذكرت سابقاً أنّ شرح الجلال المحلي من أكثر الشروح تداولاً وشهرةً، وقد وَضَعَ عليه العديد من العلماء الحواشي والتقريرات لذا سأذكر في ما يأتي أهم الحواشي على شرح المحلي وبعض الشروح الأخرى ومنها:

стр. 109

١ - حاشية الإمام بدر الدين محمد بن محمد بن خطيب الفخرية تلميذ الشارح المحلي (١)، أكثر فيها من الرد على انتقادات الكمال محمد بن محمد بن أبي شريف، في حاشيته عليه، ذكر ذلك السخاوي في الضوء اللامع (٩/ ٢٥)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧) والشوكاني في البدر الطالع ص٧٥٨. ٢ - حاشية الكمال محمد بن محمد بن أبي شريف المقدسي (٢)، والمسماة بـ ((الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع))، والتي أكثر فيها من انتقاد الشارح، واستمد شرحه في أكثر الإيرادات من الكوراني، ... وتبعه في تعسفه غالباً، كما ذكر ذلك السخاوي في الضوء اللامع (٩/ ٦٦)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧)، وهذه الحاشية مطبوعة. ٣ - حاشية الشيخ محمد بن داود البازلي الحموي (٣)، ذكر ذلك ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ١٧٨)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧). ٤ - حاشية شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد الأنصاري المتوفى سنة ٩٢٦هـ، ذكرها الغزي في ديوان الإسلام (٢/ ٣٦٦)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧)، توجد منها ست نسخ محفوظة بدار الكتب المصرية تحت الأرقام ٧٢، ٧٣، ٧٤، ١٥٢، ٤٢٧، ٤٦٧ (٤). ٥ - حاشية الشيخ محمد بن إبراهيم التتائي المالكي (٥)، ذكرها الغزي في ديوان الإسلام (٢/ ١٧)، ... والمراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ٧٣). ٦ - حاشية الشيخ عيسى بن محمد بن عبد الله الصفوي الإيجي (٦)، ذكرها سيد كسروي حسن في أسماء كتب المؤلفين (٣/ ٢٦٢)، ومحققا تشنيف المسامع (١/ ٤١).

стр. 110

٧ - حاشية الشيخ عميرة شهاب الدين أحمد البرلسي الشافعي (١) من علماء القرن العاشر الهجري، توجد منها نسخة خطية في المكتبة الأزهرية محفوظة برقم ١٥٦٣ جوهري ٤١٨٤٢. ٨ - حاشية الشيخ ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن حسن اللقاني المالكي (٢)، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ٧٧)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧)، توجد منها نسخة خطية في مخطوطات المسجد الأقصى تحت رقم ٩٦ وتقع في ٢٢٢ ورقة، مطبوعة بمطبعة التمدن سنة ١٣٣٢هـ (٣) وتوجد منها نسختين في دار الكتب المصرية تحت الأرقام ١٣٧، ٢٠٢. ٩ - حاشية الشيخ علي بن أحمد البخاري الشعراني (٤)، توجد منها نسخة خطية في الرباط مسجلة تحت رقم ٣١٧٥: ٢٢٢٩ د (٥). ١٠ - حاشية العلامة أحمد بن قاسم العبادي المتوفى سنة ٩٩٤هـ، انتدب فيها لرد الاعتراضات ... والإيرادات الواردة على ((جمع الجوامع)) وشرحه للمحلي، وسماها ((الآيات البينات على اندفاع أو فساد ما وَقَفت ُعليه مما أُورِد على جمع الجوامع وشرحه للمحقق المحلي من الاعتراضات)) (٦)، وهذه الحاشية العظيمة مطبوعة عدّة طبعات منها طبعة في أربعة مجلدات بدار الكتب العلمية سنة ١٤١٧هـ ١٩٩٦م. ١١ - حاشية الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن يوسف الفاسي (٧). ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ٩٢). ١٢ - حاشية الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن يعقوب الولالي (٨)، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٢٣).

стр. 111

١٣ - حاشية الشيخ عبد الرحمن بن جاد الله البناني المغربي (١). اختصر فيها سياق ابن قاسم العبادي (٢)، وقد طبعت هذه الحاشية عدّة طبعات منها طبعة في مجلدين كبار بدار الكتب العلمية سنة ١٤١٨هـ ١٩٩٨م. ١٤ - حاشية الشيخ محمد بن محمد الشفشاوني (٣)، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٤٢). ١٥ - حاشية الشيخ حسن بن محمد العطار (٤)، وهي من أهم الحواشي على شرح الجلال المحلي، وتأتي في مجلدين كبار مطبوعة مع شرح المحلي عدّة طبعات منها طبعة بدار الكتب العلمية سنة ١٤٢٠هـ ١٩٩٩م. ١٦ - حاشية الشيخ محمد المهدي بن الطالب بن سودة المتوفى (٥)، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٥٧). ١٧ - حاشية الشيخ محمد الصفتي من علماء القرن الثالث عشر (٦)، وخادم مقام السيدة زينب، توجد منها نسخة خطية محفوظة في المكتبة الأزهرية تحت رقم (٨٨) ٦٤٣٦. ١٨ - حاشية الشيخ محمد بن عثمان النجار (٧)، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٦٥). ١٩ - تقريرات العلامة محمد علي بن حسين المالكي (٨)، وقد طبعت هذه التقريرات بهامش حاشية العطار.

стр. 112

رابعاً: مختصرات ((جمع الجوامع)): رغم أن التاج السبكي قد حذر من اختصار ((جمع الجوامع)) وبيّن أن مَن يُقدِم على اختصاره فهو يَروم النقصان منه، حيث يقول: ((وبهذا تعلم أن من وقع في وهمه أن يختصر هذا الكتاب بحذف القائلين وأسمائهم، والاقتصار على ذكر أهل الخلاف، فقد فوَّت من أغراض الكتاب غرضاً عظيماً ولم يكن مختصرا، بل مقتصراً مبتّراً مبذّرا)) (١) ومع ذلك، فقد اختصر ((جمع الجوامع)) عدد لا بأس به من العلماء منهم: - ١ - الإمام جلال الدين محمد بن عمر بن هبة الله الشعيبي (٢)، ذكره ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ١٣). ٢ - شيخ الإسلام زكريا الأنصاري اختصره في ((لب الأصول)) (٣) ثمّ شرحه في ((غاية الوصول إلى شرح لب الأصول))، وقد طبع المتن مع الشرح بمطبعة مصطفى البابي الحلبي عدّة طبعات منها الطبعة الأخيرة سنة ١٣٦٠هـ ١٩٤١م. ٣ - الشيخ محمود أفندي عمر الباجوري من علماء القرن الرابع عشر (٤) اختصره في كتاب سماه ((الفصول البديعة في أصول الشريعة))، وهذا الشرح مطبوع بمطبعة التمدن سنة ١٣٢٣هـ (٥). خامساً: منظومات ((جمع الجوامع)): ١ - منظومة شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن الطوحي المتوفى سنة ٨٩٣هـ، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٨). ٢ - نظم الإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ المسمى بـ ((الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع))، وقام بشرحه أيضاً في ((شرح الكوكب الساطع))، والشرح مع النظم مطبوع عدّة طبعات منها طبعة بمكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية سنة ١٤٢٠هـ ٢٠٠٠م. ٣ - نظم الشيخ عبد الله بن أحمد بن باكثير الحضرمي المتوفى ٩٢٥هـ، المسمى بـ ((الدرر اللوامع نظم جمع الجوامع))، ذكره ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ١٧٦).

стр. 113

٤ - نظم الشيخ نور الدين أبو الحسن على الأشموني (١)، والمسمى بـ ((البدر اللامع في نظم جمع الجوامع)) (٢)، وقد قام بشرحه أيضاً، نسبه له الغزي في ((الكواكب السائرة)) (١/ ٢٨٥)، وابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ٢٠٧)، وقد طبع هذا النظم بمصر سنة ١٣٣٢هـ (٣). ٥ - نظم الإمام رضي الدين محمد بن محمد الغزي المتوفى سنة ٩٣٥هـ، والمسمى ((بالدرر اللوامع نظم جمع الجوامع))، ذكره نجم الدين الغزي في ((الكواكب السائرة)) (٢/ ٥)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٨)، وقد قام بشرحه ولده الإمام بدر الدين أبو البركات محمد المتوفى سنة ٩٨٤هـ وسماه ... ((العقد الجامع في شرح الدرر اللوامع نظم جمع الجوامع))، ذكر ذلك ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ٤٧٤) وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٨). ٦ - نظم السلطان أبو المكارم عبد الحفيظ (٤) سلطان المغرب، المسمى ((الجواهر اللوامع في نظم جمع الجوامع))، وهذا النظم مطبوع بالمطبعة المولوية في فاس العليا سنة ١٣٢٧هـ. المطلب الخامس: مقارنة بين جمع الجوامع ومتن التنقيح في أصول الفقه لصدر الشريعة: من خلال النظر في ((جمع الجوامع))، ومتن ((التنقيح)) لصدر الشريعة يمكن إجراء المقارنات الآتية: ١ - ((التنقيح)) عبارة عن متن لخص فيه - مؤلفه - أصول البزدوي وهذّبه ونقّحه وأَورَدَ فيه زُبدة مباحث ((المحصول)) وأصول ابن الحاجب، لذا يمكن عد كتابه جامع بين طريقتي الحنفية والمتكلمين، بخلاف ((جمع الجوامع)) فهو وإن جمعه مؤلفه من مئة مصنف إلا أنه ليس اختصارا لمصنف بعينه، وقد سار به التاج - كما وضحتُ - على طريقة المتكلمين فحسب. ٢ - ((التنقيح)) بيّن فيه مؤلفه مذهب الحنفية على وجه الخصوص ويذكر في كل مسألة تقريباً رأي الشافعية، وغالبا ما يذكره إما بصيغة التضعيف أو ناصّاً على خلافه أو للرد عليه، بخلاف ((جمع الجوامع)) فقد بيّن فيه مؤلفه مذهب الشافعية على وجه الخصوص، ولم يتعرض لذكر الحنفية إلا في مسائل معدودة. ٣ - ((التنقيح)) اكتفى فيه مؤلفه بذكر قولي الحنفية والشافعية ولم يعرّج على ذكر أقوال أخرى أو استيعاب مذاهب المتكلمين، بخلاف التاج السبكي، فكان يّكثِر من ذكر الأقوال ويستوعب آراء المتكلمين في كثير من المسائل. ٤ - ((النتقيح)) أكثر فيه مؤلفه من ذكر الأدلة وتوجيهها وبيان الاعتراضات عليها وردها، بخلاف ((جمع الجوامع)) فلم يذكر فيه مؤلفه الأدلة إلا في بعض المسائل، وكان ذكره لها لفائدة أو ضرورة اقتضت ذلك.

стр. 114

٥ - ((التنقيح)) أكثر فيه مؤلفه من ذكر الفروع الفقهية مستدلاً بها على القاعدة الأصولية، وموجّهاً لها مبيّنا رأي الحنفية فيها ويتعرّض لذكر الخلاف بين علماء الحنفية أنفسهم وخاصة بين أبي حنيفة ... والصاحبين وزفر، بخلاف ((جمع الجوامع)) فلم يتعرّض لذكر هذه الفروع إلا نادراً، ولم يكن ذكره لها استدلالاً على القاعدة الأصولية بل بناءً عليها واستئناساً بها. ٦ - ((التنقيح)) في المسائل الأصولية التي لها جذور كلامية كان يتبنّى مؤلفه فيها مذهب الماتريدية مثل: مسألة الحُسْن والقُبح، والتكليف بما لا يطاق، بخلاف ((جمع الجوامع))، فقد كان مؤلفه يتبنّى رأي الأشاعرة في هذه المسائل. ٧ - تعرض ((التنقيح)) لبعض المباحث التي لم يذكرها التاج في ((جمع الجوامع)) وهذه المباحث أكثرها مما له علاقة وطيدة بمذهب الحنفية خاصة، ومنها مسألة العمل بالحديث فيما تعم به البلوى، ... ومسائل الأهلية وما يتعلق بها من شروط ومن عوارض، ومسائل الحقوق حق الله وحق العبد ... وغيرها، وكذا تعرّض ((جمع الجوامع)) لبعض المباحث التي لم يذكرها ((التنقيح)) كمسائل الاعتقاد والتصوف التي ختم بها التاج السبكي مصنفه. المبحث الرابع منع الموانع عن جمع الجوامع المطلب الأول: التعريف بالكتاب ((منع الموانع عن جمع الجوامع))، هو الكتاب الذي وضعه التاج السبكي ليُبيّن فيه ما أُغلِق أو استُشكِل من عبارات كتابه ((جمع الجوامع)) فهو قد وضع هذا الكتاب ليكون كالشرح والتقرير ... والدفاع عما أورده في ((جمع الجوامع)). سبب تأليف الكتاب: هذا ويعود السبب في تأليف الكتاب إلى ما أُورِد على ((جمع الجوامع)) من أسئلة ... واعتراضات، وجهت إليه، أجاب عنها التاج في هذا الكتاب، وتشير بعض المصادر التاريخية أنّ ((منع الموانع)) هذا؛ إنّما جاء ردا على الإشكالات التي أوردها تلميذ التاج السبكي شمس الدين العيزري في كتابه ((البروق اللوامع)) (١)، غير أنّ التاج السبكي لم يصرّح بذكره في ثنايا الكتاب المطبوع بين يدي الآن، ولعل هذه الأسئلة هي التي أجاب عنها التاج السبكي في القسم الأول من الكتاب، والتي بلغ عددها ثلاثة وثلاثون سؤالاً (٣٣)، والتي لم يسمِّ المرسِل بها، والظاهر أنّها من تلميذه العيزري يدل على ذلك الخطبة الواردة في بداية الأسئلة والتي فيها: ((المسئول من إحسان سيدنا ومولانا قاضي القضاة شيخ الإسلام والمسلمين، بقية المجتهدين، مُوضِّح المشكلات بالدلائل الواضحات، بلّغه الله تعالى أعلى المقامات وفتح أعماله بالصالحات، وأدام أيامه، وأنفذ أحكامه، وجدَّدَ على يديه دين هذه الأمة، وكشف به عنها كل غمة؛ أنّ يوضّح لنا ما أُشكِل علينا، ودَقَّ فهمه من ألفاظه الشريفة العزيزة، وما عزب عنا علمه في كتابه: ((جمع الجوامع))، العديم المثال، المحتوي على فوائد جمة لم تخطر لغيره ببال. فلقد عم النفع به ولله الحمد، وشدت في طلبه الرحال، وكررت عليه الطلبة، وأعرضت عن كل مختصر، وأمعنت فيه الأكابر النظر، وشُبّهت المختصرات بالكواكب، وشُبّه هو بالقمر.)) (٢)

стр. 115

قلت: مثل هذه العبارات لا تَصدُرُ إلا عن تلميذ مُحبٍّ مُنتَمٍ لشيخه أيما انتماء، وقد ثبت أنّ العيزري - وهو من تلامذة التاج السبكي - قد أرسل لشيخه إيرادات على ((جمع الجوامع)) فربما تكون هذه الأسئلة هي ذاتها التي أرسلها العيزري والله تعالى أعلم. ترتيب الكتاب: لقد جاء الكتاب على ثلاثة أقسام من الأسئلة: القسم الأول منها: عبارة عن ثلاثة وثلاثين سؤالاًَ وردت إليه ولم يبيّن فيها اسم المرسل، وقد مِلْتُ إلى كونها من شمس الدين العيزري، وقد أجاب عنها التاج السبكي سنة اثنتين وستين وسبعمائة للهجرة ٧٦٢ هـ (١). القسم الثاني من الأسئلة: عبارة عن أسئلة أرسل بها السيد جمال الدين حمد الخراساني. قال التاج السبكي: ((وهذه أسئلة أخرى على ((جمع الجوامع))، بعث بها إليّ الشيخ الإمام العلامة السيد الشريف جمال الدين، حمد بن عبد الله الخراساني، نفع الله به حين ورد علينا من مدينة حلب، ... وأَرسَلتُ له جوابها، ثمّ أرسل إليّ جواب الجواب معترفاً بصحة بعضه منازعاً في بعضه الآخر، وإن حَكَيتُ المراسلات الثلاث بلفظها طال، ولكنّي أختصر مستوعبا)) (٢). وأما القسم الثالث: فهي الأسئلة التي وردت عليه أثناء التدريس، قال التاج السبكي: ((وهذه سؤالات وقعت في الدرس مفرقة)) (٣). وبهذا ترى أنّ هذا الكتاب إنّما جاء رداً على أسئلة محددة وردت على ((جمع الجوامع)) وبعض مسائل أصول الفقه عامة، وقد صرّح التاج السبكي باسم أحد مرسلي هذه الإيرادات، وذكر أنّ بعضها وقع عليه أثناء الدرس، ولم يصرّح باسم مرسل القسم الأول. وأما بالنسبة لترتيب الكتاب فظاهر أنّ التاج السبكي قد رتبه بحسب ترتيب المرسل في الأسئلة الأولى والثانية، وبحسب ترتيب وقوعها عليه أثناء التدريس في الثالثة. قال التاج السبكي مبيناً ذلك في القسم الثالث من الأسئلة: ((فأنا أذكرها على ترتيب وقوعها عليَّ لا على ترتيب الكتاب فإذا انضمت إلى ما تقدم من الأسئلة والأجوبة، هي وأجوبتها كان المجموع كتاباً مستقلاً مسمى ((بمنع الموانع عن جمع الجوامع))، ينتفع به حافظ ((جمع الجوامع)) فإنّ ذلك كالشرح لمشكل الكتاب)) (٤). وقال بعد ذكره سؤالات القسم الأول: ((وقد وَرَدتْ عليّ هذه الأسولة، وكثير منها لا يختص به [أي ((جمع الجوامع))]؛ فأَخذَتُ في جوابها جميعاً، حُبّاً للعلم وطلبه، ورغبةً في إزالة مُشتَبِكٍ ومُشتَبِهٍ، وضَممْتُ إليها بعد ذلك سؤالات أُخَر وردت من جنسها؛ فأجبت عنها بما أرجو أن يطمئن به القلب ويَقِرَّ البصر)) (٥). وقال بعد الإجابة على القسم الأول: ((هذه أجوبة هذه الأسئلة، وأنت ترى أكثرها لا اختصاص له بكتابنا ((جمع الجوامع))، بل هي أسئلة تتعلَّق بالفن من حيث هو، ونحن أجبنا عنها، وكنا قادرين على دفع ما لا يتعلَّق منها بخصوص الكتاب، وذلك حباً للفائدة من حيث هي)) (٦).

стр. 116

قلت: ولعل هذا الكتاب كان مقدمةً لكتاب آخر أجمع وأشمل يكون شرحاً واسعاً ((لجمع الجوامع))، إلا أنّه لم يسعف الوقتُ التاج السبكي في ذلك، وإليه أشار التاج بقوله: ((ولو وسع وقتي لكتابة شرح عليه واف بالغرض منبه على ما رمزت إليه على وجه الاستقصاء؛ لدخل في أسفار كثيرة)) (١). المطلب الثاني: أهمية ((منع الموانع)) و مميزاته: تكمن أهمية ((منع الموانع)) في النواحي الآتية: ١. أنّه من أهم كتب التاج السبكي الأصولية، وذلك لما يأتي: أ) لأنّه آخر مصنفاته الأصولية وذلك لأنّه قد وضعه بعد شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) وبعد ((جمع الجوامع)). ب) لأنّه الكتاب الذي عليه التعويل في معرفة آراء التاج السبكي الأصولية؛ وذلك لأنّه قد دافع فيه عما اختاره في ((جمع الجوامع))، مبيناً سبب اختياره في ذلك. ج) لأنّه جاء كالشرح والتقرير والدفاع عما أورده في ((جمع الجوامع)) لذا يمكن عدّ كتابه هذا من أهم شروح ((جمع الجوامع))؛ لأنّ التاج السبكي هو الأقدر على حل كلامه وبيان معانيه ومراميه من أي شخص آخر غيره. ٢. أنّ هذا الكتاب قد اعتمد عليه غالب شراح ((جمع الجوامع))، حيث كانوا يرجعون إليه وينقلون العديد من عباراته، ومنهم البدر الزركشي، وابن العراقي، والجلال المحلي، ومن أصحاب الحواشي، ابن قاسم، والعطّار، وغيرهم. مميزاته: امتاز ((منع الموانع)) بعدد من المميزات أذكر منها: ١ - التنبيه على دقة عباراته في ((جمع الجوامع)): من أهم ما تميز به التاج السبكي في هذا الكتاب هو أنّه كان لا يمر بعبارة من عبارات ((جمع الجوامع)) إلا وبين دقة هذه العبارة وبيان حسن اختصارها. فمن ذلك قوله في بيان سبب عدوله في التعادل والتراجيح عن قولهم: فإن ظن التعادل إلى قوله: فإن توهَّمَ (٢)، قال: ((وأما عدولنا عن لفظ الظن إلى لفظ التَّوهُم في التعادل؛ فلأن الظن ما يكون الطرف فيه راجحاً، ولا ريب في أنّه لا يترجح التعارض في حديثين، لأنّا على قطع بأنّه لم يقع منه ﷺ حديثان متعارضان معاذ الله،. . .، إذا عرفت ذلك فالمجتهد إذا اشتبه عنده أمر حديثين فهو يحسبهما متعارضين، ويعلم أنّه لا تعارض في نفس الأمر، وإنّ حسبانه ناشئ إما عن اختلال فهمه، أو اختلال السند، أو غير ذلك، ولا يهتدي إلى تعيين تلك الجهة التي أوتي منها، ولو اهتدى إليها لم يَتَوهَّم التعارض. وإذا وَضُح لك هذا؛ لاحَ أنّ استعمال لفظ التَّوهُم، وهو ما يكون الجانب المتوهَّم فيه مرجوحاً خير من لفظ الظن)) (٣).

стр. 117

ومنها قوله في مسألة المخطئ في الاجتهاد بياناً لقوله في ((جمع الجوامع)) ((وحيث قصَّر يأثم وفاقاً)) (١) قال: ((فإشارة إلى أنّ من قصّر يأثم سواء في ذات القطع أو غيرها، وعبارة ابن الحاجب مخطئ آثم (٢)، ونحن حذفنا لفظ مخطئ لأنّه إن أراد مخطئ في الحكم، فلسنا على يقين من ذلك؛ إذ يحتمل أنّه أخطأ وأنّه أصاب، ولكنّه يأثم لتقصيره، وقد يكون مع ذلك أصاب كواجد دفينٍ، وإن أراد مخطئ في نفس الاجتهاد، فهذا لا حديث فيه، فقد لاح بشرح هذه المسئلة وجه عدولنا عن ألفاظ غيرنا)) (٣). ٢ - بيان منهجه في ((جمع الجوامع)): بيّنَ التاج السبكي في ثنايا هذا الكتاب المنهج الذي اتبعه في تصنيفه ((لجمع الجوامع)). فمن ذلك قوله: ((ونحن أبداً نشير بلفظ لو إلى خلاف؛ فإن قوي أو تحقق صرّحنا به؛ وإلا اكتفينا بهذه الإشارة فاعرف ذلك)) (٤). ٣ - ذكره أموراً لم يذكرها في كتبه الأخرى: مما تميز به التاج السبكي أنّه كان يضيف في هذا الكتاب أموراً ومباحث لم يتعرّض لها في كتبه الأخرى. فمن ذلك قوله - بعد بيان أنّ انتفاء المعارضة في الفرع لا يقدح في العلّة -: ((وأنا أرى أن أذكر أمثلة ما يقتضي نقيض الحكم، وضده، وخلافه؛ فإنّي لم أذكر ذلك في ((شرح المختصر)))) (٥)، ثمّ ذكر أمثلة على النقيض والضد والخلاف فجاءت في أربع صفحات من الكتاب من صفحة ٣٨٥ - ٣٨٩. ٤ - التنبيه على مسائل لم يذكرها غيره: إنّ التاج السبكي ذو شخصية أصولية مستقلة، لذا وجدته كثير الاستدراك على السابقين، وله اجتهادات يخالف فيها غيره مما انفرد هو به، وقد كان في مصنفاته عامة يبين ذلك، ومن هذه المصنفات ((منع الموانع))؛ فقد بين في غير موضع بعض المسائل التي انفرد بها. ومن ذلك قوله في بيان معنى المعارضة: ((وهو تَحقِيقٌ وفَهْمٌ حَسَنٌ عن الأولين، لم يذكره غيري، وقد حَرّرته في شرح ((المختصر))، وبيّنتُ أنّ المعارضة تُطلَق ويُراد بها معنيان: مُعارِض منافٍ، ومُعارِض لا ينافي)) (٦). هذه أهم الميزات التي امتاز بها التاج السبكي في ((منع الموانع))، وأنت ترى أنّ أكثرها له تعلُّق ((بجمع الجوامع))، وذلك لأنّ هذا الكتاب يعدّ كالشرح له. لذا فإنّه لا بد لدارس كتاب ((جمع الجوامع)) أن يستعين ((بمنع الموانع)) إذ هو كالمكمل له ... والمبين لكثير من مجمله وما أُشكل فهمه، فلا يُقرأ ((جمع الجوامع)) إلا مع ((منع الموانع))؛ وبذلك تحصل الفائدة المرجوة، والله تعالى أعلم. المطلب الثالث: مصادر التاج السبكي في ((منع الموانع)): لم يكثر التاج السبكي في هذا الكتاب من النقول عن الآخرين والعلماء السابقين، فكانت مصادره في هذا الكتاب قليلة نسبياً بالمقارنة مع كتبه الأخرى.

стр. 118

وهذا أمر طبيعي جداً؛ ذلك أنّ هذا الكتاب إنّما هو لبيان وردّ الإشكالات الواردة على ((جمع الجوامع)) والتي جاءت بسبب المنهج الخاص الذي اتبعه التاج في هذا ((المختصر))، وبسبب اختياراته التي انفرد بها فيه، فالاعتراضات إنّما جاءت على ذلك فلا بد أن يردّها بكلامه هو لبيان وجهة نظره هو، وهذا يستدعي عدم الإكثار من النقول. وسأعرض فيما يأتي إلى أهم مصادره مرتبة ترتيباً تنازلياً بحسب عدد النقول: ١ - والده الشيخ تقي الدين: يأتي والده الشيخ تقي الدين في المرتبة الأولى في النقل في هذا الكتاب، حيث بلغ عدد النقول عنه حوالي اثنان وعشرون مرة (٢٢). والسبب في ذلك يعود إلى أنّ التاج السبكي قد أودع في ((جمع الجوامع)) العديد من آراء والده التي لا تجدها عند غيره، لذا كان لا بد من الرجوع إليه لبيان هذه الآراء من كلامه نفسه، كما أنّ التاج السبكي قد استفاد كثيراً من اختياراته وأسلوبه من والده؛ ذلك أنّه كان كثيراً ما يسأل والده عن بعض العبارات الأصولية والإشكالات التي كان يوردها التاج السبكي على والده، وللشيخ تقي الدين مصنف في الأصول أجاب به عن أسئلة ولده التاج فكان التاج ينقل من هذا المصنف الكثير. والله أعلم. ٢ - الشافعي: حيث ذكره في حوالي إثنا عشر موضعاً (١٢). ٣ - ابن الحاجب: بلغ عدد النقول عن ابن الحاجب حوالي اثنا عشر موضعاً (١٢)، وقد بينت سابقاً أنّ التاج السبكي متأثر بابن الحاجب في كتابه ((جمع الجوامع)) وأنّ كثيراً من عبارات ((جمع الجوامع)) هي ذاتها عبارات ابن الحاجب، أو فيها تغيير يسير، لذا أكثر التاج السبكي من النقل عن ابن الحاجب في هذا الكتاب لأمرين: الأول:- بسبب تأثره به في العبارات. الثاني:- لعقد المقارنات بين عباراته وعبارات ابن الحاجب والله أعلم. ٤ - الإمام الرازي: بلغ عدد النقول عن الرازي حوالي تسعة مواضع (٩). ٥ - إمام الحرمين: حيث نقل عنه في حوالي تسعة مواضع أيضاً (٩). ٦ - الغزالي: وقد صرّح باسمه في حوالي ستة مواضع (٦). ٧ - الباقلاني: وقد نقل عنه في حوالي أربعة مواضع أيضاً (٤). ٨ - أبو اسحق الشيرازي: وقد صرّح بالنقل عنه في حوالي ثلاثة مواضع (٣). ٩ - الآمدي: وقد صرّح بالنقل عنه في حوالي ثلاثة مواضع أيضاً (٣). ١٠ - ابن مالك: وقد صرّح بالنقل عنه في حوالي ثلاثة مواضع أيضاً (٣). هذه أهم المصادر التي اعتمد عليها التاج السبكي، ولا يَضِير هذا الكتاب قَلّة المصادر المصرّح بها لما بيّنته سابقاً، ولأنّه ينبغي أن يُضاف إليها المصادر التي استمد منها كتابه ((جمع الجوامع)) والمصادر التي تَكوّنَتْ بها شخصيته الأصولية المستقلة.

стр. 119

الفصل الثالث منهج الإمام تاج الدين السبكي الأصولي وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: منهجه في إيراد التعاريف المبحث الثاني: منهجه في تحرير محل النزاع المبحث الثالث: منهجه في عرض الأقوال المبحث الرابع: منهجه في مناقشة الأقوال والردود على المخالفين المبحث الخامس: منهجه في النقل عن غيره من العلماء المبحث السادس: منهجه في ذكر الأدلة والشواهد المبحث السابع: منهجه في ذكر الفروع الفقهية المبحث الثامن: منهجه في تخريج الأحاديث المبحث التاسع: منهجه في التعامل مع العلماء الذين تأثر بهم المبحث العاشر: تكاملية مصنفاته

стр. 120

الفصل الثالث منهج الإمام تاج الدين السبكي الأصولي سأتحدث في هذا الفصل عن أهم القضايا الأساسية التي بنى ابن السبكي منهجه الأصولي عليها، ومن الصعوبة بمكان أن تتلمَّحَ منهجاً عاماً واحداً يَنْتظمُ مجموعة من المؤلفات المختلفة؛ فللتاج السبكي مؤلفات أصولية متنوعة؛ منها الشروح ومنها المتن المختصر، ومنها ما هو رَدٌّ لاعتراضات وجواب عن إيرادات، ومن هنا جاءت الصعوبة كيف تجمع بين هذه المصنفات في منهج واحد، وهذا ما حاولت جهدي واستطاعتي أن أقوم به في هذا الفصل. ولهذا لم أتعرض للقضايا التفصيلية المتعلقة بكل كتاب وإنما سأعرض للملامح العامة لمنهج التاج السبكي الأصولي فقط، مُشيراً بإشارات ولَمَحات سريعة إلى أهم ما ينتظمُ هذه الملامح، مبيِّناً في الوقت ذاته على أيٍّ من المصنفات ينطبق هذا المنهج. المبحث الأول منهجه في إيراد التعاريف من المعلوم أن الأصوليين قد اهتموا بالتعاريف اهتماما بالغا، فتراهم كثيرا ما يدققون ويبحثون في التعاريف، فيضعون فيها قيودا ويحذفون أخرى وما ذلك إلا لأن دقة التعريف فيها تحديد للمفاهيم والمصطلحات والمسائل التي تبنى على التعريف، لذا تنوعت أساليب الأصوليين في عرضهم للتعاريف، وقد اتبع التاج السبكي في كتاباته مناهج متعددة في إيراده للتعاريف؛ وذلك نظرا لطبيعة مؤلفاته وخصائص كل منها، وسيكون حديثي عن هذه النقطة ضمن محورين: المحور الأول: إيراده التعاريف في شرحيه ((الإبهاج ورفع الحاجب)): اتبع التاج السبكي في شرحيه مناهج متعددة في إيراد التعاريف مخالفا لما كان عليه في ((جمع الجوامع))، ومن هذه المناهج: أولاً: إيراده للتعاريف اللغوية لبيان وجه المناسبة بينها وبين التعاريف الاصطلاحية: خلاصة هذا المنهج أن التاج السبكي كان يبدأُ المسألة المطروحة ببيان معناها اللغوي، ومن ثَمَّ يُعرِّجُ على المعنى الاصطلاحي؛ ليتبين وجه العلاقة بين المعنيين، وهذا المنهج سار عليه التاج السبكي في أغلب مباحث ((شرح المنهاج)) في حين كان مقلّاً منه في ((شرح المختصر)). ومن الشواهد الدالة على اتباعه هذه المنهج: ١ - قوله في بيان المراد بالمجمل في كتابه ((الإبهاج)): ((المجمل: مأخوذ من الجَمْل، بفتح الجيم وإسكان الميم، وهو: الخلط، ومنه قوله ﵊: ﴿لعن الله اليهود؛ حرم الله عليهم شحوم الميتة فجملوها - أي خلطوها - وباعوها فأكلوا ثمنها﴾ (١) [قال التاج السبكي معقباً]: فسمي اللفظ مجملاُ لاختلاط المراد بغيره)) (٢). ٢ - وقوله في بيان سبب إطلاق النص على اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنىً واحداً: ((نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنه منصة العروس)) (٣) (٤).

стр. 121

٣ - وقوله في بيان الاستدلال في ((رفع الحاجب)): ((والاستدلال: استفعال من الدليل واستفعل ترد في لغة العرب للطلب، وللتحرك، وللإيجاد (١)، ولإلغاء الشيء: بمعنى ما صيغ منه، أو لعده كذلك، ولمطاوعة أفْعَلْ ولموافقته وموافقة تفعَّل وافتعل والمجرد، والإغناء عنه وعن فعل ... [إلى أن قال]: إذا عرفت هذا، فالاستدلال في الاصطلاح مشترك؛ فإنه يطلق على ذكر الدليل سواء أكان نصاً أم إجماعاً أم غيرهما، ويطلق على نوع خاص من أنواع الأدلة وهو المقصود ببيانه هنا، وله عقد الباب ... [ثم قال]: وقد علمت توارد استفعل اللغة، وعندي: أن المقصود منها في مصطلح الأصوليين الاتخاذ، والمعنى: أن هذا باب ما اتخذوه دليلاً، والسر في جعل هذا الباب متخذا دون الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ لأن تلك الأدلة قام القاطع عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها، وكأن قياسها لم ينشأ عن صنيعهم واجتهادهم، بل أمر ظاهر)) (٢). ثانياً: إيراده لتعاريف المتن كما هي دون زيادة عليها وذلك لظهورها: وجدت أن التاج السبكي يذكر تعاريف المتن كما هي دون زيادة عليها وذلك لكون هذه التعاريف ظاهرة جلية ولا تحتاج إلى بيان، وهذا المنهج اتبعه التاج السبكي في ((رفع الحاجب)) خاصةً ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١ - قوله في تعريف الظاهر والمؤول بأن الظاهر هو: ((ما دل دلالة ظنية)) (٣)، والمؤول: ((حمل الظاهر على المحتمل المرجوح)) (٤)، وهما نفس ما أورده ابن الحاجب (٥) أوردهما مكتفياً بهما دون أي زيادة أو توضيح، قلت: وقد اختار التاج السبكي هذين التعريفين في كتابه ((جمع الجوامع)) مما يؤكد ما قرَّرته سابقاً وهو مدى تأثر التاج السبكي بابن الحاجب في كتابه هذا [أي ((جمع الجوامع))] (٦). ٢ - وقوله في مبحث المنطوق والمفهوم حاكياً تعريفَ ابن الحاجب بأن: ((المنطوق هو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق)) (٧) دون أي زيادة عليها. ٣ - وقوله في تعريف فساد الاعتبار مكتفيا بالتعريف الذي أورده ابن الحاجب وهو: ((مخالفة القياس للنص)) (٨). ثالثاً: بيانه لتعاريف المتن دون زيادة عليها سوى توضيح المراد منها مع بيان محترزات بعض قيودها: وهذا منهج ثالث اتبعه التاج في بيان تعاريف المتن الذي يتولى شرحه، إذ كان يقتصرُ فقط على توضيح التعريف كما أورده الماتن دون زيادة سوى توضيح المراد وبيان محترزات بعض القيود. ومن الشواهد الدالة على ذلك:

стр. 122

١ - قوله في بيان تعريف الاشتقاق الذي أورده البيضاوي بأنه: ((رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه الأصلية ومناسبته في المعنى)) (١)، قال التاج السبكي مقرِّراً هذا التعريف: ((قوله ''رد لفظ'' جنسٌ، وقوله '' لموافقته في حروفه الأصلية'' فصلٌ احترز به عن الألفاظ المترادفة: كالإنسان ... والبشر، إذ لا اشتراك فيها في الحروف ... وقوله ''الأصلية'' إشارة إلى أن الاعتبار في موافقة الحروف إنما هو بالحروف الأصلية فقط، ولا عبرة بالحروف الزائدة، وقوله ''ومناسبته في المعنى'' احترازٌ عن المعدول؛ لأن المناسبة تقتضي المغايرة، ولا مغايرة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى)) (٢). وبذلك ترى أن التاج السبكي قد اكتفى بتوضيح التعريف فقط ببيان معناه ومحترزاته. ٢ - وقوله في تعريف العلم الذي أورده ابن الحاجب أنه: ((صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض)) (٣) قال التاج السبكي شارحاً هذا التعريف: ((فالصفة وهي ما لا يقوم بنفسه: جنسٌ يشمل العلم ... وغيره، وقولنا:'' توجب لمحلها تمييزاً'' فصلٌ يُحترزُ به عن الحياة والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بها و ''لا يحتمل النقيض'': احترازاً عن الظن، وهذا يشمل التصور إذ لا نقيض له، والتصديق النفسي إذ له نقيض ولا يحتمله)) (٤). رابعاً: الإشارة إلى التطور التاريخي للتعاريف: كان التاج السبكي يشير أحياناً إلى التطور التاريخي لبعض التعاريف مبيناً القائل بها ومن أين استمدَّ هذا التعريف وماذا حصل به من حذف أو زيادة لبعض القيود. ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١ - قوله شارحا قول البيضاوي ((التخصيصُ: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ)) (٥) قال: ((بدأ في هذا الفصل في تعريف التخصيص والمخصص، وأما التخصيص: فقد قال أبو الحسين (٦) والإمام (٧) إنه: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب، وتبعهما المصنف لكنه أبدل الخطاب باللفظ)) (٨). ففي هذا المثال تجد أن التاج السبكي قد بين لنا أن أبا الحسين البصري قد عرف التخصيص بأنه: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب، ثم بين أن الإمام الرازي قد تابع البصري في هذا التعريف وتأثر به، ثم أشار إلى التطور الذي أتى به البيضاوي وهو إبداله الخطاب باللفظ، فهو [أي البيضاوي] قد أخذ تعريف البصري والإمام إلا أنه أبدل الخطاب منه إلى اللفظ.

стр. 123

٢ - وقوله في شرح قول ابن الحاجب في تعريف البيان: ((قال الصيرفي: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح)) (١) قال: ((قال الصيرفي ناظراً إلى أنّ البيان فعل المبيِّن إنه: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، كذا أورده ابن السمعاني (٢) وغيره، وزاد إمام الحرمين (٣)، فتبعه الآمدي (٤) والمصنف: الوضوح؛ فقالوا إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح)) (٥). في هذا المثال بين التاج السبكي أن الآمدي وابن الحاجب قد أخذا تعريف الصيرفي للبيان إلا أنهما أضافا إليه الوضوح. خامساً: ذكره لتعاريف لم يذكرها الماتن: أورد التاج السبكي تعاريفاً لبعض المسائل التي أغفلها الماتن وذلك تتميماً للفائدة، ... ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١ - قوله في كتابه الإبهاج في مباحث الكتاب: ((الكتاب هو القرآن: وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، وقد خرج بقولنا ''المنزل'' الكلام النفسي، وكلام البشر، ''بالإعجاز'' الأخبار الربانية وسائر الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور؛ إن لم يُقل أنها مُعْجِزة، وقولنا ''بسورة منه'' أي ببعضٍ ولو ساوى أقصر سورة منه كالكوثر، وخرج بذلك سائر الكتب المنزلة إن قيل بإعجازها، فإنها حينئذٍ وإن أُنزلت للإعجاز لكن لم يكن الإعجاز بسورة منها، وهذا التعريف صادق على الآية وعلى بعضها أيضاً، لأنه يصدق عليها أنّ قَدْر سورةٍ من نوعه معجزة)) (٦)، فها هنا ترى أن التاج السبكي قد ذكر تعريف القرآن وبينه في حين لم يتعرض البيضاوي لتعريف القرآن في ((منهاجه)) (٧). ٢ - وقوله في كتابه ((رفع الحاجب)): ((الدوران: وهو أن يوجدَ الحكمُ عند وجود وصف، وينعدمَ عند عدمه)) (٨)، فقد ذكر لنا التاج السبكي تعريفَ الدوران والذي سماه ابن الحاجب بالطرد والعكس في حين لم يتعرَّض لذكره ابن الحاجب بل بدأ المسألة ببيان رأيه المختار في حجية الدوران فقال: ((الطرد والعكس: ثالثها لا يفيد بمجرده قطعاً ولا ظناً)) (٩).

стр. 124

سادساً: مناقشته للتعاريف: لم يكن التاج السبكي يقرِّرُ التعاريفَ كما هي فحسب، بل وجدتُه حيث لا يرتضي تعريفاً ما فإنّه يناقش المصنف فيه ويذكر ما عليه من مؤاخذات؛ منها ما يأخذه من غيره من العلماء، ومنها ما يستقلُّ بمناقشته هو بنفسه، وقد أكثرَ التاج السبكي من إيراد هذه المناقشات في ((الإبهاج)) في حين كان مقلّاً لها في كتابه ((رفع الحاجب)) ولعلَّ ذلك لأنَّ التاج السبكي والبيضاوي كلاهما من مدرسة واحدة ألا وهي مدرسة الإمام الرازي؛ لذا فكان يُوردُ على تعاريفه ما يراه لا ينسجمُ مع معطيات هذه المدرسة، في حين كان ابن الحاجب من مدرسة مخالفة لهما وهي مدرسة الإمام الآمدي، ومعلوم أن التعريف إنما يُبْنى على القواعد والأصول التي ينتهجها المؤلف أو المصنف، فلو ناقش التاج السبكي كلَّ تعاريف ابن الحاجب لانْهَدمَ بذلك ما انْبَنى عليها من مسائلَ وفروع، ولم يكن هدفُ التاج السبكي أن يَردَّ على ابن الحاجب أو يقوض أركان مدرسته، لذا كان يكتفي بتقرير تعريفاته كما هي، ولا يناقشها إلا إذا بان ضعفها أو كانت فيها مخالفةٌ لمدرسته [أي ابن الحاجب] الأصولية، والله أعلم. ومن الشواهد الدالة على مناقشته للتعاريف: ١ - قوله في الإبهاج بعد شرح تعريف البيضاوي في الترادف: ((توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد)) (١) قال: ((هذا شرح التعريف، وفيه نظر: فإنه أتى بالمفردة ليحترز عما أشرنا إليه [وهو: احترازٌ عن المركبة كالحد مع المحدود، والرسم مع المرسوم، فإن الحدَّ والمحدود غير مترادفين على المختار ... ]، وهو غير مضرور إلى ذلك؛ فإنّ ذلك خرج بقوله ''باعتبارٍ واحد'' إذ الحدُّ والمحدود يدلان على معنىً واحد ولكن باعتبارين كما عرفت. ثم إنّ هذه اللفظة أعني المفردة تُصيِّرُ الحدَّ غير جامع؛ إذ يَخرجُ بها بعضُ المترادفات مثل: خمسة، ونصف العشرة، وأيضاً: قوله ''الألفاظ'' جمعٌ وأقلُّه على رأيه ثلاثة، وقد يكون الترادف من لفظين، ثم إنها جنسٌ بعيد، فلو أتى بالقول وقال: توالي كلمتين فصاعداً لَسَلِمَ من هذين الإيرادين)) (٢). فأنت ترى أن التاج السبكي قد ناقش تعريف البيضاوي من ثلاثة وجوه:- الأول: إتيانُه بالمفردة إحترازاً عن الحد مع المحدود، وبيّن التاج السبكي أنّ هذه اللفظة لا داعيَ لها؛ لأن الحد مع المحدود قد خرجا بقوله [أي البيضاوي] باعتبارٍ واحد، إذ الحد والمحدود وإن كانا يدلان على معنىً واحد إلا أنّه باعتباريَن مختلفيَن. الثاني: أنّ وجودَ المفردة في الحد تُصيِّرُ الحدَّ غير جامع وذلك لأنّه يَخرجُ منه بعض المترادفات، فإنّ الخمسةَ تُرادِفُ قولنا نِصفُ العشرة وكلاهما دالٌّ على شيء واحد، لكن الخمسة لفظٌ مفرد بِخِلافِ نصف العشرة، فهو ليس مفرداً إلا أنّه مرادفٌ للخمسة، وبقوله [أي البيضاوي] المفردة لا يكون نصف العشرة مرادفاً للخمسة وهو باطل كما رأيت. الثالث: في قوله الألفاظ، هذا جمعٌ وأقلّ الجمع على رأي البيضاوي ثلاثة، وهذا يعني أن الترادفَ لا يكون بين لفظين وهو باطل لوقوع الترادف بين لفظين فأكثر.

стр. 125

الرابع: قوله الألفاظ، جنسٌ بعيدٌ لأنّها تشمل اللفظ المستعمل والمهمل ومن عيوب الحدود أن يُؤتى في الحد بالجنس البعيد. ٢ - وقوله بعد شرح تعريف المناسب الذي أورده ابن الحاجب بأنه: ((وصفٌ ظاهرٌ منضبط يَحْصلُ عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من حصول مصلحة أو دفع مفسدة)) (١) قال: ((واعترض الشيخ الهندي، بأنه إن عنى بقوله ''يحصل من ترتيب الحكم'' علَّته، أنّه يلزمُ من ترتيب ما يقتضيه الوصفُ من الحكم بحسب مناسبته له، فيلزم تعريف الشيء بنفسه؛ لأنّ التعريفَ المناسب إنّما هو باعتبار مناسبته فتعريفه بالمناسبة تعريف للشيء بنفسه، وإنْ عنى به غيره فليبيِّنه، سلَّمنا، ... ولكن لا حاجة إلى هذا القيد، بل يكفي أن يُقال: يلزم من حصوله حصولُ الحكم المستلزم لحصول ما يصلح أن يكون مقصوداً للشارع؛ لأنّا إذا علمنا الوصفَ وحده، والحكمَ وحده، وما يصلح أن يكون مقصوداً وحده، علمنا من وجود الوصف مقارنهً الحكم له، وحصول ما يصلح أن يكون مقصودا، ... والمقارنة إنما تراد باعتبار المناسبة، لا لتحقيق ماهيتها. وأما أنه يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا للشارع فذلك زائد على ماهية المناسبة. وأيضا فإنه غير جامع؛ لأن التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة جائزٌ على المختار عند المصنف، والوصفية غير متحقِّقة فيها مع تحقُّق المناسبة)) (٢). في هذا المثال ذكر لنا التاج السبكي مناقشةً على تعريف ابن الحاجب للمناسبة وحاصل هذه المناقشة: أولا: أنّ المرادَ من قوله [أي ابن الحاجب] يَحصُلُ من ترتيب الحكم عليه، إما أن يكون علَّتَه وبذلك لا يستقيم التعريف؛ لأن العلَّةَ لا تكون علَّةً إلا إذا لوحِظَ فيها المناسبة، والمطلوب تعريف المناسبة فيتوقف معرفة المناسبة على معرفة العلّة، فتتوقف معرفة المناسبة على نفسها وهذا دور قادح في الحدود، وإن عنى بها أمر آخر غير العلّة فلا بد من بيانه حتى يُنظَرَ فيه. ثانيا: أنه لا حاجة إلى قيد (يحصل من ترتيب الحكم عليه) لأنه إذا علمنا الوصفَ وحدَه ... والحكمَ وحدَه وما يَصلُحُ أن يكون مقصوداً وحده، بمجموع هذه الأمور وربط الذهن بينها يُعلَمُ من وجود الوصف مقارنَةَ الحكم له، وهذا الحكم يستلزم حصول ما هو مقصود من تشريعه ابتداء. ثالثا: أن هذا التعريف ليس بجامع؛ لأنه يخرج منه التعليل بالحكمة المنضبطة مع أنها يُعلَّل بها عند ابن الحاجب لأن المناسبة مُتحقِّقةٌ فيها ولكن مع عدم وجود الوصفيّة. المحور الثاني: منهجه في إيراد التعاريف في ((جمع الجوامع)): كما هو معلوم فإنّ ((جمع الجوامع)) عبارةٌ عن متنٍ مختصر في أصول الفقه، لذا فإن طبيعةَ المتن تقتضي منهجاً خاصاً في عرض التعاريف، ومن هنا جاء تقسيمي لمنهجه في إيراد التعاريف إلى قسم الشروح، وقسم ((جمع الجوامع))، لأن التعريف في المتن يختلف عن تناول التعريف في ضمن الشرح، وقد اتبع التاج السبكي مناهج متعددة في إيراده للتعاريف في كتابه ((جمع الجوامع)) ومن هذه المناهج:-

стр. 126

أولاً: تعريف الشيء بذكر حده المنطقي: المقصود بالحد المنطقي هو: القولُ الدالُّ على ماهية الشيء (١)، بمعنى أنه لا يذكر في تعريفه إلا ما يدلُّ على حقيقته بذكر مقوِّماته الأساسية، وصفاته الذاتية دون غيرها. وقد اتبع التاج السبكي في تعريفاته هذا النمط من التعاريف، ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله في تعريف النظر أنه: ((الفكرُ المؤدي إلى علم أو ظن)) (٢) فقوله ''الفكر'': جنسٌ يشمل حركة التخيلات وغيرها، وقوله ''المؤدي'' فصلٌ خرج به ما لا يؤدي كذلك كالحدس، ويدخل فيه الفكر الذي يُطلبُ به التصور والذي يُطلبُ به التصديق؛ ... وأطلق العلم ليشمل العقلي وغيره تصوراً وتصديقاً بخلاف الظن؛ فإن المراد به التصديق (٣). ٢ - وقوله في تعريف فرض الكفاية بأنه: ((مُهمٌّ يُقصَدُ حصوله من غير نظرٍ بالذات إلى فاعله)) (٤) فقوله ''مهمٌّ يُقصَدُ حصوله'' جنسٌ يشملُ فرضَ العين وفرض الكفاية والمندوب، ... وقوله ''من غير نظر إلى فاعله'' فصلٌ يُخْرجُ فرضَ العين؛ لأن فرضَ العين يُنْظَرُ فيه إلى الفاعل فهو مطلوبٌ من كل مكلَّف فِعْلُه ولا يُجزئُ غيره القيام به، وقوله ''بالذات إلى فاعله'' لبيان أن المقصود وقوعَ الفعل بغض النظر عن فاعله لأنه هو المقصود [أي الفعل] وليس الفاعل، وإنما الفاعل مقصودٌ بالعَرَض؛ لأنه لا بد لكل فعل من فاعل، إذ الفعل من غير فاعل محال (٥). ثانياً: التعريف عن طريق إيراد التقسيمات: انتهج التاج السبكي هذا المنهج المتمثِّل بذكر الأقسام التي من خلالها يُتَعرَّفُ على حدود المقسَّمات دون إيراد التعريفات الحدِّية لها، ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في بيان تقسيمات اللفظ: ((اللفظُ والمعنى إن اتحدا، فإن منعَ تَصوُّر معناه الشركة فجزئي، وإلا فكليٌّ، متواطئٌ إن استوى، مشكّكٌ إن تفاوت، وإن تعدَّد فمتباين، وإن اتحد المعنى دون اللفظ فمترادف وعكسه إن كان حقيقة فيهما فمشترك، وإلا فحقيقة ومجاز)) (٦). فأنت ترى أن التاج السبكي قد ذكر مجموعةً من الأمور ولم يعرِّف أيّاً منها تعريفاً حديا، إلا أنه يُمكنُ معرفةُ حدودها من خلال التقسيم الذي وضعه. فالجزئي: ما يمنع تصوُّرُ معناه الشركة فيه. ومن خلال المقابلة بين الجزئي والكلي يمكن حدُّ الكلي بأنه: ما لا يمنع تصوُّرُ معناه من وقوع الشركة فيه. ثم إنّ الكليَّ ينقسم إلى قسمين:- الأول المتواطئ: وهو ما كان حصوله على أفراده بالتساوي، والثاني المشكَّك: وهو ما لا يكون حصوله على أفراده بالتساوي، بمعنى أنه الذي يتفاوت في مفهومه شدةً وضعفا (٧). ثم تحدَّث عن القسمة الثانية للفظ والمعنى وهي: أن يتعدد اللفظ والمعنى فهو المتباين، ثم بين الترادف وهو: أن يكون اللفظ متعدداً والمعنى واحد.

стр. 127

وقوله ''وعكسه'' أي عكس الترادف وهو أن يتحدَ اللفظُ ويتكثَّرَ المعنى، ثم بيَّن أقسامه فقال: ((إن كان حقيقة فيهما فمشترك)) فهذا يعني أن المشترك: اللفظ الموضوع على أكثر من معنىً حقيقة، وأما إن كان اللفظ حقيقة في أحدهما فالأول حقيقة والثاني مجاز. وبهذا يكون التاج السبكي قد بيَّن لنا معاني هذه الأمور ولكن لا بطريق التعاريف الحدية ... وإنما بطريق التقسيمات العقلية. ثالثاً: تعريف الشيء عن طريق تعريف ما يقابله: أحيانا ترى التاج السبكي يذكرُ تعريف أحد الأمرين المتقابلين، ولا يتعرَّضُ لتعريف الآخر مكتفياً بتعريفه من خلال تعريف مقابله فقط. فمن ذلك قوله في تعريف الصحة والبطلان: ((والصحة موافقة ذي الوجهين الشرع ... [ثم قال] ويقابلها البطلان وهو الفساد)) (١). فهاهنا بيَّن لنا التاج السبكي أولاً معنى الصحة وهو كون الشيء مما يمكن وقوعه تارةً موافقاً للشرع وتارةً لا يوافق الشرع. ثم بيَّن أنّ المقابل للصحة هو البطلان والفساد، ولم يتعرَّض لتعريفه مكتفياً بتعريف الصحة، ولما كانت الصحة ضدُّ البطلان يمكن حدُّه بأنه: مخالفة ذي الوجهين الشرع، وهذا عُلِمَ من خلال المقابلة بين الصحة والفساد. رابعاً: بدء المسألة بذكر التعريف وبناء المسألة على التعريف: كان التاج السبكي مُهتمّاً بإبراز حقيقة التعاريف فهو لا يَذكرُ في التعريف إلا ما يؤدي إلى تصوُّره تصوُّراً صحيحا، لذا فقد وجدته يضعُ من القيود أو يحذفُ أخرى من التعاريف، بحيث أنَّ القارئَ يمكن أن يَسْتخلصَ المسألةَ من خلال التعريف، وقد نصّ التاج السبكي على أنه يبني المسألة على التعاريف - وخاصة في ((جمع الجوامع)) - وذلك في كتابه ((منع الموانع)) حيث قال هناك: ((وقد نثرنا مسائلَ الإجماع على الحد أحسنَ نثر واستخرجناها كلَّها من التعريف، على عادتنا في هذا الكتاب التي لم نُسْبَقْ إليها، وهي البَداءَةُ بالتعريف، ثم استخراجُ مسائل الباب منه؛ بحيث يَلُوحُ لذي الفِطْنة اكتفاؤُه بالتعريف عن النظر في تلك المسائل، لإمكانه فهمه إياها منه، ولا يبقى في إعادة ذكرها إلا فائدةُ التنصيص عليها، وحكاية الخلاف فيها والتنبيه على قيودٍ قد تَعْتَوِرها) (٢). ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١ - قوله في تعريف الإجماع أنه: ((اتفاق مجتهدي (٣) الأمة بعد وفاة محمد ﷺ في عصر على أي أمر كان)) (٤)

стр. 128

فإن الناظر في هذا التعريف قد يتلَمَّحُ مسائلَ الباب وأحكامه منه فمن ذلك قوله ''اتفاق'' يدل على أنه لا عبرة بانفراد الواحد بقولٍ لا يوجد غيره، كما يدل على خروج الإجماع السكوتي لأنه ليس اتفاق بهذا المعنى، وقوله ''مجتهدي الأمة'' لبيان أن الإجماع مقتصرٌ في المجتهدين فقط ولإخراج عوام الأمة وإخراج إجماع أهل المدينة وأهل البيت والخلفاء الأربعة والشيخين وأهل الحرمين والمصرين ونحوها، وقوله ''بعد وفاة محمد ﷺ '' لبيان أنه لا يكون الإجماع في عهده ﷺ إذ العبرة بقوله أو تقريره، وقوله ''في عصر'' فهو للقّدْر المشترك بين الأعصار كلها، ... ونكَّرَها لأنه لا يظهر فرقٌ بين عصر وعصر، وفيه إشارة إلى أنه غير مختص بعصر الصحابة، ... وقوله ''على أي أمر كان'' بيانا أن الإجماع ينعقدُ على أيِّ أمرٍ سواء أكان في العقليات أو اللغويات أو ما أصله أمارة ونحوها (١). فهذه الأمور كلُّها قد عُلِمت من التعريف فلو أنه اكتفى به دون ذكرها لكان في ذكر هذا الحد على هذه الصورة غنىً عنها، وقد وجدت التاج السبكي قد صرَّح بكل هذه المسائل بعد ذكر التعريف (٢)، فكان كما قال من أنه قد بنى المسائل على التعريف واستخرجها منه. المبحث الثاني منهجه في تحرير محل النزاع المقصود بتحرير محل النزاع هو: تعيين نقطة الخلاف بالتحديد وبيان مقصود المتخالفين حتى يظهر منذ البداية إذا كان مقصودهما متحدا، أو أن أحدهما يقصد خلاف ما يقصده الآخر، ومن فوائد تحرير محل النزاع حصر محل النزاع في صور محدودة أو توسيعه بناءً على إدخال صُور أخرى فيه (٣). لقد اهتمَّ التاج السبكي بتحرير محل النزاع ولم يكن يُطلق الخلاف في مسألة ما، بل كان يَعْمَدُ إلى تحرير محل الخلاف فيها، مبيِّنا المحل الذي وقع فيه النزاعُ تحديدا، وإخراج ما عداه من الصور التي لا خلاف فيها. وهذا المنهج اتبعه التاج السبكي في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) لأن هذه الأماكن هي محلها، أما في ((جمع الجوامع)) و ((منع الموانع)) فلم يتعرَّض له، وذلك نظراً لطبيعة الكتابين الأول: متنٌ لا يُتعرَّضُ فيه عادةً إلى تبيين محل النزاع، والثاني: جاء رداً وبياناً لما وُجِّه إلى ((جمع الجوامع)) من انتقادات واستفسارات. وقد اتبع التاج السبكي عدة طرائق في تحرير محل النزاع أذكر منها: أولاً: تحرير محل النزاع بنقله عن غيره من العلماء الذين حرروه سابقا: من الطرائق التي اتبعها التاج السبكي في تحرير محل النزاع هو أنه كان يأتي بتحرير محل النزاع نقلا عمن قام بتحريره من العلماء مكتفيا بما أوردوه. ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١ - قوله في بيان مسألة الأمر المعلَّق بشرط أو بصفة هل يفيد تكرار المأمور به أو لا في كتابه ((الإبهاج)): ((ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها، فنقول:

стр. 129

قال الآمدي ومن تبعه: ما عُلِّقَ المأمورُ به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علَّةً لوجوب الفعل مثل ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا﴾ (١)، وقولنا: إن كان هذا المائع خمراً فهو حرام؛ فإنّ الحكمَ يتكرَّر بتكرره اتفاقا، وإن لم يثبت كونه علَّةً بل توقَّفَ الحكمُ عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم، فهو محل الخلاف، انتهى)) (٢) (٣). ٢ - وقوله في مسألة عمل الصحابي بخلاف ما روى في ((رفع الحاجب)): ((وقد جعل المصنف - تبعا للآمدي (٤) - موضوع المسألة في الصحابي يَعملُ بخلاف ما رواه، لا في راوي الخبر مطلقا ... وأما الإمام الرازي (٥) وغيره، فذكروا أنّ الخلافَ في المسألة واقعٌ على الراوي يعمل بخلاف خبره، سواء كان صحابيا، أم لا إذا كان من الأئمة، وهو الصحيح، وبه صرَّح إمام الحرمين)) (٦) ففي هذا المثال ترى أن التاج السبكي نقل عن الآمدي وابن الحاجب تخصيصهم محل النزاع في عمل الصحابي فقط، ولكنه لم يرْتَضِ ذلك، بل نقل عن الإمام الرازي أنه عمَّم النزاع في كلِّ راوٍ يعمل بخلاف ما روى، فعند الآمدي ومن تبعه محلُّ النزاع محصورٌ في صورة الصحابي فقط، في حين وسَّع الإمام الرازي وأتباعه محلَّ النزاع في كلِّ راوٍ. ثانياً: تحرير محل النزاع أول المسألة: وجدت التاج السبكي يتَّبع منهجاً في إيراد محل النزاع في أول المسألة بحيث يبدأُ بتحرير محل النزاع ومن ثم يُعرِّجُ إلى شرح المسألة وبيان ما فيها من أقوال وحُجَج. ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله في مسألة أقل الجمع في كتابه ((الإبهاج)): ((اختلفوا في أقل الجمع على مذاهب، وليس محل الخلاف فيما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضَمُّ شيء إلى شيء؛ فإن ذلك في الاثنين ... والثلاثة، وما زاد بلا خلاف، وقد أفهمَ كلامُ ابنُ برهان في ((الوجيز)) خلاف ذلك، وليس كما أفهم، وإنما محل الخلاف في اللفظ المسمَّى بالجمع في اللغة مثل: مسلمين وغيره من جموع القلة لا جموع الكثرة فإنّ أقلَّها أحدَ عشر بإجماع النحاة)) (٧). ثم عرض بعد ذلك للمذاهب الواردة في أقل الجمع وحججهم وما يرد عليها. ٢ - قوله في مسألة عموم المقتضى في كتابه رفع الحاجب: ((اعلم أنّ التقديرات الصالح أحدها للإضمار قد يعمُّها لفظ، وقد لا يعَمُّ متعدّداً منها لفظ، بل تكون أموراً متباينة، وهو الغالب ... ، وحينئذٍ فقد يكون بينها جميعا أو بينها وبين بعضها تناف، وقد لا يكون، فهذه أقسامٌ كثيرة لن يُقدِّمَ المتأملُ كلامنا في هذه المسألة أمثلها. [ثم قال:] ويجب عندي انتفاء الخلاف عن قسمين منها: أحدهما: ما إذا كان اللفظ عامّاً لجميع تلك الأمور فأنّ الواجبَ تقديرُ ذلك العام، لأنه أقرب إلى الحقيقة.

стр. 130

والثاني: أن يتنافيا، فالواجب عدم تقديرهما ... فنخصُّ محلَّ الخلاف بما وراء هذين القسمين [ثم قال:] وإذا عرفت محله فنقول)) (١) ثم ذكر المذاهب والحجج على ذلك. ثالثاً: تحرير محل النزاع في نهاية المسألة: وهذه طريقة أخرى اتبعها التاج السبكي في بيانه لمحل النزاع مُلَخَّصها: أنّ التاج السبكي يبدأُ بشرح المسألة وما فيها من أقوال وحجج ومن ثَمَّ يختمُ المسالة ببيان محل النزاع، وأحيانا كان يجعل تحرير محل النزاع فائدةً من الفوائد التي يختم بها المسائل وإليك الأمثلة على ذلك:- ١ - قوله في مسألة غلبةَ المجاز على الحقيقة بعد شرح المسألة: ((واعلم أنّ التمثيل بالطلاق من أصله فيه نظر متوقف على تحرير محل النزاع في المسألة، وهو مهم وقد حرَّره المتأخرون من كتب الحنفية، [ثم حرر المسألة فقال:] المجاز أقسام: الأول: أن يكون مرجوحاً. والثاني: أن يساوي الحقيقة في الاستعمال، فلا ريبَ في تقديم الحقيقة في هذين القسمين. والثالث: أن تُهْجَرَ الحقيقةُ بالكلية بحيث لا تُرادُ في العُرْف فقد اتفقا [أبو حنيفة وأبو يوسف] على تقديم المجاز ... الرابع: أن يكون المجاز راجحا، والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات ... فهذا هو محل النزاع)) (٢). ٢ - وقوله في مبحث الاستصحاب في رفع الحاجب بعد شرح كلام ابن الحاجب: ((ونحن نقول: للاستصحاب صور: إحداها: ما ذكرناه من استصحاب العدم الأصلي، وهذا إن ثَبتَ فيه خلاف، فَلغير أصحابنا، وأما أصحابنا فمُطبقون على أنه حُجَّة. والثانية: استصحابُ مقتضى العموم، أو النص إلى أن يَرِدَ المخصِّصُ والناسخ، ولم يختلف أصحابنا في أنه حُجَّة أيضا ... والثالثة: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف ... [قال:] هذا محل الخلاف بين أصحابنا)) (٣) ٣ - ومن المسائل التي جعل تحريرَ محل النزاع فيها فائدةً مستقلة قوله بعد الحديث على حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز في رفع الحاجب حيث ذكر فوائد منها الثانية قوله: ((الخلاف في الحمل على الحقيقة ... والمجاز إنما هو فيما إذا ظهر قَصْدُ المجاز بقرينة مع السكوت عن الحقيقة، أو قصدهما معا، أما إذا قَصدَ الحقيقةَ فقط، فالحمل عليها فقط بلا نزاع، أو المجاز فقط اختصَّ به بلا نزاع ... [إلى أن قال:] فإذن الصور أربع: إحداها: أن تدلَّ القرينةُ على إرادة المجاز مع السكوت عن الحقيقة، وهي من محل الخلاف. والثانية: أن تدلَّ على إرادتهما جميعا، وهي أيضا من محل الخلاف ... والثالثة: ألا تكون قرينة، ولكن للمجاز شُهْرةٌ وازى بها الحقيقة، وهي من محل الخلاف أيضا ... والرابعة: حالةُ الإطلاق مع عدم شُهْرة المجاز، ولا خلاف أنه لا يحمل فيها على المجاز ... وإن أوهمَ كلامُ بعضهم أنه من محل الخلاف فلا تعتبره، وهذا فصلٌ نفيسٌ فاحفظه)) (٤).

стр. 131

المبحث الثالث منهجه في عرض الأقوال إن مسائل علم الأصول منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو محل خلاف، وكتب الأصوليين منها ما يعرض للخلاف في هذه المسائل وبذلك بذكر كل الأقوال الواردة فيها أو بعضها، ومنها ما لا يتعرض لذلك بل يكتفي بذكر القول الراجح أو الصحيح فقط دون التعرض للخلاف، ومن هنا فمن يعرض للأقوال لا بد أن يعرضها وفق منهجية معينة، والتاج السبكي اتبع في طريقة عرضه للأقوال مناهج متعددة، وهذه المناهج أَمْلَتها عليه ظروف التأليف الخاصة، إذ أنه عرض للأقوال ضمن شرحيه على المختصرات [((المنهاج)) و ((مختصر ابن الحاجب))] كما أنه عرض لها في كتابيه ((جمع الجوامع)) و ((منع الموانع))، لذا فإني سأعرض للمنهج في هذا المبحث ضمن محورين:- المحور الأول: منهجه في شروح ((المنهاج)) و (المختصر)): - لقد التزمَ التاج السبكي في طريقة عرضه للأقوال، في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) نفس طريقة أصحابها إلا أنه أضاف إليها بعض الأمور مما له علاقة بوظيفة الشراح، ومن هذه الأمور: أولاً: التصريح بأصحاب الأقوال التي وردت في المتن مطلقة: من المعلوم أن أصحاب المتون عندما يضعون متونهم فإنهم لا يهتمون بذكر أصحاب الأقوال كثيراً، بقَدْر اهتمامهم بعرض هذه الأقوال كما توصلوا إليها، وأحياناً يُشيرون إلى أصحابها وأخرى يشيرون إلى أشهر من عرف بها وهو الغالب، وأحياناً أخرى لا يشيرون أصلا، ويأتي الشراح فيحقِّقون نسبةَ الأقوال إلى أصحابها، ويضيفون أقوالاً أخرى، وقائلين آخرين بالإضافة إلى رد الأقوال المطلقة إلى أصحابها وقد اتبع التاج السبكي في شرحيه كل ذلك (١). ومن الشواهد الدالة على تصريحه بأصحاب الأقوال: ١ - قوله في شرح قول البيضاوي: ((الأمرُ بعد التحريم للوجوب، وقيل للإباحة)) (٢) ناسباً هذه الأقوال إلى أصحابها: ((الأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب [صيغة الأمر]، وهو اختيار الإمام وأتباعه، وبه قالت المعتزلة، وصحَّحه الشيخ أبو اسحق الشيرازي في ((شرح اللمع))، والإمام أبو المظفر بن السمعاني في ((القواطع)) ... والثاني: أنها تكون للإباحة، ورجَّحه ابن الحاجب، ونقَله ابنُ برهان في ((وجيزه)) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، وابن التلمساني في ((شرح المعالم)) عن نصَّ الشافعي ... )) (٣) وبذلك ترى كيف رد التاج السبكي الأقوال التي أطلقها البيضاوي إلى أصحابها.

стр. 132

٢ - قوله في شرح قول ابن الحاجب: ((لا تثبت اللغة قياسا خلافا للقاضي وابن سريج)) (١) مبيِّناً أصحاب هذا القول: ((لا تثبت اللغة قياساً عند إمام الحرمين، والغزالي، وابن القُشيري، ... والآمدي، وطائفةٌ من أصحابنا، ومن الحنفية وابن خويزمنداد من المالكية، خلافا للقاضي، وابن سريج، وابن أبي هريرة، وأبي اسحق الشيرازي، والإمام وكثير من أصحابنا، وابن القصار وابن التمار من المالكية، وأهل العربية، كالفارسي، وابن جني، والمازري)) (٢). ففي هذا المثال ترى أن التاج السبكي قد رد القول الأول إلى أصحابه المصرحين به، وأضاف إلى القول الثاني عددا من القائلين به سوى الذين اشْتُهرَ عنهم. ثانياً: التنبيه على التطور التاريخي للآراء والأقوال: ذكرت سابقا أن المقصود من بيان التطور التاريخي هو بيان المتقدم في القول من المتأخر ومن الذي تأثر بالآخر وكيفية هذا التأثير، والتاج السبكي في شرحيه يهتمُّ بإبراز ذلك وينصُّ عليه في كثير من الأحيان. ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله معقّباً على تعريف الدوران الذي أورده البيضاوي وهو: ((أن يَحدثَ الحكمُ بحدوث الوصف وينعدم بعدمه)) (٣) قال: ((وقد سبقَ الغزاليُّ إلى هذه العبارة)) (٤). فهو بذلك قد بيَّن لنا أنْ الغزاليَّ هو من عرَّفه بهذه الصورة وأن من بعده معتمداً عليه في هذا التعريف والبيضاوي من بينهم. ٢ - قوله معقِّباً على قول ابن الحاجب في مباحث العموم: ((نحو قول الصحابي: ﴿نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر﴾ (٥)، و ﴿قضى بالشفعة للجار﴾ (٦) يَعُمُّ الغررَ والجار)) (٧) قال التاج السبكي ((وقال المصنف: يعمُّ الغررَ والجار مطلقاً، وهو شيءٌ ذكره ابن الأبياري شيخ المصنف في ((شرح البرهان)) سؤالا ودفعه، وذكره الآمدي بحثا؛ فارتضاه المصنف وأقامه مذهباً لنفسه، واحتج له بالبحث الذي أبداه الآمدي)) (٨). فها هنا أشار التاج السبكي إلى أنّ كون هذه الصيغة دالة على العموم، هو أمر رده ابن الأبياري كسؤال أورده وذكره الآمدي في موضع البحث، فجاء ابن الحاجب وأخذه وجعله مذهبا له. ثالثاً: الدقة في نسبة الآراء والأقوال: وهذا أهم ما يميز التاج السبكي في شروحه، وهو أنّه لم يكن متسرِّعا في نسبة الأقوال إلى العلماء بل كان يحقِّقُها، ويَسْتدرِك على الذين نسبوا أقوالا وجدها غير محقَّقَة النِّسبة إلى قائليها. ومن الشواهد الدالة على ذلك:

стр. 133

١ - قوله تعقيباً على قول البيضاوي في مسألة تأخير البيان: ((وجوَّز البصريُّ ومِنّا القفالُ والدَّقاق ... وأبو اسحق بالبيان الإجمالي فيما عدا المشترك)) قال التاج السبكي: ((وقد نقلَ المصنف تبعاً للإمام هذا المذهب عن أبي الحسين البصري من المعتزلة، والدقاق والقفال وأبي اسحق؛ فأما أبو الحسين فالنقل عنه صحيح، وأما الدقاق فقد نقلَ عنه الأستاذ أبو اسحق في ((أصوله)) موافقة المعتزلة، وأما القفال فالظاهر أنّ المراد الشاشي، وفي النقل عنه نظر؛ فقد نقل عنه القاضي في ((مختصر التقريب))، والشيخ أبو اسحق في ((شرح اللمع)) وغيرهما موافقة سائر الأصحاب على المذهب المختار، وأما أبو اسحق فإن كان هو المروزي كما صرح به الإمام ففي النقل نظر؛ إذ نقل عنه القاضي في ((مختصر التقريب)) والشيخ أبو اسحق، والغزالي، والآمدي: القول بمذهب المعتزلة، وإن كان مراد المصنف الشيرازي؛ فالنقل أيضاً ليس بجيِّد لأنّه قد صرَّح في ((شرح اللمع)) بالجواز مطلقا، وكذلك الأستاذ لا يصح أن يكون هو المراد لتصريحه في كتابه بموافقة الأصحاب)) (١). فانظر إلى هذه الدقة، وكيف أن التاج السبكي لم يأخذ هذه النسبة مسلَّمة، وهذا يدلُّنا على أمرين: الأول: سِعةُ إطلاع التاج السبكي على المؤلفات الأصولية. الثاني: دقَّتهُ المتناهية في نسبة الأقوال. ٢ - وقوله معقِّباً على قول ابن الحاجب في مسألة حكم اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول من كتاب الإجماع: ((الأشعري: العادة تقتضي بامتناعه)) (٢) قال التاج: ((ولا نعرف هذا من كلام الأشعري نفسه، وإنما هو من كلام إمام الحرمين سيد الأشاعرة)) (٣). المحور الثاني: منهجه في ((جمع الجوامع)): إنَّ للمختصرات طريقة في عرض الأقوال تخالف نوعا ما طريقة العرض في الشروح، وقد اتبع التاج السبكي في ((جمع الجوامع)) عددا من الطرائق في عرضه للأقوال تتناسب وطبيعةُ كتابه ومن هذه الطرائق: أولاً: أنه غالبا ما يبدأ المسألة بذكر الرأي الراجح لديه إن لم يصرح بخلافه: من خلال استعراضي ((لجمع الجوامع))، وكيفية ترتيب التاج السبكي للأقوال وجدته في الغالب يبدأ المسألة بذكر القول الذي يرتضيه إلا إذا صرَّح في أثناء عرض الأقوال بخلافه، ومن الأمثلة على ذلك:- ١ - قوله في دلالة الأمر على المرة أو التكرار: ((الأمر لطلب الماهية لا لتكرارٍ ولا مرَّة، والمرَّةُ ضرورية، وقيل: المرَّةُ مدلوله، وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار مطلقا، وقيل: بالوقف)) (٤). فلو دقَّق الناظرُ في هذا الترتيب لقضى بأنَّ التاجَ السبكي معتمده القول الأول وهو: أنَّ الأمر لطلب الماهية فقط أي: طلَبُ إيقاع ماهية المأمور به، وليس الأمر دالّاً على الوَحْدة أو التكرار وإنما المرَّة ضرورية، ذلك أنها من ضروريات الإتيان بالمأمور به، ومن ثمَّ ترى أن التاج السبكي قد ضعَّف قولين بصيغة التضعيف بقوله قيل وهما:- القول الأول: أن الأمر يدل على المرة.

стр. 134

القول الثاني: القول بالوقف، وهو يحتمل أمرين: إما أن يكون مشتركا بين المرة والتكرار فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة، وإما: أنه لأحدهما ولا نعرفه فنتوقف لجهلنا بالواقع (١). وهكذا شأن أغلب مباحث ((جمع الجوامع))، فإذا ما وجدته قد ابتدأ قولا ولم يصرِّح باختيارٍ يخالفه فاعلم أنّ هذا القول هو المعتمد لديه، والله تعالى أعلم. ومن النوع الثاني: الذي يصرِّح باختيارٍ يخالف فيه ما ذكره أولاً قوله في حُجِّية الحديث المرسل: ((واحتج به أبو حنيفة ومالك والآمدي مطلقا، وقوم إن كان المرسل من أئمة النقل، [إلى أن قال:] والصحيح رده وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي)) (٢). ففي هذا المثال ترى أن التاج السبكي قد صرح باختياره في المسألة وهو مخالف لما بدأ به المسألة. ثانياً: التصريح بذكر أرباب الأقوال وعدمه: لقد بين لنا التاج السبكي في ختام ((جمع الجوامع)) منهجه في التصريح بأصحاب الأقوال ... وعدمه فقال: ((ولربما أفصحنا بذكر أرباب الأقوال فحسبه الغبي تطويلا يؤدي إلى الملال، وما درى أنّا إنّما فعلنا ذلك لغَرضٍ تُحرَّك له الهمم العوال، فربما لم يكن القولُ مشهوراً عمن ذكرناه، أو كان قد عزيَ إليه على الوهم سواه، أو غير ذلك مما يُظْهره التأمل لمن استعمل قواه)) (٣). فمن هذا النص يُعلَم أن التاج السبكي يصرِّح بأصحاب الأقوال لفوائد منها: ١ - عدم شُهرة القول عن المصرِّح به. ٢ - أن يعزى إليه قولُ لا يقول به والتحقيق خلافه. ٣ - تقوية القول الغريب. ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١ - قوله في فرض الكفاية: ((وزَعمه الأستاذ وإمام الحرمين وأبوه أفضل من العين)) (٤). فها هنا قد صرَّح التاج السبكي بالقائلين وهم الأستاذ أبو اسحق الإسفراييني، وإمام الحرمين الجويني وأبوه وقد بيَّن في ((منع الموانع)) السرَّ في ذلك فقال: ((له [التصريح بأسماء القائلين] فائدتان: أحدهما: غرابةُ القول في نفسه، والغريبُ يتقوَّى بعزوه إلى قائله لا سيَّما إذا كان قائله إماماً معتبراً ككل أحد من هؤلاء. والثانية: أنّه مشهور عن إمام الحرمين فقط، قال النووي في الروضة: ((والأكثر إنما عزوه إليه))، [قال التاج السبكي معقِّبا]: فأخذنا أنّ له سَلَفاً عظيماً وهو والده الشيخ أبو محمد والأستاذ أبو اسحق)) (٥). ٢ - قوله في مسألة التكليف بالمحال: ((ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد , الغزالي، وابن دقيق العيد ما ليس ممتنعاً لتعلُّق العلم بعدم وقوعه)) (٦)

стр. 135

قال التاج السبكي - مبيّناً سببَ التصريح بهؤلاء العلماء - في كتابه ((منع الموانع)): ... ((وصرَّحنا بهم لأنّهم من أئمة أهل السنة، فتُسْتغرَبُ موافقتهم للمعتزلة، وأبو حامدٍ هو الإسفراييني شيخ العراقيين من متقدميهم، والغزاليُّ من متوسطيهم، وابنُ دقيق العيد من متأخريهم؛ فكان في التصريح بهم أيضاً فائدةٌ في أنّ في كل قرن منَّا من يوافقهم)) (١). وبهذا ترى الفوائد والأسرار في التصريح بأسماء القائلين، وقد أسهب التاج السبكي في بيان عدد من هذه الفوائد كمنهج تطبيقي في كتابه ((منع الموانع)) فانظره هناك (٢). ومن المواضع التي لم يصرح فيها بأصحاب الأقوال: وهو الأغلب في ((جمع الجوامع)) قوله في مسألة الأمر بواحد مبهم: ((الأمرُ بواحد من أشياءَ يوجبُ واحداُ لا بعينه، وقيل الكل، ويسقط بواحد، وقيل الواجب معين فإن فعل غيره سقط، وقيل هو ما يختاره المكلف ... )) (٣) ففي هذا المثال ذكر لنا التاج في المسألة أربعة أقوال ولم يصرِّح بأصحاب هذه الأقوال: القول الأول: أنَّ الواجبَ واحدٌ لا بعينه، وهذا القول هو الذي ارتضاه التاج السبكي ونقل القاضي إجماع سلف الأمة والفقهاء عليه (٤). القول الثاني: أنَّ الكلَّ واجبٌ ويسقط الطلب بفعل واحد منها، قال الزركشي: ((نقله القاضي عن أبي هاشم وابنه من المعتزلة وبعض الفقهاء)) (٥). القول الثالث: أنَّ الواجب معيَّنٌ عند الله تعالى مبهمٌ عندنا، ويسقط الطلب بفعل شيء من الأمور المذكورة، وهذا القول لم يَقُل به أحدٌ من العلماء على ما قاله التقي السبكي (٦) والد التاج، وسمِّيَ بقول التراجم؛ لأن الأشاعرة ينسبونه إلى المعتزلة والمعتزلة تنسبه إلى الأشاعرة، واتفق الفريقان على ... فساده (٧). القول الرابع: أنَّ الواجب واحد وهو ما يفعله المكلف ونُسبَ إلى ابن الحاجب (٨). ثالثاً: ترتيب أصحاب الأقوال - حيث صرَّح بهم - حسب الأقدمية لبيان التطور التاريخي لها: عندما كان يُصرِّح التاج السبكي بأصحاب الأقوال؛ فإنّه كان يأتي بهم مرتبين بحسب الأقدمية بحيث يَلُوح للناظر معرفةُ المتقدم في القول وأنَّ الآخرين قد أخذوه منه. ومن الشواهد الدالة على ذلك:- قوله في مسألة الأمر النفسي بشيء معيَّن هل هو نهي عن ضده أم لا: ((قال الشيخ ... والقاضي: الأمرُ النفسي بشيءٍ معيَّن نهيٌ عن ضده الوجودي، وعن القاضي يتضمنه وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والإمام والآمدي، وقال إمام الحرمين والغزالي: لا عينه ولا يتضمنه)) (٩). فمن خلال النظر في ترتيب القائلين يمكن معرفة المتقدم منهم في القول من المتأخر، وإن المتأخر تابع للمتقدم، ففي هذا المثال تجد:

стр. 136

١ - أن الشيخ أبا الحسن الأشعري والقاضي الباقلاني يعتبران الأمر النفسي بشيء معين نهياً عن ضده، وفي ذكره للقاضي بعد الأشعري لأنّ الأشعري متقدم عليه، وإشارةٌ إلى أنَّ القاضي متابع للأشعري في ذلك. ٢ - وكذلك في تقديمه للقاضي في القول الثاني المروي عنه وهو: أن الأمر بشيء معين متضمّنٌ النهيَ عن ضده، فقدم القاضي ثم ذكر أسماء العلماء الآخرين الذين تأثروا به في ذلك وذكرهم مرتبين زمنياً عبد الجبار يليه أبو الحسين البصري ثم الإمام الرازي فالآمدي، ومعلوم أن ترتيبهم هكذا هو الموافق لترتيبهم التاريخي. رابعاً: الإشارة إلى وجود الخلاف، وإلى ضعف بعض الأقوال: من عادة التاج السبكي في هذا المختصر الإشارة إلى وجود الخلاف في بعض المسائل أثناء عرضه للأقوال بحيث يمكن للمتأمل فيه أن يُدْرك ذلك، وقد أشار التاج السبكي في كتابه ((منع الموانع)) إلى أنه يشير بلفظ ولو إلى خلاف ضعيف فإن قويَ الخلافُ فإنه يصرّحُ به وقال: ((ونحن أبدا نشير بلفظ ولو إلى خلاف فإن قَويَ أو تحقَّق صرَّحنا به، وإلا اكتفينا بهذه الإشارة، فاعرف ذلك)) (١) وقال في موضع آخر: ((قد أشرت إليهما بقولي ولو ومن عادتي الإشارة به إلى خلاف ضعيف لا ينتهض بحيث يصرَّح بحكايته، أو احتمال خلاف وإن لم يوجد)) (٢). ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله: في مسألة التخصيص بمذهب الراوي: ((ومذهب الراوي ولو صحابيا ... لا يخصِّص)) (٣) ففي هذا النص أمران: الأول: أنّ المعتمدَ عند التاج السبكي أنَّ مذهب الراوي سواء أكان من الصحابة أو غيرهم لا يخصِّصُ العموم. والثاني: أشارَ التاج السبكي إلى وجود خلاف في المسألة وهو خلافُ الحنفية في عمل الصحابي بخلاف ما روى، بقوله: ''ولو صحابيا '' وفي قوله ولو دلالةٌ عنده على ضعفِ هذا القول وسقوطه. ٢ - قوله في بيان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ((الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يَصْدُرُ عنهم ذنبٌ ولو صغيرةً سهوا)) (٤). ففي قوله '' ولو صغيرة '' إشارةٌ إلى وجود خلاف ضعيف بين العلماء في جواز الصغائر على الأنبياء (٥)، والمعتمد خلافه. وأما إشارته إلى ضعف بعض الأقوال: فذلك يكون إذا عبر عنه بلفظ قيل فإن اشتد ضعفه عبر عنه بقوله زعم. فمن النوع الأول قوله في حُجِّية الدوران في إفادته العلة: ((قيلَ لا يفيد، وقيل قطعي، ... والمختار وفاقا للأكثر ظني)) (٦) فها هنا أشار التاج السبكي إلى ضعف قولين هما:- الأول: عدم إفادة الدوران للعلِّيَّة مطلقا. والثاني: أنّه يفيد العلَّة قطعا. وصرَّح باختيار الثالث وهو: كون إفادته للعلَّة ظنا.

стр. 137

ومن النوع الثاني قوله في تعريف المطلق: ((المطلق الدال على الماهية بلا قيد، وزعم الأمدي (١) وابن الحاجب (٢) دلالته على الوحدة الشائعة توهّماه النكرة)) (٣) ففي هذا النص صرَّح التاج السبكي بتضعيف قول الآمدي وابن الحاجب في تعريف المطلق ... وذلك بقوله وزعم الدالة على شدة ضعفه (٤). خامساً: اختزال الأقوال: المقصود باختزال الأقوال: هو جمع مجموعة من الأقوال في قول واحد يدلُّ عليها بحيثُ يُصرَّحُ بقولٍ ما ويطوى ذكرَ بقية الأقوال لإمكان فهمها واستخراجها من القول المصرَّح به، وقد نصَّ التاج السبكي على اتباعه هذا المنهج من الاختصار في ((جمع الجوامع)) بقوله: ((واعلم أنّا وغيرنا كثيراً ما نطوي في حكاية المسألة المشتملة على مذاهب ذكر ثانيها، وكذا ذكر الأول إذا لم يكن المختار، لدلالة لفظ الثالث عليهما)) (٥). ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله في حجية الإجماع السكوتي: ((أما السكوتي فثالثها حُجَّةٌ لا إجماع ورابعها: بشرط الانقراض)) (٦). فالناظر في هذا النص يمكنه بأدنى نظر أن يستخرجَ الأقوال في هذه المسألة على النحو الآتي:- القول الأول: أن الإجماع السكوتي ليس بحجَّة مطلقا ولا إجماع. القول الثاني: أن السكوتي إجماع وحُجَّة. وهذان القولان لم يتعرَّض لذكرهما في المتن مكتفيا بقوله ((فثالثها: حجة لا إجماع))، فقوله ''حجة '' يُفهمُ منه القول بأنَّه ليس حجَّةً مطلقا، وقوله '' ولا إجماع '' يُفهمُ منه القول بأنّه إجماع. ٢ - وقوله في تعارض المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة: ((أقوال: ثالثها المختار مجمل)) (٧) فتكون الأقوال كالتالي: الأول: تقديم المجاز لكونه راجحا. الثاني: تقديم الحقيقة. الثالث: أنها مجمل فلا يُعملُ بأحدهما إلا بعد البيان. ففي قوله '' مجمل '' أي: مُجمل بين الحقيقة والمجاز بمعنى أنه لا يُعرف أنه حقيقة أو مجاز إلا بعد البيان، وهذا فيه دلالة على القولين الآخرين لأنه إذا كان متردّداً بينهما فهذا بمعنى وجود من يقول بكل منهما على انفراده، والله أعلم.

стр. 138

وقد سار التاج السبكي في أغلب مباحث ((جمع الجوامع)) على هذا النمط من الاختصار، إلا أني وجدته في بعض المسائل يخرج عن هذا الاختصار ويأتي بكل الأقوال الواردة في المسألة، فمن ذلك قوله في دلالة صيغة الأمر: ((والجمهور حقيقةٌ في الوجوب ... ، وقيل في الندب، وقال الماتريدي: للقدر المشترك بينهما، وقيل مشتركة فيهما وفي الإباحة، وقيل في الثلاثة والتهديد، وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال، وقال أبو بكر الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه ... وسلم المبتدأ للندب، وقيل مشتركة بين الخمسة الأُوَل، وقيل بين الأحكام الخمسة، والمختار وفاقا للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صَدَرَ من الشارع أوجب الفعل)) (١). فأنت ترى أن التاج السبكي قد خرج في هذه المسألة عن الاختصار وذكر كل ما ورد فيها من الأقوال على النحو التالي:- الأول: أنه حقيقة في الوجوب فقط وهو رأي الجمهور. الثاني: أنه حقيقة في الندب. الثالث: أنه للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب وهذا رأي الماتريدي. الرابع: أنها مشتركة اشتراكا لفظيا بين الوجوب والندب. الخامس: الوقف بمعنى أنه لا يُدرى أهي حقيقة في الوجوب أو الندب أم فيهما (٢)، وهو قول القاضي الباقلاني والغزالي والآمدي. السادس: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة. السابع: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد. الثامن: أنها حقيقة في إرادة الامتثال فقط وهو قول القاضي عبد الجبار من المعتزلة. التاسع: التفصيل بين أمر الله تعالى فيكون للوجوب، وأمر النبي ﷺ وهو للندب، وهذا رأي أبو بكر الأبهري. العاشر: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد (٣). الحادي عشر: أنها مشتركة بين الأحكام الخمسة وهي الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم. الثاني عشر: أنها حقيقة في الطلب الجازم والوجوب مستفاد من خارج الصيغة. وبهذا ترى أن التاج السبكي قد استوعب ذكر كل ما ورد في حقيقة صيغة '' إفعل '' ولعل مراده في ذلك التنبيه على تضعيف بعضها وتقوية الأخرى بنسبتها إلى قائليها وأنه لا مانع من الأخذ بها والله تعالى أعلم. سادساً: الاقتصار على ذكر الأقوال الصحيحة فقط دون الضعيفة: اتبع التاج السبكي في بعض الأحيان منهجا يتلخَّص في عرضه للأقوال الصحيحة فقط مُعْرضاً عن ذكر الأقوال الضعيفة، ومن ذلك قوله في البيان: ((وإنما يجب لمن أريد فهمه اتفاقا، والأصح أنه قد يكون بالفعل وأن المظنونَ يبين المعلوم، وأنَّ المتقدمَ وإن جهلنا عينه من القول أو الفعل هو ... البيان)) (٤). ففي هذا النص عرضَ التاج السبكي للأقوال التي رآها صحيحة وأعرضَ عن ذكره لمقابلها من الأقوال لضعفها. فقوله: '' أنه قد يكون بالفعل '' هذا هو الصحيح وفي المسألة قول مفاده أنَّ البيان لا يكون إلا بالقول ولا يصح بالفعل (٥).

стр. 139

وقوله: '' أن المظنون يبين المعلوم '' هو القول الصحيح في المسألة ولم يذكر الأقوال الأخرى في المسألة لضعفها (١). المبحث الرابع منهجه في مناقشة الأقوال والردود على المخالفين لم يكن التاج السبكي في عرضه للأقوال والآراء بل والأدلة مجَّرد ناقل لها فقط بل كان يناقش ما يحتاج منها إلى مناقشة ويَردُّ ما كان منها مردوداً، ويرى أنه ليس من الموضوعية التمحُّل بتأويل الأقوال والتعسُّف لها، ويقول في ذلك: ((وأنا أبدي ما عندي ثم أتكلَّم عليها وأعرضها على الحق فإن وافقته، وإلا طرحتها، فالحق: عرضُ الأقوال على الحق، لا عَرضُ الحق على الأقوال، والتمحُّل لها بغاية التعسف، ونهاية الفساد)) (٢)، وهذا منهج اتبعه التاج السبكي في أغلب مباحث شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر))، كما اتبع ذلك في كتابه ((منع الموانع))، إلا أنه قد اتبع في ((منع الموانع)) منهجا مغايرا نوعا ما لمنهجه في الشروح وذلك نظرا لطبيعة كتابه ((منع الموانع)) الذي هو عبارة عن ردَّ وإيضاح لبعض الإيرادات التي وجِّهت على كتابه ((جمع الجوامع)) ومن هنا يأتي تقسيمي لهذا المبحث ضمن محورين كالآتي: المحور الأول: منهجه في مناقشة الأقوال والردود على المخالفين في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)): لقد اتبع التاج السبكي عدة طرائق في كيفية مناقشته للآخرين سواءً كانت المناقشة على القول أو الرأي أو الدليل أو التوجيه لدليل ما، ومن هذه الطرائق:- أولاً: الإشارة إلى وجود مناقشة أو اعتراض على القول أو الدليل المذكورين: من منهج التاج السبكي أنه في كثير من الأحيان يشير إلى وجود مناقشة أو اعتراض على ما يذكره ويقرره من الأقوال أو الأدلة، وتتمثل هذه الإشارة بقوله - عقب القول أو الدليل - هذا ما قاله هكذا ذكره أو نحوها من الصيغ التي تبدأ بعبارة هذا أو هكذا أو كذا، فحيثما أعقب الشرح بمثل هذه العبارات، فهي دلالة على وجود مناقشة تأتي بعد ذلك، ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله بعد شرح قول البيضاوي في مباحث المجاز: ((المجاز إما في المفرد مثل: الأسد للشجاع ... )) (٣) قال التاج بعد الشرح: ((هذا شرح ما في الكتاب [ثم قال:] ولك هنا مناقشات: أحدها: على التمثيل بالبيت الذي ذكره (٤) من جهته أنه إنما يصلح مثالا للقسم الثالث لأن المراد بالصغير من تقدم له الصغر ... )) إلى آخر تلك المناقشات (٥). فأنت ترى هنا أن التاج السبكي قد مهَّد لهذه المناقشات بقوله: هذا شرح ما في الكتاب؛ لينبِّه القارئَ إلى وجود مناقشات تأتي فيما بعد.

стр. 140

٢ - قوله بعد شرح قول ابن الحاجب: ((وأما الصحة والبطلان أو الحكم بهما فأمر عقلي)) (١). قال التاج بعد ذلك: ((كذا قال [ثم قال:] وفيه نظر، والصواب عندنا أن الصحة والبطلان والحكم بهما أمور شرعية)) (٢) ثم بيَّن التاج السبكي تقريرَ كلامه ووَجْهَ الرد على كلام ابن الحاجب. ثانياً: ذكر ردود ومناقشات منقولة عن غيره: اتبع التاج السبكي في بعض الأحيان طريقةً في المناقشات حاصلها أنه يأتي بردود ومناقشات ذكرها غيره من العلماء، وهذه الردود إما أن يقرِّرها أو أن يَرُدها ويأتي بغيرها أو يَرُدها فقط مبيِّناً عدم وجاهتها في هذا المقام، وإليك الأمثلة لتوضيح كل ذلك:- ١ - قوله في مسألة المجاز بالذات هل يكون في الحرف أم لا، قال بعد نقل كلام للإمام الرازي مفاده أن الحرف إذا انضم إليه غيره مما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة وإلا فهو مجاز في التركيب لا في المفرد، قال التاج السبكي معقبا على ذلك: ((وقد اعترضَ عليه النقشواني بأنَّ الحرفَ له مسمَّىً في الجملة إذ ما ليس له مسمَّىً فهو مُهْمل، والكلامُ في اللفظ الموضوع ... [إلى آخر اعتراض النقشواني ثم عقَّب عليه التاج السبكي قائلا:] هذا آخر كلام النقشواني وكلُّه منقدح حسن)) (٣). ففي هذا المثال اعترض التاج السبكي على قول الإمام عن طريق نقله كلام النقشواني، ونص التاج السبكي على صحة اعتراض النقشواني فيكون موافقا له. هذا فيما إذا كان التاج السبكي موافقا للمعترض في اعتراضه، أما إذا لم يعجبه رَدُّ ما أو اعتراض، فإنه كان يرده ويبين فساده. ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله بعد تقرير جواب البيضاوي في الرد على القائلين بأنَّ الذم في أمثال قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ (٤) على التكذيب لا على مجرد ترك الأمر. قال التاج السبكي بعد تقرير الجواب: ((هذا تقرير الجواب، واعترض النقشواني على الاستدلال بالآية من وجه آخر فقال: لا نُسلِّم أنه ذمهم على ترك الركوع فقط، بل ذمهم على كونهم بحيث لو قيل لهم اركعوا لا يركعون، والمراد أنَّهم غير قابلين للإنذار ونُصْح الأنبياء [إلى آخر الاعتراض، ثم عقَّب عليه التاج قائلا:] هذا اعتراضه وهو ضعيف، وجوابه ما ذكرناه من أن الظاهر أن الذم على ترك مدلول قوله: اركعوا، وما ذكره خروج عن حقيقة اللفظ من غير دليل)) (٥). ففي هذا المثال ذكر لنا التاج السبكي اعتراض النقشواني، ثم ضعَّفه وبيّن جواب هذا الاعتراض بما يرده ويبين فساده. ٢ - وقوله بعد تقرير قول ابن الحاجب: ((قيل إنما هو نقضٌ لما توهَّمه عمر ﵁ من إفساد مقدمة الإفساد ... )) (٦)

стр. 141

قال: ((وهذا كلام موجَّهٌ قاله الآمدي [ثم قال:] وقد ردَّ الهنديُّ كلامَ الآمدي فقال: في قوله ﵊: ﴿أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته﴾ تنبيه على الوصف المشترك بين المضمضة والقُبلة، وهو عدم حصول المقصود منهما، وذلك صالح للعلية، وإن لم يكن مناسبا لعدم اشتراط المناسبة في الوصف المومئ إليه [ثم قال التاج السبكي رادا على الهندي]: وعندي في هذا نظر، فإنّ هذا لو تَمَّ لَزِم أن يحال عدم الإفطار على [عدم] (١) وجود القُبلة والمضمضة، وليس كذلك؛ بل إنما هو محال على عدم المفطر من جماع وغيره)) (٢). ثالثاً: بيان ردوده رأسا: وهذا منهج ثالث اتبعه التاج السبكي في بيان ردوده ومناقشاته، حيث كان يَستقلُّ بإيراد هذه المناقشات دون نقل لها عن غيره كما فعل في المنهج السابق، ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١ - قوله معقّبا على قول الآمدي والهندي أن دلالة التنبيه والإيماء على العلية بطريق الالتزام (٣) قال: ((هذا الذي قالاه فيه نظر سنذكره ... [ثم قال:] والحق عندي في هذا أن يُقالَ ترتيبُ الحكم على الوصف يُفيد العلِّية بوضع اللغة، ولم تَضَع العربُ ذلك دالا على مدلوله بالقطع والصراحة بل بالإيماء والتنبيه، ولا بِدَعَ في مثل هذا الوضع ... وإذا وَضُحَ هذا عَلِمتَ أنَّ دلالته ليست التزامية كما زَعم الآمدي والهندي)) (٤). ٢ - وقوله في شرح قول ابن الحاجب في إفادة خبر الآحاد العلم: ((وقيل وبغير قرينة)) (٥). قال التاج السبكي: ((أي: قد يحصلُ العلمُ بخبر العدل وإن لم يكن ثَمَّ قرينة، ولكنَّ هذا لا يطَّرد، بل يكون في وقتٍ دون وقتٍ ما، ونقله الآمديُّ عن بعض أصحاب الحديث (٦) [ثم عقَّبَ التاج السبكي قائلا:] وهو ساقط؛ فإنَّ ذلك الوقت الذي يحصلُ فيه العلم إما أن يكونَ فيه زيادةٌ على الوقت الذي لم تحصل فيه، فالزيادة قرينة، فلا وجه لقوله: بغير قرينة، أو لا يكون فيه زيادة، فيكون ترجيحاً من غير مرجح، وإنه محال)) (٧). رابعاً: إيراده للأسئلة المقدرة والمفترضة والإجابة عليها: لم يكن التاج السبكي يكتفي برد الاعتراضات أو توجيه الاعتراضات الصحيحة فقط والتي وجِّهت فعلاً إلى الأقوال أو الأدلة، بل كان يقدِّرُ اعتراضات وأسئلة ويجيب عليها، وهذا المنهج قد اتبعه التاج السبكي في كثير من المباحث وخاصة في كتابه ((الإبهاج))، ويتمثَّل هذا الأسلوب بعبارات (فإن قلتَ، قلتُ) أي: إن قدَّرت سؤالاً أو اعتراضاً فجوابه كما يأتي. ومن الشواهد الدالة على اتباعه هذا الأسلوب:-

стр. 142

١ - قوله في مباحث الاستحسان في كتابه ((الإبهاج)) بعد رده على القائلين بحجِّيته وبيان سقوط الاحتجاج به: ((فإن قلتَ: قد وقع في كلام الشافعي ﵁: أستَحسِنُ في المتعة أن تكون ثلاثين درهما [ثم ساق عددا من الفروع المروية عن الشافعي وأصحابه مفادها أنهم أخذوا بالاستحسان ومن ثم أجاب عن ذلك قائلا]: قلتُ: قد عرفتَ أنه لا نزاع في ورود هذه اللفظة على الألسنة استعمالا ... ثم نقول: في هذه الصورة الدليل على أنه ليس فيها إلا استعمال اللفظ أنَّ أحداً من الأصحاب لمْ يقَدِّر المتعة بثلاثين درهما، بل منهم من استحسن هذا القدر لأجل ذهاب ابن عمر وابن عباس ﵄ إليه ... ، ولم يَقُل الشافعيُّ ولا أحد من الأصحاب أنَّ دليل ذلك الاستحسان ... وكل مستحب مستحسن قال الشافعي: استحسن أن يُتركَ شيء للمكاتب من نجوم الكتابة، ولم يقل أن مستنده الاستحسان)) (١). بهذا ترى أنَّ التاج السبكي قد ذكر سؤالاً مقدراً تقديره: كيف تدَّعي إبطال الاستحسان وقد وردت فروع فقهية عن الشافعي نفسه وكثير من الأصحاب بنوها على الاستحسان؟ ورأيت كيف رد عليه وبيّن أن استحسانهم المذكور ليس من قبيل الاستحسان المتنازع فيه، بل هو من باب إطلاق اللفظ الذي يراد به المستحب. ٢ - وقوله بعد تبنِّيه أنَّ أحكام الله تعالى غير معللة: ((فإن قلت: قد اشْتُهِرَ قول الفقهاء: علَّةُ الحكم الفلاني كذا، أو الباعثُ على كذا وكذا، فما الجامع بينه وبين قول المتكلمين بعدم التعليل؟ قلتُ: لم يَعْنِ الفقهاءُ بالعلَّة المؤثر، كما عناه المعتزلة، ولا الباعثُ على التشريع كما عناه الآمدي، وإنما عَنوا أنَّ العلَّة باعثةٌ للمكلف على الامتثال، فحفظُ النفوس يبعثُ المكلَّفَ على فعل القصاص الذي حكم به الله تعالى لباعثٍ بعثَه فيه)) (٢). فها هنا ترى أنَّ التاجَ السبكي قد ردَّ سؤالاً مقدَّراً تقديره: إذا كنت ترى أنَّ أفعال الله غير معلَّلة فكيف تجمع بين قولك هذا وما اشْتُهرَ على ألسنة الفقهاء أنَّ الأحكام معللة؟ خامساً: ذكره لمباحثات لا زالت في محل البحث: شاع عند الشراح وكبار المصنفين أن يذكروا في مؤلفاتهم بعض القضايا مما لم يتوصلوا إلى نتائج لها، فيُبْدونَ ما عندهم ويتركون للآخرين المجالَ للبحث والنقاش حول هذه القضايا، وقد اتبع التاج السبكي هذا النمط من المباحثات في كتاباته المتمثلة بقوله: لقائل أن يقول أو لك أن تقول. ومن الشواهد الدالة على ذلك:- قوله في مباحث حمل المطلق على المقيد بعد ذكره للقسم الثاني وهو كون المطلق والمقيد نهيا، وقوله: ((أن من يقول بمفهوم الخطاب يلزمه أن يخصص النهي العام ... [قال عقب ذلك]: ولقائل أن يقول: وجود المطلق والمقيد في جانب النهي والنفي يُصيِّرُ المطلقَ عاماً والمقيَّدَ خاصّا، لأن ذلك نَكِرةٌ في سياق النفي فلا يُتصوَّران في هذين الجانبين)) (٣).

стр. 143

١ - وقوله في مباحث الإجماع في كتابه ((رفع الحاجب)) تعقيباً على قول ابن الحاجب في تعريف الإجماع: ((ويَرِدُ عليه [إي على تعريف الغزالي للإجماع بأنَّه: اتفاقُ أمة محمد على أمر من الأمور الدينية] أنه لا يوجد، ولا يطرد ... ولا ينعكس)) (١). قال التاج السبكي بعد شرح ذلك: ((ولقائل أن يقول: على الأول: أنَّ الأمة مختصة بالموجودين. وعلى الثاني: أنه غير متصوَّر، لأنَّ إجماع العدد العظيم على شيء واحد لا أصل له يعود إليه، مستحيلٌ عادةً كاتفاقهم على مأكولٍ واحد في وقتٍ واحد وأنظاره ... وعلى الثالث: أنَّه ساقطٌ بالكلية لأنه لا يُحتجُّ بالإجماع إلا في الشرعيات)) (٢). سادساً: ردُّ دعاوى الإجماع والاتفاق: لم يكن التاج السبكي، مغرما بادعاء الإجماع أو الاتفاق على المسائل المعروضة، بل وجدته كثير التحفُّظ على دعاوى الإجماع والاتفاق، حيث كان يقفُ عند هذه الدعاوى ويردُّ كثيراً منها، وفي هذا دلالة واضحة على منهجية التاج السبكي في التعامل مع قضايا الإجماع وأنه يرى صعوبةَ انعقاد الإجماع ولهذا كان يردُّ كثيراً من هذه الدعاوى، كما فيه دلالة واضحة على سعة إطلاع التاج السبكي على الأقوال والآراء. ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله ردَّاً على البيضاوي حيث ادَّعى أنَّ الإجماع منعقد على أن من قال عليّ عشرة إلا تسعة فإنه يلزمه واحد (٣)، قال التاج السبكي ردّاً عليه: ((ونَقْلُ الإجماع مردود فقد حكاه أحمد بن حنبل، وبعض المالكية)) (٤). ٢ - وقوله ردّاً على ادِّعاء الباقلاني الإجماع على عدم تأثيم من أخّر الفرض إلى آخر الوقت: ((وهو نقل مدفوع؛ فإنَّ الشافعيَّ ﵁ نقل في ((الأم)) في كتاب الحج عن بعضهم التأثيم وهو أثبت)) (٥). سابعاً: التنبيه على خطأ أو وهم وقع فيه السابقون: كان التاج السبكي في أثناء مناقشاته يُنبِّه على بعض الأخطاء والأوهام التي وقع فيها من سبقه من العلماء، وذلك حتى لا يغترَّ الطالب بهذه الأوهام والأخطاء. ومن الشواهد الدالة على ذلك:- ١ - قوله في باب المبيّن في كتابه ((الإبهاج)) بعد ذكر قول البيضاوي: ((المبيَّن: وهو الواضح بنفسه أو بغيره مثل ﴿والله بكلِّ شيءٍ عليم﴾ (٦) و ﴿واسأل القرية﴾ (٧) ... )) (٨): ((جعلَ العَبريُّ ... والجاربرديُّ والإسفراييني وغيرهم من الشارحين قوله: ﴿واسأل القرية﴾ مثالاً للواضح بغيره، ... وهو وَهْمٌ؛ لأنه قسَّم ذلك الغير في المسألة الآتية إلى القول والفعل، وظاهرُ كلامه حَصْرُه فيهما؛ فلو كان هذا من أقسامه لم ينحصر في ذينك القسمين، إذ المبيِّن فيه ليس إلا العقل، وهو غير القول ... والفعل، والذي حملهم على ذلك أنهم لما رأوه قد مر قوله وبغيره، فوهموا أنه من باب اللف والنشر كذلك.)) (٩)

стр. 144

٢ - وقوله في ((رفع الحاجب)) في الواجب الموسع: ((وقوله فيعصي بالتأخير معطوف على اعتقد، أصله: لو اعتقد فعصى، وقد توهَّم الشيرازي أن لفظ المصنف فيعصي فعل مضارع، ثم توهم ثانيا أن ذلك جواب لو، ثم اعتقد ثالثا: أن عدم العصيان في هذه الصورة مفروغ منه.)) (١) ثامناً: تنوع أساليب المناقشات والردود: لم يتبع التاج السبكي أسلوبا واحدا في مناقشاته وردوده، بل وجدته ينوع هذه الأساليب قوَّة ... وضعفاً بحسب أهمية القول أو الدليل المذكور. وفيما يأتي أذكر هذه الأنواع مرتَّبة ترتيباً تنازلياً بحسب قوتها مكتفياً بذكرها فقط وأما الأمثلة عليها فقد مر بعضها في الأمثلة السابقة، ويستطيع الناظر في مؤلفات التاج السبكي معرفة بقية أمثلتها. ومن هذه الأنواع:- ١ - التصريحُ ببطلان القول أو الدليل أو سقوطه وهذه أقوى الأساليب. ٢ - التصريح بكونه ضعيفا. ٣ - قوله ليس بجيد. ٤ - قوله: إنه مدخول. ٥ - قوله: إنه غير مرضي. ٦ - قوله: إنه فيه نظر. ٧ - قوله: إنه في النفس منه شيء. ٨ - وأخفها الإتيان بالرد أو المناقشة بصيغة المباحثة فإن قال قائل أو لقائل أن يقول. هذه أهم الإشارات التي تدلُّ على قُوَّة الرد أو المناقشة وقد ذكرتها لك مرتبة ترتيباً تنازلياً من الأقوى إلى الأضعف والأخف. المحور الثاني: منهجه في المناقشات والردود في ((منع الموانع)): ذكرتُ غير مرَّةٍ أنّ ((منع الموانع)) هو الكتاب الذي رد فيه التاج السبكي الإيرادات والاستفسارات التي وجِّهت على كتابه ((جمع الجوامع))، ولأنَّ هذه الإيرادات وجِّهت إلى آراءه هو وأفكاره واختياراته كان من الطبيعي أن تختلف منهجية الرد عليها، عن منهجيته في رد الأقوال ومناقشاتها في الشروح، وقد اتبع التاج السبكي عدَّة طرائق لرد الإيرادات في ((منع الموانع))، ومن أهم هذه الطرائق:- أولاً: إذا كان الإيراد يحتاج إلى رد غير مذكور في مصنَّفاته الأخرى فإنه يرده بتوسع: من منهج التاج السبكي في ((منع الموانع)) أن الإيراد الموجَّه إليه إن لم يتعرَّض له في مصنفاته الأخرى فإنه يردُّه ويتوسَّع ويُسْهبُ في بيان سقوطه وعدمِ صحَّته. ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله ردّاً على إيراد مفاده ((لمَ زدتم على ابن الحاجب: قيل المتقتضبة لاختياركم أن ما هو من قبيل الأداء كالمد والإمالة إلى آخره متواتر.)) (٢)

стр. 145

أجاب التاج السبكي على ذلك قائلا: ((اعلم أنّ السبع متواترة، والمد متواتر والإمالة متواترة، كل هذا بيِّنٌ لا شك فيه، وقول ابن الحاجب: '' فيما ليس من قبيل الأداء'' (١) صحيح لو تجرَّد عن قوله: ''كالمد والإمالة''، لكنَّ تمثيله بهما أوجبَ فساده، كما سنوضحه من بعد، فلذلك قلنا: قيل؛ لنبين أن القولَ بأنَّ المدَّ والإمالة غير متواترين ضعيفٌ عندنا، بل هما متواتران [ثم قال]: ... وليقع الكلام على المد والإمالة وتخفيف الهمزة، ثم على ما استدركه أبو شامة (٢)، فإنّا لم نتكلَّم عليهما في ((شرح المختصر)) [ثم قال]: أما المد والإمالة فلا شك في تواتر القدر المشترك بينهما، وهو المد من حيثُ هو مدّ، والإمالة من حيث إنها إمالة)) (٣) ثم أسهب التاج في توضيح ذلك وذكر الأدلة ... والشواهد حتى استغرقت هذه المناقشة حوالي الاثنتا عشرة صفحة من صفحة ٣٣٨ - ٣٤٩ فانظرها هناك. فأنت ترى هنا أن التاج السبكي قد أسهب في هذا الموضوع وما ذاك إلا لأنه لم يتعرَّض له في مصنفاته الأخرى. ثانياً: إذا كان الإيراد قد تعرض له في مصنفاته الأخرى فإنه يرده إجمالا ويحيل القارئ إلى مصنفه الذي بينه فيه بتوسع: إذا كان الإيراد المطروح قد تناوله التاج السبكي في مصنَّف آخر، فإنه لا يُطيلُ الردَّ هنا بل كان يكتفي برده إجمالا ومن ثَمَّ يُحيلُ القارئَ إلى مصنَّفه الذي ردَّه فيه بتوسع، وذلك خشيةً من الإطالة ... والتكرار في غير فائدة، ومن الشواهد الدالة على ذلك:- قوله في جواب سؤال حاصله ما معنى قولكم في اللفظ أنه محمول على عرف المخاطب أبدا؟ قال التاج السبكي: ((قلت: تقريره مستوفًا في ((شرح المختصر))، وحاصله أني أدعي أنّ كلام كل أحد يحمل على عرفه وفاقا، وإنما قُدِّمَ الشرعيُّ لأنه عرف الشارع [إلى أن قال]: وقد أطلنا القول في تحقيق هذا الموضوع في كتابنا ((الأشباه والنظائر))، وهو الكتاب الذي لا يليق بالمجدِّ في طلب العلم إهماله، ولا يسَعُ طالب التحقيق إغفاله.)) (٤) بهذا ترى أن التاج السبكي قد قرر الجواب مجملا وأحال القارئ الذي يطلب تحقيقه إلى بقية مصنفاته التي أسهب فيها حول هذا الموضوع وهي ((شرح المختصر)) و ((الأشباه والنظائر)). غير أني وجدته في بعض الأحيان لا يقوم برد إجمالي، بل يُحيل الجوابَ على مصنفاته الأخرى فإنه يكون مقرَّراً هناك وينبّه القارئ إلى ضرورة مراجعة المحل الذي أحال عليه ومن الشواهد الدالة على ذلك:- قوله في جواب تقرير عبارة ((النكرة في سياق النفي للعموم وضعا ... )) قال ما نصه: ((هو مقرر في ((شرح المختصر)) فلينظر هناك.)) (٥) وكذلك قوله: ((وأما قولنا ''والمختار قبول ... الترجيح ''فمقرر في ((شرح المختصر)) وكذلك قولنا: ''وأنه لا يجب الإيماء إليه'' والضمير في إليه عائد على الترجيح.)) (٦)
следующие страницы →