← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 35356

منهج الإمام تاج الدين السبكي في أصول الفقه

أحمد إبراهيم حسن الحسنات

Полный текст (183 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إماما المذهب الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣هـ والنووي المتوفى سنة ٦٧٧هـ، والماوردي (١) وابن الصباغ (٢) والقفال (٣) والقاضي حسين (٤) والمحاملي (٥) والمتولي (٦) وأبو الطيب الطبري (٧) والروياني (٨)

стр. 72

والعز ابن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠هـ وأبو حامد الإسفرايني (١) وأبو اسحق المروزي (٢) وابن الرفعة وابن الصلاح (٣) وغيرهم. ثالثاً: المصادر الحديثية لم يُغفِل التاج السبكي المصنفات الحديثية، فقد كان ينقل الحديثَ من مصادره الأصلية كالكتب الستة ومسند أحمد والشافعي، كما أنّه كان يعتمد على كتب الرجال في تخريجه لهم، فكان كثير الاعتماد على شيخه الذهبي حيث أكثرَ من النقل عنه في تلك المواضيع، وأما فيما يتعلَّق بمباحث المصطلح فأكثرَ النقل عن الخطيب البغدادي وابن الصلاح وغيرهم. رابعاً: المصادر اللغوية تشمل المصادر اللغوية ما يتعلَّق بالمسائل النحوية والصرفية وكتب المعاجم، والتاج السبكي كان يردّ الأقوال إلى أهلها فهو لم يعتمد على المصادر الأصولية في نقل اللغات ـ وإن كان الأصوليون يتعرّضون لمباحثَ لغوية لم يتعرّض لذكرها أهل اللغة ـ حيث كان ينقل المسائل اللغوية من أهل اللغة مباشرة إلا إن لم يذكروها، وهذه المصادر التي اعتمد عليها التاج السبكي تعدّ في المراتب الأولى عند اللغويين، ويمكن معرفة هذه المصادر من خلال العلماء اللغويين الذين كان ينقل عنهم ومنهم:

стр. 73

ابن مالك (١) في ألفيته، والجوهري (٢) في الصحاح، والمبرد (٣) وابن دريد (٤) وسيبويه (٥) وابن جني (٦) وابن عصفور (٧) وابن فارس (٨) والسهيلي (٩) وأبو علي الفارسي (١٠) وغيرهم.

стр. 74

هذه هي أهم المصادر التي اعتمد عليها التاج السبكي في شرحه ((للمنهاج))، وبذلك ترى غنى هذا الشرح بالمعلومات الفائقة، مع ما امتاز به التاج السبكي من التصريح بأصحاب الأقوال الذين ينقل عنهم، وبذلك يمكن أن يعدّ ((الإبهاج)) موسوعةً أصوليةً غنيةً بالأقوال والمسائل، يستطيع الباحث خلاله الاطلاع على أكبر قدْرٍ ممكن من أقوال العلماء وآرائهم في المسائل الأصولية، بحيث توفّر له الجهد والوقت. المطلب الرابع: مقارنة بين شرح ابن السبكي وشرح الجزري للمنهاج حتى تتبين أهمية ومميزات شرح التاج السبكي ((للمنهاج)) لا بدَّ من بيان أوجه الاتفاق ... والاختلاف بين ((شرح التاج السبكي)) وشروح غيره ((للمنهاج))، وقد اخترتُ لعقد هذه المقارنة شرح الجزري ((للمنهاج)) المسمى بـ ((معراج المنهاج))، ومن خلال النظر في الشرحين تبيَّن لي بعض الفوارق بين هذين الشرحين، ومن هذه الفوراق: ١ - الجزري لم يخرج في شرحه عن عبارات الإمام الرازي حيث كانت هذه العبارات مُوْفيةً بالغرض إلا نادراً، بخلاف التاج السبكي فمع اعتماده على عبارات الرازي؛ إلا أنّه كثيراً ما كان يخرجُ عنها ويأتي بغيرها، بل وكان يناقش الرازي في كثير من العبارات. ٢ - الجزري اقتصر في شرحه على شرح عبارة ((المنهاج))، بأسلوب واضح سَلِس غير متكلف فيه، ... ولا يَحيدُ عن الشرح إلا نادراً، بخلاف التاج السبكي فقد امتاز شرحه بالإسهاب والتطويل وذِكْر كثير من المسائل والفروع المتمِّمة لشرح المسألة. ٣ - الجزري أَعْرَضَ عن شرح بعض عبارات ((المنهاج)) التي رأى أنّها واضحة لا تحتاج إلى بيان، بخلاف التاج السبكي فقد شرح كلّ ما ورد في المتن مع بعض زيادات أخرى عليه. ٤ - الجزري لم يتعرّض لذِكر الآراء والأقوال الأخرى في المسائل المطروحة بخلاف التاج السبكي فقد كان يستوعب الأقوال والآراء في كثير من المسائل. ٥ - الجزري لا يتعرّض لذِكر الاعتراضات والإيرادات كثيراً، بل كان يُعرِض عن ذكر هذه الاعتراضات إلا فيما دَعَت إليه الحاجة الماسّة مما لا يُستغنى عنه في الفهم، بخلاف التاج السبكي، فقد كان مُولعاً بذِكر هذه الاعتراضات والإيرادات في كثير من المباحث. ٦ - لم يكثر الجزري من مناقشة البيضاوي أو مخالفته، بخلاف التاج السبكي الذي كان ينتقد البيضاوي ويناقش عباراته وآراءه وقد خالفه في عدد لا بأس به من المسائل. ٧ - لم يتعرّض الجزري لذِكر فروع فقهية مبنيّة على المسائل الأصولية كما أنّه لم يكن مهتمّاً بتخريج الأحاديث التي يذكرها أو يستدل بها، بخلاف التاج السبكي في كل ذلك. هذه أهم الفوارق بين شرحي التاج السبكي والجزري ((للمنهاج))، وهذا لا يعني عدم وجود نقاط اتفاق وتوافق بينهما بل هناك بعض نقاط التوافق بينهما من أهمها: ١ - أنّ كلاهما شافعي المذهب وكلاهما كان مُهتمّاً بإبراز حقيقة المذهب الشافعي في المسائل المطروحة. ٢ - أنّ كلاهما كان يهتمّ بتحرير محل النّزاع في المسائل المدروسة، ولم يكن أي منهما يُطْلق النِّزاع دون تحديد لمحلِّه.

стр. 75

كلمة أخيرة بعد استعراضنا لكتاب ((الإبهاج)) وتِجْوالنا بين حدائقه العطرة واطِّلاعنا على شخصية أصولية فذَّة قلَّما يجود الزمان بمثلها أقول: بالرغم من كل ما استعرضناه من مميزات ((للإبهاج)) وصفات تجعله في مقدمة شروح ((المنهاج)) إلا أنّ ((الإبهاج)) لا زال بحاجة ماسّة إلى مزيد من العناية لإبراز رونقه ووجهه الوضّاء، فقد طُبع ((الإبهاج)) عدّة طبعات إلا أنّه ومع الأسف الشديد لم تحظَ هذه الطبعات بالعناية الكافية، فتجد فيها الكثير من الأخطاء والسَّقْط الذي يُخلّ بالمعنى مما جعل أهل العلم يَنْفِرون منه ويبتعدون عنه لعدم فَهْم كثير من عباراته بسبب سوء الترقيم والتشكيل مع الأخطاء الكثيرة والسَّقطات الفاضحة، لذا فهذه دعوةٌ إلى المشتغلين بأصول الفقه أن يَلْتَفِتوا إلى ((الإبهاج)) ويعطوه بعض جُهدهم لإخراجه إلى النور بتحقيقٍ عِلميٍّ رصين يَسدُّ كل الثغرات السابقة في مثل تلك الطبعات، يسّرَ الله تعالى ذلك ليعود ((الإبهاج)) ويحتل مكانته التي يستحقُّها. المبحث الثاني رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب يعدّ ((رفعُ الحاجب عن مختصر ابن الحاجب)) المصنَّف الرابع للتاج السبكي في أصول الفقه، حيث انتهى التاج السبكي من تصنيفه سنة ٧٥٩ هـ (١)، في حين انتهى من ((الإبهاج)) الكتاب الأول له سنة ٧٥٢ هـ، ويصرّح التاج السبكي في هذا الشرح بالنقل عن كتابين آخرين له في أصول الفقه الأول أسماه ((التعليقة)) والثاني أطلق عليه اسم ((الشرح الكبير)) فيكون ((رفع الحاجب)) هو الكتاب الرابع له في هذا الفن. و ((لرفع الحاجب)) هذا عند التاج السبكي قصة، وذلك أنّه قد وَعَدَ بهذا الشرح في نهاية شرحه ((للمنهاج)) حين قال: ((وفي عزمي والله الميسِّر أن أضعَ شرحاً على ((مختصر ابن الحاجب)) بسيطا؛ لا عُذر لي إذا لم آت فيه بالعجب العجاب، محيطاً بهذا العلم على أتمّ وجه، لا أميط عنه إلا القشر عن اللباب.)) (٢) وكان والده الشيخ تقي الدين قد شرع في وضع شرح على ((المختصر))، فبدأ فيه فعمل منه نحو كراسة واحدة، وقد وَسَمه باسم ((رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب)) غير أنّه لم يتمّه، ولم يطّلع عليه التاج السبكي، لذا وضع هذا الشرح وسمّاه باسم ((رفع الحاجب)) تبرُّكاً بصنيع والده. (٣)

стр. 76

والذي يظهر لي أنّ ((رفع الحاجب)) هو الشرح الثاني للتاج السبكي على ((مختصر ابن الحاجب))، حيث كان التاج السبكي قد وضع تعليقاً على ((مختصر ابن الحاجب)) وصفه التاج بقوله: ((فإنّ لنا تعليقاً على مختصر الإمام أبي عمرو بن الحاجب مبسوطاً ومجموعاً، يصبح قَدْرُ الأقران - وإن تعالى عنه - محطوطاً، وكتاباً لم يغادر لمتعنِّت مطلباً، وعجبا عجاباً، وردَّ مناهل الأصول، وصدَّر بهذا النبأ، وفِهْرستاً فجمع فأوعى، وفاق كتب هذا الفن جنساً ونوعاً، جمعنا فيه أكثر ما حوته كتب هذا الفن، وأودعناه مباحث كنا نستعمل الفكر فيها إذا ما الليل جن، وذكرنا آرائنا، وناضلنا عليها، ... وأوضحنا اختياراتنا.)) (١) وبهذا ترى أنّ ((التعليقة)) إنّما هي شرح أخر أوسع من ((رفع الحاجب))، وأما ... ((رفع الحاجب)) هذا فهو الشرح الثاني للمختصر، وهو أخصر من الأول وفي ذلك يقول التاج: ... ((بَيْدَ أنّا لم نستوعب فيه [أي ((التعليقة))] ما في ((المختصر))، وإن كنا لم نَدَع إلا واضحاً لا يَفتقر إلى النظر، فبدأنا في شرحٍ غاية في الاختصار، آية في جمع الشوارد والإكثار، يأتي على تقرير ما في الكتاب كلّه مع مباحث مِن قِبَلنا.)) (٢) وقال أيضاً في وصفه صنيعه في هذا الشرح: ((وهو شرحٌ إذا رآه المنصف عرف أنّا أتينا فيه بالعجب العجاب ودعونا قصي الإجادة فأجاب، ورُضْنا عصيّ المراد، فزال شماسه وانجاب، ودرى أهو الجدير أن يبيدَ بالقِرى وهَجَر هجْر واصل الكرام، أم الحقيق بأن يَضرب له آباط المطي أهل الآراء، فإنّا وفّينا بحق مختصر حَلّت فيه العقد، وقام مصنفه - يرحمه الله - بوظيفة الإيجاز التي قصّر دونها كل بليغ، وقعّد ورمى المعاني من أمد بعيد، ... صَدَح على غصون البلاغة ذوات الأفنان، ومنح الطالبين جنَّةً قطوفها دانية لكل قاصٍ ودان ... [إلى أن قال]: فقمنا حقّ القيام، ورُضْنا مصاعب النظر بالجدِّ ... والاهتمام، وتَرقَّينا فجر الحقائق حتى تبلج صبحه والناس نيام، وأعملنا الأفكار، واستخرجنا من الخبايا الأبكار، واستنزلنا المعاني الطائرة من الأوكار.)) (٣) قلت: وقد تكون ((التعليقة)) هي ذاتُها ((الشرح الكبير)) الذي عزا إليه التاج السبكي في غير موضع من كتابه هذا، فإذا ثبت ذلك؛ يكون ((رفع الحاجب)) هو الكتاب الثالث للتاج في علم الأصول وليس الرابع على اعتبار أنّ ((التعليقة)) والشرح الكبير اسمان لمسمّىً واحد، والله تعالى أعلم. المطلب الأول: التعريف ((بمختصر ابن الحاجب)): إنّ مختصر الإمام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر الإسنائي المعروف بابن الحاجب، والمتوفى سنة ٦٤٦ هـ، هو من المختصرات ذات الشأن العظيم والأهمية الكبرى في علم الأصول على طريقة المتكلمين، حيث أَوْدع فيه ابن الحاجب زُبدة أفكاره وآرائه الأصولية والمنطقية ... والجدلية، المتأثِّر في أكثرها بطريقة شيخه وأستاذه الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة ٦٣١ هـ.

стр. 77

هذا ويُعدّ الإمام الآمدي صاحب مدرسة أصولية مستقلة ومتميزة، وأهم ما يميزها هو الميل إلى تحقيق المذاهب، والإكثار من تفريع المسائل، وكان الآمدي قد فعل مثل معاصره الإمام فخر الدين الرازي؛ حيث جمع الكتب الأربعة التي عليها المدار عند الأصوليين (١) في كتابه الضخم ((الإحكام في أصول الأحكام)) إلا أنّه امتاز عن الرازي بأنّه أكثرُ تحقيقاً للمذاهب والمسائل (٢). ثم إنّ الآمدي قام باختصار كتابه ((الإحكام)) إلى ((منتهى السول في علم الأصول)) (٣)، وجاء من بعده تلميذه الإمام ابن الحاجب فاختصر كتابيّ شيخه ((المنتهى في الأصول))، و ((غاية الأمل في علم الجدل)) وجمعهما في كتاب واحد أسماه ((منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل)) (٤). ولكنّ ابن الحاجب لما رأى ضعف الهمم وقصور الفهم؛ قام باختصار ((المنتهى)) إلى ((مختصر المنتهى)) وإلى ذلك يشير ابن الحاجب في مقدمة ((المختصر)) حيث يقول: ((فإنّي لما رأيت قصور الهمم عن الإكثار وميلها إلى الإيجاز والاختصار؛ صنَّفتُ مختصراً في أصول الفقه، ثم اختصرته على وجه بديع، وسبيل منيع، لا يَصدُّ اللبيب عن تعلمه صادٌّ ولا يَردُّ الأريب عن تفهُّمه رادّ.)) (٥)

стр. 78

وبذلك يكون ((مختصر المنتهى الأصولي)) المشهور باسم ((مختصر ابن الحاجب)) قد جمع فيه ابن الحاجب زُبدة مدرسة الآمدي، فجاء مختصراً بديعاً، وامتاز بما امتاز به الآمدي إلا أنه جاء أكثر تحقيقاً وأدقّ عبارة، مما جعله في مقدمة المتون المعتمدة في هذا الفن، وقد وصفه المحقق عضد الدين الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦هـ بقوله: ((إنّ مختصر الإمام العلامة قُدوة المحقِّقين جمال الملة والدين أبي عمرو عثمان ابن الحاجب المالكي تغمَّده الله بغفرانه يجري منها [أي من المختصرات] مجرى الغُرَّة من الكُمْت ... والقرحة (١) من الدهم والواسطة من العقد، وقد رُزق حظاً وافياً من الاشتهار، فاشْتُهر به الأذكياء في جميع الأمصار أي اشتهار، وذلك لصغر حجمه، وكثرة علمه، ولطافة نظمه، ولكنّه مستعصي على الفهم لا يُذلُّ صعابه ولا تسمح قرونته لكل ذي علم.)) (٢) ووصفه الشمس الأصفهاني قائلاً عنه أنّه: ((كتابٌ صغير الحجم، وجيز النظم، غزير العلم، كبير الاسم، مُشتَمِلٌ على محض المهم.)) (٣) وقد رُزق ((مختصر ابن الحاجب)) من الشهرة ما لم يٌرزق أيّ متن أخر سواه (٤)، فاهتمّ به العلماء شرقاً وغرباً، وتناولوه بالتدريس والشرح والتقرير، وتصدّى لشرحه عدد كبير من أكابر الأصوليين حيث وُضع عليه ما يزيد على ستةٍ وسبعين مصنفاً (٧٦) (٥) منها ما هو شرح له وتعليق عليه وأخرى تخريج لأحاديثه أو حاشية عليه أو على أحد شروحه، كما نظمه عدد من العلماء واختصره عدد آخر. ومن أهم هذه الشروح: - الشروح المعروفة بالسبع السيارة وذلك لشهرتها واهتمام العلماء بها والنقل عنها وهي:- ١. شرح قطب الدين الشيرازي (٦). ٢. شرح بدر الدين التستري (٧). ٣. شرح شمس الدين الأصفهاني، المسمى ((بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب)). وهو شرح مطبوع في ثلاثة أجزاء كبار بتحقيق الدكتور محمد مظهر بقا.

стр. 79

٤. شرح ركن الدين الموصلي (١). ٥. شرح جمال الدين الحلي (٢) ((غاية الوصول وإيضاح السُّبل في شرح مختصر منتهى السول والأمل)). يأتي في مجلدين على طريقة ((المحصول)) و ((الإحكام)). ٦. شرح زين الدين العجمي (٣). ٧. شرح شمس الدين الخطيبي (٤). هذه هي الشروح السبعة المشهورة ((لمختصر ابن الحاجب)) غير أنّ هناك شرحاً ثامناً الذي يبدو لي أنّه فاق هذه الشروح السبعة ألا وهو شرح العلامة القاضي عضد الملة والدين الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦هـ، الذي يعدّ أشهر شروحه على الإطلاق وأتقنها وأكثرها تحقيقاً (٥)، وقد اهتمّ به العلماء اهتماماً بالغاً فوضعوا عليه الحواشي الكثيرة والمشهورة ومن أهمها حاشيتا السعد التفتازاني، والسيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ، وقد بلغ عدد الحواشي عليه ما يزيد على إحدى عشرة حاشية (٦) مما جعله في مقدمة شروح ((مختصر ابن الحاجب)) والله تعالى اعلم. المطلب الثاني: أهمية شرح ابن السبكي للمختصر ومميزاته: تكمن أهمية شرح التاج السبكي ((لمختصر ابن الحاجب)) في النواحي الآتية: ١ - أنّه من أحد أهم الشروح القليلة التي طبعت حتى الآن؛ ((فمختصر ابن الحاجب)) رغم أهميته وكثرة شروحه، إلا أنّه لم يُطبع منها إلا العدد القليل، ومن بينها شرح التاج السبكي الذي طبع مؤخرا (٧). ٢ - أنّ التاج السبكي وضع هذا الشرح بعد أن اكتملت شخصيَّته الأصولية، وذلك بعد شرحه ... ((لمنهاج)) البيضاوي، وشرحه الأول للمختصر؛ مما أعطاه دُرْبة وخبرة أصولية، أكسبته مقدرة للتعامل مع أمثال هذه المختصرات التي تكون شبه مغلقة لدقتها وصعوبة مراميها وخفاء معانيها.

стр. 80

٣ - أنّ التاج السبكي من الشراح القلائل الذين يمتازون بطول النفس في الشرح والتقرير؛ لذا فإنّ شرحه هذا يعدّ فيما أعلم من أوسع الشروح التي وُضعت على ((المختصر))، كما أنّه كان مطّلعاً على شروح ((المختصر)) السابقة، وبخاصة شرحي العضد الإيجي، والقطب الشيرازي، حيث صرّح بالنقل عنهما، وتَعَقَّبهما في عدد لا بأس به من المواضع. ٤ - أنّه من الشروح التي اعتمد عليها شرّاح ((المختصر)) فيما بعد، فكانوا يكثرون من النقل منه والاعتماد عليه، ولعلّ من أهمهم في ذلك شرح محمد بن الحسن الواسطي (١)، حيث يصرّح بالنقل عنه والعزو إليه؛ بل إنّه قد جمع شرحه كله من شرحيّ الشمس الأصفهاني والتاج السبكي (٢). كما وضع عليه الإمام عز الدين بن جماعة (٣) حاشية قيمة (٤). مميزات رفع الحاجب: لقد امتاز ((رفع الحاجب)) بميّزات عديدة جعلته في مقدمة شروح ((المختصر)) التي عليها الاعتماد، ومن أهم هذه الميزات: ١ - اعتماده على نسخة للمختصر بخط ابن الحاجب نفسه: اعتمد التاج السبكي في هذا الشرح على نسخة ابن الحاجب نفسه، وهذه ميّزة قلَّما تجدها عند غيره من الشراح، وبذلك يكون التاج قد حفظ لنا عبارة ابن الحاجب بنصِّها دون تحريف لها، أو نقص منها أو زيادة عليها، وكثيراً ما كان التاج السبكي يبيّن ذلك في شرحه، ويثبت الخلافات بينها وبين النسخ الأخرى، مبيّناً في ذلك الراجح عنده من العبارات سواء أكانت نسخة ابن الحاجب أو غيرها من النسخ. فمن النوع الأول قوله: في مسألة العام إذا ورد على سبب خاص: ((والثاني ألا يكون ثمّ قرينة، كما لو روي أنّه ﵇ مَرّ بشاةِ ميمونة فقال ﴿أيما إهابٌ دُبِغَ فقد طَهُر﴾ (٥)، فإنّه على تقدير وقوعه لفظ عامٌّ ورد على سبب خاص بغير سؤال ... )) ثمّ قال: ((وإنّما قلنا على تقدير وقوعه، وكذا أثبت المصنِّف لفظة لو بخطه لأنّ ذلك لم يقع ... وفي بعض نسخ ((المختصر)) حذفُ لفظة لو، وليس بجيّد، فأثباتها حقٌّ كما عرفتَ وإياه فعل المصنف)) (٦).

стр. 81

ومن النوع الثاني قوله معقّباً على قول ابن الحاجب: ((لو نَدَرَ المخالف مع كثرة ... المجمعين ... )) إلى قوله ((لم يكن إجماعاً قطعاً)) (١)، قال التاج السبكي: ((كذا بخط المصنف، وفي بعض النسخ قطعيا.)) ثمّ قال بعد شرح المسألة: ((إذا عرفت هذا فنقول: قول المصنف لم يكن إجماعاً قطعاً أي: لا نقطع بكونه إجماعاً، ومن كتب قطعياً أراد أنّا نجزم بنفي (٢) كونه إجماعاً قطعياً.)) (٣) ثم قال التاج مرجحّاً هذه النسخة: ((وهذه النسخة عندي أولى مما كتبه المصنِّف بيده، ولعلها أُصلِحت؛ لأنّ فيها فائدة التنبيه على أنّ من قال بأنّه إجماع؛ فإنّما يجعله ظنياً لا قطعياً، وهو الظاهر، ... وبه يُشعر إيراد الآمدي، وأما قطعاً (٤) فليس فيها كثير فائدة؛ لأنّ كلّ ذي نظر يعرف أنّه إذا وقع الخلاف في أنه هل هو إجماع؛ لم يقع القطع بأنّه إجماع)) (٥). ٢ - اعتماده في الشرح على نقل عبارات ابن الحاجب نفسه من مختصره الكبير الذي هو الأصل بالنسبة لهذا ((المختصر)): من السِّمات البارزة في هذا الشرح أنّ التاج السبكي كثيراً ما كان يُورِد عبارات ابن الحاجب نفسه من مختصره الكبير ((المنتهى))، ليُفصِّل بها ما أجمله ابن الحاجب في مختصره هذا. وحيثما كانت عبارة ابن الحاجب – في هذا ((المختصر)) – غير وافية بالغرض كان يتمِّمها التاج من ((المختصر الكبير)). ومن الشواهد الدالة على ذلك: قول التاج السبكي في مسألة الإجزاء هل يستلزم القضاء أو لا – بعد شرحه لقول ابن الحاجب: وقال عبد الجبار لا يستلزمه (٦) – ((وقد قال المصنف في ((المختصر الكبير)): إن أراد – يعني عبد الجبار – أنّه لا يمتنع أن يُراد أمرٌ بعده بمثله فمسلّم، ويرجعُ النزاع في تسميته قضاء، وإن أراد أنّه لا يدلّ على سقوطه فساقط)) (٧). ومنها قول التاج السبكي شارحاً قول ابن الحاجب في باب الترجيح: ((والإجماع على ما بعده في الظني)) (٨) قال: ((قوله في الظّن أي: ذلك متصوَّر في الإجماع الظني دون القطعي؛ فإنّه يُظنُّ فيه التعارض، وإلا لَزِم تَعَارُض الإجماعين في نفس الأمر، وهو محال، هذا تقرير كلامه فاعتمده، وبه صرّح في ((المنتهى)) إذ قال: وإجماع الصحابة على من بعدهم ثمّ على الترتيب وذلك إنّما يكون في الظني، لأنّهم أعلى رتبة)) (٩)

стр. 82

٣ - المقارنة بين ((مختصر ابن الحاجب)) وأصوله وبخاصة الآمدي: التاج السبكي في هذا الشرح – شأنه شأن شرحه السابق على ((منهاج البيضاوي)) – كان يُثبت في ثنايا شرحه مقارنات بين متن ابن الحاجب وأصوله المأخوذ منها: ((المختصر الكبير)) له و ((المنتهى)) و ((الإحكام)) للآمدي، وهو بذلك يُبَيِّنُ لنا موافقة ابن الحاجب لأصوله أو مخالفته لها. ومن الشواهد الدالة على ذلك: قول التاج السبكي معقّباً على قول ابن الحاجب في المنع: ... ((والصحيحُ منع السائل من تقريره؛ لأنّ المستدلَّ مُدَّعٍ فعليه إثباته لئلا ينتشر)) (١)، قال التاج السبكي: ((كذا بخط المصنف، وظاهره أنّها علّة واحدة لوجوب الإثبات، وفي ((المنتهى)) لأنّ المستدل مُدَّعٍ فعليه إثباته، ولأنّه ينتشر، والذي يظهرُ أنّ علّة وجوب إثباته على المستدل ادعاؤه، وعلّية منع المعترض من إثباته الانتشار فهما علّتان لحكمين مختلفين)) (٢). ومنها ما قاله التاج السبكي معقّباً على تعريف ابن الحاجب للقرآن بأنه: هو الكلامُ المنزَّل للإعجاز بسورة منه (٣) حيث قال التاج: ((وهذا الحدُّ من صنيع المصنف، والآمدي عرَّفه بأنّه: القرآن المنزل (٤)، وقد أخذ هو والمصنف المنزَّل قَيْداً في التعريف؛ لأنّ الحدّ للفظ، فأراد إخراج النفساني بذلك (٥))). ففي هذا النص ترى أنّ التاج السبكي يُبَيّن لنا مخالفة ابن الحاجب في صيغة التعريف للآمدي، وإن اتفقا في قيد المنزَّل. ٤ - كثرة الإحالات على مصنفاته الأصولية الأخرى: التاج السبكي يجعل مجموعة مصنّفاته كالمنظومة الواحدة؛ فما يُجْمله في موضع يفصِّله في موضع آخر من كتاباته، وكثيراً ما كان يُحيل القارئ إلى مصنفاته الأخرى التي أسهب فيها الحديث حول المسألة المحالة. وهذه ميزةٌ له في كتاباته عامة، وفي شرح ابن الحاجب خاصَّة، فقد وجدته في هذا الشرح يُكثِر من الإحالات على كُتُبه الأخرى، وبخاصّة على كتابه ((التعليقة)) شرحه الأول والأوسع ((لمختصر ابن الحاجب))، إلا أنّه في بعض المواضع التي رأى التاج أنّه من الأهمية بمكان إعادة ما دوَّنه سابقا، وجدته مع إحالته إلى تلك المواضع كان يُلخِّص ما ذكره هناك في شرحه هذا تتميماً للفائدة المرجوّة. ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مبحث النقض من قوادح العلّة – بعد شرحه للمذاهب التي أوردها ابن الحاجب في كونه قادحاً – قال: ((ولإمام الحرمين مذهب ثامن، وللغزالي مذهب تاسع، حكيناهما في ((التعليقة)) وتكلَّمنا عليهما بما فيه الكفاية، وحذفناهما هنا اختصاراً)) (٦)

стр. 83

ومن النوع الثاني قوله في مبحث الإجماع السكوتي: ((وهنا أمورٌ مهمَّة لا يليق إهمالها، وإن كنّا بذكرها نخرج عن أسلوب الاختصار فإنّ مسألة الإجماع السكوتي من قواعد الأمهات، وإلى الشافعية مَرجِعها، وقد ذكرنا في ((التعليقة)) أوراقاً تَعْسُر على أبناء الزمان فليقع تلخيصها هنا)) (١). ثمّ أخذ يتحدَّث عمّا ذكره هناك من مباحث تتعلَّق بالإجماع السكوتي فأخذت ثمان صفحات من الشرح (٢). ٥ - التصريح بآرائه واختياراته في أكثر المسائل المطروحة: امتاز التاج السبكي في هذا الشرح بأنّه كان شديد الوضوح والصراحة تُجاه المسائل والأدلة الأصولية المختلف فيها؛ فلا يمرُّ على مسألة فيها خلاف إلا بيَّنه، ومن ثمّ صرّح برأيه هو واختار الراجح عنده فيها (٣)، وحيثما لم يُعجِبه دليل في مسألة ما ردّه واختار ما هو الأوضح والأقوى عنده في ذلك. ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مدلول صيغة الأمر – بعد ذكر المذاهب فيها -: ... ((وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني وإمام الحرمين: إنّ موضوعها الطلب الجازم، وحَضِّ (٤) المأمور على الفعل، وأما ثبوت الوجوب فيقع بواسطة صدور هذا الطلب من الشارع، فُيستَفادُ الوجوب بهذا التركيب بين اللغة والشرع. [قال التاج معقّباً على ذلك:] وهذا ما نختاره، ولا يَبْعُد أن يكون هو رأي الشافعيّ ﵁، وليس هذا مذهب القائلين بأنّ الصيغة للوجوب بالشرع، بل غيره لأنّ ذلك يَجعَل جزم الطلب شرعا، ونحن نقول: جزم الطلب لغوي، ثمّ هو إن ورد على لسان من له الإيجاب وهو الشارع أفاد الوجوب بهذه الضَّميمة)) (٥). ومن اختياراته في الأدلة، ما استدلَّ به التاج السبكي في مسألة تكليف الكفار حيث قال – بعد ذكر الأدلة التي ساقها ابن الحاجب-: ((وأوضحُ من هاتين الآيتين (٦) عندي في الدلالة على تكليفهم قوله تعالى: ﴿والذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾ (٧). إذ لا رَيب أنّ زيادة العذاب إنّما هو بالإفساد الذي هو من وراء الكفر.)) (٨) ٦ - استدراكه على ابن الحاجب، وكثرة مناقشاته وتوجيه النقد للمتن (٩): أكثرَ التاج السبكي في هذا الشرح من مناقشة ابن الحاجب فيما يطرحه ويختار من المسائل، كما أنّه كان يستدرك عليه في بعض المواضع التي أغفلها وكان حقَّه أن يذكرها.

стр. 84

ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله مستدركاً على ابن الحاجب في مسالك العلّة بعد ذكر ابن الحاجب مراتب النص الدال على العلّة: ((وأهمل المصنف ذكر ((إن)) وهي أيضاً للتعليل، نحو: ﴿إنّك إن تذرهم يضلوا عبادك﴾ (١)، وقوله عليه الصلاة السلام: ﴿الثلث والثلث كثير، إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير. . .﴾ (٢) الحديث.)) (٣) ومنها مناقشته لابن الحاجب في كون البسملة من القرآن أو لا؛ فبعد ذكره كلام ابن الحاجب في ذلك عقب عليه قائلا: ((وهذا ما يتعلَّق بالأصول، ثمّ دخل المصنِّف في ما لا يعنيه وألقى بنفسه في لُجَّة لا تُنْجيه؛ فأخذ يتعصَّب لقومه، ويُقيم على أنّ البسملة ليست من القرآن دليلاً بزعمه، فورَّط نفسه في عظيم، وفوَّت نحوها سهامَ راسفين يبلغون الصَّميم.)) (٤) ثم أخذ يناقش ابن الحاجب فيما ادّعاه، وانتهى إلى أنّ الحقَّ في جانب الإمام الشافعي ﵁، هذا وقد أخذت هذه المناقشة ثمان صفحات سطَّرها التاج السبكي في كتابه هذا (٥). وكان من الطبيعيِّ جدّاً أن يُكثر التاج السبكي من هذه المناقشات، وذلك لأنّ التاج السبكي يخالف ابن الحاجب في أمرين كانا السبب الرئيسي في هذه المناقشات: الأمر الأول: مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في المدرسة الأصولية، فالتاج السبكي كما بيّنت مُنتَمٍ إلى مدرسة الإمام الرازي، في حين أنّ ابن الحاجب سائر على طريقة الإمام الآمدي ومعلوم ما بين هاتين المدرستين من فروقات واختلافات. الأمر الثاني: مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في الاتجاه الفقهي الفروعي فالتاج شافعي المذهب في حين كان ابن الحاجب مالكيا. وبالرغم من مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في كثير من المسائل وتوجيهه النقد اللاذع له في ذلك، إلا أنّه كان يُجلُّ ابن الحاجب كثيراً ويعرفُ له قَدْره ويَرْفعه إلى أعلى المنازل فهو يَصِفه في ((منع الموانع)) بقوله: ((وقد كان ابن الحاجب ﵀ إماماً مقدماً في الأصول والفقه، والنحو ... والتصريف، أمسكته البلاغة زمامها، وألقت إليه الفصاحة مقاليدها، وأعطاه الإيجاز كله، ومن بحر علمه اغترفنا، وبكثير علمه اعترفنا، فلا يُظننَّ أنّا أردنا في هذا الكتاب (٦) مطاولته، فأين الثُّريَّا من يد المتطاول، وإنّما أردنا الاقتداء به، والسير على سُننه ﵀ ورضي عنه، ما أكثرَ فائدته، وأجزلَ عائدته.)) (٧) ٧ - تحرير مواضع النزاع: التاج السبكي وكعادته في شروحه يهتمّ كثيراً بتحرير محل النزاع في المسائل المختلف فيها، وذلك بذكر مواضع الاتفاق وبيان نقطة الخلاف، وقد أكثر في ((رفع الحاجب)) من بيان هذه المواضع.

стр. 85

ومن ذلك: قوله في مسألة عموم المقتضى: ((واعلم أنّ التقديرات الصالح أحدها للإضمار قد يعمُّها لفظ، وقد لا يعمَّ متعدّداً منها لفظ، بل تكون أموراً متباينة، وهو الغالب. . .، وحينئذ فقد يكون بينها جميعا أو بينها وبين بعضها تناف، وقد لا يكون؛ فهذه أقسام كثيرة لن يُقَدِّم المتأمِّل لكلامنا في هذه المسألة أمثلها، ويجب عندي انتفاء الخلاف عن قسمين منها: أحدهما: ما إذا كان اللفظ عامّاً لجميع تلك الأمور؛ فإنّ الواجب تقدير ذلك العام. . . والثاني: أن يتنافيا، فالواجب عدم تقديرهما. . . فنخص محل الخلاف بما وراء هذين القسمين، وإذا عرفت محلّه فنقول. . .)) (١) ثمّ ذكر الخلاف الوارد في هذه المسألة. ٨ - التنبيه على فوائد الخلاف: المسائل الأصولية المختلف فيها، إما أن يكون الخلاف فيها لفظياً بحيث لا يترتب عليه أثر عملي أو يكون معنوياً بحيث يترتب عليه آثار عملية، والتاج السبكي في هذا الشرح كان ينصُّ صراحة على ذلك إن كان لفظيا، ويبيِّن آثاره إن كان معنويا. فمن النوع الأول: قوله في مسألة الإباحة هل هي حكم شرعي أم لا – بعد شرح المسألة -: ((قلنا: كلامنا في التخيير بخطاب الشارع، لا بالبراءة الأصلية، والخلاف لفظي، ناشئ عن تفسير الإباحة.)) (٢) ومن النوع الثاني: قوله في مسألة حكم الأصل ثابتٌ بالعلّة أم بالنص، بعد شرح المسألة: ((فإن قلت: فهل الخلاف لفظي كما في الكتاب؟ قلت: لا، بل يترتب عليه فوائد كثيرة، لولا طلبي الاختصار في هذا الشرح لأوقفتكَ منها على العجب العجاب. ومن أدناها: التعليل بالقاصرة. . . ومنها: أنّه هل من شروط العلّة ألا يكون ثبوتها متأخراً عن ثبوت حكم الأصل؟)) (٣) ٩ - التنبيه على المسائل التي لا جدوى منها والدخيلة على علم الأصول: إنّ بعضَ المسائل التي يطرحها الأصوليون لا علاقة لها بعلم الأصول إذ هي قليلة الجدوى والفائدة في هذا العلم، ومن ثَمّ فإنّ التاج السبكي كان يُنبِّه القارئ إلى هذه المسائل ويبين عدم جدواها في هذا المحل. ومن الشواهد الدالة على ذلك قوله في مسألة توقيفية الألفاظ: ((الصحيح عندي أنّه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صححه ابن الأبياري وغيره، ولذلك قيل: ذكرها في الأصول فُضول.)) (٤) ومنها: قوله في مسألة هل ينقطعُ التكليفُ بالفعل حال حدوثه: ((واعلم أنّ المسألة من عظائم الكلام، ودقائق أحكام القَدَر، وهي قليلةُ الجَدْوى في الفقه.)) (٥) ١٠ - الإكثار من ذكر الفروع الفقهية: إنّ الفائدة المرجوَّة من علم الأصول هي كيفية استثماره في استنباط الأحكام الفقهية، لذا فقد وجدتُ التاج السبكي يُكثرُ من إيراد الفروع الفقهية المبنية على المسألة الأصولية؛ ليُعطيَ للقارئ بذلك منهجية واضحة في كيفية بناء الفروع على الأصول.

стр. 86

ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مقدمة الواجب من الفروع المبنية عليها: ((إذا ترك واحدة من الخمس وجهل عينها وجب الخمس. . . [وقال أيضا] ومن مقدمة الواجب مؤنةُ الكيل الذي يُفتَقر إليه القبض، وهو على البائع كمؤنة إحضار المبيع الغائب. . . وإذا خَفِي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن غَسَله كلّه، وإذا اكترى دابَّة للركوب أطلق الأكثرون أنّ على المكتري الإكافَ والبردعة والحزام، وما ناسب ذلك؛ لأنّه لا يتمكن من الركوب دونها)) (١). ١١ - الاهتمام بتخريج الأحاديث: لم يكن التاج السبكي أصولياً فحسب؛ بل لقد بَرَعَ في عدد من العلوم بالإضافة إلى علم الأصول، ومن أهمِّها علم الحديث، لذا وجدتُه في كتاباته عامّة إذا مرّ معه حديث تكلّم عليه بما يناسبه من تخريج له ونقد لسنده أو متنه، وكان مكثراً لذلك في كتابه هذا. ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله على حديث ﴿لا تجتمع أُمّتي على ضلالة﴾: ((روى أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إنّ الله أجاركم من ثلاث خصال. . .﴾ وفيها ﴿وألاّ تجتمعوا على ضلالة﴾. رواه أبو داود (٢)، وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عباس عن أبيه، وهو على ضعفه؛ قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا (٣). وروي من طريق أخرى منقطعة، وروى الدارقطني معنى الحديث بسند ضعيف. وعن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: ﴿إنّ الله لا يَجمَعُ أُمّتي﴾، أو قال: ﴿أمة محمد على ضلالة، ويَدُ الله مع الجماعة، من شذَّ شذَّ إلى النار﴾ رواه الترمذي ... واستغربه (٤)، وفي سنده سليمان بن سفيان المدني ضعيف (٥)، ورواه الحاكم وفي سنده خالد بن يزيد ثمّ علله. . .)) (٦) هذه أهم الميزات التي امتاز بها ((رفع الحاجب)) والتي تجعله في مقدمة الشروح المعتمدة ... ((لمختصر ابن الحاجب))، ومن هنا فإنّي ألْفِتُ نظرَ المشتغلين بأصول الفقه أن يتناولوا ((رفع الحاجب)) بالتدريس ويعطوه جانباً من اهتمامهم ليستخرجوا من بين ثناياه الكثير من المعاني والفوائد التي قد لا توجد عند احد سواه، لا سيَّما وأنّ ((رفع الحاجب)) قد طُبع حديثاً ولم يَلْقَ من الاهتمام ... والشهرة بعد ما لقيه غيره من المصنفات الأصولية. المطلب الثالث: مصادر التاج السبكي في شرح المختصر لقد سطر لنا التاج السبكي في مقدمة شرحه ((لمختصر ابن الحاجب)) أسماء العلماء ... والمصنفات التي اعتمد عليها في هذا الشرح، وهذه بادرة حميدة ابتدأها التاج السبكي، وقد لا تجدها عند غيره من المصنفين.

стр. 87

لذا سأكتفي في هذا المطلب بذكر أهم هذه المصادر ببيان العلماء الذين نقل عنهم في ذلك مرتبين ترتيباً تنازليا ً، ومن ثمّ أعرض لبعض المصادر الأخرى التي لم يذكرها التاج وأكتفي بسردها فقط، وأحيل القارئ الكريم إلى بقية تلك المصادر التي دونها التاج بنفسه. (١) أولاً: المصادر الأصولية: من أهم العلماء الذين اعتمد عليهم التاج السبكي ما يأتي: ١. إمام الحرمين الجويني: يأتي إمام الحرمين الجويني على رأس العلماء الذين نقل عنهم التاج السبكي في هذا الشرح؛ فقد بلغ عدد المواضع التي صرّح فيها باسمه حوالي مائتين وثلاثة وستين موضعاً (٢٦٣) ... وأكثر هذه النقول من كتابه ((البرهان)) والذي يعدّه التاج مفخرة للشافعية (٢)، وكتاب ((التلخيص)) الذي اختصر فيه ((التقريب والإرشاد)) للباقلاني، وكتاب ((الأساليب)) في الجدل، كما أنّه كان يذكر آراءه في بعض المسائل الفقهية وينسبها إلى مظانّها. هذا وقد أطلق التاج السبكي على إمام الحرمين لقب ((الإمام)) وذلك على خلاف عادة الأصوليين الذين يطلقون هذا اللقب على الإمام الرازي، ففي أغلب المواضع التي أطلق فيها التاج السبكي لقب الإمام كان المقصود منه إمام الحرمين الجويني، وقد بلغ عدد هذه المواضع حوالي مئة وستة مواضع (١٠٦) (٣)، وبقية المواضع التي أطلق فيها ((الإمام)) المقصود منها الإمام الرازي، لذا فعلى القارئ الكريم إذا وجد لفظ الإمام أن ينظر في سياق الكلام ليجد قرينة دالة على من هو المقصود بهذا اللقب، ومن هذه القرائن: أ) أن يذكر اللقب في سياق مسألة فقهية فتنصرف إلى إمام الحرمين، لأنّه الملقب بهذا اللقب عند الفقهاء الشافعية. ب) أن يذكر اسم الكتاب المنقول عنه قول ((الإمام)) فيعرف أهو من كتب الرازي أم إمام الحرمين. ج) أن يحاكي به عبارة ابن الحاجب، فإذا كان اللقب محاكاة لابن الحاجب فهو في الغالب للجويني لأنّ ابن الحاجب كان يذكر الجويني بهذا اللقب. هذه أهم القرائن التي يستعين بها القارئ في معرفة من هو صاحب هذا اللقب، ومن ثمّ فإنّ من كانت له دُرْبَة في قراءة أمثال كتب الجويني وكتب الرازي ليستطيع بحسه وبنمط العبارات أن يعرف من هو المقصود. ٢. القاضي أبو بكر الباقلاني: يأتي القاضي أبو بكر الباقلاني في المرتبة الثانية في هذا الشرح؛ حيث بلغ عدد المواضع التي ذكر فيها الباقلاني حوالي مائتين واربعين موضعاً (٢٤٢). وأكثر هذه النقول من كتابه ((التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد)) الذي قال عنه التاج السبكي أنّه من أجلّ كتب الأصول. (٤)

стр. 88

٣. الإمام سيف الدين الآمدي: ذكرنا سابقاً أنّ ((مختصر ابن الحاجب)) من مختصرات مدرسة الآمدي، وأنّه لا يخلو أي شرح له من ذكر الآمدي والاعتماد عليه، لذا كان من الطبيعي جداً أن يكثر التاج السبكي في شرحه من ذكر الآمدي حيث بلغت هذه المواضع التي صرّح فيها باسمه حوالي مئة وستة ... وتسعين موضعاً (١٩٦) معتمداً فيها على كتابي ((الإحكام)) و ((المنتهى)). ٤. الإمام الشافعي: بلغ عدد المواضع التي ذكر فيها الإمام الشافعي حوالي مئة وثمانية وثمانين موضعاً (١٨٨) وأكثر هذه النقول من كتابه ((الرسالة)). ٥. ابن السمعاني (١): صرّح التاج السبكي بالنقل عن ابن السمعاني في حوالي مئة وسبعة وثمانين موضعاً (١٨٧) وذلك من خلال كتابه ((قواطع الأدلة)) والذي يقول عنه التاج السبكي أنّه: أنفع كتاب للشافعية في الأصول وأجلّه. (٢) ٦. الإمام فخر الدين الرازي: صرّح التاج السبكي بالنقل عن مصنفات الرازي في حوالي مئة وخمسة ... وخمسين موضعاً (١٥٥). ٧. الإمام الغزالي: ذكره التاج السبكي في حوالي مئة وواحد وخمسين موضعاً (١٥١). ٨. الإمام تقي الدين السبكي: ذكره التاج السبكي في حوالي ثمانية وتسعين موضعاً (٩٨) وكان يطلق عليه لقب: الشيخ الإمام. ٩. الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني: صرّح التاج السبكي بذكره في حوالي اثنين وخمسين موضعاً (٥٢). ١٠. الشيخ أبو الحسن الأشعري: ذكره التاج السبكي في حوالي واحد وخمسين موضعاً (٥١) وكان يطلق عليه لقب الشيخ، فحيثما أطلق لقب الشيخ انصرف إلى الأشعري. ١١. الشيخ أبو حامد الإسفرايني: ذكره التاج السبكي في حوالي ثمانية وثلاثين موضعاً (٣٨) معتمداً على ((تعليقته)) في الأصول. ١٢. الإمام المازري: نقل التاج السبكي عن ((شرح المازري للبرهان)) وكذا ((كلام على مشكل البرهان)) في حوالي سبعة وثلاثين موضعاً (٣٧). ١٣. الشيخ أبو اسحق الشيرازي: صرّح التاج السبكي بالنقل عن كتب السيخ أبي اسحق ((اللمع)) و ((شرح اللمع)) و ((الملخص)) و ((المعرفة)) في حوالي اثنين وثلاثين موضعاً (٣٢). ١٤. أبو الحسن الأبياري: ذكره التاج السبكي ونقل عنه من ((شرح البرهان)) في حوالي تسعة ... وعشرين موضعاً (٢٩). ١٥. صفي الدين الهندي: صرّح التاج باسمه ونقل عنه في حوالي تسعة وعشرين موضعاً (٢٩) معتمداً في ذلك على كتابيه ((النهاية)) و ((الفائق)). ١٦. القفال الشاشي: ذكره التاج السبكي ونقل عنه من ((شرح الرسالة)) في حوالي خمسة وعشرين موضعاً (٢٥).

стр. 89

هؤلاء هم الأصوليون الذين أكثر التاج السبكي من النقل عنهم والاعتماد عليهم، وهناك عدد آخر من الأصوليين كانوا في الدرجة الثانية في هذا الشرح، وعدد من أصوليي المذاهب الأخرى كالمعتزلة والحنفية والمالكية ومنهم: الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة، ومالك، وأحمد)، وأبو بكر الصيرفي (١) شارح ((الرسالة))، وسُلَيم الرازي (٢) صاحب ((التقريب))، وأبو الحسين البصري صاحب ((المعتمد))، وأبو هاشم (٣) وأبو ... عبد الله البصري المعتزليان، والشيخ أبو محمد الجويني (٤) شارح ((الرسالة))، وأبو بكر الجصاص صاحب ((أصول الجصاص)) الحنفي، وأبو زيد الدبوسي (٥) صاحب ((التقويم)) الحنفي، والكرخي وعيسى ابن أبان الحنفيان، والنقشواني صاحب ((المؤاخذات))، والأصفهاني والقرافي شارحا ((المحصول))، والقطب الشيرازي والعضد الإيجي شارحا ((المختصر))، وعبد الوهاب المالكي صاحب ((الملخص))، وابن الحاجب صاحب ((المختصر)). وغيرهم كثير. ثانياً: المصادر الفقهية: تأتي المصادر الفقهية في المرتبة الثانية بعد المصادر الأصولية التي اعتمد عليها التاج السبكي، وكلها من كتب فقه السادة الشافعية. وأهم هذه المصادر: الرافعي في ((الشرح الكبير)) وغيره من مصنفاته، والنووي في ((الروضة)) و ((المنهاج)) ... و ((المجموع)) وغيرها، والقاضي أبو الطيب الطبري، والإمام الماوردي في ((الحاوي))، وابن الصباغ، والروياني صاحب ((البحر))، وابن الصلاح، والقاضي حسين، وأبو اسحق المروزي، والمحاملي، وتقي الدين بن دقيق العيد، وابن الرفعة وغيرهم.

стр. 90

ثالثاً: المصادر الحديثية: من أهم المصادر الحديثية التي كان التاج السبكي معتمداً عليها في هذا الشرح إضافة إلى كتب السنة كان يرجع إلى: الحاكم في ((المستدرك))، وابن حبان في صحيحه، والدارقطني، والبيهقي، والطبراني وغيرهم. رابعاً: المصادر اللغوية: ومن هذه المصادر: ابن مالك، وأبو عبيد القاسم بن سلام (١)، وأبو عبد الله السهيلي، وأبو عبيدة (٢)، وابن فارس، وسيبويه، والخليل بن أحمد الفراهيدي (٣)، وابن جني، والأصمعي (٤)، ... وابن عصفور، والمبرد، وأبو علي الفارسي، وأبو حيان وغيرهم. المطلب الرابع: مقارنة بين شرح التاج السبكي لمختصر ابن الحاجب وشرح العضد الإيجي: بما أنه لا يوجد لدينا من الشروح المطبوعة لمختصر ابن الحاجب سوى شرحي العضد الإيجي ... والشمس الأصفهاني، ولما كان الشرحان المذكوران متفقين في كثير من النواحي، أكتفي فقط بالمقارنة بين شرح واحد منها ألا وهو شرح العضد الإيجي وبين شرح التاج السبكي، وأشير بداية أن الشروح الثلاثة المذكورة قد اتفقت في أمرين: أولهما: أن مصنفوها جميعا من العلماء الشافعية. ثانيهما: أنهم جميعا يُحَرِّرون مواضع النزاع في المسائل المختلف فيها. أما نقاط الاختلاف بين شرح العضد الإيجي وشرح التاج السبكي فتتمثل أهمها في: ١. شرح التاج السبكي هو شرح ممزوج بالمتن بحيث يمتزج الشرح بالمتن دون فصل بينهما، بخلاف شرح العضد حيث كان يبدأ بذكر قول ابن الحاجب في المسألة، ثم يعقب عليه بالشرح دون مزج بينهما. ٢. العضد كان يركز في شرحه على تحقيق المسألة كما أوردها ابن الحاجب، لهذا لم يكثر العضد من إيراد الأقوال الأخرى أو الاعتراضات والإيرادات بخلاف التاج السبكي فقد أكثر من كل ذلك. ٣. لم يكثر العضد من انتقاد ابن الحاجب أو الرد عليه، بخلاف التاج السبكي. ٤. التاج السبكي يصرح في أكثر المسائل المطروحة برأيه ويبين مختاره وتجده يقيم الأدلة تأييدا لما اختاره، بخلاف العضد فهو كما ذكرنا لم يكن يهدف إلا إلى تَجْلِية المعاني وفوائد هذا المختصر فحسب.

стр. 91

٥. التاج السبكي وكعادته - في شروحه - يكثر من ذكر الفروع الفقهية المبنية على المسألة، كما يتحدث على الأحاديث بنسبتها إلى مواضعها وبيان الصحيح من الضعيف منها، بخلاف العضد فلم يتعرض لشيء من ذلك. ٦. شرح التاج السبكي أوسع وأطول وأشمل من شرح العضد. المبحث الثالث جمع الجوامع ((جمع الجوامع)) هو المصنف الرابع للتاج السبكي في علم الأصول (١)، وقد وضعه التاج السبكي في مرحلة متقدمة من عمره (٢)، وذلك بعد اكتمال شخصيته الأصولية التي برزت ونبغت في شرحيه ((المنهاج)) و ((المختصر)). و ((جمع الجوامع)) هذا عبارة عن متن مختصر في أصول الفقه والدين؛ أراد التاج السبكي أن يجمع فيه خلاصة ما توصلت إليه قريحته من آراء ومسائل أصولية، والتي كان قد استمد أكثرها من شرحيه على ((الإبهاج)) و ((رفع الحاجب)). سبب تسميته: وقد وسمه التاج السبكي بـ ((جمع الجوامع)) ذلك لأنّه قد جمع فيه زُبدة مسائل علميّ أصول الفقه والدين، إضافة إلى خاتمة هامة في السلوك والتصوف؛ فجاء شاملاً وجامعاً لعلوم ثلاثة في مختصر واحد، صغير الحجم غزير العلم. هذا بالإضافة إلى أنّه قد جمع هذا المصنف من كل مصنف وكل متن جامع (٣)؛ فكان بحق ((جمع الجوامع))، وانطبق الاسم على المسمى. وقد وصف التاج السبكي صنيعه في هذا ((المختصر)) قائلاً أنّه: ((الآتي من فنَّي الأصول بالقواعد القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زُهاء مئة مصنف منهلاً يروي ويَمِير (٤)؛ المحيط بُزبدة ما في شرحيَّ على ((المختصر)) و ((المنهاج))، مع مزيد كثير)) (٥). وقال في خاتمة الكتاب: ((وقد تمّ ((جمع الجوامع)) علما، المسمع كلامه آذاناً صماً، الآتي من أحاسن المحاسن بما ينظره الأعمى مجموعاً جموعاً، وموضوعاً لا مقطوعاً فضله ولا ممنوعاً، ومرفوعاً عن همم الزمان مدفوعاً، فعليك بحفظ عباراته، لا سيما ما خالف فيها غيره، وإياك أن تبادر بإنكار شيء قبل التأمل والفكرة، وأن تظن إمكان اختصاره ففي كل ذَرّة دُرّة. . . [إلى أن قال] فدونك مختصراً بأنواع المحامد حقيقا، وأصناف المحاسن خليقا، جعلنا الله به مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا)) (٦). وكان التاج السبكي كثيراً ما يُشِيد بهذا ((المختصر))، ويُحَبِّب الناس إلى قراءته ودراسته، ويُبيّن كثيراً من مزاياه وفوائده التي انفرد بها.

стр. 92

فمن ذلك قوله في الطبقات: ((هو مختصر جمعناه في الأصلين؛ جمع فأوعى. . . فيه زيادة على ما في مختصرات أصول الفقه. . . وهذا شأن كتابنا ((جمع الجوامع)) نفع الله به، غالب ظننا أنّ في كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة في غيره مع البلاغة في الاختصار)) (١). وأما في ((منع الموانع)) فقد أشاد به في أكثر من موضع مبيناً في ذلك الجهد الذي استفرغه في هذا المتن فقال في ذلك: ((وكان مما دعوت له الجفلى (٢)، ولم أُلْفِ غير ملبٍّ يبادر ويسارع، ورقيت به إلى سماء التحقيق فأنشد '' لنا قمراها والنجوم الطوالع'' وحشدت فيه فكري حتى فاض على الإناء، وناداه لسان الفكر ((جمع الجوامع)). طويت فكري فيه على همةٍ سائراً في نشر العلم سيراً حثيثاً، وملأت داري منه بمُسوَّدات أرى قديمها لكثرة ما أعاوده حديثا، وشغلته أو شغلت نفسي فيه بما تنوع كلاماً وأصولاً وفقهاً وحديثاً، ... وأيم الله لقد استوعب مني كثيراً من أوقات الفراغ، وأخذ من أقلامي وأفكاري ما كاد يستفرغ مدد المداد والدماغ ومُسمِع مِن كلمي وحِكَمي ما ليس عند ذوي البلاغ بلاغ. فلو كان ذا لسان لادّعى أنّه نفيس عمري ونخبة فكري، والذي شمرت فيه عن ساق الجد، وقد عُدِمت في الديجور (٣) أعواناً على سهري)) (٤). المطلب الأول: مناقشة الفكرة القائلة بأنّ ((جمع الجوامع)) من الكتب التي جمعت بين طريقتي الحنفية والمتكلمين: لقد شاع بين أهل العلم، أنّ ((جمع الجوامع)) من المتون التي جمعت بين طريقتي الحنفية ... والمتكلمين، وهي الطريقة التي سار عليها أكثر العلماء المتأخرين وبخاصة الحنفية منهم. وقد بحثت عن مصدر هذه المقولة؛ فلم أهتد إلى أول من فاه بها وعلى ماذا اعتمد في ذلك؛ غير أنّه من المقرر لدي ما يأتي: أولا: أنّ من ذكر هذه المقولة هم من العلماء المُحْدَثين والمعاصرين. ثانيا: أنّ ابن خلدون - المؤرخ المشهور - الذي دوّن تاريخ أصول الفقه، لم يذكر ((جمع الجوامع)) ضمن الكتب التي جمعت بين الطريقتين، مع شهرة ((جمع الجوامع)) في ذلك الوقت وانتشاره بين الكثير من العلماء (٥). ثالثا: أنّي لم أجد أحداً من الذين ترجموا للتاج السبكي سواء من الذين عاصروه أو من بعدهم - اللهم إلا المعاصرين - قد ذكر أنّ ((جمع الجوامع)) من الكتب الجامعة بين الطريقتين. وبناءً على ما سبق فإنّه يترجَّح لدي أنّ هذه المقولة إنّما هي من صنيع العلماء المُحدثين فقط؛ وممن صرّح منهم بذلك: الشيخ محمد الخضري بيك (٦)، والشيخ عبد الوهاب خلاف (٧)، والشيخ محمد أبو زهرة (٨)، والدكتور زكي الدين شعبان (٩) وغيرهم. ولعل مبنى هذه الدعوى يعود إلى ما يأتي:-

стр. 93

أولاً: ما صرّح به التاج السبكي من أنّه قد جمع كتابه هذا من زُهاء مئة مصنف فظنوا من ذلك أنّه قد جمع فيها طريقة الحنفية. ثانياً: أنّه قد ذكر بعض آراء الحنفية في عدد من مسائل هذا الكتاب. ثالثاً: أنّه قد ذكر بعض الفروع الفقهية التي استدل بها على القاعدة الأصولية كما هو في طريقة الحنفية. رابعاً: الترتيب الذي اتبعه التاج السبكي، والنسق الذي صنف عليه كتابه ظنوا أنّه ليس على طريقة المتكلمين ولا على طريقة الحنفية فهو إذاً جامع بينهما. وعندي في ذلك كله وجهة نظر حاصلها ما يأتي:- أولها: أنّ التاج السبكي قد صرّح نفسه أنّ كتابه هذا [أي ((جمع الجوامع))] قد أودع فيه زُبدة ما في شَرْحَيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) (١)، ومعلوم أنّ كلاً من ((المنهاج)) و ((المختصر)) من الكتب التي سار بها مصنفوها على طريقة المتكلمين وأنّ التاج السبكي قد اتبع في شرحه لهما الطريقة نفسها، مع ما امتاز به المتأخرون من الشرّاح – ومن بينهم التاج السبكي – من ذكر الفروع الفقهية المبنية على المسائل الأصولية، ومع ذلك فلا يصح القول بأنّها كتبٌ جامعةٌ. ثانيها: أنّ المصادر المئة التي استمد التاج السبكي منها كتابه هذا، إنّما هي مصادره التي اعتمد عليها في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) بدليل قوله: ((المحيط بزُبدة ما في شرحي على ((المختصر)) ... و ((المنهاج)).)) ثالثها: وأما إيراده لبعض آراء الحنفية وذكره لعدد من الفروع الفقهية؛ فأقول: أنّ ذكره لها قليل أولا، وثانيا: أنّ أمثال ((منهاج)) البيضاوي، و ((مختصر)) ابن الحاجب؛ وهما من كتب المتكلمين اتفاقا، قد ذكر فيهما مثل ذلك، فإن كان ذكر آراء الحنفية والفروع الفقهية ذريعة لاعتباره من الكتب الجامعة، فلمَ لم يقولوا عن ((المنهاج)) و ((المختصر)) نحو ذلك، بجامع ذكر الفروع الفقهية وآراء الحنفية. وبالمقارنة بين ((جمع الجوامع)) و ((التوضيح)) لصدر الشريعة (٢)، المتفق على كونه من الكتب الجامعة، تجد بوناً واسعاً جداً في هذا المجال. فصدر الشريعة أولاً: لا تكاد تخلو مسألة إلا ويذكر فيها رأيَي الحنفية والشافعية، مع اعتباره مذهب الحنفية في ذلك، انظر على سبيل المثال الصفحات: ١/ ٦٣، ٦٦، ٦٧، ١١٤، ١١٥) وهذا بخلاف التاج السبكي فهو لا يذكر آراء الحنفية في كل مسألة بل في المسائل المهمة التي للحنفية رأي مخالف له أثر فيها، وهي المسائل التي يذكرها المتكلمون غالبا.

стр. 94

وبالنسبة للفروع الفقهية فإنّ صدر الشريعة كان يكثر من ذكر هذه الفروع مستدلا بها على القاعدة الأصولية، بل لقد وجدته يسهب في شرح وبيان هذه الفروع مبيّناً ما فيها من اختلافات بين علماء مذهبه، وكيفية انطباقها على القاعدة الأصولية، بحيث يعدّ كتابه غزيراً بالمسائل الفقهية، وهذا أقرب إلى طريقة الحنفية، انظر على سبيل المثال الصفحات (١٨١ - ٢٥٣) فلا تكاد تخلو صفحة من بيان هذه الفروع. رابعها: وأما بالنسبة لنسق كتابه: فأقول: أولاً: إنّ التاج السبكي ملتزم بالإطار العام لنسق المتكلمين، وإنّما الخلاف فقط في ترتيب المسائل ... وتقديم بعضها على بعض، وهذا يعود إلى نظر كل مؤلِّف الخاص وطريقته في التأليف وبحسب ما يراه مقدماً في الأهمية، وغيرها من الظروف التي تمليها حالة التأليف. فالتاج السبكي مقارنة ((بمنهاج البيضاوي)) تجد أنّ كلاً منهما افتتح كتابه بعد تعريف أصول الفقه، بمباحث الحكم، ومن ثمّ مباحث الكتاب وما يتعلَّق بالألفاظ من الوضع والاشتقاق والحقيقة والمجاز. . .، وبعدها ذَكَر مباحث السنة وما فيها من أبحاث، ومن ثمّ الإجماع ومباحثه، فالقياس ... والأدلة الأخرى منها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود، إلا أنّ البيضاوي قد ذكر أولا الأدلة المقبولة في باب خاص، ومن ثمّ المردودة منها في باب آخر، بخلاف التاج السبكي، فقد ذكر كلا النوعين تحت باب الاستدلال، وبعدها ذكر باب التعادل والتراجيح وأخيراً الاجتهاد والتقليد. والتاج السبكي قد التزم بذلك كله، وذكر أغلب مسائل ((المنهاج))، وخالفه فقط في ترتيب المسائل وتقديم بعضها على الآخر داخل الباب الواحد. وأما أسلوبه فبالمقارنة بين أسلوب التاج السبكي وأسلوب المتكلمين؛ تجد أنّ التاج السبكي يتكلم بنفَسِ المتكلمين، وأستطيع القول أنّ أغلب عبارات التاج السبكي في ((جمع الجوامع)) هي: إما ذاتها عبارات البيضاوي وابن الحاجب، وإما أنّه قد غير فيها لفظة أو زاد عليها قيداً أو أنقص مثل ذلك (١). وبعد: فإنّي أقول: إنّ هذه الدعوى لا تسلم من الانتقاد، ولا تخلو من الاعتراض؛ ومع ذلك فإنّي أزعم أنّ هذه القضية لا زالت بحاجة إلى دراسة خاصة ومستفيضة، تُدرس فيها معالم الطريقة الجامعة، وتُدرس مؤلفاتها كل مؤلف على حدة مع بيان منهجها في ذلك، ومن ثمّ يُدرس ((جمع الجوامع)) بناءً على ما توصلت إليه تلك الدراسة من نتائج؛ وبعدها تستطيع الحكم عليه؛ وحتى ظهور مثل تلك الدراسة؛ فإنّي أميل إلى القول: بأنّ ((جمع الجوامع)) إنّما هو متن من متون المتكلمين، ولا علاقة له لا بطريقة الحنفية، ولا بالطريقة الجامعة؛ والله أعلم بالصواب.

стр. 95

المطلب الثاني: أهمية ((جمع الجوامع)) ومميزاته: تكمن أهمية ((جمع الجوامع)) في النواحي الآتية: ١. أنّه المتن الذي استَقَرَّت فيه أهم الآراء الأصولية حتى عصر التاج السبكي، وقد تدارك فيه التاج السبكي ما في مَتْني ((المنهاج)) و ((المختصر)) من نقص وخلل، وذلك لأنّه تولى شرحهما قبل هذا المتن. ٢. أنّه الكتاب الذي استَقَرَّت فيه آراء التاج السبكي الأصولية المُحَرَّرة، فهذا المتن يُوضِّح لنا فعلاً آراءه الأصولية بشكل واضح لا لُبْس فيه. ٣. أنّه قد دون فيه أراء والده - الشيخ تقي الدين - الأصولية والتي قد لا تجدها عند أحد سواه. ٤. أنّه قد جمع فيه إضافة إلى علم الأصول أهم مسائل الاعتقاد والتصوف، في بادرة حميدة لم يُسبق إليها. ٥. أنّه المتن الذي اعتمد عليه أكثر العلماء المتأخرين منذ ظهوره وحتى العصر الحاضر، لذا كثرت عليه الشروح والحواشي والتعليقات، كما أنّه كان مُقرّراً لطلاب الدراسات الشرعية في الأزهر حتى وقت ليس بالبعيد. مميزات ((جمع الجوامع)): ١. اختصار المسائل واختزال الأقوال: أهم ما يميز ((جمع الجوامع)) هو الاختصار الشديد للمسائل الأصولية المطروحة، فهو في هذا ((المختصر)) لم يُسهِب ولم يُطِل العبارات؛ بل كان يختزل كثيراً من المسائل والأقوال في مسألة واحدة بليغة العبارة دالّةٍ على المقصود بأقل الكلمات. فمن ذلك قوله: ((والأصح أنّ المباح ليس بجنس للواجب، وأنّه غير مأمور به من حيث هو، والخُلْف لفظي، وأنّ الإباحة حكم شرعي وأنّ الواجب إذا نُسِخ بقي الجواز)) (١). فها هنا ترى أنّ التاج السبكي قد دمج أربعة مسائل في مسألة واحدة بعبارات قليلة دالة على الغرض؛ بخلاف غيره كابن الحاجب الذي جعل كل واحدة منها مسألة مستقلة برأسها (٢). ومنها قوله في باب النسخ في مسألة ما يجوز أن يكون ناسخاً: ((وبالقياس، وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه الصلاة السلام والعلّة منصوصة)) (٣). ففي هذا المثال ترى أنّ التاج السبكي قد صرّح بذكر قولين وترك آخرين وهما جواز النسخ بالقياس القول الأول، والثاني: منع النسخ بالقياس. ٢. دقة العبارة وحسن السبك: مما يميز ((جمع الجوامع)) هو دِقَّةُ عباراته وحُسْنُ سَبكها، بحيث أنّه يفوق على عبارات غيره. فمن ذلك: قوله في تعريف الصحابي أنّه: ((من اجتمع مؤمناً بمحمد ﷺ وإن لم يروِ ولم يُطل)) (٤). قال التاج السبكي في ((منع الموانع)) مبيناً دقة هذا التعريف: ((وإنّما غيرنا لفظ رأى الواقع في ((مختصر)) ابن الحاجب وغيره، لأنّك إن نصبت النبي ﷺ في قولك: من رأى النبي ﷺ ، وهو الأظهر لم يطّرد لورود ابن أم مكتوم وأبيّ وغيرهما من عميان الصحابة؛ فإنّهم لم يروه، ولم ينعكس لأنّ من رآه في النوم فقد رآه حقاً وليس بصحابي، وإن رفعت لزم أن يكون من وقع بصر محمد ﷺ صحابيا، وإن لم يقع بصره هو على محمد ﷺ . . .)) (٥).

стр. 96

٣. خلوّه من الخلاف الجدلي والمنطقي الذي اتبعه الكثير من الأصوليين وبخاصة ابن الحاجب ... والبيضاوي: فالتاج السبكي أراد إخراج المسائل الأصلية في المنطق من كتابه هذا، وأبدله بعلم الكلام وأما المباحث الجدلية؛ فكان كتابه هذا شبه خال منها، ذلك لأنّه أراد وضع متن مختصر مشتمل على محض المهم من علمي الأصول، وأما التقرير والدفاع عن هذه المسائل فهو من وظيفة الشّراح لا من وظيفة الماتن. بخلاف ابن الحاجب الذي افتتح كتابه أولا بمقدمة في علم المنطق، ومن ثمّ اتبع الطريقة الجدلية في أغلب مباحث كتابه، فهو يورد المسائل وما فيها من خلاف، مستدلاً على مختاره ودافعاً ما يَرِد على مختاره من نقوض وإيرادات. إلا أنّ التاج السبكي قد ضَمَّن بعض المباحث الجدلية في مسالك العلل وقوادحها، ذلك لأنّ أكثر هذه المباحث - والقوادح خاصة - إنّما هي من علم الجدل وآداب البحث والمناظرة، كالنقض والمنع وغيرها. ٤. أنّه مشتمل على آراءٍ تَميَّز وتَفرَّد بها بحيث لا تجدها عند أحد غيره من السابقين له: ذكرنا سابقاً أنّ التاج السبكي قد أودع زُبدة آرائه واختياراته في هذا ((المختصر))، ومنها آراء كانت مثار الأصوليين فيما بعد بحيث انفرد بها التاج السبكي عن غيره، فمن ذلك قوله في تعريف الأصولي: ((العارف بها [أي دلائل الفقه الإجمالية] وبطرق استفادتها ومستفيدها)) (١). فهو بذلك جعل المعرفة بطرق الاستفادة جزءاً من مدلول الأصولي ولم يجعلها من مدلول الأصول، وهذا أمر لم يُسبَق إليه فهو من انفراداته (٢). واعلم أنّ هذا التعريف قد أثار الكثير من النقاش والجدل ما بين موافق له وناقد معترض عليه (٣)، بل لقد وضعت مؤلفات خاصة على هذا التعريف، منها: ((الكلم الجوامع في بيان مسألة الأصولي بجمع الجوامع)) للجوهري إسماعيل بن غنيم (٤) و ((تقيدات على مسألة الأصولي)) لعبد الله بن حجازي الشرقاوي (٥). ٥. الاهتمام ببيان الخلاف اللفظي: التاج السبكي – وكعادته – ينبّه القارئ إلى حقيقة الخلاف سواءً أكان معنوياً أو لفظياً، وهذه مِيزة قلّما تجدها عند غيره، فمن ذلك قوله: ((والفرض والواجب مترادفان، خلافاً لأبي حنيفة وهو لفظي)) (٦).

стр. 97

هذه أهم الميزات التي امتاز بها ((جمع الجوامع))، ومع ذلك فقد وُجِّه إليه الكثير من النقد ... والاعتراض عليه؛ قديماً وحديثاً، حتى في عصر المؤلف نفسه، حيث وُجِّهت إليه بعض الإيرادات مما دعاه إلى الإجابة عليها في مصنف خاص سماه ((منع الموانع عن جمع الجوامع))، حل فيه كثيراً من الإشكالات التي وُجِّهت إليه، وأزال الغموض عن كثير من العبارات التي خفي معناها على البعض، ومن هنا فإنّي أقول: إنّه لا بد من الاستعانة ((بمنع الموانع)) في قراءة وفهم ((جمع الجوامع)) إذ هو كالمكمّل والتتمّة له. وأقول بالنسبة لما وُجِّه إلى ((جمع الجوامع)) من اعتراضات؛ أنّ التاج السبكي لم يجزم بنفي الخطأ والوهم عن كتابه هذا فهو يقول عنه: ((وقد دار على ألسنة الناس، وصار في كل محفل كمضغة تلوكها الأشداق، وتَتَردَّدُ تَرَدُّدَ الأنفاس، وطار بناؤه، وأنا أنادي ’’ما في وقوفك ساعة من باس‘‘، ولست أدعي أنّه جمع سلامة، ولا أُبَرِّيه كلما تَوجَّهت نحوه الملاءه، ولا أتعصَّبُ له، فبئست الخصلة إذا قُلتُ لكلّ من اعترضه في الملامة كَلا. ولا أبيعهُ بشرط البراءة من كل عيب؛ بل أقول: يؤخذ من قوله ويترك، والله العليم بالغيب، ويُنظَر فيه مع تجويز اعتراض الشك له والريب)) (١). وقد تصدّى غير واحد من العلماء للدفاع عن ((جمع الجوامع)) ورد الاعتراضات والإشكالات الواردة عليه، ومن أبرزهم في ذلك الإمام العلامة ابن قاسم العبادي (٢)، الذي ألف كتاباً ضخماَ أسماه ((الآيات البينات على اندفاع أو فساد ما وَقفتُ عليه مما أُورِد على جمع الجوامع وشرحه للمحقق المحلي من اعتراضات)) (٣). وبيّن ابن قاسم الدافع لهذا المصنَّف قائلا: ((حملني عليه أنّي لما رأيت جمعاً من شيوخنا ... وغيرهم قد ألِفوا التحامل عليهما [أي التاج السبكي والجلال المحلي]، وإضافة ما لا يليق ببعض الطلاب إليهما، وأوردوا أنواع الاعتراضات، وبالغوا بصنوف التشنيعات مما هو في الأغلب كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً)) (٤) هذا وقد وضّح ابن قاسم أنّ المعترضين على ((جمع الجوامع)) وشرحه للمحلي لا يَخرُج الدافع لهم عن ثلاثة أسباب هي (٥):- الأول: ما يرجع حاصله إلى مجرد المناقشات اللفظية التي اشتُهِر أنّها ليست من دأب المحصلين. ثانيها: ما لا منشأ له إلا الأغلاط الفاحشة والأوهام الساقطة.

стр. 98

ثالثها: ما لا سبب له إلا مجرد مخالفتهما لما قاله ابن الحاجب والعضد، أو أحدهما، قال ابن قاسم: ... ((وهذا القسم كما لا يخفى على إنسان من البطلان بمكان؛ إذ مخالفة ما قاله ابن الحاجب والعضد؛ لم يرد نقل بامتناعها، ولا قام عقل مستقيم على منعها أو عدم استحسانها؛ فإن ادعوا امتناعها لذاتها فهو هذيان غني عن البيان، أو لأنّهما أعلم؛ منعناه بالنسبة للمصنف في هذا الفن)) (١). وبمثل ما قال ابن قاسم يُردّ على الشيخ عبد الله درّاز، والشيخ محمد الخضري، حيث ادّعى الأول أنّ ((جمع الجوامع)) بالمقارنة مع غيره من متون الأصول فهو أقلها غناءً وأكثرها عناءً فقال في معرض بيان سبب عدم انتشار كتاب الموافقات للشاطبي فترة طويلة من الزمن: ((إنّه لا يلزم من الشهرة وعدمها فضلٌ ولا نقص، فالكتب عندنا كالرجال فكم من فاضلٍ اسْتَتر، وعاطل ظَهَر، ويكفيك تنبيهاً على فساد هذه النظرية ما هو مشاهد؛ فهذا كتاب ((جمع الجوامع)) بشرح المحلي بَقِيَ قروناً طويلة هو كتاب الأصول الوحيد الذي يُدرَّس في الأزهر، ومعاهد العلم بالديار المصرية مع وجود مثل ((الإحكام)) للآمدي، وكتابَيْ ((المنتهى)) و ((المختصر)) لابن الحاجب، و ((التحرير)) ... و ((المنهاج))، و ((مسلّم الثبوت))، وغيرها من الكتب المؤلفة في نفس القسم الذي اشتمل عليه ((جمع الجوامع)). . . [إلى أن قال] ولا يختلف اثنان في أنّ ((جمع الجوامع)) أقلها غناءً وأكثرها عناءً)) (٢) في حين ادّعى الثاني - محمد الخضري -: أنّ ((جمع الجوامع)) لا يُفيدُ قارئاً ولا سامعاً فقال في عبارة قاسية: ((أما ((جمع الجوامع)) فهو عبارة عن جمع الأقاويل المختلفة بعبارة لا تفيد قارئاً ولا سامعاً، وهو مع ذلك خُلْوٌ من الاستدلال على ما يُقرِّره من القواعد)) (٣). مناقشة درّاز والخضري في دعواهما: قلت: هذه دعوى مجردة عن الدليل والبرهان ولي عليها بعض الملاحظات: الأولى: أنّ عدداً كبيراً من العلماء الأجلاء قد أثنوا على ((جمع الجوامع)) واعتبروه من أهم المتون في أصول الفقه، ومنهم الإمام السيوطي حيث يقول موضحاً سبب نظمه ((لجمع الجوامع)): ((والباعث على ذلك أنّي لم أجد من سبقني إلى نظمه مع نظمهم ((مختصر)) ابن الحاجب و ((منهاج)) البيضاوي، وهذا الكتاب أولى بذلك إذ لم يؤلف قبله ولا بعده مثله، لما انطوى عليه من العلم الكثير، واللفظ الوجيز، والتحقيقات البديعة، والنكت المنيعة)) (٤). فإذا كان الإمام السيوطي - وهو من هو - يرى ذلك في ((جمع الجوامع)) فهل يحق للشيخ درّاز والخضري - مع كل التقدير والاحترام لهما - أن يقولا ما قالاه.

стр. 99

ويقول الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن صاحب كتاب ((الترياق النافع بإيضاح وتكميل جمع الجوامع)): ((كتاب ((جمع الجوامع)) للعلامة تاج الدين السبكي ﵀ في أصول الفقه والدين؛ كتاب أجمع فحول صيارفة التحقيق على بلوغه في الاختصار الدرجة التي لا ترام، واتفق عدول سماسرة التدقيق على أنّه من الجمع والتهذيب بأرفع مقام)) (١). وأضيف قائلاً: إن كان ((جمع الجوامع)) قليل الفائدة فهل يعقل أنّ أمثال الجلال المحلي (٢)، ... والزركشي (٣)، والعراقي (٤)، وابن جماعة، وشيخ الإسلام زكريا المتوفى سنة ٩٢٦هـ، وعدد كبير من فحول العلماء (٥) يُضيّعون أوقاتهم بشرح متن لا فائدة منه؟! الثانية: أنّ الشيخ درّاز قد اعترف أنّ ((جمع الجوامع)) كان هو الكتاب المعتمد للتدريس لعدّة قرون خلت، وأنّه الكتاب المقرّر للدراسة في الأزهر، ومعلوم أنّ كبار العلماء قد تخرّجوا من الأزهر، ... والقائمين عليه هم من أكابر العلماء، فهل يُعقل أن يُقرّروا كتاباً للتدريس قليل الفائدة عديمَ الجدوى؟! لا أظن أنّ هذا مما يختلف عليه اثنان! الثالثة: أنّ ((جمع الجوامع)) منذ ظهوره قد أكبَّ العلماء على درسه وتدريسه، بل وحتى حفظه فلم يتخرج أي عالم إلا بعد قراءته ((جمع الجوامع))، وكان العلماء يوصون تلامذتهم بقراءة ((جمع الجوامع)) في بداية تحصيلهم، فهل هم من السذاجة بمكان حتى يوصوا بقراءة كتاب لا يفيد سامعاً ولا قارئاَ؟!

стр. 100

الرابعة: ما قاله الشيخ الخضري من أنّ ((جمع الجوامع)) عبارة عن جمع الأقوال المختلفة بعبارة لا تفيد قارئاً ولا سامعاً؛ منقوضة بأنّ التاج السبكي قد وضّح أنّه أراد جمع الأقوال في كتاب واحد وقد رتبها ترتيباً علمياً لبيان تطور الأقوال أولاً أو غرابة قول ثانياً، أو مخالفة قول ثالثا ً، أو وقوع غلط فيه رابعا، ومن يُنعِم النظر في ترتيب التاج السبكي للأقوال يقضي بأنّ جمعه الأقوال وترتيبها لم يأتي عبثاً وإنّما كان لغاية وهدف كما بيّنتُهُ، وفي ذلك يقول التاج السبكي: ((ولو أنّ الفَطِنَ تأمَّل صنيعي في هذا المجموع الصغير الذي سميته ((جمع الجوامع)) وجعلت اسمه عنواناً على معناه، وترتيبي الأقوال وقائليها والمسائل وفروعها والقائلين وتعديدَهم، واطَّلع على مغزايَ في ذلك لقضى العجب العجاب وعلم كيف أَمَطْنا القشر عن اللباب)) (١). الخامسة: وأما الاعتراض بكون ((جمع الجوامع)) يخلو من الأدلة؛ فأمر عجيب ذلك أنّ هذا المتن شأنه الاختصار، فلو أكثر فيه من ذكر الأدلة لخرج عن حد الاختصار، ثمّ إنّ التاج السبكي إنّما أراد في هذا المتن وضع زُبدة علم الأصول بعد ما تقرّرت لديه، وأما الأدلة فقد ذكر التاج أدلة هذه المسائل كلها في كتبه الأخرى وبخاصة ((رفع الحاجب))، ولم يُرِد إعادتها في هذا المتن، ثمّ إنّ التاج قد بيّن لنا منهجه في ذلك واضحاً حيث يقول: ((فربما ذكرنا الأدلة في بعض الأحايين، إما لكونها مقرّرة في مشاهير الكتب على وجه لا يَبين أو لغرابة أو غير ذلك مما يستخرجه النظر المتين)) (٢). ومن ثمّ فإنّي أقول: إنّ أمثال هذه المتون لا يعيبها عدم ذكر الأدلة، إذ أنّ ذكر الدليل إنّما هو لوظيفة الشارح ألصَقُ منه للماتن. وبعد: فقد لاحَ بما ذكرتُهُ وَجهُ سقوط الدعوى المذكورة، وبقيَ ((جمع الجوامع)) سليماً عن هذه الاعتراضات، غنياً بالمعلومات يوفّر لطالب العلم الكثير من الوقت والجهد، وأما سبب صعوبته على الكثيرين فهو بسبب ضعف الهمم وقصور الفهم والابتعاد عن العلوم التي من شأنها أن تذلِّلَ هذه الصعاب، وعلى رأسها علم الكلام والمنطق اللذان يعينان كثيراً على عملية الفهم وكيفية التفكير السليم، وكذا علوم العربية وعلى رأسها علم البلاغة والنحو، فمن كانت لديه معرفة بهذه العلوم لا أظنه يَستصعبُ شيئاً من المتون العلمية المتقدمة من أمثال ((جمع الجوامع)) والله الموفق للصواب.

стр. 101

المطلب الثالث: مصادر التاج السبكي في ((جمع الجوامع)): لقد ذكر لنا التاج السبكي أنّه جمع مصنفه هذا من زهاء مئة مصنَّف، وبيّن لنا أنّه لم يقتصر على الموجود في كتب الأصوليين فحسب، بل ضَمّهُ شيئاً كثيراً من كتب الفقهاء والمحدثين والمفسرين ... وغيرهم، فهو يقول في ذلك: ((واعلم أنّي لم أقتصر في هذا الكتاب على الموجود في كتب الأصول، بل ضَمَمتُ إليه شيئاً كثيراً من كتب المتكلمين، وكثيراً من كتب المحدثين وكثيراً من كتب الخلافيين، وكثيراً من كتب الفقهاء، وكثيراً من كتب المفسرين، وشيئاً مُجاوِزاً للحد مما سمح به الفكر ... واستخرجه النظر ووضعه الفهم مما لم أُسبق إليه)) (١). فهو بذلك قد بيّن لنا مصادره في هذا الكتاب، وإن لم يذكرها تفصيلا كما فعل في ((رفع الحاجب))، ولم يذكر في هذا المتن أسماء المصنفات التي استمدّ منها، إلا أنّه كان يذكر العلماء الذين استفاد منهم، ومن هؤلاء العلماء تَعرِفُ مصادِرَهم، وإليك فيما يأتي أهم العلماء الذين نقل التاج السبكي عنهم وهم:- ١. الإمام الرازي: حيث صرّح بالنقل عنه في حوالي خمسة وأربعين موضعاً (٤٥). ٢. إمام الحرمين الجويني: حيث بلغ عدد النقول عنه حوالي تسعة وثلاثين موضعاً (٣٩). ٣. القاضي أبو بكر الباقلاني: وكان عدد النقول عنه حوالي خمسة وعشرين موضعاً (٢٥). ٤. الإمام الآمدي: ذكره في حوالي أربعة وعشرين موضعاً (٢٤). ٥. والده الشيخ تقي الدين: بلغ عدد المواضع التي ذكره فيها حوالي اثنان وعشرون موضعاً (٢٢). ٦. الإمام الغزالي: ذكره في حوالي ثمانية عشر موضعاً (١٨). ٧. الإمام الشافعي: تعرّض لذكره في حوالي خمسة عشر موضعاً (١٥). ٨. الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني: ذكره التاج في حوالي اثنا عشر موضعاً (١٢). ٩. الشيخ أبو اسحق الشيرازي: بلغ عدد النقول عنه حوالي تسعة مواضع (٩). ١٠. ابن السمعاني: حيث ذكره في حوالي تسعة مواضع أيضاً (٩). هؤلاء هم أشهر الذين صرّح بأسمائهم في هذا ((المختصر))، وهناك طائفة أخرى ذكرهم في أماكن أقل ومنهم:- الإمام أبو حنيفة، وابن الحاجب، وابن فورك (٢)، وأبو الحسن الكرخي، وأبو الحسن الأشعري، وأبو بكر الصيرفي، والإمام أحمد، والإمام مالك، وأبو الحسين وأبو عبد الله البصريان، وابن سريج (٣). هذا بالإضافة إلى عدد آخر من النقول التي لم يصرّح التاج بقائليها.

стр. 102

المطلب الرابع: المصنفات التي وضعت على ((جمع الجوامع)): لقد شغل ((جمع الجوامع)) اهتمام العلماء ردحاً من الزمن؛ فأكبّوا عليه شرحاً واختصاراً ... ونظماً وتعليقاً، كما اهتمّوا بشروحه فوضعوا عليها الحواشي والتقريرات، وسأذكر في هذا المطلب ما وقفتُ عليه من هذه المصنفات مبيناً المطبوع منها ومن ذَكَرَ المخطوط منها، وأحياناً أذكر مكان وجود بعض هذه المخطوطات حيث تيسر ذلك. أولاً: شروح ((جمع الجوامع)) وحواشيه: ١ - شرح عمر بن اسحق بن أحمد الهندي الغزنوي (١) المسمى بـ ((اللوامع في شرح جمع الجوامع))، ذكره المراغي في طبقات الأصوليين (٢/ ١٩٥). ٢ - شرح الإمام بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤هـ، وشرحه مسمى بـ ((تشنيف المسامع بجمع الجوامع))، وقد طبع هذا الكتاب بتحقيقين الأول: بتحقيق كل من الدكتور عبد الله ربيع والدكتور سيد عبد العزيز، ويأتي في أربعة مجلدات كبار (٢). والثاني: بتحقيق أبي عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم، ويأتي في مجلدين (٣) ويعدّ هذا الكتاب من أوائل شروح ((جمع الجوامع))؛ لذا فقد اعتمد عليه العديد من شراح ((جمع الجوامع)) (٤). ٣ - شرح شمس الدين محمد بن محمد الأسدي الغزي الشافعي - تلميذ التاج السبكي - المتوفى سنة ٨٠٨هـ، وسماه بـ ((تشنيف المسامع)) أيضاً، ذكره ابن شهبة في طبقاته (٤/ ٧٤)، وابن القاضي في ذيل وفيات الأعيان (٢/ ٣١٢). ٤ - وله أيضاً مناقشات على المتن أرسل بها للتاج السبكي سماها ((البروق اللوامع فيما أورد على جمع الجوامع))، ولما رآها التاج السبكي أثنى عليه، وأجابه عنها بمؤلفه ((منع الموانع))، ذكر ذلك السخاوي في الضوء اللامع (٩/ ٢١٨)، والعامري في بهجة الناظرين ص ١٠٠، والشوكاني في البدر الطالع ص ٧٧٢، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧). ٥ - شرح الإمام عز الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن جماعة الكناني المتوفى سنة ٨١٩هـ، نسبه له ابن شهبة في طبقاته (٤/ ٦٢)، توجد منه نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٣٧. ٦ - وله أيضاً نكت على ((جمع الجوامع))، نسبها له: ابن شهبة في طبقاته (٤/ ٦٢) والشوكاني في البدر الطالع ص ٦٦٤، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧). ٧ - شرح الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الله الغزي الشافعي (٥) نسبه له: ابن شهبة في طبقاته (٤/ ١٠٠)، والشوكاني في البدر الطالع ص ٩٢، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٨).

стр. 103

٨ - شرح الإمام أبو زرعة ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم العراقي المتوفى سنة ٨٢٦هـ والمسمى بـ ((الغيث الهامع شرح جمع الجوامع)) والمستمد أكثره من شرح الزركشي ((تشنيف المسامع)) (١).وهذا الشرح مطبوع في ثلاثة مجلدات بتحقيق مكتبة قرطبة (٢). ٩ - شرح الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي (٣)، نسبه له ابن تغري بردي في المنهل الصافي (١/ ١٥٣). ١٠ - شرح الإمام شهاب الدين أحمد بن الحسين بن رسلان الرملي الشافعي (٤) وشرحه مسمىً بـ ((لمع اللوامع في توضيح جمع الجوامع)) (٥)، نسبه له الغزي في ديوان الإسلام (١/ ١٨٣)، والشوكاني في البدر الطالع ص ٧٠، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧)، وتوجد منه نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ٢٣١٥. ١١ - شرح الإمام محمد بن عمار بن محمد القاهري المصري المالكي المعروف بابن عمار (٦)، وشرحه المسمى بـ ((زوال المانع من شرح جمع الجوامع))، ذكره السخاوي في الضوء اللامع (٨/ ٢٣٣). ١٢ - شرح الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد القباقيبي (٧)، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٨). ١٣ - النكت على جمع الجوامع للحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، سماه ((التعليق النافع في النكت على جمع الجوامع))، ذكره له السيوطي في نظم العقيان ص ٤٩ والسخاوي في الجواهر والدرر (٢/ ٦٩٣).

стр. 104

١٤ - شرح الإمام شمس الدين علي بن يوسف الغزولي (١)، ذكره له الغزي في ديوان الإسلام (٣/ ٣٩٢). ١٥ - تعليق الشيخ محمد بن محمد بن ظهيرة المخزومي الشافعي (٢)، ذكره السيوطي في نظم العقيان صفحة ١٦٧. ١٦ - شرح الإمام المحقق جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي المتوفى سنة ٨٦٤هـ، وشرحه مسمىً بـ ((البدر الطالع بشرح جمع الجوامع))، وهو من أحسن الشروح وأتقنها وأكثرها شهرةً وتداولاً، وعليه عدد كبير من الحواشي والتقريرات، أذكرها فيما بعد إن شاء الله، وهذا الشرح مطبوع عدة طبعات مع عدد من حواشيه كحاشية العطار والبناني وغيرها. ١٧ - شرح الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (٣)، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٨/ ٤٦٨). ١٨ - شرح الإمام محمد بن خليل بن يوسف الرملي المقدسي الشافعي (٤)، ذكره الشوكاني في البدر الطالع ص٦٨٦. ١٩ - شرح الإمام عبد البر بن محمد بن الشحنة الحلبي الحنفي (٥)، ذكره ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ١١٣)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٨). ٢٠ - شرح المولى شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني (٦) والمسمى بـ ((الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع))، وقد أكثر في هذا الشرح من تعقب المحلي وتعسَّفَ في كثير من التعقُّبات (٧)، حُقّق هذا الشرح كرسالة دكتوراه مقدمة من الباحث سعيد غالب للجامعة الإسلامية (٨).

стр. 105

٢١ - و ٢٢ - شرحيّ الإمام أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن الزليطني القروي المالكي، المعروف بحلولو (١)، الأول منهما مسمى بـ ((الضياء اللامع شرح جمع الجوامع))، وقد طبع منه مجلدين بتحقيق الدكتور عبد الكريم النملة (٢). والثاني: مخطوط واسمه ((البدر الطالع في حل ألفاظ جمع الجوامع)) (٣)، ذكره له المراغي في طبقات الإصوليين (٣/ ٤٤). ٢٣ - شرح الإمام نجم الدين أبو البقاء محمد بن برهان الدين جمال الدين عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن جماعة الكناني (٤)، وشرحه المسمى بـ ((النجم اللامع شرح جمع الجوامع)) نسبه له ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ٤٠)، توجد منه نسخة بخط المؤلف نفسه في ثلاث مجلدات محفوظة في المكتبة التيمورية تحت رقم ١٢٠. ٢٤ - شرح الشيخ خالد بن عبد الله بن أبي بكر الأزهري (٥)، وشرحه مسمىًّ بـ ((الثمار اليوانع على أصول جمع الجوامع)) (٦) توجد منه نسخة خطية بمركز مخطوطات مراكش تحت رقم ٢٤٢/ ١ (٧)، وله نسخة أخرى بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٢٢ (٨). ٢٥ - شرح الشيخ محمد بن أبي اللطف الخصفكي المقدسي الشافعي (٩)، ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (١/ ٣٦٦). ٢٦ - شرح الإمام عبد الوهاب الشعراني (١٠)، ذكره عمر كحالة في معجم المؤلفين (٦/ ٢١٨)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٨)

стр. 106

٢٧ - شرح الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد الحلبي الشافعي، والمسمى بـ ((تفيهم السامع جمع الجوامع))، ذكره محققا كتاب تشنيف المسامع (١/ ٣٩)، وتوجد منه نسخة في المكتبة الأزهرية تحت رقم ١٧٨٦ إمبابي ٤٨٢٤٥ (١) ٢٨ - شرح الإمام محمد بن علي بن أحمد المحلي أبو الطيب المصري، المسمى بـ ((البرق اللامع في ضبط ألفاظ جمع الجوامع))، ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (١/ ١٧٦) والدكتور النملة في مقدمة تحقيق الضياء اللامع (١/ ٣٣). ٢٩ - شرح الشيخ إبراهيم اللقاني المصري المتوفى سنة ١٠٤١هـ، المسمى بـ ((البدور الطوالع من خدور جمع الجوامع))، ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (١/ ١٧١). ٣٠ - شرح الشيخ الحسن بن مسعود اليوسي (٢)، المسمى بـ ((الكوكب الساطع في شرح جمع الجوامع))، ذكره المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١١٨). ٣١ - حاشية الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي (٣) توجد منها نسخة في مصر في المكتبة الأزهرية رقم ١٠٢٩ رافعي ٢٧٠١٢. ٣٢ - شرح الشيخ أحمد بن مبارك السجلماسي (٤)، ذكره المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١١٨). ٣٣ - حاشية الشيخ حسن بن علي بن أحمد بن عبد الله الشافعي (٥)، ذكرها الجبرتي في عجائب الآثار (١/ ٣٥٠). ٣٤ - حاشية الشيخ محمد بن عبادة بن بري العدوي (٦)، ذكرها الجبرتي في عجائب الآثار (٢/ ٨٢)، ... والمراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٢٩)، توجد منها نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت ... رقم ٧٥.

стр. 107

٣٥ - حاشية الشيخ محمد بن حسين الإمبابي (١)، توجد منها نسخة خطية في المكتبة الأزهرية رقم ١٧٨٧ امبابي ٤٨٢٤٦ (٢). ٣٦ - شرح الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الشربيني المصري الشافعي (٣)، والمسمى بـ ((البدر الطالع في حل ألفاظ جمع الجوامع))، ذكره الدكتور النملة وذكر أنّ له نسخة خطية في جامعة الملك سعود برقم ١٨٩٣/ ١ (٤). ٣٧ - كما له أيضاً تقريرات على ((جمع الجوامع)) وقد طبعت هذه التقريرات بهامش حاشية العطار، وكذا بهامش حاشية البناني. ٣٨ - شرح الإمام أبو بكر بن شهاب الدين العلوي الحسيني الشافعي (٥) المسمى بـ ((الترياق النافع في إيضاح وتكميل جمع الجوامع))، ذكره محقق كتاب تشنيف المسامع د. عبد الله ربيع ود. سيد عبد العزيز وقالا: أنّه مطبوع في مجلدين بحيدرآباد الهند سنة ١٣١٧هـ (٦)، وتوجد منه نسخة في المكتبة الأزهرية محفوظة برقم (٤٠٢) ١١١٣٤ ٣٩ - حاشية الشيخ محمد حسنين مخلوف (٧) المسماة ((القول الجامع في الكشف عن مقدمة جمع الجوامع للمحلي))، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٩١)، توجد منها نسخة خطية بدار الكتب المصرية محفوظة تحت رقم ٥٨٤ وهي مطبوعة بمطبعة السعادة سنة ١٣٤١هـ (٨). ثانياً: المصنفات التي وضعت على بعض مباحث أو مسائل ((جمع الجوامع)): ١ - للإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١٠هـ كتاب تحدَّثَ فيه عن ((جمع الجوامع)) إضافةً إلى كتب أخرى أسماه ((النكت اللوامع على المختصر والمنهاج وجمع الجوامع))، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٥/ ٥٤٣).

стр. 108

٢ - للشيخ الإمام عبد الله باكثير الحضرمي (١)، نظم عقيدة ((جمع الجوامع)) سماها ((تتمّة التمام وسفك المدام في عقائد الإسلام))، ذكرها ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ١٧٦)، وزين الدين الحلبي في القبس الحاوي (١/ ٤٤٠)، وذكر أن ولده البدر حسن قد شرح هذه العقيدة ٣ - للإمام محمد بن محمد الغزي (٢)، ((شرح عقيدة جمع الجوامع)) شرح فيه قسم العقيدة من ((جمع الجوامع))، ذكره الغزي في الكواكب السائرة (٢/ ٥). ٤ - ((الكلم الجوامع في بيان مسألة الأصولي بجمع الجوامع)) للعلامة الشيخ إسماعيل بن غنيم ... الجوهري، توجد منه نسخة خطية بمكتبة الرباط مسجلة تحت رقم ٣١٧٩: ١٨٨٤/ ١٠د (٣)، ونسخة أخرى بدار الكتب المصرية تحت رقم ٤٠٤ (٤). ٥ - تقيدات على مسألة الأصولي، للعلامة الشيخ عبد الله بن حجازي الشرقاوي المصري المتوفى سنة ١٢٢٧هـ، توجد منه نسخة خطية بمكتبة الرباط مسجلة تحت رقم ٣١٨٢: ١١٨٤/ ٨٠د (٥) وأخرى في المكتبة الأزهرية تحت رقم ١٣٥٩ حليم ٣٣٠٩٩ (٦) ٦ - للشيخ محمد بن بخيت المطيعي (٧) حاشية على مقدمة ((جمع الجوامع)) سماها ((البدر الساطع على مقدمة جمع الجوامع))، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٨٦) طبع ضمن مجموعة شروح لجمع الجوامع تشمل تشنيف المسامع للزركشي ومنع الموانع للتاج السبكي والبدر الساطع بمطبعة التمدن سنة ١٣٣٢هـ، ولها نسخ خطية بدار الكتب المصرية تحت رقم ٤٨٠، ٤٨١ (٨) ثالثاً: الحواشي والتقريرات الموضوعة على بعض شروح ((جمع الجوامع)): لما كانت الحواشي الموضوعة على شروح ((جمع الجوامع))؛ تتعرّض بالضرورة ((لجمع الجوامع)) استحسنتُ إيرادها في هذا المطلب لما لها من علاقة وطيدة ((بجمع الجوامع)). وقد ذكرت سابقاً أنّ شرح الجلال المحلي من أكثر الشروح تداولاً وشهرةً، وقد وَضَعَ عليه العديد من العلماء الحواشي والتقريرات لذا سأذكر في ما يأتي أهم الحواشي على شرح المحلي وبعض الشروح الأخرى ومنها:

стр. 109

١ - حاشية الإمام بدر الدين محمد بن محمد بن خطيب الفخرية تلميذ الشارح المحلي (١)، أكثر فيها من الرد على انتقادات الكمال محمد بن محمد بن أبي شريف، في حاشيته عليه، ذكر ذلك السخاوي في الضوء اللامع (٩/ ٢٥)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧) والشوكاني في البدر الطالع ص٧٥٨. ٢ - حاشية الكمال محمد بن محمد بن أبي شريف المقدسي (٢)، والمسماة بـ ((الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع))، والتي أكثر فيها من انتقاد الشارح، واستمد شرحه في أكثر الإيرادات من الكوراني، ... وتبعه في تعسفه غالباً، كما ذكر ذلك السخاوي في الضوء اللامع (٩/ ٦٦)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧)، وهذه الحاشية مطبوعة. ٣ - حاشية الشيخ محمد بن داود البازلي الحموي (٣)، ذكر ذلك ابن العماد في شذرات الذهب (٨/ ١٧٨)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧). ٤ - حاشية شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد الأنصاري المتوفى سنة ٩٢٦هـ، ذكرها الغزي في ديوان الإسلام (٢/ ٣٦٦)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧)، توجد منها ست نسخ محفوظة بدار الكتب المصرية تحت الأرقام ٧٢، ٧٣، ٧٤، ١٥٢، ٤٢٧، ٤٦٧ (٤). ٥ - حاشية الشيخ محمد بن إبراهيم التتائي المالكي (٥)، ذكرها الغزي في ديوان الإسلام (٢/ ١٧)، ... والمراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ٧٣). ٦ - حاشية الشيخ عيسى بن محمد بن عبد الله الصفوي الإيجي (٦)، ذكرها سيد كسروي حسن في أسماء كتب المؤلفين (٣/ ٢٦٢)، ومحققا تشنيف المسامع (١/ ٤١).

стр. 110

٧ - حاشية الشيخ عميرة شهاب الدين أحمد البرلسي الشافعي (١) من علماء القرن العاشر الهجري، توجد منها نسخة خطية في المكتبة الأزهرية محفوظة برقم ١٥٦٣ جوهري ٤١٨٤٢. ٨ - حاشية الشيخ ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن حسن اللقاني المالكي (٢)، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ٧٧)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٦٧)، توجد منها نسخة خطية في مخطوطات المسجد الأقصى تحت رقم ٩٦ وتقع في ٢٢٢ ورقة، مطبوعة بمطبعة التمدن سنة ١٣٣٢هـ (٣) وتوجد منها نسختين في دار الكتب المصرية تحت الأرقام ١٣٧، ٢٠٢. ٩ - حاشية الشيخ علي بن أحمد البخاري الشعراني (٤)، توجد منها نسخة خطية في الرباط مسجلة تحت رقم ٣١٧٥: ٢٢٢٩ د (٥). ١٠ - حاشية العلامة أحمد بن قاسم العبادي المتوفى سنة ٩٩٤هـ، انتدب فيها لرد الاعتراضات ... والإيرادات الواردة على ((جمع الجوامع)) وشرحه للمحلي، وسماها ((الآيات البينات على اندفاع أو فساد ما وَقَفت ُعليه مما أُورِد على جمع الجوامع وشرحه للمحقق المحلي من الاعتراضات)) (٦)، وهذه الحاشية العظيمة مطبوعة عدّة طبعات منها طبعة في أربعة مجلدات بدار الكتب العلمية سنة ١٤١٧هـ ١٩٩٦م. ١١ - حاشية الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن يوسف الفاسي (٧). ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ٩٢). ١٢ - حاشية الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن يعقوب الولالي (٨)، ذكرها المراغي في طبقات الأصوليين (٣/ ١٢٣).
следующие страницы →