المبحث الثالث
البعد الاجتهادي لمسألة «تأثير تعليل النص على دلالته»
وهو في مطلبين:
المطلب الأول: كيفية نظر المجتهد إلى النص الشرعي بناءً على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
المطلب الثاني: الثمرة الأصولية المترتبة على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
стр. 72
المطلب الأول
كيفية نظر المجتهد إلى النص الشرعي بناءً على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
عندما ينظر المجتهد في النص الشرعي القابل للتأويل ليستنبط منه حكمًا من الأحكام، فإن نظره يدور بين ثلاثة أقطاب لهذا النص:
القطب الأول: المعنى الظاهر للنص، وهو الراجح الذي تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي، كدلالة العام على العموم أو المطلق على الإطلاق أو الخاص على الحقيقة.
القطب الثاني: علة النص، سواء أكانت منصوصة أو اجتُهد في استنباطها.
القطب الثالث: المعنى المؤول للنص، وهو المرجوح الذي يحتمل أن تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي كدلالة العام على الخاص أو المطلق على المقيد أو الخاص على المجاز.
فإذا نظر المجتهد نظر متفحص في هذه الأقطاب الثلاثة فإنه يتحصل على جملة من الظنون لا يتسنى له استنباط الحكم منها إلا بعد أن يجمع بين هذه الظنون ويوفق بينها بحيث يخرج بعد ذلك بظن غالب على حكم من الأحكام.
وهذه الظنون هي:
الظن الأول: ظن المعنى الظاهر، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإن كان عامًا عُمّم الحكم، وإن كان مطلقًا أُطلق وإن كان لفظًا حقيقيًا فهو المراد دون المجاز.
стр. 73
وهذا الظن من اسمه ظاهر، أي قوي، لذلك فهو أول ظن يقع اعتبار المجتهد له.
الظن الثاني: ظن العلة، ومقتضى هذا الظن أن يثبت الحكم في جميع المحال التي تتحقق فيها العلة، وأن ينتفي عن جميع المحال التي لا تتحقق فيها.
وهذا الظن في القوة على درجات، وهو ثاني ظن يقع اعتبار المجتهد له، فإن انسجم واتفق هذا الظن مع ظن المعنى الظاهر في الدلالة على حكم ما قضى المجتهد بهذا الحكم واكتفى بذلك وإلا اضطر إلى النظر إلى:
الظن الثالث: وهو ظن المعنى المؤول، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإذا كان خاصًا خُصّص الحكم وإن كان ظاهر النص العموم، وإذا كان مقيدًا قُيّد الحكم وإن كان ظاهر النص الإطلاق وإذا كان مجازًا فهو المراد دون المعنى الحقيقي.
وهذا الظن - من حيث الأصل - ضعيف ولذا فهو آخر ما يقع اعتبار المجتهد له.
هذه هي الظنون الثلاث التي تتحصل لدى المجتهد عند نظره في نص شرعي قابل للتأويل.
فأما ظن المعنى الظاهر، وظن المعنى المؤول فهما ظنان متعاكسان متضادان إذا قوي أحدهما ضعف الآخر وإذا ضعف أحدهما قوي الآخر.
وأما ظن العلة فله مع ظنّيِ المعنى الظاهر والمؤول حالات ثلاث:
الأولى: أن لا يؤثر على كل من الظنين، وذلك كإذا لم تعرف علة النص بأن لم يوقف عليها بمسلك صحيح وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بما يقتضيه ظاهر النص لأنه هو الظن الأقوى.
стр. 74
الثانية: أن يزيد في قوة المعنى الظاهر بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، وفي هذه الحالة أيضًا يحكم المجتهد - ولكن بمزيد من الثقة - بما يقتضيه ظاهر النص.
الثالثة: أن يزيد في قوة المعنى المؤول بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى المعنى المؤول للنص، وهذا بالضرورة يقتضي تعارض مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، لأن المعنى المؤول والمعنى الظاهر متضادان فموافقة أحدهما تعني بالضرورة مضادة الآخر.
وهذه الحالة يتفرع عنها بحسب التقسيم المنطقي ثلاث حالات:
الأولى: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول حتى يصيرا بمجموعهما أقوى من ظن المعنى الظاهر، وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى المؤول للنص.
الثانية: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول ولكن بحيث يظل - في نظر المجتهد - ظن المعنى الظاهر أقوى من مجموعهما وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى الظاهر.
الثالثة: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول بحيث يساويان ظن المعنى الظاهر وفي هذه الحالة: إما أن يُقال بالتوقف وطلب الدليل من خارج، وإما أن يُقال: نحكم بالظاهر لأنه هو المتبادر.
стр. 75
المطلب الثاني
الثمرة الأصولية المترتبة على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
سبق القول بأن التعليل: إما أن يقوي المعنى الظاهر، وإما أن يقوي المعنى المؤول. فإذا كان النص مشتركًا فهو قد يرجح أحد معانيه على الآخر.
فإذا قوّى التعليل المعنى الظاهر للنص فلذلك فائدتان:
الأولى: عصمة الظاهر من التأويل لاسيما إذا أفضى التعليل إلى جعل الظاهر «نصا» أي قاطعًا في الدلالة على معناه.
الثانية: عند تعارض ظاهرين أحدهما تأيد بالتعليل والآخر لم يتأيد يقدم الذي تأيد بالتعليل على الآخر.
وقريب في الدلالة على هذا قول إمام الحرمين في كتاب الترجيحات من البرهان: «إذا تعارض ظاهران وفي أحدهما ما يقتضي التعليل في صيغة التعميم فهو مرجّح على العام الذي عارضه وليس فيه اقتضاء التعليل والسبب فيه أن التعليل في صيغة العموم من أقوى الدلالات على ظهور قصد التعميم حتى ذهب ذاهبون إلى أنه نص ممتنع تخصيصه، فإن قُدِّر نصًا فلا شك في تقديمه على الظاهر المعرض للتأويل» (١).
وإذا قوى التعليل المعنى المؤول للنصّ أو رجَّح أحد معاني المشترك ففائدة ذلك عظيمة، وهي تكمن في الكشف عن مراد الشارع من النص وبالتالي تحديد الحكم الشرعي الملائم لإرادة الشارع هذه، وفي ذلك أمان من الخطأ في تقرير الأحكام الشرعية وأمان من الخطأ في اتباع ظاهر النص مع أنه ليس بمراد قال ابن برهان، ﵀، في شأن «التأويل» «هو أنفع كتب الأصول وأجلها» (٢).
стр. 76
الفصل الثاني
«أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم
وهو في مبحثين:
المبحث الأول: «أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة إبان العهد النبوي
المبحث الثاني: «أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة بعد العهد النبوي
стр. 77
المبحث الأول
«أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة إبّان العهد النبوي
تكتسب اجتهادات الصحابة إبان العهد النبوي مزية كبيرة على غيرها من الاجتهادات، وذلك لأنها فضلًا عن كونها اجتهادات صدرت عن خير القرون علمًا وورعًا وذكاءً فإنها لقيت إجازة الشرع لها متمثلة في إقرار النبي ﷺ أصحابه على فعلها من حيث مبدأ الاجتهاد في حضرته ﷺ أولًا ومن حيث طريقة هذا الاجتهاد ونتيجته ثانيًا.
وبناءً على هذا يمكن القول بأن ما سيرد فيما يلي من الأمثلة على اجتهادات الصحابة المبنية على تأثير تعليل النص على دلالته - يُعدّ بحق أحدَ أعظم الأسس التي يستند إليها القول بتعليل الأحكام بشكل عام، وبتأثير تعليل النص على دلالته بشكل خاص.
المثال الأول: حديث الصلاة في بني قريظة:
عن ابن عمر ﵄ قال: "قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلّي لم يُرد منا ذلك فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم" (١).
стр. 78
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «قال السهيلي (١) وغيره: في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه» (٢).
وقال ابن القيم ﵀: «وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلًا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس» (٣).
حاصل اجتهاد الصحابة الذي صلوا في الطريق أنه تخصيص لعموم النص بالعلة، وذلك أن قوله ﷺ : "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" نهي يعم جميع المخاطبين به في جميع الأحوال، سواء خِيف فوات وقت الصلاة أم لا، ولكن بعد أن وقف الصحابة على علة هذا النهي خصصوا بها هذا العموم فأخرجوا منه حالة ما إذا خشي فوات الوقت، فكأن النهي بعد فهم العلة صار كالتالي: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة إلا أن يخشى فوات الوقت.
стр. 79
ومن ثم أقر النبي ﷺ أصحابه على هذا الاجتهاد فكان دليلًا على جواز أن يستنبط من النص معنى يخصصه كما قاله السهيلي ﵀.
لكن بقي هاهنا إشكال، وهو أن هذا الحديث وإن كان دالًا على مشروعية اتباع العلل والمعاني وإن خالفت ظاهر اللفظ، فإنه دال في الوقت نفسه على مشروعية اتباع الظاهر وإن عارضته العلة وقد سبق بيان أن المجتهد حين نظره إلى النص ينبغي أن لا يُغفل الظن الحاصل من العلة ويقتصر على الظاهر فحسب (١) لاسيما إذا كانت العلة واضحة وجلية كما هو الشأن في هذا الحديث.
فهل في هذا الحديث دليل على جواز اتباع الظاهر بإطلاق كما يفعله الظاهرية؟
والجواب على هذا الإشكال هو أنه قد سبق أيضًا بيان أن ظاهر النص وإن كان لا يتبع بإطلاق إلا إنه يتبع في حالات وهي:
١ - إذا توافق مقتضاه مع مقتضى العلة.
٢ - إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان مقتضاه أقوى من مقتضى العلة.
٣ - إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان مقتضاه مساويًا لمقتضى العلة.
٤ - إذا خفيت علة النص ولم يمكن الوقوف عليها.
ويترك الظاهر بسبب التعليل في حالة واحدة فقط وهي: إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان الظن الحاصل من العلة أقوى من الظن الحاصل من ظاهر اللفظ مع احتمال اللفظ للتأويل (٢).
стр. 80
وبناءً على هذا التفصيل يمكن تخريج اجتهاد الصحابة الذين أخروا الصلاة - كما هو في الواقع - ليكون مندرجًا ضمن الحالات التي يتبع فيها الظاهر، وذلك بأن يقال:
إن الصحابة المؤخرين للصلاة إذ اتبعوا الظاهر فإنهم ظنوه مقصودًا للشارع، وتأيد ظنهم هذا بأن النبي ﷺ يعلم الطريق إلى بني قريظة وقدْرَ ما يستغرق قطعُها من الوقت ومستبعدٌ أن يغيب عن خاطره ﷺ أنه سيفوتهم وقت العصر، فلو كان مقصوده أن يصلوا في الطريق لنبَّه على ذلك واستدرك قائلًا: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة إلا أن يخشى فوات الوقت، وعليه فالظن بأن الظاهر مقصود للشارع كان عند هؤلاء الصحابة أقوى من ظن العلة وبناءً على ذلك ساروا وراءه.
فسيرهم هذا وراء الظاهر لم يكن نتيجة إهمال للعلة مطلقًا كما يفعله الظاهرية، وإنما لأنهم رأوا أن العلة - وهي محل لاختلاف الرُّؤا - لم تبلغ من القوة بحيث تقضي على ظاهر اللفظ، هذا وجه في التخريج ووجه آخر لعله أصح:
أن الصحابة المؤخرين للصلاة إذ اتبعوا الظاهر فإنهم قد التفتوا إلى العلة فتأيد لديهم ظاهر اللفظ بموافقته لمقتضى العلة ووجه ذلك: أن النزول للوضوء في الطريق ومن ثم الصلاة يتطلب قدْرًا لا بأس به من الوقت، وهذا تأخير ينافي «الإسراع» الذي هو علة النص، وبهذا يكون مقتضى العلة من هذا الوجه يوجب تأخير الصلاة وعدم أدائها في الطريق كما يوجب ذلك ظاهر اللفظ.
وإذن، ونظرًا لالتفات هؤلاء الصحابة إلى العلة فليس في هذا الحديث دلالة على جواز إهمال العلة واتباع ظاهر اللفظ مطلقًا كما هو دأب الظاهرية.
стр. 81
فإن قيل: فإذا كان الصحابة المؤخرين للصلاة وكذا المقدمين لها قد التفتوا جميعًا إلى العلة فلماذا اختلفت نتيجة اجتهاديهما؟
فالجواب هو أن الفريقين جميعًا وإن التفتوا إلى العلة إلا أنهم لم يلتفتوا إليها بالقدر نفسه، بل كان التفات المؤخرين للصلاة إلى العلة أعمق وأقوى حيث إنهم أبوا أن يفوتوا «الإسراع» الذي هو علة النص ولو بأداء الصلاة، أما الآخرون فإنهم وإن التفتوا إلى العلة إلا أنهم اكتفوا تلبية لمقتضاها بسرعة النهوض والذهاب إلى بني قريظة من غير تشاغل بشيء ورأوا أن ذلك فقط هو مقصود النبي ﷺ من قوله، ولم تصل بهم نظرتهم إلى العلة إلى درجة أن يعتبروا الإسراع مطلوبًا أثناء الطريق إلى القدر الذي ينبغي أن تترك من أجله الصلاة على الرغم من أهميتها وضرورتها وهذا ظاهر في قولهم «بل نصلي لم يرد من ذلك» أي أراد منا الإسراع لكن لا إلى درجة ترك الصلاة، وبناء على ذلك صلوا في الطريق وإن كان ذلك مخالفًا لظاهر اللفظ.
هذا ولما كان في هذا الحديث حجة قوية على جواز اتباع مقتضى العلة وإن عارض مقتضى اللفظ فقد تلبَّك ابن حزم، ﵀، في الإجابة عنه وذكر في تزييف دلاله هذا الحديث على ذلك جوابًا ضعيفًا وهو: «أنه قد كان تقدم من رسول اللَّه ﷺ أمر في وقت العصر أنه مذ يزيد ظل الشيء على مثله إلى أن تصفر الشمس، وأنّ مؤخّرها إلى الصفرة بغير عذر يفعل فعل المنافقين، فاقترن على الصحابة في ذلك أمران واردان، واجب أن يُغلَّب أحدهما على الآخر ضرورة، فأخذت إحدى الطائفتين بالأمر المتقدم، وأخذت الأخرى بالأمر المتأخر» (١).
стр. 82
وحاصل هذا الجواب أن اختلاف الصحابة في هذه الواقعة لم يكن بسبب اتباع العلة أو اتباع الظاهر وإنما بسبب تعارض الأوامر الشرعية: أحدها وهو المتقدم يوجب أن تؤدى صلاة العصر في وقتها، والآخر وهو المتأخر يوجب أن تؤدى الصلاة في بني قريظة بغض النظر عن وقت الأداء.
والخلاف الناشئ بسبب تعارض النصوص يجيزه ابن حزم ولا يُحرِّجُ فيه بخلاف الناشئ عن اتباع العلل (١).
ولا يخفى تكلف هذا الجواب على ذي نظر، إذ على فرض تسليم التعارض بين الأوامر كما يدعيه ابن حزم ﵀، فإن المتعارضيْن عام متقدم وخاص متأخر: عام يأمر بالمحافظة على صلاة العصر بشكل عام وأدائها في وقتها، وخاص ينهى عن صلاة عصر معينة في يوم معين لأناس معينين، ومن المحال على الصحابة وهم أفقه هذه الأمة وأعلمها أن يقدِّموا العام المتقدم على الخاص المتأخر لاسيما وقد تعاضدت أقوال الأصوليين - حتى ابن حزم - على أن الخاص المتأخر يقضي على الخاص المتقدم (٢) فكيف لا يقضي على العام الذي هو أضعف دلالة.
وما مَثَلُ من قدم العام المتقدم على الخاص المتأخر إلا كمثل سيد قال لغلامه: لا تُدْخل أحدًا عليَّ ثم جاءه بعد حين وقال له: إذا جاء زيد فأدخله، فجاء زيد فلم يسمح له الغلام بالدخول فلما وصل الأمر إلى السيد قال لغلامه: لِمَ لمْ تسمح له بالدخول وقد أمرتك بإدخاله فقال الغلام مجيبًا: إنه قد سبق منك أمر لي بعدم إدخال أحد وعلى هذا الأمر اعتمدت فقدمته على أمرك المتأخر فهل تستقيم عند ذوي العقول حجة هذا الغلام؟
стр. 83
والقول بأن اجتهاد الصحابة الذين صلوا في الطريق كان اعتمادًا على العام المتقدم ما هو إلا تشبيه لاجتهادهم هذا باجتهاد هذا الغلام.
وفي هذا من التسفيه والتجهيل لهم - رضوان اللَّه عليهم بأبسط قواعد الاجتهاد ـ بل التفكير المنطقي ـ ما فيه؟ فحاشاهم إياه.
نعم، لا يمكن إنكار أن الصحابة نظروا إلى العام المتقدم الآمر بأداء الصلاة على وقتها، لكنّ هذا لم يكن إلا بعد أن صرفوا النهي الخاص المتأخر عن ظاهره بالتعليل، وهذا هو المقصود من إيراد هذا الحديث، وذلك بين لائح - لو تأمّل ابن حزم - من قولهم في دفع النهي المتأخر «لم يرد منا ذلك» واللَّه أعلم.
المثال الثاني: حديث الفطر في السفر:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلًا، فقال النبي ﷺ : إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" قال أبو سعيد: "فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، فنزلنا منزلًا فقال رسول اللَّه ﷺ : إنكم مصبّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" قال أبو سعيد: "فكانت عزمة فأفطروا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك في السفر" (١).
وجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة: أن النبي ﷺ أمر أصحابه بالفطر وذلك في قوله: "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" ولم يفهم الصحابة رضوان اللَّه عليهم من هذا الأمر أنه يدل على وجوب الفطر أو حتى ندبيته كما هو الظاهر من الأوامر في العادة بل
стр. 84
فهموا أنه خرج مخرج الترخيص والتيسير، ولذا قال أبو سعيد ﵁ "فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر" أي منا من جرى مع ظاهر الأمر فأفطر ومنا من نظر إلى علة الأمر فصام، وكل على صواب إن شاء اللَّه بإقرار النبي ﷺ لهم لأنه كان بين ظهرانيهم ومستبعد أن لم يكن قد اطلع عليهم.
وفي المرة الثانية لم يدع النبي ﷺ مجالًا للاجتهاد فجزم الأمر بالفطر فكان ذلك - كما قال أبو سعيد - «عزمة» فأطاعوا.
المثال الثالث: حديث النهي عن الوصال في الصوم (١):
عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال النبي ﷺ : لا تواصلوا" وفي رواية "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال في الصوم قالوا: إنك تواصل: قال: إني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فلم ينتهوا عن الوصال" قال: "فواصل بهم النبي ﷺ يومين أو ليلتين ثم رأوا الهلال، فقال النبي ﷺ : لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكي لهم" (٢).
وجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة هو أن مقتضى قول النبي ﷺ لأصحابه: "لا تواصلوا" هو أن يمتنعوا عن الوصال وجوبًا أو ندبًا تمشيًا مع ظاهر النهي وهذا ما لم يحدث، إذ إن الصحابة لم يلتفتوا إلى ظاهر هذا النهي حتى نظروا في علته فلما وجدوه خرج مخرج الرفق بهم والرحمة لهم، كما صرحت بذلك السيدة عائشة ﵂ في روايتها للحديث
стр. 85
إذ قالت: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال رحمةً لهم" (١)، عارضوا يهذه العلة ظاهر النهي فحملوا النهي على وجه الترخيص وأخذوا هم بالعزيمة "فلم ينتهوا عن الوصال" كما قال أبو هريرة ﵁.
وهذا التخريج لفعل الصحابة متعين إذ لا يُظن بهم رضوان اللَّه عليهم عصيان أمر النبي ﷺ مع ما كانوا عليه من كمال الطاعة وسرعة الامتثال، ولو اقتضى ذلك زهوق أرواحهم ونفاد أموالهم.
قال الشاطبي ﵀: «واصل ﵊ وواصل السلف مع علمهم بالنهي، تحقُّقا بأن مغزى النهي الرفق والرحمة، لا أن مقصود النهي عدم إيقاع الصوم ولا تقليله» (٢).
وقال أيضًا «قد واصل ﵊ بأصحابه حين نهاهم فلم ينتهوا، وفي هذا أمران إذا أخذنا بظاهر النهي:
أحدهما: أنه نهاهم فلم ينتهوا، فلو كان المقصود من النهي ظاهره لكانوا عاندوا نهيه بالمخالفة مشافهة وقابلوه بالعصيان صراحًا، وفي هذا القول ما فيه.
والآخر: أنه واصل بهم حين لم يمتثلوا نهيه، ولو كان النهي على ظاهره لكان تناقضًا وحاشى لله من ذلك، وإنما كان ذلك النهي للرفق بهم خاصة وإبقاء عليهم فلما لم يسامحوا أنفسهم بالراحة وطلبوا فضيلة احتمال التعب في مرضاة اللَّه أراد ﵊ أن يريهم بالفعل ما نهاهم لأجله وهو دخول المشقة حتى يعلموا أن نهيه ﵊ هو الرفق بهم والأخلق بالضعفاء الذين لا يصبرون على احتمال اللأواء في مرضاة ربهم» (٣).
стр. 86
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن علماء السلف قد اختلفوا في حكم الوصال على قولين:
الأول: مشروعية الوصال واستحبابه لمن لم يشق عليه وحرمته على من شق عليه وعليه جماعة من الصحابة والتابعين إذ كان عبد اللَّه بن الزبير ﵁ يواصل خمسة عشر يومًا (١).
قال الحافظ ابن حجر «ومن حجتهم .... أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله فعُلم أنه أراد بالنهي الرحمة بهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه، وسيأتي نظير ذلك في صيام الدهر. فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقه أهل الكتاب ولا رغب عن السنة لم يُمنع من الوصال» (٢).
والقول الثاني: عدم مشروعية الوصال والمنع منه إما كراهة وإما تحريمًا وحجة أصحاب هذا القول صريح النهي عن الوصال، فهؤلاء مشوا مع ظاهر النهي فقالوا بحرمة الوصال أو كراهته لكل أحد شق عليه ذلك أم لم يشق، وأصحاب القول الأول جمعوا بين النهي وعلته فحملوا النهي على من يشق عليه الوصال، أما من لم يشق عليه ذلك فأخرجوه عن عموم النهي بالعلة، فتحصل أن اجتهادهم إنما هو تخصيص لعموم النص بالعلة المستنبطة منه، وقد أقر النبي ﷺ هذا الاجتهاد حين واصل بأصحابه أيّامًا بعد النهي ودلَّ هذا على صحة الوصال لأنه لو كان معصية لما واصل بهم النبي ﷺ ، أما قول أبي هريرة ﵁ «كالمنكي لهم» فهو يعني أنه أراد أن يريهم وجه نهيه عن الوصال وهو خشية دخول المشقة عليهم حتى يتبين لهم بالتجربة العملية أن من لا يقوى
стр. 87
على مثل هذا الوصال فأحرى به أن يأخذ بالرخصة فإن ذلك أفضل له كما سبق أن قرره الشاطبي ﵀.
المثال الرابع: حديث الأمر بالتحلل بعد صلح الحديبية:
عن المسور بن مخرمة ﵁ في قصة صلح الحديبية قال: "فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا قال: فواللَّه ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا .... الحديث" (١).
ووجه تأثير «تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم لم يمتثلوا الأمر، فاحتمل ذلك سببين:
أحدهما: أن يكون عدم امتثالهم عصيانا ومعاندة حاشاهم من ذلك مع ما عرفوا به من سرعة الامتثال وحب النبي ﷺ وطاعته.
والثاني: أن يكون قد حصل لهم اجتهاد في مورد الأمر بحيث لم يحملوه على ظاهره وإنما حملوه على الترخيص والتيسير وأن العزيمة هي الاستمرار على الإحرام، وترجح لديهم هذا التعليل بفعل النبي ﷺ حيث استمر على إحرامه ولم يتحلل.
وعلى ذلك فحالهم هاهنا كما هي عندما نهاهم عن الوصال حيث ترجح لديهم أن الوصال عزيمة بسبب وصال النبي ﷺ .
стр. 88
قال الحافظ ﵀: «قوله «قالت أم سلمة يا نبي اللَّه أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم» يحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم وأنه هو يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال وعَرف النبي صواب ما أشارت إليه ففعله فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به إذ لم يبقَ بعد ذلك غاية تنتظر» (١).
وفي إقرار النبي ﷺ أصحابه على هذا الاجتهاد إذ إنه لم يوبخهم عليه ولم يعاقبهم أو يعاتبهم ولم ينقل عنه شيء من ذلك دليل على صحة «تأثير تعليل النص على دلالته» وجواز ذلك واللَّه أعلم.
المثال الخامس: حديث إمامة أبي بكر وتأخره:
عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأُقيم قال: نعم فصلى أبو بكر فجاء رسول اللَّه ﷺ والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول اللَّه ﷺ فأشار إليه رسول اللَّه ﷺ أن امكث مكانك - وفي رواية "فأشار إليه يأمره أن يصلي" - فرفع أبو بكر ﵁ يديه فحمد اللَّه على ما أمره به رسول اللَّه ﷺ من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول اللَّه ﷺ فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : ما لي
стр. 89
رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابه شيءٌ في صلاته فليسبِّح، فإنه إذا سَبَّح التُفت إليه، وإنما التصفيق للنساء" (١).
وجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر أبا بكر بالثبوت في مكانه، فكان مقتضى ظاهر الأمر أن يبقى أبو بكر في مكانه من غير استئخار، لكن هذا ما لم يكن، وذلك أن أبا بكر ﵁ نظر إلى علة أمر النبي ﷺ له بالثبوت فوجد أن الأمر لم يخرج مخرج الإلزام كما هو الظاهر من الأمر في المعتاد، وإنما خرج مخرج الإكرام فلما كان كذلك رأى ﵁ أن سلوك الأدب في مثل هذه الحال أولى من امتثال الأمر فاستأخر مع أمر النبي ﷺ له بالثبوت.
والتكييف الأصولي لاجتهاد أبي بكر ﵁ في هذه الواقعة يشتمل على نظرين ترتب أحدهما على الآخر:
الأول: النظر في علة الأمر، وهذا أدى بأبي بكر ﵁ إلى صرفه من الوجوب أو الندب إلى الإباحة.
والثاني: النظر في هذا المباح هل هناك ما هو أولى منه؟ فكم من مباح لا يفعله المرء لانشغاله بما هو أولى منه، وهاهنا كان سلوك الأدب بالاستئخار أولى من فعل المباح الذي هو الثبوت في المكان، وعلى أية حال، فإقرار النبي ﷺ أبا بكر على هذا الاجتهاد دليل على صحة تأثير تعليل النص على دلالته وجواز ذلك.
المثال السادس: حديث علي في رفضه محو الصحيفة:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: "لما صالح رسول اللَّه ﷺ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليه بينهم كتابًا، فكتب: «محمد رسول
стр. 90
اللَّه» فقال المشركون: لا تكتب «محمد رسول اللَّه» لو كنت رسولًا لم نقاتلك فقال لعلي: امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول اللَّه ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام. ولا يدخلوها إلا بجُلُبَّان السلاح فسألوه: ما جلبّان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه" (١).
ووجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة أن عليًا ﵁ بما احتف بأمر النبي ﷺ له بمحو الاسم من قرائن لم يره خرج مخرج الإلزام، وإنما خرج مخرج المداراة والمسايسة وإظهار التساهل، لأن القائد قد يُظهر التساهل في الصلح لرغبة منه في تتميمه وهذا قد يؤدي به إلى التنازل عن بعض الحقوق، والذي ينبغي على الأفراد حينئذ إظهار الصلابة والشدة وعدم التساهل حتى لا يطمع طرف الصلح الآخر بأكثر مما نال، وهذا ما فعله عليّ ﵁ في امتناعه عن محو اسم النبي ﷺ مع أمره له بذلك، وقد أقره النبي ﷺ على ذلك ولم يعنفه ولو كان إحجامه عن امتثال الأمر عصيانًا - حاشاه ذلك - لبيَّنه له النبي ﷺ وأنكره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قال السرخسي في أصوله مبينًا وجه امتناع علي ﵁ عن امتثال أمر النبي ﷺ : «إنّه أبى أن يمحو ذلك تعظيمًا لرسول اللَّه ﷺ وهو العزيمة، وقد علم أن رسول اللَّه ما قصد بما أمر إلا تتميم الصلح لما رأى فيه من الحظ للمسلمين بفراغ قلوبهم، ولو علم علي أن ذلك كان أمرًا بطريق الإلزام لمحاه من ساعته، ألا ترى أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : "إنك ستبعثني في أمر أفأكون فيه كالسِّكَّة
стр. 91
المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: "بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (١). فبهذا تبين أنه عرف بأن ذلك الأمر منه لم يكن إلزامًا ورأى إظهار الصلابة في الدين بمحضر من المشركين عزيمةً فتمسك به، ثم الرغبة في ا لصلح مندوبٌ إليه الإمام بشرط أن يكون فيه منفعة للمسلمين، وتمام هذه المنفعة في أن يُظهر المسلمون القوة والشدة في ذلك ليعلم العدو أنهم لا يرغبون في الصلح لضعفهم فلأجل هذا فعل علي ﵁ عنه ما فعله» (٢).
والتكييف الدقيق لاجتهاد علي ﵁ في هذه الواقعة يشتمل على نظرين، ترتب أحدهما على الآخر، كما هي الحال في اجتهاد أبي بكر ﵁ في الحديث السابق وهما:
الأول: النظر إلى علة الأمر، وبهذا النظر تبين لعليّ ﵁ أن الأمر لم يُرد به ظاهره من الإلزام.
الثاني: النظر فيما هو الأولى، هل هو الإتيان بمقتضى الأمر مع عدم لزومه أم شيء آخر؟
وهاهنا رأى ﵁ أن الأفضل هو عدم التزام الأمر لوجهين:
أحدهما: لما في ذلك من سلوك الأدب مع رسول اللَّه ﷺ وتعظيمه.
стр. 92
والثاني: لما في ذلك من إظهار الصلابة والشدة في الدين أمام أعين المشركين.
واللَّه أعلم.
المثال السابع: حديث عمرو بن العاص في تيممه من الجنابة بحضور الماء:
عن عمرو بن العاص ﵁ قال: "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت اللَّه يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسول اللَّه ﷺ ولم يقل شيئًا" (١).
وجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة: أن النص الذي جاء بمشروعية التيمم دلّ بظاهره على أن التيمم لا يشرع لواجد الماء إلا المريض، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا … ﴾ [النساء: ٤٣]، فالآية تنص صراحة على أنه يشترط في صحة التيمم عدم وجود الماء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وعليه، فإنّ التيمم عند وجدان الماء - بناء على ظاهر النص - باطل بالاستناد إلى أمرين:
أحدهما: المفهوم المخالف للقيد ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ بحيث يصير المعنى فإن وجدتم ماءً فلا تتيمّموا.
стр. 93
والثاني: حكم النفي الأصلي، وهذا إذا لم يكن المفهوم المخالف حجة كما هو رأي جمع من الأصوليين (١)، لأن الأصل في العبادات أنها لا تشرع إلا بدليل والمنصوص عليه في الآية هو وجوب التيمم عند عدم وجدان الماء أما التيمم عند وجدان الماء فهذه حالة لا يتعرض لها النص - إذا أُلغي المفهوم المخالف - بالنفي أو الإثبات، فتبقى على حكم النفي الأصلي والذي يقضي بعدم إجزاء التيمم في هذه الحالة لأن العبادة لا تشرع إلا بدليل أو لأن الأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
فما الذي فعله عمرو؟ إنه خرج عن هذا الظاهر وألحق حالة الخوف من الهلاك عند استعمال الماء بحالة فقد الماء أو المرض بعلة ظاهرة وهي: أن التيمم إنما شرع دفعًا للحرج عند فقد الماء أو عند المرض والحرج موجودٌ أيضًا في حالة الخوف من الهلاك عند استعمال الماء فتُلحق هذه الحالة بما نُصَّ عليه من الحالات لاشتراك الجميع في العلة وهي وجود الحرج في كلٍّ.
فاجتهاده هذا تضمن تعميم الحكم لعموم علة النص، بحيث أصبح التيمم مشروعًا في كل حالة يلحق الحرج صاحبها إذا استعمل الماء سواء نُصّ على هذه الحالة في الآية أم لم يُنصّ.
وبهذا يكون عمرو قد أبطل المفهوم المخالف للقيد ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وكذا أبطل حكم النفي الأصلي - وهي أدلة ظاهرة لا قاطعة - بالتعليل.
وقد أقرّه النبي ﷺ على هذا الاجتهاد فكان حجة على صحة عود التعليل على حكم النص بالتعميم أو - بعبارة أخرى - حجة على مشروعية القياس وإن عارضه المفهوم المخالف للنص.
стр. 94
فإن قيل: إذا كان مستند عمرو ﵁ في اجتهاده هو ما ذُكر من نظره إلى علة مشروعية التيمم وهي دفع الحرج فما وجه استدلاله على ما صنع بالآية ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
فالجواب أن عمرًا ﵁ استدل بالآية على عدم جواز إلقاء النفس بالتهلكة، وبالتالي على عدم جواز الوضوء بالماء البارد إذا كان مؤداه إلى الهلاك، أما وجوب التيمم في مثل هذه الحالة فإن الآية لا تدل عليه من قريب ولا بعيد، لأنها لا تقضي إلا بعدم لزوم استعمال الماء إذا كان استعماله مفضيًا إلى الهلاك، أما لزوم استعمال التراب في مثل هذه الحالة فمأخذه ما ذُكر من القياس على باقي الحالات التي شرع عندها التيمم كالمرض وفقد الماء للاشتراك في نفس العلة.
فكأن عمرًا استدلّ بالآية على أن الحرج الناشئ عن استعمال الماء واجب الرفع، ورفع الحرج فيما يشبه هذه الحالة كالمرض وغيره كان - نصًا - بالتيمم، فألحق حالته بما يشبهها من الحالات ودفع الحرج عن نفسه فتيمم.
стр. 95
المبحث الثاني
«أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة بعد العهد النبوي
بعد أن مضى النبي ﷺ إلى جوار ربه سلك الصحابة رضوان اللَّه عليهم في اجتهاداتهم ذات المسلك الذي سلكوه إبان حياته ﷺ ولكن بشيء من التوسع في التعليل والرأي والنظر في مآلات الأفعال.
وقد حظيت اجتهادات الصحابة هذه - سواءٌ الطريقة التي تمت بها أو النتيجة التي وصلت إليها -باعتناء كبير من قِبَل الفقهاء والأصوليين.
فأما الفقهاء فأكثرهم على أن قول الصحابي حجة فيما لا يخالف الكتاب والسنة (١) ونسب ابن القيم هذا الرأي إلى الأئمة الأربعة وأطال في الاستدلال له في كتابه إعلام الموقعين (٢).
وقال الشاطبي ﵀: «سنة الصحابة، ﵃، سنة يعمل عليها ويرجع إليها» (٣) وقال: «إن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم وكِبَر شأنهم في الشريعة وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم» (٤).
стр. 96
وأما الأصوليون فإنهم إنما بنوا غالب أبحاثهم الأصولية بالاستناد إلى طرائق الصحابة في الاجتهاد والإفتاء حتى قال ابن رشد (١) ﵀: «كثير من المعاني الكلية الموضوعة في هذه الصناعة [يعني أصول الفقه] إنما صُحّحت بالاستقراء من فتاواهم مسألة مسألة» (٢) يعني الصحابة رضوان اللَّه عليهم.
وقال ابن خلدون «اعلم أن هذا الفن [يعني أصول الفقه] من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غُنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يُحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يُحتاج إليها في استفادة الأحكام فمنهم [أي السلف وعلى رأسهم الصحابة] أُخذ معظمها» (٣).
وتصديقًا لما قاله ابن خلدون ومن قبله ابن رشد أورد نقولًا عن بعض الأصوليين تبين اعتمادهم على اجتهادات الصحابة في تثبيت قواعدهم الأصولية.
قال الإمام الشافعي، ﵀، وهو بصدد إثبات المصالح المرسلة «من سبر أحوال الصحابة، ﵃، وهم القدوة والأسوة في النظر لم يرَ لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن» (٤).
стр. 97
وقال أبو بكر الباقلاني وهو في صدد بحث الطرد والعكس (١) هل يدلان
على العلة؟:
«معتمدنا في قاعدة القياس تأصيلًا وفيما يُردُّ ويقبل تفصيلًا ما يصح عندنا من أمر الصحابة، ﵃، فما تحققنا ردهم إياه رددناه وما تحققنا عملهم به قبلناه» (٢).
وقال أبو الحسين البصري (٣): وهو بصدد إثبات تخصيص العموم بالقياس: «والدليل على تخصيص العموم بالقياس هو أن الصحابة ﵂ اختلفت في الجد فبعضهم جعله أولى من الأخ والأخت بجميع المال وذهب في ذلك إلى قياس وخصَّ به قول اللَّه ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]» (٤).
وقال الغزالي في السبيل التي يتم الكشف من خلالها عن عادة الشارع في إجراء الأحكام.
«نحن نستدل على وقوعها بما ينقل من أفعال الصحابة واتفاقاتهم حتى إذا رأينا جمعهم يتشاورون في الوقائع ويحكمون فيها برجم الظنون فيُعلم من فعلهم أنهم فهموا ذلك من رسول اللَّه ﷺ بقرائن أحواله وتنبيهات أفعاله وأقواله المتكررة وبأنه رخّص لهم في الاجتهاد ورجم الظن، فيكون فعلهم
стр. 98
صريحًا في الدلالة على التوقيف فيجري مجرى التوقيف المنقول إذ لا فرق بين أن يَنقُل إلينا الصحابة بألفاظهم توقيفه وبين أن يعرّفونا بأفعالهم» (١).
فإذا تقرر ما سبق وبانت لنا المكانة التي تمتعت بها أقوال الصحابة واجتهاداتهم عند كل من الفقهاء والأصوليين فإنه يمكن القول بأن ما سيتم إيراده فيما يلي من أمثلة على اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم تضمنت تأثيرًا لتعليل النص على دلالته يُعدُّ أساسًا آخر، غير الذي سبق، للقول بتأثير تعليل النص على دلالته.
المثال الأول: حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات:
قضى اللَّه في كتابه بإعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، وعلى إعطائهم جرت سنة المصطفى ﷺ (٢).
ومن ثم اشتهر عن عمر ﵁ قطعُ هذا العطاء عنهم (٣). ووجه ذلك - كما يراه المحققون - أنه رأى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم زمن النبي ﷺ كان قائمًا على علة، وهي دفع أذيتهم عن المسلمين والاستعانة بهم على غيرهم ونحو ذلك، فلما أغنى اللَّه عنهم حين قويت شوكة الإسلام واشتدّ ساعد المسلمين انتفت العلة الباعثة على إعطائهم فمنع هذا العطاء (٤).
стр. 99
قال أستاذنا الدريني، حفظه اللَّه، بهذا الصدد:
«إنّ الاجتهاد بالرأي في الاستدلال من الكتاب والسنة إنما يعني الدقة في فهم النص وفي طريقة تطبيق حكمه، أو في مسالك ذلك التطبيق على ضوء من الملائمة بين ظروف الواقعة المعروضة والتي يتناولها النص، والمقصد الذي يستشرفه النص نفسُه من تطبيقه، وليس أبين على ذلك مثالًا من اجتهاد عمر ﵁ برأيه في «المؤلفة قلوبهم» فإنه بدقة ملحظه في فهم النص وأنه «معلل» أي معقول المعنى وللرأي في فهمه مجال، وأن العلة - وهي التأليف - مَظِنة للمصلحة العامة للدولة التي تقتضي هذا التأليف، أدرك أنها علة زمنية على خطر الوجود والعدم، والحكم يدور معها، فلم ينظر عمر - بثاقب فكره - إلى مجرد الحكم بل إلى غايته أيضًا، ولم يطبقه آليًا دون نظر واجتهاد، بل وازن - في ظل ظروف الدولة القائمة آنذاك - بين علة الحكم وما تنطوي عليه من مصلحة عامة نظريًا وبين ما يفضي إليه تطبيق النص في هذه الظروف عمليًا، فرأى أن المصلحة العامة لا تقتضي التأليف في ذلك الظرف فأوقف تطبيق الحكم لتخلف مقصده إذ لا عبرة بالوسائل إذا لم تحقق المقاصد» (١).
فإن قيل: مسلّمٌ أن عمر ﵁ رأى أن العلة في إعطاء المؤلفة قلوبهم لم تعد متحققة، ومن ثَم وبالبناء على ذلك منعهم، ولكن أين هذا مما جُلب المثال من أجله وهو صرف النصّ عن ظاهره بالتعليل؟ وأين هو ظاهر النص الذي أثرت عليه العلّة؟
стр. 100
وهل اجتهاد عمر ﵁ هذا إلاّ من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علّته كما قاله غير واحد من الأصوليين (١)؟
فالجواب: نعم هو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علّته، وهذا لا ينفي القول بأنه من قبيل صرف النص عن ظاهره بالتعليل أو - بعبارة أدق - من قبيل تخصيص عموم النص بالعلة المستفادة منه، إذ الأمران سِيان وإنما الخلاف في وُجهة التعبير.
وظاهر النص الذي أثّرت عليه العلة هو العموم المعنوي القاضي بأن النصوص الشرعية - ومنها آية مصارف الصدقات - عامة في الأزمان والأحوال والأماكن واجبة التطبيق في كل عصر وحال ومكان إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه. قال الزركشي ﵀: «مما عُرف بالضرورة من دينه ﵇: أن كل حكم تعلّق بأهل زمانه فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة» (٢).
فعمر ﵁ بعد وقوفه على علّة النص خصص بها هذا العموم فرأى أن تطبيق الآية خاص بحال ضعف الأمة دون حال قوتها مع أن النص - بظاهره - خالٍ عن مثل هذا القيد، مقتض لتطبيق الحكم في كافة الظروف.
ويمكن، لمزيد من التوضيح، القول بأن اجتهاد عمر ﵁ في هذه الواقعة يتحلَّل إلى خطوتين:
الأولى: استنباط علة حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقة.
الثانية: المواءمة بين مقتضى هذه العلة وبين مقتضى عموم النص في التطبيق مما أفضى به إلى تخصيصه وتقييده بحال دون أخرى وزمن دون آخر.
стр. 101
وبناء على ذلك يمكن القول بأن د. البوطي نأى عن الصواب في تكييفه اجتهاد عمر ﵁ في هذه الواقعة بأنه من قبيل: «تحقيق المناط» إذ قال: «ولقد كان اجتهاد عمر في هذا متعلّقًا بتحقيق المناط، فلقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى القمة في القوة والمنعة، سواء من الناحية المعنوية المتعلقة بسطوع حجته وبرهانه، أو من الناحية المادية المتعلقة بكثرة أهله وانتشاره.
أفلا يزال مناط حق الوافدين جديدًا إلى الإسلام في الزكاة متحققًا بعد؟ وهو كما قلنا حاجة التودد إليهم كي لا يندّوا عن الإسلام بعد أن دخلوا فيه. ومعلوم أن الاجتهاد المتعلق بتحقيق مناط الحكم لا علاقة له بأمر النص وإنما هو استجلاء لحقائق الأشياء وإدراكها على ما هي عليه لتعلق حكم شرعي بها، كاستجلاء حقيقة البلوغ في الصبي وتعيين المثلي لضمان المتلَف ولذلك قال الشاطبي: «إن الاجتهاد في تحقيق المناط لا يفتقر إلى العلم بمقاصد التشريع كما أنه لا يفتقر إلى علم العربية لأن المقصود من هذا الاجتهاد العلم بالموضوع على ما هو عليه» (١)» (٢).
والحق أن اجتهاد عمر ﵁ كما سبق بيانه - ليس هو من قبيل «تحقيق المناط» الذي هو عمل تنفيذيٌ آلي محض، فحسب، بل هو من قبيل تخريج المناط باستنباط العلة أولًا.
ومن ثم النظر في تحقيق هذا المناط المستنبط في واقع الحال ثانيًا.
وإلا كيف يمكن السماح لمن ليس عنده علم بمقاصد الشارع ولا باللغة بأن يقدم على مثل اجتهاد عمر هذا؟!.
стр. 102
المثال الثاني: جعل الدية على أهل الديوان (١) :
قضى النبي ﷺ بأن الدية على العاقلة، وهم عشيرة القاتل، وعلى ذلك جرى الأمر في عهد أبي بكر ﵁، حتى إذا جاء عهد عمر ﵁، ودون الدواوين، جعل الدية على أهل الديوان، قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: «أجمع أهل السير والعلم بالخبر أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول اللَّه ﷺ ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان» (٢)، وهذا الفعل من عمر ﵁ لم يكن نسخًا للحكم «بل هو تقرير معنى، لأن العقل كان على أهل النصرة، وقد كانت بأنواع: بالقرابة والحلف والولاء والعهد. وفي عهد عمر ﵁ قد صارت بالديوان فجعلها على أهله اتباعًا للمعنى ولهذا قالوا: لوكان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة» (٣).
إذن فاجتهاد عمر ﵁ في هذه الواقعة، كهو في «المؤلفة قلوبهم»، تعليلٌ للنص القاضي بإيجاب الدية على العاقلة بأن وجوبها عليهم كان لأجل معنى التناصر فيما بينهم.
ومن ثم تخصيص للعموم التطبيقي لهذا النص القاضي باستغراق حكم وجوب الدية على العاقلة كافة الأزمنة والأمكنة والأحوال بذلك التعليل.
стр. 103
المثال الثالث: سكنى المطلقة ثلاثًا:
عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: "طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعلْ لي رسول ﷺ سكنى ولا نفقة" (١)، وفي رواية: "قلت: يا رسول اللَّه زوجي طلقني ثلاثًا وأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت" (٢).
الآخذ بظاهر هذا الحديث يحكم - بلا بدّ - بأن المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة بعد الطلاق، وليس بضائر هذا الأخذ أن حديث فاطمة واقعة عين لأنهم أجمعوا على أن قضاء النبي ﷺ على شخصٍ أو عين يأخذ حكم العموم شرعًا من حيث شموله كافة المكلفين في كافة الأزمان. قال القاضي أبو يعلى الحنبلي ﵀: «إذا حكم ﷺ في حادثة بين نفسين كان واجبًا على كل أحد أن يُحكم عليه بمثل تلك الحادثة وهذا لا أعلم فيه خلافًا» (٣).
إذن، فالظاهر العموم إلا أن يرد دليل على التخصيص، وهو في هذه الواقعة لم يرد صراحة، إلا أن السيدة عائشة ﵂ خصصت هذا العموم بالتعليل، إذ قد روى البخاري عن عروة بن الزبير أنه قال لعائشة: "ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت. فقالت: بئسما صَنَعتْ. فقال: ألم تسمعي إلى قول فاطمة؟ فقالت: أما إنه لا خير لها في ذلك" وزاد بعضهم: "عابت عائشة ذلك أشدّ العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخِيفَ على ناحيتها فلذلك أرخص لها رسول اللَّه ﷺ " (٤).
стр. 104
إذن، فإرخاص النبي ﷺ لفاطمة بالخروج من بيت مطلِّقها كان لعلّة وقفت عليها السيدة عائشة فلم تحكم بعموم قضائه ﷺ على فاطمة بأن لا سكنى لها ولا نفقة كما هو الظاهر بل رأت أن هذا القضاء خاص بفاطمة أو بمن هي في حالتها وليس هو عامًا في جميع المطلقات ثلاثًا.
وإلى هذا الرأي الذي ذهبت إليه عائشة ذهب الجمهور من الفقهاء (١)، وهو ظاهر صنيع البخاري إذ قال: «باب المطلقة إذا خُشي عليها في مسكن زوجها أن يُقتحم عليها أو تبذوَ على أهلها بفاحشة» (٢). أي فلا سكنى لها.
المثال الرابع: فسخ الحج إلى عمرة:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ وأصحابه. قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة، قال: فقال الناس: يا رسول اللَّه قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردّوا عليه القول، فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه اللَّه؟ قال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أُتبع" (٣).
هذا الحديث هو واحدٌ من أحد عشر حديثًا صحيحًا رويت في أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة (٤) وذلك في حجة الوداع.
стр. 105
والذي يقتضيه ظاهر هذا الأمر هو وجوب فسخ الحج على من أهلّ به مفردًا في كل عصر وأوان، وهذا ما ذهب إليه جمعٌ من أهل العلم (١)، ودافع عنه ابن القيم، ﵀، حتى قال: «ونحن نشهد اللَّه علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول اللَّه ﷺ واتباعًا لأمره» (٢).
لكنَّ الجمهور من السلف والخلف على عدم الوجوب بل على عدم جواز الفسخ، وجوابهم عن الأحاديث المروية في الفسخ أنها خاصة بالصحابة رضوان اللَّه عليهم (٣).
قال أبو ذر ﵁ فيمن حج ثم فسخها بعمرة: "لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول اللَّه ﷺ " (٤).
وقال عمر ﵁: "إن اللَّه يحلُّ لرسوله ما شاء فأتمّوا الحج والعمرة كما أمركم اللَّه" (٥).
ومن ثم تتابع الخلفاء والصحابة ومن بعدهم على عدم نقض الحج إلى عمرة فعن عروة عن عائشة قالت: " … حج أبو بكر ﵁ فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر ﵁ مثل ذلك، ثم عثمان ﵁ مثل ذلك، ثم معاوية وعبد اللَّه عمر. قال عروة ثم حججت مع أبي الزبير بن
стр. 106
العوّام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم تكن عمرة ثم آخر من رأيت يفعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة … " (١).
فكيف جاز لهؤلاء كلهم أن يعرضوا عن أمر النبي ﷺ بالفسخ؟ وكيف جاز لهم أن يخصوه بالعصر الأول فحسب مع أن عموم النصوص لكل عصر وأوان مما علم من الدين بالضرورة كما قاله الزركشي ﵀ (٢)؟
الذي يظهر أنهم خصصوا هذا العموم بالتعليل، وذلك أنهم ربطوا الأمر بالفسخ بعلة كانت قائمة في العصر الأول ثم انتفت فانتفى معها الحكم، وهي أنهم كانوا في الجاهلية يرونه من أفجر الفجور أن يُعتمر في أشهر الحج فأمرهم النبي ﷺ بالفسخ إبطالًا لما قام في نفوسهم من هذا الاعتقاد، ثم لمّا زال هذا الاعتقاد من النفوس عاد الحكم إلى أصله وهو وجوب الإتمام وعدم جواز الفسخ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ لأن الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا.
قال ابن الهمام ﵀: «سبب الأمر بالفسخ ما كان إلا تقريرًا لشرْع العمرة في أشهر الحج، ما لم يكن مانع سوق الهدي، وذلك أنه كان مستعظمًا عندهم حتى كانوا يعدونها في أشهر الحج من أفجر الفجور فكَسر سَوْرة ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكارها بحملهم على فعله بأنفسهم، يدل على هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرّم صفرًا،
стр. 107
ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر (١) وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه لصبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللَّه. أي الحلّ؟ قال: الحل كلّه" (٢)» (٣).
فإذا كان ذلك كذلك كانت هذه الواقعة من أكبر المثل على تأثر ظاهر النص بعلته المستفادة منه واللَّه أعلم.
المثال الخامس: الغسل يوم الجمعة:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٤).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (٥).
وقد أخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من أهل العلم فأوجبوا الغسل يوم الجمعة (٦).
إلا أن ابن عباس ﵄ بما فقَّهههُ اللَّه في الدين وعلّمه التأويل - له رأي آخر بناه على التعليل، فقد رُوي عنه أنه "سئل عن غسل الجمعة أواجب هو؟
стр. 108
فقال: لا ولكنّه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبي ﷺ : أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا".
قال ابن عباس: "ثم جاء اللَّه بالخير ولبسوا غير الصوف وكُفوا العمل، ووُسّع المسجد" (١).
فالملاحظ في اجتهاد ابن عباس هذا أنه نظر إلى علة الأمر بالغسل، فوجدها ما يترتب على تركه من أذى الناس بعضهم بعضًا، لما كان من ضيق المسجد ولبس الصوف والعمل قبل الصلاة، ومن ثَم انتفت هذه العلة؛ لما جاء اللَّه به من الخير ولم يعد الأذى متحققًا ولو ترك الغسل، لأن الناس لا يلبسون الصوف ولا يعملون قبل الصلاة والمسجد متسع، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، فأفتى ﵁ بناءً على ذلك بعدم وجوب الغسل.
وإذن فحاصل اجتهاد ابن عباس ﵄: أنه تخصيص لعموم الأمر القاضي باستغراق الحكم كافة الأحوال بالتعليل، فمن احتمل أن يؤذي غيره برائحته أو غير ذلك وجب عليه الغسل ومن لا فلا. واللَّه أعلم.
المثال السادس: سفر المرأة بغير محرم:
روى البيهقي من طريق الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها حدثته "أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ فأُخبرت أن أبا سعيد الخدري يخبر عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحل للمرأة أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" فالتفتت عائشة وقالت: ما كلهن لها ذو محرم" (٢).
стр. 109
والظاهر من أمر عائشة ﵂ أنها اعترضت بقولها "ما كلهن لها ذو محرم" الأخذ بظاهر الحديث.
ولذا فقد روى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أذن عمر ﵁ لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف" (١).
وفي رواية عند غير البخاري "فكان عثمان يسير أمامهن وعبد الرحمن خلفهن" (٢)، وفي رواية أخرى "وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر من الشِّعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب" (٣).
قال الحافظ بن حجر: «استُدل به على جواز حج المرأة بغير محرم» (٤).
والذي فعلته عائشة وغيرها من أزواج النبي ﷺ يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهن عصين الأمر النبوي المحرِّم للسفر من غير محرم، وهذا فيه ما فيه حاشاهن من ذلك.
والثاني: أنهن تأولن الحديث كما تأوله غيرهن من العلماء بأن نظروا إلى علّة اصطحاب المحرم فإذا هي حصول الأمن، فرأوه كما يحصل بالمحرم يحصل بغيره، وعليه خصصوا عموم النهي القاضي باستغراق تحريم السفر كافة الأحوال بهذا التعليل فأخرجوا عن العموم حالة الأمن.
стр. 110
وهذا هو مذهب الإمام مالك والشافعي والأوزاعي وغيرهم من فقهاء الأمصار (١). قال ابن سيرين (٢) حين سئل عن سفر المرأة بغير محرم: «رب من ليس بذي محرم خير من محرم» (٣).
ونظير ما وقع لعائشة ﵂ وقع لابن عمر ﵁. إذ إنه وهو أحد رواة الحديث: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" (٤)، كان يردِفُ مولاة له يُقال لها «صفية» تسافر معه إلى مكة (٥).
وقال البيهقي ﵀: وروى بكير بن الأشج عن نافع: أنه كان يسافر مع ابن عمر مواليات ليس معهن ذو محرم (٦).
المثال السابع: كراهة القبلة للصائم:
عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن كان رسول اللَّه ﷺ ليقبل بعض أزواجه وهو صائم. ثم ضحكت" (٧).
دلَّ هذا الحديث بظاهره على إباحة التقبيل للصائم أيًا كان وذلك لأن ما أُبيح له ﷺ فهو مباح لأمته إلا أن يرد دليل على تخصيصه به ﷺ .