← Акыда

Акыда · id 3542

شروط لا إله إلا الله

عواد المعتق

Полный текст (51 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شُرُوط "لَا إِله إِلا الله " إعداد الدكتور/ عواد الْمُعْتق الْ مُقدمَة الْحَمد لله وَحده وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من لَا نَبِي بعده. أما بعد: فَإِنَّهُ لَا يخفى على من لَهُ أدنى علم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ مَا للشَّهَادَة من أهمية، إِذْ هِيَ دَعْوَة الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وَهِي مِفْتَاح الْإِسْلَام، وَبِاللَّهِ ثمَّ بهَا يعْصم الدَّم وَالْمَال، وبتحقيقها تحصل النجَاة من النَّار. وَحَيْثُ إِن الْبَعْض قد يفهم أَن مُجَرّد النُّطْق بهَا، أَو النُّطْق وَالْإِقْرَار بِدُونِ عمل بمقتضاها كافٍ فِي الْحُصُول على حَقِيقَة الْإِيمَان. أَو يقصر فِي بعض شُرُوطهَا ظَانّا أَن ذَلِك لَا يُؤثر فِي تحقيقها. لذا أَحْبَبْت أَن أكتب لمحة موجزة حول هَذِه الشُّرُوط تتلخص فِيمَا يَلِي: تمهيد: ويتضمن مَا يَلِي: أَولا: معنى لَا إِلَه إِلَّا الله، وتحقيقها. ثَانِيًا: مَتى ينْتَفع الْإِنْسَان بقولِهَا. ثَالِثا: أَرْكَانهَا. ثمَّ شُرُوطهَا: وَفِيه: تمهيد: فِي تَعْرِيف الشَّرْط. الشَّرْط الأول: الْعلم. الشَّرْط الثَّانِي: الْيَقِين. الشَّرْط الثَّالِث: الْإِخْلَاص. الشَّرْط الرَّابِع: الصدْق.

стр. 2

الشَّرْط الْخَامِس: الْمحبَّة. الشَّرْط السَّادِس: الانقياد. الشَّرْط السَّابِع: الْقبُول. ثمَّ ختمت الْبَحْث بِذكر بعض النتائج. وأخيراً أسأله تَعَالَى أَن يتَقَبَّل صَوَابه ويتجاوز عَن خطئه إِنَّه سميع مُجيب، وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم.

стр. 3

تمهيد يحسن قبل أَن نبين شُرُوط هَذِه الْكَلِمَة - أَن نشِير إِلَى مَعْنَاهَا، وتحقيقها وَمَتى ينْتَفع الْإِنْسَان بقولِهَا، وأركانها. ثمَّ شُرُوطهَا. أَولا: مَعْنَاهَا وتحقيقها: أما مَعْنَاهَا: فَإِن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله: هُوَ: لَا معبود بِحَق إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ. فتضمنت هَذِه الْكَلِمَة الْعَظِيمَة أَن مَا سوى الله من سَائِر المعبودات لَيْسَ بإله حق بل إِنَّه بَاطِل. وَأَن الْإِلَه الْحق إِنَّمَا هُوَ الله وَحده لَا شريك لَهُ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢. وَنَحْوهمَا من الْآيَات وَمَا صَحَّ من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا بَيَان حَقِيقَة هَذِه الْكَلِمَة من حَيْثُ مدلولها ومقتضاها. وَمِمَّا يشْهد لهَذَا الْمَعْنى: أَن النَّبِي ﷺ لما قَالَ لكفار قُرَيْش "قُولُوا

стр. 4

لَا إِلَه إِلَّا الله " قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١ ففهموا من هَذِه الْكَلِمَة أَنَّهَا تبطل عبَادَة الْأَصْنَام كلهَا وتحصر الْعِبَادَة لله وَحده. وَمثل ذَلِك قوم هود لما دعاهم هود ﵇ إِلَى قَول لَا الله إِلَّا الله قَالُوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٢ وَهَذَا هُوَ معنى لَا إِلَه إِلَّا الله. فَتبين بِهَذَا أَن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله ومقتضاها: إِفْرَاد الله بِالْعبَادَة وَترك عبَادَة مَا سواهُ، وَأَن معنى الْإِلَه هُوَ المألوه: أَي المعبود فَإِذا قَالَ العَبْد لَا إِلَه إِلَّا الله: فقد أعلن وجوب إِفْرَاد الله بِالْعبَادَة وَبطلَان عبَادَة مَا سواهُ من الْأَصْنَام والقبور والأولياء وَغَيرهم. وَبِهَذَا يبطل: مَا يَعْتَقِدهُ عباد الْقُبُور الْيَوْم وأشباههم من أَن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله: هُوَ الْإِقْرَار بِوُجُود الله، أَو أَنه هُوَ الْخَالِق الْقَادِر على الاختراع وَأَشْبَاه ذَلِك. أَو أَن مَعْنَاهَا: لَا حاكميه إِلَّا لله، ويظنون أَن من اعْتقد ذَلِك وَفسّر بِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله، فقد حقق التَّوْحِيد الْمُطلق، وَلَو فعل مَا فعل من عبَادَة غير الله كالاعتقاد بالأموات، والتقرب إِلَيْهِم بالذبائح وَالنُّذُور وَالطّواف بقبورهم والتبرك بتربهم. وَمَا شعر هَؤُلَاءِ أَن كفار الْعَرَب يشاركونهم فِي هَذَا الِاعْتِقَاد ويقرون بِأَن الله هُوَ الْخَالِق الْقَادِر على الاختراع. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٣ وَأَنَّهُمْ مَا عبدُوا غَيره إِلَّا لزعمهم أَنهم يقربونهم إِلَى الله زلفى. كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿… مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى …﴾ ٤. لَا أَنهم يخلقون وَيُرْزَقُونَ.

стр. 5

وَلَو كَانَ معنى لَا إِلَه إِلَّا الله مَا زَعمه هَؤُلَاءِ لم يكن بَين الرَّسُول ﷺ وَبَين الْمُشْركين نزاع بل كَانُوا يبادرون إِلَى إجَابَته ﷺ إِذْ يَقُول لَهُم - بزعم هَؤُلَاءِ - قُولُوا لَا الله إِلَّا الله - بِمَعْنى: لَا قَادر على الاختراع إِلَّا الله. لَكِن الْقَوْم - وهم أهل اللِّسَان الْعَرَبِيّ - فَهموا أَنهم إِذا قَالُوا لَا إِلَه إِلَّا الله: فقد أقرُّوا بِبُطْلَان عبَادَة الْأَصْنَام. وَلِهَذَا نفروا مِنْهَا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١ فعرفوا أَن لَا الله إِلَّا الله تَقْتَضِي ترك عبَادَة مَا سوى الله وإفراده بِالْعبَادَة، وَأَنَّهُمْ لَو قالوها واستمروا على عبَادَة مَا سوى الله لتناقضوا مَعَ أنفسهم. وَعباد الْقُبُور الْيَوْم لَا يأنفون من هَذَا التَّنَاقُض، فهم يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ ينقضونها بِعبَادة الْأَمْوَات والتقرب إِلَى الأضرحة بأنواع من الْعِبَادَات ٢. وَبِهَذَا يَتَّضِح أَن مَعْنَاهَا الصَّحِيح: - هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبِدَايَة - من نفي الألوهية الحقة عَمَّا سوى الله وإثباتها لله وَحده لَا شريك لَهُ. وَأما تحقيقها: فَهُوَ أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَحده بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان وَسَائِر الْجَوَارِح مَعَ نفي اسْتِحْقَاق أَي مَخْلُوق لأي نوع من أَنْوَاع الْعِبَادَة الَّتِي لَا تصح إِلَّا لله. قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تيميه " … وَبِالْجُمْلَةِ فمعنا أصلان عظيمان: أَحدهمَا: أَن لَا نعْبد إِلَّا الله. وَالثَّانِي: أَن لَا نعبده إِلَّا بِمَا شرع، لَا نعبده بِعبَادة مبتدعة. وَهَذَا الأصلان هما: تَحْقِيق شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله " ٣. ثَانِيًا: مَتى ينْتَفع الْإِنْسَان بقولِهَا: ينْتَفع الْإِنْسَان بقول لَا الله إِلَّا الله - إِذا حقق أَرْكَانهَا وشروطها - كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. وَمَات على ذَلِك لم يرتكب ناقضاً من نواقضها.

стр. 6

وَبِذَلِك يَزُول الْوَهم الَّذِي تعلق بِهِ بعض النَّاس - وَهُوَ أَن مُجَرّد التَّلَفُّظ بِهَذِهِ الْكَلِمَة يَكْفِي - أخذا بِظَاهِر بعض النُّصُوص كَقَوْلِه ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث عتْبَان "إِن الله حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي بذلك وَجه الله " ١ وَحَدِيث أنس قَالَ "إِن النَّبِي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل - قَالَ: يَا معَاذ بن جبل: قَالَ: لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك - (ثَلَاثًا) - قَالَ: "مَا من أحد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صِدقاً من قلبه إِلَّا حرمه الله على النَّار… " الحَدِيث ٢. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنهم كَانُوا مَعَ النَّبِي فِي غَزْوَة تَبُوك… الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ "أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله لَا يلقى الله بهما عبد غير شَاك فيحجب عَنهُ الْجنَّة" ٣، وأمثالها. إِذْ المُرَاد بِهَذِهِ النُّصُوص وأمثالها من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله - محققاً أَرْكَانهَا وشروطها وَمَات على ذَلِك. إِذْ الرُّكْن أساس، وَالشّرط: لَا يَصح الْمَشْرُوط لَهُ إِلَّا بِهِ، والأعمال بالخواتيم فَلَو قَالَهَا - محققاً أَرْكَانهَا وشروطها لَكِن ارْتكب بعد ذَلِك ناقضاً من نواقضها وَمَات لم تَنْفَعهُ. فلابد أَن يَمُوت عَلَيْهَا لم يرتكب ناقضاً من نواقضها - بِدَلِيل حَدِيث أبي ذَر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ "مَا من عبد قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ مَاتَ على ذَلِك إِلَّا دخل الْجنَّة … " الحَدِيث٤ ٥

стр. 7

ثَالِثا: أَرْكَان لَا إِلَه إِلَّا الله. تَعْرِيف الرُّكْن لُغَة وَاصْطِلَاحا. الرُّكْن لُغَة: من كل شَيْء: جَانِبه الْأَقْوَى الَّذِي يسْتَند إِلَيْهِ، وَالْأَمر الْعَظِيم. وللرجل: مَا فِيهِ عزّة ومنعَة من عشيرة أَو سُلْطَان وكل مَا يتقوى بِهِ. وَفِي الْقَوْم: الشريف بَينهم. جمعه أَرْكَان وأركن. وأركان الْإِنْسَان جوارحه والأركان من كل شَيْء: جوانبه الَّتِي يسْتَند إِلَيْهَا. وَالْعِبَادَة: كَالصَّلَاةِ - مَا تبطل بالإخلال بِهِ عمدا أَو سَهوا ١ الرُّكْن فِي الِاصْطِلَاح: مَا يقوم بِهِ ذَلِك الشَّيْء من التقوّم، إِذْ قوام الشَّيْء بركنه لَا من الْقيام وَإِلَّا يلْزم أَن يكون الْفَاعِل ركنا للْفِعْل، والجسم ركنا للعرض، والموصوف للصفة ٢ وَقيل: ركن الشَّيْء: مَا يتم بِهِ وَهُوَ دَاخل فِيهِ بِخِلَاف شَرطه وَهُوَ خَارج عَنهُ ٣. وَقيل ركن الشَّيْء: مَا توقف الشَّيْء على وجوده وَكَانَ جُزْءا من حَقِيقَته كَقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة فَإِنَّهَا ركن لَهَا لتوقف وجودهَا فِي نظر الشَّارِع على تحققها. وَهِي جُزْء من حَقِيقَة الصَّلَاة. وَهَكَذَا كل مَا كَانَ ركنا لشَيْء فَإِن ذَلِك الشَّيْء لَا يكون لَهُ وجود فِي نظر الشَّارِع إِلَّا إِذا تحقق ذَلِك الرُّكْن٤. والتعارف - كَمَا نرى - مُتَقَارِبَة إِلَّا أَن الْأَخير أدقها وأكملها لذا نختاره. وَعَلِيهِ، فأركان الشَّيْء: أجزاؤه الَّتِي لَا يتَحَقَّق بِدُونِهَا. وَإِذا: فأركان لَا إِلَه إِلَّا الله: هِيَ أجزاؤها الَّتِي لَا تتَحَقَّق بِدُونِهَا وَهِي اثْنَان: نفي، وَإِثْبَات. النَّفْي: وحدّه: لَا إِلَه. وَالْمرَاد بِهِ: نفي الإلهية الحقة عَمَّا سوى الله من

стр. 8

سَائِر الْمَخْلُوقَات. وَالْإِثْبَات: وحدّ٥: إِلَّا الله. وَالْمرَاد بِهِ: إِثْبَات الإلهية الحقة لله وَحده لَا شريك لَهُ فِي عِبَادَته كَمَا أَنه لَا شريك لَهُ فِي ملكه فَهُوَ الْإِلَه الْحق وَمَا سواهُ من الْآلهَة الَّتِي اتخذها الْمُشْركُونَ كلهَا بَاطِلَة. قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ … ﴾ الْآيَة١ ٢.

стр. 9

مدْخل … شُرُوط لَا الله إِلَّا الله: تَقْدِيم: فِي تَعْرِيف الشَّرْط، الشَّرْط لُغَة: - بِسُكُون الرَّاء - هُوَ إِلْزَام الشَّيْء والتزامه فِي البيع وَنَحْوه. جمعه شُرُوط. تَقول: شَرط لَهُ أمرا: الْتَزمهُ وَعَلِيهِ أمرا: ألزمهُ إِيَّاه١. وَفِي الِاصْطِلَاح: مَا يتَوَقَّف ثُبُوت الحكم عَلَيْهِ ٢. وَقيل: مَا لَا يُوجد الْمَشْرُوط مَعَ عَدمه وَلَا يلْزم أَن يُوجد عِنْد وجوده٣. وَقيل: مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة شُرُوطه ٤ وَقيل: مَا توقف الشَّيْء على وجوده وَلم يكن جُزْءا من حَقِيقَته. كَالْوضُوءِ فِي الصَّلَاة. فَإِنَّهُ شَرط لصِحَّة الصَّلَاة. فَإِذا لم يُوجد لم تصح الصَّلَاة، وَلَيْسَ الْوضُوء جُزْءا من حَقِيقَة الصَّلَاة. وَهَكَذَا كل مَا جعله الشَّارِع شرطا لشَيْء. فَإِن هَذَا الشَّيْء لَا يتَحَقَّق وَلَا يعْتد بِهِ - فِي نظر الشَّارِع إِلَّا إِذا تحقق ذَلِك الشَّرْط - وَإِن لم يكن جُزْءا من حَقِيقَته ٥وَهَذَا التَّعْرِيف: هُوَ الأولى، لِأَنَّهُ يتَضَمَّن مَا

стр. 10

أشارت إِلَيْهِ التعاريف السَّابِقَة وَعَلِيهِ: فشروط الشَّيْء هِيَ الَّتِي لَا يَصح إِلَّا بتوافرها. وَإِذا فشروط لَا الله إِلَّا الله. هِيَ: الَّتِي لَا تصح لَا الله إِلَّا الله إلاّ بتوافرها. وَهِي سَبْعَة نظمها أحد الْعلمَاء فِي قَوْله. علم يَقِين وإخلاص وصدقك مَعَ … محبَّة وانقياد وَالْقَبُول لَهَا ١ كَمَا جمعهَا الشَّيْخ حَافظ فِي قَوْله: وبشروط سَبْعَة قد قيدت … وَفِي نُصُوص الْوَحْي حَقًا وَردت فَإِنَّهُ لم ينْتَفع قَائِلهَا … بالنطق إِلَّا حَيْثُ يستكملها وَالْعلم وَالْيَقِين وَالْقَبُول … والانقياد فادر مَا أَقُول والصدق وَالْإِخْلَاص والمحبة … وفقك الله لما أحبه ٢ والآن نشرع فِي بَيَان كل شَرط مِنْهَا بِشَيْء من الْإِيضَاح.

стр. 11

الشَّرْط الأول: الْعلم . الْعلم لُغَة: نقيض الْجَهْل. تَقول علمه علما - أَي - عرفه حق الْمعرفَة وَفِي التَّنْزِيل: ﴿ … مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ … ﴾ الْآيَة٣. وَعلم الرجل: خَبره، وَأحب أَن يُعلمهُ: أَن يُخبرهُ. وَعلم بالشَّيْء: شعر بِهِ ودرى. يُقَال: مَا علمت بِخَبَر قدومك، أَي: مَا شَعرت. وَفِي التَّنْزِيل: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ , بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي … ﴾ ٤ الْآيَة. وَعلم الْأَمر وتعلمه: أتقنه.

стр. 12

وَعلمت الْعلم نَافِعًا: أيقنت وصدقت. وفى التَّنْزِيل: ﴿ … فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ … ﴾ الْآيَة١ ٢ وَفِي الِاصْطِلَاح: عرف بتعاريف كَثِيرَة، اخْتَرْت مِنْهَا هَذَا التَّعْرِيف. وَهُوَ: معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ.٣ وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ أَبُو يعلى فِي كِتَابه الْعدة٤ - بعد أَن عرض بعض التعاريف وناقشها مُبينًا عدم صِحَّتهَا وَأَن هَذَا التَّعْرِيف هُوَ الصَّحِيح. وَذَلِكَ أَن هَذَا الْحَد - كَمَا قَالَ القَاضِي أَبُو بكر: "يحصره على مَعْنَاهُ وَلَا يدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يخرج مِنْهُ شَيْئا هُوَ مِنْهُ. وَالْحَد إِذا أحَاط بالمحدود على هَذَا السَّبِيل وَجب أَن يكون حدا ثَابتا صَحِيحا … وَقد ثَبت أَن كل علم تعلق بِمَعْلُوم فَإِنَّهُ معرفَة لَهُ وكل معرفَة لمعلوم فَإِنَّهَا علم بِهِ، فَوَجَبَ تَوْثِيق الْحَد الَّذِي حددنا بِهِ الْعلم"٥. وَعَلِيهِ فالعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله: مَعْرفَتهَا بحقيقتها. وَهُوَ: أَن تعلم بمعناها نفيا وإثباتاً علما منافياً للْجَهْل. وَمَعْنَاهَا: الْبَرَاءَة من كل مَا يعبد من دون الله، وإخلاص الْعِبَادَة لله وَحده بِاللِّسَانِ وَالْقلب وَسَائِر الْجَوَارِح.٦ وَقد دلّ الْكتاب وَالسّنة على ذَلِك. فَمن الْكتاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ … ﴾ الْآيَة.٧ وَهَذِه الْآيَة - كَمَا نرى - صَرِيحَة فِي اشْتِرَاط الْعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله. قَالَ الْوَزير أَبُو المظفر فِي الإفصاح: "قَوْله "شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله "

стр. 13

يَقْتَضِي أَن يكون الشَّاهِد عَالما بِأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا الله. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ .١ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وَالشَّاهِد - قَوْله: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . إِذا المُرَاد بِشَهَادَة الْحق: قَول لَا إِلَه إِلَّا الله ٣ فَيكون الْمَعْنى: إِلَّا من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وهم يعلمُونَ معنى مَا نطقوا بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ …﴾ الْآيَة٤. وَمن السّنة: قَوْله ﷺ "من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة".٥ وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عبَادَة بن الصَّامِت. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ "من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن عِيسَى عبد الله وَرَسُوله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ، وَالْجنَّة حق، وَالنَّار حق، أدخلهُ الله الْجنَّة على مَا كَانَ من الْعَمَل ".٦ وَالشَّاهِد: قَوْله "من شهد" كَيفَ يشْهد وَهُوَ لَا يعلم، إِذْ مُجَرّد النُّطْق بالشَّيْء لَا يُسمى شَهَادَة بِهِ.٧

стр. 14

وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِذا قَالَ العَبْد أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ الله يَا ملائكتي علم عَبدِي أَنه لَيْسَ لَهُ رب غَيْرِي - أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُ " ١. وَقَوله ﷺ : "من علم أَن الله ربه وَأَنِّي نبيه موقنا من قلبه حرمه الله على النَّار" ٢. هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي توضح شَرْطِيَّة الْعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله ولاشك أَن الْعلم لَا يكون علما إِلَّا إِذا كَانَ نَافِعًا وَلَا يكون نَافِعًا إِلَّا مَعَ الْعَمَل. فَمن لم ينْتَفع بِهَذِهِ الشَّهَادَة بِالْعَمَلِ بِمَا تَقْتَضِيه لم يتَحَقَّق لَدَيْهِ شَرط الْعلم. قَالَ البقاعي: " "لَا إِلَه إِلَّا الله " أَي انْتَفَى انْتِفَاء عَظِيما أَن يكون معبوداً بِحَق غير الْملك الْأَعْظَم، فَإِن هَذَا الْعلم هُوَ أعظم الذكرى المنجية من أهوال السَّاعَة، وَإِنَّمَا يكون علما إِذا كَانَ نَافِعًا وَإِنَّمَا يكون نَافِعًا إِذا كَانَ مَعَ الإِذعان وَالْعَمَل بِمَا تَقْتَضِيه وَإِلَّا فَهُوَ جهل صرف"٣. وَالْمرَاد من هَذِه الْكَلِمَة - كَمَا ذكرت آنِفا - مَعْنَاهَا وتحقيقها بِالْعَمَلِ بمقتضاها لَا مُجَرّد لَفظهَا فَإِن الْمُنَافِقين كَانُوا يَقُولُونَهَا وهم تَحت الْكفَّار فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار. وَالْكفَّار - مَعَ جهلهم بِمَا جَاءَ فِي الْكتاب وَالسّنة - يعلمُونَ أَن مُرَاد النَّبِي ﷺ بِهَذِهِ الْكَلِمَة هُوَ إِفْرَاد الله بالتعلق وَالْكفْر بِمَا يعبد من دون الله والبراءة مِنْهُ، فَإِنَّهُ لما قَالَ لَهُم: "قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله" قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ!﴾ ٤.

стр. 15

فَإِذا عرفت أَن جهال الْكفَّار يعْرفُونَ ذَلِك، فالعجب مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام وَهولا يعرف من تَفْسِير هَذِه الْكَلِمَة مَا عرفه جهال الْكَفَرَة بل يظنّ أَن ذَلِك: هُوَ التَّلَفُّظ بحروفها من غير اعْتِقَاد الْقلب لشَيْء من الْمعَانِي، والحاذق مِنْهُم يظنّ أَن مَعْنَاهَا: لَا يخلق وَلَا يرْزق إِلَّا الله. فَلَا خير فِي إِنْسَان جهال الْكفَّار أعلم مِنْهُ بِلَا اله إِلَّا الله. وبسبب هَذَا الْجَهْل ضل من ضل مِنْهُم حِين قلبوا حَقِيقَة الْمَعْنى فأثبتوا الإلهية المنفية لمن نفيت عَنهُ من المخلوقين أَرْبَاب الْقُبُور والمشاهد وَالْأَشْجَار والأحجار وَالْجِنّ وَغير ذَلِك. فَلهَذَا تجدهم يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله وهم يدعونَ مَعَ الله غَيره، وَمَا ذَاك إِلَّا بِسَبَب الْجَهْل بِمَعْنى لَا إِلَه إِلَّا الله ١. وَالْحَد الْأَدْنَى للْعلم بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلم بمعناها بِصُورَة إجمالية وَيَأْتِي بعد هَذَا الْحَد دَرَجَات يتَفَاوَت النَّاس فِيهَا فِي الْعلم بِهَذِهِ الشَّهَادَة أَعْلَاهَا البصيرة الَّتِي تكون بِنِسْبَة الْمَعْلُوم فِيهَا إِلَى الْقلب كنسبة المرئي إِلَى الْبَصَر٢. وبقدر الْعلم وَالْجهل يحصل التَّفَاضُل فِي الإِيمان بهَا، إِذْ أَن الْعلم يسْتَلْزم الْعَمَل فَكلما زَاد الْعلم زَاد الْعَمَل، وَبِذَلِك يزْدَاد الْإِيمَان وَمن ثمَّ يحصل التَّفَاضُل فِيهِ. رُوِيَ عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ "يخرج من النَّار من قَالَ لَا اله إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن شعيرَة من خير، وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن بُرّة من خير، وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن ذرة من خير".٣ وَفِي رِوَايَة عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ "من إِيمَان " مَكَان "من خير" ٤. المُرَاد بقوله "من خير" من إِيمَان. بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى.

стр. 16

والْحَدِيث ظَاهر الدّلَالَة بمنطوقه على تفاضل أهل الْإِيمَان فِيهِ وبمفهومه على زِيَادَته ونقصانه ١. وَهَذَا التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان من أثر الْعلم وَالْجهل، فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان علما كَانَ إيمَانه أفضل. وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿.. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٠٠ الْآيَة ٢. قَالَ ابْن كثير: "أَي إِنَّمَا يخشاه حق خَشيته الْعلمَاء العارفون بِهِ … لِأَنَّهُ كلما كَانَت الْمعرفَة بِهِ أتم وَالْعلم بِهِ أكمل كَانَت الخشية لَهُ أعظم وَأكْثر" ٣وَعَلِيهِ فإيمان الْعلمَاء أفضل من إِيمَان غَيرهم. وَقَوله تَعَالَى: ﴿ … قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٤. أَشَارَ فِي هَذِه الْآيَة - إِلَى أَن الْعَالم ٥ لَا يَسْتَوِي مَعَ غير الْعَالم بل بَينهمَا تفاضل، وَمن أوجه التَّفَاضُل: التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان. وَعَلِيهِ: فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان علما بِلَا إِلَه إِلَّا الله كَانَ إيمَانه بهَا أفضل. وَبِذَلِك يَتَّضِح أَن الْعلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله (بمعناها ومقتضاها المستلزم للْعَمَل) أحد شُرُوط لَا إِلَه إِلَّا الله الَّتِي لَا تصح إِلَّا بهَا. وَأَن الْعلم بهَا يتَفَاوَت وبقدر الْعلم وَالْجهل يحصل التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان بهَا. وَالله أعلم.

стр. 17

الشَّرْط الثَّانِي: الْقَيْن . … الشَّرْط الثَّانِي: الْيَقِين. الْيَقِين: لُغَة: هُوَ زَوَال الشَّك، وَتَحْقِيق الْأَمر، وَالْعلم بِهِ. وَهُوَ: نقيض الشَّك - كَمَا أَن الْعلم نقيض الْجَهْل.

стр. 18

وَالْمَوْت: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ١. وَرُبمَا عبروا بِالظَّنِّ عَن الْيَقِين وباليقين عَن الظَّن - قَالَ: أَبُو سِدْرَة الْأَسدي وَيُقَال الهُجَيْمِي: تحسب هواس وأيقن أنني … بهَا مقتد من وَاحِد لَا أغامره يَقُول: تشمم الْأسد نَاقَتي يظنّ أنني أفتدي بهَا مِنْهُ واستحمي نَفسِي فأتركها لَهُ وَلَا أقتحم المهالك بمقاتلته. وَحقّ الْيَقِين - كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ ٢ هُوَ خالصه وأصحه ٣. وَفِي الِاصْطِلَاح: اعْتِقَاد الشَّيْء بِأَنَّهُ كَذَا مَعَ اعْتِقَاد أَنه لَا يُمكن إِلَّا كَذَا مطابقاً للْوَاقِع غير مُمكن الزَّوَال ٤. وَالْمرَاد هُنَا: أَن يكون قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُسْتَيْقنًا قلبه بمدلول هَذِه الْكَلِمَة يَقِينا جَازِمًا منافياً للشَّكّ. فَمن قَالَهَا وهوشاك فِي شَيْء مِمَّا دلّت عَلَيْهِ من مَعْنَاهَا لم يتَحَقَّق لَدَيْهِ هَذَا الشَّرْط ٥ والأدلة على ذَلِك كَثِيرَة من الْكتاب وَالسّنة. فَمن الْكتاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٦ فالآية تدل على أَن من شُرُوط صدق إِيمَان الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وَرَسُوله الَّذِي هُوَ معنى

стр. 19

الشَّهَادَة كَونهم متيقنين بهَا لم يرتابوا - أَي لم يشكوا - فَمن ارتاب فَلَيْسَ بِمُؤْمِن بل هُوَ من الْمُنَافِقين الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ١. وَمن السّنة مَا ورد فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُوله الله ﷺ : "أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله لَا يلقى الله بهما عبد غير شَاك فيهمَا إِلَّا دخل الْجنَّة" ٢ وَقَوله ﷺ لأبي هُرَيْرَة: " اذْهَبْ بنعلي هَاتين فَمن لقِيت وَرَاء هَذَا الْحَائِط يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُسْتَيْقنًا بهَا قلبه فبشره بِالْجنَّةِ " ٣. وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ معَاذ أَنه ﷺ قَالَ: "مَا من نفس تَمُوت وَهِي تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله يرجع ذَلِك إِلَى قلب موقن إِلَّا غفر الله لَهَا" ٤. وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ جَابر أَنه قَالَ: " اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاس أَنه من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله موقنا أَو مخلصاً فَلهُ الْجنَّة " ٥. وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَهُ: "إِنِّي لأعْلم كلمة لَا يَقُولهَا عبد حَقًا من قلبه فَيَمُوت على ذَلِك إِلَّا حرمه الله على النَّار: لَا إِلَه إِلَّا الله " ٦. فَهَذِهِ الْأَحَادِيث - كَمَا نرى - تدل صَرَاحَة على اشْتِرَاط الْيَقِين بِالشَّهَادَةِ بل

стр. 20

سَمَّاهُ بعض الْأَئِمَّة أصل الْإِيمَان كَمَا قَالَ ابْن حجر فِي شَرحه لقَوْل ابْن مَسْعُود: (الْيَقِين الْإِيمَان كُله) ١. إِن مُرَاد ابْن مَسْعُود أَن الْيَقِين هُوَ أصل الْإِيمَان، فَإِذا أَيقَن الْقلب - كَمَا يَنْبَغِي - انبعثت الْجَوَارِح كلهَا للقاء الله بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَات. حَتَّى قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: "لَو أَن الْيَقِين وَقع فِي الْقلب - كَمَا يَنْبَغِي - لطار اشتياقاً إِلَى الْجنَّة وهرباً من النَّار" ٢. إِذا عرفنَا مَا ذكر اتَّضَح أهمية الْيَقِين بِالشَّهَادَةِ وَأَنه فضلا عَن كَونه شرطا لتحققها وفارقاً بَين الْمُؤمن وَالْمُنَافِق وشرطاً للمغفرة وَدخُول الْجنَّة. أَنه أصل الْإِيمَان - كَمَا قَالَ ابْن حجر. أما القَوْل بِأَن التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِدُونِ استيقان الْقلب كافٍ فِي الإِيمان فَهُوَ مَذْهَب غلاة المرجئة - والآيات وَالْأَحَادِيث الآنف ذكرهَا كلهَا تدل على فَسَاده بل هُوَ مَذْهَب مَعْلُوم الْفساد من الشَّرِيعَة لمن وقف عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ تسويق النِّفَاق وَالْحكم لِلْمُنَافِقِ بِالْإِيمَان الصَّحِيح وَهُوَ بَاطِل قطعا ٣. وَالله أعلم.

стр. 21

الشَّرْط الثَّالِث: الْإِخْلَاص . الْإِخْلَاص: لُغَة: مصدر أخْلص يخلص. وَهُوَ يرد لمعانٍ. مِنْهَا: تنقية الشَّيْء وتهذيبه. تَقول: أخلصت السّمن: أَي جعلته خَالِصا. وأخلص لله دينه: أمحضه وَترك الرِّيَاء فِيهِ. فَهُوَ عبد مخلص. وأخلص الشَّيْء: اخْتَارَهُ.

стр. 22

وَقُرِئَ: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١ بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا - قَالَ ثَعْلَب: يَعْنِي بالمخلِصين: الَّذين أَخْلصُوا الْعِبَادَة لله تَعَالَى، وبالمخلَصين: الَّذين أخلصهم الله . وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً … ﴾ الْآيَة٢وَقُرِئَ: مخلِصاً. والمخلَص: الَّذِي جعله الله مُخْتَارًا خَالِصا من الدنس. والمخلِص: الَّذِي وحد الله تَعَالَى خَاصّا. وَلذَلِك قيل لسورة قل هُوَ الله أحد سُورَة الْإِخْلَاص. قَالَ ابْن الْأَثِير: سميت بذلك لِأَنَّهَا خَالِصَة فِي صفة الله تَعَالَى وتقدس. أَو لِأَن اللافظ بهَا قد أخْلص التَّوْحِيد لله . وَسميت كَذَلِك - لَا إِلَه إِلَّا الله - كلمة الْإِخْلَاص لِأَن اللافظ بهَا قد أخْلص التَّوْحِيد لله .٣ وَحَقِيقَة الْإِخْلَاص: هُوَ تصفية الْعَمَل لله بالتبري من دونه.٤ قَالَ الْغَزالِيّ - فِي بَيَان حَقِيقَة الْإِخْلَاص -: "اعْلَم أَن كل شَيْء يتصّور أَن يشوبه غَيره فَإِذا صفا عَن شوبه وخلص عَنهُ سمي خَالِصا، وَيُسمى الْفِعْل الْمُصَفّى: المخلص. والتصفية إخلاصاً. قَالَ تَعَالَى: ﴿ … مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ ٥ … وَالْإِخْلَاص يضاده الْإِشْرَاك … فمهما كَانَ الْبَاعِث وَاحِدًا على التجرد سمي الْفِعْل الصَّادِر عَنهُ إخلاصاً … وَلَكِن الْعَادة جَارِيَة بتخصيص اسْم الْإِخْلَاص بتجريد قصد التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى عَن جَمِيع الشوائب … ".٦

стр. 23

فَمن لم يخلص الْعِبَادَة لله تَعَالَى بِأَن أَرَادَ بهَا الرِّيَاء أَو السمعة أَو الدُّنْيَا أَو نَحْوهَا لم يُحَقّق الشَّهَادَة لانْتِفَاء شَرط الْإِخْلَاص١. قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تيميه: "وأصل الْإِسْلَام أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَمن طلب بِعِبَادَتِهِ الرِّيَاء والسمعة فَلم يُحَقّق شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله …" ٢ لِأَنَّهُ لم يخلص فِي مقتضاها. وَإِلَيْك بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي تُشِير إِلَى هَذَا الشَّرْط: فَمن الْكتاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ , أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ …﴾ الْآيَة ٣. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ ٤. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ … ﴾ الآَية ٥. وَمن السّنة مَا يضيق عَنهُ الْمقَام. مِنْهَا: مَا يَلِي: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "قَالَ الله تَعَالَى: أَنا أغْنى الشُّرَكَاء من عمل عملا أشرك فِيهِ معي غَيْرِي تركته وشركه " ٦. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قيل يَا رَسُول الله من أسعد النَّاس بشفاعتك يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ ﷺ : "لقد ظَنَنْت يَا أَبَا هُرَيْرَة أَن لَا يسْأَل عَن هَذَا الحَدِيث أحد أوَّل مِنْك لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث. أسعد النَّاس بشفاعتي يَوْم الْقِيَامَة من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله خَالِصا من قلبه ". وَفِي رِوَايَة

стр. 24

"خَالِصَة من قلبه " ١. وَعَن عتْبَان بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "الله حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي بذلك وَجه الله " ٢. وَعَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأرجو أَلا يَمُوت أحد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا من قلبه فيعذبه الله " ٣. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "مَا قَالَ عبد لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه، إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء حَتَّى تُفْضِي إِلَى الْعَرْش مَا اجْتنب الْكَبَائِر" ٤. وَعَن معَاذ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً من قلبه دخل الْجنَّة".٥ وَعَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة عَظِيمَة كَرِيمَة على الله تَعَالَى من قَالَهَا مخلصا ستوجب الْجنَّة وَمن قَالَهَا كَاذِبًا عصمت مَاله وَدَمه وَكَانَ مصيره إِلَى النَّار".٦ وَالْمرَاد هُنَا: الْإِخْلَاص فِيمَا تَقْتَضِيه لَا إِلَه إِلَّا الله من الْعُبُودِيَّة لله وَحده لَا شريك لَهُ.

стр. 25

هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي توكد شَرْطِيَّة الْإِخْلَاص وأهميته. بل هُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام. قَالَ شيخ الْإِسْلَام: "وَأما الْإِخْلَاص فَهُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام إِذْ "الْإِسْلَام " هُوَ الاستسلام لله لَا لغيره كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ … ﴾ ١ فَمن لم يستسلم لله فقد استكبر، وَمن استسلم لله وَلغيره فقد أشرك وكل من الْكبر والشرك ضد الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام ضد الشّرك وَالْكبر" ٢. وَمن هُنَا يتَبَيَّن لنا أَنه لَا ينْتَفع قائلوا الشَّهَادَة - وَإِن كَانُوا عَالمين بمعناها علما يَقِينا إِلَّا إِذا كَانُوا مُخلصين فِي عِبَادَتهم لله وَحده. والمخلصون هم: الَّذين كَانَت أَعْمَالهم كلهَا لله - سَوَاء كَانَت قلبية أَو قوليه أَو عملية - لله وَحده لَا شريك لَهُ لَا يُرِيدُونَ بهَا من النَّاس جَزَاء وَلَا شكُورًا وَلَا ابْتِغَاء الجاه عِنْدهم، وَلَا طلب المحمودة والمنزلة فِي قُلُوبهم، وَلَا هرباً من ذمهم٣. فلابد من الْإِخْلَاص لله تَعَالَى فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعِبَادَة، وَهُوَ مَا تَقْتَضِيه شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن حسن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ … فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤: "إِنَّه ربكُم وخالقكم وَمن قبلكُمْ وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة فَلَا ترغبوا عَنهُ إِلَى غَيره بل أَخْلصُوا لَهُ الْعِبَادَة بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا فِيمَا تطلبونه من قَلِيل أَو كثير" ٥ وَلم يُحَقّق الْإِخْلَاص لله تَعَالَى من دَعَا غَيره وَإِن كَانَ نَبيا أَو صَالحا أَو ملكا أَو استشفع بجاههم أَو ذاتهم إِلَى الله تَعَالَى فِي طلب خير أَو كشف ضرّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً , أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ

стр. 26

رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ١. كَذَلِك لم يُحَقّق الْإِخْلَاص لله تَعَالَى من أطَاع غَيره وَغير رَسُوله فِي تَحْلِيل مَا حرم الله أَو تَحْرِيم مَا أحل الله عَن رضَا وطمأنينة قلب - قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ أَي اتَّبَعُوهُمْ فِي تَحْلِيل مَا حرم الله وَتَحْرِيم مَا أحل الله. فَسرهَا بذلك الرَّسُول ﷺ وَالصَّحَابَة من بعده ٣. هَذَا: هُوَ الْإِخْلَاص الْمُشْتَرط فِي الشَّهَادَة، فَالْعَمَل لَا يقبل إِذا لم يكن خَالِصا وَإِن كَانَ صَوَابا. قَالَ الفضيل بن عِيَاض: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ … لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً … ﴾ الْآيَة ٤. قَالَ: "أخلصه وأصوبه. قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل، وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل، حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا. والخالص: أَن يكون لله. وَالصَّوَاب: أَن يكون على السّنة. وَذَلِكَ تَحْقِيق قَوْله تَعَالَى: ﴿ … فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٥ ٦.

стр. 27

الشَّرْط الرَّابِع: الصدْق الْمنَافِي للكذب. الصدْق: لُغَة: مصدر صدق - تَقول: صدق يصدق صَدقا وصِدقا - يفتح وَيكسر وَالْكَسْر أفْصح - أَو الْفَتْح للمصدر، وَالْكَسْر للاسم. ضد الْكَذِب. وَهُوَ مُطَابقَة الْكَلَام للْوَاقِع بِحَسب اعْتِقَاد الْمُتَكَلّم. والشجاعة، والصلابة والشدة،

стр. 28

ومحض النَّصِيحَة والإخاء وكل مَا نسب إِلَى الْخَيْر وَالصَّلَاح أضيف إِلَى الصدْق وَالْأَمر الصَّالح لَا شية فِيهِ من نقص أَو كذب. وَفِي التَّنْزِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ … ﴾ الْآيَة ١ ٢ وَالْمرَاد هُنَا: أَن يَقُول الْمَرْء لَا إِلَه إِلَّا الله صَادِقا من قلبه بمعناها ومقتضاها صدقا منافياً للكذب. قَالَ تَعَالَى: ﴿الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ, وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ, يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ, فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ٤. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ … ﴾ الْآيَة٥. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ ٦ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٧.

стр. 29

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ١. عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "من جَاءَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله" ٢. وَقَالَ ابْن الْقيم: "هُوَ من شَأْنه الصدْق فِي قَوْله وَعَمله وحاله فالصدق فِي الْأَقْوَال: اسْتِوَاء اللِّسَان على الْأَقْوَال كاستواء السنبلة على سَاقهَا، والصدق فِي الْأَعْمَال: اسْتِوَاء الْأَفْعَال على الْأَمر والمتابعة كاستواء الرَّأْس على الْجَسَد، والصدق فِي الْأَحْوَال: اسْتِوَاء أَعمال الْقلب والجوارح على الْإِخْلَاص واستفراغ الوسع وبذل الطَّاقَة فبذلك يكون العَبْد من الَّذين جَاءُوا بِالصّدقِ وبحسب كَمَال هَذِه الْأُمُور فِيهِ وقيامها بِهِ تكون صدقيته" ٣. من كَلَام ابْن الْقيم يَتَّضِح أَن الصدْق الْوَاجِب وَهُوَ مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات - بِمَعْنى الشَّهَادَة ومقتضاها قولا وَعَملا وَحَالا. هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب - وَهِي - كَمَا نرى - إِمَّا وَعِيد للكاذبين أَو وعد للصادقين. أما الْأَدِلَّة من السّنة - فيضيق عَنْهَا الْمقَام - وَإِلَيْك الْبَعْض مِنْهَا: قَوْله ﷺ فِي الْأَعرَابِي الَّذِي علمه شرائع الْإِسْلَام: "أَفْلح إِن صدق " ٤. وَهَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي شَرْطِيَّة الصدْق فِي الْأَقْوَال وَفِي الْأَعْمَال (فِي الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة) وَهِي من مقتضيات لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقَوله ﷺ لأبي مُوسَى - وَمَعَهُ نفر من قومه - "ابشروا وبشروا من وَرَائِكُمْ: أَنه من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله صَادِقا بهَا دخل الْجنَّة" ٥.

стр. 30

وَقَوله ﷺ لِمعَاذ " … مَا من أحد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صدقا من قلبه إِلَّا حرمه الله على النَّار … " الحَدِيث١. وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن عِيَاض الْأنْصَارِيّ رَفعه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِن لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة على الله كَرِيمَة لَهَا عِنْد الله مَكَان، وَهِي كلمة من قَالَهَا صَادِقا أدخلهُ الله بهَا الْجنَّة وَمن قَالَهَا كَاذِبًا، حقنت دَمه، وأحرزت مَاله، وَلَقي الله غَدا فحاسبه " ٢. وَقَوله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن رِفَاعَة الْجُهَنِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "أشهد عِنْد الله لَا يَمُوت عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله صِدقاً من قلبه ثمَّ يسدد إِلَّا سلك الْجنَّة" ٣ هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي تَأمر بِالصّدقِ بِلَا إِلَه إِلَّا الله. وَهِي كَمَا نرى - فِيهَا: وعد لمن قَالَهَا صَادِقا بِأَن يحرمه الله على النَّار ويدخله الْجنَّة. فَأَما من دخل النَّار من أهل هَذِه الْكَلِمَة فلقلة صدقه فِي قَوْلهَا، فَإِن هَذِه الْكَلِمَة إِذا صدق قَائِلهَا طهر قلبه من كل مَا سوى الله، وَمَتى بَقِي فِي الْقلب أثر سوى الله فَمن قلَّة الصدْق فِي قَوْلهَا ٤. وَالْمرَاد بِالصّدقِ - الصدْق بمعناها ومقتضاها قولا وَعَملا وَحَالا - كَمَا اتَّضَح من قَوْله ابْن الْقيم ﵀ آنِفا. أما من قَالَهَا بِلِسَانِهِ فَقَط وَلم يواطئ قَوْله مَا فِي قلبه - كالمنافقين - فَقَوله كذب ٥ وَلم يُحَقّق شَيْئا من هَذَا الشَّرْط. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا

стр. 31

نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ١.

стр. 32

الشَّرْط الْخَامِس: الْمحبَّة . الْمحبَّة لُغَة: اسْم للحب. وَالْحب: نقيض البغض، وَهُوَ الوداد كَمَا يَأْتِي وَيُرَاد بِهِ: الجرة، والخشابات الْأَرْبَع الَّتِي تُوضَع عَلَيْهَا الجرة ذَات العروتين - جمعه: أحباب، وحِببه، وحِبان، وحبوب ١. وَفِي اصْطِلَاح الفلاسفة: ميل إِلَى الْأَشْخَاص أَو الْأَشْيَاء العزيزة أَو الجذابة أَو النافعة٢. وَالْمرَاد هُنَا: الْمحبَّة، وَهِي: الْمَوَدَّة وَالرَّغْبَة للا إِلَه إِلَّا الله، وَلما اقتضته ودلت عَلَيْهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال محبَّة مُنَافِيَة لضدها. وَمن ذَلِك: أَن يكون الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، والمحبة لأَهْلهَا العاملين بهَا الملتزمين بشروطها، وبغض من نَاقض ذَلِك. ذَلِك أَنه لَا يحصل لقائلها معرفَة وَقبُول إِلَّا بالمحبة، لِأَن الْمحبَّة تدل على الْإِخْلَاص الْمنَافِي للشرك، وَمن أحب الله تَعَالَى أحب دينه٣. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ … ﴾ الْآيَة٤. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ …﴾ الْآيَة ٥.

стр. 33

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه..﴾ ٢ وَقَالَ ﷺ : "ثَلَاث من كن فِيهِ وجد بِهن حلاوة الْإِيمَان: من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَمن أحب عبدا لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، وَمن يكره أَن يعود فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار" ٣. وَعَن أبي رزين الْعقيلِيّ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله مَا الْإِيمَان؟ فَقَالَ: "أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْك مِمَّا سواهُمَا … " الحَدِيث ٤. وَقَوله ﷺ "لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَالِده وَولده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " ٥. وَقَوله ﷺ : "وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه " ٦.

стр. 34

هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة الَّتِي تؤكد وجوب محبَّة الله وَرَسُوله وتقديمهما على كل مَحْبُوب. وَهُوَ مَا تَقْتَضِيه لَا إِلَه إِلَّا الله وَعَلِيهِ فالمحبة لله وَرَسُوله الْمَشْرُوطَة - هُنَا - لابد أَن تكون أَكثر من محبَّة غَيرهمَا. وَانْتِفَاء هَذِه الْمحبَّة ردة - كَمَا قَالَ ابْن تيميه - وَهُوَ يتَكَلَّم عَن الْمُرْتَد ".... أَو كَانَ مبغضاً لرَسُوله أَو لما جَاءَ بِهِ اتِّفَاقًا"١. بل إِن من سَاوَى بَين محبَّة الله وَرَسُوله وَبَين محبَّة غَيرهمَا فَلَيْسَ بِمُؤْمِن فضلا عَمَّن أحب مَا سوى الله وَرَسُوله أَكثر من محبتهما. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ … ﴾ الْآيَة ٢. وَقَوله ﷺ فِي الحَدِيث الآنف ذكره عِنْدَمَا سَأَلَهُ أَبُو رزين عَن الإِيمان فَقَالَ: "أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْك مِمَّا سواهُمَا" ٣. ومحبة الله وَرَسُوله لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِاتِّبَاع مَا بلغه الرَّسُول ﷺ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ … ﴾ الْآيَة ٤. قَالَ ابْن كثير: "هَذِه الْآيَة حاكمة على كل من ادّعى محبَّة الله وَلَيْسَ هُوَ على الطَّرِيقَة المحمدية بِأَنَّهُ كَاذِب … حَتَّى يتبع الشَّرْع المحمدي وَالدّين النَّبَوِيّ فِي جَمِيع أَقْوَاله وأفعاله" ٥. وَقَالَ يحي بن معَاذ: "لَيْسَ بصادق من ادّعى محبَّة الله وَلم يحفظ حُدُوده" ٦. وَقَالَ أَبُو يَعْقُوب النهرجوري: "كل من ادّعى محبَّة الله وَلم يُوَافق الله فِي أمره فدعواه بَاطِلَة" ٧.

стр. 35

وَمن تَمام محبَّة الله محبَّة مَا يُحِبهُ وَكَرَاهَة مَا يكرههُ. فَمن أحب شَيْئا مِمَّا يكرههُ الله أَو كره شَيْئا مِمَّا يُحِبهُ الله لم يكمل توحيده وَصدقه فِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَكَانَ فِيهِ من الشّرك بِحَسب مَا كرهه مِمَّا يُحِبهُ الله، وَمَا أحبه مِمَّا يكرههُ الله. وَلذَلِك ذمّ هَؤُلَاءِ فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢ ٣. وَفِي صَحِيح الْحَاكِم عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "الشّرك فِي هَذِه الْأمة أخْفى من دَبِيب النَّمْل على الصَّفَا فِي اللَّيْلَة الظلماء وَأَدْنَاهُ أَن تحب على شَيْء من الْجور أَو تبغض على شَيْء من الْعدْل … " الحَدِيث ٤. قَالَ ابْن رَجَب - بعد سِيَاقه هَذَا الحَدِيث - "وَهَذَا نَص فِي أَن محبَّة مَا يكرههُ الله وبغض مَا يُحِبهُ مُتَابعَة للهوى، والموالاة على ذَلِك والمعاداة فِيهِ من الشّرك الْخَفي" ٥. وعلامة حب العَبْد ربه تَقْدِيم محابه وَإِن خَالَفت هَوَاهُ، وبغض مَا يبغض ربه وَإِن مَال إِلَيْهِ هَوَاهُ، وموالاة من والى الله وَرَسُوله ومعاداة من عَادَاهُ، وَاتِّبَاع سنة رَسُوله ﷺ وتقديمها على غَيرهَا من السّنَن ٦. وَمن الْمَعْلُوم أَن الْجَوَارِح تعْمل - فِي الْغَالِب - بِمُقْتَضى الْحبّ والبغض، يَدْفَعهَا حب الشَّيْء إِلَى عمله وبغض الشَّيْء إِلَى تَركه وَلذَا إِذا تمكنت محبَّة الله تَعَالَى فِي الْقلب لم تنبعث الْجَوَارِح إِلَّا إِلَى طَاعَته وَهَذَا - كَمَا قَالَ ابْن رَجَب ٧ - هُوَ معنى الحَدِيث الإلهي الَّذِي خرّجه البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة

стр. 36

عَن النَّبِي ﷺ عَن ربه - وَفِيه " … وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا … " الحَدِيث ١. قَالَ الْفَاكِهَانِيّ: "يحْتَمل … أَن يكون معنى سَمعه مسموعه، لِأَن الْمصدر قد جَاءَ بِمَعْنى الْمَفْعُول مثل فلَان أملي بمعني مأمولي، وَالْمعْنَى أَنه لَا يسمع إِلَّا ذكري وَلَا يلتذ إِلَّا بِتِلَاوَة كتابي وَلَا يأنس إِلَّا بمناجاتي وَلَا ينظر إِلَّا فِي عجائب ملكوتي وَلَا يمد يَده إِلَّا فِي رضاي وَرجله كَذَلِك". وَبِمَعْنَاهُ قَالَ ابْن هُبَيْرَة ٢ - وَهَذَا يُؤَيّد مَا قَالَه ابْن رَجَب - آنِفا - فِي معنى الحَدِيث.

стр. 37

الشَّرْط السَّادِس: الانقياد . الانقياد: لُغَة: الخضوع والذل. تَقول قدته فانقاد واستقاد لي - إِذا أَعْطَاك مقادته. وَفِي حَدِيث عَليّ: قُرَيْش قادة ذادة. أَي يقودون الجيوش. وَهُوَ جمع قَائِد ١. وَالْمرَاد هُنَا: الانقياد التَّام للا إِلَه إِلَّا الله وَلما اقتضته ظَاهرا وَبَاطنا انقياداً منافياً للترك. وَيحصل الانقياد بِالْعَمَلِ بِمَا فَرْضه الله وَترك مَا حرمه والتزام ذَلِك. لِأَن الْإِسْلَام حَقِيقَة: أَن يسلم العَبْد بِقَلْبِه وجوارحه لله، وينقاد لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة.٢

стр. 38

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ … ﴾ ٢. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا … ﴾ ٣. والآيات - كَمَا نرى - تدل على وجوب الْإِسْلَام لله تَعَالَى. وَالْمرَاد هُوَ: الاستسلام لله بِالتَّوْحِيدِ والانقياد لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول صلى الله عيه وَسلم عَن ربه بِالطَّاعَةِ، وَذَلِكَ بِالْعَمَلِ بِمَا فَرْضه الله وَترك مَا حرمه والتزام ذَلِك. وَلَا ينْتَفع قَائِل لَا اله إِلَّا الله بهَا إِلَّا بِهَذَا الانقياد. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى … ﴾ الْآيَة٤. والعروة الوثقى - كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن جُبَير وَالضَّحَّاك - هِيَ: لَا إِلَه إِلَّا الله ٥. وكما أَن الاستسلام لله وَاجِب كَذَلِك الاستسلام لرَسُوله ﷺ وَاجِب، فَلَا يُسمى الْإِنْسَان مُؤمنا إِلَّا بِهِ وَلذَا أقسم الْحق بِنَفسِهِ مؤكداً هَذَا الْوَاجِب. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٦. قَالَ ابْن الْقيم - فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة - أقسم سُبْحَانَهُ على نفي الْإِيمَان عَن الْعباد حَتَّى يحكموا رَسُول الله ﷺ فِي كل مَا شجر بَينهم"٧.

стр. 39

وَقَالَ الدكتور عبد الْحَلِيم مَحْمُود: "والتحكيم إِذا كَانَ لرَسُول الله ﷺ حَال حَيَاته فَإِنَّهُ لسنته وتعاليمه بعد انْتِقَاله إِلَى الرفيق الْأَعْلَى"١. هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب. أما من السّنة: فَمِنْهَا قَوْله ﷺ : "من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ أطَاع بهَا قلبه وذل بهَا لِسَانه، وَشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرمه الله على النَّار" ٢. وَقَوله ﷺ : "لَا تزَال لَا إِلَه إِلَّا الله تَنْفَع من قَالَهَا وَترد عَنْهُم الْعَذَاب والنقمة مَا لم يستخفوا بِحَقِّهَا". قَالُوا: يَا رَسُول الله وَمَا الاستخفاف بِحَقِّهَا؟ قَالَ: "أَن يظْهر الْعَمَل بمعاصي الله فَلَا يُنكر وَلَا يُغير" ٣. وَقَوله ﷺ : "لَا يحل دم امْرِئ مُسلم يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: الثّيّب الزَّانِي وَالنَّفس بِالنَّفسِ، والتارك لدينِهِ المفارق للْجَمَاعَة" ٤. هَذِه الْأَحَادِيث - كَمَا نرى - تدل على وجوب الانقياد للا إِلَه إِلَّا الله إِذْ فِي الحَدِيث الأول وعد لمن انْقَادَ بِأَن يحرمه الله على النَّار وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّالِث - وَعِيد لمن لم ينقاد - فِي الحَدِيث الثَّانِي: بِعَدَمِ نفع لَا إِلَه إِلَّا الله. وَالثَّالِث: بِإِبَاحَة دَمه. وَهَذَا الانقياد الْمَشْرُوط للا إِلَه إِلَّا الله. لَا يكون تَاما كَامِلا إِلَّا بِاتِّبَاع

стр. 40

جَمِيع مَا بلغه رَسُول الله ﷺ حَتَّى يكون هَوَاهُ وَهُوَ مَا تميل إِلَيْهِ النَّفس. تبعا لما جَاءَ بِهِ الْمُصْطَفى ﷺ . وَلذَا قَالَ ﷺ "لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ " ١. وَالْمرَاد نفي الْإِيمَان الْكَامِل. وَفِي رِوَايَة "لن يستكمل مُؤمن إيمَانه حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ " ٢.
следующие страницы →