Полный текст (524 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تنزل على من حضره حين لم يدافعوا عنه]».
وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز دخول العاجز عن تغيير المنكر إلى أماكن الظلم والفسق ومواطن المعاصي والمنكرات من غير ضرورة، فلا يجوز له دخول دور الظلمة وأماكن المكوس والمصادرات والحمامات التي أهلها مكشوفوا العورات، والأماكن التي يعلم أن فيها نساء غير مستورات، ويحرم عليه حضور دعوة فيها منكر لا يستطيع تغييره، ولا يجوز للعاجز دخول أماكن التي قد يوجد فيها منكر لا يستطيع تغييره وقد لا يوجد.
- لما أخرجه الإمام أحمد والطبراني من حديث خرشة بن الحر –﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يشهد أحدكم قتيلًا لعله أن يكون مظلومًا فتصيبه السخطة».
لفظ أحمد.
وقال الطبراني: (فعسى أن يقتل مظلومًا فتنزل السخطة عليهم فتصيبه معهم).
- وقد سئل الإمام أحمد عن دخول الحمام، فقال: إن علمت أنهم كلهم بأزر فادخل وإلا فلا تدخل.
وهذا التصريح منه بأنه إذا/ جهل حالهم لا يباه له الدخول، والله أعلم.
مسألة:
من علم أن بمكان في بلدة مناكر لا يقدر على إزالتها، لا يجب عليه مفارقة تلك البلد ولا الهجرة منها، اللهم إلا أن تكون إقامته توجب أن يكلف الفساد أو يكره على مساعدة السلاطين وإعانة الظلمة في الظلم في المنكرات فتلزمه الهجرة من ذلك البلد إن قدر عليها وتجب عليه، فإن الإكراه لا يكون عذرًا في حق من قدر على الهرب من الإكراه، هذا هو الذي جزم به الغزالي في الإحياء.
стр. 107
- وقد روى أئمة التفسير عن سعيد بن جبير أنه قال: إذا عمل بالمعاصي في أرض فأخرج منها، وتلا قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا﴾ [سورة النساء: ٩٧] وقال القرطبي: في هذه الآيه دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي.
- ثم حكى عن مالك –﵀ أنه قال: هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيه السلف ويحكم فيها لغير الحق.
- وحكى القاضي أبو بكر العربي هذا عن مالك أيضًا ذكره في (أحكام القرآن).
- ثم قال: وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم يقدر أن يغير المنكر يزول عنه، انتهى.
وكلام مالك هذا يدل على وجوب الهجرة عند العجز عن التغيير.
وذكر ابن العربي في أقسام الهجرة، الخروج أيضًا من أرض غلب عليها الحرام وعلله بأن طلب الحلال فريضة على كل مسلم.
- وقال القرطبي –أيضًا- عند قول الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال: ٢٥] قال علماؤنا: فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم يغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها.
وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نساكنكم. وبهذا قال السلف ﵃.
- وروى وهب بن منبه عن مالك –﵀ أنه قال: تهجر الأرض التي يعمل فيها المنكر جهارًا ولا يستقر فيها.
стр. 108
واحتج بصنع أبي الدرداء –﵁/ في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها، خرجه في الصحيح انتهى، والله أعلم.
مسألة:
إذا كان الاشتغال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنعه عن الكسب الذي هو طعمته.
قال الغزالي: إن كان معه قدر كفايته لزمه الاشتغال بذلك، ولم يجز له تركه لطلب زيادة الدنيا، وإن كان يحتاج إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه لعجزه والله أعلم.
стр. 109
الباب الرابع
في إثم من أمر بمعروف ولم يفعله أو نهى عن منكر وهو يفعله
قال الله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٤].
وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف: ٢ - ٣].
وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان: ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى. كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه».
قوله تندلق: أي تخرج.
стр. 110
والأقتاب: الأمعاء.
- وخرج الطبراني عن الوليد بن عقبة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ناسًا من أهل الجنة ينطلقون إلى ناس من أهل النار فيقولون بما دخلتم النار، فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل».
- وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك –﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم , وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون».
اللفظ لا بن حبان.
وفي رواية ابن أبي الدنيا. «مررت ليلة أسري بي على رجال تقرض شفاهم/ بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به».
وخرج الطبراني عن جندب بن عبد الله –﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».
стр. 111
- وخرج البزار عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها».
- وخرج الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) عن أنس بن مالك –﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل لا يكون مؤمنًا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء، ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله، ويأمن جاره بوائقه».
- وخرج الطبراني عن علي بن أبي طالب –﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إنى لا أتخوف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، أما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون».
- وخرج البزار عن معاذ بن جبل –﵁ قال: تعرضت أو تصديت لرسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت فقلت: يا رسول الله: أي الناس شر؟ فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر، اسأل الخير ولا تسل، من الشر، شرار الناس شرار العلماء في الناس».
- وخرج أحمد بإسناد جيد عن أبي ذر –﵁ قال قال رسول الله ﷺ :
-
стр. 112
«لغير الدجال أخوفني على أمتي قالها ثلاثًا، قال قلت: يا رسول الله ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك قال: أئمة مضلون».
- «لأنا من غير الدجال، أخوف عليكم من الدجال، فقيل وما ذاك؟ فقال: أئمة مضلون».
- وروى الترمذي عن صهيب –﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه «.
- وخرج الطبراني وأبو نعيم عن أنس بن مالك –﵁ عن النبي ﷺ قال: «الزبانية إلى فسقة القراء أسرع منهم إلى عبدة الأوثان فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان فيقال لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم».
- وخرج الطبراني والبيهقي عن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أشد الناس عذابًا يوم القيامة/ عالم لم ينفعه الله بعلمه».
- وخرج الطبراني عن وائلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه، وكل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به».
стр. 113
- وخرج الترمذي والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تزولا قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفي ماذا أنفقه، وماذا عمل فيما علم».
ورواه الترمذي أيضًا بنحوه من حديث أبي برزة، وقال: حديث صحيح.
- وروى البيهقي عن لقمان –يعني ابن عامر- قال: كان أبو الدرداء يقول: إنما أخشى ربي أن يدعونني على رؤوس الخلائق فيقول: يا عومير فأقول لبيك ربي)، (وما عملت فيما علمت).
- وخرج الإمام أحمد والبيهقي عن منصور عن زاذان قال: نبئت أن بعض من يلقى في الناس يتأذى أهل الناي بريحه فيقال له: ويحك، ما كنت تعمل، يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك وبنتن ريحك فيقول: كنت عالمًا فلم انتفع بعلمي.
وقد جاء أن الله تعالى أوحى إلى عيسى ابن مريم ﵉: يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني.
وقال الأوزاعي: شكت النواويس ما تجد من نتن جيف الكفار، فأوحى الله إليها: بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه.
وقال أبو الدرداء ﵁: ويل لمن يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.
وقال الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون لهم ما
стр. 114
أدخلكم النار؟ وإنما أدخلنا الله تعالى الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.
وتقدم بنحوه مرفوعًا.
وروي عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله تعالى ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٩٤] قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره.
وقال حاتم الأصم: ليس في القيامة أشدة حسرة من رجل علم الناس علمًا، فعملوا به، ولم يعمل هو به وفازوا بسببه وهلك.
وقيل لبعضهم: أي الناس أطوال ندامة؟ قال: أما في الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره، وأما/ عند الموت فعالم مفرط.
وقال معاذ: احذروا زلة العالم لأن قدره عند الناس عظيم فيتبعوه على زلته.
وقال كعب: في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، ويخوفون ولا يخافون، وينهون عند غشيان الولاة ويأتون، ويؤثرون الدنيا على الآخرة يأكلون بألسنتهم، يقربون الأغنياء دون الفقراء، أولئك الجبارون أعداء الرحمن.
وقال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية.
وقال علي –﵁: قصم ظهري رجلان عالم متهتك، وجاهل متنسك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم يغرهم بتهتكه.
وكتب رجل إلى أخ له: إنك قد أوتيت علمًا فلا تطغين علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم.
والأحاديث والآثار في ذم علماء السوء وتوبيخ من يعمل بعلمه، ومن خالف قوله عمله كثيرة جدًا، وهي ناطقة بأن من أمر بما لا يفعل أشر الناس منزلة
стр. 115
عند الله يوم القيامة، وأن العلماء الفجرة هم الأخسرون إذا ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وأن حجتهم داحضة عن ربهم لما وهبهم من علمه نعمته منه عليهم فكفروا نعمته وخالفوا أمره.
ولا يخفى عن ذي لب أن ملكًا من الملوك لو أرسل كتابة بأمر من الأمور إلى عبد من عبيده لا يعرف الكتابة وليس عنده من يعرفه بما فيه فخالف أمره لا يكون ذنبه عنده كمن أمكنه أن يقرأ أو يسأل من يقرأه، ليعرف ما فيه، فيمتثله، فترك ذلك وخالف ما فيه جاهلًا به، ولا يكون جزم هذا كجرم من قرأه وفهمه وكرر قراءته غير مرة ثم خالف ما أمره به سيده ومولاه، وعمل بعكسه، لا جرم كان هذا العبد عنده أحق العبيد بأليم عذابه، وأولاهم بعظيم سخطه، وأقربهم إلى إبعاده وطرده.
ولهذا جعل الله المنافقين في الدرك الأسف من النار لأنهم جحدوا بعد العلم، وجعل الله اليهود شر من النصارى وخصهم بغضبه مع أنهم ما جعلوا لله ولدًا ولا قالوا: إنه ثالث ثلاثة، / ولكن أنكروا محمدًا ﷺ بعد المعرفة به وعلمهم بنبوته، إذا قال تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤٦].
فالعلماء السوء أصل فساد الوجود، وسبب ضلال الخلق، والقاطعون طريق السلوك إلى الحق.
وفي أخبار داود –﵇ أن الله تعالى أوحى إليه: يا داود: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، يا داود: لا تسأل عني عالمًا أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي).
وحكى الأوزاعي عن بلال بن سعد أنه كان يقول:
ينظر أحدكم إلى الشرطي فيستعيذ بالله منه، وينظر إلى علماء الدنيا المتصنعين للخلق، المتشوفين إلى الرئاسة، فلا يمقته، هذا أحق بالمقت من ذلك الشرطي.
стр. 116
وقال صالح بن حسان البصري: أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر العالم بالسنة.
وما أحسن حكاية حاتم الأصم وهو ما أخرجه أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى أبي عبد الله الخواصي- وكان من أصحاب حاتم الأصم- قال: دخلت مع حاتم الأصم الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلًا يريد الحج عليهم الصوف والزمانقات ليس معهم جراب ولا طعام، فدخلنا على رجل من التجار متنسك بحب المتقشفين فأضافنا تلك الليلة، فلما كان من الغد قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن، ألك حاجة؟ فإني أريد أن أعود فقيهًا لنا هو عليل فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل والنظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أيضًا أجئ معكم، وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري قال: مر بنا يا أبا عبد الرحمن، فجاء إلى الباب مشرف حسن فبقى حاتم متفكرًا يقول: باب عالم على هذا الحال، ثم أذن لهم فدخلوا فإذا دار قوراء –يعني واسعة- وإذا بزة ومنعة وستور وجمع، فبقى حاتم متفكرًا، ثم دخلوا المجلس الذي هو فيه، فإذا يفرش وطيئة وإذا هو راقد عليها، وعند رأسه غلام بيده مذبة فقعد ابن مقاتل فساءله وحاتم قائم فأومأ إليه ابن مقاتل أن اقعد فقال: لا اقعد، فقال له ابن مقاتل: لعل لك حاجة، قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها، قال: فقم فاستو جالسًا حتى/ أسألك، فأمر غلمانه فأسندوه، فقال له حاتم: علمك هذا من أي جئت به، قال: الثقات حدثوني به، قال: عمن قال: قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمن؟ قال: قال: عن رسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ من أين جاء به؟ قال: عن جبريل –﵇ عن الله ، قال حاتم: ففيما أداه جبريل عن الله وأداه إلى رسول الله ﷺ ، وأداه رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وأداه أصحابه إلى الثقات، وأداه الثقات إليك، هل سمعت في العلم من كان في داره أمير، أو منعته أكثر كانت له المنزلة عند الله أكثر قال: لا
стр. 117
قال: فكيف سمعت، قال: من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة، وأحب المساكين وقدم لآخرته، ، كانت له عند الله المنزلة أكثر قال حاتم: فأنت بمن اقتديت؟ بالنبي وأصحابه الصالحين، أم بفرعون ونمرود أول من بني بالجص والآجر، يا علماء السوء مثلكم يراه الجاهل الطالب للدنيا الراغب فيها، فيقول العالم على هذه الحالة، أفلا أكون أنا أشر منه، وخرج من عنده فازداد ابن مقاتل مرضًا، فبلغ أهل الري ما جرى بينه وبين ابن مقاتل وقالوا له: يا أبا عبد الرحمن: بقزوين أكثر شيء من هذا وأشاروا به إلى الطنافسي، قال: فصار إليه متعمدًا فدخل عليه فقال: رحمك الله أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني أول مبتدأ ديني، ومفتاح صلاتي، كيف أتوضأ للصلاة؟ قال: نعم، وكرامة. يا غلام، هات إناء فيه ماء، فقعد الطنافسي وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: هكذا، فتوضأ، قال حاتم: مكانك حتى أتوضأ بين يديك فيكون أؤكد لما أريد، وقام الطنافسي وقعد حاتم فتوضأ، ثم غسل الذراعين أربعًا قال الطنافسي له: يا هذا أسرفت.
قال له حاتم: في ماذا؟ قال: غسلت ذراعك أربعًا، قال حاتم: يا سبحان الله أنا في كف ماء أسرفت، وأنت في هذا الجمع كله لم تسرف؟ فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك ولم يرد منه التعلم، فدخل البيت ولم يخرج/ إلى الناس أربعين يومًا.
فالعالم إذا خالف علمه عمله، وكذب فعله قوله كان ممقوتًا في الأرض والسماء مضلة لمن رام به الاقتداء وإذا [أ] مر بغير ما يعمل مجت الأسماع كلامه، وقلت له في الأعين مهابته، وزالت من القلوب مكانته كما قال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه تزل موعظته عن القلوب، كما يزل القطر من الصفا.
стр. 118
الباب الخامس
في ذكر جملة من الكبار والصغائر
اعلم - وفقنا الله وإياك لاجتناب مناهيه واجتلاب مراضيه والوقوف مع حدود السنة الغراء والحفظ من ارتكاب البدع والأهواء-.
أنه لا يجوز للمرء أن ينكر أن ينكر فعلًا حتى يعلم أنه منكر، ولا يشترط في المنكر أن يكون عالمًا بغيره من الأحكام.
فرأيت من المتعين إفراد باب لذكر جمل من الكبائر والصغائر وأردفه بباب مختصر فيما نهى عنه ﷺ نهيًا يقتضي التحريم والكراهية، ثم أردفها بباب فيه ذكر جمل من المنكرات المألوفات والبدع المحدثات، كل ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار، وربما أشير في بعضها إلى طرق من الأدلة النبوية ليكون عدة للمنكر بما اشتمل عليه من الزجر والترهيب.
والله أسال الهداية وبه أستعين.
اعلم:
أن العلماء اختلفوا في حد الكبيرة وتمييزها عن الصغيرة.
فجاء عن ابن عباس ﵄ أن كل شئ نهي الله عنه فهو كبيرة.
وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني.
وحكى القاضي عياض هذا عن المحققين لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى إجلال الله تعال كبيرة. وضعف الغزالي في الإحياء هذا القول.
стр. 119
وذهب جماهير العلماء إلى انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر.
وهو الصحيح لقوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١].
ولقوله ﷺ «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر» رواه مسلم.
وفي معناه أحاديث كثيرة.
ثم اختلف هؤلاء في ضبط الكبائر/ وحدها لتتميز عن الصغيرة:
روى عن ابن عباس ﵁ قال: «الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب» رواه ابن أبي طلحة وأخرجه ابن جرير في تفسيره.
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس معناه وقيل: إنَّه كل ما أوجب الله عليه النار في الآخرة والحَّد في الدنيا. رواه أبو صالح عن ابن عباس أيضًا.
وبه قال الضحاك واختاره البغويّ وجماعة.
وقيل: هو كل ذنب أوعد الله عليه النار. قاله الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.
وفي رواية حكى القاضي حسين والحليمي قال: حد الكبيرة هو كل محرم بعينه منهيًا عنه لمعنى في نفسه فتعاطيه كبيرة وتعاطيه على وجه يجمع وجهين أو وجوهًا من التحريم ليكون فاحشة، والفاحشة أعظم من الزنا، ومثاله أن الزنا كبيرة فإذا زنا بحليلة جاره يكون فاحشة، ولهذا عدها النبي ﷺ من أكبر الكبائر.
قال والصغيرة: حدها تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه ولا يستوفى معنى المنصوص عليه فيكون
стр. 120
صغيرة، فتعاطيه على وجه يجمع وجهين أو وجوهًا في التحريم يكون كبيرة.
مثاله: القبلة واللمس والمفاخذة صغيرة، ولو كان مع حليلة جاره القريبة له يكون كبيرة.
وقال الغزالي (في البسيط) الضابط الشامل في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف ولا إحساس بندم، بل يرتكبها متهاونًا بها مستجرئًا عليها فهي كبيرة، وكل معصية حمله عليها غلبة نفسه وفترة مراقبته التقوى ولا ينفعك عن ندم ينغص عليه تلذذه بها فهذا ليس بكبيرة، هذا معنى كلامه.
وقال الشيخ أبو محمد عز الدين بن عبد السلام ﵀ في قواعده: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد/ الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو ربت عليه فهي من الكبائر.
فمن سبَّ الرب ورسوله أو استهان بالرسل أو كذب واحدًا منهم أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف في القاذورات فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنها كبيرة.
وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو أمسك مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر.
وكذلك لو كذب على إنسان كذبًا يعلم أنه يقتل بسببه، أما إذا كذب عليه كذبًا يؤخذ منه بسببه ثمرة فليس من الكبائر.
فإن وقع في مال خطير فهو ظاهر، وإن وقع في حقير فيجوز أن يجعل من الكبائر فطامًا لهذه المفاسد.
كما جعل شرب قطرة من الخمر من الكبائر ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة.
стр. 121
قال: والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد الزور سبب والحاكم مباشر، فإذا جعل السبب كبيرة فالمباشر أولى.
قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن، فعلى هذا علم أن كل ذنب مفسدة كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة.
ثم قال: والأولى أن تضبط الكبيرة بما يشبه أصغر الكبائر المنصوص عليها والله أعلم.
وقال أبو عمرة بن الصلاح في فتاوية: الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عظمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق. قال: فهذا حد الكبيرة ثم لها أمارات تعرف بها.
منها إيجاب الحد.
ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة.
ومنها: وصف فاعلها بالفسق نصًا.
ومنها اللعن كقوله: لعن الله من غير منار الأرض.
في أشباه لذلك لا نحصيها. وعند هذا نعلم أن عدد الكبائر غير محصور.
انتهى.
وقال الواحدي وغيره: حد الكبيرة غير معروف، بل ورد الشرع بوصف أنواع من/ المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواع لم توصف وهي مشتملة على صغائر وكبائر.
стр. 122
قالوا: وهذا شبيه بإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة وساعة إجابة الدعاء بالليل واسم الله الأعظم ونحو ذلك مما خفي، والله أعلم.
وقال القرطبيّ في تفسيره: كل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدَّده أو عظم ضرره في الوجود فهو كبيرة وما عداه صغيرة.
وقال النووي في (الروضة): في حد الكبيرة أوجه:
أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد.
الثاني: أنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما وجد لهم وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوافق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر.
والثالث: كل فعل نصَّ الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد من قتل أو غيره كترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية على ما ذكروه. انتهى.
واعلم: أن الصغائر لا مطمع في حصرها.
أما الكبائر فالخلاف في حصرها منتشر جدًا وهي على كبيرة وأكبر منها ولهذا جاء في الحديث إن من أكبر الكبائر كذا وإن من الكبائر كذا كما سيأتي.
وقد روى سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس كم الكبائر أسبع؟ فقال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ومعناه أن الصغيرة إذا أصر المرء عليها صارت كبيرة، وسيأتي الكلام في حد الإصرار إن شاء الله تعالى.
وها أنا أذكر لك من الكبائر ما ذكره الرافعيّ والنوويّ وابن الرفعة وغيرهم.
стр. 123
فمنها الشرك بالله وهو أعظمها:
قال الله تعالى ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة: ٧٢].
ومنها قتل النفس التي حرم الله بغير حق:
لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٣].
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لن يزال المرء في فسحة من دينه/ ما لم يصب دمًا حرامًا».
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم».
وروى الترمذي وحسنه عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار».
وروى الترمذي أيضًا وحسنه والطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول:
стр. 124
«يأتي المقتول متعلقًا رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله باليد الأخرى تشخب أوداجه دمًا حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست ويذهب به إلى النار».
قلت: نص الشافعي-﵀-في كتاب الشهادات من مختصر المزني على أنه: أكبر الكبائر بعد الشرك قتل النفس.
ومنها الزنا:
قال تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله صلى الله وسلم عليه قال:
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».
وخرج أحمد والطبراني عن عثمان بن أبي العاص-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «تفتح أبواب السماء نصف الليل، فينادي مناد هل من داع فيستجاب له هل من سائل فيعطى، مناد هل من مكروب فيفرج عنه، فلا يبقى مسلم يدعو الله- -بدعوة إلا استجاب الله له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارًا».
وفي رواية للطبراني «أن الله-تعالى-يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر إلا لبغي بفرجها أو عشارًا».
стр. 125
وقال ﷺ : «بينا أنا نائم أتاني رجلان-فذكر الحديث-إلى أن قال ثم انطلقا بي، فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا، وأسوأه منظرًا فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني».
رواه ابن خزيمة وابن حيان في صحيحهما في حديث عن أبي إمامة. وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر-﵁ قال قال رسول الله ﷺ «تعبد عابد من بني إسرائيل فعبد الله في صومعته ستين سنة/فأمطرت الأرض فاخضرت، فأشرف الراهب من صومعته فقال: لو نزلت فذكرت الله تعالى فازددت خيرًا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلمها حتى غشيها ثم نزل الغدير يستحم فجاء سائل فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين ثم مات، فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزنية، فرجحت الزنية بحسناته ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته فرجحت حسناته فغفر له».
واعلم:
أن زنا الشيخ أقبح وأفحش وأعظم عند الله من زنا الشاب، لما روى الطبراني عن عبد الله بن بسر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن الزناة تشتعل وجوهم نارًا».
стр. 126
وروى البيهقي عن ابن عمر-﵄-عن النبي ﷺ قال: «الزنا يورث الفقر».
وخرج الخرائطي من حديث أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «المقيم على الزنا كعابد وثن».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة-﵁-قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر».
وروى البزار عن بريدة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن السموات السبع والأرضين السبع لتلعن الشيخ الزاني، وإن فروج الزناة ليؤذي أهل النار نتن ريحها».
وروى الطبراني عن نافع مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة مسكين مستكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله».
ومن أفحش أنواع الزنا وأقبحها زنا الرجل بزوجة جاره.
стр. 127
وفي الصحيحين عن ابن مسعود-﵁ قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه مسلم أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك».
وروى أحمد عن المقداد بن الأسور-﵁-مرفوعًا بإسناد جيد: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره».
ومن أفحش أنواعه أيضًا الزنا بزوجة المجاهد، لأنها على القاعد كأمه.
وفي صحيح مسلم عن بريدة-﵁/ قال قال رسول الله ﷺ «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى، ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال فما ظنكم».
زاد النسائي في رواية «أترون يدع له من حسناته شيئًا».
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم ﵀: الزنا على مراتب بعضها أشر من بعض الزنا بالأجنبية التي لا زوج لها عظيم، وأعظم منه الزنا بالأجنبية التي لها بعل وأعظم منه الزنا بذوات المحارم، وزنا الثيب أقبح من زنا البكر، وزنا الشيخ أقبح من زنا الشاب، وزنا الحر أقبح من زنا العبد، وكذا العالم أقبح من زنا الأمي.
стр. 128
ومنها اللواط:
وفي النسائي وصحيح ابن حبان عن ابن عباس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط».
وخرج الطبراني من حديث جابر-﵁-عن النبي ﷺ قال فيه «وإذا كثر اللوطية رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا».
وخرج الطبراني والحاكم وصحح إسناده من أبي هريرة-﵁-أن النبي ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته ورد اللعنة على واحد منهم ثلاثًا، ولعن الله كل واحد منهم لعنه تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئًا من البهائم، ملعون من عق والديه، ملعون من جمع بين امرأة وبنتها، ملعون من غير حدود الأرض، ملعون من ادعى إلى غير مواليه».
والأحاديث فيها كثيرة ليس هذا المختصر محل استيفائها.
واعلم:
أن الله سبحانه لم يجمع على امة من الأمم من أنواع العقوبات ما جمع على اللوطية، فإنه سبحانه طمس أبصارهم، وسود وجوههم، وأمر جبريل ﵇ أن يقتلع قراهم من أصلها ثم يقبلها عليهم فجعل عليها سافلها ثم خسف
стр. 129
بهم، ثم أمطر عليهم حجارة من السماء، وهذه العقوبات/ لم يجمعها على امة غيرهم لشدة مفسدة هذا الذنب العظيم وفحشه وقبحه وشدة غضب الله على أهله ومقته لهم.
وقد أجمع الصحابة على قتل فاعله، وإن تنوعت آراؤهم في كيفية قتله: فحرقه خالد بن الوليد بأمر أبي بكر الصديق ﵁. وقال ابن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه ثم يتبع بالحجارة. وقد رجم أبو الدرداء لوطيًا. وحرق ابن الزبير آخر كما فعل خالد بن الوليد.
وقال مجاهد: لو أن اللوطي اغتسل بكل قطرة في الأرض وكل قطرة في السماء لم يزل نجسًا.
وقد روي عن أنس بن مالك-﵁-قال رسول الله ﷺ : «من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله تعالى إليهم حتى يحشره معهم».
قال بن القيم: وهذا المعنى صحيح وإن لم يصح الحديث. قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].الآية. قال عمر-﵁-أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم. وقال تعالى ﴿إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧].
قال النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب-﵃: هما الرجلان يعملان العمل الواحد يدخلان به الجنة ويدخلان به النار.
стр. 130
وقال يزيد بن هارون وقد سئل عن اللوطي فقال: الذي يأتي الغلام بين فخذيه هو اللوطي وعليه الحد والذي يأتيه في دبره فهو كافر.
وعن مجاهد عن أبي هريرة قال: من أتى صبيًا فقد كفر. ومنها شرب الخمر ولو قطرة واحدة.
وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناده عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد لله بن عمرو بن العاص-﵃-وهو في الحجر بمكة وسئل عن الخمر فقال: والله إن عظيمًا عند الله تعالى لشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله ﷺ ، فذهب فسأله ثم رجع، فقال: سألته عن الخمر. فقال: هي أكبر الكبائر وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته. وخرجه أيضًا الحافظ أبو بكر بن مردوديه بإسناد رجاله ثقات. وروي ابن أبي حاتم أيضًا عن ابن عباس-﵁-أنه كان يعد الخمر أكبر الكبائر.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر-﵄-قال: «من شرب الخمر في الدنيا/ ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة».
قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: وهذا وعيد بأنه لا يدخل الجنة، لأن من دخل الجنة لا يحرم شربها.
وفي المسند وصحيح ابن حبان وغيرهما عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 131
قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات-يعني الزاني-يؤذي أهل النار ريح فروجهن».
وخرج الحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها، مدمن الخمر، وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه».
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عباس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ «من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن».
وفي صحيح مسلم عن جابر-﵁-قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وإن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قيل يا رسول الله: وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار».
وفي سنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان عن أبي مالك الشعري قال: قال رسول الله ﷺ «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير».
стр. 132
وروى النسائي عن ابن عمر-﵄-أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم يقبل منه صلاة سبعًا، وإن مات فيها مات كافرًا، فإن أذهب عقله عن شيء من الفرائض لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، وإن مات فيها مات كافرًا».
وفي صحيح ابن حبان عن ابن عمر ﵄ وأيضًا قال: قال رسول الله ﷺ «من شرب الخمر فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربه فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد/ الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار».
وفي المسند بإسناد حسن عن أسماء بنت يزيد-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر لم يرض الله تعالى عنه أربعين ليلة، فإن مات مات كافرًا، فإن عاد كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار».
روى الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن عائشة-﵂-عن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر سخط الله عليه أربعين صباحًا، فإن عاد فمثل ذلك، وما يدريه لعل منيته تكون في تلك الليالي، فإن عاد سخط الله عليه أربعين صباحًا، فهذه عشرون ومائة ليلة، فإن عاد فهو في ردغة الخبال، قيل: وما ردغة الخبال؟ قال: عرق أهل النار وصديدهم».
стр. 133
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا وفي هذا القدر كفاية. اللهم إنا نسألك العافية والحفظ من أسباب سخطتك وغضبك يا أرحم الراحمين:
ومنها السرقة: وكفى بها إثمًا وعارًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده».
ومنها القذف:
قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
- وفي الصحيحين عن أبي هريرة-﵁-قال: قال ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
- وفيهما أيضًا عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال».
стр. 134
وعن طيسلة بن علي النهدي قال: «أتيت ابن عمر فقلت: أخبرني عن الكبائر. فقال/ هن تسع، قلت وما هن؟ قال: الإشراك بالله، وقذف المحصنة. قال: قلت: قتل النفس؟ قال: نعم. ورغمًا، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، واكل الربا واكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا». رواه ابن جرير من طريقين موقوفًا، ورواه غيره مرفوعًا.
قلت: مما يتساهل به كثير من الجهال من الرجال والنساء قول بعضهم لعبده: يا مخنث، ويعني به المعنى الفاحش، أو لجاريته: يا قحبة، يا زانية، وما أشبه ذلك.
وقد ذكر النبي ﷺ أنه يقام عليه الحد يوم القيامة، لأنه ليس للعبد أن يطالب سيده بحق القذف في الدنيا.
وكذلك قول بعضهم للصغير: يا ابن القحبة، أو يا ولد الزنا، وما أشبه ذلك، وهو من الذنوب العظام الكبائر التي توجب الحد في الدنيا والمقت من الله يوم القيامة.
فروع تقع كثيرًا يجب الاحتراز من مثلها: لو قال له: لطت بك أو لاط بك فلان يحد لقذفهما.
ولو قال: لطت بك فهو إقرار باللواط يحد للقذف أيضًا.
ولو قال له: يا قواد، فكناية في قذف الزوجة.
ولو رمى بحجر فقال من رماني بهذا فأمه زانية حد إن كان يعرف الرامي وإلا فلا.
ولو قال فلان زنى وأنت أزنى منه فقد قذفهما.
стр. 135
ولو قال له يا زاني أو كلمة نحوها مما توجب الحد فقال له الآخر بل أنت الزاني حد كل منهما ولا يتقاصان.
ولو قال لأجنبي يعرف أبوه: لست ابن فلان. حد.
ولو قذف صغيرة لا يوطأ مثلها عزر.
ولو قذف جماعة [بـ] كلمة واحدة حد لكل واحد حدًا على الجديد.
ولو قذف واحدًا بكلمتين حد حدين.
ولو قال: يا زاني، يا ابن الزانية، حد حدين لهما.
ونظائر هذه المسائل كثيرة محلها في كتاب اللعان والقذف من كتب الفقه. والله أعلم.
ومنها شهادة الزور:
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر فقال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور أو قال شهادة الزور».
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن خريم بن فاتك أنه ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات ثم قرأ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]».
وفي المسند عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ ، «من شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار».
стр. 136
وروى ابن ماجة والحاكم وصحح إسناده عن ابن عمر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار».
والأحاديث في هذا كثيرة.
ومنها غصب المال:
وشرط بعض العلماء أن يكون ربع دينار فصاعدًا وإلا فهو صغيرة. والغصب نوع من الظلم والله لا يحب الظالمين.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر-﵁-عن النبي ﷺ فيما روى عن ربه ﵎ أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا». وفيه أيضًا قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة».
وروى الطبراني عن علي-﵁-عن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى «اشتد غضبي على من ظلم من لم يجد له ناصرًا غيري».
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ قال الله ﵎: «وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله
стр. 137
وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلومًا وقدر على أن ينصره فلم يفعل».
وقال ﷺ لمعاذ-﵁ «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينهما وبين الله حجاب».
والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
ومنها الفرار من الزحف:
قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦].
وتقدم ذكره في السبع الموبقات.
ومنها أكل الربا:
قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
وفي صحيح مسلم «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء».
وعن مسعود-﵁-عن النبي ﷺ قال: «الربا ثلاث وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه».
رواه الحاكم/ قال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
стр. 138
وروى البيهقي في الشعب عن أبي هريرة-﵁-مرفوعًا: «الربا سبعون بابًا أدناها كالذي يقع على أمه».
وخرج الطبراني عن عبد الله بن سلام-﵁-عن النبي ﷺ قال: «الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام».
وخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن حنظلة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ «درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية».
وخرج الطبراني عن البراء بن عازب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الربا اثنان وسبعون بابًا أدناها مثل إتيان الرجل أمه».
وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «الربا سبعون حوبًا أيسرها أن ينكح الرجل أمه».
وخرج أحمد عن أبي هريرة-﵁-قال قال رسول الله ﷺ «رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق قال: فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات، ترى من خارج بطونهم. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا».
وخرج الأصبهاني من حديث أبي سعيد-﵁-أن رسول الله ﷺ لما عرج به إلى السماء، نظر في سماء الدنيا، فإذا رجال بطونهم كأمثال
стр. 139
البيوت العظام قد مالت بهم بطونهم، وهم منضدون على سابلة آل فرعون، يوقفون على النار كل غداة وعشي يقولون: ربنا لا تقم الساعة أبدًا، قلت يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال أكلة الربا من أمتك، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
قوله: منضدون قال الأصبهاني: أي طرح بعضهم على بعض.
والسابلة: المارة.
أي يتوطأهم آل فرعون كل غداة وعشي.
وخرج الطبراني عن عون بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إياك والذنوب التي لا تغفر، فمن غل شيئًا أتي به يوم القيامة، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة/ مجنونًا يتخبط، ثم قرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]».
وخرج الحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها مدمن خمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه».
والأحاديث فذ هذا الباب كثيرة جدًا وفي هذا كفاية لمن أراد الله هدايته وتوفيقه.
стр. 140
ومنها أكل مال اليتيم بغير حق:
خرج أبو يعلى وابن حبان في الصحيح عن أبي برزة-﵁-أن رسول لله ﷺ قال: «يبعث الله يوم القيامة قومًا من قبورهم تأجج أفواهم نارًا، وقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الم تر أن الله يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]».
وتقدم أنه أحد السبع الموبقات.
وفي صحيح ابن حبان عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن «وإن أكبر الكبائر عند الله الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار من الزحف في سبيل الله، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم».
وذكر القرطبي في تفسيره عن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: حدثت النبي ﷺ عن ليلة أسرى به قال: «رأيت قومًا لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسفلهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا».
ومنها عقوق الوالدين:
وفي صحيح البخاري قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 141
«أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس».
وتقدم الحديث قبله.
وخرج النسائي والبزار والحاكم بأسانيد صحاح عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاؤه وثلاثة لا يدخلون الجنة-وفي رواية حرم الله عليهم الجنة-العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء».
والديوث: وهو الذي يقر أهله على الزنا.
والرجلة: المتشبهة بالرجال.
/ وخرج الطبراني عن ثوبان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينفع معهن عمل، الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف».
وروى أحمد عن معاذ-﵁-قال أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال: «لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك» وذكر بقية الحديث.
стр. 142
وخرج الحاكم وصحح إسناده عن أبي بكر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات».
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا وخرج الأصبهاني عن العوام بن حوشب قال:
نزلت مرة حيًا وإلى جانب ذلك الحي مقبرة، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج منها رجل رأسه رأس حمار وجسده جسد إنسان فنهق ثلاث نهقات ثم انطبق عليه القبر، فإذا عجوز تغزل شعرًا أو صوفًا فقالت امرأة ترى العجوز قلت: ما لها؟ قالت: تلك أم هذا، قلت: وما كان قصته؟ قالت: كان يشرب الخمر، فإذا راح تقول له أمه يا بني اتق الله إلى متى تشرب هذا الخمر؟
فيقول: إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار، قالت: فمات بعد العصر، فهو ينشق عنه القبر بعد العصر كل يوم فينهق ثلاث نهقات ثم ينطبق عليه القبر.
تنبيه:
صح عن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» فيجب برها ويحرم عقوقها. والعم بمنزلة الأب كذلك.
ومنها قطع الرحم:
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣].
стр. 143
وقال رسول الله ﷺ : «الرحم متعلقة بالعرش تقول «من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله». رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂.
وخرج أحمد وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ / «إن الرحم شجنة من الرحمن تقول يا رب: إني قطعت يا رب إني أسئ إلي يا رب إني ظلمت يا رب، فيجيبها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك».
قوله شجنة: بكسر الشين المعجمة وضمها وبإسكان الجيم بعدهما نون قال أبو عبيد: يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق.
وخرج الترمذي والحاكم وصححاه عن أبي بكرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «ما من ذنب أجدر أن يؤجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره الله له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم».
وخرج أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة-﵁-قال قال رسول الله ﷺ : «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس فلا يقبل عمل قاطع رحم».
стр. 144
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قاطع» قال سفيان: يعني قاطع رحم.
وخرج أحمد ابن حبان في صحيحه والحاكم عن أبي موسى-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة، مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر».
وروى الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم».
قال القرطبي في تفسيره في أوائل سورة النساء: اتفقت الأمة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطعها محرم.
ومنها الكذب على رسول الله ﷺ :
وفي الصحيحين عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
وفيهما أيضًا عن علي-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 145
«لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار».
وروى الطبراني عن واثلة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أكبر الكبائر أن يقول الرجل علي ما لم أقل».
ومنها كتم الشهادة بلا عذر:
قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وروى الطبراني عن أبي موسى-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من كتم الشهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور».
ومنها اليمين الغموس:
وفي الصحيحين عن ابن مسعود/ ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان، قال عبد الله ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]». الآية.
وخرج الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن أنيس-﵁-قال قال رسول الله ﷺ : «من أكبر الكبائر الإشراك بالله،
следующие страницы →