← Сияса и кади

Сияса и кади · id 35453

تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الجاهلين

ابن النحاس، أحمد بن إبراهيم

Полный текст (524 стр.). Показаны 491–524 · переход к 496.

стр. 491

وهذا حرام بالإجماع. والواجب عليها أن تبادر بالغسل وتصلي قبل طلوع الشمس إذ الصلاة لا يجوز إخراجها عن وقتها عمداً بالإجماع. وقد تقدم أن ذلك من الكبائر. وإذا علم الزوج وسكت عن إنكاره فهو شريكها في الإثم إن كانت عالمة بالتحريم، وإن كانت جاهلة فعليه إثم جهلها كما سيأتي وإثم معصيتها. والله أعلم. وكذلك يفعلن/ في الحيض إذا طهرت إحداهن وقد بقي من الوقت ما يمكنها أن تغتسل فيه وتصلي فتتهاون حتى يخرج الوقت. وذلك أيضاً حرام. بل الواجب عليها المبادرة لإدراك الوقت. ويجب على الزوج إنكار ذلك عليها وتعريفها وجوبه فإن لم يفعل كان شريكها في الإثم. ثم إن أكثرهن لا تقضي تلك الصلاة وقضاؤها واجب لا بد منه إذا أدركت من الوقت قدراً يسع تكبيرة على الأظهر. والأظهر وجوب الظهر بإدراك تكبيرة آخر وقت العصر والمغرب بآخر العشاء. [ومنها: أن أكثرهن إذا حاضت بعد دخول وقت العصر والمغرب بآخر العشاء]. ومنها: إن أكثرهن إذا حاضت بعد دخول وقت صلاة لا تقضي تلك الصلاة إذا طهرت. وهذه المسألة يجب الاعتناء بها وبيانها للناس لأنه لا يعلمها من الرجال إلا الآحاد فضلاً عن النساء لأن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت ومضى قدر يسع تلك الصلاة وجب عليها القضاء إذا طهرت.

стр. 492

والمعتبر أخف ما يجزى من الصلاة حتى لو طولت صلاتها فحاضت وقد مضى من الوقت ما يسعها لو خففتها وجب القضاء. ومنها: ما يفعله بعض النسوة من ابتلاع لباب الخبز بالماء عند النوم بعد الشبع لأجل السمن: وهذه بدعة شنيعة والأكل بعد الشبع حرام عند جماعة من العلماء مكروهة كراهة شديدة عند الآخرين. وقد قال ﷺ : «أصل كل داء البردة». يعني التخمة. ولا فرق بين أن يكون ذلك برضا زوجها أو بغير رضاه. فإن ذلك لا يجوز، بل يجب على الزوج أن يمنعها من ذلك، فإن سكت عن الإنكار كان شريكها في الإثم. وقد يبلغ بها السمن إلى أن يصل إلى قلبها فيطفئها فتموت أو يشوش على دماغها فيذهب عقلها أو يصل إلى عينها فتعمى، وتكون هي السبب في جميع ذلك.

стр. 493

بل كثير منهن تسمن حتى تعجز عن الصلاة قائمة وعن كثير من الطاعات وتقصر يدها عن الاستنجاء حتى تحتاج إلى من يفعل بها ذلك. وكل هذه الأحوال إذا تعاطت المرأة أسبابها كانت آثمة بها غير مأجورة على ما نالها من الألم بسببها. ومنها: أكلهن للطَّفْل والطين: وذلك حرام على المشهور من مذهب مالك والأصح من مذهب الشافعيّ. ٢٧١ وفيه من الضرر ما هو/ مذكور عند الأطباء كتصفير الوجه ونفخ البطن وغير ذلك. فيجب على الزوج والولي وكل من اطلع على ذلك أن يمنع المرأة من أكله، ولا يجوز للبائع أن يبيعه لمن يعلم أنها تأكله. والله أعلم. وفي فتاوى القاضي حسين إذا أكثر أكل التراب والطين حتى أضرَّ به وأصفر لونه يعصي الله تعالى وترد شهادته. ومنها: وصل الشعر والوشم والنمص وتفليج الأسنان: وكل ذلك من الكبائر وتقدم. ومنها: النقش والخضاب بالسواد: وهو حرام بالإجماع لما يلزم منه تفويت الصلاة عادةً وتلطيخ العضو بالنشادر وهو نجس. وفي صحة الصلاة بعد غسله منه خلاف. فيجب على الزوج والولي منع المرأة من ذلك فإن سكت مع قدرته فهو شريك فيما يترتب على ذلك من المأثم. وأما الخضاب بالسواد من غير تلطيخ العضو بالنشادر ولا تفويت صلاة وهو نادر. فيجوز بإذن الزوج على المذهب. وإن لم تكن ذات زوج أو سيد، أو فعلته بغير إذنهما فحرام.

стр. 494

وكذلك تحمير الوجه إن كان بإذنهما جاز. وإن كان بغير إذنهما فحرام. وكانت خلية عنهما حرم ووجب إنكار ذلك على كل قادر، والله أعلم. ومنها: ما أحدثته من لبس القمصان الواسعة الطويلة جداً حتى أنَّ بعضهن تخيط القميص من أربعين ذراعاً وطوله سبعة أذرع: وهذا كله حرام عليها وعلى مَنْ أعانها على ذلك من زوج أو ولي، لما فيه من الإسراف والخيلاء والتكبر على الضعفاء. وقد يعجز الزوج عن ذلك فيكون سبباً للفراق أو لفساد دينها إلى غير ذلك المفاسد التي لا تخفى. وأما إذا كان رقيقاً يصف البشرة وهو الغالب كالشاش اليمنيّ والبندقيّ والشعر ونحو ذلك فهو حرام في حرام، لأن لبس ذلك حرام. وإن كان على الهيئة التي أباحها الشرع لكونه يجلو البشرة، فإن لبست فوقه ما يستر كالقبا ونحوه جاز. وإن لم تلبس فوقه شيئاً وكان يجلو شيئاً من عورتها حرم. وإن كانت وحدها في بيتها، لأن كشف العورة في الخلوة من غير ضرورة حرام، والله أعلم. ومنها: أن كثيراً منهن إذا سافر من بيتها أحد تترك كنس المبيت يومين أو ثلاثة تشاؤماً بأنها إذا كنست البيت عقب سفره كانت كأنها كنست أثره من بيتها فلا يعود/ إليه. وهذا اعتقاد فاسد وإحداث في الدين وبدعة. فينبغي لمن رأى شيئاً من ذلك في بيته أو عند أحد من أهله أو غيرهم أن ينهاهم عنه ويعرفهم أن هذا بدعة في الدين، وأنه نوع من التطير المنهي عنه، وأنَّ الطريق المستقيم في إتباع سيد المرسلين ﷺ .

стр. 495

ومنها: أنَّ المرأة إذا أوقدت السراج تسلم على الحاضرين: وهذا السلام بدعة، ليس له محل ولا شرعه الله ولا رسوله. لأن السلام المشروع إنما هو إذا غاب الإنسان عن صاحبه ولو غيبة يسيرة ثم لقيه فإن ذاك يشرع له السلام. وأما أنه يكون جالساً مع رفيقه فيوقد السراج أو الشمعة فيسلم فليس من الدين في شيء. ومنها: أن بعضهن إذا كنست البيت بعد المغرب تحرق طرف المكنسة ويعتقدون أن الكنس بالليل تفاؤلاً بكنس أهل البيت منه. وأنها إذا أحرقت رأس المكنسة دفع ذلك ووقعت المصيبة في المكنسة. وهذا بدعة واعتقاد فاسد ينبغي إنكاره وبيانه. ومنها: أن بعضهن لا تُخْرج من بيتها بعد المغرب ناراً ولا قدراً ولا منخلاً ولا خميرة ولا شيئاً من الماعون: ويعتقدون أن المرأة إذا فعلت ذلك خرج زوجها من البيت إما بموت أو غيره. وهذا اعتقاد فاسد وبدعة شنيعة محرمة ومكيدة من إبليس أوقعهن فيها. لأن منع الماعون لا يجوز، ولا يستعير الإنسان في هذا الوقت شيئاً إلا لشدة ضرورة فزين لهن منع الماعون في وقت شدة الاحتياج إليه ليوقعهن في الإثم ويمنعهن الثواب. ومنها: أنهن لا يدخلون الصابون ولا الأشنان: يوم السبت إلى السبت: ويعتقدون أن ذلك فرقة بين أهل البيت. وهذا اعتقاد فاسد ليس له أصل وتطير لا يجوز. ولهن من هذه الخرافات والبدع المستقبحات أشياء كثيرة يستقبح العاقل ذكرها فضلاً عن فعلها مع أنها لا تنحصر أبداً ولا يمكن استيفاؤها، ولو تتبعنا ذلك لطال هذا المختصر وملَّه السامع والقارئ، والله ولي التوفيق.

стр. 496

٨ - فصل في جملة من المنكرات من أنواع مختلفة فمنها: ما عمت به البلوى في الدين من الكذب الجاري على ألسن كثير من المسلمين: وهو ما ابتدعوه من الألقاب/ كمحي الدين، ونور الدين، وعضد الدين، ٢٧٣ وغياث الدين، ومعين الدين، وناصر الدين، ونحوها من الكذب الذي يتكرر على الألسن حال النداء وحال التعريف والحكاية وغير ذلك. وكل هذه بدعة في الدين ومنكر يخالف الشرع وسيما وأكثر مَنْ يسمي هذا إما فاسق أو ظالم أو جاهل لا يعرف الدين، بل لو كان ذلك حقيقة لكره لما فيه من التزكي، فكيف وهو بعيد من المجاز فضلاً عن الحقيقة. قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في كتاب «شرح أسماء الله الحسنى»: قد دلَّ الكتاب والسنة على منع تزكية الإنسان نفسه. ثم قال: قال علماؤنا ويجري هذا المجرى ما قد كثر في الديار المصرية وغيرهما من العراق والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء كذكي الدين ومحيي الدين وعلم الدين وشبه ذلك انتهى. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. فإذا قال محيي الدين أو ناصر الدين ونحو ذلك فلا بد وأن يسأل يوم القيامة هل هو صادق في وصفه أو كاذب.

стр. 497

ولو كان ذلك جائز لسبق إليه المتقدمون، فلقد كان في الصحابة من نصر الله به الدين حقاً وأعزَّ به الدين يقيناً، وأيَّد الله به الدين بشهادة الله ورسوله، وما لقبوا بهذه الألقاب ولا عدل بهم عن الأسماء والكنى. فكيف يلقب بهذا مَن هو متصف بأضداد ذلك. وقد حكى ابن الحاج عن النووي –﵀ أنه كان يكره أن يلقب بمحيي الدين كراهة شديدة. قال: وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه أنه قال: إني لا أجعل أحداً في حلٍ ممن يسميني بمحيي الدين. قال: وقد رأيت بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح يقول: إذا حكى شيئاً عن النووي قال: قال يحي النووي، فسألته عن ذلك فقال: إنا نكره أن نسميه باسم كان يكرهه في حياته، انتهى. وكذلك ما ابتدعوه من تسمية البنت: ست الناس، وست العلماء، وست النساء، وست القضاة، وست الفقهاء، وست الكل، وما أشبه ذلك. وهذه أيضاً بدع قبيحة شنيعة، إذ يدخل تحت عموم ذلك اللفظ الأنبياء والعلماء والصالحون. وإن كان المسمى بذلك لا يعتقد دخول مَن ذكر فهو كذب محض من غير ضرورة، والكذب حرام مع ما في ذلك من الكبر والتفاخر والتزكية وغير ذلك. وفي الصحيحين أن زينب كان اسمها برة فقيل: تزكي نفسها فسماها رسول الله ﷺ زينب. وقد غيَّر/ النبي ﷺ هذا الاسم مع صدقه في حقها لكراهة التزكية، فكيف بمن هو كذب صريح في حقها؟ اللهم تب علينا من البدع واعصمنا منها يا أرحم الراحمين.

стр. 498

ومنها: الأذان في البحر إذا حلو القلع مسافرين في غير وقت الأذان: وهذه بدعة في الدين. ولقد شاهدت منهم مَن أذن يوم غيم قبيل الغروب في المركب، وكان رمضان وغلب على ظني أن كثيراً ممن كان في البيوت ممن يسمع أذانه أفطر، ظناً منه أنه أذان المغرب، وربما يقع هذا كثيراً في الأوقات المقاربة لأوقات الصلاة، فينبغي إنكار ذلك والمنع منه، إذ لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد ممن يقتدى به. واعتقاد أنه أمان من الغرق اعتقاد فاسد ليس له أصل، وإنما الأصل الذي يستند إليه هو الأذان في الوقت لأنه جاء في الحديث أنه أمان من عذاب الله. فروى الطبرانيّ عن أنس مرفوعاً «إذا أذن في قرية أمنها الله من عذابه ذلك اليوم». وفي لفظ له «أيما قوم نودي فيهم بالأذان صباحاً إلا كانوا في أمان حتى يمسوا، وأيما قوم نودي فيهم بالأذان مساءً إلا كانوا في أمان حتى يصبحوا». مع أن هذا إنما هو في الأذان للصلاة. وأما أنهم يؤذنون ولا يصلون كما هو الغالب فهؤلاء أحق بعذاب الله تعالى لا بأمانه. وأما الآذان في غير الوقت فبدعة لا أصل له.

стр. 499

وقد روى ابن السني والطبرانيّ وغيرهما عن الحسين بن علي ﵄ عن النبي ﷺ : «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة أن يقولوا: باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ... إلى ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ومنها: ما يفعله كثير من الصيادين بدمياط والبرلس وغيرهما من الصيد بالخيال: وهو حرام لما اشتمل عليه من تعذيب الطير عمداً والتمثيل به فإنهم يأخذون الطائر فيسدون أذنه ويخيطون عينيه ويدعونه من غير أكل إلى اليوم الثاني، فإذا صادوا غيره ذبحوا الأول وفعلوا بالثاني كذلك ليصطادوا عليه، وإن لم يصيدوا غيره تركوه إلى أن يموت جوعاً. وهذا منكر يجب إنكاره على كل قادر والمنع منه بما تصل إليه القدرة وفي هذا الفعل من المثلة بالحيوان وعدم الشفقة عليه ما لا يخفى وقد قال ﷺ : / «من لا يرحم لا يرحم». وروى الطبرانيّ بإسناد جيد عن جرير –﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء». وروى أبو داود والترمذيّ وحسنه عن أبي هريرة ﵁ قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي».

стр. 500

وقال رجل لرسول الله ﷺ : إني لا أرحم الشاة أن أذبحها، فقال إن رحمته رحمك الله». رواه الحاكم وصحح إسناده. وروى النسائي والحاكم وصحح إسناده عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ما من إنسان يقتل عصفوراً بغير حقه إلا سأله الله عنه يوم القيامة، قيل يا رسول الله وما حقه؟ قال: حقه، أن يذبحه فيأكله ولا يقطع رأسه فيرمي به. وقال ﷺ : «من قتل عصفوراً عبساً عجَّ إليه يوم القيامة يقول يا رب إن فلاناً قتلني عبساً ولم يقتلني منفعة». رواه النسائيّ وابن حبان في صحيحه. وقد لعن رسول الله ﷺ من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً. وقد تقدم أنه من الكبائر، فلا يبعد أن يقاس عليه فعل هؤلاء إذ كل منهما تعذيب حيوان بغير عذر شرعيّ. وقد أمر النبي ﷺ بحد الشفار وأن توارى عن البهائم. وقال: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته.

стр. 501

وإذا تأملت فعل هؤلاء وجدتهم من أقسى الخلق قلوباً وأكثرهم ذنوباً. ولو كان هذا الفعل في نفسه صغيراً لصار بالإصرار والملازمة كبيرة يفسق بها الفاعل على كل تقدير كما تقدم في حبس الهرة وأنه من الكبائر. ويجب على كل منهما أن يتوب من هذا الفعل ويرجع إلى الله تعالى وإلا فلا يأمن أن يجعل الله له عقوبته في الدنيا قبل الآخرة جزاء لتعذيب خلقه الضعيف وعدم شفقته عليه. وكذلك ما يفعله كلهم إلا النادر منهم وهو أنهم إذا اصطادوا طائراً بالشبكة وغيرهم طووا أجنحته ولووا رجليه لياً يسمونه الشرملة بحيث يكسرها فلا يقدر بعد ذلك على الحركة ويتم الطائر على هذا الحال وفي هذا العذاب إلى أن يتفرغ الصياد لذبحه. وكثير من جهلة الفقهاء وغيرهم يذهبون إليهم قصداً ليتفرجوا على صيد الطير ويرون الصيادين يفعلون هذه المعصية المحرمة والبدعة المنكرة فلا ينكرون عليهم والواجب على من رأى شيئاً من ذلك أن ينكره ويمنعهم منه ويأمرهم أنهم كلما أخذوا واحداً ذبحوا من غير تعذيب، وإلا لهو شريكهم في الإثم، فإن علم أنهم لا يرجعون إليه حرم عليه أن يحضر عندهم أو ينظر إليهم. ٢٧٦ / ومنهم من يشرمله ويتركه اليومين والثلاثة من غير ذبح؛ لأنهم إذا ذبحوا ذلك وتركوه ربما تغير ونتن فيتركونه ليرمي ما في جوفه وتنظف مصرانه ثم يذبحونه فيبقى معهم أياماً من غير تغير لخول مصرانه من المرعى وهذا أشد تحريماً من الأول لما فيه من زيادة التعذيب، إذ يتركونه اليومين والثلاثة في هذا العذاب من غير أكل. ولا بد أن الحكم العادل يجازيهم يوم القيامة ويقتص منهم ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].

стр. 502

ومنها: إذا نزلوا في الماء للصيد نزلوا عراة غير مستورين ينظر بعضهم إلى عورة بعض كما يفعل النواتية في بحر النيل. وهؤلاء هم الأرذلون الذين تجردوا عن النخوة وباينوا المروءة وحرموا التوفيق وارتكبوا الفسق بما أصروا عليه من المعصية في كشف العورات التي حرم الله عليهم كشفها والنظر إليها. وهذا منكر محرم وبدعة شنيعة ومعصية بالإصرار كبيرة يجب منعها وإنكارها على كل قادر، وإلزامهم بالتستر حتى ولو كان الصياد وحده لما تقدم أن كشف العورة في الخلوة من غير ضرورة حرام، وما لهؤلاء عذر في كشف عوراتهم وهتك أستارهم والتجاهر بهذه المعصية والإصرار عليها، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. ففعل هؤلاء وأشباههم محرم، والتفرج عليهم أيضاً محرم. سيما إن كان المتفرج ممن ينسب إلى علم أو صلاح ولم ينكر عليهم فإن الحرج يكون في حقه أكثر والإثم عليه أكبر فهو شريكهم في هذه المعصية. فإن عاود ذلك خرج عن دائرة العدالة وصار من الفاسقين، والله الموفق لا رب غيره. ومنها: تقبيل الخبز: وهو بدعة لا تجوز. وقد أفتى جماعة أنه يجوز دوسه ولا يجوز بوسه؛ لأن دوسه خلاف الأولى وربما كرهه بعضهم، وأما بوسه فهو بدعة، وارتكاب البدع لا يجوز. وانظر إلى قول عمر –﵁ في الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك».رواه البخاريّ.

стр. 503

هذا وهو الحجر الأسود الذي هو من ياقوت الجنة وهو يمين الله في الأرض يصافح به خلقه. كذا روى ابن خزيمة في صحيحه. ٢٧٧ فكيف يجوز تقبيل الخبز، لكن يستحب إكرامه/ ورفعه من تحت الأقدام من غير تقبيل. وقد ورد في إكرام الخبز أحاديث لا أعلم فيها شيئاً صحيحاً ولا حسناً، والله أعلم. ومنها: ما يفعله العامة إذا نزلت الشمس برج الحمل من قطع النبات المسمى بالكركبش وإدخاره عندهم ليمنع عنهم فقر تلك السنة: وهذه بدعة واعتقاد فاسد يجب التوبة منه، وفيه تشبه بالنصارى، وقد نهينا عن التشبه بهم مع أنه يشتمل على محرمات عديدة لا نطول بذكرها لأنها لا تخفى عمن شاهدها من أهل العلم، فيجب على كل قادر إنكارها والمنع منها، فإن عجز فيجب عليه أن لا يخرج إلى الأمكنة التي يجتمعون فيها لهذه البدعة. ومنها: ما ابتدعه كثير من المتعبدين والمتفقهين وهو الوسواس في الطهارة: وقد سماها النبي ﷺ اعتداء. قال ﷺ : «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهارة والدعاء». رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه. فمنهم من ينتظر الحوض في الحمام حتى يفيض ثم يغتسل منه وحده ولا يمكن أحداً من استعماله حتى يفرغ. وهذا مبتدع مخالف للسنة.

стр. 504

قال الشيخ شمس الدين ابن القيم: قال شيخنا: ويستحق التعزيز البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبد الله بالبدع، انتهى. وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يغتسل هو وعائشة من قصعة بينهما فيها أثر العجين. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أنه قال: كان الرجال والنساء على عهد رسول الله ﷺ يتوضئون من إناء واحد. مع أن آنيتهم لم تكن قدر حوض الحمام ولا قريباً منه. بل صح أن الإناء الذي كان النبي ﷺ يغتسل منه هو وأهله قدر الفرق، وهو قريب من خمسة أرطال بالدمشقي. ولم تكن لآنيتهم مادة تمدها كأنبوب الحمام ونحوه. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفيه وبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. ذكر الخطابي: أن الحلاب: هو إناء يسع قدر حلبة ناقة. وفيهما أن عائشة ﵂ لما سألت عن غسل رسول الله ﷺ من

стр. 505

الجنابة فدعت بإناء قدر صاع فاغتسلت» الحديث. ومنهم من يتوضأ مرات ويغتسل مرات. وهذا أيضاً مبتدع مكروه، على الصحيح، وقيل حرام. وإليه ذهب جماعات من العلماء، واستدلوا فيه بأن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً وقال: «من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم». ٢٧٨ / وهو دليل ظاهر. وحكى أبو الفرج ابن الجوزى –﵀ عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلاً قال له أنغمس في الماء مراراً كثيرة وأشكُّ هل صح لي الغسل أم لا فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: إذهب فقد سقطت عنك الصلاة. قال: وكيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة، المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ». ومن ينغمس في الماء مراراً ويشك هل أصاب الماء أم لا فهو مجنون. قلت: ومحل الخلاف في الكراهية والتحريم إنما هو إذا فعل ذلك بما يملكه أو في نهره ونحوه. وأما إذا فعل ذلك في ماء الحمام فإن ذلك حرام قطعاً إذ يخرج وذمته مغمورة بمال الغير لاستعمال ما زاد على حاجته. وكذلك إذا توضأ من الحياض المسبلة التي يحمل إليها الماء للاستعمال وغيره

стр. 506

فإنه يحرم عليه أن يستعمل منها ما زاد على قدر حاجته. وكذلك الإسراف في كثرة ماء الغسل والوضوء وإن لم يزد على الثلاث قال الله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١، الأعراف: ٣١]. وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: لا تسرف. فقال يا رسول الله أفي الماء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار. وروى الترمذيّ أن رسول الله ﷺ قال: «للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء». وقال النخعيّ: إني لأتوضأ من كوز الحب مرتين. وقال سعيد بن المسيب: إني لأستحي من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلي. وفي رواية، إن لي ركوة أو قدحاً ما يسع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه وأفضل منه فضلاً. قال ابن القيم ﵀: لما ذكر حديث «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور»: إذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ

стр. 507

الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩١، المائدة: ٨٧]. وعلمت أن الله يحب عبادته أنتج لك هذا أن وضوء المسوس ليس بعبادة. ومنها: الوسواس في نية الصلاة: وهو بدعة لم ترد عن أحد من السلف. قود قال أبو الفتوح العجليّ: تكره الصلاة خلف الموسوس لأنه يشك في أفعال نفسه، انتهي. وقال بعض العلماء: يجب على الناظر عزل الإمام الموسوس لأن الوسواس بدعة محرمة، انتهى. مع أن التلفظ بالنية وغيرها لا يجب، بل لا يسن عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم. بل قد ذهب كثير من العلماء إلى أن ذلك بدعة لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين. ٢٧٩ وقد سئل العلماء عن ذلك في زمن العلامة/ شمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى- فأجابوا بما ذكرنا وانتهى السؤال إليه، فأطال الجواب، فخرج مخرج التأليف المجرد في ذلك، وهو يتضمن أيضاً ما ذكرناه من أن التلفظ بالنية بدعة مكروهة لم ترد عن أحد ممن يقتدى به من السلف. وقال في كتابه «إغاثة اللهفان»: وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة، قد جعلها الشيطان معتركاً لأهل الوسواس يحبسهم عندها ويعذبهم بها ويوقعهم في طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها وليست من الصلاة في شيء، وإنما النية قصد فعل الشيء، فكل عازمٍ على فعل فهو ناويه ولا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها: فلا يمكن عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضئ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة ولا يكاد العاقل يفعل شيئاً من العبادات ولا غيرها بغير نية.

стр. 508

قلت: هذا الكلام لا شك فيه وإنما دخل عليهم الوسواس من اشتراط مقارنة النية التكبير، والأدلة في اشتراطها عقلية لا نقلية، وإنما استحب المتأخرون التلفظ بالنية لأنه مظنة التذكار والحضور غالباً، وإلا فالنبي ﷺ وصحابته والتابعون إنما كان يعلم دخولهم في الصلاة بالتكبير حسب لا غير. قال الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله ﷺ ، ولا واحد من الصحابة واحدة منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداء لله تعالى إماماً أو مأموماً أربع ركعات مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، فلو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش هل فعل رسول الله ﷺ أو واحد من شيئاً من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه ولدلونا عليه، فإن كان هذا هدي فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدي فماذا بعد الحق إلا الضلال. قال: ومن أضاف الوسواس ما يفسد الصلاة مثل تكرير بعض الكلمة كقوله في التحيات: أت أت التحي التحي، وفي السلام: أس أس/ ونحو ذلك، فهذا ٢٨٠ الظاهر بطلان الصلاة، وربما كان إماماً فأفسد صلاة المأمومين وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعاداً له عن الله تعالى من الكبائر، وما لم يبطل الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريقه ﷺ وهديه وما كان عليه أصحابه، انتهى. ومنها: أن بعضهم يغسل الصوف والجوخ وغيره مما ينسجه الكفار قبل لبسه ويعتقد أن هذا واجب. وليس كذلك واعتقاده ذلك بدعة فإن النبي ﷺ كان يلبس الثوب التي ينسجها المشركون ويصلي فيها ولم يسمع عنه أنه غسل منها شيئاً قبل لبسه. وكان ابن عمر ﵄ يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له لم يفعله

стр. 509

رسول الله ﷺ انتهى، حتى إنه قال لقد هممت أن أنهي عن لبس هذه الثياب فإنه بلغني أنها تصبغ ببول العجائز، فقال له أبي مالك: إن تنهي عنها فإن رسول الله ﷺ قد لبسها ولبست في زمانه، ولو علم الله تعالى أن لبسها حرام لبينه لرسوله ﷺ فقال ابن عمر: صدقت. ذكر ذلك ابن القيم –﵀ ثم قال: وعلى قياس ذلك الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب فتنجسه من باب الوسواس. ولما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الجابية استعار ثوباً من نصراني فلبسه حتى خاطوا له قميصه وغسلوه وتوضئ من جرة نصرانية، وصلى سليمان وأبو الدرداء في بين نصرانية فقال لها أبو الدرداء: هل في بيتك مكان طاهر نصلي فيه؟ فقالت: طهرا قلوبكما ثم صليا أين أحببتما. فقال له سلمان: خذها من غير فقيه، انتهى. ومنها: إيقادهم السرج عند الأشجار والأحجار والعيون والآبار ويقولون: إنها تقبل النذر: وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة يجب إزالتها ومحو أثرها فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تضر وتنفع وتجلب وتدفع وتشفي المرضى، وترد الغائب إذا نذر لها. وهذا شرك ومحادة لله ولرسوله ﷺ . وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. قال مجاهد وقتادة وابن جريج: كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها ويعظمونها.

стр. 510

قالوا: وليست بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش، وقيل غير ذلك. وقال الحافظ: أبو محمد بن أبي شامة في كتاب «البدع/ والحوادث» ومن ٢٨١ هذا القسم أيضاً ما قد عم به الابتلاء من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى بها في منامه أحداً ممن يشهد لهم بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظن عليه مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عين وشجر وحائط وحجر. وكان بعض أهل العلم ببلاد إفريقية إلى جانبه عين تسمى عين العافية كان الناس قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق. فمن تعذر عليه نكاح أو ولد قال امضوا بنا إلى عين العافية. قال: فخرج إليها هذا العالم لما خشي الفتنة فهدمها في السحر وأذن للصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأساً قال: فما رفع لها رأساً إلى الآن، انتهى. وقد كان بدمشق كثير من هذا كالعمود المخلق وحجر كان في نهر قلوط عند مقابر النصارى تحت الطاحون على صورة صنم وحجر كان بمسجد «النارنج» وحجر كان عند الرحبة وأشياء غيرها. فتوجه إليها بعض العلماء في جماعة فكسرها وأذهب أثرها، وذلك في أوائل القرن الثامن، والله يقيم لنصرة دينه وسنة رسوله والذب عنهما من شاء من عباده. فالواجب على من رأى شيئاً من ذلك أن يذهب أثره ما قدر عليه ويطفئ ما وجد عليه من سرج وشع ونحو ذلك ويبين للناس أن هذا منكر وبدعة واعتقاد فاسد لا يحل وأنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى وحده.

стр. 511

ويجب على العلماء إذا اشتهر شيء من ذلك أن يبينوا للناس حكم الله فيه وينكروه بما تصل إليه قدرتهم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ومنها: لبس الثياب الواسعة الطويلة والعمائم الكبار والطيالسة لغير حاجة. وذلك بدع مكروهة أو محرمة لما فيها من الإسراف وإضاعة المال. فإن لبست خيلاء وفخراً ومباهاة وتميزاً على الأقران كانت محرمة قطعاً من غير تردد. وقد تقدم ذكر ذلك في الكبائر وأن الله لا ينظر إلى صاحبها يوم القيامة ولا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم. وإذا نظرت إلى سروال أحدهم وسعته وطوله عن الكعبين. وفي سعة كمية وطولهما، وأنه إذا وجدهما ضيقين قيراطاً ونحوه عد ذلك عيباً في الثوب، وإن ٢٨٢ خاطها الخياط ضيقة كذلك غضب عليه/ وربما امتنع من لبسها. كذلك تحققت أنه لم يلبسها إلا للفخر والخيلاء. وقد صار أكثر الناس استعمالاً لها المتلبسون بالعلم حتى صار ذلك شعاراً لهم يتميزون به عن غيرهم، ثم اقتدى بهم فيها طوائف ليس عندهم شيء من العلم كغالب الشهود والكتاب وفقهاء المكاتب وغيرهم فيجيء الجاهل فيسأل أحدهم عن واقعة وقعت له لما يرى عليه من هيئة المتلبسين بالعلم كالشاش الكبير والطيلسان والفرجية بالأكمام الواسعة ونحو ذلك فيعلم هو أنما سأله لما ظن فيه من العلم والمعرفة فيأنف أن يكشف له عن جهله بقول لا أعلم فيفتيه بما حضر له مما يلقيه الشيطان على لسانه، وربما كان ذلك في مسائل الطلاق والنكاح وغيرها، فبضل ويضل، وسببها مخالفة السنة في لبسه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم –﵀ في كتاب «الهدي»

стр. 512

وجماعة من العلماء غيرهم أن الطيلسان ليس من السنة. قال بعد كلام طويل: وفي جواز الطيلسان لغير البرد نظر، لأنه من سيما اليهود الذين يخرجون من أصبهان مع الدجال كما جاء في صحيح مسلم أنه يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة وقد منعنا الشرع عن التشبه باليهود والنصارى. هذا معنى كلامه. قلت: وإذا فتشت عن حقيقة القصد في لبسها وجدت غالبهم إنما يلبسها للخيلاء والعظمة والرياسة حتى إن كثيراً منهم يستحي أن يمشي في البلد بغير طيلسان شتاءً وصيفاً، ويرى أن ذلك نقص في رياسته وحط منصبه وأن الناس إذا رأوه بغير طيلسان تذهب عظمته من قلوبهم ويسقط من أعينهم. وكل هذه أدلة على سوء القصد في لبسه وفساد النية فيه ولو سألت الفقيه منهم عن التطليس للفخر والمباهاة والخيلاء لقال لك: ذلك حرام. ولو سألته عن طول الثياب عن الكعبين إلى الأرض لقال لك هو حرام وهو متلبس بجميع ذلك، ولكن لا يشعر وربما يشعر وكابر، والسنة أن يلبس الإنسان ما وجد، كما كان النبي ﷺ يفعل، وكذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم. وأما البذاذة في اللباس ولبس الأدون فهو سيما الزاهدين وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قبض في كساء ملبد وإزار غليظ. وكان على موسى ﷺ / يوم كساء صوف وجبة صوف وكمة ٢٨٣ صوف وسراويل صوف، وكان نعلاه من جلد حمار غير ذكي. رواه الحاكم وصحح إسناده.

стр. 513

وخرج النبي ﷺ وعليه مرط مرجل من شعر أسود. رواه مسلم. وروى البيهقيّ أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مرط نسائه، وكانت أكسية من صوف ما يشترى بالستة والسبعة. وفي الموطأ عن أنس قال: رأيت عمر –﵁ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين وقد رفع بين كتفيه رقاع ثلاث لبد بعضها على بعض. وخطب عثمان بن عفان –﵁ على المنبر وعليه إزار عدني غليظ ثمن أربعة دراهم أو خمسة. رواه الطبرانيّ. فإن قال قائل هذا لبس الزاهدين ولسنا منهم. فنقول له: إن لم تكن زاهداً فكن متبعاً إن كنت مؤمناً. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». فإن كنت متبعاً للني ﷺ الذي أوجب الله علينا إتباعه فألبس ما وجدت كما كان النبي ﷺ وعمر يلبس ما وجد، فقد كان يلبس العالي مرة والدون

стр. 514

مرة والواسع مرة والضيق مرة، والصوف مرة، والشعر مرة ولا يتوقف في شيء. وروى البيهقيّ عن أبي هريرة –﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن اللخ يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس». فهكذا فكن. وإن كان علمك لم يهدك إلى هذا القدر فتعوذ بالله من علم لا ينفع. وقد حكى عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام –رحمه الله تعالى- أنه كان يلبس ما وجد حتى ربما خرج وعلى رأسه كلوثة الجند وحضر الدرس وهي عليه، وربما لبس قباء ونحوه- مع أن هيبته في قلوب الأمراء والسلاطين مشهورة، وسطوته عليهم بالحق معلومة وخضوعهم لكلمته وانقيادهم لأمره لا ينكر. ولقد سأله سائل وهو في الطريق فقطع نصف عمامته ودفعها له ثم مرّ، وسأله آخر فأعطاه النصف الآخر. فقال له بعض من معه: خذ عمامتي، فأبى عليه. فقال له: يا سيدي تمشي هكذا بين الناس مكشوف الرأس؟ فلم يرد عليه جواباً، ومشى لسبيله وشق الطريق من باب زويلة إلى بين القصرين والناس يتزاحمون عليه ويتبركون به ويستفتونه. وفي فتاويه المنسوبة إليه أنه سئل فقيل له: هل في لبس هذه الثياب الواسعة الأردان والعمائم المكبرة بأس أو بدعة تستوجب توبيخاً في القيمة والمبالغة في تحسين الخياطة والزيق/ والتضريب يضر بأهل الورع أم لا؟ ٢٨٤ فأجاب وقال: الأولى بالإنسان أن يقتدي برسول الله ﷺ في الاقتصاد في اللباس.

стр. 515

وإفراط توسيع الأكمام والثياب بدعة وسرف وتضييع للمال. ولا تجوز الثياب الأعقاب، فما زاد على الأعقاب ففي النار. ولا بأس بلبس شعار العلماء من أهل الدين ليعرفوا بذلك فيسألوا. فإني كنت محرماً فأنكرت على جماعة من المحرمين لا يعرفونني ما أخلوا به من آداب الطواف، فلم يقبلوا. فلما لبست ثياب الفقهاء وأنكرت على الطائفين ما أخلوا به سمعوا وأطاعوا. فإذا لبس شعار الفقهاء لمثل هذا الغرض كان فيه أجر لأنه سبب إلى امتثال أمر الله والانتهاء عما نهى الله عنه. ولا تظن أيها الأخ أن توسعة الأكمام وطول الثياب وكبر الشاشات والطيالسة مع رفعها ونفاستها وسعة السراويل والبندقي وغيره من شعار العلماء من أهل الدين –معاذ الله- بل من شعار العلماء من أهل الدين ما وافق السنة، وإلا فمن خالفها فليس من أهل الدين، بل هو من أهل البدعة والسرف وتضييع المال كما ذكر الشيخ في صدر جوابه. ولا تغتر بما قال الشيخ –﵀: «ولا بأس بلبس شعار العلماء» وتغفل عن تقييده بأهل الدين. فقد اغتر بذلك غيره ولبسوا ما تراه وقالوا: هذا شعار العلماء وقصدنا بذلك توقير العلماء وأهله ونحن مثابون على ذلك. وتالله إنهم لغالطون، إذ حقيقة أمرهم الفخر والمباهاة والتميز على الأقران. وهم في جميع ذلك مأزورون لا مأجورون، ومعاقبون عليه لا مثابون. ولو كان قصدهم بهذه الهيئة، من سعة الثياب وكبر العمائم التلبس بشعار العلماء ليتميزوا عن الجهال للبسوا ذلك في مظان السؤال والإفتاء دون غيره، كما فعله الشيخ –﵀ لرجوع العامة إليه.

стр. 516

بل لو كان قصدهم بذلك وجه الله والتلبس بشعار العلماء لم يقصدوا الثياب النفيسة والصوف الرفيع ويأنفوا من لبس القماش الوسط وإن كان على الهيئة المطلوبة من السعة والطول، حتى لو كلفت أحدهم أن يلبس الكتان الخالص مكان المحرر والصوف المربع، وكلفته أن يلبس الشاشات البلدية مكان الشمسية لكان عنده بمنزلة الذبح وإن كان في السعة والطول سواء. ولو كلفت أحدهم أن يتخذ فرجتين من لون واحد وقماش واحد لأبى إلا أن يغاير بينهما ليعلم أن له ثنيتين. وما فائدة سعة السراويل ورفعه وطوله مع أن العالم لا يتميز به ولا ينظر السائل ذا السروال فيقصده بالسؤال دون من لا سروال له. وما فائدة سعة السراويل ورفعه وطوله مع أن العالم لا يتميز به ولا ينظر السائل ذا السروال فيقصده بالسؤال دون من لا سروال له. وما فائدة الطيلسان ورفعه وجره/ من وراء ظهره وهو مم يقتضي إقدام ٢٨٥ كثير من العوام على صاحبه بالسؤال. والله ما ذاك كله إلا لما ذكرنا من المقاصد الفاسدة. مع أن أكثر اليوم من يلبس هذه اللبسة الجهال كغيرهم من أرباب الصنائع، والتميز بهذه الهيئة مفقود. وفيه ما تقدم من المفسدة العظمى في قصد صاحب هذه الهيئة بالسؤال وإقدامه على الجواب بجهله، إذ صار ذلك شعار الشهود والكتاب والمؤذنين وكثير من التجار وغيرهم من الطلبة الذين ليسوا أهلاً لأن يسألوا، بل صار أهل الذمة من اليهود والنصارى والسامرة يلبسون لبسة المتفقهة لا يتميزون عنهم إلا بألوان عمائمهم حسب لا غير. فمن كان من أهل العلم فليتبع العلماء ويقتدي بالسلف ويعبدوا الله بالسنة، وإلا فكل عللهم في لبستهم معلومة، وكل أدلتهم فيها مدخولة، والمعصوم من عصمه الله.

стр. 517

وقد حكي عن الإمام الحافظ –أبي عبد الله القرطبيّ- ﵀ أنه كان على السنة يلبس ما وجد حتى أنه كان يوماً في بيته يغسل له ثوبه ولم يجد شيئاً يلبسه فلبس ثوب زوجته وجلس يشغل ولده الصغير عن أمه حتى تفرغ من غسلها فخمر العجين، واحتاج إلى الخبز فأخذ الطبق على يده والصغير على ذراعه الآخر وخرج إلى الفرن. وإذا بعجوز قد لقيته فطلبت منه أداء شهادة عند الحاكم فذهب معها في الوقت وهو على تلك الحال- العجين على يده وولده على ذراعه وهو لابس قميص زوجته حتى جاء إلى القاضي وجماعة الشهود عنده فأدى الشهادة فقال له القاضي: ما حملك على أن تأتي على هذه الحالة؟ فقال: غسلت ثوبي ولم أجد شيئاً ألبسه غير قميص الزوجة، وكنت أشغل الولد عن أمه، ثم احتجت إلى الخبز فخرجت فلقيتني هذه المرأة وطلبت مني أداء الشهادة وهي واجبة علي، فخفت أن لا يطول العمر، فبادرت إلى خلاص الذمة وبعدها أدرك قضاء حاجتي. فرد القاضي إلى العدول فقال: أفيكم من يقدر أن يفعل مثل هذا؟ فقالوا: لا. فقال: وأين العدالة! ! ومثل هذه الحكاية عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم كثير لا ينحصر. بل كان الغالب على علمائهم التقشف والبذاذة وليس الدون من الثياب كما قال الإمام العارف أبو طالب المكي: قد كان السلف ثوب أحدهم من سبعة دراهم إلى عشرة دراهم وكانوا لا يجاوزون هذا الثمن إلا نادراً. ٢٨٦ / قال: ومما أحدثوه من البدع لبس الثياب الكثيرة الأثمان، انتهى. وإن عجزت أن تجاهد نفسك في لبس الدون منها، فلا بد وأن تجاهدها في ترك الإسراف فيها والوقوف عند القدر المباح من وسعها وطولها.

стр. 518

وانظر ما قدمناه في الكبائر في لبس الطويل من الثياب وفيمن جره خيلاء يتضح لك ما في هذه الثياب من الوزر وما على صاحبها من الإثم، والله ولي التوفيق لا رب سواه.

стр. 519

٩ - فصل قال حجة الإسلام أبو حامد الغزاليّ ﵀: إعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد، فكيف بالقرى والبوادي ومنهم الأعراب والأكراد والتركمان وسائر أصناف الخلق. وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلاد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية. وواجب على كل فقيه فرغ من فرض عينيه وترغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى كل من يجاوره من أهل السواد ومن الأعراب والأكراد وغيرهم ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم، ويستحصب مع نفسه زاداً يأكله ولا يأكل من أطعمتهم فإن أكثرها يكون شبهة فإن قدم بهذا الأمر واحد سقط الحرج عن الآخرين، وإلَّا عمَّ الحرج الكافة أجمعين. أما العالم فلتقصيره في الخروج، وأما الجاهل فلتقصيره في طلب العلم. وكل عاميّ عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره وإلا فهو شريك في الإثم. ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالماً بالشرع وإنما يجب التبليغ على أهل العلم وكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها ولعمري الإثم على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر وهو إحياء بضاعتهم ببضاعتهم أليق، لأن المتحرفين لو تركوا حرفتهم لبطلت المعايش فهم قد تقلدوا أمراً لا بد منه في صلاح الخلق.

стр. 520

وشأن الفقيه وحرفته تبليغ ما بلغه عن رسول الله ﷺ فإن العلماء ورثة الأنبياء، وليس للإنسان منهم أن يقعد في بيته ولا يخرج إلى المسجد لأنه يرى الناس لا يحسنون الصلاة، بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم والنهي. وكذلك كل من يتقن أنه في السوق منكراً يجري على الدوام أو في وقت بعينه وهو قادر على تغييره فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالتفرد في البيت، بل يلزمه الخروج. فإن كان لا يقدر على تغيير البعض/ لزمه الخروج، لأن خروجه إذا كان ٢٨٧ لأجل تغييره ما يقدر عليه فلا يضره مشاهدة ما لا يقدر على تغييره، وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل محلته ثم إلى أهل بلده، ثم إلى السواد المكتف لبلده، ثم إلى أهل البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم، وهكذا إلى أقصى العالم. فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد وإلا حرّج به كل قادر عليه قريباً كان أو بعيداً. ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه أو بغيره فيعلمه فرضه. وهذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه يشغله عن توجيه الأوقات في التفريعات النادرة والتعمق في دقائق العلوم التي هي من فروض الكفايات، ولا يتقدم على هذا إلا فرض عين أو فرض كفاية هو أهم منه والله أعلم، انتهى. وعلم أيها الأخ الحريص على خلاص نفسه أن الله تعالى فرض عليك أن تستقيم وأن تتعلم العلم بكيفية الاستقامة في كل حالة أقامك فيها وفرض عليك أن تتعلم ما افترض على أهلك لتعلمهم إياه أو تمكنهم من التعلم حيث لا مانع، فإن لم تفعل كان كل ما فرطوا فيه من الواجبات في عنقك.

стр. 521

قال الواحديّ –﵀ في تفسيره، قال الحسن: «علموا أولادكم وأهليكم وخدمكم أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله في كتابه حتى يؤمنوا بهم ويصدقوهم بما جاءوا به». وقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمناً حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل. فيجب على الإنسان أن يعلم صبيانه ونساءه أسماء الأنبياء ﵈ ويأمرهم بالإيمان بجميعهم، إذ لا يبعد أن يظنوا أنهم كلفوا الإيمان بمحمد ﷺ فقط، فيلقنوا قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا .. ﴾ إلى آخر الآية انتهى. قلت: فإذا كان تعلم أسماء الأنبياء للنساء والصبيان واجب فما ظنك بأحكام الطهارة والصلاة والحج والصيام ونحو هذا. وهذا أمر قد أضرب عنه أكثر العلماء في أهليهم وخدمهم فضلاً عن الجهلاء. فترى العالم لا يلتفت إلى من عنده من العبيد والإماء بأمر واجب ولا نهي ٢٨٨ عن محظور، بل لا يأمر زوجته ولا ينهاها ولا يعترض عليها/ في ترك صلاة ولا زكاة ولا غسل، ولا يعلمها ما أوجب الله عليها من الفرائض. ولعل العبد والجارية يقيمان في ملكه السنين الكثيرة لا يصليان صلاة ولا يغتسلان من جنابة ولا حيض إلا إن دخلا الحمام تبعاً ويراهما السيد مرتكبين أموراً من المنكرات فلا ينهاهم ويتغافل عنهم، والجاهل يظن أن إثمهما على أنفسهما دونه.

стр. 522

وتالله إنه لمؤاخذ بما يصدر منهم ومسئولاً عنه ومطالب به يوم القيامة ومعاقب عليه. وقد قال النبي ﷺ : «الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، وكلكم راعٍ ومسئول عن رعيته». رواه البخاري ومسلم. وقال النبي ﷺ : «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع». رواه ابن حبان في صحيحه. فمن علم أن الله سائله يوم القيامة عن رعيته وأهله وخدمه، كيف تقر عينه بإهمالهم وتركهم كالبهائم المرسلة لا يزمهم بزمام الشرع، ولا يقيدهم بقيد السنة، ولا يعلمهم ولا يأمرهم بالتعلم، بل لو اشتغل أحدهم بأداء صلاة وفوته درهماً أو أخر حاجته قليلاً لاشتغاله بالصلاة وأداء الواجب لقامت قيامته وقابله بما أمكنه وليس هذا من الدين في شيء. فلينظر كل امرئ لنفسه، فرب هالكٍ بإهماله ذنوب غيره وهو لا يشعر فينبغي للإنسان أن يأمر زوجته وولده وخادمه بأداء الواجبات وترك المحرمات بالرفق، فإن أبوا أغلظ عليهم الكلام، فإن أبوا ضربهم، فإن لم ينتهوا فارق الزوجة وباع الخادم هجر الولد حيث يجوز الهجر، وقد تقدم أن ابن عمر هجر ولداً له إلى أن مات. فإذا فعل ذلك فقد خلص نفسه، وقام بما يجب عليه من الإنكار، وخرج من العهدة منهم وبريء من الإثم، والله ولي التوفيق. وهذا آخر ما يسَّره الله –تعالى- مع ضيق الوقت، وكثرة الاشتغال، وترادف القواطع، وتتابع الموانع، وعدم الكتب التي ينبغي أن تراجع في مثل هذا

стр. 523

الشأن، فرحم الله امرأ رأى فيه عيباً فستره، أو زللاً فغفره، أو وهماً فحلم عن صاحبه وعذره. وإني أبرأ إلى الله مما زل به البنان، أو أخلَّ به العيان، أو حل به الخطأ وحل فيه النسيان. ٢٨٩ اللهم إليك نمد أكف الفاقة والافتقار، أن تمحو من صحائفنا/ ما سطرته أيد الأوزار، فإنا في كثير مما تقدم واقعون، ولنواهيك بجرائمنا مرتكبون، ونحن إليك تائبون، رب فتقبل توباتنا واغسل صوباتنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتولنا بحفظك ولا تخزنا يوم الدين، واجعلنا من خوف الطرد والقطيعة آمنين، رب ولا تجعل حظنا منك الحرمان، ولا تبعدنا عن بابك بالعصيان ولا تجعل ما علمتنا سبباً لهواننا يوم يقوم الأشهاد، وآتنا ما وعدتنا على رسلك إنك لا تخلف الميعاد. اللهم واجعل أفضل صلواتك، على أفضل مخلوقاتك، محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه، وذرياته أجمعين، دائماً بدوام ملكك يا رب العالمين، وأنلنا شفاعته واحشرنا في زمرته، يا أرحم الراحمين. تم الكتاب، والحمد لمستحقه، وصلواته وسلامه على أشرف خلقه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين. قال مؤلفه ﵀: فرغ مؤلفه من تأليفه في العشر الأوسط من صفر، سنة إحدى عشرة وثمانمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وصلواته وسلامه على خير خلقه، ومظهر دينه وحقه، سيدنا محمد خاتم

стр. 524

الأنبياء والمرسلين، والكل وأصحابهم والتابعين، وتابع التابعي لهم بإحسان إلى يوم الدين. وفرغ منه كاتبه الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه ومغفرته وإحسانه محمد بن عبد المحسن بن دغفق، غفر الله له، ولوالديه، وإخوانه في الله، ولجميع المسلمين والمسلمات، يوم الأربعاء خامس من شهر رجب سنة ١٣٣٣، والحمد لله رب العالمين. (إن تجد عيباً فسد الخلا ... جل من لا عيب فيه وعلا) بلغ مقابلة على أصله بحسب الطاقة والإمكان.