← Сияса и кади

Сияса и кади · id 35453

تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الجاهلين

ابن النحاس، أحمد بن إبراهيم

Полный текст (524 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وهي بدعة شنيعة يجب إنكارها والمنع منها. ومنها: أن بعضهم يأخذ في الرحيل بعد الزوال يوم عرفة ويأتون إلى العلمين أو قريب منهما ويقفون هناك: فإذا سقط بعض قرص الشمس أسرعوا الخروج/ من بين العلمين. وفاعل هذا يريق دمًا عند الشافعي استحبابًا. وقيل وجوبًا. وأما عند مالك ومن تابعه فالوقوف في جزء من الليل واجب لابد منه، وعلى من تركه إراقة دم. وفعل هؤلاء بدعة منكرة يجب على الأمير أن يمنع هؤلاء من فعلهم، وأن لا يمكن أحدًا من النفر حتى يتحقق دخول جزء من الليل. وينبغي له بل يجب عليه أن لا يترك بعض الحاج يخرجون من وراء العلمين، لأن العلمين إنما هما لبيان حد عرفة من غيرها، لا أن الدخول بينهما واجب كما يزعم بعض الجهال أن من لم ينفر بينهما لا يصح حجه. وهذه بدعة شنيعة يقع بسببها ما لا خير فيه من الزحمة العظيمة والشتم وكسر المحامل وسقوط الأحمال والضرر الكثير بالضعفاء، وغير ذلك مما هو مشاهد لا يخفى وسبب كل ذلك اعتقادهم أن الدخول من بينهما لابد منه. فإذا تفرقوا خفت الزحمة وقل الضرر وحصل الرفق. ومنها: أن كثير من الحاج لا يقف بالمزدلفة وإن وقف فلا يبيت: وهذا بدعة يجب على الأمير ومن قدر أن يمنع منها. لأن من ترك المبيت بمزدلفة وجب عليه إراقة دم في الأظهر. وذهب ابن خزيمة وجماعة من العلماء إلى أن المبيت بها ركن فعلي هذا إذا تركه فسد حجه، ولا يجبر بدم ولا بغيره. وشرط المبيت أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل، ولو رحل قبله لم يسقط عنه الدم، ولو عاد إليها قبل الفجر سقط. ومنها: تركهم السنة في الوقوف بالمشعر الحارم.

стр. 457

وذلك بدعة أيضًا. ومنها: أن بعضهم يرجع يوم النحر إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ثم يشتغل بها إلى الليل ويبيت بها: والمبيت بمكة في ليالي منى بدعة. ومن بات بها أراق دمًا عند مالك ومن تابعه. وأظهر أقوال الشافعي أنه لا يريق دمًا بليلة واحدة. والأظهر عند النووي أن الدم بترك المبيت واجب، وهو مذهب مالك ومن تابعه. ومنها: إن بعض من يتأخر إلى اليوم الرابع من أيام منى يرحل قبل الزوال: وهذا يجب عليه دم عند مالك والشافعي لتركه الرمي، ولا اعتبار برميه قبل الزوال لأنه كالصلاة قبل دخول وقتها، فوجوده كعدمه سواء. فإن علم أنه لابد له من الرحيل قبل الزوال فينبغي له أن يرحل في اليوم الثالث/ بعد الزوال والرمي [فإن رجع ورمى بعد الزوال] سقط عنه الدم، ولا يقيم حتى تغرب عليه الشمس، لأنه متى غربت عليه الشمس بمنى وجب عليه المبيت بها والإقامة إلى الزوال حتى يرمي بعده. وبالجملة فمنكرات الحج وما ابتدع فيه كثير لا يمكن حصرها، وإنما ذكرنا هذه النبذة وأكثرها مما يتعلق بالفقه لكثرة وقوعه وعظم خطره. فليتنبه لأشباه ذلك من رام استقصاء أكثره، والله ولي التوفيق. ومنها: ما يفعله بعض الأتراك أومن له جاه، من سبقه إلى الماء ومنع الناس عنه بالضرب وغيره إلى أن يكتفي هو وجماله:

стр. 458

وهذه بدعة محرمة، واعتداء لا يجوز، ومنكر يحرم السكوت عن إنكاره، على كل قادر. وقد تقدم ذكره وأنه من الكبائر، ومن فعل شيئًا من ذلك فيجب عليه التوبة والإقلاع. فإن الناس كلهم مشتركون في ذلك الماء، وليس لأحد أن يختص بشيء منه أكثر من حاجته، ولا أن يدفع عنه محتاجًا إليه، ولا أن يتقدم على من سبقه إليه إلا بإذنه، والله أعلم.

стр. 459

٤ - فصل في ذكر شيء مما يقع في النكاح، وبعده من البدع والمنكرات فما يفعل في العقد من استعمال الفوط الحرير لمسح الأيدي بماء الورد، وربما كان الورد في قمقم فضة والتبخير بمباخر الفضة وفرش الحرير من المقاعد وغيرها. وهذه بدعة محرمة يجب إنكارها على كل قادر، فإن كان عاجزًا عن التغيير حرم عليه الحضور وسقط عنه وجوب [إجابة] الدعوى عند من يرى وجوبها. ومنها: اجتماع النساء على السطح أو في الغرف للنظر إلى الرجال مهما كان وربما كان في الرجال شباب يخاف الفتنة منه. قال الغزالي: فكل ذلك منكر محظور يجب تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج ولم يجز له الجلوس فلا رخصة في الجلوس مع مشاهة المنكرات. ومنها: تعليق الستور وعليها الصور: وذلك بدعة محرمة يجب إنكارها والمبادرة إلى تغييرها. وكذلك قد تكون رؤوس المباخر وأغطية القماقم على صورة طائر. وذلك أيضًا حرام يجب كسر مقدار الصور منه، فإن كانت الصور على ما يمتهن كالبسط والوسائد فليس بمنكر. ومنها: أن يكون في الوليمة من يضحك الحاضرين بالفحش والكذب: قال الغزالي: فلا يجوز الحضور، وعند الحضور يجب/ الإنكار وإن كان

стр. 460

ذلك بمزح لا كذب فيه ولا فحش فهو مباح، أعني ما يقل منه وأما اتخاذه صفة ومادة فليس بمباح، انتهى. ومنها: الإسراف في الطعام والبناء: وذلك منكر، قاله الغزالي. ومنها: ما يفعله الجهال من أهل ديار مصر ويسمونه الشطور: وهو بدعة، يشتمل على جمل من المنكرات، كفرش الحرير والتظليل به وستر الجدران به. وباستعمال أواني الذهب والفضة فيه غالبًا. وتفرج النساء على الرجال. وحضور المغاني بالآلات المحرمة. وإنفاق ما يصرف فيه رياء وسمعة ومفاخرة. واستعارة المستحسن من قماش الناس ليتكثروا به، وهو تشبع بما لم يعطوا. إلى غير ذلك من البدع الشنيعة والأمور المحرمة التي تغني شهرتها عن ذكرها. فيجب على كل قادر المنع من ذلك وتغييره، ويحرم حضوره والسكوت عنه، ويفسق بحضور من كان عدلاً. والله ولي التوفيق. ومنها: ما عم وعظمت به البلوى ولم يسلم منه إلا من عصمه الله: وهو جلاء المرأة على الرجل في أحسن ثيابه وأكمل حالاته في مجمع من النساء الأجنبيات منه. وهو بدعة محرمة إذ نظرهن إليه حرام بشهوة وغيرها على الأصح. مع أنه لا يحتجب منهن. إذ ذاك إلا النادر فترى الرجل ينظر إليهن غالبًا

стр. 461

وينظرن إليه ويحدقن بصرهن فيه ليتحققن ما فيه من المحاسن وغيرها. ثم إنهن يضفن إلى هذا المحرم محرمًا آخر أشد منه، وهو جلاء المرأة في ثياب الأتراك كالقباء والكلوثة وتأخذ في يدها سيفًا. وكل هذا حرام وهو من الكبائر. لأن النبي ﷺ لعن فاعله، ونهى ﷺ أن يلبس الرجل لبسة المرأة وأن تلبس المرأة لبسة الرجل. وهذه بدعة محرمة لم يفعلها إلا من لا خلاق له، فيجب إنكارها والتحذير منها والمعصوم من عصمه الله. ومنها: ما يفعله من لا دين له ولا مروة عنده من جلاء المرأة على زوجها بحضور الرجال الأجانب وهم يتفرجون عليها بزينتها وحليها: وقد تحققنا ذلك عند طائفة من أهل دمياط والبرلس وغيرهما، وحكي ذلك عن بلاد كثير من بلاد مصر، حتى إنهم يعيبون من ستر زوجته من الرجال حال الجلاء، أو منع رؤيتها وربما خلعوا الباب/ ودخلوا قهرًا لما اعتادوه من إباحة ذلك. وهذا لا يحتاج في تحريمه إلى بيان إذ هو من أشنع البدع وأقبح المحرمات، ومن استحل ذلك من زوج أو متفرج فهو كافر يضرب عنقه على ما عرف في الشرع. فمن استحل المحرمات ومن ترك إنكار ذلك من الحكام وغيرهم من أقارب الزوجين والأجانب منها مع القدرة فهو آثم فاسق شريك لهم فيما ارتكبوه، شبيه لهم فيما انتهكوه غير ناصح لله ورسوله والمؤمنين. ومنها: ما يفعله كثير من الجهال ببلاد مصر والشام وغيرهما حال الجلاء من جلوس قرابة الرجل معه على المنصة كأخيه وابن عمه ونحوهما.

стр. 462

وهذا أيضًا حرام كالأول، إذ لا فرق بين الرجال الأجانب وأقارب الزوج إن لم يكونوا محارم المرأة وربما افتتن بعض هؤلاء بالمرأة لأنه يراها في أكمل حالاتها وأجمل أوقاتها، فيترتب على ذلك من الفساد في الدين والدنيا ما لا يخفى. ومنها: أن بعض الرجال يعتزل امرأته إذا حاضت وينام وحده: وهذه بدعة مكروهة مخالفة للسنة. قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه. وفي رواية كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن أصابه منه شيء غسل مكانه ولم يعده. رواهما أبو داود. وفي الصحيحين: «أن النبي ﷺ دعا أم سلمة فاضطجعت معه في الخميلة وهي حائض». وفيهما: عن ميمونة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يضطجع معي وأنا حائض بيني وبينه ثوب. فاعتزال المرأة في حال الحيض بدعة مخالفة للسنة، وهي من عوائد اليهود. ومن تشبه بقوم فهو منهم. ومنها: كتابة الصداق في الحرير: وهي بدعة. وقد صرح النووي في فتاويه بأنه لا يجوز.

стр. 463

وكذا صرح به جماعة. وذهب آخرون إلى جوازه. ومنها: ما تفعله بعض القبائل: وهو أنها تلعق المولود مما يتعلق بأصابعها من النجاسات حال إلقاء الولد من بطن أمه، ويعتقدون أن ذلك ينفع المولود لكذا وكذا. وهذه بدعة لا تجوز وكذب منهن وافتراء. فينبغي التنبيه على ذلك ومنعهن منه. فإنما السنة التحنيك بالتمر ونحوه على ما هو معروف عند العلماء. ومنها: إذا تعسرت الولادة على المرأة أخذت لها لباب الخبز وجعلن في قلبه زبل الفأر وأطعمت/ ذلك من حيث لا تشعر به، ويعتقدون أن ذلك يسهل الولادة. وهذه بدعة محرمة يجب إنكارها؛ لأن أكل النجاسة حرام. ولهن من هذه البدع وما شابهها أشياء كثيرة لا يمكن استيفاؤها. ومنها: ما أحدثه بعضهن في ليلة السابع: وهو أن يضعن عند رأس المولود الختمة واللوح والدواة والقلم ورغيفًا من الخبز وقطعة سكر، وربما عمل بعضهم رغيفًا كبيرًا إلى النهاية وبلوح سكر وطبق فاكهة فإذا أصبحن فرقن ذلك على النساء وغيرهن، ويزعمن أنه بركة لمن أخذه وأنه ينفعه من الصداع. وكل ذلك كذب وافتراء وابتداع في الدين. ومنها: الدوران بالنفساء في البيت كله والقابلة أمامها حاملة المولود، وامرأة ألحرى أمام القابلة معها طبق فيه ملح وكمون تنثره في البيت يمينًا وشمالاً وفي الطبق شيء من البخور الذي يتخذنه برأيهن ويزعمن أنه ينفع من الأمراض والكسل والعين والجان.

стр. 464

وهذا كله بدع مكروهة وافتراء على الله ليس من الشرع في شيء فليحذر أبو الولد ذلك وينهاهن عنه. ومنها: تثقيب آذان الصبي: وذلك بدعة يجب إنكارها والمنع منها. وأما البنت فنص الإمام أحمد على جواز ثقب أذنها لحاجتها إلى الحلية. وقال الغزالي في الإحياء: لا أرى رخصة تثقيب أذن الصبية لأجل تعليق حلق الذهب فإن ذلك جرح مؤلم، والتزين بالحلق غير مهم، وفي المخانق والأسورة كفاية عنه، وإن كان معتاد فهو حرام والمنع منه واجب، والاستئجار عليه غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام. إلا أن يثبت من جهة النقل فيه رخصة، ولم يبلغنا الآن فيه رخصة، انتهى.

стр. 465

٥ - فصل ومن البدع التي أحدثت في العيادة أنه لا يعاد المريض يوم السبت، ومن عاده تطيروا به وشق ذلك عليهم. وهذه بدعة في الدين ومخالفة لسنة سيد المرسلين. إذ لم يوقت في العيادة يومًا دون يوم، ولا وقتًا دون وقت. وقد ذكر بعضهم أن أصل هذه البدعة أن يهوديًا كان طبيبًا لملك من الملوك فمرض الملك مرضًا شديدًا فكان اليهودي لا يفارقه فجاء يوم الجمعة فأراد اليهودي أن يمشي إلى سبته فمنعه الملك، فأقدر اليهودي أن يستحل سبته وخاف من سفك دمه، فقال اليهودي إن المريض لا يدخل عليه يوم/ السبت فتركه الملك ومضى لسبته. ثم شاعت هذه البدعة بعد ذلك، واتخذها كثير من الجهال سنة. ومنها: ترك العيادة بالليل وكراهة ذلك والتطير به. وهذا بدعة، وقد لا يصبح المريض فيفوت ثواب العبادة. وقد حض النبي ﷺ على عيادة المريض ولم يمنع منها في ليلٍ ولا نهار، بل قال ﷺ : : «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة» إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة.

стр. 466

رواه الترمذي عن علي، وقال حديث حسن، ورواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما، ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه: قال رسول الله ﷺ : : «ما من مسلم يعود مسلمًا إلا يبعث الله إليه سبعون ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار حتى يمسي، وفي أي ساعات الليل حتى يصبح». انظر كيف رغب رسول الله ﷺ في العيادة ليلاً ونهارًا، فألقى الشيطان عندهم كراهيتها بالليل ويوم السبت ليؤخروها إلى النهار أو إلى الأحد عسى أن يكون التأخير سببًا لتفويتهم هذا الأجر الجزيل في العيادة، وربما شفي المريض أو مات أو حدث بالعائد ما يمنعه من العيادة في غد ونحو ذلك. ومنها: أنه لابد وأن العائد يأتي معه بشيء للمريض سواء كان غنيًا أو فقيرًا: فإن لم يفعل تكلم فيه وقدح بالبخل والنذالة وقلة المروءة ونحو ذلك. وهذه بدعة لم ترد بها السنة. وهذا المريض لا يخلو من حالين إما أن يكون فقيرًا محتاجًا فدفع احتياجه فرض كفاية على كل قادر من المسلمين لا يختص ذلك بوقت العيادة ولا غيرها. وإن كان غنيًا فلا وجه لزم عائده على ترك الهدية إليه في حال الضعف ولا في غيره لعدم الاحتياج. مع إن الغالب في مثل هذا إنما يكون على سبيل المعاوضة والمقارضة لا على سبيل الهدية والإعانة. وقد يكون العائد إذ ذاك ضيق اليد فيحتاج إلى كلفة في تحصيل ما يأتي به

стр. 467

إلى المريض ويترك العيادة خوفًا من الملامة ويعتذر عن ذلك بما أمكنه من كذب أو تعريض ونحو ذلك، وقد يؤدي ذلك إلى القطيعة بين الأخوان والأقارب، والمجازاة بترك العيادة عمدًا. ولا يخفى ما في ذلك من المفاسد الدينية والدنيوية، مع أن المطلوب إنما هو نفس العيادة ليس إلا، فإن أتى معه بشيء على سبيل الهدية/ أو المساعدة لكون الضعيف قد حصل له ما يمنعه من الاكتساب أو شراء الحاجة ونحو هذا فلا بأس بذلك بشرط صحة القصد، والله أعلم.

стр. 468

٦ - فصل في ذكر شيء من المنكرات الجنائز والمقابر فمنها: اللطم والنوح وشق الجيب وقطع الشعر: وقد تقدم ذكره. ومنها: قراءة المقرئين أمام الجنائز على ما يعهد من تمطيطهم وتلحينهم وزيادتهم في الحروف. وهذه بدعة محرمة يجب إنكارها على كل قادر. وقد استفتي النووي- ﵀ فقيل له هذه القراءة التي يقرؤنها الجهال على الجنائز بدمشق بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم هل هو مذموم أم لا؟ فأجاب ﵀: بل هذا منكر مذموم فاحش وهو حرام بإجماع العلماء. وقد نقل الإجماع فيه الماوردي وغير واحد. وعلى ولي الأمر- وفقه الله- زجرهم عنه وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب إنكاره على كل مكلف تمكن من إنكاره، انتهى. فإن كانت القراءة على وجهها من غير تمطيط ولا ألحان كان ذلك بدعة مكروهة. لأن ذلك لم يرد فعله عن النبي ﷺ . ولا عن أحد ممن يقتدي به من السلف. وكذلك الذكارين مع الجنازة بدعة مكروهة، والله أعلم.

стр. 469

ومنها: تغطية الرجل الميت باللحاف الحرير والفوط الحرير والمزركش وفرش ذلك تحته: وهذه أيضًا بدعة محرمة ويجب إنكارها على فاعلها بالميت. ولو كان هذا جائزًا لكان الأولى أن يقدم إلى الله تعالى في ثياب الذل والافتقار لا في ملابس التيه والافتخار. اللهم بصرنا يا أرحم الراحمين. ومنها: البناء في المقبرة المسبلة: وقد تقدم أن ذلك حرام يجب هدمها باتفاق العلماء، وأنه لا يمكن أحد من البناء فيها. قال ابن الحاج في المدخل: وقد قال لي من أثق به وأسكن إلى قوله، إن الملك الظاهر كان قد عزم على هدم كل ما في القرافة من البناء كيف ما كان، فوقفه الوزير عن ذلك، وفنده واحتال عليه بأن قال له: إن فيها مواضع الأمراء وأخاف أن تقع فتنة بسبب ذلك، وأشار عليه بأن يعمل فتاوى في ذلك فيستفتي فيها الفقهاء هل يجوز هدمها أو لا، فإن قالوا بالجواز فعل الملك ذلك مستندًا إلى فتاويهم فلا يقع تشويش على أحد، فاستحسن الملك ذلك وأمره أن يفعل ما أشار به. قال: فأخذ الفتاوى ودفعها إلي وأمرني أن أمشي بها على من في الوقت من العلماء فمشيت عليهم بها مثل/ الظهير التزمني وابن الحميزي ونظائرهما في الوقت فالكل كتبوا خطوطهم واتفقوا على لسان واحد في أنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله ويجب عليه أن يكلف أصحابها رمي ترابها في الكيماني. ولم يختلف في ذلك واحد منهم. قال: فأعطيت الفتاوى للوزير فما أعرف ما صنع فيها وسكت على ذلك، وسافر الملك الظاهر إلى الشام في وقته فلم يرجع ومات بالشام، انتهى.

стр. 470

وأما البناء على القبر في غير المقبرة المسبلة فهو بدعة مكروهة. قال ابن بشير المالكي في كتابه: وليست القبور موضع زينة ولا مباهاة، ولهذا نهى عن بنائها على وجه يقتضي المباهاة. والظاهر أنه يحرم مع هذا القصد، ووقع لمحمد بن حكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره أنه تبطل وصيته وينهى عنها ابتداء، انتهى. وفي صحيح مسلم نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر أو يبنى عليه. وروى أبو داود والترمذي وصححه عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن توطئ وأن يبنى عليها. ومنها: الكتابة على القبر: وهي بدعة مكروهة، لما تقدم من نهيه ﷺ عنها. قال النووي في شرح المهذب: ولا فرق بين أن يكون المكتوب في لوح عند رأسه على العادة أم في غيره لإطلاق الحديث. ومنها: أن يموت الميت ويمكن دفنه في يوم موته فيؤخرونه ليجتمع الناس ويصلى عليه الجمعة، أو يحضر فلان ونحو ذلك. وقد يكون تأخيره سببًا لانفجاره، ثم إنهم يدخلون به إلى الجامع فيضعونه في الصف الأول أو قريبًا منه فيغضبون ذلك المكان الذي وضعوا فيه سريره، وربما خرج من الميت شيء في المسجد أو في طريق المسجد ودخل متنجسًا إلى المسجد. وهذا كله منكر لا يجوز، وإكرام الميت تعجيل دفنه، والدفن بالليل جائز من غير كراهة.

стр. 471

وقد نقل الشيخ أبو حامد وصاحب الحاوي والشيخ نصر وغيرهم الإجماع عليه فإن خيف عليه الفساد وجب تعجيل دفنه ليلاً كان أو نهارًا. ومنها: أن يدفن في قبر ميت قبل أن يبلى الأول ويذهب أثره من غير ضرورة: وهذه بدعة محرمة شائعة بين الناس من غير نكير، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت الأول أباه أو أمه أو ابنه أو أجنبيًا منه. حتى إن بعضهم يوصي أن يدفن على أبيه أو ابنه أو قرابته. وذلك لا يجوز لأن نبش القبر والكشف عن الميت حرام وموضعه مختص به. لا يجوز لأحد أن يدفن معه فيه إلا أن يفنى أو لم يبق له أثر. فيجب على كل قادر إنكار ذلك والمنع منه، فإن كان عاجزًا فيجب عليه أن لا يحضر ذلك لأن حضور الدفن/ وإنكار هذا واجب وليس له أن يتعرض لترك واجب بارتكاب سنة. والله أعلم. فرع: لو حفر فوجد عظامه أعاد القبر ولم يتم الحفر. قال الشافعي: فإن فرغ من القبر فظهر شيء من العظام جاز أن يجعل من جانب القبر ويدفن الثاني معه، ذكره الرافعي. فرع: دفن الاثنين يكره إلا لضرورة: ولا يحرم على الصحيح. نعم لا يجمع بين الرجال والنساء إلا عند شدة الحاجة. صرح في شرح المهذب بأن ذلك حرام حتى في الأم وولدها. وأباح بعضهم من كان بينهما زوجية أو محرمية، والله أعلم.

стр. 472

ومنها: ما يفعله بعضهم من الفرش تحت الميت والمخدة تحت رأسه: وهذه بدعة شنيعة. وكذلك ما يفعله من لباس الميت أفخر ثيابه من الحرير والذهب ونحو ذلك مع الكفن. وهذا حرام؛ لأنه إضاعة المال من غير ضرورة، وللورثة مطالبة من فعل ذلك به، والله أعلم. ومنها: التبخير عند القبر. وهو بدعة مكروهة. وقد نهى النبي ﷺ : : «أن يتبع الميت بنار». وقد نقل ابن المنذر الإجماع على كراهة إتباع الجنائز بالنار كمبخرة ونحوها. ومنها: ما يفعلونه من سد أنف الميت وفمه بالقطن: وذلك بدعة وكذلك يدخلون القطن في دبره بعود أو نحوه. قال ابن الحاج: وهذا فعل شنيع قبيح. لأن ذلك حرام في حياته فكذلك بعد موته. ثم إنهم إذا جاءوا به القبر أخرجوا ذلك القطن من فمه فيبقى مفتوحًا لا يمكنه غلقه وربما أخرجوا ذلك القطن منه وقد تنجس بما خرج من حلقه وله رائحة كريهة فيرمونه معه في القبر فيؤذ الملائكة بذلك لأنهم يتأذون مما يتأذى به بنو آدم. وكل هذه أفعال شنيعة وبدع قبيحة يجب إنكارها على كل مستطيع. لأنه إنما يلجم بالقطن إلجامًا لا أنه يحش به، والله أعلم. ومنها: ما أحدثه الغسال من القراءة والأذكار على الميت عند كل عضو: وذلك بدعة لم ترد عن السلف.

стр. 473

مع أنك ترى الغاسل يقرأ القرآن بلسانه ويده تباشر إزالة النجاسة عن بدن الميت، وفي ذلك ما فيه. ومنها: ما يفعله بعضهم من حضور القراء على باب الميت أو قريبًا من داره ويبسط لهم الحصر والبسط المشتركة: وذلك بدعة. وهم غاصبون لطريق المسلمين التي جلسوا فيها من غير ضرورة شرعية. وقد نهى النبي ﷺ عن الجلوس على الطرقات. فيجب إنكار ذلك على كل قادر. ومنها: ما ذكره ابن الحاج فقال: وليحذر من هذه البدعة التي/ اعتادها أكثرهم في هذا الزمان وهو أنهم يأخذون القطن الكثير فيجعلونه على وجه الميت حتى يعلو ثم يجعلون القطن الكثير على ركبته وتحت حنكه وتحت رقبته حتى يصير رأسه وكتفاه سواء. ثم يجعلون القطن كذلك عن ساقيه ومن هاهنا، ومن هاهنا حتى يصير بطنه ورأسه ورجلاه سواء. هذا الفعل قد جمع بين محرمين وبدعة: فالمحرم الأول إضاعة المال في كثرة القطن لغير ضرورة شرعية. والمحرم الثاني أخذ ثمن القطن من مال الورثة؛ لأن الميت ليس له من تركته إلا قدر ضرورته الشرعية، والزائد على ذلك غصب لحق الورثة سيما إذا كان الوارث صغيرًا، ولو فرض رضي الورثة لمنع من ذلك لأنه من باب إضاعة المال والإعانة على البدعة. وأما البدعة فكونهم اعتادوا أن يخرجوا من كفنه بالسواء عند الناظر. والسنة أن يكون في كفنه بحيث يعرف رأسه وكتفاه ورجلاه كما يعلم ذلك منه في حال الحياة وهو في ثيابه، انتهى.

стр. 474

ومنها: ما يفعله كثير من الجهال وهو يمشي مع الجنازة من الحديث في أمور الدنيا وما لا ينبغي وربما ارتفعت أصواتهم بالضحك والقهقهة أو تشاجرا وتسابا. وكل هذا بدع. إذ السنة أن يمشي الإنسان مع الجنازة ساكتاً مطرقاً متفكراً فيما يقال وما يجيب به. كذا كان السلف –﵃ حتى كان بعضُهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات له به فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام شيئاً. وكره جماعة من العلماء في قول المنادي مع الجنازة استغفروا له. قال ابن المنذر ونحن نكره ما كرهوه، انتهى. ولقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه سمع رجلاً يقول في الجنازة جهراً استغفروا لأخيكم. فقال له: لا غفر الله لك. فإذا كان هذا قوله لمن لم يقل إلا خيراً، فما ظنك بما تقوله المدرا بالصوت العالي من التزكية والكذب الصراح ونحو ذلك. قال في شرح المهذب: والمختار بل الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، بل يشتغل بالتفكر في الموت وما يتعلق به. ومنها: ما اعتاده أكثر الناس من إعطاء ما على الميت للغاسل: وهم قسمان: قسم: يخشى من هذه العادة حتى ربما لا يبقى عليه ما يستر عورته من قميص رفيع أو مهلهل ونحوه خشية أن يترك عليه ما له قيمة فيأخذه الغاسل. والقسم الثاني: يتركون ما عليه وربما زادوه من أفخر ثيابه/ ثم يعطون ذلك للغاسل رياء ومفاخرة.

стр. 475

وعلى كل التقديرين فإن كان في الورثة صغير أو غائب حرم على من يتولى ذلك أن يعطي الغاسل شيئاً من ذلك زائداً على قدر أجرته. وإن كان الورثة كباراً حاضرين بأجمعهم وطابت أنفسهم بإعطاء الغاسل ذلك من غير رياء ولا مفاخرة جاز، وهذه صورة نادرة ولا تكاد توجد. وكثير من الفساق يأخذ ذلك بيده من غير استئذان لاستحقاره أهل الميت أو توهمه أنهم لا يسمحون له إذا استأذنهم. وهذه كلها بدع محرمة يجب إنكارها على كل قادر رآها. ومنها: ما يفعله كثير من النساء الجاهلات الجاهليات وأخوات الشيطان وهو أنه إذا مات عندهن صغيرة أو عروس يجلسنها ويلبسنها أحسن ثيابها من الحرير والذهب ويزينن وجهها كما يفعل بالعروس ويزففنها بالمغاني أو غيرهم، وربما أخرنها عن الدفن يوماً أو يومين ليودعنها في زعمهن إلى أن تنتفخ ويتغير ريحها وتصير مثلة. وهذه بدعة عظيمة ومحرمات شديدة قبيحة يحرم على كل قادر السكوت عنها ويجب على كل أحد المساعدة في دفعها ومنعها بقدر الطاقة. ومن ترك إنكار ذلك من أهل الميت وغيرهم مع القدرة أو سكت عن رفع ذلك إلى قادر على إزالته فهو وهن سواء في الإثم ويفسق إن كان عدلاً وترد شهادته، مع ما له عند الله يوم القيامة من الخزي العظيم والعذاب الأليم. نسأل الله العافية والسلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن. ومنها: أن يدفن الميت في تابوت من غير ضرورة. وهو بدعة مكروهة لم يفعلها أحد من الصحابة. ولو أوصى الميت بذلك لا تنفذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية. كذا قال في الروضة، وبه أفتى القاضي حسين وغيره. ومنها: ما ابتدعه بعضهم وهو أنهم يحملون أمام الجنازة الخبز والزبيب والغنم على رؤوس الحمالين فإذا أتوا إلى القبر ذبحوا الغنم وفرقوا لحمها مع الخبز لمن

стр. 476

لا يستحقه وربما نهبوا ذلك قبل وصوله إلى القبر. والضعيف عن المزاحمة والضراب لا يصل إليه شيء. وهذا إن كان من مال التركة وفيها يتيم أو غائب فذلك حرام. وإن كان الميت قد أوصى بذلك أو تبرع به الورثة الجائز تبرعهم ففيه ما فيه من المفاخرة والرياء والسمعة والمباهاة. إذ لو كان القصد بهذه الصدقة وجه الله تعالى وإيصال الأجر إلى الميت لكانوا يصرفونها سراً أو جهلاً في غير الجنازة مع قصد/ المستحقين للصدقة. ٢٦١ وأما الذبح على القبر فإن سلم من المقاصد الفاسدة فهو بدعة مكروهة من أعمال الجاهلية. وقد روى أبو داود عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام». والمراد بالعقر ما كان الجاهلية يفعلونه من الذبح عند القبر. ومنها: ما يفعل عند القبر كالصندوق والدربزين: وذلك بدع مخالفة للسنة، وأكثر ما يفعلون ذلك في قبور الصالحين الذين هم أولى الناس بإتباع السنة. ومنها: المبيت عند القبر في المقبرة: وهو بدعة مكروهة. وكذلك الفرش عنده وتغطيته بثوب أو خيمة أو إيقاد الشمع والقناديل عنده. وكل ذلك بدع لم يفعلها أحد من السلف الذي يقتدى بهم.

стр. 477

وتقدم أنَّ إيقاد السرج على القبور من الكبائر التي لعن فاعلها. وكذلك بناء المساجد على القبور. ومنها: نقل الميت من بلد إلى بلد: وذلك بدعة محرمة يجب إنكارها. وممن نص على تحريمه القاضي حسين وأبو الفرج الدارميّ وصاحب التتمة وغيرهم. قال الرافعيّ: وهو أصح. قال القاضي وصاحب التتمة: ولو أوصى به لم تنفذ وصيته، انتهى. وقيل بل نقله مكروه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس يستحب نقله إليها. نص عليه الشافعيّ. وعلى هذا إنما يباح قبل الدفن بشرط أن يؤمن انفجاره وتغيره. فإن كان قد دفن حرم نبشه إلى مكة وغيرها، والله أعلم. ومنها: ما أحدثه بعضهم من التزام صحبة القبر وهو تبكيرهم إلى قبر الميت الذي دفنوه بالأمس، ومن غاب عنها وجدوا عليه وعتبوه لأنه ترك فرضاً لازماً أو فعلاً واجباً. وهذا بدعة، لأن زيارة الرجال القبور مستحبة بشرطها، ولا يختص بها وقت دون وقت ومن تركها لا يلام، والله أعلم. ومنها: ما يفعله أهل الميت من الأطعمة وغيرها ودعوة الناس إليها وقراءة الختمات. ومن لم يفعل ذلك كان كأنه قد ترك أمراً واجباً. وهذا إن كان من مال من يجوز تبرعه من الورثة. فهو بدعة مكروهة لم ترد عن السلف الصالح.

стр. 478

وإن كان من التركة التي فيها يتيم أو غائب ولم يوص الميت بذلك حرم الأكل منها وحضورها ووجب إنكارها ومنعها. وكذلك قراءتهم بالألحان والتمطيط المحرم يحرم حضورها إلا لقادر على الإنكار. وهذه بدعة قد صارت عند الجاهلين سنة، حتى أنهم ليقولون ما أبخله ما أشحه ما رضي يقرأ للميت/ ختمة ولا يتصدق عنه شيء ولا يلتفتون إلى أن ٢٦٢ الصدقة هل تجوز من مال اليتيم والغائب أو لا. وكل هذا لغلبة الجهل وعدم المنكرين واستيلاء البدع والأهواء بتزيين اللعين ذلك. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ومنها: زيارة النساء القبور. وقد تقدم ذكرها من الكبائر. وللشافعية في جوازها ثلاثة وجوه. ومنها: رش القبر أو الميت حال إضجاعه في القبر بما الورد: وذلك بدعة مكروهة. قال ابن الملقن في شرح المنهاج لأنه إضاعة مال، قال ولو قيل بالتحريم لم يبعد، انتهى. ويندب أن يرش القبر بماء حفظاً للتراب وتفاؤلاً بتبريد المضجع. وقد نقل فعله عن النبي ﷺ والصحابة ﵃. ومنها: ما ابتدعه النساء الجاهلات: وهو أنهن يبتن في الموضع الذي غسل فيه الميت كوز ماء ورغيفاً ويوقدون فيه شمعة أو سراجاً ويعتقدون أن روح الميت تعود إلى ذلك المكان فتأكل وتشرب وتستضيء.

стр. 479

وهذا اعتقاد فاسد يكذبه الحس وبدعة منكرة نشأت عن قلة عقول النساء وجهلهن بالشرع وإضاعة لما يوقد هناك. فيجب على الزوج أو من يقوم مقامه أن يمنعهن من ذلك، ويبين لهن أن ذلك بدعة لا تجوز ولم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين بل ولا أحد من العقلاء، وإنما هو من خرافات النساء الجاهلات، والله الموفق.

стр. 480

٧ - فصل في ذكر بعض ما ابتدع في المواسم والأعياد فمنها: ما يفعله بعضهم في عيد الأضحى من الذبح ليلة العيد لمقاصد لهم في ذلك مختلفة: وهذا لا يخلو إما أن يكون قد عينها للأضحية أو لا. فإن كان قد عينها للأضحية أثم بذلك ولزمه التصدق بلحمها ولا يجوز له أكل شيء منها، ويلزمه ذبح مثلها في يوك النحر بدلاً عنها. وإن لم يكن عينها ولم ينو التضحية بغيرها في وقتها فقد أساء بارتكابه هذه البدعة وفوات ثواب هذه السنة العظمى عند الشافعيّ. وأثم بتركه الواجب عند مالك وأبي حنيفة مع القدرة عليه. ومنها: بيع جلد الأضحية: وهو حرام. وقد جاء في الحديث: «من باع جلد أضحية فلا ضحية له». رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح الإسناد. وكذلك لا يجوز أن يعطى الجزار جلدها ولا شيئاً منها أجرة عمله. فإن حصل بسببه محاباة بأن كانت أجرته مثلاً خمسة دراهم وأعطاه أربعة وأعطاه معه قطعة لحم ليستحي من طلب الدرهم/ الآخر لم يجز. والله أعلم. ٢٦٣

стр. 481

ومنها: ما يفعله بعضهم من طبخ الأضحية أو القدر الذي عينه منها للصدقة ويدعو الفقراء إليها ويفرقه عليهم مطبوخاً. وذلك لا يجوز، لأن حق الفقراء في تملك جزء الصدقة منها نيئاً. صرح بذلك الروياني وغيره. (٢) ومنها: ما يفعله بعضهم من التصدق بها جميعاً ولا يأكل منها شيئاً: وذلك خلاف السنة. بل حكى الماورديّ في «الحاوي» عن أبي الطبيب بن سلمة أنه لا يجوز التصدق بجميعها، بل يجب أكل شيء منها. ومنها: ما زينه الشيطان لكثير منهم من المثابرة على زيارة أمواته بعد الصلاة. وإن كان ذلك من باب البر والتفجع على الأقارب والأهل الذين فقدهم وكانوا معه في مثل هذا العيد واعتقاد أن ذلك سنة في هذا اليوم. وهذا الاعتقاد بدعة وفيه مخالفة للسنة؛ إذ السنة أن يعجل الإنسان الرجوع إلى أهله لينقطع تشوفهم إليه واستشرافهم إلى شهود التضحية والأكل منها واجتماعهم عليها. فحسن لهم إبليس زيارة القبور ليؤخرهم عن المبادرة إلى السنة ويشوش على أهله وأولاده بتأخره عنهم. وربما يفعل هذا بعض النساء على ما عهد منهم من التبرج والتزين ولبس الفاخر من الثياب، وإظهار البخور والطيب ونحو ذلك. وفي هذا من المحرمات ما لا يخفى. ومنها: ما أحدثه النساء يوم عاشوراء من استعمال الحناء، ويرين أن ذلك سنة: وليس ذلك بصحيح بل هو بدعة. والحديث الذي ورد فيه موضوع قاله الحافظ.

стр. 482

وكذلك يعتقدون أنَّ مَنْ سرح فيه الكتان وغزله وبيضه ثم خيط به كفنه لا يأتيه في القبر منكر ونكير لبركة ذلك الخيط المصنوع في يوم عاشوراء. وهذا الاعتقاد بدعة عظيمة وافتراء على الله وتحكم في دين الله بالباطل، وكذلك اعتقادهم أن من اشترى فيه البخور وتبخر به أمن من العين والنظرة والسحر ونحو ذلك. وهذا كله ابتداع باطل واعتقاد فاسد ينبغي التوبة منه والرجوع عنه. والله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات. ومنها: ما اصطلحوا عليه من اتخاذ أول خميس من رجب موسماً: يتخذون فيه أنواع الحلاوات رياء وسمعة ويجعلون منها الصور المحرمة التي يسمونها التعاليق. وقد تقدم الكلام في التصوير وما ورد فيه من الوعيد الشديد والنهي الأكيد. وهذه بدعة عظيمة ومكيدة من اللعين شديدة إذ زين لهم ما تنفر بسببه الملائكة عن بيوتهم ويحرمهم بركتهم وتنزلهم بالرحمة؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. فقل أن تجد بيتاً إلا وفيه صورة أو صور، ولا يترك ذلك إلا من عجز عنه. وربما تكلف ذو العيال لعياله وأولاده من ذلك ما لا طاقة له به ويعتقد أن ذلك قربة وأنه مثاب بإدخاله السرور على أهله وأولاده لذلك وربما امتنع لعجزه فكان سبب الفتنة/ بينه وبين أهله. وقال أبو عبد الله ابن الحاج فمن اشتراها منهم فهو معين لهم على تصويرها، ومن أعانهم كان شريكاً لهم فيما توعدوا به. وكذا من اشترى منهم الحلاوة التي ليست بصورة لأنه فيه إعانة لهم على ما

стр. 483

ارتكبوه من بيع الصور المحرمة. ومثل ذلك من وقف ينظر إليها أو تعجبه مع العلم بالتحريم. وكل ذلك إعانة لهم على فعل ما لا يجوز. وكثيراً من يمر بهم فمن يعلم هذه المسألة وهو قادر على التغيير ويسمع كلامه ويرجع إليه، فلا يتكلم على ذلك ولا ينهى عنه، بل يقف بعضهم وينظر إلى ذلك كأنه أعجبه ما رأى. ومَنْ مَرَّ بها من العدول وله طريق غيرها وهو عالم بالتحريم يختار. ففي قبول شهادته نظر فعلى هذا لا ينعقد النكاح بشهادة هؤلاء حتى تقع منهم التوبة بشروطها. ومن أخذ منهم أجرة على الشهادة فهو متلبس بما ذكر قبل توبته أخذ حراماً ولا عذر له في بكاء ولده وسخط زوجته أو غيرهما. وبالجملة الحلاوة التي احتوت على الصور المحرمة شرعاً لا يجوز بيعها ولا شراؤها. انتهى كلامه. وفي بعضه نظر، والله أعلم. ومنها: ما أحدثوه من صلاتهم في تلك الليلة الصلاة المعروفة بالرغائب: وهي بدعة، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين. وقد ذكرها الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه المسمى بالحوادث والبدع، وذكر أول حدوثها ومن أحدثها، فمن أراد ذلك فلينظر في كتابه. ومنها: ما أحدثوه في تلك الليلة وفي ليال بعدها من وقيد القناديل المصبغة الكثيرة في البيوت بدمشق ونواحيها: واتخاذ ذلك عادة وسنة لا بد منها، ويعلقون تلك القناديل غالباً في الطيقان. ويجلس النساء والأولاد يتفرجون عليها في بيوتهم.

стр. 484

فيراهم الناس من الطرق ويتفاخرون بذلك ويتكاثرون. وربما وقع فيه من التكليف لبعض الصعاليك ما لا يخفى. وكل ذلك بدعة في الدين ومخالفة لسنة سيد المرسلين. وفيه من المفاسد والإسراف ما لا يخفى على ذي لب حاذق شاهدة. وليس مرادنا التطويل بذكر تفاصيل ذلك بل يتبين أن هذه الأفعال بدع ومحدثات لا يسوغها الشرع ولا يرضاها العقل. ومنها: ما أحدثوه ليلة السابع والعشرين من رجب: وهي ليلة المعراج الذي شرف الله به هذه الأمة فابتدعوا في هذه الليلة وفي ليلة النصف من شعبان وهي الليلة الشريفة العظيمة كثرة وقود القناديل في المسجد الأقصى وفي غيره/ من الجوامع والمساجد واجتماع النساء فيها مع الرجال ٢٦٥ والصغار اجتماعاً يؤدي إلى الفساد وتنجيس المسجد وكثرة اللعب فيه واللغط ودخول النساء إلى الجوامع متزينات متعطرات ويبتن في المسجد بأولادهن، فربما سبق الصغير الحدث، وربما اضطرت المرأة والصبي إلى قضاء الحاجة، فإن خرجا من المسجد لم تجد إلا طرق المسلمين في أبواب المساجد وإن لم يخرجا حرصاً على مكانهما أو حياءً من الناس ربما فعلا ذلك في إناء أو ثوب أو في زاوية من زوايا المسجد. كل ذلك حرام. مع أن الداخل في الغلس لصلاة الصبح قل أن يسلم من تلويث ذيله أو نعله بما فعلوه في باب المسجد ويدخل بنعله وما فيه من النجاسة إلى المسجد فينجسه وهو لا يشعر. إلى غير ذلك من المفاسد المشاهدة المعلومة، وكل ذلك بدع عظيمة في الدين ومحدثات أحدثها إخوان الشياطين مع ما في ذلك من الإسراف في الوقيد والتبذير وإضاعة المال. وبالجملة: فإن كان ذلك من مال الوقف لم يجز للناظر صرف ذلك ولا

стр. 485

التمكين منه، بل لو ذكره الواقف وشرطه. قال أبو عبد الله بن الحاج لم يعتبر ذلك الشرط شرعاً وإن لم يكن من مال الوقف بل تبرع به متبرع كان ذلك إضاعة للمال وتبذيراً. وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال. واعتقاد أن ذلك قربة من أعظم البدع وأقبح السيئات. بل لو كان في نفسه قربة وأدى إلى هذه المفاسد لكان إثماً عظيماً فينبغي للعاجز عن إنكار هذه المنكرات أن لا يحضر الجامع وأن يصلي في بيته تلك الليلة إن لم يجد مسجد سالماً من هذه البدع لأن الصلاة في الجامع مندوب إليها. وتكثير سواد أهل البدع منهي عنه وترك المنهى عنه واجب، وفعل الواجب متعين. هذا إن لم يكن مشهوراً بين الناس، فإن كان مشهوراً بينهم بعلم أو زهد وجب عليه أن لا يحضر الجامع ولا يشاهد هذه المنكرات، لأن في حضوره مع عدم الإنكار إيهاماً للعامة بأن هذه الأفعال مباحة أو مندوب إليها. وإذا فقد من المسجد وتأخر عن عادته في الصلاة جماعة وأنكر ذلك بقلبه لعجزه ربما يسلم من الإثم ولا يغتر به غيره، ويستشعر الناس من عدم حضوره أن هذه الأفعال غير مرضية، لأن حضور من يقتدي به في هذه الليلة هو الشبهة ٢٦٦ العظمى في ظن الجهال والعوام أن ذلك/ مستحسن شرعاً. ولو اتفق العلماء والصلحاء على إنكار ذلك لزال، بل لو عجزوا عن الإنكار وتركوا الصلاة في الجامع المذكور لظهر للناس أنَّ ذلك بدعة لا يسوغها الشرع ولا يرضاها أهل الدين. فربما امتنع الناس عن ذلك أو بعضهم فحصل لهم الثواب بفعل ما يقدرون عليه من الإنكار بالقلب والامتناع عن الحضور إن كانوا عاجزين عن التغيير، وإن كانوا قادرين فيسقط عنهم بعض الإثم ويخفف عنهم الوزر والله ولي المتقين.

стр. 486

ومنها: ما أحدثوه من عمل المولد في شهر ربيع الأول: قال ابن الحاج ومن جملة ما أحدثوه من البدع، مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات ما يفعلونه من المولد، وقد احتوى ذلك على بدع ومحرمات ثم ذكر منها استعمالهم المغاني بآلات الطرب وحضور المردان والشباب ورؤية النساء لهم وما في ذلك من المفاسد. ثم قال: فإن خلا المولد من السماع وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته: إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضيين وإتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نيته مخالفة لما كانوا عليه. قلت: وليته يسلم من المناظرة والمفاخرة والرياء والتكلف، ومهما علم بقرائن الأحوال أن الباعث على ذلك ما ذكرناه كره أكل ذلك الطعام. لأن النبي ﷺ نهى عن أكل طعام المتبارزين. وقد يكون الباعث على ذلك التعرف بالكبار الذين يدعونهم من القضاة والأمراء والمشايخ ونحوهم. وقد يكون الباعث لبعض المشايخ طلب التوسعة على نفسه بما يفضل عن حاجته مما يحمل الناس إليه بسبب المولد على نوع المساعدة أو الهدية أو الحياء أو المناظرة لأقر أنه من مجيء الشيخ وأتباعه ونحو ذلك. وقد يكون من أهل الشر وممن يتقي لسانه ويخشى غضبه فيفعل المولد ليحمل إليه ضعفاء القلوب ومَن يخاف منه ما تصل قدرته إليه خوفاً من ذمه وطول لسانه في عرضه وتسببه في أذى يصل إليه ونحو ذلك. وقد يكون الباعث خلاف ذلك مما لا ينحصر لتنوع المقاصد الفاسدة واختلافها فهو يظهر أن قصده إكرام النبي ﷺ وإظهار الفرح والسرور بمولده والتصدق بما يفعل على الفقراء وباطن قصده خلاف ذلك مما ذكر.

стр. 487

٢٦٧/ وهذا نوع من النفاق. ولو كان ذلك الفعل قربة في نفسه لصار بذلك القصد الباطل من أسباب البعد يأثم به فاعله وحاضره والساكت عن إنكاره ما تحقق منه. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. واعلم أن أقبح البدع وأشنعها موافقة المسلمين للنصارى في أعيادهم بالتشبه بهم في مأكلهم وأفعالهم والهدية إليهم وقبول ما يهدونه من مأكلهم في أعيادهم. وقد عانى هذه البدعة أهل بلاد مصر، وفي ذلك من الوهن في الدين وتكثير سواد النصارى والتشبه بهم ما لا يخفى. وقد قال ﷺ : «من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم». وقد تكون المهاداة في الأعياد سبباً للتأليف بينهم وبين ما يهدون إليه من المسلمين وتربيته للمودة والمحبة. وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. مع ما في موافقتهم من الإيهام الشديد في تعظيم أعيادهم وتغبيطهم بدينهم .. وبما شرعوه. وقد منعهم الشرع من إظهار أعيادهم وألزمهم بإخفائها وندب العلماء إلى الإنكار عليهم في إظهارها. فلم يكتف المسلمون بسكوتهم عن الإنكار ومداهنتهم فيه حتى زادوا على ذلك بقبول هداياهم، بل الهدية إليهم فيما اعتادوا أكله في أعيادهم، بل بالغوا في المداهنة حتى تشبهوا بهم في مآكلهم وأفعالهم، ولم يتناهوا فيما بينهم عن التشبه بهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال ابن الحاج، وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي للنصرانيّ في عبده مكافأة له،

стр. 488

ورآه من تعظيم عبده وعوناً له على مصلحة كفره. ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئاً لمصلحة عيدهم لا لحماً ولا إداماً ولا ثواباً ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من عيدهم، لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك. وهو قول مالك وغيره لم أعلمه أختلف في ذلك، انتهى. وأفعالهم القبيحة في ذلك معلومة مشاهدة لا تخفى كاهتمام المسلمين في النيروز بأكل الهريسة والزلابية وغيرها من مآكلهم في النيروز. وبل بعضهم بعضاً بالماء وإلقائه في الماء وخروجهم إلى البساتين ورمي بعضهم بعضاً في بركة أو غيرها/ وفي البحر وغيره. ٢٦٨ ومع ما يتعدى ضرر ذلك إلى الغرباء والمساكين من الرجال والنساء وأذاهم كمّا هو معلوم عند من رآه. وكذلك اهتمام النساء في خميس العدس باستعمال البخور لهن ولمن شابه عقله عقلهن من الرجال يتبخرون به ويتحنطون سبع مرات ثم يتفلون عليه ويزعمون أن ذلك يدفع عنهم العين والكسل والوعك من الجسد وكذلك يصبغون فيه البيض للصغار بل وللكبار وطاوعهم الرجال الجهال على ذلك، والعالمون بقبحه أيضاً استخفافاً بالدين واستهواناً بالبدعة وإعراضاً عما ينبغي عليهم من الإنكار، حتى إنك قل أن تجد سوقاً أو مكاناً إلا وفيه من بيع البيض المصبوغ، أو من يقامر به أو من يشتري ما يقامر به من غير نكير ولا ناهٍ ولا متصدي لتمعير وجهه في الله، إنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك ما يفعلون في سبت الظلام الذي يسمونه سبت النور. من جمعهم الأوراق من جميع الأشجار وتبيتها في الماء ليلة السبت واغتسالهم بذلك الماء يوم السبت ويزعمون أن ذلك يذهب عنهم الأمراض والأسقام ويدفع عنهم السحر والعين إلى غير ذلك.

стр. 489

وكذلك يزعمون أنه مَنْ اكتحل فيه بالشب والكحل يكتسب نوراً زائداً في بصره. وكذلك يشترون فيه الشبث ويزعمون أنه للبركة. وكذلك يزعمون أن شرب الدواء فيه له تأثيره لا يوجد في غيره. ويزعمون أن من كان به جرب أو حكة ودهن فيه بالكبريت وقعد في الشمس عرياً أو غير مستور شفي مما به، فترى النساء يفعلن ذلك ويجلسن في الشمس من غير مئزر ولا سراويل والرجال يرون كثيراً منهن في البر والبحر. وكذلك طبخهن طعام اللبن وأكله في الحمام يوم السبت وطلي الجسد به إلى غير ذلك مما يفعل فيه. وكل هذه بدع مستهجنة وعوائد مستقبحة وحوادث لا يرضاها الله ورسوله ولا أحد عنده غيرة على دينه. وفيها من تعظيم مواسم أهل الكتاب وتغبيطهم بدينهم الباطل والتشبه بهم في أفعالهم القبيحة شرعاً وعرفاً ما لا يحتاج في تقبيحه إلى دليل ولا يتوقف فيه إلا من ضلَّ عن سواء السبيل. وهو من أفحش البدع وأقبح المناكير. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣، الزمر: ٢٣]. وكذلك م يفعلونه من التشبه بهم في مواسم الغطاس وهو اليوم الذي تزعم ٢٦٩ النصارى أن مريم اغتسلت فيه/ من النفاس فتغتسل فيه النصارى تلك الليلة كبيرهم وصغيرهم واتخذوا ذلك سنة في دينهم فوافقهم بعض الجهال من رجال المسلمين ونسائهم في ذلك ويتخذونه موسماً يوسعون فيه النفقة على أهليهم. ولعل واحد منهم يقدر على الأضحية التي شرعها الله ورسوله في عيد المسلمين ورغب ﷺ فيها وحضَّ عليها ولا يضحي ولا يخطر بباله، وينفق في

стр. 490

مثل هذه المواسم المبتدعة أكثر من ثمن الأضحية، وكل ذلك من تزيين اللعين إبليس وتحسين المستقبح شرعاً والصدَّ عما ندب إليه الشرع وحضَّ عليه ليفوتهم بذلك الأجر ويوقعهم في الوزر. وكل هذه النفقات في سبيل إبليس يأثم بها منفقها وإن كانت على أهله وأولاده، لأن في ذلك تشبهاً بأهل الكتاب. وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم». فالواجب على كل قادر أن ينكر على أهل الذمة التظاهر بأعيادهم ومواسمهم ويمنعهم من إظهارها، ويمنع من أراد من المسلمين التشبه بهم في شيء من أفعالهم ومآكلهم وملابسهم ومخالطتهم فيها. ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. وهو على كل شيء قدير. وقد أحدث النساء من البدع ما لا يحصى كثرةً ولا يحصر عدداً. فمن ذلك أن بعضهن إذا حاضت في رمضان لا تفطر وذلك محرم عليها بلا خلاف سواء قضت ذلك أو لم تقضه. ومنهن من تفطر إذا جاءها الحيض ثلاثة أيام ثم تصوم وذلك حرام عليها حتى ترى البياض الخالص. ومنهن من تزعم أن الدم المانع من وطء الزوج إنما هو الثلاثة الأيام الأول حسب لا غير. وليس الأمر كذلك لأن الجماع حرام عليه وعليها ما لم ترى البياض الخالص. وحتى تغتسل عند الشافعيّ ومن وافقه. ومنها: ما يفعله كثير من النسوة من تأخير الغسل من الجماع ومن الحيض إذا طهرت بالليل حتى تطلع الشمس ثم تغتسل وتقضي الصبح:

стр. 491

وهذا حرام بالإجماع. والواجب عليها أن تبادر بالغسل وتصلي قبل طلوع الشمس إذ الصلاة لا يجوز إخراجها عن وقتها عمداً بالإجماع. وقد تقدم أن ذلك من الكبائر. وإذا علم الزوج وسكت عن إنكاره فهو شريكها في الإثم إن كانت عالمة بالتحريم، وإن كانت جاهلة فعليه إثم جهلها كما سيأتي وإثم معصيتها. والله أعلم. وكذلك يفعلن/ في الحيض إذا طهرت إحداهن وقد بقي من الوقت ما يمكنها أن تغتسل فيه وتصلي فتتهاون حتى يخرج الوقت. وذلك أيضاً حرام. بل الواجب عليها المبادرة لإدراك الوقت. ويجب على الزوج إنكار ذلك عليها وتعريفها وجوبه فإن لم يفعل كان شريكها في الإثم. ثم إن أكثرهن لا تقضي تلك الصلاة وقضاؤها واجب لا بد منه إذا أدركت من الوقت قدراً يسع تكبيرة على الأظهر. والأظهر وجوب الظهر بإدراك تكبيرة آخر وقت العصر والمغرب بآخر العشاء. [ومنها: أن أكثرهن إذا حاضت بعد دخول وقت العصر والمغرب بآخر العشاء]. ومنها: إن أكثرهن إذا حاضت بعد دخول وقت صلاة لا تقضي تلك الصلاة إذا طهرت. وهذه المسألة يجب الاعتناء بها وبيانها للناس لأنه لا يعلمها من الرجال إلا الآحاد فضلاً عن النساء لأن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت ومضى قدر يسع تلك الصلاة وجب عليها القضاء إذا طهرت.

стр. 492

والمعتبر أخف ما يجزى من الصلاة حتى لو طولت صلاتها فحاضت وقد مضى من الوقت ما يسعها لو خففتها وجب القضاء. ومنها: ما يفعله بعض النسوة من ابتلاع لباب الخبز بالماء عند النوم بعد الشبع لأجل السمن: وهذه بدعة شنيعة والأكل بعد الشبع حرام عند جماعة من العلماء مكروهة كراهة شديدة عند الآخرين. وقد قال ﷺ : «أصل كل داء البردة». يعني التخمة. ولا فرق بين أن يكون ذلك برضا زوجها أو بغير رضاه. فإن ذلك لا يجوز، بل يجب على الزوج أن يمنعها من ذلك، فإن سكت عن الإنكار كان شريكها في الإثم. وقد يبلغ بها السمن إلى أن يصل إلى قلبها فيطفئها فتموت أو يشوش على دماغها فيذهب عقلها أو يصل إلى عينها فتعمى، وتكون هي السبب في جميع ذلك.

стр. 493

بل كثير منهن تسمن حتى تعجز عن الصلاة قائمة وعن كثير من الطاعات وتقصر يدها عن الاستنجاء حتى تحتاج إلى من يفعل بها ذلك. وكل هذه الأحوال إذا تعاطت المرأة أسبابها كانت آثمة بها غير مأجورة على ما نالها من الألم بسببها. ومنها: أكلهن للطَّفْل والطين: وذلك حرام على المشهور من مذهب مالك والأصح من مذهب الشافعيّ. ٢٧١ وفيه من الضرر ما هو/ مذكور عند الأطباء كتصفير الوجه ونفخ البطن وغير ذلك. فيجب على الزوج والولي وكل من اطلع على ذلك أن يمنع المرأة من أكله، ولا يجوز للبائع أن يبيعه لمن يعلم أنها تأكله. والله أعلم. وفي فتاوى القاضي حسين إذا أكثر أكل التراب والطين حتى أضرَّ به وأصفر لونه يعصي الله تعالى وترد شهادته. ومنها: وصل الشعر والوشم والنمص وتفليج الأسنان: وكل ذلك من الكبائر وتقدم. ومنها: النقش والخضاب بالسواد: وهو حرام بالإجماع لما يلزم منه تفويت الصلاة عادةً وتلطيخ العضو بالنشادر وهو نجس. وفي صحة الصلاة بعد غسله منه خلاف. فيجب على الزوج والولي منع المرأة من ذلك فإن سكت مع قدرته فهو شريك فيما يترتب على ذلك من المأثم. وأما الخضاب بالسواد من غير تلطيخ العضو بالنشادر ولا تفويت صلاة وهو نادر. فيجوز بإذن الزوج على المذهب. وإن لم تكن ذات زوج أو سيد، أو فعلته بغير إذنهما فحرام.

стр. 494

وكذلك تحمير الوجه إن كان بإذنهما جاز. وإن كان بغير إذنهما فحرام. وكانت خلية عنهما حرم ووجب إنكار ذلك على كل قادر، والله أعلم. ومنها: ما أحدثته من لبس القمصان الواسعة الطويلة جداً حتى أنَّ بعضهن تخيط القميص من أربعين ذراعاً وطوله سبعة أذرع: وهذا كله حرام عليها وعلى مَنْ أعانها على ذلك من زوج أو ولي، لما فيه من الإسراف والخيلاء والتكبر على الضعفاء. وقد يعجز الزوج عن ذلك فيكون سبباً للفراق أو لفساد دينها إلى غير ذلك المفاسد التي لا تخفى. وأما إذا كان رقيقاً يصف البشرة وهو الغالب كالشاش اليمنيّ والبندقيّ والشعر ونحو ذلك فهو حرام في حرام، لأن لبس ذلك حرام. وإن كان على الهيئة التي أباحها الشرع لكونه يجلو البشرة، فإن لبست فوقه ما يستر كالقبا ونحوه جاز. وإن لم تلبس فوقه شيئاً وكان يجلو شيئاً من عورتها حرم. وإن كانت وحدها في بيتها، لأن كشف العورة في الخلوة من غير ضرورة حرام، والله أعلم. ومنها: أن كثيراً منهن إذا سافر من بيتها أحد تترك كنس المبيت يومين أو ثلاثة تشاؤماً بأنها إذا كنست البيت عقب سفره كانت كأنها كنست أثره من بيتها فلا يعود/ إليه. وهذا اعتقاد فاسد وإحداث في الدين وبدعة. فينبغي لمن رأى شيئاً من ذلك في بيته أو عند أحد من أهله أو غيرهم أن ينهاهم عنه ويعرفهم أن هذا بدعة في الدين، وأنه نوع من التطير المنهي عنه، وأنَّ الطريق المستقيم في إتباع سيد المرسلين ﷺ .

стр. 495

ومنها: أنَّ المرأة إذا أوقدت السراج تسلم على الحاضرين: وهذا السلام بدعة، ليس له محل ولا شرعه الله ولا رسوله. لأن السلام المشروع إنما هو إذا غاب الإنسان عن صاحبه ولو غيبة يسيرة ثم لقيه فإن ذاك يشرع له السلام. وأما أنه يكون جالساً مع رفيقه فيوقد السراج أو الشمعة فيسلم فليس من الدين في شيء. ومنها: أن بعضهن إذا كنست البيت بعد المغرب تحرق طرف المكنسة ويعتقدون أن الكنس بالليل تفاؤلاً بكنس أهل البيت منه. وأنها إذا أحرقت رأس المكنسة دفع ذلك ووقعت المصيبة في المكنسة. وهذا بدعة واعتقاد فاسد ينبغي إنكاره وبيانه. ومنها: أن بعضهن لا تُخْرج من بيتها بعد المغرب ناراً ولا قدراً ولا منخلاً ولا خميرة ولا شيئاً من الماعون: ويعتقدون أن المرأة إذا فعلت ذلك خرج زوجها من البيت إما بموت أو غيره. وهذا اعتقاد فاسد وبدعة شنيعة محرمة ومكيدة من إبليس أوقعهن فيها. لأن منع الماعون لا يجوز، ولا يستعير الإنسان في هذا الوقت شيئاً إلا لشدة ضرورة فزين لهن منع الماعون في وقت شدة الاحتياج إليه ليوقعهن في الإثم ويمنعهن الثواب. ومنها: أنهن لا يدخلون الصابون ولا الأشنان: يوم السبت إلى السبت: ويعتقدون أن ذلك فرقة بين أهل البيت. وهذا اعتقاد فاسد ليس له أصل وتطير لا يجوز. ولهن من هذه الخرافات والبدع المستقبحات أشياء كثيرة يستقبح العاقل ذكرها فضلاً عن فعلها مع أنها لا تنحصر أبداً ولا يمكن استيفاؤها، ولو تتبعنا ذلك لطال هذا المختصر وملَّه السامع والقارئ، والله ولي التوفيق.
следующие страницы →