المقدِّمة
إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ﷺ تسليماً كثيراً .. أما بعد:
فإنَّ الدُّعاءَ نعمةٌ كبرى، ومنحةٌ عظمى، جاد بها المولى- ﵎ وامتنَّ بها على عباده؛ حيث أمرهم بالدُّعاء، ووَعَدَهم بالإجابة والإثابة.
فشأن الدُّعاء عظيمٌ، ونفعُه عميمٌ، ومكانتُه عاليةٌ في الدِّين، فما استُجْلبت النِّعَم بمثله، ولا استُدفعت النِّقم بمثله؛ وذلك أنَّه يتضمَّن توحيدَ الله وإفرادَه بالعبادة دون من سواه، وهذا رأس الأمر وأصلُ الدِّين.
فما أشدَّ حاجة العباد إلى الدُّعاء؛ بل ما أعظم ضرورتهم إليه؛ فالمسلمون- بل ومَن في الأرض كلهم جميعاً- بأمسِّ الحاجة للدُّعاء؛ ليصلوا بذلك إلى خيري الدُّنيا والآخرة.
لكنَّ كثيراً من الدَّاعين لا يحسنون الدُّعاء فيقعون في خطأ الاعتداء في الدُّعاء فتردّ دعوتُهم ولا يُستجاب لهم؛ لأنَّهم أصبحوا من المعتدين الذين لا يُحبُّهم الله؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقد تأمَّلتُ كثيراً في هذا الموضوع وكان يَشغلُ بالي على أعوام مَضَت؛ خصوصاً أنَّني لم أجد مصنَّفات مستقلَّةً تتكلَّم عن هذا الموضوع تحديداً إلَّا أشتاتاً مفرَّقة هنا وهناك؛ فَسَمَت همَّتي لبحث هذا الموضوع، فاستعنتُ بالله في جمع مادَّته.
стр. 2
مشكلةُ البحث:
مع ابتعاد كثير من الناس عن المنهج الصَّحيح الذي كان عليه الرَّسولُ ﷺ في عباداتهم بعامَّة وفي الدُّعاء بخاصَّة وقع كثير من التَّجاوُزات والاعتداء في الدُّعاء وهجر الدُّعاء المشروع من الكتاب والسُّنَّة بأدعية مفقرة وكلمات مسجّعة قد وجدها في كراريس لا معوَّلَ عليها ولا أصل لها، ويترك ما دعا به النَّبيُّ ﷺ ؛ وكلُّ هذا يَمنع من استجابة الدُّعاء." (١)
حدودُ البحث:
يَقتصر البحثُ على التَّجاوُزات في الدُّعاء والاعتداء فيه والأخطاء التي تقع، وكذلك ذكرُ الأدعية، والتي يكثر الدُّعاءُ بها مع أنَّها لم ترد لا في الكتاب ولا في السُّنَّة، وكذلك نتناول نماذجَ وصورَ هذه التَّجاوُزات، ثمَّ نَذكر الضَّوابطَ التي تَمنع من الوقوع في هذه التَّجاوزات.
مصطلحات البحث:
١ - الاعتداء في الدُّعاء: هو التَّجاوُزُ في الحدِّ الذي حدَّه الشَّرعُ المطهَّر، فيحصل في الدُّعاء من الخلل بحسب ما يحصل من التَّجاوُز قوَّةً وضعفاً (٢).
٢ - ضوابطُ الاعتداء في الدُّعاء: مجموعةٌ من القواعد التي تحدِّدُ تجاوزات الدُّعاء وبها يُعرفُ ما يُعدُّ مشروعاً وما لا يشرع.
٣ - نماذج الاعتداء في الدُّعاء: صور وأمثلة على الاعتداء والأخطاء في الدُّعاء.
стр. 3
أهميَّةُ البحث:
قمتُ باختيار هذا الموضوع للأسباب التَّالية:
١ - أهميَّةُ موضوع الاعتداء في الدُّعاء؛ خصوصاً مع كثرة الأدعية المخالفة للمشروع.
٢ - انتشارُ كتيِّبات ومطويَّات تَذْكُرُ أدعيةً لا أصلَ لها تجعل الناس يهجرون المشروع ويأخذون بها.
٣ - دراسة الأحكام الشَّرعية المرتبطة بهذه التَّجاوُزات وما يترتَّب عليها من مسائل تحتاج إلى تأصيل شرعيٍّ.
٤ - خُلُوُّ موضوع الاعتداء في الدُّعاء فيما اطَّلَعتُ عليه من دراسة علميَّة شاملة للموضوع.
الدِّراساتُ السَّابقة:
بعد الاطِّلاع والبحث لم أعثر على دراسة علميَّة تتناول هذا الموضوع شاملةً لعناصر هذه الخطَّة، وغالبُ الكتب والدِّراسات على الدُّعاء عموماً من جهة فضله، دون التَّركيز على الاعتداء والتَّجاوُز في الدُّعاء.
ثمَّ إنَّ الاعتداءَ في الدُّعاء لا يَزال يَظهر بصور متجدِّدة عمَّا كان عليه في السَّابق، ومن الدِّراسات والأبحاث السَّابقة ما تناولته كتبُ التَّفسير لقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقد عثرتُ على دراسة بعنوان "الدُّعاء ومنزلتُه في العقيدة الإسلامية" للشَّيخ جيلان العروسي، ومن خلال العنوان يتبيَّن أنَّ البحثَ يقتصر على الجانب العَقَديّ في الدُّعاء دون غيره، وبعد الاطِّلاع عليها تبيَّن لي أنَّه لم يتناول موضوع الاعتداء في الدُّعاء إلَّا باقتضاب شديد، وهو لا يخرج عن ضرب بعض الأمثلة.
стр. 4
وكذلك هناك كتابٌ بعنوان: "الأزهيةُ في أحكام الأدعية" لمحمَّد بن بهادر الزَّركشيّ، ذَكَرَ الاعتداءَ في الدُّعاء تحت أخطاء الدُّعاء، وذَكَرَ بعضَ الصُّوَر والنَّماذج وبعض القواعد.
وكذلك كتاب "الدعاء، مفهومه، أحكامه، أخطاء تقع فيه"، تَعَرَّضَ للاعتدال في الدُّعاء بشكل مختصر.
وهناك كتابٌ اسمُه "الدُّعاء" للإمام الحسين إسماعيل المحامدي تحقيق عمر عبد المنعم نَشَرَتْه مكتبةُ ابن تيمية عام ١٤١٤هـ؛ ولكنَّه تكلَّم عن أدعية السَّفَر وآدابه فقط، ولم يتعرَّض لموضوع الاعتداء في الدُّعاء.
كذلك هناك كتابٌ آخرُ اسمُه "شأن الدُّعاء" للخَطَّابيِّ تحقيق أحمد يوسف الدَّقاق نشرته دار المأمون للتُّراث، ط١٤٠٤هـ، تكلَّم عمَّا يكره في الدُّعاء؛ كالسَّجع والتَّكَلُّف في الكلمات وغرابتها، وكذلك اللَّحن فيه، ولكن بشكل مختصر جدًّا.
كذلك هناك كتاب "الدُّعاء" للطَّبرانيِّ، تحقيق وتخريج الدُّكتور محمد سعيد محمد البخاري؛ وهو عبارةٌ عن رسالة علميَّة تقدَّم بها الباحثُ لنَيل درجة الدُّكتوراة من جامعة أمِّ القرى– مكَّة المكرَّمة- وقد طبعتْه دارُ البشائر ١٤٠٧هـ، تكلَّم في كراهية السَّجع في الدُّعاء والاعتداء فيه، ثمَّ ذَكَرَ حديثَ سعد بن أبي وقَّاص عندما سمع ابنَه يدعو ويقول: "اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّةَ ونعيمَها وبهجتَها وأنهارَها وقصورَها ... " الحديث.
كذلك هناك كتابُ الدُّعاء لمحمَّد بن فضل بن غزوان الضَّبِّيّ، تحقيق الدكتور عبد العزيز سليمان البعيمي، وهو يجمع الأحاديث الواردةَ في عمل اليوم واللَّيلة، ولم يتعرَّض لموضوع الاعتداء في الدُّعاء.
وهناك كتاب آخر باسم "فقه الأدعية والأذكار" للشَّيخ عبد الرَّزَّاق بن عبد المحسن البدر، نشرتْه دارُ ابن القَيِّم ١٤٢٥هـ تعرَّض للاعتداء في الدُّعاء باقتضاب شديد.
стр. 5
وهناك كتابٌ آخر اسمُه "الدُّعاءُ في الإسلام" لسعيد الشَّيبانيّ، مكتبة دار المعرفة، ط١٤١٤هـ، لم يتكلم إلَّا عن الدُّعاء الشِّركيِّ فقط، ولم يتجاوزه إلى غيره.
وهكذا عامَّةُ كتب الدُّعاء من رسائل وبحوث؛ إنَّما تتكلَّم عن فضله والحثّ عليه وأسباب إجابة الدُّعاء وموانع إجابة الدُّعاء بدون التَّعَرُّض بعمق لموضوع الاعتداء في الدُّعاء.
أهدافُ البحث:
١ - التعريف بالاعتداء في الدُّعاء.
٢ - توضيح نماذج وصور للاعتداء في الدعاء.
٣ - إيضاح الحكم الشرعي لهذه التجاوزات والاعتداءات في الدعاء.
٤ - بيان ضوابط الاعتداء.
٥ - ذكر نماذج من الدُّعاء الصَّحيح.
أسئلة البحث:
١ - ما المراد بالاعتداء في الدعاء؟
٢ - ما هي صور ونماذج الاعتداء في الدعاء؟
٣ - ما الحكم الشرعي لهذا الاعتداء في الدعاء؟
٤ - ما هي ضوابط الاعتداء في الدعاء؟
٥ - ما هي نماذج الدعاء الصحيح؟
منهج البحث:
١ - استقراءُ المعلومات المتعلِّقة بـ "الاعتداء في الدُّعاء" من مظانِّها من كتب ودوريَّات ونشرات وغيرها، وانتقاء ما يهمُّ البحث ممَّا تَمَّ جمعُه من معلومات، وترتيب أولويَّات الأخذ بالنُّصوص المجموعة.
стр. 6
٢ - تصنيف المعلومات المجموعة بما يتَّفق مع مخطَّط البحث، وتحليل هذه المعلومات المصنَّفة؛ تمهيداً للمقارنة والتَّرجيح.
٣ - عزوُ آيات القرآن الكريم ببيان اسم السُّورة ورقم الآية.
٤ - تخريج الأحاديث، وبيان درجتها–ما أمكن- إلَّا ما كان في الصَّحيحين أو في أحدهما فأكتفي بتخريجه.
٥ - توثيقُ النُّقولات والمذاهب والأقوال الواردة في البحث.
٦ - شرح المصطلحات والكلمات الغامضة في البحث والتي يغيب معناها عن غير المختصِّ من المثقَّفين.
٧ - عند ذكر آراء الفقهاء أبدأ– في الغالب- بقول الحنفيَّة ومن وافَقَهم، فالمالكيَّة، فالشافعية، فالحنابلة، مقتصراً عليهم، وقد أذكر آراءَ الظَّاهرية وبعض المجتهدين من الفقهاء.
٨ - أعقِّبُ عرضَ المسألة وأقوالَ الفقهاء وأدلَّتَهم بذكر الرَّاجح عندي، وقد أترك المسألةَ من غير ترجيح إذا لم يترجَّح عندي في المسألة قولٌ.
٩ - أُتَرجمُ للأعلام الوارد ذكرُهم في البحث ما عدا المشهورين.
١٠ - عند الهوامش أذكر ترقيماً مستقلًّا لهوامش كلِّ صفحة في أسفلها.
١١ - في نهاية البحث أضع فهارس تشتمل على فهرس الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار، بالإضافة إلى فهرس المصادر والمراجع وفهرس الموضوعات.
خطَّةُ البحث:
عنوان البحث: الاعتداء في الدُّعاء ضوابط وصور ونماذج من الدُّعاء الصَّحيح.
المقدِّمة: وفيها بيانُ أهميَّة البحث وأسباب اختياري له، ومنهجي في إعداد هذا البحث.
стр. 7
تمهيد: ويتضمَّن المباحث التَّالية:
المبحث الأول: تعريفُ الدُّعاء.
المبحث الثَّاني: شروطُ الدُّعاء وآدابُه.
المبحث الثالث: إجابةُ الدُّعاء.
وفيه مطلبان:
المطلب الأوَّل: أسبابُ إجابة الدُّعاء.
المطلب الثاني: أوقات وأماكن وأوضاع يستجاب فيها الدُّعاء.
الباب الأول: حقيقةُ الاعتداء في الدُّعاء:
وفيه فصلان:
الفصل الأول: تعريفُ الاعتداء في الدُّعاء.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الاعتداء في الدُّعاء في اللُّغة.
المبحث الثاني: تعريف الاعتداء في الدُّعاء في الاصطلاح.
الفصل الثاني: أنواعُ الاعتداء في الدُّعاء.
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الاعتداء في المعاني.
المبحث الثاني: الاعتداء في الألفاظ.
المبحث الثالث: الاعتداء في الهيئة والأداء.
المبحث الرابع: الاعتداء في الدعاء المكاني.
المبحث الخامس: الاعتداء في الدعاء الزماني.
стр. 8
الباب الثاني: الاعتداء في الدُّعاء في العبادة:
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الاعتداء في الدعاء في الصلاة.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الاعتداء في الدعاء في الصلاة المكتوبة.
المبحث الثاني: الاعتداء في الدعاء في الصلاة النافلة.
الفصل الثاني: الاعتداء في الدعاء في الحج.
وفيه مبحث واحد:
المبحث الأول: الاعتداء في الدعاء في الإحرام والطواف والسعي ويوم عرفة.
الفصل الثالث: الاعتداء في الدعاء في الصيام.
وفيه مبحث واحد:
المبحث الأول: الاعتداء في الدعاء في الإفطار والسحور.
الباب الثالث: نماذج من الدعاء الصحيح من الكتاب والسنة.
وفيه:
خاتمة: نتائج البحث وتوصياته.
الفهارس.
стр. 9
شكرٌ وتقديرٌ
هذا وإنِّي أحمد الله- سبحانه- على نعمه العظيمة التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى ثم أشكر والديَّ العزيزين وأعترف لهما في هذا المقام وغيره بالفضل والامتنان؛ فقد كان لهما الأثرُ الأكبرُ في حياتي، وأدعو لوالدي الدَّاعية الشَّيخ/ محمد بن حمود العقيليّ بالمغفرة والرّحمة.
وكان لأهل بيتي الفضل كذلك بعدَ الله في الإعانة والتَّشجيع وتوفير الجوِّ المناسب للاطِّلاع والبحث.
وكذلك أشكر أخي وزميلي الشيخ د. محمد الجريبه على توجيهاته وإرشاداته لي، وكذلك أخي الشيخ/ محمد البشير، وكذلك أخي الشَّيخ الدَّاعية مأمون عوض على جهودهما، كما أتضرَّع إلى الله- سبحانه- أن يجزيَ عنِّي فضيلة شيخي د. بابكر التُّرابي أفضلَ الجزاء، وأن يجزل مثوبتَه ويحسن عاقبتَه وينفع بعلمه ويباركَ في جهوده؛ فهو الذي قَبلَ الإشراف على هذا الموضوع بصدر رحب وتابَعَه؛ وذلك بقراءة فاحصة ونقد هادف وتوجيه سديد؛ فوجدتُ فيه خُلُقَ الأب الحاني، فَشَكَرَ اللهُ له وأعظم أجرَه.
وإنِّي أتقدَّم بالشُّكر الجزيل والدُّعاء الخالص بالتَّوفيق والسَّداد للمسؤولين في جامعة أم درمان ومعهد دراسات العالم الإسلاميِّ على ما أَوْلَوا التَّعليم العالي من خدمة وعناية.
وبالجملة أشكر كلَّ مَن أرشدني إلى ما يفيدني وأعانني على إتمام هذا البحث، وفي الختام أقدِّم هذا البحثَ وهو جهد المقلّ محاولةً منِّي في الإسهام في الدِّراسات العلميَّة الشَّرعيَّة غير ظانٍّ أن عملي هذا براءٌ من العيب والنَّقص، ولا أَدَّعي فيه الجود والإتقان؛ لعلمي بقلَّة بضاعتي وفتور الذِّهن .. واللهَ أسأل أن يكون حظِّي التَّوفيق والسَّداد، والحمدُ لله ربِّ العالمين ...
стр. 10
تمهيد
تعريفُ الاعتداء في الدُّعاء
ويتضمَّن المباحث التَّالية:
المبحثُ الأوَّل: تعريفُ الدُّعاء.
المبحث الثاني: شروط الدعاء وآدابه.
المبحث الثالث: إجابة الدعاء.
ويحتوي على مطلبين:
المطلب الأول: أسباب إجابة الدعاء.
المطلب الثاني: أوقات وأماكن وأوضاع يستجاب فيها الدعاء.
стр. 11
تعريف الدعاء:
أصلُ كلمة الدعاء: مصدر من قولك: دعوتُ الشيء أدعوه دعاء.
أقاموا المصدرَ مقامَ الاسم: تقول سمعت دعاء. كما تقول: سمعت صوتاً. وكما تقول: اللهمَّ اسمع دعاء. وقد يوضَع المصدرُ موضع الاسم؛ كقولهم: رجل عدل (١).
وهو مأخوذٌ من مادة (دعو) التي تدلُّ في الأصل على إمالة الشَّيء إليك بصوت وكلام يكون منك (٢).
وقد ورد الدعاء في اللغة بعدَّة معان منها (٣):
١ - العبادة: ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [يونس: ١٠٦].
٢ - الاستغاثة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. [البقرة: ٢٣].
٣ - التوحيد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. [الجن: ١٩].
٤ - النداء: ومنه قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. [القمر: ١٠].
٥ - القول: ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. [يونس: ١٠].
стр. 12
٦ - السؤال والطلب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. [البقرة: ١٨٦].
٧ - الثَّناء: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. [الإسراء: ١١٠].
تعريف الدُّعاء في الاصطلاح:
١ - هو الرغبة إلى الله .
٢ - قال الخطابي (١): "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربَّه- العناية واستمداده إيَّاه المعونة (٢).
وحقيقته: إظهار الافتقار إليه والتبرُّؤ من الحول والقوَّة؛ وهو سمة العبوديَّة واستشعار الذِّلَّة البشريَّة، وفيه من الثَّناء على الله- وإضافة الجود والكرم إليه (٣).
وعرَّفه ابن القيم (٤) بقوله: "هو طلب ما ينفع الدَّاعي، وطلب كشف ما يضرُّه، أو دفعُه (٥).
стр. 13
وعرَّفه كذلك بأنَّه الابتهالُ إلى الله تعالى بالسُّؤال والرَّغبة فيها عنده من الخير والتَّضرُّع إليه في تحقيق المطلوب والنَّجاة من المرهوب (١).
وهو قول القائل: "يا الله يا رحمن يا رحيم" وما أشبه ذلك (٢).
دعاءُ المسألة ودعاءُ العبادة:
كلُّ دعاء ورد في الكتاب والسُّنَّة فإنَّه يتناول نوعي الدُّعاء وهما دعاءُ المسألة ودعاءُ العبادة (٣).
تعريفُ دعاء المسألة: هو أن يطلب الدَّاعي ما ينفعه وما يكشف ضُرَّه.
تعريف دعاء العبادة: هو شامل لجميع القربات الظاهرة والباطنة؛ لأنَّ المتعبِّدَ لله طالبٌ وداع بلسان مقاله ولسان حاله أن يتقبَّلَ اللهُ تلك العبادة والإثابة عليها.
تلازُمُ نوعي الدُّعاء:
من خلال ما مضى يتبيَّن لنا أنَّ نوعي الدُّعاء متلازمان؛ ذلك أنَّ اللهَ- يُدعَى لجلب النَّفع ودفع الضُّرّ دعاءَ مسألة، ويُدعَى خوفاً ورجاءً دعاءَ العبادة؛ فعُلم أنَّ النَّوعين متلازمان؛ فكلُّ دعاء عبادة مستلزمٌ لدعاء مسألة، وكلُّ دعاء مسألة متضمِّنٌ لدعاء العبادة (٤).
стр. 14
المبحث الثاني
شروطُ الدُّعاء وآدابُه
إنَّ آدابَ الدُّعاء وما ينبغي أن يتَّصف به الدَّاعي من الصِّفات والأحوال كثيرةٌ جدًّا، وقد توسَّعَ العلماء في ذكر ذلك؛ حيث ذكروا الآدابَ التي يَنبغي للدَّاعي أن يَلتزم بها وبيَّنوا ما في ذلك من الأسرار والحكم؛ كما بيَّنوا كلَّ خصلة من خصال تلك الآداب، وبيَّنوا دليلَها من الكتاب والسُّنَّة وآثار السَّلَف، كما بيَّنوا أوقات الدُّعاء التي تُرجى فيها الإجابة والأماكن الفاضلة التي هي أرجى من غيرها، وبيَّنوا الأحوال والأوصاف التي هي أرجى من غيرها، كما بيَّنوا ألفاظ الأدعية الواردة المطلَقة منها والمقيَّدة وابتهالات وعبر ودروس وتنزيه وتقديس الله تعالى، وكذلك بَيَّنوا ما يتعلَّق بالإجابة، وما يَلزم لها وموانعها (١).
فكلُّ ما عدَّه العلماءُ من الشُّروط هو في الحقيقة آداب وليس شروطاً؛ وذلك لأمور:
١ - أنَّه لا ينطبق عليها حدُّ الشَّرط المصطلَح عليه؛ وهو ما يَلزم من عَدَمه العدمُ، ولا يَلزم من وجوده وجود؛ لأنَّ عدمَ هذه الشُّروط لا يَلزم منه بطلانُ الدُّعاء.
٢ - أنَّ العلماء لم يتَّفقوا على تسميتها شروطاً؛ فسمَّاها بعضُهم آداباً وسنناً وبعضهم سمَّاها أركاناً (٢).
وهذه الشّروط هي:
١ - التَّوحيد: شرطُ الدَّاعي أن يكونَ عالماً بأنَّه لا قادرَ على حاجته إلَّا الله، وأنَّ الأمرَ بيده، وأن يكون موحِّدًا لله في ربوبيَّته وأسمائه وصفاته؛ قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. [النمل: ٦٢]، وأن لا يدعو إلَّا الله؛ فلا يجوز له أن يَسألَ غيرَ الله، أو أن يدعوَ غيرَه معه؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. [الجن: ١٨].
стр. 15
٢ - الإخلاص في الدعاء: وهو من أهمِّ هذه الآداب وأوكدها؛ لأنَّ عدمَ إخلاص الدُّعاء لله تعالى تارةً يكون شركاً صريحاً مخرجاً عن الملة، وقد يكون شركاً أصغر؛ فيكون الدُّعاء محبطاً لا يمكن قبوله واستجابته.
وقد أمر الله- تعالى- بالإخلاص في الدُّعاء فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥].
وقال- عَزَّ من قائل: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقال الحافظُ ابن حجر (١) ﵀: وقد دلَّت الآية- يعني بها قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]- أنَّ الإجابة مشترَطةٌ بالإخلاص (٢).
وقال ابنُ مسعود- ﵁: "إنَّ الله لا يقبل من مسمع، ولا مراء، ولا لاعب، ولا داع إلَّا داعياً دعاء ثبتاً من قلبه" (٣).
стр. 16
٣ - المتابَعةُ للرَّسول ﷺ في دعائه: فإنَّ الدُّعاءَ عبادة توقيفيَّة؛ فَيَنبغي للدَّاعي أن يدعوَ ربَّه بالأدعية المشروعة الواردة في الكتاب والسُّنَّة، أو على الأقل ألَّا يصادم الأدعية المشروعة بالأدعية البديعة.
٤ - إطابة المطعم: وهو من شروط إجابة الدُّعاء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٢٧]، وكما في الحديث الذي رواه مسلم: «إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبل إلَّا طَيِّباً»، ثمَّ ذَكَرَ الرَّجلَ يُطيل السَّفَرَ أشعث أغبر يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا رب، يا رب. ومطعمُه حرام، ومشربُه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام؛ فأنَّى يُستجاب لذلك». فقد ردّت دعوة هذا الرجل مع أنَّه قد توفَّرت فيه أسباب الإجابة من التَّبذُّل ورفع الأيدي، وطولُ السَّفَر هو مظنَّةُ انكسار النَّفس بطول الغربة عن الأوطان وتحمُّل المشاقّ.
٥ - عدمُ الاعتداء في الدُّعاء: قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. [الأعراف: ٥٥]، وسيأتي تفصيل ذلك في الباب الأول إن شاء الله تعالى.
٦ - ألَّا يشغل الدُّعاء عن أمر واجب أو فريضة حاضرة: كأن يشتغل بالدعاء عن صلاة حاضرة أو أن يترك القيام بحق الضيف أو أن يدع خدمة الوالدين.
وقد قيل: شرائطُ الدُّعاء أربعة:
* حفظ القلب عند الوحدة.
* حفظ اللِّسان مع الخلق.
стр. 17
* حفظ العين عن النَّظر إلى ما لا يحل.
* وحفظ البطن عن الحرام (١).
٧ - حضور القلب عند الدُّعاء: فلابدَّ للدَّاعي أن يكون حاضرَ القلب متفهِّماً لما يقول مستشعراً عظمة مَن يدعوه؛ إذ لا يليق بالعبد الذَّليل أن يخاطبَ ربَّه ومولاه بكلام لا يعيه هذا الدَّاعي، وبجمل قد اعتاد تكراره دون فهم لفحواها، أو تجري على لسانه هكذا على سبيل العادة والاسترسال؛ قال ﷺ : «واعلموا أنَّ اللهَ لا يَستجيب دعاءً من قلب لاه» (٢)، قال الإمام النَّوَويّ (٣): "وأعلم أنَّ مقصودَ الدُّعاء هو حضورُ القلب كما سبق بيانه، والدَّلائلُ عليه أكثرُ من أن تُحصَر، والعلم به أوضح من أن يذكر" (٤).
стр. 18
آدابُ الدُّعاء:
كما أنَّ للدعاء شروطاً فكذلك له آداب يحسن توافرها كي يكون الدعاء على الوجه المطلوب، فيرجى قبوله.
قال الطرطوشي (١): "اعلموا- أرشدكم الله- أنَّ للدعاء آداباً مشروعة وشروطاً مفروضة؛ فمن وفَّى وفِّي له، ومَن لزم تلك السِّيرة على شروط الأدب أو شَكَّ نيل ما سأل، ومَن أخلَّ بالآداب استحقَّ ثلاثة خلال: المقت والبعد والحرمان" (٢):
١ - الثَّناء على الله قبل الدُّعاء والصَّلاة على النبي ﷺ : فعن فضالة بن عبيد قال: بينما رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي، وارحمني. فقال رسول الله ﷺ : «عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصل علي ثم ادعه». ثمَّ صلَّى رجلٌ آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلَّى على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «أيها المصلي ادع تجب» (٣). وقال ﷺ : «كل دعاء محجوب، حتى يصلى على النبي» (٤). وهكذا دعاء ذي النون ﵇ قال فيه النبي ﷺ : «دعوة أخي ذي النون ما
стр. 19
دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته: لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين». وفي الترمذي: «دعوة أخي ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)؛ فإنَّه لم يَدْعُ بها مسلمٌ قطُّ إلَّا استجاب له» (١).
وهكذا عامَّة الأدعية النَّبوية على قائلها أفضل الصلاة والسلام؛ فالدُّعاء الذي تقدَّمه الذِّكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدُّعاء المجرَّد؛ فإن انضاف إلى ذلك إخبارُ العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه كان أبلغَ في الإجابة وأفضل (٢).
٢ - الإقرارُ بالذَّنب والاعترافُ بالخطيئة: وهذا واضحٌ بيِّنٌ في سيِّد الاستغفار؛ قال شيخ الإسلام (٣): "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنَّة ومطالعة عيب النَّفس والعمل". وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا
стр. 20
أنت» (١) ". فجمع في قوله ﷺ : «أبوء بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي». مشاهدة المنَّة ومطالعة عيب النفس والعمل. اهـ
فمشاهدةُ المنَّة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالا ولا مقاما ولا سببا يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها؛ بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف، والإفلاس المحض، دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه ، وكمال فاقته وفقره إليه (٢)؛ فإنَّ كلَّ داع هذا حاله لَحَريٌّ أن يستجاب له.
٣ - تقديم العمل الصالح قبل الدعاء: قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].
أي: إذا فرغتَ من صلاتك فاجهد نفسَك بالدُّعاء وسله حاجتَك" (٣).
وقال عبد الله بن عمر: "إذا أردت أن تدعو فقدِّم صدقة أو صلاة أو خير ثم ادع بما شئت". وهذا من الآداب؛ أن يقدِّم بين يدي نجواه صدقة (٤).
стр. 21
٤ - الإلحاح والتّكرار وعدم الضَّجر والملل: ويحصل الإلحاح بتكرار الدعاء مرتين وثلاثا وأكثر للحديث؛ حيث ورد ما يدلُّ على تكريره ﷺ للدُّعاء ثلاث مرات؛ فقد رَوَى ابنُ مسعود- ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثا ويستغفر ثلاثا (١).
وَوَقَعَ في حديث عائشة- ﵂ في قصَّة سحره ﷺ : «فدعا ثم دعا ثم دعا» (٢).
٥ - الدعاء في الرخاء والإكثار منه في وقت اليسر والسَّعة: إنَّ من شأن العبد الصَّالح أن يُلازمَ الدُّعاءَ في حالتي الرَّخاء والشِّدَّة، وأما غير الصالح فإنَّه لا يلتجئ إلى الله تعالى إلَّا في وقت الشِّدَّة ثم ينساه؛ وهذا شأن أكثر النَّاس إلَّا من عصمه الله؛ فقد ذكر الله تعالى هذه الطَّبيعة البشريَّة في عدَّة آيات من كتابه العزيز؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال عزَّ من قائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨].
وقال ﷻ : ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
стр. 22
فقد بَيَّنَ الله في هذه الآيات وأمثالها طبيعةَ ابن آدم في الالتجاء إلى الله في الشَّدائد ونسيانه في الرَّخاء، كما بيَّن في آيات أخر مثالاً واقعيًّا من تلك الطَّبيعة البشريَّة فذكر حالة الذين تضطرب بهم السُّفُن وتتلاطم بهم الأمواج، وأنَّهم يخلصون في هذه الحالة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
والذي ينبغي أن يكون عليه المسلم أن يُلازمَ الدُّعاءَ في الرَّخاء والشِّدَّة؛ وذلك أسرعُ في إجابة دعائه، كما ورد في حديث ابن عبَّاس المشهور: «تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يعرفك في الشِّدَّة» (١).
والمرادُ بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي "المعرفة الخاصَّة التي تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلِّيَّة والانقطاع إليه والأنس به والطّمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له" (٢)، ومن المعرفة الخاصَّة التي تقتضي محبَّته لعبده وتقريبه إليه وإجابته لدعائه وإنجاءه من الشَّدائد؛ وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربِّه: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده
стр. 23
التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». وفي رواية: «ولئن دعاني لأجيبنَّه» (١).
وفي الجملة فمَن عامل الله بالتَّقوى والطَّاعة في حال رخائه عامله اللهُ باللُّطف والإعانة في حال شدَّته.
ومن الأحاديث الدَّالَّة على سرعة إجابة دعاء مَن يلازم الدُّعاء في الرَّخاء ما رواه أبو هريرة- ﵁ مرفوعاً: «مَن سَرَّه أن يستجيب الله له عند الشَّدائد والكرب فليُكثر الدُّعاء في الرَّخاء» (٢).
٦ - استقبالُ القبلة: وذلك لأنَّ القبلةَ هي الجهة الفاضلة التي ينبغي أن يُتَّجَهَ إليها في العبادات، وهي أيضاً قبلةٌ للدُّعاء كما أنَّها قبلةٌ للصَّلوات، وقد وَرَدَ في ذلك عدَّة أحاديث؛ من ذلك حديث ابن مسعود- ﵁ في إلقاء قريش الأذى على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلِّي؛ وفيه: «استقبل النبي ﷺ الكعبة فدعا على نفر من قريش» (٣).
وحديث عبد الله بن زيد- ﵁ في الاستسقاء؛ قال: «إن النبي ﷺ خرج إلى المصلَّى يصلِّي، وإنَّه لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوَّل رداءه» (٤).
стр. 24
٧ - الطهارة: وهذا من الآداب التي يَنبغي للدَّاعي أن يتَّصف بها؛ فاللائق بمن يريد خطاب الله ومناجاته أن يكون على أحسن الأحوال؛ ومن ذلك الطَّهارة الظَّاهرة بالوضوء والطَّهارة الباطنة بالتَّوبة والاستغفار؛ حتى يكون مؤهَّلاً لخطاب الله تعالى ومناجاته.
وقد ورد ما يدلُّ على استحباب الوضوء للدُّعاء في حديث أبي موسى الأشعريّ في قصّة استشهاد أبي عامر وطلبه من النَّبيِّ ﷺ الاستغفارَ؛ فلمَّا وصل إلى النَّبيِّ ﷺ وفاته وطلبه منه الاستغفار دعا بماء فتوضَّأ ثم دعا له (١).
٨ - السّواك: ووجه ذلك أنَّ الدُّعاء عبادة باللِّسان؛ فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن، ولهذا جاءت السُّنَّةُ المتواترة بمشروعيَّة السِّواك للصَّلاة، والعلَّةُ في ذلك تنظيفُ المحلِّ الذي يكون الذِّكرُ به في الصَّلاة (٢).
٩ - رفع اليدين: قال أبو موسى الأشعريّ- ﵁: (دعا النبي ﷺ ثم رفع يديه، ورأيت بياضَ إبطيه) (٣).
وقال ابنُ عمر- ﵁: (رفع النَّبيُّ ﷺ يديه وقال: «اللهمَّ إنِّي أبرأ إليك ممَّا صَنَعَ خالد» (٤).
وعن سلمان الفارسيّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ ربَّكم– ﵎ حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّها صفراً خائبتين» (٥).
стр. 25
١٠ - الطُّموح وعُلُوُّ الهمَّة: فمن الآداب التي يحسن بالدَّاعي أن يتحلَّى بها أن يكون طموحاً، ذا نفس كبيرة وهمَّة عالية راغباً فيما عند الله من عظيم الثَّواب (١)؛ لقوله ﷺ : «ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» (٢).
стр. 26
المبحث الثالث
إجابةُ الدُّعاء
أجاب الله دعاءه إجابةً: المصدر الإجابة والاسم الإجابة؛ كالطَّاعة، واسم الفاعل: المجيب؛ قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. [آل عمران: ١٩٥] (١).
أنواع الإجابة:
قد ذكرنا أنَّ الدُّعاءَ يَنقسم إلى نوعين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وكذا الاستجابة تتنوَّع إلى نوعين: فلكلِّ نوع من الدُّعاء نوعٌ من الاستجابة يناسبه؛ فاستجابةُ دعاء العبادة بإعطاء الثَّواب والأجر، واستجابة دعاء المسألة بإعطاء المسؤول.
قال ابن القيم: (الاستجابة أيضاً نوعان: استجابةُ دعاء الطَّالب بإعطائه سؤالَه واستجابة دعاء المثنيّ بالثَّواب، وبكلِّ واحد من النَّوعين فُسِّرَ قولُه تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، والصَّحيح أنَّه يعمُّ النَّوعين (٢).
والاعتقادُ بعدم خلف الله لوعده هو عقيدةُ المؤمن الصَّادق، وإن الله إذا وعد فإنَّه لا يخلف الميعاد؛ فهو أكرمُ الأكرمين وأجودُ الأجودين.
لكن يثورُ هنا سؤالٌ كبيرٌ وهو: لماذا لا يَستجيب اللهُ لكلِّ أحد دعاه؟
فالجوابُ ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم: أنَّ الدُّعاءَ
إذا استجمع شروطَه وآدابَه لا يُرَدّ؛ ولكن الإجابة تتنوَّع؛
فإمَّا أن يُعطَى السَّائلُ عينَ ما سأل، وإمَّا أن يعوِّضَه بما هو أولى له
стр. 27
عاجلاً أو آجلاً؛ بأن يرفع عنه من السُّوء مثلَها، أو يدَّخرَ له في الآخرة خيراً ممَّا سأل؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إما أن يعجل له دعوته وإما أن يؤخرها له في الآخرة، وإما أن يكف عنه من الشر مثلها». قالوا: إذاً نُكْثر. قال: «الله أكثر» (١).
المطلبُ الأوَّلُ: أسباب إجابة الدعاء
١ - الإخلاص لله- حالَ الدُّعاء: فهو السَّببُ الأعظمُ لإجابة الدُّعاء؛ فكلَّما اشتدَّ الإخلاصُ وقوي كانت الإجابةُ أولى وأحرى.
قال ابنُ عقيل (٢) ﵀: (يقال: لا يُستجاب الدُّعاء بسرعة إلَّا لمخلص أو مظلوم) (٣).
٢ - قوَّةُ الرَّجاء، وشدَّةُ التَّحرِّي في انتظار الفرج: فكلَّما قوي الرَّجاء واشتدَّت الحاجة، وتطلَّعت النُّفوس للإجابة، وبلغ بها انتظار الفرج ذُرْوتَه كلَّما جاء الفرجُ.
стр. 28
قال ﵊: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» (١)، وقال ﵊: «أنا عند ظنِّ عبدي بي» (٢)؛ فاليقين بإجابة الله لدعائه وحسن الظَّنِّ به من أسباب الإجابة.
قال الشَّاعرُ:
وإنِّي لأرجو الله حتى كأنَّني ... أرى بجميل الظَّنِّ ما الله صانع (٣)
٣ - التَّوبة وردُّ المظالم: كما قال– تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]؛ أي ارجعوا إليه وارجعوا عمَّا أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب؛ فإنَّه مَن تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشِّرك (٤).
٤ - اغتنام الفرص: وذلك بتحرِّي أوقات الإجابة، والمبادرة لاغتنام الأحوال والأوضاع والأماكن التي هي مظانُّ إجابة الدُّعاء.
٥ - ٦ - ٧: بر الوالدين والبعد عن الفواحش وردُّ الأمانة: والدَّليل في ذلك قصَّة أصحاب الغار؛ فعن عبد الله بن عمر- ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر ممَّن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضُهم لبعض: إنَّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلَّا الصِّدق؛ فليدعُ كلُّ رجل منكم بما يعلم أنَّه قد صَدَقَ فيه.
стр. 29
فقال واحد منهم: اللهمَّ إن كنتَ تعلم أنَّه كان لي أجير عَمِلَ لي على فَرَقٍ (١) من أرزّ فذهب وتركه، وأنِّي عَمَدْتُ إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنِّي اشتريتُ منه بقراً، وأنَّه أتاني يطلب أجرَه، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسُقها، فقال لي: إنَّما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر؛ فإنها من ذلك الفرق، فساقها؛ فإن كنت تعلم أنِّي فعلتُ ذلك من خشيتك ففرِّج عنَّا. فانساخت (٢) عنهم الصخرة.
فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون (٣) من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فَيَسْتَكِنَّا (٤) لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر؛ فإن كنت تعلم أنِّي قد فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا. فانساخت عنهم الصَّخرة حتى نظروا إلى السماء.
فقال الآخر: اللهم إن كنتَ تعلم أنَّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ الناس إليّ، وإنّي راودتها عن نفسها فأبت إلّا أن آتيها بمائة دينار،
فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها،
فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله، ولا تفض (٥) الخاتم إلا
стр. 30
بحقِّه، فقمت وتركتُ المائة دينار؛ فإن كنت تعلم أنِّي فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنَّا. ففرَّجَ اللهُ عنهم فخرجوا» (١).
٨ - الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر: فهذا من أعظم أسباب إجابة الدُّعاء؛ لأنَّه من أعظم الأعمال الصَّالحة، ولأنَّ تَرْكَه موجبٌ لردِّ الدُّعاء وعدم الإجابة؛ فعن حذيفة بن اليمان- ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لَتَأَمُرُنَّ بالمعروف وَلَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عقاباًً منه، فتدعونه فلا يُسْتَجاب لكم» (٢).
وجاء في الحديث عن أبي هريرة- ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لتأمرنَّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو ليُسَلِّطَنَّ الله عليكم شرارَكم فيدعو خيارُكم، فلا يُستجابُ لهم» (٣).
٩ - العمل الصالح: فهو سبب لرفع الدُّعاء وتَقَبُّله؛ فالدُّعاءُ من الكلم الطَّيِّب، والكلمُ الطَّيِّبُ يَصعد إلى الله، ويحتاج إلى عمل صالح يرفعه؛ قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. [فاطر: ١٠].
قال وهب بن منبه (٤) ﵀: (مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير
стр. 31
وتر). وعنه قال: العمل الصالح يبلغ الدعاء. ثم تلا هذه الآية (١).
قال ابنُ القيِّم- ﵀: (والأدعيةُ والتَّعَوُّذات بمنزلة السِّلاح، والسِّلاحُ بضاربه؛ لا بحدِّه فقط؛ فمتى كان السِّلاحُ سلاحاً تامًّا لا آفةَ به والساعد ساعداً قويًّا، والمانع مفقوداً، حصلت النِّكايةُ في العدوِّ، ومتى تخلَّف واحدٌ من هذه الثَّلاثة تخلَّف التَّأثير؛ فإن كان في نفسه غير صالح أو الدَّاعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدُّعاء، أو كان ثمَّ مانع من الإجابة، لم يَحْصُل الأثرُ) (٢).
المطلب الثَّاني: أوقات وأماكن وأوضاع يُستجاب فيها الدُّعاء (٣):
١ - الدُّعاء في جوف اللَّيل ووقت السَّحَر: قال- تعالى- في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذَّاريات: ١٨].
وعن أبي هريرة- ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «يَنزل ربُّنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السَّماء الدُّنيا حين يبقى ثلثُ اللَّيل الآخر يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» (٤).
٢ - دُبُر الصَّلوات المكتوبات: عن أبي أُمامة الباهليّ- ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الدُّعاء أسمع؟ قال: «جوفُ اللَّيل الآخر، ودُبُر الصَّلوات المكتوبات» (٥).
стр. 32
قال ابنُ القَيِّم- ﵀: (دُبُرُ الصَّلاة يُحتَمَلُ قبل السَّلام وبعده، وكان شيخُنا– يعني ابن تيمية- يرجِّحُ أن يكون قبل السَّلام، فراجعتُه فيه فقال: دُبُرُ كلِّ شيء منه كدُبُر الحيوان) (١).
٣ - بين الأذان والإقامة: عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدُّعاءُ لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة فادعوا» (٢).
٤ - عند النِّداء للصَّلوات المكتوبة: عن سهل بن سعد (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «ثنتان لا تردَّان- أو قَلَّما تُرَدَّان- الدُّعاء عند النِّداء ... الحديث» (٤).
٥ - عند نزول الغيث: فعن سهل بن سعد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اثنتان ما تردَّان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر» (٥).
стр. 33
٦ - ساعة من الليل: قال- ﵊: «إنَّ في اللَّيل ساعة لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسأل الله خيراً من أمر الدُّنيا والآخرة إلَّا أعطاه إيَّاه؛ وذلك كلّ ليلة» (١).
٧ - السّاعة التي في يوم الجمعة: عن أبي هريرة- ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ قائمٌ يصلِّي يسأل الله- تعالى- شيئاً إلَّا أعطاه إيَّاه». وأشار بيده يقلِّلُها (٢). وأرجَحُ الأقوال أنَّها بعدَ العصر.
٨ - عند شرب ماء زمزم: عن جابر- ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ماءُ زمزم لما شُربَ له» (٣).
٩ - في السُّجود: قال رسول الله ﷺ : «أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء» (٤).
١٠ - الدُّعاءُ يوم عرفة: قال- ﵊: «خيرُ الدُّعاء دعاءُ يوم عرفة» (٥).
١١ - في حال دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب: عن أبي الدَّرداء- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل» (٦).
стр. 34
١٢ - دعاء المضطر: فالله- ﵎ يُجيب المضطرَّ إذا دعاه؛ قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
١٣ - دعاء المظلوم: كما في قوله ﷺ لمعاذ- ﵁ عندما بَعَثَه إلى اليمن: «واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب» (١).
١٤ - دعاء المسافر: لقوله ﷺ : «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (٢).
١٥ - دعاء الوالد لولده: قال ﷺ : «ثلاث دعوات لا تُرَدّ. وذَكَرَ منها: دعوةَ الوالد لولده» (٣).
стр. 35
الباب الأول
حقيقة الاعتداء في الدُّعاء
وفيه فصلان:
الفصل الأول: تعريف الاعتداء في الدعاء.
الفصل الثاني: أنواع الاعتداء في الدعاء.
стр. 36
الفصل الأول
تعريف الاعتداء في الدُّعاء
وفيه مبحثان:
المبحث الأوَّل: تعريف الاعتداء في الدُّعاء لغةً.
المبحث الثاني: تعريفُ الاعتداء في الدُّعاء في الاصطلاح.
стр. 37
المبحث الأول
تعريف الاعتداء في الدُّعاء في اللُّغة
قال الراغب: أصل العَدو التَّجاوُزُ.
وعن ابن سيِّده: وعدوى: ظلمه ظلماً جاوَزَ فيه القدرَ.
وقيل: العدوان أسوأ الاعتداء في قوة أو فعل أو حال. ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. أي معتدون. (لتعدى واعتدى وأعدى)، ومن الأخير: أعديتَ في منطقك: أي جُرْتَ. كما في الصِّحاح.
قال الرَّاغبُ: الاعتداءُ مجاوَزَةُ الحقّ؛ قد يكون على سبيل الابتداء؛ وهو النهي عنه، ومنه قولُه تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (١). وعدا: جاوزه وتركه.
عدا فلان عدواً وعدوًّا وعدواناً: أي ظَلَمَ ظلماً جاوز فيه القدرَ. ويقال: عديته فتعدَّى: أي: تجاوز. وقولُه: فلا تعتدوها: أي لا تجاوزوها إلى غيرها. ومنه قوله: هم العادون. أي: المجاوزون ما حُدَّ لهم وأمروا به. وأصلُ هذا كلمة: مجاوَزَة الحدّ والقدر والحق؛ يقال: تعدَّيتَ الحقَّ واعتديته وعدوته: أي جاوزتَه، وفي الحديث: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء». هو الخروج فيه عن الوضع الشَّرعيِّ والسُّنَّة المأثورة، وقوله: إنَّه لا يحبُّ المعتدين. المعتدون: المجاوزون ما أمروا به (٢).
والتَّعَدِّي: مجاوَزةُ الشَّيء إلى غيره. يقال: عداه تعدية فتعدَّى: أي تجاوز (٣).
стр. 38
العداء- بالفتح والمدّ: الظُّلمُ وتجاوُزُ الحدّ، ومنه حديث: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء»، وهو الخروجُ فيه عن الوضع الشَّرعيِّ والسُّنَّة المأثورة (١).
نخلص مما سبق أنَّ تعريفَ الاعتداء في الدُّعاء لغةً هو مجاوَزةُ الحدّ فيه.
стр. 39
المبحث الثَّاني
تعريفُ الاعتداء في الدُّعاء في الاصطلاح
* قال ابنُ القيِّم: الاعتداءُ في الدُّعاء هو كلُّ سؤال يناقض حكمةَ الله، ويتضمَّن مناقَضَة شرعه وأمره، أو يتضمَّن خلاف ما أخبر به؛ فهو اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحبُّ سائلَه، وفُسِّرَ الاعتداءُ برفع الصَّوت أيضاً في الدُّعاء؛ قال ابنُ جرير: من الاعتداء رفعُ الصَّوت في الدُّعاء، والنِّداء في الدُّعاء والصِّياح (١).
* قال ابنُ الجوزيّ في زاد المسير في علم التّفسير: (إنَّ الاعتداءَ في الدُّعاء فيه ثلاثة أقوال:
١ - أن يدعو على المؤمنين بالشَّرِّ؛ كالخزي واللَّعنة.
٢ - أن يسأل ما لا يستحقُّه من منازل الأنبياء.
٣ - إنَّه الجهر في الدُّعاء.
* وعرَّفه الكلبيُّ وابن جريح بأنَّه رفعُ الصَّوت بالدُّعاء والصِّياح (٢).
* وقيل هو اختراع دعوة لا أصل لها في الشَّرع.
* وقيل الاعتداء هو أن يسأل الله ما لم تجر سنَّتُه بإعطائه أو إيجاده أو تغييره.
* والاعتداء: هو تجاوُزُ الحدِّ الذي حدَّه الله لعبده في دعائه ومسألته ربَّه (٣).
стр. 40
* الاعتداءُ هو تجاوُزُ الحدِّ الذي حدَّه الله لعباده إلى غيره، وكلُّ ما تَجاوَزَ حدَّ شيء إلى غيره فقد تعدَّاه إلى ما جاوَزَه إليه (١).
نَخْلُصُ ممَّا سَبَقَ إلى أنَّ تعريفَ الاعتداء في الدُّعاء اصطلاحاً هو: تَجَاوُزُ الحدّ الشَّرعيّ في الدُّعاء معنى أو لفظاً أو أداءً وهيئةً.