← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35622

الاعتداء في الدعاء صور وضوابط ونماذج من الدعاء الصحيح

سعود العقيلي

Полный текст (139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الأول تعريف الاعتداء في الدُّعاء وفيه مبحثان: المبحث الأوَّل: تعريف الاعتداء في الدُّعاء لغةً. المبحث الثاني: تعريفُ الاعتداء في الدُّعاء في الاصطلاح.

стр. 37

المبحث الأول تعريف الاعتداء في الدُّعاء في اللُّغة قال الراغب: أصل العَدو التَّجاوُزُ. وعن ابن سيِّده: وعدوى: ظلمه ظلماً جاوَزَ فيه القدرَ. وقيل: العدوان أسوأ الاعتداء في قوة أو فعل أو حال. ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. أي معتدون. (لتعدى واعتدى وأعدى)، ومن الأخير: أعديتَ في منطقك: أي جُرْتَ. كما في الصِّحاح. قال الرَّاغبُ: الاعتداءُ مجاوَزَةُ الحقّ؛ قد يكون على سبيل الابتداء؛ وهو النهي عنه، ومنه قولُه تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (١). وعدا: جاوزه وتركه. عدا فلان عدواً وعدوًّا وعدواناً: أي ظَلَمَ ظلماً جاوز فيه القدرَ. ويقال: عديته فتعدَّى: أي: تجاوز. وقولُه: فلا تعتدوها: أي لا تجاوزوها إلى غيرها. ومنه قوله: هم العادون. أي: المجاوزون ما حُدَّ لهم وأمروا به. وأصلُ هذا كلمة: مجاوَزَة الحدّ والقدر والحق؛ يقال: تعدَّيتَ الحقَّ واعتديته وعدوته: أي جاوزتَه، وفي الحديث: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء». هو الخروج فيه عن الوضع الشَّرعيِّ والسُّنَّة المأثورة، وقوله: إنَّه لا يحبُّ المعتدين. المعتدون: المجاوزون ما أمروا به (٢). والتَّعَدِّي: مجاوَزةُ الشَّيء إلى غيره. يقال: عداه تعدية فتعدَّى: أي تجاوز (٣).

стр. 38

العداء- بالفتح والمدّ: الظُّلمُ وتجاوُزُ الحدّ، ومنه حديث: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء»، وهو الخروجُ فيه عن الوضع الشَّرعيِّ والسُّنَّة المأثورة (١). نخلص مما سبق أنَّ تعريفَ الاعتداء في الدُّعاء لغةً هو مجاوَزةُ الحدّ فيه.

стр. 39

المبحث الثَّاني تعريفُ الاعتداء في الدُّعاء في الاصطلاح * قال ابنُ القيِّم: الاعتداءُ في الدُّعاء هو كلُّ سؤال يناقض حكمةَ الله، ويتضمَّن مناقَضَة شرعه وأمره، أو يتضمَّن خلاف ما أخبر به؛ فهو اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحبُّ سائلَه، وفُسِّرَ الاعتداءُ برفع الصَّوت أيضاً في الدُّعاء؛ قال ابنُ جرير: من الاعتداء رفعُ الصَّوت في الدُّعاء، والنِّداء في الدُّعاء والصِّياح (١). * قال ابنُ الجوزيّ في زاد المسير في علم التّفسير: (إنَّ الاعتداءَ في الدُّعاء فيه ثلاثة أقوال: ١ - أن يدعو على المؤمنين بالشَّرِّ؛ كالخزي واللَّعنة. ٢ - أن يسأل ما لا يستحقُّه من منازل الأنبياء. ٣ - إنَّه الجهر في الدُّعاء. * وعرَّفه الكلبيُّ وابن جريح بأنَّه رفعُ الصَّوت بالدُّعاء والصِّياح (٢). * وقيل هو اختراع دعوة لا أصل لها في الشَّرع. * وقيل الاعتداء هو أن يسأل الله ما لم تجر سنَّتُه بإعطائه أو إيجاده أو تغييره. * والاعتداء: هو تجاوُزُ الحدِّ الذي حدَّه الله لعبده في دعائه ومسألته ربَّه (٣).

стр. 40

* الاعتداءُ هو تجاوُزُ الحدِّ الذي حدَّه الله لعباده إلى غيره، وكلُّ ما تَجاوَزَ حدَّ شيء إلى غيره فقد تعدَّاه إلى ما جاوَزَه إليه (١). نَخْلُصُ ممَّا سَبَقَ إلى أنَّ تعريفَ الاعتداء في الدُّعاء اصطلاحاً هو: تَجَاوُزُ الحدّ الشَّرعيّ في الدُّعاء معنى أو لفظاً أو أداءً وهيئةً.

стр. 41

الفصل الثاني أنواع الاعتداء في الدُّعاء وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: الاعتداء في المعاني. المبحث الثاني: الاعتداء في الألفاظ. المبحث الثالث: الاعتداء في الهيئة والأداء. المبحث الرابع: الاعتداء في الدعاء المكاني. المبحث الخامس: الاعتداء في الدعاء الزماني.

стр. 42

قبل الدخول في هذا الموضوع يَحسن أن أشيرَ إلى أنَّ الاعتداءَ في الدُّعاء تتفاوت مراتبُه؛ فهو ليس على مرتبة واحدة؛ فمنه ما يَدْخُلُ في الشِّرك الأكبر، ومنه ما هو محرَّم، ومنه ما هو مكروه. والاعتداءُ في الدُّعاء قد يكون في الألفاظ أو المعاني أو الهيئة والأداء أو الزمان أو المكان على ما سيأتي بيانُه إن شاء الله. ويَحسن بي أن أقفَ عند نقطة مهمَّة؛ وهي أنَّ بعضَ الناس لا يَقبلون معنى الاعتداء في الدُّعاء بحجَّة أنَّ اللهَ على كلِّ شيء قدير، وأنَّه مهما دعا الإنسان فإنَّ اللهَ قادرٌ على أن يُجيبَ دعوتَه. والجواب أنَّ اللهَ قد وَضَعَ لنا سنناً وقوانين كونيَّة وشرعيَّة لا يجوز لنا أن نتعدَّاها؛ فاللهُ قادرٌ على أن يأتي بالولد من غير وطء؛ (مثل عيسى ﵇؛ لكنها سنَّةُ الله في الاستيلاد؛ أنَّه لابدَّ من وطء، وكذلك اللهُ قادرٌ على أن يَرزق الإنسانَ وهو في قعر بيته لم يكتسب؛ لكن سنَّة الله في الاسترزاق هي الكسب؛ (لذلك فلا يطلب أحد من ذوي الألباب وقوع المسبَّب من غير سبب؛ لما فيه من سوء الأدب) (١).

стр. 43

المبحث الأول الاعتداءُ في المعاني وضابطُه: أن تتضمَّن هذه الأدعية معاني محرَّمةً أو مكروهةً: ١ - الدُّعاء بلفظ اللَّهمَّ أُمَّني بكذا أو صلِّ عليّ. ونحو ذلك؛ وهذه الألفاظُ وإن كان في ظاهرها لا بأس بها لكنَّها تحمل معنى سيِّئًا لا يسوَّغُ الدُّعاء به؛ قال ابنُ القَيِّم: (ولا يُسَوَّغُ ولا يَحسن في الدُّعاء أن يقول العبد: اللهمَّ أُمَّني بكذا. بل هذه مستكره في اللفظ والمعنى؛ فإنَّه لا يقال: اقصدني بكذا إلَّا لمن كان يعرض له الغلط والنِّسيان فيقول: اقصدني. وأمَّا مَن لا يفعل إلَّا بإرادته ولا يضلُّ ولا ينسى فلا يقال: اقصدني بكذا (١). ٢ - أن يكون المسؤول ممتنعاً عقلاً وعادة وله صور؛ كإحياء الموتى ورؤية الله في الدُّنيا أو يسأل منازل الأنبياء في الآخرة أو معجزاتهم في الدُّنيا (٢). وكذلك من صوره: الدُّعاء بجمال يوسف- ﵇ وبملك سليمان؛ وذلك لأنَّ يوسف أعطي شطر الحسن كما قال ﵊ (٣).

стр. 44

وأمَّا سليمان فلأنَّه ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١). قال البغوي (٢) في تفسيره: قيل سأل ذلك ليكون آية لنبوَّته ودلالة على رسالته ومعجزة. وكذلك الدُّعاء بتغيير لون البشرة أو الطُّول أو القصر، وأن تسأل المرأة التي بلغت سن اليأس ولداً، وكذلك التي استُئصل رحمُها، (وهنا قيد: هو أنَّه يجوز أن يسأل العبد ربَّه في مقام الاضطرار والشِّدَّة سؤالاً مطلقاً أن يكشف عنه ضرورة وقعت به فينقض الله له عادة؛ كما إذا حدث له في بادية عطش فدعا الله أن يكشف ما أصابه من الضُّرِّ مطلقاً كان ذلك جائزاً وإن كان في إجابته إيَّاه نقضُ العادة) (٣). وكذلك صلاة الاستسقاء في غير وقتها (موسم نزول الأمطار)؛ فيصلِّي ويدعو دعاء الاستسقاء في وقت الصَّيف مع أنَّ عادةَ هذا البلد أن لا يَنزل المطر إلَّا في الشِّتاء. ٣ - أن يكون على السَّائل حرجٌ مما سأل؛ كسؤال الخمر وغيره من المحرَّمات؛ لما تضمَّنَه سؤالُه من إتاحة الحرام، ولقوله ﷺ : «يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» (٤). ٤ - أن يكون على السائل حرجٌ مما سأل؛ كسؤال المال والجاه والولد والعافية وطول العمر؛ للتَّفاخر والتَّكاثر والاستعانة بها على قضاء ما حرَّم الله من الشَّهوات.

стр. 45

٥ - إنَّ حاجتَه إذا عظمت يسألها الله- تعالى- سؤال مستعظم لها في ذات الله؛ بل يسأله الصَّغيرة والكبيرة سؤالاً واحداً؛ للحديث الذي رواه مسلم وابنُ حبَّان عن أبي هريرة: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإنه لا يتعاظم على الله شيء» (١). ٦ - أن يدعو السَّائل من باب الاسترسال في الدُّعاء والعادة فقط دون العزم والنِّيَّة؛ كأن يدعو أن يخلِّصَه الله من معصية وهو مصرٌّ عليها ويواقعها. ٧ - طلب نفي ما دلَّ الشَّرع على ثبوته: كالدُّعاء للكفرة بالمغفرة ونفي تخليدهم في النار، أو الدُّعاء على المسلم الموحِّد بالخلود في النَّار. ٨ - طلبُ ثبوت أمر دلَّ الشَّرع على نفيه؛ كقولهم: (اللهم اجعلني أوَّلَ من تنشقُّ عنه الأرض يوم القيامة). أو يسأل الله العصمة من الخطأ والذُّنوب مطلقاً لحديث «كلُّ ابن آدم خطَّاء» (٢). ٩ - أن يتعدَّى في الدُّعاء على مَن ظلمه؛ لاسيَّما المسلم، وله صور: * أن يدعو عليه بملابَسة معصية من المعاصي أو الكفر أو الختم بالكفر أو الرِّدَّة؛ كأن يقول مثلا: اللهم اهتك عرضه. أو: اللهم أَمتْه على غير ملَّة محمد ﷺ . * بل المندوب إليه هو الصَّفحُ والعفوُ، وإن دعا عليه فليدع عليه بقضيَّة مثل قضية أو دونها؛ حتى لا يكون ظالماً في الزِّيادة؛ كأن يقول: اللهمَّ افعل به ما فعل بي. أو نحوه. قال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.

стр. 46

قال ابنُ عبَّاس: لا يحبُّ الله أن يدعو أحد على أحد إلَّا أن يكون مظلوماً؛ فإنَّه قد أرخص له أن يدعو على مَن ظلمه وذلك قوله: «إلا من ظلم .. وإن صبر فهو خير له». اهـ (١). وفي السُّنَّة بيان للصِّيغة التي يدعو بها على مَن ظلمه؛ فعن جابر- ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ يقول: «اللهمَّ أصلح لي سمعي وبصري واجعلهما الوارثين مني وانصرني على مَن ظلمني وأرني منه ثأري» (٢). أمَّا الدُّعاء بالضَّلالة والغواية فكما ذكرنا لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال بعضُ السَّلَف في معنى المعتدين: (هم الذين يَدْعون على المؤمنين فيما لا يحلُّ فيقولون: اللهمَّ اخزهم، اللهمَّ العنهم).اهـ (٣) وقال سعيد بن جبير: (لا تدعو على المؤمنين بالشَّرِّ: اللهمَّ اخزه والعنه. ونحو ذلك؛ فإنَّ ذلك عدوان).اهـ (٤). وقال الحسنُ البصريُّ: (قد أرخص له أن يدعو على مَن ظلمه من غير أن يتعدَّى عليه) (٥). يقول الإمامُ القرافيُّ: الدُّعاء على الظَّالم له أحوال:

стр. 47

* إمَّا بعزله لزوال ظلمه فقط؛ وهذا حسن. * وثانيهما: بذهاب أولاده وهلاك أهله ونحوهم ممَّن تعلَّق به ولم يحصل منه جناية عليه، وهذا منهيٌّ عنه لأذيَّته مَن لم يمنّ عليه. * وثالثهما: الدُّعاء بالوقوع في معصية؛ كابتلائه بالشُّرب أو الغيبة أو القذف؛ فينهى عنه أيضاً؛ لأنَّ إرادةَ المعصية للغير معصية. * ورابعهما: الدُّعاء عليه بحصول مؤلمات أعظم ممَّا يستحقُّه في عقوبته؛ فهذا لا يتَّجه أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. ففعلُه جائز وتركُه أحسن (١). قد يشتبه على بعض الناس دليلان في ظاهرهما الدلالة على جواز الدُّعاء على الظالم بالإثم والمعصية: أحدُهما: من القرآن الكريم؛ وذلك في حكاية الله- عن موسى- ﵇ دعاءه على فرعون وقومه، وفيه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. فالجواب عن هذا بأن يقال: إنَّ دعاءَ موسى جاء بعد علمه بوحي من الله تعالى أنَّ قومَ فرعون لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية ومعجزة؛ وليس فيه الدُّعاءُ مطلَقاً على كلِّ كافر أو ظالم بطمس القلب واليأس من الإيمان والتَّوبة.

стр. 48

يقول ابنُ كثير: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قال ابنُ عبَّاس: أي اطبع عليها، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وهذه الدَّعوةُ كانت من موسى- ﵇ غضباً لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبيَّن له أنَّه لا خيرَ فيهم، ولا يجيء منهم شيء؛ كما دعا نوح- ﵇ فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ انتهى (١). ويقول القُرطبيُّ: وقد استشكل بعضُ النَّاس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم، وحكمُ الرُّسُل استدعاء إيمان قومهم؟ (٢). فالجواب: أنَّه لا يجوز أن يدعو نبيٌّ على قومه إلَّا بإذن من الله، وإعلام أنَّه ليس فيهم مَن يؤمن ولا يخرج من أصلابهم مَن يؤمن دليلُه قولُه لنوح- ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾؛ وعند ذلك قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. انتهى. ويقولُ الشَّيخُ أحمد النّفراويّ: اختُلف في جواز الدُّعاء على المسلم العاصي بسوء الخاتمة (٣). قال ابنُ ناجي: أفتى بعضُ شيوخنا بالجواز محتجًّا بدعاء موسى على فرعون بقوله تعالى حكايةً عنه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]. والصَّوابُ عندي أنَّه لا يجوز، وليس في الآية ما يدلُّ على الجواز؛ لأنَّه فرَّق بين الكافر المأيوس من إيمانه كفرعون، وبين المؤمن العاصي المقطوع له بالجنَّة؛ إمَّا ابتداءً أو بعد عذاب. انتهى.

стр. 49

الثاني: حديث جابر بن سمرة- ﵁ في قصَّة شكاية أهل الكوفة سعد بن أبي وقَّاص إلى عمر، وقيام ذلك الرَّجل في المسجد واتِّهامه لسعد بتهم عدَّة قال: (قال سعد: أما والله لأدعونَّ بثلاث: اللهمَّ إن كان عبدُك هذا كاذباً قام رياءً وسمعةً فأطل عمره، وأطل فقره، وعرِّضْه بالفتن. وكان بعدُ إذا سُئل يقول: شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ أصابتني دعوةُ سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيتُه بعد قد سَقَطَ حاجباه على عينيه من الكبَر، وإنَّه ليتعرَّض للجواري في الطُّرُق يغمزهنَّ) (١). فَظَنَّ بعضُ النَّاس أنَّ سعداً دعا عليه بالمعصية والإثم؛ ولكنَّ الصَّواب أنَّه دعا عليه بتعرُّضه للفتن والبلايا والمحن في الدِّين والدُّنيا؛ كما قال: (وعَرِّضْه للفتن). والفتنةُ لا تعني المعصية؛ ولكنَّها تعني الشِّدَّة التي قد توقع في المعصية إن لم يَصبر عليها؛ وهذا ما حَصَلَ. يقول الحافظ ابن حجر: (وفيه جوازُ الدُّعاء على الظالم المعيَّن بما يَستلزم النَّقصَ في دينه، وليس هو مَن طلب وقوع المعصية؛ ولكن من حيث إنَّه يؤدِّي إلى نكاية الظَّالم وعقوبته). انتهى (٢). ثالثا: خيرٌ من ذلك كلِّه: العفوُ وتركُ أمر الظَّالم له- يوم القيامة؛ وذلك أنَّ مَن عفا عن حقِّه في الدُّنيا أخذه وافراً في الآخرة وأراح قلبَه من شوائب الحقد والغيظ.

стр. 50

قال ﷺ : «يا عقبة بن عامر: صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك» (١). ١٠ - تحجُّرُ الدُّعاء: ومن ذلك قولُ الأعرابيّ: (اللهمَّ ارحمني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحداً). فلمَّا سَلَّمَ النَّبيُّ ﷺ قال للأعرابيِّ: «لقد حجَّرتَ واسعاً». يريد رحمة الله (٢). ١١ - تعليقُ الدُّعاء بالمشيئة؛ فعن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يَقُلْ أحدُكم: اللهمَّ اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت. ليعزم المسألة؛ فإنَّ اللهَ لا مكرهَ له» (٣). ولمسلم: «وليعظم الرَّغبة، فإنَّ اللهَ لا يتعاظمه شيء أعطاه» (٤). فقولُ القائل: (اللهمَّ اغفر لي إن شئت). كأنَّه يقول: لستُ محتاجاً إليك؛ إن شئتَ فاغفر لي، وإن لم تشأ فلستَ بمحتاج. وهذا فعلُ أهل التَّكبير وأهل الإعراض عن الله؛ ولهذا حُرِّمَ هذا اللَّفظ. وقولُه: «ليعزم المسألة». هذا أحدُ أسباب المنع في الحديث؛ وهو أنَّ تعليقَه بالمشيئة يدلُّ على الفتور وضعف الهمَّة وقلَّة التعلُّق بالله تعالى؛ ولذا قال: ليعزم المسألة. أي: اسأل بعزم وقوَّة. قوله: «فإن اللهَ لا مكرهَ له». هذا السَّبب الثَّاني؛ لأنَّ تعليقَ الدُّعاء بالمشيئة يوهم أنَّ اللهَ له مكره له، ويوهم النَّقصَ لله؛ فإنَّ اللهَ لا مكرهَ له (٥).

стр. 51

١٢ - الدُّعاء على الأهل والمال والولد والنَّفس؛ لأنه ضررٌ محضٌ وليس فيه مصلحة، وقد نَهَى عنه الشَّارع الحكيم؛ قال ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءٌ فيستجيب لكم» (١). ١٣ - تَمَنِّي الموت: عن أنس بن مالك- ﵁، قال النَّبيُّ ﷺ : «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ من ضُرٍّ أصابه؛ فإن كان لابدَّ فاعلاً فليقل: اللَّهمَّ أحيني ما كانت الحياةُ خيراً لي، وتَوَفَّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي» (٢). وعن أبي عبيد سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ؛ إمَّا محسناً؛ فلعلَّه يزداد، وإمَّا مسيئاً؛ فلعلَّه يستعتب» (٣). قال النَّوويُّ: في الحديث التَّصريح بكراهة تَمَنِّي الموت لضُرٍّ نَزَل به من فاقة أو محنة بعدوٍّ ونحوه من مشاقِّ الدُّنيا؛ فأمَّا إذا خاف ضرًّا أو فتنةً في دينه فلا كراهةَ لمفهوم هذا الحديث؛ وقد فَعَلَه خلائق من السَّلَف. اهـ (٤). وأصرحُ منه في ذلك حديثُ معاذ الذي أخرجه أبو داود وصحَّحه الحاكم في القول في دُبُر كلِّ صلاة، وفيه: «وإذا أردتَ بقوم فتنةً فتوفَّني إليك غيرَ مفتون» (٥).

стр. 52

قال ابنُ حَجَر في تعليقه على حديث أبي عبيد: (وقد خَطَرَ لي في معنى الحديث أنَّ فيه إشارةً إلى تغبيط المحسن بإحسانه وتحذير المسيء من إساءته؛ فكأنَّه يقول: مَن كان محسناً فليترك تَمَنِّي الموت، وليستمر على إحسانه والازدياد منه، ومَن كان مسيئاً فليترك تمنِّي الموت، وليقلع عن الإساءة؛ لئلَّا يموت على إساءته؛ فيكون على خطر (١). ١٤ - الدُّعاء بتعجيل العقوبة: فعن أنس ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ فقال له النَّبيُّ ﷺ : «هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟» قال: نعم؛ كنتُ أقول: اللهمَّ ما كنتَ معاقبني به في الآخرة فعجِّله لي في الدُّنيا. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله؛ لا تطيقه، أو لا تستطيعه؛ أفلا قلتَ: اللهمَّ آتنا في الدُّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النَّار». فدعا اللهَ له فشفاه (٢). عَلَّقَ على هذا الحديث الإمام النَّوويّ في شرحه على صحيح مسلم فقال: قولُه: «قد خَفَت» أي: ضعف. وفي الحديث النَّهي عن الدُّعاء بتعجيل العقوبة، وفيه كراهية تمنِّي البلاء؛ لئلَّا يتضجَّر منه ويسخطه، وربَّما شكا. اهـ (٣). ولماذا يتعجَّل المؤمنُ العقوبةَ وهو يقدم على مولى كريم قد يَصفح ويعفو أصلاً بدون أن يعاقبَه؛ ففيه نوع سوء ظنٍّ بالله؛ لذلك أرشد النَّبيُّ ﷺ إلى الدُّعاء الجامع المانع؛ وهو قولُه: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].

стр. 53

المبحث الثَّاني الاعتداء في ألفاظ الدُّعاء وضابطُه: أن يكون التَّعَدِّي في تراكيب الكلمات وفي غرابتها، أو التَّفصيل، أو التَّشقيق في العبارات والزِّيادة في الكلمات على نحو لم يكن معروفاً عند السَّلَف: ١ - أن يَشتمل الدُّعاء على الشِّرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ومن صوره أن يصرفَ الدُّعاء لغير الله، أو أن يدعو مع الله غيرَه؛ كأن يقول: يا رسول الله، اكشف كربتي. أو: يا عليُّ. أو: يا جيلاني .. فلا شَكَّ أنَّه كفرٌ صريحٌ ناقلٌ من الملَّة؛ قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١). ٢ - تصغير أسماء الله تعالى؛ كأن يقول: (يا رُبَيْبِي، يا حُنَيِّن، يا رحيِّم) (٢). ٣ - دعاء صفات الله: لأنَّ الصِّفةَ غيرُ الذَّات في مقام النِّداء؛ ولهذا إنَّما ينادى الله- جَلَّ وعلا- المتَّصف بالصِّفات. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأمَّا دعاء صفاته وكلماته فكفرٌ باتِّفاق المسلمين؛ فهل يقول مسلم: يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغثني، أو أعني. أو يا علم الله أو يا قدرة الله، أو يا عزَّة الله، أو يا عظمة الله. ونحو ذلك؟! أو سمع مسلماً أو كافراً أنَّه دعا بذلك من صفات الله، أو يطلب من الصِّفة جلبَ منفعة أو دَفْعَ مَضَرَّة، أو إعانة، أو نصر، أو غير ذلك (٣).

стр. 54

٤ - دعاءُ الله بأسماء لم تَردْ في الكتاب ولا في السُّنَّة؛ فمن صُوَره قولُ بعضهم: يا سبحان، يا برهان، يا سلطان؛ قال الخطَّابيُّ: (وممَّا يسمع على ألسنة العامَّة وكثير من القصّاص قولهم: يا سبحان، يا برهان، يا غفران، يا سلطان). وكذلك قولهم: يا رب القرآن. قال الخطَّاب: (أوَّلُ من أنكر ذلك ابنُ عبَّاس؛ فإنَّه سمع رجلاً يقول عند الكعبة: يا ربَّ القرآن. فقال له: إنَّ القرآن لا رب له؛ إنَّ كلَّ مربوب مخلوق) (١). ٥ - أن يدعو بدعاء لا يعرف معنى لألفاظه؛ كما ذكره محمَّد بن الحسن عن شيخه أبي حنيفة (٢) قال: نَكْرَهُ أن يدعوَ الرَّجلُ فيقول: (اللهمَّ أسألك بعقد العزّ من عرشك) (٣)؛ لأنَّه ليس يَنكشف معنى هذا الدُّعاء لكلِّ أحد، ولأنَّه لا يُتصوَّر أن يستشعر الإنسانُ دعاءً لا يَفهمه؛ لذا يَنبغي للدَّاعي أن يتخيَّر من الأدعية ما يفهم معناه. وعلى إمام المسجد والخطيب أن يتخيَّر الألفاظَ السَّهلةَ الواضحةَ المعاني؛ لأنَّ كثيراً من عوامِّ النَّاس لا يَفهم معنى الأدعية الواردة الصَّحيحة؛ فكيف بغيرها؟! ولذا كان من المستحسن من الدَّاعية وطالب العلم وإمام المسجد والخطيب شرح الأدعية المأثورة وتبيين معناها للنَّاس؛ لكي يستشعروها أثناءَ دعائهم.

стр. 55

٦ - التَّفصيل عند الدُّعاء بأحوال البرزخ في يوم القيامة أو بأحوال الموت وسكراته؛ ومن صوره: (اللهمَّ ارحمنا إذا بردت القدمان وشخصت العينان ويبس منَّا اللِّسان). وكقول بعضهم في دعائه: (اللهمَّ ارحمنا إذا يئس منَّا الطَّبيبُ وبَكَى علينا الحبيبُ ...) إلخ. ٧ - التَّفصيل عند الدُّعاء بالجنَّة؛ فمن صُوَره: (اللهمَّ إنَّا نسألك الجنَّةَ في سدر مخضود وطلح منضود وظلٍّ ممدود ... إلخ. مع أنَّه كان يكفيه أن يَلتزم بجوامع الكلم ويَدَع ما سوى ذلك؛ فعن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستحبُّ الجوامعَ من الكلم في الدُّعاء ويَدَع ما سوى ذلك. (١) وقد خرَّج أبو داود عن أبي نعامة عن ابن سعد بن أبي وقَّاص أنَّه قال: سمع أبي وأنا أقول: (اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّةَ ونعيمَها وبهجتَها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النَّار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بنيَّ إنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء؛ فإيَّاك أن تكون منهم؛ إن أعطيت الجنَّة أعطيتَها وما فيها، وإن أعذتَ من النَّار أعذتَ منها وما فيها من الشَّرِّ» (٢). ٨ - التَّفصيلُ والاختراعُ في الدُّعاء على الكفَّار؛ ومن ذلك: اللهمَّ جمِّد الدِّماءَ في عروقهم، اللهمَّ سَكِّن ما تحرَّك في أجسادهم، وحَرِّك ما سكن منها، اللهمَّ اجعل الموتَ أغلى أمانيهم، اللهمَّ رمِّل نساءهم ويَتِّم أطفالَهم ... إلخ.

стр. 56

ولقد كان من دعاء الخليفة الرَّاشد عمر بن الخطَّاب- ﵁ على الكفرة قوله: (اللَّهمَّ عذِّب الكفرة الذين يصدُّون عن سبيلك ويكذِّبون رسولَك ويقاتلون أولياءك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرُّعبَ وألق عليهم رجزَك وعذابَك إله الحقّ) (١). ٩ - أن يخترعَ الدَّاعي ألفاظاً عامَّةً من عنده يدعوه بها في سجوده ويتحرَّى بها مواطنَ الإجابة. ومن صوره: (اللهمَّ افتح الباب وارفع الحجاب). ويفرَّقُ بين هذا وبين من كانت له حاجة خاصَّة يلحُّ على الله بها. ١٠ - السَّجعُ المتكلَّف في الدُّعاء؛ خصوصاً في القنوت والبحث عن غرائب الأدعية والكلمات. والسَّجع هو: ما استوى واستقام وأشبه بعضُه بعضاً. وقيل: السَّجعُ: الكلامُ المقفَّى، أو: هو تواطؤُ الفاصلتين من الشَّرِّ على حرف واحد (٢). ومن صُوره: (اللهمَّ إنَّا نسألك الأمنَ في البلد والصِّحَّة في الجسد والصَّلاح في الولد)، وكذلك قوله: (اللهمَّ إنَّا نسألك رزقاً دارًّا وعيشاً قارًّا وعملاً سارًّا). وقد ثَبَتَ في البخاريِّ عن عكرمة عن ابن عبَّاس- ﵁ قال له: (فانظر السَّجعَ في الدُّعاء فاجتنبه؛ فإنِّي عهدتُ رسولَ الله ﷺ وأصحابَه لا يفعلون إلَّا ذلك الاجتناب) (٣).

стр. 57

قال القرطبيُّ- ﵀ عند كلامه على قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]: وهو أن يدعوَ بما ليس في الكتاب والسُّنَّة فيتخيَّر ألفاظاً مفقَّرةً وكلمات مسجوعةً قد وجدها في كراريس لا أصلَ لها ولا معوَّل عليها فيجعلها شعارَه ويترك ما دعا به رسول الله ﷺ ؛ وكلُّ هذا يمنع من استجابة الدُّعاء (١). وإنَّه لمن الحزن أن يتعدَّى في الدُّعاء بمثل هذه الأدعية المسجوعة المخترَعة؛ خصوصاً في الأوقات والأزمان الفاضلة في ليالي رمضان؛ فيفوِّت الدَّاعي على نفسه وعلى الناس إذا كان إماماً الإجابةَ في مثل هذه الفرص العظيمة، وقد يُشكل ما ورد في بعض الأدعية عن النَّبيِّ ﷺ من السَّجع؛ لذا قال ابنُ حجر في إيضاح هذا المشكل أنَّ ذلك كان يَصدر من غير قصد إليه؛ ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام؛ كقوله ﷺ في الجهاد: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب ...) (٢). وكقوله ﷺ : «صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» (٣). وكقوله: «أعوذ بك من عين لا تدمع ونفس لا تشبع وقلب لا يخشع». وكلُّها صحيحةٌ؛ قال الغزاليُّ: (المكروهُ من السَّجع هو التَّكَلُّفُ؛ لأنَّه لا يلائم الضَّراعةَ والذِّلَّةَ؛ وإلَّا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنَّها غيرُ متكلِّفة. ا. هـ (٤).

стр. 58

١١ - التزامُ أدعية لا تصحُّ عن النَّبيِّ ﷺ : ومن صوره: أ- (تَمَّ نورُك فهديت فلك الحمد، عظم حلمُك فعفوتَ فلك الحمد ...) رواه أبو يعلى بسند ضعيف؛ لأنَّه منقطعُ الإسناد فيه فرات بن سلمان؛ لم يَلْقَ عليًّا- ﵁؛ فهو منقطعُ الإسناد. ب- (يا مَن لا تراه العيون ولا تخالطه الظُّنون ... إلى أن قال: يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد ورق الأشجار). أخرجه الطبراني بسند فرد فيه من لا يعرف. ج- (يا من أظهر الجميل وستر القبيح يا من لا يؤاخذ بالجريرة .. إلى قوله: نسألك يا الله أن لا تشوي خلقي بالنار). قال الذهبي في الميزان في ترجمة أحمد بن داود الصنعاني أحد رواة الحديث: أتى بخبر لا يحتمل ثم ذكره (١). ١٢ - التزامُ أدعية الصَّالحين: وذلك أنَّ بعضَ الصَّالحين عَرَضَ له أمرٌ فدعا اللهَ بلفظ معيَّن فاستجاب الله دعاءَه؛ ومن ذلك: أ) ما أورده ابنُ القيِّم في الجواب الكافي عن ابن أبي الدُّنيا في كتاب المجانين في الدُّعاء عن الحسن البصريّ عن أنس أنَّ رجلاً من أصحاب النَّبيِّ ﷺ يكنَّى أبا معلق وكان تاجراً، فعرض له لصٌّ وأراد قتلَه وأخذ ما معه من المال، فطلب أبو معلق من اللِّصِّ أن يذرَه يصلِّي، فلما كان في آخر سجدة دعا ربَّه فقال: (يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعَّال لما تريد أسألك بعزِّك الذي لا يرام وبملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شرَّ هذا اللِّصّ، يا مغيث أغثني). فاستجاب الله دعاءَه وصرف عنه اللِّصَّ.

стр. 59

قال الحسن في رواية عن أنس: مَن دعا بهذا الدُّعاء استجيب له مكروباً كان أو غير مكروب (١) (٢). يقول ابن القيم في الجواب الكافي: وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم فيكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله أو حسنه تقدمه منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته أو صادف الدعاء وقت إجابة ونحو ذلك فأجيبت دعوته فيظن الظآن أن السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي، وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به فظن غيره أن استعمال هذا الدواء مجردا كافي في حصول المطلوب كان غالطا (٣).

стр. 60

ب- دعاء الحسن في التَّهنئة بالمولود: (شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب وبلغ أشدَّه ورزقت برّه) (١). فالحديث لا يصحُّ عن الحسن البصريِّ؛ إذاً فليس من السُّنَّة التزامُ هذا الدُّعاء. ١٣ - اللَّحنُ في ألفاظ الدُّعاء وعدم الإعراب: وقد عَدَّ صاحبُ التَّبصرة من الآداب أن يكون الدُّعاء صحيحَ اللَّفظ؛ لأنَّ اللَّحنَ يتضمَّن مواجهة الحقِّ بالخطأ. وأنشد بعضهم: ينادي ربه باللحن ليت ... كذاك إذا دعاه لا يجيب (٢) قال ابنُ الصَّلاح في فتاويه: (الدُّعاءُ الملحون ممَّن لا يستطيع غيره لا يقدح في الدُّعاء ويعذر فيه) (٣) ا. هـ. أمَّا حديث: (إنَّ اللهَ لا يَقبل دعاءً ملحوناً) فإنَّه لا يُعرَف له أصل (٤). وقد سئل شيخُ الإسلام عن رجل دعا دعاءً ملحوناً فقال له الرجل: ما يقبل الله دعاء ملحوناً. فأجاب: مَن قال هذا القول فهو آثمٌ مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة ولما كان عليه السَّلَفُ؛ وأمَّا مَن دعا اللهَ مخلصاً له الدِّين بدعاء جائز سمعه الله وأجاب دعاءه؛ سواءً كان معرباً أو ملحوناً، والكلام المذكور لا أصلَ له؛ بل يَنبغي للدَّاعي إذا لم تكن عادتُه الإعراب أن لا يتكلَّفَ الإعراب.

стр. 61

قال بعضُ السَّلَف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع. وهذه كما يكره تكلُّف السَّجع في الدُّعاء؛ فإذا وقع بغير تكلُّف فلا بأس به؛ فإنَّ أصلَ الدُّعاء من القلب، واللِّسان تابعٌ للقلب. ومَن جَعَل همَّتَه في الدُّعاء تقويمَ لسانه أضعف توجُّهَ قلبه؛ ولهذا يدعو المضطرُّ بقلبه دعاءً يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك؛ وهذا أمر يجيده كلُّ مؤمن في قلبه، والدُّعاءُ يَجوز بالعربيَّة وبغير العربيَّة، والله- سبحانه- يَعلم قصدَ الدَّاعي ومرادَه، وإن لم يقوِّم لسانه فإنَّه- سبحانه- يعلم ضجيجَ الأصوات باختلاف اللُّغات على تنوُّع الحاجات) (١). ١٤ - الدُّعاءُ بالألفاظ الأعجميَّة غير معروفة المعنى: كأن يَخترع كلمة (٢) أو دعوة أعجمية. والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣). وجهُ الدِّلالة: أنَّ معناها أن أسألك ما ليس لي بجواز سؤاله علم. فدلَّ ذلك على أنَّ العلمَ بالجواز شرطٌ في جواز السُّؤال؛ فما لا يعلم جوازُه لا يجوز سؤالُه، وأكَّدَ الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. واللَّفظُ الأعجميُّ غيرُ معلوم الجواز؛ فيكون السُّؤالُ به غيرَ جائز؛ ولذلك منع مالك الرّقى به (٤).

стр. 62

١٥ - عدم اختيار الألفاظ المناسبة أثناء الدعاء: ومن صوره: أن يقول: اللهمَّ ارحمني يا شديد العقاب، أو اللهم عليك بالكفار يا غفار يا أرحم الراحمين. وإذا أراد غشيان النساء مثلا فلا يصرح؛ بل يقول: (اللهم متعني بأعضائي وجوارحي). ١٦ - استبدال لفظه في الدعاء الوارد بغير الوارد: عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري غليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهم آخر ما تتكلم به». قال: فردَّدتُها على النَّبيِّ ﷺ فلمَّا بلغتُ: «اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلت: «ورسولك». قال: «لا؛ وبنبيِّك الذي أرسلت». متفق عليه (١). فعلى الدَّاعي إذا دعا بالمأثور أن يلتزم به ولا يخلطه بغيره. قال النووي: اختار المازري وغيره أنَّ سببَ الإنكار أنَّ هذا ذكرٌ ودعاءٌ؛ فَيَنبغي فيه الاقتصارُ على اللَّفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلَّق الجزاءُ بتلك الحروف، ولعلَّه أوحى إليه ﷺ بهذه الكلمات؛ فَيَنبغي أداؤها بحروفها. وهذا القول حسن (٢).

стр. 63

ويأتي في هذا السياق والمعنى دعاء الاستخارة؛ حيث ذكر جابر بن عبد الله- ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلِّمهم دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لذا ذكر بعضُ أهل العلم في معنى تشبيهه بالقرآن أن يذكر ألفاظَ الدُّعاء والاستخارة كما يذكر ألفاظَ القرآن؛ سواءً بسواء؛ قال الحافظُ ابنُ حجر: (وقال ابن أبي جمرة: التَّشبيه في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص) (١). ١٧ - الدعاء بلفظ اللعن: إنَّ لفظَ اللَّعن قد يُراد به نفس لفظ اللَّعن وقد يراد به عبارات السَّبِّ والشَّتم، كما أنَّ لفظَ اللَّعن قد يراد به معناه الأصليُّ الذي هو الطَّردُ والإبعاد عن رحمة الله تعالى، وقد يراد به مُطْلَقُ السَّبِّ والشَّتم والتَّنَقُّص والدُّعاء على الشَّخص (٢). وهناك أنواع من اللَّعن تُخرج صاحبَها من الملَّة؛ ومن ذلك: لعن الله– أو أحد من ملائكة ورسوله ودينه؛ فهذا كلُّه موجبٌ لردَّة صاحبه وكفره؛ ومن أدلَّة ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن سبَّ اللهَ تعالى: (فإن كان مسلماً وَجَبَ قتلُه بالإجماع؛ لأنَّه بذلك كافرٌ مرتدٌّ وأسوأ من الكافر) (٣). وأمَّا سبُّ نبيِّنا محمد ﷺ فقد قال الإمام أحمد: (كلُّ مَن شتم النَّبيَّ ﷺ وانتقصه مسلماً كان أو كافراً فعليه القتل) (٤).

стр. 64

والحكمُ في سبِّ سائر الأنبياء كالحكم في سبِّ نبيِّنا محمَّد ﷺ ، وكذلك الحكم في سبِّ الملائكة أو أحد منهم؛ ذكر ذلك القاضي عياض (١). ومن أنواع اللَّعن: لعنُ المعيَّن من عصاة المسلمين. قال ابنُ العربيّ المالكيّ: (فأمَّا العاصي المعيَّن فلا يحوز لعنُه اتِّفاقاً) (٢). وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية: (وأما الفاسق المعين فلا تنبغي لعنته) (٣). وقال الغزاليُّ: (إنَّ لعنَ فاسق بعينه غيرُ جائز؛ وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطرٌ فليجتنب، ولا خطرَ في السُّكوت عن لعن إبليس مثلاً فضلاً عن غيره) (٤). وقال النَّوويّ: (وأمَّا المعيَّن فلا يجوز لعنه) (٥). - ومن الأدلة على ذلك: ١ - ما رواه عمر بن الخطاب- ﵁ أنَّ رجلاً كان على عهد النَّبيِّ ﷺ كان اسمُه عبد الله وكان يُلَقَّبُ حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشَّراب، فأتى به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنْه ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه فوا الله ما علمت، إنَّه يحبُّ الله ورسوله» (٦).

стр. 65

وفي رواية: «لا تكونوا عوناً للشَّيطان على أخيكم» (١). قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: فقد نهى النبيُّ ﷺ عن لعنة هذا المعيَّن الذي كان يُكثر شرب الخمر معلِّلاً ذلك بأنَّه يحبُّ الله ورسوله مع أنَّه ﷺ لعن شارب الخمر مطلقاً؛ فَدَلَّ ذلك على أنَّه يجوز أن يُلعنَ المطلق ولا تجوز لعنة المعيَّن الذي يحب الله ورسوله، ومن المعلوم أنَّ كلَّ مؤمن فلابدَّ أنَّه يحبُّ الله ورسوله (٢). وقال ابنُ حَجَر: (يُستفاد من ذلك منعُ الدُّعاء على العاصي بالإبعاد عن رحمة الله كاللَّعن (٣). ٢ - وكذلك ذكروا في إجازة لعن كلِّ مَن وقع في معصية جاء النصُّ بلعن فاعلها يفتح الباب للعن كثير من المسلمين، ويروِّض الألسنةَ والأسماع على إلف هذا الخلق المشين ويكثر التَّسابّ والتَّشاتم والتَّلاعن بين المسلمين؛ الأمر الذي يتعارض مع مقاصد الإسلام في إفشاء التَّحابب والمودَّة والبعد عن أسباب الضَّغينة والقطيعة وسوء الظَّنِّ) (٤). ٣ - إنَّ إطلاقَ المسلم لسانه بتعيين بعض إخوانه المسلمين باللَّعن يخرجه من عداد المؤمنين الذي ورد الثَّناء عليهم بابتعادهم عن الاتِّصاف بهذا الخلق القبيح- وهو كثرة اللَّعن- كما في الحديث: «ليس المؤمن باللعان ولا الطعان ولا الفاحش البذيء» (٥).

стр. 66

كما يُحرم من أن يكون شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة؛ كما في الحديث: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» (١). وأمَّا ما ورد عن رسول الله ﷺ من لعن لبعض المسلمين المعيَّنين فقد ورد عنه- صلوات الله وسلامه عليه- أنَّه قال: «اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة» (٢). وكذا وَرَدَ عند مسلم من حديث عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ رجلان فكلَّماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبَّهما، فلمَّا خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان. قال: «وما ذاك»؟ قلت: لعنتَهما وسببتَهما. قال: «أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهمَّ إنَّما أنا بشر، فأيّ المسلمين لعنتُه أو سببتُه فاجعله له زكاةً وأجراً» (٣). وعنده أيضاً من حديث جابر بن عبد الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّما أنا بشر، وإنِّي اشترطتُ على ربِّي- أيّ عبد من المسلمين سببتُه أو شتمتُه أن يكون ذلك له زكاةً وأجراً». وأخرج أيضاً حديث أنس بن مالك- ﵁ قال: كانت عند أمِّ سليم يتيمة- وهي أم أنس- فرأى رسولُ الله ﷺ اليتيمةَ فقال: «أنت هيه؟ لقد كبرت لا كبر سنُّك». فَرَجَعت

стр. 67

اليتيمةُ إلى أمِّ سليم تبكي، فقالت أمُّ سليم: مالك يا بنيَّة؟ قالت الجارية: دعا عليَّ نبيُّ الله ﷺ أن لا يَكبر سنِّي، فالآنَ لا يَكبر سنِّي أبداً. أو قالت: قَرْني. فخرجت أمُّ سليم مستعجلةً تلوث خمارها حتَّى لقيت رسولَ الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : مالك يا أمَّ سليم؟ فقالت: يا نبيَّ الله أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أم سليم»؟ قالت: زَعَمَتْ أنَّك دعوتَ ألَّا يكبر سنُّها ولا يكبر قرنُها. قال: فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «يا أمَّ سليم، أما تعلمين أنَّ شرطي على ربِّي أنِّي اشترطتُ على ربِّي فقلت: إنَّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر؛ فأيّما أحد دعوتُ عليه من أمَّتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً وزكاةً وقربةً بها منه يوم القيامة» (١). ١٨ - تكثير الألفاظ بلا حاجة: والتَّطويلُ في العبارات والتَّكَلُّف في ذكر التَّفاصيل؛ كأن يقول: ربِّ ارحمني ووالدي ولعماتي ولخالاتي ولأعمامي ولأخوالي ونحو ذلك، ويكفي أن يقول اللَّهمَّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات. فيدخل فيه من ذكرهم؛ لحديث عائشة- ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يعجبه جوامعُ الدُّعاء ويدع ما بين ذلك» (٢). أي يحبُّ الدُّعاء بالكلمات التي تجمع خيري الدُّنيا والآخرة، وتجمع الأغراض الصَّالحة، وقيل: هي ما كان لفظُها قليلاً ومعناها كثيراً، ويترك غير الجوامع من الدُّعاء» (٣).

стр. 68

وعن سعد بن أبي وقَّاص- ﵁ أنَّه سمع ابناً له يدعو وهو يقول: اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّةَ ونعيمها وإستبرقها ونحواً من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: يا بنيَّ إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون قوم يعتدون في الدعاء». وإيَّاك أن تكون منهم؛ إنَّك إذا دخلتَ الجنة أعطيتَ ما فيها من الخير، وإن أعذتَ من النار أعذتَ ممَّا فيها من الشَّرِّ (١). وعن عبد الله بن مغفل- ﵁ أنَّه سمع ابنَه وهو يقول في دعائه: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الدَّاخل إلى الجنَّة. فقال: (يا بنيَّ سل اللهَ الجنَّةَ وتعوَّذ به من النَّار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» (٢). ١٩ - الاقتصارُ على طلب الدُّنيا في دعائه واستدامته ذلك؛ قال ابنُ كثير: ذَمَّ الله مَن لا يسأله إلَّا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه؛ وذلك عند قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي من نصيب ولاحظ. وتضمن هذا الذم التنفير عن التشبيه بمن هو كذلك قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا فأنزل الله فيهم ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ وكان يجيء بعدهم قوم آخرون

стр. 69

من المؤمنين فيقولون: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] ولهذا مدح من يسأله للدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنيء وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء ففي صحيح البخاري: عن أنس بن مالك قال كان النبي ﷺ يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (١). وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله ﷺ يقول: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (٢).

стр. 70

المبحث الثالث الاعتداء في الهيئة والأداء وضابطه أن يدعو بهيئة وكيفية جاءت السنة بخلافها. ومن ذلك: ١ - أن يدعو ربه دعاءً غير متضرع ولا مستكين (١). قال ابن القيم: (وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته فمن لم يسأل سؤال مسكين متضرع خائف فهو معتدٍ) (٢). ومن صور ذلك: أ- رفع الصوت والصياح: قال ابن جريج (٣) (من الدعاء والاعتداء، يكره رفع الصوت والثناء والصياح بالدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة) (٤). وقال الإمام أحمد بن المنير الإسكندراني في حاشيته على تفسير الكشاف عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ما نصه: (وحسبك في تعيين الإسرار في الدعاء اقترانه بالتضرع في الآية فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى فكذلك دعاء لا خفية ولا

стр. 71

وقار يصحبه وترى كثيرًا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ والصياح في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستدّ المسامع ويهتز الداعي بالناس ولا يعلم أنه جمع بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء وفي المسجد، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت ورعاية سمت الوقار وسلوك السنة الثابتة بالآثار، وما هي إلا رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة عن صميم الفؤاد لأنها لو كانت من أصل لكانت عند إتباع السنة في الدعاء وفي خفض الصوت به أوفر وأوفى وأزكى) (١). قال الطرطوشي: اعلموا أرشدكم الله أن الله أمر بإخفاء الدعاء وأثنى على من أخفاه فقال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٢ - ٣]. وعن أبي موسى الأشعري قال: كان النبي ﷺ في غزاة فأشرفوا على واد فجعل الناس يكبرون ويهللون ويرفعون فقال النبي ﷺ : «أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا» (٢). إنه معكم، فإن قال قائل: ماذا أراد بالإخفاء؟ هل أراد إخفاءه عن الناس وإن جهر به في الخلوات أو أمر بالهمس بالشفتين أو أراد إخفاءه في نفسه؟. فالجواب: إن قوله (نداء خفيا) الظاهر أنه أراد الهمس بالشفتين ويقال: (أخفى دعاءه عن قومه خاليا في جوف الليل، وناداه بقلبه سرا في نفسه وقيل مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا من ناجاه» (٣).

стр. 72

ويقول شيخ الإسلام في إخفاء الدعاء فوائد عديدة (١): أحدهما: أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي. ثانيهما: أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا تُرفع الأصوات عندهم ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت. وثالثهما: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد أنكر قلبه وذلت جوارحه، وخشع صوته حتى أنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق وقلبه يسأل طالبا مبتهلا ولسانه لشدة ذلته ساكتا وهذا الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلا. ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص. وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه. سادسها: وهو من النكت البديعة جدًا. أنه دال على قرب صاحبه للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله : ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ فلما استحضر القلب قرب الله وأنه أقرب إليه من كل قريب أخفى دعاءه ما أمكنه وقد أشار النبي ﷺ إلى المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم

стр. 73

ولا غائبا، إنكم تدعون سمعيا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (١) وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] فيه الإرشاد والإعلام بهذا القرب. وسابعها: إنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يمل اللسان وتضعف قواه، وهذا نظير من يقرأ ويكرر فإن صوته لا يطول له، بخلاف من خفض صوته. وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل على هذا تشويش ولا غيره وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولابد وما نعته وعارضته ولو لم يكن إلا أن تعلقها به يفرغ عليه همته، فيضعف أثر الدعاء ومن له تجربة يعرف هذا، فإذا أسر الدعاء أمن من هذه المفسدة. وتاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وقد قال يعقوب ﵇ لابنه يوسف ﵇: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] وكم من صاحب قلب وجميعه

стр. 74

وحال مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى ولا يطلع عليه أحد، والقوم أعظم شيئا كتمانا لأحوالهم مع الله وما وهب الله من محبته والأنس به وجميعه القلب ولاسيما فعله للمهتدي السالك فإذا تمكن أحدهم وقوي في قلبه وثبت أصول تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه –بحيث لا يخشى عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليقتدى به ويؤتم به- لم يبال وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه أهله. وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله تعالى فهو من عظيم الكنوز التي هم أحق بالإخفاء عن أعين الحاسدين. ب- اتخاذ الدعاء مادة للمزح والتندر: إذ إن الدعاء عبادة كما ورد ذلك عن النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (١) فكيف يليق بمؤمن أن يتخذها مادة للمزح والتندر ولأن هذه الحالة أبعد ما تكون عن التضرع والخشوع والله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقد تدخل في باب الاستهزاء بالدين وهنا الخطر الأكبر. ج- الدعاء مع النعاس أو فرط الشبع أو مدافعة الأخبثين أو ملامسة النجاسة أو أثناء كشف العورة وغيرها من الحالات التي لا تناسب التقرب. د- التلحين والتغني والتطريب والتمطيط في أداء الدعاء، لأنه ينافي الضراعة والابتهال، وهذا مما ابتلينا في زماننا هذا فيندر أن نجد إماما في القنوت خاصة يبتعد عن مثل هذا التعدي، لأنه يرى أن هذا الأداء ادعى في التأثير في قلوب الناس مما يحصل به

стр. 75

البكاء وأنه إذا سلك غير ذلك فإنه قد لا يؤثر فيهم، ومما لا شك فيه أن الغاية الحسنة لا تجوز الوسيلة المخترعة على غير هدى. فالخير كل الخير في اتباع هدي النبي ﷺ في ذلك والبعد عن مثل هذا الاعتداء لأنه قد يمنع الإجابة. قال الكمال ابن الهمام (١): (ما تعارفه الناس في هذه الأزمنة من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتغال بتحريرات النغم إظهارا للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد ... إلى أن قال: ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيح كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني، فاستبيان إن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان).اهـ (٢). * الإطالة المملة في دعاء القنوت والتي تشق على الناس وتثقل عبادتهم فيؤمنون وقلوبهم قد كلت وسئمت، وهذا من فتنة الناس عن العبادة وتثقيلها عليهم وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على معاذ إطالة قراءة القرآن في الصلاة فكيف بإطالة غيره.
следующие страницы →