وقار يصحبه وترى كثيرًا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ والصياح في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستدّ المسامع ويهتز الداعي بالناس ولا يعلم أنه جمع بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء وفي المسجد، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت ورعاية سمت الوقار وسلوك السنة الثابتة بالآثار، وما هي إلا رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة عن صميم الفؤاد لأنها لو كانت من أصل لكانت عند إتباع السنة في الدعاء وفي خفض الصوت به أوفر وأوفى وأزكى) (١).
قال الطرطوشي: اعلموا أرشدكم الله أن الله أمر بإخفاء الدعاء وأثنى على من أخفاه فقال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٢ - ٣].
وعن أبي موسى الأشعري قال: كان النبي ﷺ في غزاة فأشرفوا على واد فجعل الناس يكبرون ويهللون ويرفعون فقال النبي ﷺ : «أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا» (٢). إنه معكم، فإن قال قائل: ماذا أراد بالإخفاء؟ هل أراد إخفاءه عن الناس وإن جهر به في الخلوات أو أمر بالهمس بالشفتين أو أراد إخفاءه في نفسه؟.
فالجواب: إن قوله (نداء خفيا) الظاهر أنه أراد الهمس بالشفتين ويقال: (أخفى دعاءه عن قومه خاليا في جوف الليل، وناداه بقلبه سرا في نفسه وقيل مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا من ناجاه» (٣).
стр. 72
ويقول شيخ الإسلام في إخفاء الدعاء فوائد عديدة (١):
أحدهما: أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
ثانيهما: أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا تُرفع الأصوات عندهم ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت.
وثالثهما: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد أنكر قلبه وذلت جوارحه، وخشع صوته حتى أنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق وقلبه يسأل طالبا مبتهلا ولسانه لشدة ذلته ساكتا وهذا الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلا.
ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.
سادسها: وهو من النكت البديعة جدًا. أنه دال على قرب صاحبه للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله : ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ فلما استحضر القلب قرب الله وأنه أقرب إليه من كل قريب أخفى دعاءه ما أمكنه وقد أشار النبي ﷺ إلى المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير
وهم معه في السفر فقال: «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم
стр. 73
ولا غائبا، إنكم تدعون سمعيا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (١) وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] فيه الإرشاد والإعلام بهذا القرب.
وسابعها: إنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يمل اللسان وتضعف قواه، وهذا نظير من يقرأ ويكرر فإن صوته لا يطول له، بخلاف من خفض صوته.
وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل على هذا تشويش ولا غيره وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولابد وما نعته وعارضته ولو لم يكن إلا أن تعلقها به يفرغ عليه همته، فيضعف أثر الدعاء ومن له تجربة يعرف هذا، فإذا أسر الدعاء أمن من هذه المفسدة.
وتاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وقد قال يعقوب ﵇ لابنه يوسف ﵇: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] وكم من صاحب قلب وجميعه
стр. 74
وحال مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى ولا يطلع عليه أحد، والقوم أعظم شيئا كتمانا لأحوالهم مع الله وما وهب الله من محبته والأنس به وجميعه القلب ولاسيما فعله للمهتدي السالك فإذا تمكن أحدهم وقوي في قلبه وثبت أصول تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه –بحيث لا يخشى عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليقتدى به ويؤتم به- لم يبال وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه أهله.
وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله تعالى فهو من عظيم الكنوز التي هم أحق بالإخفاء عن أعين الحاسدين.
ب- اتخاذ الدعاء مادة للمزح والتندر: إذ إن الدعاء عبادة كما ورد ذلك عن النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (١) فكيف يليق بمؤمن أن يتخذها مادة للمزح والتندر ولأن هذه الحالة أبعد ما تكون عن التضرع والخشوع والله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقد تدخل في باب الاستهزاء بالدين وهنا الخطر الأكبر.
ج- الدعاء مع النعاس أو فرط الشبع أو مدافعة الأخبثين أو ملامسة النجاسة أو أثناء كشف العورة وغيرها من الحالات التي لا تناسب التقرب.
د- التلحين والتغني والتطريب والتمطيط في أداء الدعاء، لأنه ينافي الضراعة والابتهال، وهذا مما ابتلينا في زماننا هذا فيندر أن نجد
إماما في القنوت خاصة يبتعد عن مثل هذا التعدي، لأنه يرى أن
هذا الأداء ادعى في التأثير في قلوب الناس مما يحصل به
стр. 75
البكاء وأنه إذا سلك غير ذلك فإنه قد لا يؤثر فيهم، ومما لا شك فيه أن الغاية الحسنة لا تجوز الوسيلة المخترعة على غير هدى. فالخير كل الخير في اتباع هدي النبي ﷺ في ذلك والبعد عن مثل هذا الاعتداء لأنه قد يمنع الإجابة.
قال الكمال ابن الهمام (١): (ما تعارفه الناس في هذه الأزمنة من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتغال بتحريرات النغم إظهارا للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد ... إلى أن قال: ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيح كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني، فاستبيان إن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان).اهـ (٢).
* الإطالة المملة في دعاء القنوت والتي تشق على الناس وتثقل عبادتهم فيؤمنون وقلوبهم قد كلت وسئمت، وهذا من فتنة الناس عن العبادة وتثقيلها عليهم وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على معاذ إطالة قراءة القرآن في الصلاة فكيف بإطالة غيره.
стр. 76
* وعند التأمل في قنوته ﷺ وكذا ما ورد من القنوت عن أصحابه رضوان الله عليهم نجده لا يبلغ معشار ما يدعو به كثير من الأئمة اليوم وكان السلف ﵏ يحددون القنوت بأشياء يسيره كما قال إبراهيم النخعي ﵀ (يقام في القنوت قدر إذا السماء انشقت) (١). وبهذا القدر حدد الحنفية مقدار القنوت (٢).
* وكان الحسن البصر ﵀ يقنت بالقنوت الوارد عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو قوله: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسول الله ﷺ وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم) (٣).
ثم يخر الحسن البصري بعد هذا الدعاء ساجدا وكان لا يزيد عليه شيئا وكان بعض من يسأله يقول: يا أبا سعيد أيزيد على هذا شيئا من الصلاة على النبي ﷺ والدعاء والتسبيح والتكبير فيقول: لا أنهاكم ولكني سمعت أصحاب رسول الله ﷺ لا يزيدون على هذا شيئا وكان يغضب إذا أرادوه على الزيادة (٤).
стр. 77
* إذاً فالمشروع في القنوت عدم الإطالة، أما إن كانت إطالة لحالة عارضة أو نادرة أو كان في جماعة محصورين يطيلون أو يرضون بالتطويل فلا بأس، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (ولكن إذا كان إماما فلا ينبغي أن يطيل الدعاء بحيث يشق على من وراءه أو يملهم إلا أن يكونوا جماعة محصورين يرغبون ذلك) (١).
* تعفير الوجه في التراب أثناء الدعاء وهذه هيئة خاصة مرتبطة بعبادةٍ لم يرد دليل على مشروعيتها (٢).
* تكلف البكاء والشهقة والخشوع واضطراب الأعضاء خاصة في القنوت ولأن القنوت جزء من أجزاء الصلاة استلزم الأمر معرفة حكم البكاء في الصلاة حتى يتضح حكم البكاء في القنوت وقد ذكر الأحناف والمالكية والحنابلة أن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا يبطل الصلاة مطلقا. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: إن هذا ليس من جنس الكلام فلا يمكن قياسه على الكلام (٣).
* قد استدلوا ما يلي:
١ - عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء» (٤).
стр. 78
٢ - عن عبد الله بن شداد قال: (سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] (١).
والنشيج رفع الصوت بالبكاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وهذا محفوظ عن عمر ذكره مالك وأحمد وغيرهما) (٢).
إذاً فالراجح هو أن البكاء من خشية الله لا يفسد الصلاة لقوة الأدلة وصراحتها وكذلك لأن هذا البكاء ليس من جنس الكلام كما تقدم.
أما استدعاء البكاء وتطلبه من قبل بعض الأئمة والاحتجاج بحديث سعد بن أبي وقاص: «فإن لم تبكوا فتباكوا». فإن هذا مردود بأمور:
١ - أن الحديث ضعيف.
٢ - أنه على فرض صحة الحديث فهو في قراءة القرآن كما هو نص الحديث حيث قال ﷺ : «إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» (٣) وليس في الدعاء.
ومن المعلوم أن الدعاء عبادة توقيفية، وهذا الذي وصفت ليس عليه دليل لا من الكتاب ولا من السنة، فتحقق أنه لا أصل له في الشرع المطهر (٤).
стр. 79
* الإشارة بأصبعين أثناء الدعاء: فقد نص الفقهاء على أنه يكره الإشارة في الدعاء بأصبعين واستدلوا بما يلي:
١ - أن النبي ﷺ رأى رجلا يدعو بأصبعين فقال: «أحد أحد» (١).
وجه الدلالة: معنى قوله: «أحد أحد» أي أشر بأصبع واحدة لأن الذي تدعو إليه واحد وهو الله تعالى، وكرر للتأكيد في التوحيد وإنما نهاه أن يشير بأصبعين لأن الدعاء يجب أن يكون أما باليدين وبسطهما على معنى التضرع والرغبة وإما الإشارة بالواحدة على معنى التوحيد والحكمة في النهي عنه أن يستعمل في التوحيد قلبه اعتقادا ولسانا، ويكون جامعا بين الفعل والقول والاعتقاد (٢).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلا يدعو بأصبعيه جميعا فنهاه وقال: «بأحدهما باليمين» (٣).
٣ - وروى الطبراني في الأوسط نظر رسول الله ﷺ إلى رجل يشير بأصبعيه فقال: «أوحد .. أوحد» (٤).
стр. 80
السجود لأجل الدعاء:
بحيث يسجد سجودا مجردا لأجل الدعاء كهيئة سجود التلاوة والشكر وهذه صفة لم ترد عن النبي ﷺ وأما الأحاديث الواردة والتي فيها ذكر الحث على الإكثار من السجود مثل حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ : أنه قال سألت النبي ﷺ عن عمل يدخلني الجنة أو قال: بأحب الأعمال إلى الله، فقال ﷺ : «عليك بكثرة السجود» (١).
وكذلك حديث ربيعة بن مالك الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي: «سلني» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» (٢).
وكذلك حديث عبادة بن الصامت أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة فاستكثروا من السجود» (٣).
فإن المراد بالسجود هنا هو الصلاة فعبر عن كلها ببعضها فإن الشيء يسمى ببعضه لاسيما إذا كان بعض الشيء أهم ما فيه فالسجود أهم ما في الصلاة لما فيه من كمال الخضوع والاستكانة لله تعالى والقرب منه» (٤).
стр. 81
قال النووي: فيه الحث على كثرة السجود والترغيب فيه والمراد به (السجود في الصلاة) (١).
قال صاحب الديباج على مسلم: (إن كثرة السجود هو كناية عن كثرة الصلاة) (٢).
قال العراقي: (وليس المراد هنا السجود المنفصل عن الصلاة كالتلاوة والشكر فإنه إنما يشرع لعارض وإنما المراد سجود الصلاة) (٣).
قال الشوكاني في نيل الأوطار: (وهو يدل على أن كثرة السجود مرغب فيها والمراد به السجود في الصلاة (٤).
ولا يلزم من كون السجود قربة في الصلاة أن يكون قربة خارج الصلاة. قال الفقيه أبو محمد: لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سبب لها، فإن القُرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصلح بدونها وكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة) (٥).
مما سبق يتبين عدم مشروعية السجدة المفردة لأجل الدعاء لأنها هيئة خاصة يتعبد بها لم يرد دليل على مشروعيتها. خاصة إذا كانت ديدن الإنسان كلما أراد أن يدعو سجد.
стр. 82
المبحث الرابع
الاعتداء في الدعاء المكاني
وتعريفه: التعبد لله باتخاذ أمكنة معينة تخص بالدعاء دون دليل شرعي.
إن إفراد بعض الأماكن وخصها بالذكر واتخاذ ذلك سنة راتبة مما لم يرد فيه دليل, لا من الكتاب ولا من السنة فإنه يعتبر من البدع المحدثة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو جبلا أو مغارة وسواء قصها يصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا) (١).
أولا المقابر:
الدعاء عند القبر على أقسام:
١ - الدعاء لصاحب القبر وهذا سنة لفعله ﷺ .
* فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (٢).
стр. 83
* عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين إن شاء الله بكم لاحقون فنسأل الله لنا ولكم العافية» (١).
مما سبق يدل على استحباب زيارة القبور والسلام على أهلها والدعاء لهم.
٢ - الدعاء عندها لنفسه، واعتقاد أن الدعاء عندها أفضل، يقول شيخ الإسلام (أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا النوع منهي عنه) (٢). وقال في موضع آخر وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيء لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن أحد من الأئمة المعروفين وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفا واحدا فيما أعلم فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به (٣). وقال وقد أوجب اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله أن تنتاب لذلك وتُقصد وربما اجتمع عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» (٤).
стр. 84
٣ - دعاء صاحب القبر من دون الله وهذا شرك أكبر مخرج من الملة لأنه قد صرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله. قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
فهذه الآية دلت على النهي عن أن يتوجه أحد إلى غير الله جل وعلا بدعاء مسألة أو دعاء عبادة وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك أعظم النهي ووجه الخطاب إليه بذلك مع أنه إمام المتقين وإمام الموحدين وقوله تعالى لنبيه: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ يعني إن دعوت من دون الله أحدًا وذلك لأحد موصوف بأنه لا ينفعك ولا يضرك، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا إذا كان في حق النبي ﷺ الذي كمل الله له التوحيد أنه إذا حصل منه الشرك فإنه يصبح ظالما ويصبح مشركا وحاشاه ﷺ من ذلك فهو تخويف عظيم لمن هو دونه ممن لم يُعصم ولم يعط العصمة من باب أولى (١).
ثانيا: الدعاء في المساجد التي فيها قبور:
فقد ثبت عن رسول الله ﷺ النهي عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها، فقال: وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا ولولا ذلك أُبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا) (٢).
стр. 85
فهو ﷺ وهو في ذلك الغم وتلك الشدة العظيمة ونزول سكرات الموت به لم يغفل –وهو في تلك الحال- تحذير الأمة من وسيلة من وسائل الشرك وتوجيه اللعن والدعاء على اليهود والنصارى بلعنة الله لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. فالمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله وحده ودعاؤه لا دعاء المخلوقين فحرم ﷺ أن نتخذ قبورهم مساجد تقصد الصلاة فيها كما تقصد المساجد وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصد المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده) (١).
وهذا كله فيمن لم يقصد الدعاء في تلك المساجد لأجل صاحب القبر أما إن قصدها لأجل القبر تبركا به معتقدا أن الدعاء عنده أفضل من الدعاء في المساجد المجردة عن القبور فهو عين المشاقة والمحادة لله ورسوله ﷺ (٢).
ثالثا: الدعاء في الكنائس:
إن الكنائس هي بقاع يكرهها الله ورسوله ﷺ وهي بيوت لشياطين الإنس والجن لما يقع فيها من الكفر بالله ورسوله والشرح بل وتنطلق منها المؤامرات والدسائس لمحادة الله ورسوله ﷺ . ولما فيها من التصاوير والتماثيل فكيف يستقيم دعاء المؤمن لربه والحالة هذه.
وقد ورد النهي عن الصلاة في مسجد الضرار قال تعالى: ﴿لَا تَقُمْ
فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ
تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وكذلك النهي عن الذبح لله في
مكان يُذبح فيه لغير الله أو كان يذبح فيه لغير الله لحديث ثابت بن
стр. 86
الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانة فسأله النبي ﷺ فقال: «هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا قال: «أوفِ بنذرك فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم» (١). لأن أماكن الشرك والمحادة لله ورسوله لا يُتعبد فيها لله تعالى.
ولأنه قد شابه أولئك المشركين في تعظيم هذه البقاع التي تعبدون فيها بأنواع العبادات التي يصرفونها لغير الله جل وعلا –فدعاء الله وحده- إن كان مخلصا له- إن كان في ذلك المكان الذي يتقرب فيه لغير الله فإنه لا يحل ولا يجوز بل هو من وسائل الشرك ومما يُغري بتعظيم ذلك المكان وحكمه أنه محرم لأجل هذه المشابهة في الفعل فهو يدعو إلى تعظيم هذه البقاع بفعله وإن لم يقصد التعظيم. لكن قد يقول قائل: إنه جاء الإذن عن الصحابة بالصلاة في الكنيسة وقد صلى عمر ﵁ في كنيسة بيت المقدس (٢) فالدعاء من باب أولى.
فالجواب: إن هذا الإيراد ليس بوجيه ذلك لأن نهي النبي ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار وعن الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله إنما هو لأن صورة العبادة واحدة فصورة الذبح من الموحد ومن المشرك واحدة وهي إمرار السكين آلة الذبح على الموضع من البهيمة المراد ذبحها وإهراق دمها
في ذلك المكان والصورة الحاصلة من الموحد ومن المشرك واحدة ولهذا فإنه لا تمييز بين الصورتين من حيث الظاهر وإن اختلفت مقاصدها فكذلك صلاة النبي ﷺ والصحابة في مسجد الضرار فيها مشابهة من حيث الصورة
стр. 87
لصلاة المنافقين ولهذا تقع المفسدة من حيث اشتباه الصورة الظاهرية وكذلك بالنسبة للدعاء في الكنيسة فقد تتشابه صورة دعاء المسلم ودعاء النصراني إلى حد كبير.
وأما في الصلاة في الكنيسة فإن صورة الفعل مختلفة لأن صلاة النصارى ليست على هيئة وصورة صلاة المسلمين فيعلم من رأى المسلم يصلي أنه لا يصلي صلاة النصارى فليس في فعله إغراء بصلاة النصارى ومشاركتهم فيها (١).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الصلاة في الكنيسة وإليك الجواب:
مسألة: هل الصلاة في البيع والكنائس جائزة مع وجود الصور أم لا؟ وهل يقال أنها بيوت الله أم لا؟
الجواب: ليست بيوت الله وإنما بيوت الله المساجد بل هي بيوت يُكفر فيها الله وإن كان قد يذكر فيها، فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفارة وأما الصلاة فيها ففيها ثلاثة أقوال للعلماء في مذهب أحمد وغيره المنع مطلقا وهو قول مالك والإذن مطلقا وهو قول بعض أصحاب أحمد والثالث وهو الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب ﵁ وغيره وهو منصوص عن أحمد وغيره أنه إن كان فيها صور لم يصل فيها لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولأن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى محا ما فيها من الصور.
وكذلك قال عمر: أنا لا أدخل كنائسهم والصور فيها وهي بمنزلة المسجد المبني على القبر ففي الصحيحين أنه ذكر للنبي ﷺ
كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الحسن والتصاوير فقال: «أولئك
إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه
стр. 88
تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (١). وأما إذا لم يكن فيها صور فقد صلى الصحابة في الكنيسة والله أعلم (٢).
رابعا: تتبع آثار النبي ﷺ والأنبياء المكانية للدعاء:
مثل من يذهب إلى غار حراء أو غار ثور أو مكان مولد النبي ﷺ أو مبرك ناقة النبي ﷺ شرق البقيع أو زيارة الأماكن الأثرية التي تعود إلى الرسول ﷺ والصحابة كالذهاب إلى موضع بيعة العقبة الذي خلف منى أو إلى أماكن الغزوات إلا ما استثنى كأحد وقباء فإن النبي ﷺ كان يزورهما. أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ﵇ ليصلي فيه ويدعو أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال التي يقال فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء.
ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك ولكان علم أصحابه بذلك وكان أصحابه أعلم بذلك فلما لم يكونوا يلتفون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم وشرع من الدين ما لم يأذن به الله (٣).
وعن معرور بن سيويد عن عمر ﵁ قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ فلما رجع من حجته رأى الناس
ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال:
стр. 89
هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا قبور أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له الصلاة فليمض (١).
وفي رواية عنه: (أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي ﷺ فهم يصلون فيه فقال: إنما هلك من كان من قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة منكم هذا المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها) (٢).
وقال ابن وضاح (٣): (وقد كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار بالمدينة ما عدا قباء وأحد) (٤).
стр. 90
المبحث الخامس
الاعتداء في الدعاء الزماني
تعريفه: التعبد لله باتخاذ أزمنة معينة تخص بالدعاء دون دليل شرعي.
فالأصل أن الدعاء مستحب في كل وقت وفي كل زمن حتى في وقت النهي وورد الشرع باستحبابه في أزمنة معينة (١).
قال الشاطبي: (في الاعتصام) عن الكلام عن البدع الإضافية ...) ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم يشرع لها تخصيص كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا وكذا أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ...
ثم قال: ولا حجة لمن يقول: إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره فيحسن فيه إيقاع العبادات لأنا نقول: هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا؟ فإن ثبت فمسألتنا كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان وصيام ثلاثة أيام من كل شهر وصيام الاثنين والخميس فإن لم يثبت فما مستندك فيه والعقل لا يحسن ولا يقبح ولا شرع يستند إليه؟ فلم يبق إلا أنه ابتداع في التخصص (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سننًا ومواسم، قد شرع الله فيها ما فيه كفاية للعباد فإذا حدث اجتماع زائد على هذه الاجتماعات كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنَّه) (٣).
стр. 91
أولا: دعاء ليلتي أول يوم من السنة وآخرها:
فقد اخترع بعض المبتدعة دعاء ليلتي أول يوم من السنة وآخرها وصار العامة في بعض البلدان الإسلامية يرددونها مع أئمتهم في بعض المساجد وهذا الدعاء لم يؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن التابعين ولم يرو في مسند من المسانيد (١).
وهذا نصه: (اللهم ما عملته في هذه السنة ما نهيتني عنه ولم ترضه ونسيته ولم تنسه وحلمت عليَّ في الرزق بعد قدرتك على عقوبتي ودعوتني إلى التوبة بعد جراءتي على معصيتك، اللهم إني أستغفرك منه فاغفر لي وما عملته فيها من عمل ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك يا كريم يا ذا الجلال والإكرام أن تقبله مني ولا تقطع رجائي منك يا كريم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
يقولون: فإن الشيطان يقول: قد تعبنا معه سائر السنة فأفسد عملنا في ليلة واحدة ويحثو التراب على وجهه (٢).
ثانيا: دعاء ليلة النصف من شعبان:
حيث تُخص هذه الليلة بالدعاء المعروف الذي يطلب فيه من الله أن يمحو من أم الكتاب شقاوة من كتبه شقيًّا ... الخ ونصه ما يلي: (اللهم يا ذا الجلال ولا يمنُّ عليه يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول والإنعام لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين وأمان الخائفين اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مطرودا أو مقترا علي في الرزق فامح
اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني وطردي وإقتار رزقي وثبتني عندك في أم الكتاب سعيدا مرزوقا موفقا للخيرات فإنك قلت وقولك الحق في كتابك
стр. 92
المنزل على لسان نبيك المرسل ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] إلهي بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شعبان المكرم التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم أسألك أن تكشف عنا البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم إنك أنت الأعز الأكرم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
وهذا الدعاء ليس له أصل صحيح في السنة فلم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن السلف، وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة وفقهاء المدينة وأصحاب مالك وقالوا كل ذلك بدعة (١).
ثالثا: دعاء آخر أربعاء من شهر صفر:
ورد في الحديث قوله ﷺ «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» (٢) قال ابن رجب: إن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون بصفر ويقولون: أنه شهر مشئوم فأبطل النبي ﷺ ذلك (٣).
فكثير من الجهال يتشائم بصفر وقد قال بعض الجهال: ذكر بعض العارفين أنه ينزل في كل سنة ثلاثمائة وعشرون ألفا من البليات، وكل ذلك يوم الأربعاء الأخير من صفر فيكون ذلك اليوم أصعب أيام السنة فمن صلى في ذلك اليوم أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الكوثر سبع عشرة مرة والإخلاص خمس عشرة مرة والمعوذتين
مرة ويدعو بعد السلام بهذا الدعاء، حفظه الله بكرمه من جميع هذه البليات
стр. 93
التي تنزل في ذلك اليوم ولم تحم حوله بلية في تلك السنة، ونص الدعاء هو (بعد البسملة .. اللهم يا شديد القوة ويا شديد المحال، يا عزيز، يا من ذلت لعزتك جميع خلقك اكفني من شر خلقك يا محسن يا مجمل يا متفضل يا منعم يا متكرم، يا من لا إله إلا أنت ارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم بسر الحسن وأخيه وجده وأبيه وأمه وبنيه (١)، اكفني شر هذا اليوم وما ينزل فيه يا كافي المهمات ويا دافع البليات، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين) (٢).
والتشاؤم من الاعتقادات الجاهلية التي انتشرت وللأسف الشديد بين كثير من جهال المسلمين نتيجة جهلهم بالدين عموما وضعف عقيدة التوحيد خصوصا.
والتشاؤم مما ينافي تحقيق التوحيد وتحقيق التوحيد فيه ما يكون واجبا ومنه ما يكون مندوبا، فالواجب تخليصه وتصفيته عن الشرك والبدع والمعاصي. فلا يكون العبد محققا التوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه ويسلم من البدع والمعاصي (٣).
رابعا: بدعة سرد آيات الدعاء:
ومن البدع التي في رمضان ابتداع بعض الجهلة سرد جميع ما في القرآن من آيات الدعاء في آخر ركعة من التراويح بعد قراءة سورة الناس فيطول الركعة الثانية على الأولى، ولا أصل لذلك في الشريعة بل هو مما يوهم أنه من الشرع وليس منه (٤).
стр. 94
خامسا: التعريف:
المراد بالتعريف: هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة في غير موطن عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء (١).
والتعريف نوعان:
الأول: اتفق العلماء على كراهته وكونه بدعة وأمرًا باطلا وهو الاجتماع في يوم عرفة عند القبور أو تخصيص بقعة بعينها للتعريف فيها كالمسجد الأقصى وتشبيه هذه الأماكن بعرفات لأن ذلك يعتبر حجا مبتدعا ومضاهاة للحج الذي شرعه الله حتى وصل بهم الأمر إلى أن زعموا أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات فإنها تعدل حجة ثم يجعلون ذلك ذريعة إلى إسقاط الحج إلى بيت الله الحرام كما ذكر الطرطوشي في كتابه الحوادث والبدع (٢).
وهذا النوع الذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه) (٣).
الثاني: ما اختلف العلماء فيه قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فقال بعضهم محدث وبدعة وقال بعضهم: لا بأس به والراجح
والله أعلم أنه إلى البدعة أقرب منه إلى السنة وأما من رخص فيه
مستندًا إلى فعل ابن عباس أنه أول من عرف بالناس في البصرة فيفسر
شيئا من القرآن ويذكر الناس (٤) فإن ابن عباس لم يكن يقصد أن
стр. 95
يجتمع الناس للدعاء والاستغفار مضاهاة لأهل عرفة وأن ذلك من شعائر الدين كما بين ذلك أبو شامة في كتابه الباعث وإنما كان اجتماع الناس لسماع تفسير القرآن وكذلك لم يرد أن ابن عباس ﵄ كرر ذلك الفعل مرة أخرى فكيف بمن اتخذ ذلك سنة مشروعة يفعلها كل عام؟ (١).
стр. 96
الباب الثاني
الاعتداء في الدعاء في العبادة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الاعتداء في الدعاء في الصلاة.
الفصل الثاني: الاعتداء في الدعاء في الحج.
الفصل الثالث: الاعتداء في الدعاء في الصيام.
стр. 97
الفصل الأول
الاعتداء في الدعاء في الصلاة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الاعتداء في الدعاء في الصلاة المكتوبة.
المبحث الثاني: الاعتداء في الدعاء في الصلاة النافلة.
стр. 98
المبحث الأول
الاعتداء في الصلاة المكتوبة
الصلاة هي عماد الدين وهي موطن لإجابة الدعاء فالصلاة كلها دعاء، فالدعاء روحها وأسها. فكيف يرجو المصلي الإجابة وهو قد اعتدى في دعائه وأين؟ في صلاته.
ومن صور الاعتداء ما يلي:
الاعتداء في الدعاء في الصلاة المكتوبة:
١ - عدم تحريك اللسان بقدر ما يسمع نفسه في أذكار الصلاة وأدعيتها والاكتفاء بمرورها على القلب:
قال محمد بن رشد (١):
أما قراءة الرجل في نفسه ولم يحرك به لسانه فليس بقراءة على الصحيح لأن القراءة إنما هي النطق باللسان وعليها تقع المجازاة والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقول النبي ﷺ : «تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها» (٢).
стр. 99
فكما لا يؤاخذ الإنسان بما حدثت به نفسه من الشر ولا يضره فكذلك لا يجازى على ما حدث به نفسه من القراءة أو الخير، المجازاة التي يجازى بها على تحريك اللسان بالقراءة وفعل الخير (١).
ولهذا قرر العلماء المانعون الجنب من القرآن، جواز تمرير الآيات على القلب إذ أن التمرير غير القراءة.
وهذا مما يلحظ على بعض المصلين خصوصا في الصلاة السرية ظنا منه أن الصمت مع قراءة القلب وإمرار الأدعية عليه كافٍ، وقد نص المحققون على أن هذا العمل لا يجزئ في الصلاة بل هي باطلة (٢).
٢ - الجهر بأدعية مثل دعاء الاستفتاح لأن النبي ﷺ لم يجهر به ولذا يعد الجهر بدعاء الاستفتاح من البدع المكروهة في الصلاة لأنه لم يفعله ﵊.
٣ - الدعاء أثناء قراءة الفاتحة: اتفق الفقهاء على أنه لا يشرع للمصلي أن يشتغل أثناء قراءة الفاتحة بدعاء ولا غيره بل يجب عليه موالاتها بأن يصل الكلمات بعضها ببعض ولا يفصل إلا بقدر التنفس (٣).
ومن صوره:
أ- دعاء المأموم عند قراءة الإمام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كقولهم (استعنت بك يا رب) أو (اللهم إياك نستعين) ونحو ذلك و (رب اغفر لي ولوالدي) حين يقرأ الإمام ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٤).
стр. 100
ب- تشديد الميم في (آمين).
قال الفقهاء: فإن شدد الميم في (آمين) بطلت الصلاة لأن معناها حينئذ (قاصدين) ولهذا قالوا: يحرم أن يشدد وتبطل الصلاة لأنه أتى بكلام من جنس كلام المخلوقين (١).
٤ - الدعاء عند آية الرحمة والاستعاذة عند آية الوعيد في صلاة الفرض لعدم فعله ﷺ ذلك.
ولحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة ليست بفريضة فمر بذكر الجنة والنار فقال: «أعوذ بالله من النار» (٢). فقيده الراوي بصلاة غير الفريضة وأما حديث حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة ثم مضى ... وفيه قال: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ... الحديث» (٣).
وحديث عوف بن مالك ﵁ قال: (قمت مع النبي ﷺ فبدأ فاستاك وتوضأ ثم قال: فصلى فبدأ فاستفتح البقرة لا يمر بآية رحمة إلى وقف فسأل ... الحديث) (٤).
فهي محمولة على النفل دون الفرض لأن الناقلتين لصفة صلاة النبي ﷺ لم يذكروا أنه فعل ذلك في الفريضة مطلقا. فتبين من ذلك أن الدعاء عند آيات الرحمة والسؤال في صلاة الفرض اعتداء.
стр. 101
٥ - الزيادة على الدعاء بغير الوارد في الاعتدال بعد الركوع:
معلوم أن الوارد في الاعتدال بعد الركوع التحميد وهو أن يقول ربنا لك الحمد وربما قال: ربنا ولك الحمد، وربما قال: اللهم ربنا لك الحمد، صح ذلك عنه (١).
وقد وردت أحاديث أخرى في الدعاء بعد الاعتدال من الركوع منها حديث ابن عباس في مسلم قال: كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٢). وفي رواية زاد: «اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ».
أما الزيادة بعد ذلك فممنوعة لأن الاعتدال ليس محلا للاجتهاد في الدعاء فإن زاد فقد اعتدى في دعائه.
٦ - الدعاء بعد التشهد الأول قبل القيام:
ذكر الفقهاء أنه يكره الدعاء في هذا الموطن واستدلوا بما يلي:
١ - ما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يجلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف: وهي الحجارة المحماة على النار حتى يقوم (٣). أي أنه لا يطول في جلوسه في هذا الموطن وأنه يقتصر على التشهد فقط دون غيره.
стр. 102
٢ - وكان الحسن يقول: (لا يزيد في الركعتين على التشهد) (١).
٣ - وعن الشعبي قال من زاد في الركعتين الأوليين على التشهد فعليه سجدتا سهو (٢).
وسبب إجابة السهو هو تأخير القيام عن محله لأنه لما زاد على التشهد بالدعاء حصل معه التأخر عن القيام لأن الجلوس للتشهد الأول هو بقدر قراءة التشهد فقط ثم يقوم وهذا من حديث ابن مسعود في وصفه لصلاة رسول الله ﷺ أنه كان يجلس في الركعتين الأولين كأنه على الرضف (ولأن الزيادة على التشهد مخالفة للإجماع فإن الطحاوي قال: من زاد على هذا فقد خالف الإجماع) (٣).
قال ابن القيم: (ولم ينقل عنه في حديث قط أنه صلى عليه وعلى آله في هذا التشهد ولا كان أيضا يستعيذ في من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال (٤).
وقد أفتت به اللجنة الدائمة (لا يشرع له الدعاء في التشهد الأول وإنما يشرع في التشهد الثاني بعد الصلاة والسلام على النبي ﷺ كما جاء في الأحاديث) (٥).
٧ - الدعاء بين التسليمتين:
كقولهم عند التسليم على اليمين أسألك الفوز بالجنة وعلى اليسار أعوذ بك من النار (٦).
стр. 103
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل إذا سلم عن يمينه يقول: السلام عليكم ورحمة الله، أسألك الفوز بالجنة وعن شماله: السلام عليكم، أسألك النجاة من النار، فهل هذا مكروه أم لا؟
فأجاب: الحمد لله, نعم؛ يكره هذا لأن هذا بدعة فإن هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا استحبه أحد من العلماء، وهذا إحداث دعاء في الصلاة في غير محله يفصل بأحدهما بين التسليمتين ويصل التسليمة بالآخر وليس لأحد فصل الصفة المشروعة على هذا كما لو قال: سمع الله لمن حمده، أسألك الفوز بالجنة ربنا ولك الحمد أسألك النجاة من النار وأمثال ذلك (١).
٨ - رفع البصر إلى السماء في الصلاة أثناء الدعاء:
لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم» (٢).
وجه الدلالة: ظاهر الحديث أن رفع البصر عند الدعاء حال الصلاة حرام لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا محرم وهو وعيد عظيم.
ولما فيه من فوت كمال الخشوع ولأن فيه تشبها بالمجسمة وعبدة الكواكب والتفات إلى غير موضع المصلي (٣).
فهو قد أتى بمحرم ولكن لا تبطل صلاته وهو قول جمهور أهل العلم (٤).
стр. 104
وبهذا أفتت اللجنة الدائمة (لا يجوز رفع الرأس للمصلي إلى السماء عند تكبيرة الإحرام ولا عند الدعاء لحديث: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم» (١).
٩ - الدعاء الجماعي بعد الصلاة:
الدعاء جماعة على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة من الإمام والمأموم كالاستغفار بصوت واحد وقولهم بعد الاستغفار: (يا أرحم الراحمين) أو اجتماعهم بعد التسليم من الصبح على: (اللهم أجرني من النار ومن عذاب النار بفضلك يا عزيز يا غفار). إلى غير ذلك.
قال النووي: (فإنها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف) (٢).
١٠ - دعاء الإمام أو المؤذن وتأمين الجماعة بعد الصلاة:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) إلى بدعة هذا العمل. لأن هذا العمل لم يكن من فعل النبي ﷺ فضلا على أن يداوم عليه كما يفعله البعض اليوم.
وكذلك لم يكن معهودا عند السلف.
стр. 105
والأصل في الأذكار والعبادات التوقيف وألا يعبد الله إلا بما شرع وكذلك إطلاقها أو توقيتها وبيان كيفياتها وتحديد عددها فيما شرعه الله من الأذكار والأدعية وسائر العبادات مطلقا عن التقييد بوقت أو عدد أو كيفية لا يجوز لنا أن نلتزم فيه بكيفية أو وقت أو عدد بل نعبده به مطلقا كما ورد. وما ثبت بالأدلة القولية أو العملية تقييده بوقت أو عدد أو تحديد مكان له أو كيفية، عبدنا الله به على ما ثبت من الشرع له ولم يثبت عن النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا الدعاء الجماعي عقب الصلوات أو قراءة القرآن مباشرة أو عقب كل درس، سواء كان ذلك بدعاء الإمام وتأمين المأمومين على دعائه أو كان بدعائهم كلهم جماعة ولم يعرف ذلك أيضا عن الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ﵃ فمن التزم بالدعاء الجماعي عقب الصلوات أو بعد كل قراءة للقرآن أو بعد كل درس فقد ابتدع في الدين وأحدث فيه ما ليس منه وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) وقال: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٢)(٣).
стр. 106
المبحث الثاني
الاعتداء في الدعاء في صلاة النافلة
١ - الدعاء بين صلاة التراويح:
لم يرد الدعاء بين كل ترويحتين سواء بأدعية ورادة مخترعة فكل هذا لا أصل له في السنة (١).
وكذلك هناك صور أخرى للاعتداء في الدعاء في صلاة التراويح أثناء القنوت وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (٢).
٢ - الدعاء في الركعة الثانية من صلاة الكسوف جهرا وتأمين المصلين عليه:
لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة حيث سئلت اللجنة عن إمام دعا بالناس في الركوع الثاني من صلاة الكسوف وأمنوا خلفه، فقالت اللجنة: أما الدعاء فيها على ما ذكر فلم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين ﵃ فيما نعلم فكان بدعة (٣).
٣ - الجهر بالدعاء في صلاة الجنازة:
اتفق الفقهاء على أنه يسر بالدعاء في صلاة الجنازة لحديث أبي أمامة «من السنة في صلاة الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم الكتاب مخافتة ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يخلص الدعاء للميت ويسلم».
стр. 107
* ولأن الدعاء الأول فيه المخافتة والإسرار لا الجهر.
* ولأن فيه تشويشا على المصلين فلو أن كل واحد جهر بالدعاء لاختلطت الأصوات ولما استطاع أحد أن يخلص الدعاء للميت كما أمر بذلك النبي ﷺ .
٤ - التطويل بالدعاء في صلاة الجنازة لمن كان إماما: لأن فيه مشقة على المأمومين وقد جاء الأمر للإمام بالنهي عن التطويل، لحديث: «من أم الناس فليخفف» (١).
٥ - أنه ﷺ كان إذا تبع جنازة أكثر الصمت. فعن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فانتهينا إلى القبر فجلس كأن على رؤوسنا الطير) (٢).
وكره العلماء أن يتكلم أحد في الجنازة ولا يقول القائل: استغفروا لأخيكم، فقد سمع ابن عمر ﵄ رجلا في جنازة يصيح ويقول: استغفروا لأخيكم، فقال ابن عمر: لا غفر الله لك (٣).
وسئل سفيان بن عيينة عن السكوت في الجنازة وماذا يجيء به، قال: (تذكر به أحوال يوم القيامة ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].
стр. 108
* قال النووي: (واعلم أن الصواب والمختار ما كان عليه السلف ﵃ من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك ... إلى أن قال أما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء وقد أوضحت قُبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره ...) (١).
فانظر إليه ﵀ وهو يفسق من لم ينكر فكيف بمن يقوم بهذا العمل.
ومن صور الاعتداء في الدعاء في ذلك:
بدعة التلقين بعد الدفن: حيث يقوم رجل على قبر الميت ويقول: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .. كل نفس ذائقة الموت .. إلى أن يقول: واعلم يا عبد الله وابن أمته أنك مت وأن الموت حق وأن دخول القبر حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن سؤال الملكين حق فإذا جاءك الملكان الموكلان بك وبالناس أجمعين فلا يزعجانك ولا يرعبانك, واعلم أنهما خلق من خلق الله كما أنت خلق من خلقه فإذا سألاك ما ربك وما قبلتك وما دينك وما منهجك وما الذي عشت ومت عليه؟ فقل لهما بلسان طلق لبق من غير تلجج ولا وجل ولا خوف ولا جزع فقل لهما الله ربي حقا الله ربي حقا الله ربي حقا ومحمد نبي صدقا وإبراهيم الخليل أبي وملته ملتي والكعبة قبلتي وعشت ومت على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله فإذا عاد وسألاك ثانية ماذا تقول في الرجل المبعوث فينا وفيكم وفي الخلق أجمعين، فاعلم أنهما يعنيان النبي محمد (فقل هو نبينا وشفيعنا ورسولنا محمد أتانا بالحق دين الهدى فاتبعناه وآمنا برسالته وصدقناه آمين آمين آمين، يا مؤنس كل وحيد ويا حاضر لست تغيب آنس اللهم وحدته وارحم غربته ولقنه حجته وعرفه بنبيه.
стр. 109
اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم أبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهلا، ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسله بالماء والثلج والبرد ووسع مدخله وأكرم نزله، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله وللمسلمين (١).
وهذا التلقين مبتدع فقد نص على ذلك طائفة من أهل العلم، قال العز بن عبد السلام: لم يصح في التلقين شيء وهو بدعة وقوله: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» محمول على من دنا موته ويئس من حياته (٢).
قال الصنعاني: ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله (٣).
وقال ابن القيم: (ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم) (٤).
وكذا قال الألباني في أحكام الجنائز (٥).
стр. 110
الفصل الثاني
الاعتداء في الدعاء في الحج
الاعتداء في الدعاء في الإحرام والطواف
والسعي ويوم عرفة