← Акыда

Акыда · id 35723

الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين

سهل العتيبي

Полный текст (479 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وفي حديث جابر السابق، قال الرجل: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره, فقال رسول الله ﷺ له: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك». وقال: سمعت النبي ﷺ بعد، يخطب فقال: لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان في منامه (١). قال السفاريني - رحمه الله تعالى - في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد: اللعب ضد الجد والمراد هنا بتلعب الشيطان، أنه يريه في منامه ما يحزنه ويدخل عليه الهم والغيظ ويخلط عليه في رؤياه فهو يتلاعب به (٢). ومن علامات هذا القسم وكونه من الشيطان، مخالفته للشرع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد علم الصحابة أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقدر الله، وإن كان يعفى عنه صاحبه كما يعفى عن النسيان والخطأ. ولذلك الاحتلام في المنام من الشيطان، فالنائم يرى في منامه ما يكون من الشيطان (٣). وقال ابن القيم ﵀: إن خالفت الشرع ردت مهما كان حال الرائي، ويحكم على تلك الرؤيا بأنها من الشيطان، وأنها كاذبة وأضغاث أحلام (٤).

стр. 107

وهذا القسم من الرؤيا، لا حكم لها ولا تعبير لها ولا تنذر بشيء. وهي التي أرشدنا رسول الله ﷺ إلى التحرز منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آداب إذا رأى ما يكره. وما ذكرت من دلالة الأحاديث على أن الرؤيا ثلاثة أقسام. يرد على من قال من العلماء إن الحصر ليس مرادًا، ومن هؤلاء ابن حجر ﵀ حيث قال: وليس الحصر مرادًا من قوله ثلاث لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس (١)، وليس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر وصف الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة (٢). ويمكن أن يجاب عن هذا القول من وجهين: الوجه الأول: أن (حديث النفس) الثابت في حديث أبي هريرة هو نفسه النوع الثالث في حديث عوف بن مالك بلفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه». الوجه الثاني: قول الحافظ ﵀: وليس في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة، فهذا دليل لنا في ثبوت نوع ثالث، وليس دليلاً له في ثبوت نوع رابع، ثم السبب في عدم ذكر حديث النفس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد ﵄، هو كما قال ابن العربي المالكي ﵀: يريد ما لا يتحصل مما يحزن (٣) لأن حديث النفس لا حكم له، ولا تأثير له، كما هو معروف.

стр. 108

ثم قال الحافظ ابن حجر ﵀: وبقي نوع خامس: وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأني رأسي قطع فأنا أتبعه وفي لفظ (فقد خرج فاشتددت في أثره) فقال: «لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام» وفي رواية له «إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس» (١). ويمكن أن يجاب عن هذا النوع بأنه، وارد في تقسيمه ﷺ للرؤيا: وهو قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: «والرؤيا تحزين من الشيطان» وفي لفظ «وتخويف من الشيطان». وفي حديث عوف بن مالك بلفظ: «منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم» وهذا هو تلاعب من الشيطان المذكور في حديث جابر. ثم قال الحافظ ابن حجر ﵀: ونوع سادس: وهو رؤيا ما يعاده الرائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكل في وقتت فنام فيه فرأى أنه يأكل، أو بات طافحًا من أكل أو شرب فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص (٢). ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه مذكور في قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه». وفي لفظ: «والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه». وفي لفظ: «حديث النفس».

стр. 109

وفي حديث عوف بن مالك ﵁: «ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه». ثم قال الحافظ ﵀: «وسابع وهو الأضغاث» (١). والأضغاث جمع ضِغْث، قال الجوهري في "الصحاح" والضِغْثُ قَبضةُ حشيش مختلطة الرَطْبِ باليابس. وأضغاث الأحلام، الرؤيا التي لا يصحُّ تأويلها لاختلاطها (٢). وهي بهذا المعنى الأحلام التي من الشيطان كما أجبنا عن ذلك في النوع الخامس. والحاصل من ذلك أننا نقول كما قال ابن عبد البر ﵀: (قد قسم النبي ص الرؤيا أقسامًا تغني عن قول كل قائل) (٣) والله أعلم.

стр. 110

المبحث الثاني علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها تقدم أنه ليس بكل رؤيا يراها الإنسان في منامه تصح وتعبر، وإنما الصحيح منها ما كان من الله ، وما سوى ذلك فهو أضغاث أحلام، أو أحاديث نفس لا حكم لها ولا تأويل لها. والرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، أمر يخص الله به من يشاء من عباده، تفضلاً منه ونعمة، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان صفاتها، وعلاماتها، وأقسامها، وبيان أنها من مبشرات النبوة التي يبشر بها المؤمن وأنها من أجزاء النبوة، وهذه الأحاديث كثيرة ومتعددة الطرق، ولأهمية هذه الرؤيا سوف أتحدث عنها، إن شاء الله تعالى، من خلال المسائل التالية. المسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة. المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة. المسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة. المسألة الرابعة: رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان. المسألة الخامسة: أسباب صدق الرؤيا الصالحة. المسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟

стр. 111

المسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة وصفت الرؤيا الصالحة بصفات عديدة، تدل على أهميتها وعظم شأنها، فمن تلك الصفات. (١) أنها من الله: كما أخرج الإمام مالك في "الموطأ" والإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ وآله وسلم: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان ...» الحديث. وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان». وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» (١). وكما سيأتي إن شاء الله، في بقية الأوصاف من إضافتها إلى الله . يقول ابن أبي جمرة (٢) ﵀: (قوله ﵊ «من الله» أي: هي حق لا شك فيها، لأن كل ما هو من عند الله لا شك في أنه حق ولذلك قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

стр. 112

وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، كما هو جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره (١) كما سبق تفصيله في الفرق بين الرؤيا والحلم. (٢) الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة: كما دل على ذلك حديث عوف بن مالك ﵁، عن رسول الله ﵌ قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢). وما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٣). وغيرهما من الأحاديث التي سيأتي إن شاء الله تفصيلها وبيان معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة وما يتعلق بذلك من مسائل في الفصل الثالث من هذا الباب. (٣) وصفها بأنها رؤيا حق: ورؤيا الحق: هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام (٤). كما أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 113

رسول الله ﷺ : «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل» (١). ومن ذلك قوله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧]. (٤) وصفها بأنها بشرى من الله: كما أخرج الإمام أحمد ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل» (٢). وجاءت الأحاديث الكثيرة بوصف الرؤيا الصالحة بأنها من مبشرات النبوة كحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٣). وجاءت الأحاديث الكثيرة في تفسير قوله : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] بأن المراد بالبشرى هنا الرؤيا الصالحة، ولذلك سوف أتحدث عن هذا الوصف في علامات الرؤيا الصالحة بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى. (٥) أنها مما تعجب الرائي: كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله ، ومن رأى

стр. 114

رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شرها» (١). (٦) أنها مما يحب الرائي: كما أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» (٢). (٧) وصفها بأنها صادقة: كما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ...) الحديث (٣). والصادقة هي المطابقة للواقع، فتقع كما هي معبرة في المنام فلا تحتاج إلى تعبير، وهي بهذا المعنى خاصة بالرؤيا الصالحة التي لا تحتاج إلى تعبير بل تقع معبرة في المنام. وقيل الصادقة هي بمعنى الصالحة، وتشمل ما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إلى تعبير وهي بذلك عامة لجميع أنواع الرؤيا الصالحة، ولهذا جاء في بعض روايات حديث عائشة (الصالحة) بدل الصادقة (٤).

стр. 115

(٨) وصفها بالصالحة: وهذا الوصف هو الذي جاء في أغلب الأحاديث كحديث أبي قتادة ﵁: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان» (١) وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٢). وحديث أبي هريرة ﵁، قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (٣) وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث أحدًا وليقم وليصل» (٤). وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٥). وغيرها من الأحاديث الكثيرة. والصالحة تحتمل معنيين خاصًا وعامًا: المعنى الخاص: صالحة ظاهرها، وهي التي تسر وتفرح، وبهذا جاء وصفها في الأحاديث الأولى بأنها الحسنة والمبشرة, وأنها مما يحب الرائي ومما يعجبه.

стр. 116

المعنى العام: وضوح تعبيرها، وهي التي تقع سواء كانت تسر أو لا تسر، وسواء كانت مبشرة أو منذرة، وسواء كانت معبرة في المنام أو تحتاج إلى تعبير، فهي بهذا خلاف أضغاث الأحلام، وهي بمعنى قوله ﵌: «الرؤيا من الله» دون تقييد كونها صالحة أو لا. (٩) وصف الرؤيا الصالحة، بأنها رؤيا حسنة: كما أخرج الإمام مالك وأحمد والبخاري وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (١). وحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزن من الشيطان ...» (٢). وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي الطفيل، عامر بن واثلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» (٣). والحسنة لها معنيان: ١ - إما باعتبار حسن ظاهرها. ٢ - وإما باعتبار صدقها (٤).

стр. 117

وقال الباجي: "الحسنة، أي الصادقة أو المبشرة" (١). وفي الأحاديث السابقة جاء وصف الحسنة بالصالحة. يقول الكرماني ﵀: «الصالحة: هي ما صلح صورتها أو ما صلح تعبيرها، والصادقة هي المطابقة للواقع» (٢). ويقول القاضي عياض (٣) ﵀: كون الرؤيا صالحة يحتمل أن ترجع إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن ترجع إلى صحتها وكونها صادقة (٤). ويقول ابن العربي ﵀: معنى صلاحها: استقامتها وانتظامها (٥). ويقول الحافظ ابن حجر ﵀ في الفرق بين الرؤيا الصادقة والصالحة: (الصالحة، والصادقة هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي ﷺ كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر). وغير الصالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في رؤيا يوم أحد (٦).

стр. 118

وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: "إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا (١). ويظهر، والله أعلم، أن هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة، إما وصف لها قبل وقوعها، فتتكون هذه الأوصاف يحسب الغالب في الرؤيا الصالحة وأنها مما يحب الرائي. وإما أن تكون هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة بعد وقوعها، فتكون هذه الأوصاف لحقيقة أمرها، وعلى هذا فلا إشكال في اختلاف أوصاف الرؤيا الصالحة, والله أعلم. ثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة، لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن، وأما إدراك ما هو حق منها، وما هو باطل، فهذا صعب الوصول إليه، وإنما هناك علامات تفيد غلبة الظن في كون الرؤيا صالحة (٢). وسوف أذكر إن شاء الله، هذه العلامات بشيء من التفصيل في المسألة الثالثة. المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة يقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه "الروح": (الرؤيا الصالحة أقسام) (٣) ثم عدد ﵀ خمسة أقسام وهي:

стр. 119

(١) منها إلهام يلقيه الله في قلب العبد: وهو الكلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره. وهذا القسم من الرؤيا الصالحة يمكن أن يستدل له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الوحي هو الإعلام السريع الخفي، إما يقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحاح وقال عبادة ويروى مرفوعًا «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام ...» فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا. (١) ويقول الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم (٢) ﵀ في كتابه السنة: "باب ما ذكره عن النبي ﷺ : أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه، ثم ذكر حديث

стр. 120

عبادة بن الصامت يرفعه إلى النبي ﵌ (١) ويمكن أن يستدل أيضًا

стр. 121

........................................................................

стр. 122

لهذا النوع من الرؤيا الصالحة، بقول النبي ﷺ كما في حديث أبي قتادة ﵁: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وغيره من الأحاديث التي تبين أن هناك نوعًا من الرؤيا يكون من الله. (٢) ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها: أما كون الرؤيا عبارة عن أمثال: فقد سبق لنا بيان ذلك عند الحديث عن حقيقة الرؤيا. أما مسألة ملك الرؤيا الموكل بها، فقد قال به جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين. يقول عياض ﵀: "وقال كثير من العلماء إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر (١). وكذا ذكرها ابن القيم ﵀ في أكثر من كتاب وابن العربي وابن حجر ﵏ (٢). ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي ... (٣). ويرى بعض أهل العلم التوقف في إثبات ملك الرؤيا؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي كما قال القرطبي ﵀ (٤).

стр. 123

ويمكن أن يستدل للقائلين بوجود ملك موكل رؤيا بالنصوص العامة التي ثبت حفظ الملائكة لنبي آدم، وأن للملك لمة وهي إيعاد الخير، فمن ذلك. (أ) ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وابن جرير (١) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد الشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]» الآية. (ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من

стр. 124

الملائكة» قال: يا رسول الله وإياك؟ قال: «وإياي إلا إن الله أعانني عليه فأسلم (١) فلا يأمرني إلا بخير» (٢). (٣) ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم: كما ذكرنا (٣). وقد ذكرت ذلك بحمد لله، في مسألة تلاقي أرواح الأحياء والأموات، وأقوال أهل العلم في هذه المسألة. (٤) ومنها: عروج روحه -أي النائم- إلى الله سبحانه وخطابها له (٤): واستدل ابن القيم ﵀ على هذا القسم من الرؤيا بحديث عمر بن

стр. 125

الخطاب ﵁ أنه لقي عليًا فقال يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا، وشهدنا وغبت ثلاث أسألك عنهن فهل عندك علم؟ ثم ذكر الثالثة فقال: (والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، فقال نعم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد ينام يمتلئ نومًا إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب» (١). قال ابن منده (٢) ﵀ هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره. وقال أبو عبد الله بن منده أيضًا: وروي عن أبي الدرداء قال: (إذا نام الإنسان خرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها بالسجود، رواه زيد بن الحباب وغيره) (٣).

стр. 126

وروى البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (تعرج الأرواح في منامها فما كان منها طاهرًا سجد أمام العرش، وما كان غير طاهر سجد قاصيًا) (١). وفي مراسيل الحسن (٢) ﵀ قال: (إذا نام العبد وهو ساجد، باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي) (٣). وسبق البحث في أن روح النائم تفارق جسده من وجه دون وجه كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. لكن مسألة السجود تحت العرش وعروج روح النائم إلى الله سبحانه تحتاج إلى دليل أصح وأصرح من هذه الآثار التي يعتريها بعض الضعف. (٥) منها: دخول روحه- أي النائم - إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك (٤): وهذا القسم يمكن أن يستدل له بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل

стр. 127

عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة دف (١) نعليك بين يدي في الجنة» قال بلال: (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: قول: (عند صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أن ذلك في المنام لأن عادته أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر (٣). وقال الكرماني: "ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم، لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت (٤)، ويحتمل أن يكون يقظة, لأن النبي ﷺ دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها، لأن قوله (في الجنة) ظرف للسماع ويكون الدف بين يديه خارجًا عنها (٥).

стр. 128

قال الحافظ ابن حجر ﵀ معقبًا على كلام الكرماني: (ولا يخفى بعد هذا الاحتمال لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال، لكونه جعل كسب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبت له الفضيلة بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجًا عنها) (١). وما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله ﷺ جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله ﵌ وقال: (أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله) (٢). وحاصل هذه الأحاديث أن النبي ﵌ رأى ذلك في المنام. قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله (رأتني في الجنة) هذا وإن كان منامًا لكن رؤيا الأنبياء حق، ومن ثمَّ أعمل حكم غيرة عمر حتى امتنع من دخول

стр. 129

القصر، وقد روى أحمد من حديث معاذ قال: «إن عمر في الجنة» وذلك أن النبي ﷺ كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء، وأنه قال: «بينما أنا في الجنة: إذ رأيت فيها جارية، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» (١). ولهذا ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث في صفة الجنة (٢). وقال الحافظ: قوله «تتوضأ» يحتمل أن يكون على ظاهره ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها فذلك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله «تتوضأ جانب القصر» أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير حقيقة، ورؤيا المنام لا تحتمل على الحقيقة بل تحتمل التأويل دائمًا، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب التعبير باب الوضوء في المنام (٣). وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث بريدة ﵁ قال: (أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالاً فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط، إلا سمعت خشخشتك (٤) أمامي، وإني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقل: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر، قالوا لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد. لمن هذا القصر؟ قالوا:

стр. 130

لعمر بن الخطاب» فقال رسول الله ﵌: «لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر» فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك, وقال لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة» قال: ما أحدثت إلا وتوضأت وصليت ركعتين فقال رسول الله ﵌ «بهذا» (١). قال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث؛ أني دخلت البارحة الجنة، ويعني في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الأحاديث، ويروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال ﷺ : «رؤيا الأنبياء وحي» (٢). ويؤيد كون هذا الدخول وقع في منام، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر ﵄ قال: قال النبي ﵌: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفة (٣) فقلت، من هذا فقال: هذا بلال ...» الحديث (٤).

стр. 131

ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﵌ قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» الحديث (١). وما أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش ...» الحديث (٢). وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» (٣). وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان» فقال رسول الله ﵌ «كذلك البر، كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه (٤).

стр. 132

فلعل هذه الأحاديث تكون دليلاً لمن قال بدخول روح النائم إلى الجنة، وإن كان الدليل فيها محتملاً, لأن رؤية النائم قد تكون عبارة عن ضرب أمثال للنائم، ولكن كون الذي رآها النبي ﵌، وقد استدل البخاري بها على صفة الجنة، فإن هذا مما يقوي ما ذكره ابن القيم ﵀ وإن كانت المسألة تحتاج إلى دليل صريح، والله أعلم بالصواب. المسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة العَلامات جمع عَلامَة، وهي التي يعرف بها الشيء (١). وعلامات الرؤيا الصالحة هي الأمارات التي يستدل بها ويستأنس بها على صلاح الرؤيا، وقد جاءت السنة المطهرة ببيان علامات الرؤيا الصالحة، فمن علامات صلاحها ما يلي: أولاً: التواطؤ عليها: والتواطؤ هو التوافق وزنًا ومعنى، يقال: (وطأه على الأمر مواطأة: وافقه وتواطأنا عليه وتوطَّأنا: توافقنا: وتواطؤوا عليه: توافقوا) (٢). وأصله أن يطأ الرجل مكان وطء صاحبه. فالتواطؤ على الرؤيا: هو توافق جماعة على رؤيا واحدة ولو اختلفت عباراتهم (٣).

стр. 133

ولهذا يقول الإمام البخاري ﵀ في كتابهِ: «الجامع الصحيح» باب التواطؤ على الرؤيا، ثم ساق بسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن أناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن أناسًا أروها في العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ : «التمسوها في السبع الأواخر» (١). فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منهم من رأى ليلة القدر في العشر الأواخر، ومنهم من رآها في السبع الأواخر، فتوافقت رؤياهم على السبع الأواخر. يقول الحافظ ابن حجر ﵀: (لم يلتزم البخاري إيراد الحديث بلفظ التواطؤ وإنما أراد بالتواطؤ التوافق، وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه، وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر، فلما رأى قوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها، ولأنه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، وقد جاء بلفظ "التواطؤ" من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: (وكانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ الرؤيا أنها في الليلة السابقة من العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريًا فليتحرها من العشر الأواخر» (٢).

стр. 134

ومن طريق مالك بن نافع عن ابن عمر ﵁: (أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﵌ «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريَها، فليتحرها في السبع الأواخر» (١). يقول الحافظ ابن حجر ﵀: ويستفاد من هذا الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها، وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة (٢). يقول ابن القيم ﵀: فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له، وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح (٣). ويقول ﵀ في قوله ﵌: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر». قال: فاعتبر ﵌ تواطؤ رؤيا المؤمنين، وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت (٤).

стр. 135

ولما ترجم الذهبي ﵀ للإمام أحمد ﵀ ذكر منامات صالحة رويت لأحمد بعد موته أكثر من عشر ورقات ثم قال: «ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحو من ثلاثين ورقة، وأفراد ابن البناء جزءًا في ذلك، وليس أبو عبد الله ممن يحتاج في تقرير ولايته إلى منامات، ولكنها جند من جند الله تسر المؤمن، ولا سيما إذا تواترت» (١). ثانيًا: كونها من المبشرات. والمبشرات جمع مبشرة، وهي البشرى بمعنى البشارة. يقول ابن الصلاح ﵀ في بيان علامات الرؤيا الصالحة: (ومن أمارات صلاحها أن تكون تبشيرًا بالثواب على الطاعة، أو تحذير من المعصية) (٢). وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان أنها من المبشرات النبوية فمن ذلك: (أ) أخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (٣). وقد بوب ﵀ في "الموطأ" بلفظ (كان إذا انصرف من صلاة الغداء يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٤).

стр. 136

وقد رواه الإمام أحمد (١) في مسنده وأبو داود (٢) والحاكم في مستدركه (٣) كله من طريق مالك. (ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﵌ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ...» (٤). وفي رواية لمسلم بلفظ كشف رسول الله ﵌ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح، أو ترى له ..» (٥). ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦)، وابن أبي شيبة (٧)، وأبو داود (٨) والنسائي (٩).

стр. 137

والدارمي (١)، وابن ماجة (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والبيهقي (٥). (ج) أخرج الإمام أحمد ﵀ في مسنده وابنه عبد الله في زوائد المسند من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﵌ قال: «لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» (٦). (د) أخرج الإمام أحمد في مسنده (٧)، والترمذي (٨)، والحاكم (٩) من حديث أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: «فشق ذلك على الناس» فقال «ولكن المبشرات» قالوا وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة».

стр. 138

(هـ) أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبراني من حديث أبي الطفيل ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» (١). (و) وأخرج الطبراني والبزار من حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ «ذهبت فلا نبوة بعدي إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له» (٢). (ز) وأخرج الإمام أحمد، والدارمي وابن ماجة، من حديث أم كُرْز الكعبية ﵂ أن النبي ﵌ قال: «ذهبت وبقيت المبشرات» (٣). (ح) أخرج الإمام مالك ﵀ في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» فقالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤) وهذا مرسل صحيح الإسناد ويشهد له ما سبق من الأحاديث وما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 139

ففي هذه الأحاديث وغيرها تعظيم شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وبيان أنها من المبشرات التي يبشر بها المؤمن، وأن النبوة ستذهب بموته ﵌، لأنه خاتم النبيين بعده، وتبقى المبشرات التي هي الرؤيا الصالحة في هذه الأمة بعد انقطاع النبوة. فقوله ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» يعني أن الوحي منقطع بموته ﵁ فلا يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا الصالحة. قال ابن التين: "معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا (١). وقيل: هو على ظاهره، لأنه قال ذلك في زمانه، واللام في النبوة للعهد والمراد لنبوته، أي لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات. ويرد على ذلك بالأحاديث الأخرى الصريحة كقوله ﷺ : «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» وحديث ابن عباس أنه قال ذلك في مرض موته ﷺ (٢). وقوله ﵌ «إلا المبشرات» ثم فسرها بالرؤيا الصالحة. ووصف الرؤيا الصالحة بأنها مبشرة إما على التغليب وإما على أصل اللغة (٣) فمن الرؤيا الصالحة ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى عبده المؤمن.

стр. 140

يقول ابن المهلب (١) ﵀: التعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه (٢). ويقول أبو العباس القرطبي ﵀ في كتابه "المفهم" البشرى من الله أي مبشرة بخير، ومحذرة عن شر فإن التحذير عن الشر خير فتضمنته البشرى، وإنما قلنا ذلك هنا, لأنه قد قال في حديث الترمذي المتقدم: «الرؤيا ثلاث، رؤيا من الله ...» مكان بشرى من الله، فأراد بذلك، والله أعلم، الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة (٣). ويقول أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسيره الجامع لأحكام القرآن" في حديث أبي هريرة ﵁: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قال: "وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة؛ ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه، فإن أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك، وقد رأى الشافعي ﵁ وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتبت إليه بذلك؛ ليستعد لذلك (٤) وقد تقدم في "يونس" في تفسيره قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي

стр. 141

الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] أنها الرؤيا الصالحة، وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم (١). فتفسير النبي ﵌ المبشرات بالرؤيا الصالحة إن كان المراد بالرؤيا الصالحة أي الحسنة والمبشرة فهذا ظاهر؛ لأن البشارة كل خير صدق بتغير بشرة الوجه واستعمالها في الخير أكثر. إن كان المراد بالرؤيا الصالحة هي الصادقة وهي التي فيها بشارة أو تنبيه عن غفلة، فتسيرها بالمبشرات في الحديث مخرج على الأغلب أو على أصل اللغة والله أعلم. قد جاء في تفسيره قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. أن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة وقد وردت أحاديث متعددة في تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك. ١ - ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، والحاكم من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال رسول الله ﵌: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة

стр. 142

يراها المسلم، أو ترى له ...» زاد أحمد، وابن جرير في إحدى الروايات عندهما أن رسول الله ﷺ قال: «وبشراه في الآخرة الجنة» وقد جاءت هذه الزيادة في رواية ابن أبي شيبة مختصرة (١). ٢ - أخرج الإمام أحمد في مسنده، والدارمي، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ عن قول ﵎: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٢). ٣ - أخرج ابن جرير ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له».

стр. 143

وفي رواية له عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة. وفي رواية له قال أبو هريرة ﵁: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي المبشرات» (١). ٤ - وأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن جرير في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان؛ ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر أحدًا» (٢). وقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك: ١ - أخرج ابن جرير الطبري ﵀ عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه) ورواه ابن أبي شيبة بنحوه هذه الرواية (٣).

стр. 144

٢ - أخرج الإمام مالك ﵀ عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول، في هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له). ورواه ابن أبي شيبة، وابن جرير بنحوه (١). ٣ - وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد ﵀ قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) (٢). ٤ - وأخرج ابن جرير ﵀ عن عطاء في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي رؤية الرجل يبشر بها في حياته) (٣). ٥ - وأخرج ابن جرير ﵀ عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: (الرؤيا من المبشرات) (٤). ٦ - وأخرج ابن جرير ﵀ عن يحيي بن أبي كثير ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يرها المسلم أو ترى له) (٥). وقد أخرج ابن عبد البر ﵀ بعض هذه الآثار وأشار إلى بعضها ثم قال معقبًا على ذلك: وعلى ذلك أكثر أهل التفسير في معنى هذه الآية، وهو أولى

стр. 145

ما اعتقده العالم في تأويل قول الله : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وروى عن الحسن والزهري وقتادة أنها البشارة عند الموت (١). ويقول ابن جرير الطبري ﵀ بعد أن ذكر بأسانيده عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنها الرؤيا الصالحة عقب على ذلك بقوله: (وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما روي عن النبي ﷺ : «إن الملائكة التي حضره عند خروج نفسه تقول لنفسه اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه» (٢). ومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل كما قال ثناؤه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] الآية. وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها ولم يخصص الله ذلك المعنى دون معنى, فذلك مما عمَّمه جل ثناؤه، أي: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وأما في الآخرة فالجنة (٣).
следующие страницы →