وقال ابن بدران ﵀: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، وهذا القول هو والعدم سواء، لأن العمل يكون بما ثبت من الشرع لا به، ثم لا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا، قد كمله الله لنا ...) (١).
وسوف يأتي إن شاء الله، مزيد بيان وتوضيح وتفصيل لهذه المسألة عند مناقشة من يجعلون الرؤيا حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة أو الإجماع والقياس من مبتدعة الصوفية الذين استندوا في أخذ الأعمال بالمنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها وتأتي إن شاء الأسباب التي تجعل الرؤيا ليست دليلاً شرعيًا يحتج بها على جواز فعل أو ترك، أو منع أو استحباب، وأقوال أهل العلم في ذلك، وإنما المقصود هنا، بيان أن الرؤيا الصالحة مجرد مبشرات يستأنس بها كما دلت على ذلك النصوص، وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن بعدهم من العلماء (٢).
وعلى ذلك يحمل ما ورد عن أهل العلم من الاستشهاد بالرؤيا الصالحة في بيان فضل العلماء ومكانتهم وما يقال في أهل البدع (٣).
стр. 177
المبحث الثالث
أقسام الناس في الرؤى
إذا علمنا أن الرؤى تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما دلت على ذلك الأحاديث؛ رؤيا من الله، وحديث نفس، وأحلام من الشيطان، ولكل قسم من هذه الأقسام علامات يعرف بها.
وجاء تقسيمها في بعض الأحاديث إلى قسمين رؤيا من الله، وأحلام من الشيطان ولكل قسم آدابه وأحكامه، إذا علمنا ذلك فإن الرائين لهذه الرؤى ينقسمون كذلك إلى ثلاثة أقسام بحسب صدق رؤياهم وكذبها وصلاحها وفسادها، وكل قسم من الأقسام درجات متفاوتة، وإليك بيان ذلك مع الدليل والتمثيل بتوفيق الله.
القسم الأول: الأنبياء:
ورؤياهم كلها صدق وحق، فرؤيا الأنبياء وحي (١) وهي من دلائل نبوتهم، وذلك لعدم تمكن الشيطان منهم يقظة ومنامًا، فالأنبياء لا يقولون من الكلام إلا الصدق ولذلك لا يرون إلا الحق، فجميع رؤى الأنبياء حق لا استثناء.
ولذلك ورد عن جماعة من أنبياء الله ورسله في القرآن الكريم مراءٍ رأوها وكانت حقًا لا شك فيها، ولعل من أشهرها رؤيا يوسف ﵇.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
стр. 178
قال في ختام السورة: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].
وكذلك رؤيا إبراهيم ﵇، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].
وكذلك رؤيا نبينا محمد ﵌.
قال ﵎: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧].
وثبت عنه ﵌ رؤى كثيرة جدًا كما في الصحيحين وغيرهما وكلها من دلائل نبوته، وإخباره بالمستقبل فوقع كما رأى وأخبر، وسيأتي إن شاء الله تفصيل أكثر لرؤيا الأنبياء وما يتعلق بها من أحكام.
القسم الثاني: الصالحون:
والأغلب على رؤياهم الصدق، وإنما كان الأغلب على رؤياهم الصدق للأسباب التالية.
١ - قلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف غيرهم فإن الشيطان متسلط عليهم،
стр. 179
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٢].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
ولهذا يحرص المسلم الصالح على تحصين نفسه من الشيطان بقراءة القرآن الكريم وخاصة آية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، والمعوذات وكثرة ذكر الله، فلا يكون للشيطان عليه سبيل.
٢ - صدق حديثهم في اليقظة، فإذا كان الرجل صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان، وتقوى، فإن الغالب أن رؤياه تكون صادقة، ولهذا يقول النبي ﷺ : «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (١).
قال أبو العباس القرطبي ﵀: وإنما كان كذلك من كان غالب حاله وقوي إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في اليقظة استصحب ذلك في نومه, فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب، والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا.
стр. 180
وقد يندر أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم والله أعلم (١).
ولهذا والله أعلم قيدت الرؤيا الصالحة يكونها من الرجل الصالح كما جاء في بعض الروايات, لأن المسلم الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء ولذلك أكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب كما نسبت رؤياه إلى أجزاء النبوة.
ولذلك من فقه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه ذكر الباب الأول في كتاب التعبير بعنوان "أول ما بدئ به رسول الله ﵌ من الوحي الرؤيا الصالحة"، ثم عقب بالباب الثاني بعنوان "رؤيا الصالحين" وأخرج بسنده من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﵌ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).
ورؤيا الصالحين مع أن الغالب عليها الصدق لا يقطع بصحتها إلا بعد ظهورها ووقوعها بخلاف رؤيا الأنبياء, فإنه مقطوع بصحتها.
والصالحون درجات متفاوته فمنهم من بلغ الذروة في الصلاح ومنهم من هو دون ذلك، ولذلك يقول النبي ﵌ «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» فدل على أنهم متفاوتون في صدق الرؤيا.
وقد سبق لنا بحمد الله بيان الأشياء التي يتحرى بها المسلم صدق الرؤيا.
وإليك بعض أمثلة رؤيا الصالحين وهي كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها، ومن ذلك:
стр. 181
(١) رؤيا عبد الله بن سلام ﵁ في الأخذ بالعروة والاستمساك بها:
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قيس بن عبادة قال: "كنت جالسًا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل منن أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد النبي ﷺ فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة - ذكر من سعتها وخضرتها - وسطُها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقَهْ، قلت لا استطيع، فأتاني مُنْصَف (١) فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت في العروة، فقيل له استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصها على النبي ﷺ فقال: «تلك الروضة الإسلام، وذلك العموم عمود الإسلام، وتلك العروة الوثقى، فأنت على الإٍسلام حتى تموت، وذلك الرجل عبد الله بن سلام» (٢).
وفي رواية للبخاري ومسلم عن قيس بن عباد قال: «كنت في حلقة فيها سعد بن مالك، وابن عمر فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، ثم ذكر الحديث ثم قال في آخره فقال رسول الله ﷺ «يموت
стр. 182
عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى» (١).
ورواه مسلم عنه بلفظ مطول، فراجعه إن شئت.
(٢) رؤيا عمر بن الخطاب ﵁:
أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه، أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله ﵌، وذكر أبا بكرة، ثم قال: (إني رأيت رؤيا لا أراها إلا حضور أجلي، رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات وإني لأراه إلا حضور أجلي" (٢).
وسبق ذكر أمثلة كثيرة لرؤى الصحابة ﵃.
القسم الثالث: من عدا الأنبياء والصالحين:
وهذا القسم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، لكن الغالب عليها الأضغاث وذلك لتسلط الشياطين عليهم، وقلة الصدق عندهم.
يقول القاضي عياض ﵀ قوله ﵌: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كان ذلك, لأن غير الصادق يعتري الخلل رؤياه من وجهين:
أحدهما: أن تحديثه نفسه يجري في نومه على جري عادته من الكذب فتكون رؤياه كذلك.
والثاني: قد يحكي رؤياه ويسامح في زيادة، أو نقص أو تحقير عظيم، أو تعظيم حقير فتكذب رؤياه (٣).
стр. 183
وذكر ابن حجر ﵀ عن المهلب ﵀ في قوله ﵌: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح» قال: "المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم فإن الصدق فيهم نادر لغلبة تسلط الشياطين عليهم.
قال: فالناس على ثلاث درجات: الأنبياء، ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهي ثلاثة أقسام: "مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل الصدق فيها، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًا (١).
وقد تقع الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كرؤيا صاحبي السجن في قصة يوسف ﵇ ورؤيا الملك سبع بقرات.
ولذلك ترجم الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التعبير "باب رؤيا أهل السجود والفساد والشرك" (٢).
لقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٥٠].
стр. 184
وفي هذه إشارة إلى أن الرؤيا الصادقة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم.
يقول سماحة الشيخ عبد الله بن باز، ﵀ في تعليق على ترجمة البخاري السابقة: "يريد المؤلف ﵀ أن الرؤيا قد تقع من كافر أو فاسق وقد تصدق.
ولهذا قال البخاري ﵀ بعد ترجمة هذا الباب لقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ كأنه يحتج بالآيات على اعتبار الرؤيا الصادقة في حق أهل السجن والفساد والشرك، وهو أيضًا يوضح حكم الترجمة فإنه لم يتعرض فيها إلى بيان الحكم (١)
ويقول القرطبي ﵀: "في هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى لا سيما إذا تعلق بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقًا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله ﷻ وبين عباده (٢).
وهؤلاء وإن صدقت رؤياهم, فلا تعد من أجزاء النبوة، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
стр. 185
الفصل الثالث
علاقة الرؤى بالنبوة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: رؤيا الأنبياء وحي.
المبحث الثاني: كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.
стр. 186
المبحث الأول
رؤيا الأنبياء وحي
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه .
المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء.
المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق.
المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه
وفيه مطلبان
المطلب الأول: تعريف الوحي:
قال الجوهري في الصحاح: "الوَحْيُ: الكتابُ: والإشارةُ، والكِتَابَةُ، والرِسَّالةُ، والإِلْهامُ، والكَلامُ الخَفِيُّ، وكُلُّ ما أَلقيتَهُ إلى غَيْرِكَ، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو أن تكلِّمه بكلام تخفيه، وَوَحَيّتُ إليه بخبرِ كذا، أي أشرت وصَوَّتُ به رويدًا (١).
والوحي أيضًا: الكْتُبُ، والصَّوتُ يكون في الناس وغيرهم، وأوْحَى إليه، بَعَثَهُ وأَلَهَمَهُ (٢).
وأَوْحى ووَحى أيضًا: كتب (٣).
стр. 187
وقال ابن منظور: "قال أبو إسحاق، وأصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا".
وقال الأزهري: وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحيًا والكتابة تسمى وحيًا (١).
وقال الراغب الأصفهاني: أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة، قيل أمر وحي وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض (٢).
وهذه كلها إطلاقات الوحي في اللغة، أما في الشرع فإذا اطلق الوحي فإنه يخص من جهة مصدره وهو الله ، ومن جهة الموحى إليهم وهم الأنبياء.
قال ابن منظور في كتابه لسان العرب: "والوحي: ما يوحيه الله إلى أنبيائه.
قال ابن الأنباري في قولهم: أنا مؤمن بوحي الله، قال: سمي وحيًا لأن الملك أسرَّه على الخلق وخصَّ به النبي ﷺ المبعوث إليه.
قال الله : ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] معناه: يسر بعضهم إلى بعض، فهذا أصل الحرف ثم قصر الوحي للإلهام، ويكون للأمر، ويكون للإشارة.
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١٢] قال بعضهم ألهمتهم، كما قال : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
стр. 188
وقال ابن كثير ﵀ في قوله :
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وهو وحي إلهام بلا خلاف وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا (١).
فهذا وحي من الله بمعنى الإلهام وهو وحي عام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وليس كل من أوحي إليه الوحي العام يكون نبيًا فإنه قد يوحى إلى غير الناس، قال تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾) (٢).
قال ابن منظور: وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] معناه: إلا أن يوحي إليه وحيًا فيعلمه بما يعلم البشر أنه أعلمه، إما إلهامًا أو رؤيا، وإما أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على موسى، أو قرآنا يتلى كما أنزله على سيدنا محمد رسول الله ﷺ وكل هذا إعلام. وإن اختلفت أسباب الإعلام فيها (٣).
стр. 189
والقرآن الكريم قد استخدم إطلاقات كلمة الوحي كما وردت في اللغة، وهذا وحي عام للناس وغيرهم (١)، كما استعملها بالمعنى الخاص بالرسل، وهو إعلام خاص خفي من الله تعالى لرسله وأنبيائه، وهذا المعنى للوحي في الشرع أخص منه في اللغة من جهة مصدره وهو الله تعالى ومن جهة الموحى إليهم وهم الرسل (٢).
المطلب الثاني: أقسام الوحي:
قد بين الله في كتابه ورسوله ﷺ أقسام الوحي، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
ففي هذه الآية ذكر الله سبحانه أنواع التكليم العالم وهو بمعنى الوحي العام، كما ذكر ذلك عن السلف في تفسير هذه الآية.
سئل ابن شهاب (٣) ﵀ عن هذه الآية فقال: "نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين.
فالكلام كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله به إلى النبي من أنبيائه ﵈، فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي, فيكلم به النبي ﵊ وبينه، وهو كلام الله ووحيه.
стр. 190
ومنه ما يكون بين الله ورسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبنون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه.
ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان هذه الأقسام الثلاثة:
القسم الأول: الوحي وهو الإعلام السريع الخفي:
إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الصحاح.
وقال عبادة بن الصامت ﵁ ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) (٢).
وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكون في أمتي فعمر».
وفي رواية في الصحيح «مكلمون» (٣).
стр. 191
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
بل قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا (١).
ويقول الإمام البغوي ﵀ في تفسير قول الله ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ يوحى إليه في المنام أو بالإلهام (٢).
ويقول ابن الجوزي ﵀: والمراد بالوحي ههنا: الوحي في المنام (٣)، ولم يذكر غيره.
ووجه تفسير الآية بذلك بدليل مقابلة هذا القسم بالقسمين بعده، فلا بد أن يكون هذا الوحي في المنام أو الإلهام في اليقظة.
والآية لا شك أنها واردة في أقسام وحي الله إلى أنبيائه، أما تسمية الرؤيا الصالحة والإلهام في اليقظة اللذين يكونان لآحاد الناس، تسمية ذلك وحيا بهذا المعنى مما يشكل عند بعض الناس.
لكن قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة ومنامًا، استنادًا للآيات والأحاديث الواردة في ذلك.
стр. 192
فقوله : ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ فهذا سماه الله وحيا وهو إلهام في اليقظة، لأن الحواريين ليسوا بأنبياء، ومثل ذلك يقال في وحيه لأم موسى.
واستدل ﵀ على تسمية الرؤيا الصالحة لآحاد الناس وحيًا، بقوله ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
وحديث عبادة بن الصامت ﵁: «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام» فهذا الحديث إن صح جاز تسمية الرؤيا الصالحة وحيا، وتسميتها كلامًا بالمعنى العام.
ويقول ﵀ في تفسير المعوذتين: وإذا كان ما يوحيه الله إلى عبادة تارة يكون بواسطة ملك، وتارة بغير واسطة، فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].
وإذا كان قد قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] فذكر أنه يوحي إليهم، فإلى الإنسان أولى.
وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام
стр. 193
وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور، وهذا أمر بالتقوى، والأمر لا بد أن يقترن به خبر.
وهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي والوسوسة، فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو إلهام الوحي، وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان.
إلى أن قال ﵀: لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم (١).
ويقول أيضا ﵀ في كتاب النبوات:
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم».
وقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام الرب عنده في منامه فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون يوحي إليهم هذا الحديث الذي هو لهم خطاب وإلهام وليسوا بأنبياء معصومين مصدقين في كل ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب بل من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين يفرقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان (٢).
стр. 194
وبذلك يرد على من يمنع تسمية الإلهام "التحديث" والرؤيا الصالحة وحيًا وإلهامًا إلهيًا، وحجة هؤلاء هو الرد على المبتدعة من مدعي النبوة وغيرهم من المتصوفة (١).
ويقال لهم:
أولاً: إن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على تسمية الإلهام والرؤيا الصالحة وحيًا كما أوحى الله إلى الحواريين وإلى مريم.
ثانيًا: أن القول بأن هذه الأمور إلهام إلهي هذا لا يعني أنها مصادر التشريع والتلقي.
ثالثًا: ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك؛ لأن الوسواس غالب على الناس.
القسم الثاني: التكليم من وراء حجاب:
كما كلَّم الله موسى ﵇، ولهذا سمى الله هذا نداء فقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١١ - ١٣].
وهذا التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
стр. 195
وقال تعالى بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]؛ فهذا تكليم خاص من وراء حجاب بلا واسطة.
القسم الثالث: التكليم بواسطة الرسول ﷺ :
ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، فهذا إيحاء الرسول الذي هو جبريل، وهذا غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام.
وهذا القسم من أقسام الوحي أنواع كثيرة:
١ - أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس، وكان هذا النوع أشد الأنواع على الرسول ﷺ فيتلبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.
كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيعلمني فأعي ما يقول» (١).
٢ - أن يتمثل له الملك رجلاً يكلمه، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا، كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (٢) وكما تمثلت الملائكة لإبراهيم ولوط في صورة الآدميين، كما أخبر الله بذلك في غير موضع.
стр. 196
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء الملك وخطابه وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء، فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك، وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت (١).
٣ - أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما يشاء الله أن يوحيه، وهذا وقع لنبينا محمد ﷺ مرتين.
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤].
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لم أره - يعني جبريل - على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» (٢).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁ أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه على صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج (٣).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث عائشة ﵂ قالت: «لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد» (٤).
ومما ينبغي التنبيه عليه دفعًا لما قد يشكل في إطلاق لفظ الوحي ولفظ التكليم في مواضع من كتاب الله تعالى ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية
стр. 197
رحمه الله بقوله: "وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
واندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣].
وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم.
كما أن الوحي المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم الخاص الكامل؛ كما قال تعالى لزكريا: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١٠، ١١]؛ فالإيحاء ليس بتكليم ولا يناقض الكلام.
وقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]: إن جعل معنى الاستثناء منقطعًا اتفق معنى التكليم في الآيتين، وإن جعل متصلاً كان التكليم مثل التكليم في سورة الشورى، وهو التكليم العام (١).
стр. 198
المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء
بوَّب الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح في الكتاب الأول منه كتابًا بعنوان كتاب بدء الوحي، ثم ذكر فيه ستة أبواب:
الباب الأول: باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، وقول الله ذكره ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ومناسبة الآية للترجمة واضح من أن صفة الوحي إلى نبينا ﷺ توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.
ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة (٢).
ويؤيد ذلك حديث عائشة ﵂ في أول ما بدئ به النبي ﷺ من الوحي حيث كانت الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
فالرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي.
وهذا الحديث في بدء الوحي خرجه أئمة الحديث أصحاب الجوامع، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة، والمستخرجات والمصنفات ومدونو السيرة النبوية وحفاظ أحاديثها.
стр. 199
وقد تعددت روايات هذا الحديث، وخلاصتها ما تضمنتها روايات إمام المحدثين الإمام البخاري ﵀ في جامعه الصحيح؛ حيث ساق حديث بدء الوحي في ثلاثة مواضع من كتابه الجامع الصحيح.
الموضع الأول: في كتاب بدء الوحي، الحديث الثالث: أخرج بسنده عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ .. الحديث (١).
الموضع الثاني: في كتاب التفسير، باب ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] بلفظ: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم .. الحديث (٢).
الموضع الثالث: في كتاب التعبير، الباب الأول منه، باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة (٣).
فالحاصل من هذه الروايات أن النبي ﷺ بديء بالرؤيا الصادقة في أول مراتب النبوة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم بعد ذلك جاءه الوحي يقظة.
стр. 200
ولا شك أن مجيء الملك في غار حراء كان أول مراتب الوحي في اليقظة؛ وهو وحي الرسالة الذي به بدأ نزول القرآن، ولم يرد أن وحيًا مناميًا انفرد بنزول شيء من القرآن الكريم (١).
قال السيوطي في الاتقان: "إن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة (٢).
والنبي ﷺ لما سئل: كيف يأتيك الوحي؟ في حديث الحارث بن هشام، قال ﷺ : «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (٣).
فلم يذكر النبي ﷺ في هذا الحديث رؤيا المنام، وهذا تصريح منه ﷺ بأنه لم يتلق شيئًا من القرآن عن طريق الرؤيا.
وما ذكر من أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ في المنام بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ .. الحديث (٤).
نقول: إن ثبت هذا الحديث فإنه لا يعارض حديث عائشة ﵂ ويمكن أن يجمع بين الحديثين إن صح الأخير بأن تقول أن النبي ﷺ جاءه جبريل في المنام قبل اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به؛ لأن أمر النبوة عظيم.
стр. 201
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "فقول أم المؤمنين عائشة ﵂: أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار (١)، عن عبيد بن عمير الليثي (٢)، أن النبي ﷺ قال: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ثم أرسلني». وذكر نحو حديث عائشة سواء؛ فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرِّحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة (٣).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وإن ثبت مرسل عبيد بن عمير أنه أوحى إليه بذلك في المنام أولًا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام» (٤).
стр. 202
المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق
لا خلاف بين العلماء في أن رؤيا الأنبياء وحي، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
يقول ابن القيم ﵀: «ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة» (١).
ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل ﵉ وكيف أقدم على ذبح ابنه وعدَّ ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: يا أبت افعل ما تؤمر.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].
ووجه الاستدلال من هذه الآية أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا للأنبياء لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ابنه (٢).
стр. 203
ولذلك ذكر الله في كتابه بعض مرائي أنبيائه، فقال عن يوسف ﵇: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٤، ٥].
وقال تعالى في نهاية القصة: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].
وكذلك ذكر الله سبحانه في كتابه قصة رؤيا نبينا محمد ﷺ في غزوة بدر؛ قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣].
وكذلك رؤيا نبينا محمد ﷺ في قصة الحديبية:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].
فقد كان النبي ﷺ رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر بذلك أصحابه وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا ستقع هذا العام، فلما صدهم المشركون عن دخول مكة عام
стр. 204
الحديبية وصالحهم رسول الله ﷺ على أن يرجعوا عامهم ذلك، على أن يعودوا في العام المقبل وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال للنبي ﷺ : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام. قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به» (١).
وقد وقع تصديق رؤيا النبي ﷺ في عمرة القضاء.
وكذلك جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في رؤى النبي ﷺ وأنها وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، ويجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، وهي كذلك من دلائل نبوته؛ إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت كما أخبر، ومن ذلك:
١ - أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، فإذا هي المدينة، ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا الله به بعد يوم بدر» (٢).
٢ - أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب
стр. 205
فكبرا عليَّ وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتها الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة» (١).
٣ - أخرج مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب» (٢).
٤ - أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بُعثت بجوامع الكلم، ونصرتُ بالرعب، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي».
وفي لفظ للبخاري: «أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب، وبينما أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي»، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله ﷺ ، وأنتم تنتقلونها» (٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث، والتي أكثرها متفق عليه في الصحيحين (٤).
وكون رؤيا النبي ﷺ وحي، وأن ذلك من دلائل نبوته ﷺ هذا أمر مستقر في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 206
ولهذا تقول عائشة ﵂ في قصة الإفك: كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني، كما أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده (١).
ويقول معاذ ﵁: إن رسول الله ﷺ كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق. أخرجه أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في كتاب السنة بلفظ: ما رأى في نومه وفي يقظته فهو حق (٢).
وإنما كانت رؤيا الأنبياء وحيًا لأسباب، منها:
١ - أنهم معصومون من أن يتمثل لهم الباطل في صورة الحق، ولم يجعل الله للشيطان أو الخيال عليهم سبيلا، فلذلك فرؤياهم حق.
٢ - من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم.
كما جاء في الصحيحين وموطأ الإمام مالك من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي» (٣)، وفي لفظ للبخاري: «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ..».
وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.
ويقول الإمام البغوي ﵀: "ونومه مضطجعًا حتى نفخ، وقيامه إلى الصلاة من خصائصه؛ لأن عينه كانت تنام ولا ينام قلبه؛ فيقظة قلبه تمنعه من الحدث، وإنما منع النوم قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه" (٤).
стр. 207
ويقول النووي ﵀: قوله ﷺ : «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي». هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسبق في حديث نومه ﷺ في الوادي؛ فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت الشمس (١)، وأن طلوع الشمس متعلِّقٌ بالعين لا بالقلب (٢).
وأما قوله ﷺ كما في حديث عائشة ﵂: «أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة (٣) من حرير فيقول: هذه امرأتك فاكشفها. فإذا هي أنت». فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» (٤).
فمما لا ريب فيه أن رؤيا الأنبياء ﵈ حق، وعلى هذا اختلف العلماء في قوله ﷺ : «إن يكن هذا من عند الله يمضه».
فذهب القسطلاني إلى أن مراده: إن تكن هذه الرؤيا على وجهها؛ بأن لا تحتاج إلى تعبير وتفسير - يمضها الله، وينجزها؛ فالشك عائد إلى أنها على ظاهرها أو تحتاج إلى تعبير (٥).
وقال الكرماني: يحتمل أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة، وأن تكون بعدها وبعد العلم؛ فإن رؤياه وحي؛ فعبَّر عما علمه بلفظ الشك ومعناه اليقين إشارةً إلى
стр. 208
أنه لا دخل له فيه، وليس ذلك باختياره وفي قدرته (١).
ورؤيا الأنبياء منها ما لا يحتاج إلى تعبير كرؤيا إبراهيم ﵇، ومنها ما يحتاج إلى تعبير كرؤيا يوسف ﵇.
أما الأثر الذي فيه: «رؤيا الأنبياء وحي». فقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وروي موقوفًا على ابن عباس ﵄، وروي مقطوعًا على عبيد الله بن عمير ﵁.
أما المرفوع: فروى ابن أبي حاتم من طريق سماك (٢) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا الأنبياء في المنام وحي».
ذكره ابن كثير ﵀ في تفسيره، ثم قال: «وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه» (٣).
أما الموقوف على ابن عباس ﵁، فأخرج ابن جرير في تفسيره، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، عن ابن عباس ﵁ قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيًا (٤).
стр. 209
وأورد ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل موقوفًا على ابن عباس بلفظ: «رؤيا الأنبياء وحي» (١).
وقال عنه البوصيري في إتحاف المهرة: رواته ثقات (٢).
أما المقطوع - ونعني به أنه من قول التابعي - فأخرج البخاري في صحيحه من طريق عبيد بن عمير قال: رؤيا الأنبياء وحي. ثم قرأ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٣).
وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق أيضًا وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات (٤).
وعزاه الحافظ ابن حجر في الفتح لمسلم مرفوعًا، وقد بحثت عنه في مظانه فلم أجده (٥).
стр. 210
المبحث الثاني
كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة .
المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.
المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة.
المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟
المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة
أحاديث الرؤيا الصالحة وكونها جزءًا من أجزاء النبوة خرجها أئمة الحديث أصحاب الجوامع كالصحيحين وغيرهما، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة والمستخرجات والمصنفات، ومدونو السيرة النبوية وحفَّاظها، حتى بلغت هذه الأحاديث حدَّ التواتر، كما ذكر السيوطي في كتابه قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة (١) وذكرها الزبيدي في كتابه لقط اللآليء المتناثرة في الأحاديث المتواترة (٢).
стр. 211
وقد رويت هذه الأحاديث عن أكثر من خمسة عشر صحابيًا.
يقول الزرقاني في شرح الموطأ بعد أن ذكر الحديث الذي فيه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال: "والحديث متواتر عن جمع من الصحابة" (١).
والأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من النبوة على قسمين:
القسم الأول: أحاديث ذكرت فيها الرؤيا الصالحة وأنها جزء من أجزاء النبوة دون التعرض لبيان ومقدار هذه الأجزاء، ومن هذه الأحاديث:
١ - أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي والحاكم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت, فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة» (٢).
٢ - أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة» (٣).
стр. 212
ومثلها الأحاديث التي مرت معنا في مبحث المبشرات كحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات، قال: «الرؤيا الصالحة» وحديثي عائشة وأبي الطفيل وغيرهما (١).
القسم الثاني: الأحاديث التي ورد فيها بيان أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة مع تحديد هذا الجزء، وقد اختلفت الروايات في حديد هذا الجزء، أصحها ثماني روايات وهي كما يلي:
١ - رواية ستة وعشرون:
أخرجها ابن عبد البر ﵀ من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢).
٢ - رواية أربعين جزءًا:
أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة» (٣).
٣ - رواية: «أربعة وأربعين جزءًا».
стр. 213
أخرج الطبري من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).
٤ - رواية: «خمس وأربعين جزءًا».
أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).
وأخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة».
قال يزيد بن الهاد أحد رواة الحديث سمعت مسلمة يحدث عن أبي هريرة عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: لو كانت حصاة من عدد الحصى لرأيتها صدقًا (٣).
٥ - رواية «ستة وأربعين جزءًا من النبوة»
وهي أشهر الروايات، واتفق عليها من حديث أبي هريرة ومن حديث عبادة بن الصامت ومن حديث أنس ﵃.
فأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤).
стр. 214
وأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قتادة عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت بمثله (١).
وأخرج الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).
وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري بمثله (٣).
وأخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبي رزين بلفظ «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤).
٦ - رواية «تسعة وأربعين جزءًا من النبوة».
أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبري في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، وهي جزء من تسعة وأربعين
стр. 215
جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا» (١).
٧ - رواية (خمسين جزءًا من النبوة)
أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث سليمان بن عريب ﵁ قال: ذكرت لابن عباس حديث أبي هريرة، فقال: جزء من خمسين, فقلت له: إني سمعت أبا هريرة، فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءًا من النبوة» (٢).
٨ - رواية «سبعين جزءًا من النبوة»:
وقد جاءت هذه الرواية في عدة أحاديث منها: ما أخرجه الإمام أحمد في مسند والإمام مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» (٣).
وأخرجها الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة (٤).