← Акыда

Акыда · id 35723

الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين

سهل العتيبي

Полный текст (479 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقد رويت هذه الأحاديث عن أكثر من خمسة عشر صحابيًا. يقول الزرقاني في شرح الموطأ بعد أن ذكر الحديث الذي فيه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال: "والحديث متواتر عن جمع من الصحابة" (١). والأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من النبوة على قسمين: القسم الأول: أحاديث ذكرت فيها الرؤيا الصالحة وأنها جزء من أجزاء النبوة دون التعرض لبيان ومقدار هذه الأجزاء، ومن هذه الأحاديث: ١ - أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي والحاكم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت, فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة» (٢). ٢ - أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة» (٣).

стр. 212

ومثلها الأحاديث التي مرت معنا في مبحث المبشرات كحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات، قال: «الرؤيا الصالحة» وحديثي عائشة وأبي الطفيل وغيرهما (١). القسم الثاني: الأحاديث التي ورد فيها بيان أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة مع تحديد هذا الجزء، وقد اختلفت الروايات في حديد هذا الجزء، أصحها ثماني روايات وهي كما يلي: ١ - رواية ستة وعشرون: أخرجها ابن عبد البر ﵀ من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢). ٢ - رواية أربعين جزءًا: أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة» (٣). ٣ - رواية: «أربعة وأربعين جزءًا».

стр. 213

أخرج الطبري من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعة وأربعين جزءًا من النبوة» (١). ٤ - رواية: «خمس وأربعين جزءًا». أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة» (٢). وأخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة». قال يزيد بن الهاد أحد رواة الحديث سمعت مسلمة يحدث عن أبي هريرة عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: لو كانت حصاة من عدد الحصى لرأيتها صدقًا (٣). ٥ - رواية «ستة وأربعين جزءًا من النبوة» وهي أشهر الروايات، واتفق عليها من حديث أبي هريرة ومن حديث عبادة بن الصامت ومن حديث أنس ﵃. فأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤).

стр. 214

وأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قتادة عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت بمثله (١). وأخرج الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢). وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري بمثله (٣). وأخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبي رزين بلفظ «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤). ٦ - رواية «تسعة وأربعين جزءًا من النبوة». أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبري في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، وهي جزء من تسعة وأربعين

стр. 215

جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا» (١). ٧ - رواية (خمسين جزءًا من النبوة) أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث سليمان بن عريب ﵁ قال: ذكرت لابن عباس حديث أبي هريرة، فقال: جزء من خمسين, فقلت له: إني سمعت أبا هريرة، فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءًا من النبوة» (٢). ٨ - رواية «سبعين جزءًا من النبوة»: وقد جاءت هذه الرواية في عدة أحاديث منها: ما أخرجه الإمام أحمد في مسند والإمام مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» (٣). وأخرجها الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة (٤).

стр. 216

وأخرجها الإمام أحمد أيضًا في مسنده وأبو يعلى في مسنده من حديث ابن عباس (١). وأخرجها ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري (٢). وأخرجها عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة من حديث مسعود (٣). وأخرجها ابن جرير الطبري من حديث عبادة بن الصامت (٤). وأخرجها ابن حبان من حديث أبي زرين العقيلي (٥). وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ هذه الأحاديث ثم قال: "فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين (٦) وبين ذلك أربعين، وأربعة وأربعين، وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وسبعة وأربعين (٧) وتسعة وأربعين، وخمسين، وسبعين» أصحها مطلقا الأول، يعني ستة وأربعين، ويليه السبعين، ووقع في شرح النووي منه

стр. 217

رواية عبادة (أربعة وعشرين) وفي رواية ابن عمر ستة وعشرين (١) وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبري (٢) ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة فذكر بعض ما تقدم، وزاد في رواية (اثنين وأربعين) وفي أخرى (اثنين وسبعين) وفي أخرى (سبعة وعشرين) وفي أخرى (خمسة وعشرين) (٣) فبلغت على هذا خمسة عشر لفظًا (٤). المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة دلَّت الأحاديث السابقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فما معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة؟ وهل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة شيء من النبوة؟ والجواب: أن الرؤيا الصالحة لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون الرؤيا الصالحة من الأنبياء: فهي في هذه الحالة جزء من أجزاء النبوة، لما سبق تفصيله في كون رؤيا

стр. 218

الأنبياء وحي. قال الخطابي ﵀: ومعنى الحديث؛ تحقيق الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه ويحققونه، وأنها كانت جزءًا من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم، والله أعلم (١). وقال البغوي ﵀: قوله: «جزء من النبوة» أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم (٢). وقال الكرماني ﵀: قوله: «من النبوة» أي: في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة (٣). وهذا التوجيه لهذه الأحاديث وإن كان لا خلاف فيه، فإنه غير وارد في هذه الأحاديث، لأنها جاءت في بيان رؤيا الرجل الصالح أو رؤيا المؤمن ونسبتها إلى النبوة فما معنى كون رؤيا المؤمن جزءًا من أجزاء النبوة؟ وليس رؤيا الأنبياء. الحالة الثانية: أن تكون الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح: للعلماء ﵏، في بيان معنى كون رؤيا المؤمن الصالح جزءًا من أجزاء النبوة توجيهان: التوجيه الأول: أن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة: قال الخطابي ﵀: قال بعض العلماء: أن الرؤيا تجيء موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة (٤).

стр. 219

وقال البغوي ﵀: وقيل: أراد به أنه كالنبوة في الحكم والصحة (١). وقال ابن العربي ﵀: القدر الذي أراده النبي ﷺ أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا، لأنه اطلاع على الغيب وذلك قوله: لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات (٢). وقال ابن عبد البر ﵀: وقد يحتمل أن تكون الرؤيا جزءًا من النبوة، لأن فيها ما يعجز كالطيران، وقلب الأعيان، ولها تأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل (٣). وقال ابن بطال ﵀: كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة مما يستعظم فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء وهو الإعلام لغة، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر (٤). وقال السفاريني ﵀ في شرح ثلاثيات المسند في معنى هذه الأحاديث: ومعنى ذلك أن الرؤيا الصالحة تجيء في الصحة والبيان، موافقة النبوة، لأن النبوة انقطعت بموته ﷺ (٥). وقال الحافظ بن حجر ﵀: قال ابن الجوزي: لما كانت النبوة تتضمن اطلاعًا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد، وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها (٦).

стр. 220

وقال ابن التين ﵀: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا (١). وقال الباجي ﵀: وصفها بأنها جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما سيكون في المستقبل على وجه يصح، ويكون من عند الله . وقال أبو زرعة العراقي ﵀: لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء ﵈، وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة، ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أن الرؤيا الواقعة للصالح تشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء، والتي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة، فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه (٢). فحاصل أقوال العلماء أن معنى قوله ﷺ : «الرؤيا الصالحة جزء من

стр. 221

أجزاء النبوة» أنها تشبه النبوة من جهة الاطلاع على شيء من الغيب، لا أنها جزء من النبوة. التوجيه الثاني: أنها جزء من أجزاء علم النبوة. وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية. وذكر هذا القول الإمامان الخطابي والبغوي رحمهما الله عن بعض العلماء (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء مناقشته للفلاسفة الذين يرون أن النبوة مكتسبة، وتحصل عندهم لآحاد الناس، فقال: "والذي يقرون به من النبوة يحصل ما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية وعملية، لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من جنس نسبة أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء، فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي ﷺ وكما في السنة عنه أنه قال: «الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢).

стр. 222

وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١). فلا ريب أن الشيء يكون جزءًا من النبوة أو الإيمان، ويكون من أصغر الشعب والأجزاء، كإماطة الأذى في الإيمان، أو كالرؤيا في النبوة، ولهذا قال ﷺ : «إنه لم يبق من النبوة بعدي إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» ولهذا كان هذا الجزء أول ما بدئ به الرسول ﷺ تدريجًا له كما في الصحيح عن عائشة قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد". وإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل لآحاد المؤمنين وليس هو نبيًا تبين أن ما يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من أجزاء النبوة، وما يذكرونه من الباطل هو مردود عليهم (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "والرؤيا الصالحة وإن كانت جزءًا من النبوة, فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يُسمَّى نبيًا

стр. 223

وليس كذلك (١). وقال أيضًا في قوله ﷺ : «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» ظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة، ويؤيده حديث أم كُرْز الكعبية قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ولأحمد عن عائشة مرفوعًا: «لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا». ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة» (٢).

стр. 224

فالحاصل أن الرؤيا الصالحة فيها إشعار للمؤمن بخبر سيقع ليغتنمه أو شرع سيقع ليحذره ويتجنبه ويأخذ أهميته واستعداده، فهي من هذا الوجه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لأن فيها أخبارًا لهذا المؤمن بأمر غيبي لم يقع، وإن كان لا يمكن الجزم والقطع بهذه الرؤيا، إلا إذا وقعت، لأنه قد يخطئ الذي يعبرها وقد تكون على خلاف ما ظنه. وفي جواب للشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عندما سئل عن معنى قوله النبي ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أجاب بقوله: معنى قوله ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن رؤيا المؤمن تقع صادقة, لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبرًا عن شيء واقع، أو شيء سيقع، فيقع مطابقًا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها، وإن كانت تختلف عنها، ولهذا كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (١). المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة الأحاديث السابقة وإن اختلفت ألفاظها فإنها متفقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وإنما اختلفت الروايات في أمرين: الأمر الأول: فيمن أضيفت إليه الرؤيا سكت عنه مرة، وذكره مرة أخرى، وسوف أُفَصِّل القول فيه، إن شاء الله في المسألة الرابعة. الأمر الثاني: في تحديد أجزاء النبوة، التي جعلت الرؤيا الصالحة جزءًا منها، ففيه من الروايات ما تقدم ذكره من ستة وعشرين، وأربعين وأربعة

стр. 225

وأربعين وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وتسعة وأربعين، وسبعين. وقد كثرت أقوال العلماء في توجيه هذه الروايات، ولهم في ذلك موقفان: الموقف الأول: الترجيح. الموقف الثاني: الجمع بين الروايات. الموقف الأول: من قال بالترجيح: وسبب هذا القول، وتوجيه النسبة فيه. يميل بعض العلماء إلى ترجيح روايات الستة والأربعين على غيرها، لأنها في نظرهم هي الأشهر والأصح (١). قال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل الحديث من ستة وأربعين (٢). وقال أبو زرعة العراقي بعد أن ذكر الروايات السابقة: "وأصحها وأشهرها ستة وأربعون، فإن ملنا إلى الترجيح فرواية الستة والأربعين أصح" (٣). والذين مالوا إلى ترجيح (ستة وأربعين) قالوا: إن السبب في ذكر هذا العدد أن النبي ﷺ بقي منذ أن أوحي إليه إلى أن توفي ثلاثًا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة، وبالمدينة عشر سنين وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء زمان النبوة (٤).

стр. 226

الجواب عن هذا القول: أن هذا الترجيح وبيان السبب فيه لا يصح من وجوه: الوجه الأول: أن أكثر الروايات صحيحة، بل أغلبها في الصحيحين، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها وطرح الباقي. قال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر الروايات في اختلاف عدد أجزاء النبوة، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهور، فلا يؤخذ بعضها ويترك الباقي كما فعل المازري (١). الوجه الثاني: ما ذكروه من أن النبي ﷺ يوحى إليه في منامه ستة أشهر، فكانت نسبة الرؤيا إلى زمن النبوة جزء من ستة وأربعين، هذا توجيه لا يصح وذلك لما يلي: أولا: أن هذه المدة من الستة الأشهر لم تثبت بدليل صحيح، بل إن هناك اختلافًا في قدر المدة التي بعد بعثة النبي ﷺ إلى موته. قال ابن العربي ﵀: وتفسيرها بمدة النبي ﷺ باطل؛ لأنه يفتقر إلى نقل صحيح ولا يوجد (٢). وقال النووي ﵀، لم يثبت أن أمد رؤياه ﷺ قبل النبوة ستة أشهر (٣). وقال الخطابي ﵀ بعد أن ذكر هذا التوجيه، وهذا وإن كان وجها قد تحتمله قسمة الحساب والعدد فإن أول ما يجب فيه أن يثبت ما قاله من ذلك

стр. 227

خبرًا ورواية، ولم نسمع فيه خبرًا، ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرًا فهو كأنه ظن وحسبان، والظن لا يغني من الحق شيئًا (١). ثانيًا: مما يبطل هذا التوجيه، أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى. ولهذا لما ذكر ابن القيم ﵀ التوجيه السابق قال: "وهذا حسن، لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة أنها جزء من سبعين جزءًا (٢). وعلى هذا فالصواب، إن شاء الله أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرجًا معقولاً (٣). الموقف الثاني: الجمع بين الروايات: قال أكثر العلماء لا منافاة بين هذه الروايات، لأن كل رواية منها لها مخرج معقول، ولكن كثرت أقوالهم في توجيه هذه الروايات. وسوف أذكر إن شاء الله أهم هذه التوجيهات، وأذكر ما أراه راجحًا مع بيان سبب الترجيح. القول الأول: أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي للرؤيا. واختار هذا القول الإمام ابن جرير الطبري ﵀ حيث بين أن الاختلاف في روايات هذه الأحاديث راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصادق الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، والفاجر من سبعين ولهذا لم

стр. 228

يشترط في وصف الرائي في السبعين ما اشترط في وصف الرائي في الحديث المذكور فيه «من ستة وأربعين» من كونه صالحًا. وأما ما بين ذلك فالنسبة لأحوال المسلمين (١). ورجح هذا القول أيضًا ابن العربي ﵀ حيث قال بعد أن ذكر الأقوال في الجمع بين الروايات: وأحسنها قول الطبري عالم القرآن والسنة (٢). وقال ابن عبد البر ﵀: اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف تضاد متدافع والله أعلم، لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا؛ تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة، فمن خلصت نيته في عبادة ربه، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب، كما أن الأنبياء يتفاضلون قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] (٣). وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ مؤيدًا هذا القول: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه (٤).

стр. 229

وممن رجح هذا القول الألباني ﵀ حيث قال: واعلم أنه لا منافاة بين قوله في هذا الحديث «إن الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين» وفي الحديث التالي: «جزء من ستة وأربعين» وفي حديث ابن عمر «جزء من سبعين» وغيره، فإن هذا الاختلاف راجع إلى الرائي، فكلما كان صالحا كانت النسبة أعلى، وقيل غير ذلك (١). القول الثاني: أن ذلك الاختلاف زيادة فضل من الله . قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الآثار: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ في الرؤيا، كم هي جزء من الأجزاء التي من النبوة؟ ثم ساق الأحاديث السابقة. ثم قال: قال هذا القائل: وهذا اضطراب شديد، فمرة تروون أنها جزء من سبعين من النبوة، ومرة تروون أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. فكان جوابنا في ذلك: أن جميع ما روينا من الآثار في هذا الباب يحتمل ما لا تضاد فيه، وهو أن الرؤيا جزء واحد من أجزاء النبوة جعلت بشارة، لحديث أم كرز - فذكر الحديث - وحديث أبي الدرداء فذكره (٢). قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكون الله كان جعلها في البدء جزءا من سبعين من النبوة فضلا منه عليه، وعطية منه إياه، ثم زاد بعد ذلك أن جعل العطية جزءا من ستة وأربعين ... (٣)

стр. 230

القول الثالث: أن هذا الاختلاف بحسب اختلاف رؤيا الأنبياء. قال ابن حزم ﵀: وقد تخرج هذه النسب والأقسام، على أنه ﵇ إنما أرد بذلك رؤيا الأنبياء ﵈، فمنهم من رؤياه جزء من ستة وعشرين جزءًا من خصائصه، وفضائله، ومنهم من رؤياه جزء من سبعين جزءًا من نبوته، وخصائصه وفضائله، وهذا هو الأظهر، والله أعلم، ويكون خارجًا على مقتضى الحديث بلا تأويل ولا تكليف (١). ولكن هذا التوجيه مع أنه لا دليل عليه وفيه تكلف، فهو أيضًا لا يستقيم, لأنه يجعل الرؤيا الصالحة خاصة بالأنبياء وقد قال ﷺ : «رؤيا المؤمن». القول الرابع: أن هذا الاختلاف بحسب خفاء الرؤيا وجلائها. قال المازري ﵀: وقيل إن المنامات دلالات، والدلالات منها خفي، ومنها ما هو جلي، فما ذكر فيه السبعون أريد به أنه الخفي منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أريد به الجلي منها (٢). وقال ابن أبي جمرة ﵀: إن النبوة جاءت بالأمور الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبينًا في موضع آخر، وكذلك المرائي فيها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يعرج عليه جزء من أجزاء النبوة، وذلك الجزء يكثر مرة، ويقل أخرى بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقل ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهم ما بين ذلك (٣).

стр. 231

وقريب من هذا القول ما قاله ابن حزم ﵀ في كتابه الأصول والفروع: ما كان في الرؤيا صادقًا فهو من قبل الله تعالى، ثم تتفاضل في الصحة، والنقاء من الأضغاث، فيكون أعلاها منزلة في ذلك من سبعة وعشرين جزءًا من النبوة إلى جزء من سبعين جزءًا من النبوة (١). القول الخامس: أن هذا الاختلاف بحسب تعدد طرق الوحي. قال القاضي عياض ﵀، ويحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما ألقي في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به الملك وهو على صورته، أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه في النوم إلى غير ذلك مما وقفنا عليه، ومما لم نقف عليه فتكون الحالات إذا عددت انتهت إلى العدد المذكور (٢). قال أبو العباس القرطبي ﵀ معقبا على كلام القاضي: ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلا عن السبعين وقال ابن حجر ﵀: والذي نحاه القاضي سبقه إليه الحليمي، وقد قصد الحليمي في هذا الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فذكر وجوها من الخصائص العلمية للأنبياء، تكلف في بعضها، حتى أنهاها إلى العدد المذكور، فتكون الرؤيا واحدًا من تلك الوجوه (٣). ويضاف إلى هذا التكلف أنه لا يجمع بين الروايات المختلفة. القول السادس: أن هذا الاختلاف بحسب خصال النبوة.

стр. 232

حيث قال أبو العباس القرطبي ﵀: المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة كما في الحديث الآخر «التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» (١) أي من مجموعة خصال تبلغ أجزاؤها ستة وعشرين، هذه الثلاثة جزء منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أجزاء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمان وسبعون ويصح أن نسمي كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا خصلة, فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين، ويصح أن نسمي كل أربعة منها جزءًا فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصفًا. فتختلف أسماء العدد المجزئ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا لا يكون اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة (٢). ورحم الله القرطبي عندما قال بعد هذا التوجيه: وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك، مع أنه لم ينشرح به الصدر، ولا اطمأنت إليه النفس، وهو كما قال: القول السابع: أن هذا الاختلاف بحسب درجات الأنبياء. قال ابن أبي جمرة ﵀ ليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلا في كونها حقا، فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء.

стр. 233

فنسبتها من أعلاهم وهو من ضم له إلى النبوة الرسالة، أكثر ما ورد من العدد، ونسبتها إلى الأنبياء غير المرسلين أقل ما ورد من العدد، وما بين ذلك ومن ثم أطلق في الخبر النبوة، ولم يقيدها بنبوة نبي بعينه (١). القول الثامن: أن هذا الاختلاف بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي ﷺ . قال الحافظ ابن حجر ﵀، ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد؛ أنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي ﷺ بذلك, كأن يكون لمَّا أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل عشرين حدث بأربعين، ولما أكمل اثنتين وعشرين، حدث بأربعة وأربعين بعدها بخمسة وأربعين، ثم بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين، فضعيف، ورواية الخمسين تحتمل أن تكون لجبر الكسر، ورواية السبعين للمبالغة، وما عدا ذلك لم يثبت، وهذه مناسبة لم أر من تعرض لها (٢). ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف وخاصة في آخرها، مع أنه لا دليل عليه. وقريب من قول الحافظ ما قاله ابن أبي جمرة في قوله ﷺ : «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» (٣).

стр. 234

قال: "ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن (١). القول التاسع: أن هذا الاختلاف من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها. وهذا القول هو الراجح والأقرب والأظهر إن شاء الله تعالى. وقال بهذا القول جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين. قال الخطابي ﵀: إن هذا الخبر صحيح، وجملة ما فيه حق، وليس كل ما يخفى علينا علته لا تلزمنا صحته، وقد نرى أعداد ركعات الصلوات وأيام الصيام، ورمي الجمار محصورة في حساب معلوم، وليس يمكننا أن نصل من علمها إلى أمر توجب حصرها تحت هذه الأعداد دون ما هو أكثر منها، أو أقل، فلم يكن ذهابنا عن معرفة ذلك قادحًا في موجب الاعتقاد منا في اللازم من أمرها. وهذا كقوله ﷺ في حديث آخر: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢)، وتفصيل هذا العدد وحصر النبوة به متعذر لا يمكن الوقوف عليه، وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من هدي الأنبياء وشمائلهم ومن جملة شيمهم وأخلاقهم فكذلك الأمر في الرؤيا أنه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (٣).

стр. 235

وقال ابن العربي ﵀: "القدر الذي أراده النبي ﷺ أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا؛ لأنه اطلاع على الغيب، وذلك قوله: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات» (١). وتفصيل النسبة تختص به درجة النبوة إلى أن قال: "وأنا موعز إليكم إلا تتعرضوا لأعداد الشريعة فإنها ممتنعة عن إدراكها في متعلقاتها" (٢). وبهذا قال المازري ﵀ مبينًا أنه لا يلزم العلماء أن يعرفوا كل شيء جملة وتفصيلا وقد جعل الله سبحانه للعلماء حدا يقفون عنده، فمنها ما لا يعلمونه أصلا ومنها ما يعلمونه جملة ولا يعلمونه تفصيلاً وهذا منه (٣). وقال أبو زرعة العراقي ﵀: ولا يمكن إلغاء النسب بعد ذكر النبي ﷺ لها، وغايته أن لا يصل علمنا إلى حقيقة ذلك، فنؤمن به، ونكل علمه إلى عالمه (٤). وقال القسطلاني ﵀: وقلما يصيب مؤوِّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما تشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في بقيتها (٥). وقال التوريشتي ﵀: وأما وجه تحديد الأجزاء بسبعة وأربعين، فأرى ذلك مما يتجنب القول فيه، ويتلقى بالتسليم، فإن ذلك من علوم النبوة التي لا تقابل بالاستنباط، ولا يتعرض لها بالقياس (٦).

стр. 236

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "وتخصيص الجزء بستة وأربعين جزءًا من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها كأعداد الركعات والصلوات (١). وقد بين للقارئ السبب الذي حمل أولئك العلماء إلى تلك التفسيرات بأنه قد هالهم القول بأن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فذهبوا إلى تلك التفسيرات التي ذكرتها سابقًا (٢). والحاصل أن يقال أن هذه الأعداد من الأمور التي يعلمها العلماء جملة لا تفصيلا فإنه لم يحدث لأحد من العلماء أن اطلع على أجزاء النبوة، ثم قاس الرؤيا عليها، وعدد هذه الأجزاء جزءًا جزءًا. ولا حرج على أحد أن يأخذ بظاهر قوله ﷺ : «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» فإن جزء النبوة لا يكون نبوة كما أن جزء الفاتحة لا يكون صلاة. وخلاصة أسباب الترجيح ما يلي: ١ - أن هذه الأعداد كأعداد الصلوات، والركعات، وأيام الصيام، ورمي الجمار، التي لا نعلم حكمتها. ٢ - أن هذه من الأمور التي يعلمها العلماء إجمالاً لا تفصيلاً. ٣ - أن علوم الأنبياء لا تقابل بالاستنباط والقياس. مع أننا إذا ذكرنا بعض التعليلات، فما ذكره عالم الكتاب والسنة ابن جرير الطبري ﵀ توجيه حسن وهو أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي.

стр. 237

المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة ؟ الرؤيا الصادقة قد تقع من الكافر كما سبق تفصيل ذلك، والأحاديث التي ذكرتها في هذا البحث جاءت مقيدة ومطلقة فيمن أضيفت إليه الرؤيا. فمرة جاءت مقيدة بالرؤيا من المؤمن، ومرة برؤيا المسلم، ومرة بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح. وفي بعض الروايات أطلقت الرؤيا الصالحة فلم تقيد بكونها من المؤمن، أو غيره، وهذه الروايات قليلة، فهل تدخل رؤيا الكافر الصادقة في هذا الإطلاق فتنسب إلى أجزاء النبوة أو لا؟ والجواب أن لأهل العلم ﵏ في هذه المسألة قولان: القول الأول: يظهر من كلام ابن عبد البر ﵀ أنه يرى العموم. حيث قال في قوله ﷺ : «يراها الرجل الصالح أو ترى له» قال: فظاهره أن لا تكون الرؤيا من النبوة جزءًا من ستة وأربعين، إلا على ذلك الشرط للرجل الصالح أو منه. وفي حديث ابن عباس «يراها المسلم» ولم يقل صالحًا ولا طالحًا، وفي بعض ألفاظه، «يراها العبد» وهذا أوسع أيضًا. وقوله: «أو ترى له» عمومه من الصالح وغيره والله أعلم (١). ويرى ﵀ أن الاختلاف في هذه القيود مثل الاختلاف في أجزاء النبوة حيث قال: وأما قوله ﷺ في الحديث: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح»

стр. 238

وربما جاء في الحديث «الرؤيا الصالحة» فقط، وربما جاء في الحديث أيضًا «رؤيا المؤمن» فقط وربما جاء «يراها الرجل الصالح أو ترى له» يعني من صالح وغير صالح، وهي ألفاظ المحدثين، والله أعلم بها. والمعنى عندي - أي ابن عبد البر - في ذلك على نحو ما ظهر لي في الأجزاء المختلفة من النبوة (١). وسبق أنه يرى ﵀ في اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة أن ذلك على حسب ما يكون الذي يراها من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد (٢). فالذي يظهر من كلامه يرحمه الله أنه يرى أن ذلك ليس بعيدًا، وأن رؤيا غير الصالح قد تنسب إلى أجزاء النبوة، لكنها من أقصى الأجزاء الواردة في الأحاديث. القول الثاني: يرى جماهير أهل العلم، أن رؤيا الكافر الصادقة لا تنسب إلى أجزاء النبوة. واستدلوا بتقييد الرؤيا الصالحة بالرجل الصالح أو المسلم أو المؤمن، وأما الروايات التي جاءت مطلقة فتحمل على المقيد. وقالوا: إن الصالح حاله هو الذي يناسب حال النبي ﷺ بخلاف الكافر (٣).

стр. 239

قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «من الرجل الصالح» هذا يقيد ما أطلق في غير هذه الرواية، كقوله «رؤيا المؤمن» ولم يقيدها بكونها حسنة، ولا بأن رائيها صالح (١). فإن قيل: قد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه، كرؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ورؤيا الفتيين في السجن. وقد ترجم البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح،، بابًا بعنوان باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك (٢). فالجواب: أن الكافر والفاسق وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، بدليل أن الكاهن والمنجم قد يحدث أحدهم ويصدق ولكن على الندرة والقلة. وكذلك رؤيا الكافر قد تصدق لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المختلفة الفاسدة (٣). وأما ترجمة البخاري في صحيحه بباب رؤيا أهل السجون، فقال المهلب ﵀: إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءًا من النبوة (٤).

стр. 240

قال ابن حزم ﵀: وقد تصدق رؤيا الكافر ولا تكون حينئذ جزءًا من النبوة، ولا من المبشرات، ولكن إنذارًا له ولغيره ووعظًا (١). وقال أبو بكر بن العربي ﵀: وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد من أجزاء النبوة، وقيل تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلا (٢). فالحاصل أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا كانت من مسلم صادق، ومن ثم جاءت مقيدة في أغلب الأحاديث، وما جاء في بعض ألفاظها من الإطلاق، فيحمل المطلق على المقيد، وبهذا الإطلاق تخرج رؤيا الكافر الصادقة.

стр. 241

الباب الثاني أقوال المخالفين في الرؤى ومناقشتهم وفيه فصلان: الفصل الأول: نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم. الفصل الثاني: مذهب الصوفية في الرؤى والرد عليهم.

стр. 242

تمهيد تقدم في الباب الأول حقيقة الرؤى وأقسامها عند أهل السنة والجماعة، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والمسلم الحق يجب أن يكون وقافًا عند أمر الله تعالى لا يجاوزه ولا يقصر فيه، وكل انحراف عن أمر الله إنما هو نزعة من الشيطان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه. وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه، حتى أخرجه عن كثير من شرائعه (١). وقال ابن القيم ﵀: وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة. وإما إلى إفراط وغلو. ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الكافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له،، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد (٢).

стр. 243

فالإفراط والتفريط كلاهما تضييع لأمر الله وعدم تعظيم له، وقد حصل الإفراط والتفريط في الرؤى. فمن الناس من أنكر جوانب من الرؤى، فأنكر الرؤيا الصادقة، كالماديين في عصرنا وفي كل عصر، كأتباع مدرسة التحليل النفسي. وفي مقابل هؤلاء هناك من يعتمدون على الرؤى في حياتهم كأنها وحي, بل منهم من يجعلها حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة. فهؤلاء وهؤلاء لهم في الرؤى تخرصات وتخبطات، وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان. وسوف أعرض إن شاء الله، مذهب كل طائفة في الرؤى ثم أقوم بمناقشة آرائهم وذلك من خلال الفصلين التاليين. الفصل الأول: نظريات علماء النفس في الرؤى، ومناقشتهم ويمثل هذا جانب التفريط والتقصير. الفصل الثاني: مذهب الصوفية في الرؤى، والرد عليه ويمثل جانب الإفراط والغلو.

стр. 244

الفصل الأول نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم وفيه تمهيد ومبحثان: تمهيد: تعريف علم النفس. المبحث الأول: نظرية التحليل النفسي ومناقشتها. المبحث الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية ومناقشتها.

стр. 245

تمهيد تعريف علم النفس وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف علم النفس . المسألة الثانية: نشأته وأطواره. المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس. المسألة الأولى: تعريف علم النفس عرف بعضهم علم النفس بأنه: العلم الذي يدرس الحوادث النفسية؛ فكما أن علم الاجتماع يدرس حوادث المجتمع، فعلم النفس يدرس حوادث النفس من صور وأفكار وعواطف وميول. وعرف آخرون علم النفس، بأنه دراسة السلوك البشري. وقالوا إن مهمة العالم النفسي ليست سوى وصف أعمال الجنس البشري بصورة دقيقة. ولكن إذا نظرنا إلى هذين التعريفين، وجدنا أن التعريف الأول فيه غموض, لأن الحوادث النفسية لا يمكن إدراكها في كثير من الأحيان. والتعريف الثاني، تعريف ناقص, لأن الإنسان ليس مادة فقط، بل هو إنسان ذو مشاعر وعواطف وإحساسات داخلية وميول. ولهذا جمع كثير من المتأخرين من علماء النفس بين التعريفين، وضموا الظواهر النفسية الداخلية إلى الظواهر السلوكية الخارجية، فقالوا في تعريف علم النفس بأنه:

стр. 246

العلم الذي يبحث في السلوك الإنساني وتوافقه مع البيئة (١). وعلماء النفس - برغم اختلاف اهتماماتهم - متفقون على أن السلوك هو محور وأساس دراساتهم، وأن موضوع علم النفس هو السلوك باعتباره محصلة تفاعل الفرد مع بيئته (٢). وأنواع السلوكيات في نظر علماء النفس التي تصدر عن الإنسان أثناء تفاعله مع البيئة وتوافقه معها كثيرة ومتعددة فمنها: ١ - الإدراك: وهو العملية العقلية التي تتم بها معرفة العالم الخارجي عن طريق التنبيهات الحسية. فقام علماء النفس بدراسة عملية الإدراك عند الإنسان، والأجهزة المختلفة التي بها تتم هذه العملية، والظروف المختلفة التي تؤثر فيها. ٢ - دوافع السلوك: سواء كانت فطرية كالجوع والعطش، أو مكتسبة كرغبة الإنسان في جمع المال. فقام علماء النفس بدراسة الدوافع بأنواعها الفطرية والمكتسبة، وأثر هذه الدوافع في سلوك الأفراد، وفي تصرفاتهم المختلفة. ٣ - الانفعالات: فيهتم علماء النفس بدراسة انفعالات الإنسان الفطرية مثل الخوف والغضب والانفعالات المكتسبة، فيدرسون أثر هذه الانفعالات في حياة الناس وسلوكهم وأثرها في صحتهم.

стр. 247

٤ - النضج: فيدرس علماء النفس المراحل التي يمر بها الإنسان أثناء حياته من طفولة وشيخوخة، والعوامل التي تؤثر فيها. ٥ - التعلم: فيهتم علماء النفس بدراسة طبيعة التعلم، وطرقه، ومبادئه. ٦ - التذكر والنسيان: يهتم علماء النفس بدراسة العوامل التي تساعد الإنسان على التذكر، والعوامل التي تسبب النسيان. ٧ - التخيل والتفكر: يهتم علماء النفس بدراسة التخيل وعلاقته بوظائف الإنسان العقلية الأخرى مثل: الأحلام والإبداع والتفكير. ٨ - الشخصية: والمقصود العوامل التي تؤثر في تكوينها، وأسباب انحرافها وشذوذها وطرق علاجها. ٩ - الفروق الفردية: سواء كانت بدنية أو نفسية أو عقلية، فيدرس علماء النفس أسباب الفروق الفردية، وأثر كل من الوراثة والبيئة فيها (١). فموضوع علم النفس هو السلوك الإنساني: يقول الدكتور فائز الحاج: وبالرغم من احتفاظ هذا العلم باسم علم النفس فإن العلماء لا يعتبرون أنفسهم مهتمين بدراسة شيء منفصل عن الجسد، حتى لو كانت النفس موجودة فعلا، فإن عدم رؤيتهم لها يبعدها عن ميدان البحث العلمي، وذلك لأن العلماء يعجزون عن بحث أي شيء لا يقع تحت حسهم أو لا يمكن أن يؤتي به إلى ميدان الحس بواسطة اللغة، أو بواسطة بعض الآلات كالمجهر وآلة التصوير أو غيرها (٢).

стр. 248

فينطلق علم النفس في جميع اتجاهاته من مبدأ أساس هو أن الإنسان في تكوينه النفسي يخضع لتكوينه العضوي المادي. وهذا التصوير الخاطئ للإنسان أنتج نتائج خاطئة. يقول الدكتور عبد الحميد الهاشمي: فالمشكلة الأساسية والمزمنة في الدراسات النفسية أنها لا تنظر للإنسان ككل في إطار واحد متكامل بجميع أبعاده التكوينية ومظاهره النفسية، وإنما كانت تركز في كل فترة زمنية من تاريخ علم النفس على جانب واحد فقط تسلط عليه أضواء البحث مهملة في ذات الوقت بقية الجوانب النفسية الأخرى. كما أن بعض هذه التصورات المختلفة كانت لاختلاف ثقافات واتجاهات بعض العلماء النفسيين، فكان أحدهم مثلا يلمح نقطة يكتشفها في مجال النفس الإنسانية، فيقوم ويضع خريطة تخطيطية لجميع النفس الإنسانية من خلال تلك النقطة التي اكتشفها، ثم يدعي أن ذلك هو كل النفس الإنسانية، فكانت هناك تخطيطات وتصورات تختلف واحدتها عن الأخرى، ولا يمكن أن تكون كلها صحيحة، كما أن أحدها لا يكون بمفرده صحيحًا. فالإنسان لديهم إما روح سامية وكفى، أو هو عقل مجرد، أو إحساس فقط، أو شعور سائد، أو لا شعور مهيمن، أو سلوك حركي ظاهري مادي. فالمشكلة في الدراسات النفسية كانت ولا تزال في عدم الفهم الدقيق والعميق والشامل لجوانب التكوين في النفس الإنسانية، وفي عدم حفظ التوازن بين تلك الجوانب المتفاعلة في الحياة النفسية (١).

стр. 249

فكان من نتائج هذا التصور الناقص، نتائج منحرفة في الدراسات النفسية منها: ١ - قصور الدراسات النفسية على جانب واحد فقط من جوانب النفس الإنسانية يختلف من عالم إلى آخر، مما جعل الصورة العامة لعلم النفس غامضة. ٢ - تركيز مطلق على الجانب الإدراكي العقلي وحده، وكأن الإنسان آلة حاسبة أو عقل آلي فقط. ٣ - اهتمام بالجانب المادي للنفس والدوافع والنشاط مع إهمال لبقية الجوانب الروحية والخلقية التي تمثل ركنًا هامًا في تكوين الشخصية وبناء النفس الإنسانية. فكان من ذلك قلق نفسي مع عناء مادي (١). المسألة الثانية: نشأة علم النفس وأطواره علم النفس علم قديم من حيث محاولة فهم النفس الإنسانية، وما يعتريها من رضا أو غضب أو حزن، وهو حديث من حيث تحديد مفاهيمه واستخدامه لبعض الوسائل المعملية. فيذكر المؤرخون لعلم النفس أن أول من خاض في النفس البشرية وأحوالها فلاسفة اليونان القدامى أمثال: أفلاطون وأرسطو.

стр. 250

ومن ثم نشأ علم النفس في أحضان الفلسفة، وكان الفلاسفة هم علماء النفس حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي (١) حيث بدأ الانفصال الحقيقي بين الفلسفة وعلم النفس، عندما افتتح فونت معهدا في جامعة ليبرغ عام (١٨٧٩م) فأعطى من خلال تجاربه لعلم النفس صفة العلم التجريبي (٢). وحاصل الأمر أن علم النفس مر بمراحل متعددة وهي: المرحلة الأولى: الروح. المرحلة الثانية: النفس. المرحلة الثالثة: العقل. المرحلة الرابعة: الشعور والإحساس. المرحلة الخامسة: اللاشعور والعقل الباطن (٣). المرحلة السادسة: السلوك الظاهري. حتى لقد عبر أحد علماء النفس وهو وودورث عن هذه التطورات لعلم النفس فقال: لقد فقد علم النفس روحه، ثم فقد عقله، ثم فقد حسه، ثم فقد شعوره، ثم فقد لا شعوره، ثم لم يبق منه إلا السلوك الظاهري (٤).
следующие страницы →