الباب الأول
حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتها
وعلاقتها بالنبوة
الفصل الأول: حقيقة الرؤى
الفصل الثاني: أقسام الرؤى وعلاماتها.
الفصل الثالث: علاقة الرؤى بالنبوة.
стр. 37
الفصل الأول
حقيقة الرؤى
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الرؤى لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني: الفرق بين الرؤيا والحلم والفرق بين الرؤيا والرؤية.
المبحث الثالث: دلالات الرؤى.
المبحث الرابع: تعلق الرؤيا بالروح.
стр. 38
المبحث الأول
الرؤى لغة واصطلاحًا
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الرؤى في اللغة
الرؤى: جمع رُؤْيَا وهي ما يراه الإنسان في منامه. على وزن فُعْلى كالسقيا والبشرى.
قال العلامة ابن منظور (١) في لسان العرب: «والرُّؤْيا: ما رأيته في منامك، وهي الرُّؤى، ورأيت عنك رؤى حسنة: حلمتها وأرْأى الرجل إذا كثر رؤاه، بوزن رُعاه، وهي أحْلامه، جمع الرؤيا، ورأى في منامه رُؤيا، على فعلى بلا تنوين وجمع الرؤيا رؤى بالتنوين، مثل رعى» (٢).
وقال الراغب الأصفهاني (٣) في معجم مفردات ألفاظ القرآن: «والرؤيا ما
стр. 39
يرى في المنام، وهو فعلي، وقد يخفف فيه الهمزة فيقال بالواو» (١).
والألف فيها للتأنيث ولذلك لم تنصرف (٢).
المسألة الثانية: الرؤى اصطلاحًا
إذا عرفنا أن الرؤى في اللغة جمع رؤيا، وهي ما يراه الإنسان في منامه، فإننا لا نجد فرقًا بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، وإنما اختلف الناس في بيان كيفية هذه الرؤى وحقيقتها اختلافًا عظيمًا ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وسبب اختلافهم في حقيقة الرؤيا، هو إعراضهم عن الكتاب والسنة، ومحاولة الوقوف على أمور لا تدرك بالعقول.
قال المازري (٣) ﵀: «كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل، ولا يقوم عليها البرهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت لذلك مقالاتهم» (٤).
стр. 40
وقال أبو العباس القرطبي (١) ﵀ في كتابه المفهم: "وقد اختلف في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير الشرعيين أقوالاً مختلفة وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عريت عن البرهان فأشبهت الهذيان، وسبب ذلك التخليط العظيم؛ الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الصراط المستقيم (٢).
ونتيجة لهذا السبب تعددت أقوالهم في الرؤيا، وقد ذكر جملة من هذه الأقوال الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (٣) والإمام ابن حزم (٤) ﵀ في كتابيه الفصل في الملل
стр. 41
والأهواء والنحل (١) والأصول والفروع (٢) وذكرها ابن القيم ﵀ في كتاب الروح (٣) وغيرهم.
وسأذكر - بعون الله - أهم هذه الأقوال وأشهرها، مع المناقشة لكل قول ثم أختم بقول أهل الحق مع بيان أدلته النقلية والعقلية إن شاء الله تعالى.
القول الأول: قال صالح بن قبة (٤): إن الرؤيا حق، وما يراه النائم في نومه صحيح كرؤية العينين في اليقظة، فإذا رأى الإنسان في المنام كأنه بأفريقية وهو ببغداد فقد اخترعه الله سبحانه بأفريقية في ذلك الوقت (٥).
الرد: قوله: «إن الرؤيا حق» هذه العبارة فيها إجمال فإن كان المقصود بها أن الرؤيا الصالحة حق بمعنى أنها ليست خيالات باطلة، فهذا صحيح.
أما إن كان قصده بهذه العبارة أن ما يراه النائم كرؤية اليقظة فهذا لا يشك عاقل في بطلانه فهو في غاية الفساد والبطلان، فالواقع والعقل يبطلانه.
أما الواقع: فنحن نشاهد أن النائم عندنا، ورأى نفسه في ذلك الوقت في أفريقية مثلاً.
стр. 42
وأما من طريق العقل، فإن النائم يرى من الأحلام من كونه مقطوع الرأس مثلا، وهو حي، وما أشبه ذلك، كما جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله ﷺ للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» (١) فعلى هذا القول يكون رأسه قد قطعت حقيقة وهو حي، وهذا من الباطل بمكان (٢).
القول الثاني: قال أكثر المعتزلة (٣) إن ما يراه الإنسان في منامه إنما هو تخيلات باطلة لا حقيقة لها ولا تدل على شيء (٤).
الرد: إن القول بأن الرؤيا جميعها خيالات باطلة، قول باطل وغريب، حيث دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن الرؤيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام ومنها الرؤيا الصادقة، والتي منها رؤيا الأنبياء والتي هي من الوحي.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] ورؤيا الحق
стр. 43
هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام.
ومن السنة قوله ﷺ : «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان ..» (١).
قال الخوارزمي (٢) في كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم: «الباب السادس في سؤال المعتزلة في الرؤيا».
قالوا: كيف يجوز أن يرى ألف إنسان في وقت واحد النبي ﷺ وكل واحد منهم في بلد غير بلد صاحبه، وهل يجوز أن يكون جسم واحد في ألف مكان، فلهذا أجمعنا على إبطال الرؤيا سوى رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
أجاب الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: تجويزكم صحة رؤيا الأنبياء يبطل قولكم ببطلانها لغير الأنبياء .. (٣).
стр. 44
وقال أبو بكر بن العربي (١) ﵀ في رده على قول المعتزلة السابق: «وهذا على أصلهم في تخييلهم على العوام وإنكار أصول الشرع كإنكارهم الجن (٢) وإنكارهم كلام الملائكة للبشر، وأن جبريل لو كلم محمدًا ﷺ لسمعه الحاضرون» (٣).
وقال ﵀: «قد قيل: إن الرؤيا لا حقيقة لها وهم القدرية (٤)، تعسًا لهم، وغلا صالح قبة، فقال: كل الرؤيا والرؤية بعين الرأس حقيقة».
ثم قال أبو بكر: وهذا حماق (٥).
стр. 45
وممن نسب هذا القول لبعض المعتزلة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو معروف بدقة معرفته بأقوال أهل الملل والنحل ورده عليهم.
حيث قال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: «وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، يعني في المنام، والنقل بذلك متواتر عمن رأي ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم» (١).
وقريب من قول المعتزلة السابق في حقيقة الرؤيا، ما ينسب إلى الأشاعرة (٢) فقد ذكر الإيجي (٣) وهو أشعري العقيدة، في كتابه المواقف في علم الكلام أن قول المعتزلة والأشاعرة في الرؤيا أنها خيال باطل، وإنما فرق بين القولين في التعليل فقط.
فقال: «وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين، أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك، من المقابلة وانبعاث الشعاع، وتوسط الهواء، وأما عند الأصحاب إذا
стр. 46
لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأنه خلاف العادة، والنوم ضد للإدراك» (١).
وقد نسب هذا القول الألوسي (٢) ﵀ للمتكلمين، والأشاعرة من المتكلمين فقال: «والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد شهادة الكتاب والسنة بصحتها» (٣).
ولكن لما ذكر ابن القيم ﵀ اضطراب الناس في حقيقة الرؤيا، ذكر أن هناك من يعرف الرؤى بأنها: علوم علقها الله في النفس ابتداء بلا سبب.
ثم قال: «وهذا قول منكري الأسباب والحكم والقوي، وهو قول مخالف للشرع والعقل والفطرة» (٤).
وقوله ﵀: وهذا قول منكري الأسباب والحكم هذه العبارة كثيرًا ما يطلقها ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمها الله على الأشاعرة (٥).
стр. 47
ولم يبين ﵀ وجه مخالفة هذا القول للشرع، والعقل، والفطرة، ولعل ما ذكرته في الرد على المعتزلة يبين وجه هذه المخالفة.
القول الثالث: قال الفلاسفة (١) في حقيقة الرؤيا:
إن الحس المشترك (٢) في الإنسان والذي هو مجمع الحواس
الظاهرة، إذا أخذ الصورة الخارجية من الحواس الظاهرة
يؤديها إلى القوة المتخيلة (٣) التي من شأنها تركيب الصورة
فربما انطبعت تلك الصور في الحس المشترك وصارت مشاهدة
стр. 48
على حسب مشاهدة الصور الخارجية، فإن الصور الخارجية لم تكن مشاهدة لكونها صورة خارجية بل لكونها مرتسمة في الحس المشترك.
قالوا: ومن طباع القوة المتخيلة التصوير والتشبيح دائمًا، إلا أن هناك أمرين صارفين لها عن فعلها:
أحدهما: توارد الصور من الخارج على الحس المشترك، فإنه إذا انتقش بهذه الصورة لم يتسع لانتقاشه بالصور التي تركبها القوة المتخيلة فيعوقها ذلك عن عملها لعدم القابل.
وثانيها: تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها فتتعوق بذلك عن عملها، وإذا انتفى هذان الشاغلان أو أحدهما تفرغت القوة المتخيلة لفعلها في التصور، والشخص إذا نام انقطع عن الحس المشترك توارد الصور من الخارج، فيتسع لانتقاش الصور من الداخل.
قالوا: إذا عرفت هذا فنقول ما يدركه النائم ويشاهده صور مرتسمة في الحس المشترك موجودة فيه ويكون ذلك على وجهين:
الأول: أن يرد ذلك المدرك على الحس المشترك من النفس الناطقة (١) وهي تأخذه من العقل الفعال (٢) فإن جميع صور الكائنات من الأزل إلى الأبد مرتسم فيه.
стр. 49
قالوا: فإن تصرف فيه الحس المشترك، فيحتاج إلى تعبير وإن لم يتصرف فيه فلا يحتاج إلى تعبير.
الثاني: أن يرد على الحس المشترك، صور المحسوسات بالحواس الظاهرة مما ارتسم في الخيال، أثناء اليقظة، أو يرتسم فيه مما يوجبه مرض كثوران خلط، أو تغير مزاج.
والوجه الأول عندهم هو سبب الرؤيا الصادقة.
والوجه الثاني: هو سبب الرؤيا الكاذبة (١).
الرد:
هذا القول لا شك في بطلانه وذلك من وجوه.
أولا: فيما يتعلق بقولهم في سبب الرؤيا الصادقة، وأنها تأتي نتيجة ارتسام
стр. 50
الصور في الحس المشترك الذي يأخذها من النفس الناطقة والتي تأخذ ذلك من العقل الفعال. وهذا قول باطل لأنه لا دليل عليه من النقل ولا من العقل، فلم يرد عن طريق الوحي، والعقل لا يدرك هذه الأشياء. وعامة ما يعتمدون عليه هو التجويز الذهني (١).
ثانيًا: قولهم في الوجه الثاني أن حصول الرؤيا الكاذبة بسبب الأخلاط.
قال ابن العربي المالكي ﵀ في رده عليهم: "تقسيمه ﷺ الرؤيا ثلاثة أقسام هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع (٢).
وقد بينا في كل كتاب، ونادينا على كل باب وصرخا على الوهاد والأنقاب (٣)، بأنه لا تأثير للأخلاط (٤).
وقال المازري ﵀ بعد أن ذكر قول الفلاسفة السابق: "وهذا مذهب وإن جوزه العقل وأمكن عندنا أن يجري الباري جلت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط فإنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط
стр. 51
على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها فإنا نقطع بخطأهم، ولا نجوز ما قالوه، إذ لا فاعل إلا الله سبحانه (١).
ثم قال: «ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل في هذا، وكأنه يرى أن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالمنقوش، وكأنه يدور بدوران الكرة، فما حاذى بعض النفوس منه انتقش فيها، وهذا أوضح فسادًا من الأول (٢) مع كونه تحكما بما لم يقم عليه برهان ..» (٣).
وقد ذكر ابن القيم ﵀ اضطراب الناس في الرؤى، ثم ذكر قولاً قريبًا من قول الفلاسفة وإن خالفه من بعض الوجوه، ولم ينسبه إلى أحد، ثم رد عليه حيث قال: «فمن قائل: إن العلوم كلها كامنة
في النفس، وإنما اشتغالهم بعالم الحس يحجب عنها مطالعتها، فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب استعدادها ولما كان تجردها بالموت أكمل كانت علومها ومعارفها هناك أكمل، وهذا فيه حق وباطل فلا يرد كله، ولا يقبل كله، فإن تجرد النفس يطلعها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد، لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم الله الذي بعث به رسوله ﷺ وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية، والأمم الخالية وتفاصيل المعاد، وأشراط الساعة، وتفاصيل الأمر والنهي،
стр. 52
والأسماء والصفات والأفعال وغير ذلك مما لا يعلم به إلا الوحي، ولكن تجرد النفس عون لها على معرفة ذلك، وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة في الشواغل البدنية» (١).
ومن الأقوال التي ذكرها ابن القيم ﵀ ولم ينسبها لأحد ورد عليها وهي قريبة من قول الفلاسفة السابق من بعض الوجوه.
أن هناك من قال: بأن الرؤى كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم.
قال ابن القيم ﵀ في رده على هذا القول: "وهذا عين الباطل والمحال، فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور" (٢).
القول الرابع: قول أهل الحق أهل السنة والجماعة:
فقالوا: لا نعدوا قول نبينا ﷺ فقد بين الرؤيا بيانًا واضحًا شافيًا فقسمها إلى ثلاثة أقسام: رؤيا حق من الله ، والله أعلم بكيفية ذلك، ورؤيا باطلة فهي أضغاث أحلام من تهويل الشيطان وتحزينه وتمثيله لابن آدم، أو مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام.
فقد أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان» (٣).
стр. 53
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).
وفي أحاديث أخرى يقسم ﷺ الرؤيا إلى قسمين كما في حديث أبي قتادة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان ..» (٢).
قال ابن عبد البر ﵀: "وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، وأن التصديق بها حق، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه، ما يزيد المؤمن إلى إيمانه.
ولا أعلم بين أهل الدين والحق، من أهل الرأي والأثر خلافًا فيما وصفت ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد، وشرذمة من المعتزلة (٣).
стр. 54
فنحن لا نقول كما تقول المعتزلة أن الرؤى كلها خيالات باطلة لا حقيقة لها، ولا كما تقول الفلاسفة أنها من فعل الطبائع بل نقول كما يقول ربنا : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] وكما يقول نبينا ﷺ «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».
وفي بيان حقيقة الرؤيا الصادقة وأنها حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قول رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١) هو كما قال ﷺ رآه في المنام حقًا، فمن قال: ما رآه في المنام حقًا فقد أخطأ، ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ، ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك (٢).
وفي مواضع متعددة يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن ما يراه النائم في نومه عبارة عن أمثال مضروبة له.
فيقول في كتابه منهاج السنة النبوية: "والنائم يرى في المنام إنسانًا يخاطبه ويشاهده، ويجري معه فصولاً، وذلك المرئي قاعد في بيته، أو ميت في قبره، وإما رأى مثاله (٣).
стр. 55
وفي كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان يقول ﵀ ما ملخصه:
إن النائم يرى الأشياء في منامه ولها وجود وتحقق، ولكنها أمثلة فلما عزب عقله في أثناء النوم ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتًا ويكلمونه، ويفعل أمورًا كثيرة، وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل؛ لأن عقله عزب عنه، وتلك الصورة التي رآها مثال صورته لكن غاب عقله عن نفسه، حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه، فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك مثالات.
ومن الناس من لا يغيب عقله؛ بل يعلم أن ذلك في المنام، وهو كالذي يرى صورته في المرآة، أو صورة غيره (١).
وقد ذكر قريبًا من ذلك في كتابه قاعدة في المعجزات والكرامات (٢).
فإذا كانت الرؤى عبارة عن أمثلة وأحاديث نفس، فإنه قد ورد في بعض تعاريف العلماء كلمات تحتاج إلى تفصيل فمن ذلك أن منهم من يعرف الرؤيا بأنها إدراكات مخلوقة أو اعتقادات مخلوقة، فهل هذا التعريف صحيح أو لا؟ (٣).
قال ابن العربي ﵀ في حقيقة الرؤيا: أنها إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يدي الملك أو الشيطان، إما بأمثالها، وإما أمثالاً بكناها، وإما
стр. 56
تخليطًا، ونظير ذلك في اليقظة الخواطر فإنها تأتي على نسق في قصد، وتأتي مسترسلة غير محصلة، فإذا خلق الله من ذلك في المنام على يدي الملك شيئًا كان وحيًا منظومًا وبرهانًا مفهومًا.
ورد على من قال أن الرؤيا اعتقادات (١).
وقال المازري ﵀: «والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة وهو أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه سبحانه جعلها علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران، وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه وكم في اليقظة ممن يعتقد أمرًا على غير ما هو عليه فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله سبحانه للغيم علمًا على المطر، والجميع خلق الله سبحانه، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علمًا على ما يسره بحضرة الملك، أو بغير حضرة شيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان» (٢).
وعلى هذا التعريف بعض الملحوظات:
أولا: قول المازري والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة، معلوم أن المازري أشعري العقيدة، وقد صرح بأشعريته في كتابه المعلم بفوائد مسلم،
стр. 57
فيعني بأهل السنة الأشاعرة، فهو إذا ليس بحجة على أهل السنة والجماعة (١).
ثانيًا: قوله وهو أنه سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات.
أقول: أن القول بأن الرؤيا عبارة عن اعتقادات مخلوقة، هذه من الألفاظ المحدثة عند المتأخرين، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
وبين ﵀ أنه يقال لمن قال ذلك، ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله لا إله إلا الله وإيمانه الذي دل عليه اسم المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة (٢).
ومما يزيد هذا التعريف إشكالاً أن رؤية الأنبياء وحي، ولا يقال في الوحي أنه اعتقادات مخلوقة، كما تقوله المبتدعة عياذا بالله.
ثالثًا: قوله بأن الرؤيا التي تسر تخلق بحضرة ملك، والتي بضدها بحضرة شيطان هذا يحتاج إلى دليل من الشرع.
أما تعريف الرؤيا بأنها اعتقادات فقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣).
стр. 58
وقال ابن القيم ﵀: «وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق» (١).
* * *
стр. 59
المبحث الثاني
الفرق بين الرُّؤْيا والحُلُم والفرق بين الرُّؤيا والرُّؤْية
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الفرق بين الرؤيا والحلم
تبين لنا في المبحث الأول، أن الرؤيا في اللغة تعني ما يراه الإنسان في منامه، وهي عبارة عن أمثال مضروبة، وإذا كان الأمر كذلك، فما الفرق بينها وبين الحلم؟
والجواب:
أن الحُلْمُ: بضم الحاء واللام أو ضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم (١).
قال الجوهري في الصحاح: (الحُلُم بالضم: ما يراه النائم، تقول منه، حَلَم بالفتح واحْتَلَم.
وتقول: حَلَمْت بكذا، وحَلَمْتُه أيضًا (٢).
وقال ابن منظور في لسان العرب: (الحُلْمُ والحُلُم: الرؤيا، والجمع أحْلام، يقال: حَلَم إذا رأى في المنام.
стр. 60
يقال: حَلَم بالفتح، إذا رأى وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا (١).
فالحُلُم بهذا المعنى اللغوي، وهو ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنه غلب في الاصطلاح الشرعي استعمال الرؤيا في الخير والشيء الحسن، وغلب استعمال الحلم على خلافه.
يقول ابن الأثير (٢) ﵀: «الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء،، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر القبيح».
ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر (٣).
ودل على هذا التفريق أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري ﵀ من حديث أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصادقة
стр. 61
من الله والحلم من الشيطان» الحديث (١).
يقول ابن حجر ﵀: ظاهر قوله ﷺ : «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: (حلم) والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: (رؤيا) وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا، وقد جاء في حديث آخر (الرؤيا ثلاث) (٢) فأطلق على الكل رؤيا (٣).
ولهذا من فقه الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح المسند من أحاديث الرسول ﷺ وسننه وأيامه أنه في كتاب التعبير وضع بابًا بعنوان الرؤيا من الله (٤) وبابًا آخر بعنوان الحلم من الشيطان (٥) واستدل بحديث أبي قتادة السابق للتفريق بين الرؤيا والحلم.
ولعل الحكمة والله أعلم في نسبة الرؤيا إلى الله، والحلم إلى الشيطان، أن الله كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فشرع التفريق بين الحق والباطل، بأن جعل الرؤيا ما كان من الله، والحلم ما كان من الشيطان، لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها (٦)، فهي من
стр. 62
إلقائه وتشويشاته وتلاعبه ووسوسته وتحزينه للإنسان، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة في نسبتها إلى الشيطان وبيان عداوته للإنسان (١).
وهذا التفريق بين الرؤيا والأحلام من الاصطلاحات الشرعية، وإن كان كل من الرؤيا والحلم من عند الله ، وإنما ذلك جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره (٢)، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
وكقوله عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].
وكقول النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد علم الصحابة ﵄ أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقضاء الله وقدره (٤).
стр. 63
المسألة الثانية: الفرق بين الرؤيا والرؤية
الرؤيا مصدر رأى، وهي مختصة بما يراه الإنسان في منامه، أما الرؤية فهي مصدر رأي كذلك، إلا أنها مختصة بما يراه الإنسان في اليقظة.
قال في القاموس المحيط (الرؤية: النظر بالعين وبالقلب) (١).
وقال في الصحاح: (الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، يقال رأى زيدًا عالمًا، ورأى رأيا ورؤية (٢).
فالرؤية هي النظر بالعين في اليقظة، والرأي بالقلب.
وفرق بين الرؤيا والرؤية بتاء التأنيث مكان ألف التأنيث للفرق بين ما يراه النائم وما يراه اليقظان، ونظير ذلك القربة والقربى، فالقربة للتقرب المعنوي بعبادة الله إليه، والقربى للتقرب النسبي (٣).
قال في الكشاف: (الرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث كما قيل في القربى والقربة) (٤).
وقد تكون الرؤيا مصدر رأى في اليقظة، وعلى هذا تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة، واستعمال الرؤيا بمعنى رؤية العين ورد في القرآن الكريم وعند
стр. 64
أهل اللغة وفي الشعر العربي.
فمن استعمال القرآن الكريم الرؤيا بمعنى الرؤية قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
فالمراد بالرؤيا في هذه الآية رؤية العين، وهي ما رآه النبي ﷺ ليلة أسري به من العجائب والآيات، وبذلك صرح حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ بأنه رؤية عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السموات العلى، فرأى ما رأى من آيات ربه الكبرى، والإسراء كان يقظة من أوله إلى آخره.
فأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال هي: رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس (١).
قال الحافظ ابن حجر (٢) ﵀: قوله أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري
стр. 65
به زاد سعيد بن منصور (١) عن سفيان (٢) في آخر الحديث: (وليست رؤيا منام) (٣).
قال الحافظ أيضًا: قوله: هي رؤيا عين أريها لم يصرح بالمرئي. وعند سعيد ابن منصور من طريق أبي مالك، قال: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس (٤).
وتلقى هذا التفسير ما لا يحصى من السلف ﵏.
يقول ابن الأنباري (٥) ﵀: "المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين" (٦).
стр. 66
(والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا) (١).
وقال أبو جعفر ابن جرير الطبري (٢) ﵀ في تفسير هذه الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني به رؤيا رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى البيت المقدس ليلة أسري به.
قال: وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله بها (٣).
وزعم بعضهم أن الآية حجة لمن قال إن الإسراء كان منامًا لأن الله سماها رؤيا والرؤيا إنما تختص بالمنام (٤).
وتعقب من قال ذلك، ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره بالرد والإنكار بأن ذلك خلاف سياق القرآن وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم (٥).
стр. 67
وأما استعمال الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة في الشعر العربي فكثير، ومن ذلك بيت الراعي يصف فيه ضيفًا طرقه ليلاً فيقول:
فكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر نفسًا كان قبلُ يُلومُها (١)
وقول أبي الطيب المتنبي (٢) لبدر بن عمار، وقد سامره ذات ليلة إلى قطع من الليل:
مضى الليل والفضل الذي لك لا ... ورؤياك أحلى في العيون من الغَمْضِ (٣)
وقول أبي الفوارس سعد بن محمد بن صيفي (٤):
لو نيل بالقول مطلوب لما حرم ... الرؤيا الكليم وكان الحظ للجبل (٥)
стр. 68
وقد أنكر هذا الاستعمال الحريري (١) في كتابه "درة الغواص في أوهام الخواص (٢). وغلط أبا الطيب المتنبي في بيته السابق، بحجة أن الرؤيا إنما تختص بالمنام والرؤية باليقظة (٣).
والأدلة السابقة من الكتاب والسنة وأقوال أهل اللغة والشعر العربي ترد على من قال بأن الرؤيا مختصة بالمنام، بل الصواب أن الرؤيا كالرؤية غير أنه غلب استعمال الرؤيا في المنام، والله أعلم.
* * *
стр. 69
المبحث الثالث
دلالات الرؤيا
الدلالات: - بكسر الدال وفتحها - جمع دلالة، وهي الإرشاد، واستدل بالشيء على الشيء أي اتخذه دليلاً عليه (١).
قال الجوهري في الصحاح: "الدَّلِيلُ: ما يُستدلُّ به، والدَليلُ: الدَالُّ وقد دَلَّه على الطريق يُدُّله دَلاَلَة ودِلاَلَة ودُلُولَة. والفتح أعلى" (٢).
وقال الجرجاني في كتاب التعريفات: "الدلالة هي كون الشيء يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول" (٣).
وبناء على ذلك نستطيع أن نقول: إن دلالات الرؤيا، هي الأمور التي ترشد إليها الرؤيا.
ودلالات الرؤيا كثيرة، ومن خلال استقراء بعض نصوص السنة، يتضح لنا شيء من تلك الدلالات، وهذا يعتمد على فقه الحديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن تلك الدلالات للرؤيا:
أولاً: أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها وصلاحه غالبًا:
ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده من حديث ابن عمر ﵄ قال: «إن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله ﷺ فيقول فيها رسول الله ﷺ ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن وبيتي في المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي لو كان فيك خير
стр. 70
لرأيت مثل ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة، قلت اللهم إن كنت تعلم في خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، ورأى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل، رءوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش: فانصرفوا بي ذات اليمين، فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «إن عبد الله رجل صالح» فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة (١).
وفي رواية فقال ﷺ : «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان بعد لا ينام إلا قليلا» (٢).
وفي رواية فقال عبد الله بن عمر ﵄: «فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ » (٣).
وفي رواية: (فقلت اللهم إن كان لي عندك خير فأرني مناماً يعبره رسول الله ﷺ (٤).
стр. 71
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها» (١).
وقال العيني (٢) ﵀ في شرح حديث ابن عمر السابق: "وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ماله عند الله" (٣).
وقال أبو العباس القرطبي ﵀: "إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له لا روع عليك، وذلك لصلاحه، غير أنه لم يكن يقوم من الليل فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك (٤).
ثانيًا: أنها تدل على تثبيت الله لعباده المؤمنين:
يؤخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يوسف: ٦٢ - ٦٤].
والبشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، والرؤيا الصالحة تدل على بشارة الله لعبده المؤمن ولذلك سماها النبي ﷺ مبشرات، وكقوله في غزوة بدر ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ
стр. 72
قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] وقوله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولهذا في آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وذلك والله أعلم لأن المؤمن في آخر الزمان أشد ما يكون إلى تثبيت الله له في مثل ذلك العصر الذي يقل فيه المساعدون ويكثر فيه المخالفون والمناوئون.
ولهذا أول ما بدئ به النبي ﷺ الوحي كان الرؤيا الصالحة (١).
ثالثًا: أنها تدل على اهتمام صاحبها بما يراه في المنام:
فالإنسان إذا اهتم بشيء فإنه كثيرًا ما يراه في منامه، فيرى رؤيا متعلقة بهذا الذي شغله في اليقظة.
ولذلك لما كان الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، يشغل الإسلام قلوبهم، كانوا وهم يتقلبون في فرشهم يرون ما يشغل بالهم وما يهتمون به في يقظتهم، وانظر إلى أي لون من المرائي التي كانوا يرونها.
ولذا كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر التفت إلى أصحابه وقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فإن رأى أحد رؤيا قصها ..» (٢).
فكون النبي ﷺ يسأل أصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» دليل على أن أولئك الرجال من أصحاب النبي ﷺ كان الإسلام يشغل قلوبهم ومن
стр. 73
تلك المرائي لأصحاب رسول الله ﷺ رؤياهم لليلة القدر (١) ورؤياهم للآذان (٢) ورؤيا الطفيل أخي عائشة ﵂ في قول ما شاء الله وشاء محمد (٣) ورؤيا عبد الله بن عمر ﵄ التي سبقت معنا، فلما كان يفكر في اليقظة في شأن الجنة والنار، وقد شغلت باله، رأى رؤيا تناسب هذا الهم الذي شغله.
رابعًا: أن رؤيا السوء تدل على تلاعب الشيطان بالإنسان:
كما أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره.
стр. 74
فقال رسول الله ﷺ : «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال سمعت رسول الله ﷺ بعد يخطب، فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه» (١).
فإذا رأى الإنسان رؤيا سوء فليعلم أن ذلك من تحزين الشيطان وتلاعبه، فلذا جاءت السنة بالآداب التي يقولها ويفعلها المسلم عندما يرى رؤيا سوء.
* * *
стр. 75
المبحث الرابع
تعلُّق الرؤيا بالروح
البحث في حقيقة الرؤيا الصالحة وصفاتها وعلامتها مرتبط بمعرفة صفات الروح وخصائصها، ولذلك سوف أبين إن شاء الله، بشيء من الإيجاز صفات الروح وخصائصها وعلاقتها بالرؤيا الصالحة، وذلك من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها .
المسألة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في المنام؟
المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام؟
المسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها
البحث في صفات الروح جائز بما دل عليه الكتاب والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء (١).
فإذا كان الأمر كذلك، فإن الروح التي فينا قد وصفت بصفات عديدة، فقد أخبرت النصوص الصحيحة أنها:
موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة، بصيرة، وتفيض، وتخرج، وتصعد من سماء إلى سماء، وتنزل، وتذهب، وتجيء، ويشار إليها، ويتبعها بصر الميت، وتتكلم، وتسل كما تسل الشعرة من العجينة، ونحو ذلك من صفاتها (٢).