← Акыда

Акыда · id 35760

فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (547 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الظاهرة، التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدًا ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها. مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة، والنبيين، وغيرهم. فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل معاداة اليهود، والنصارى، والمشركين، ومثل تحريم الفواحش، والربا، والخمر، والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين. وإن كانوا قد يتوبون من ذلك، ويعودون كرؤوس القبائل، مثل الأقرع، وعيينة، ونحوهم، ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه. ففيهم من كان يتهم بالنفاق، ومرض القلب، وفيهم من لم يكن كذلك. فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة؛ وتارة يعود إليها، ولكن مع مرض في قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق، لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة. وقد ذكر ابن قتيبة عن ذلك طرفًا في أول مختلف الحديث، وقد حكى أهل المقالات بعضهم عن بعض من ذلك طرفًا، كما يذكره أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الباقلاني، وأبو عبد الله الشهرستاني، وغيرهم.

стр. 212

وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين، والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب، وأقام الأدلة على حسن ذلك، ومنفعته، ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام. وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله، فضلاً أن يكون موصلاً لنعيم الآخرة» (١).

стр. 213

فتأمل هذا، وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله. لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا. على أن الذي نعتقده، وندين لله به، ونرجو أن يثبتنا عليه: أنه لو غلط هو، أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر، الذي بينه الله ورسوله، وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره، ولو غلط من غلط، فكيف -والحمد لله- ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافًا في هذه المسألة، وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه: ٥١]، أو حجة قريش: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ [ص: ٧]. قال الشيخ ﵀ في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج (١)، ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم قال: فإذا كان

стр. 214

على عهد رسول الله ﷺ ، وخلفائه، ممن انتسب إلى الإسلام مَنْ مرق منه، مع عبادته العظيمة، حتى أمر ﷺ بقتاله، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام، أو السنة قد يمرق أيضًا من الإسلام في هذه الأزمنة وذلك بأسباب: منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وعلي بن أبي طالب حرَّق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خُدَّتْ لهم عند باب كندة فقذفهم فيها (١)، واتفق الصحابة على قتلهم لكن

стр. 215

ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبها فإن تاب وإلا قُتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليُعبدَ وحده لا شريك له، ولا يُجعل معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون صورهم، ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله رسله تنهى أن يُدعى أحدٌ من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦]. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة -ثم ذكر رحمه الله تعالى آيات ثم قال-: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ

стр. 216

وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده» (١)، ونهى عن الحلف بغير الله وقال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢)، وقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا (٣) وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (٤)، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (٥). ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور. ولهذا اتفق العلماء على أنه من سَلَّم على النبي ﷺ عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله،

стр. 217

فلا يُشبَّه بيت المخلوق ببيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملاً إلا به ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، وأعظم آية في القرآن آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال ﷺ : «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة (١٧/ش)» (١). والإله هو: الذي يألهه القلب عبادة له واستعانة به ورجاء له وخشية وإجلالاً. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢). (١٧/ش) المقصود من قوله ﷺ : «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة»، أي من كان عالمًا بمعناها وعاملاً بمقتضاها، ثم نطق بها في آخر حياته.

стр. 218

فهذا الحديث مطلق، وقد قيدته غيره من النصوص مثل قوله ﷺ : «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١). قال العالم الرباني، الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وأما معنى الحديث، وما أشبهه فقد جمع فيه القاضي عياض ﵀ كلامًا حسنًا، جمع فيه نفائس فأنا أنقل كلامه مختصرًا، ثم أضم بعده إليه ما حضرني من زيادة. قال القاضي عياض ﵀: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين. فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان. وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها. وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق. وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له عذب، فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا: محمله على أنه غفر له، أو أخرج من النار بالشفاعة، ثم أدخل الجنة. فيكون معنى قوله ﷺ : «دخل الجنة» أي: دخلها بعد مجازاته بالعذاب. وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض

стр. 219

العصاة، فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة. وفي قوله ﷺ : «وهو يعلم» إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه. وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله ﷺ : «غير شاك فيهما» وهذا يؤكد ما قلناه. قال القاضي وقد يحتج به أيضًا من يرى: أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين، لاقتصاره على العلم. ومذهب أهل السنة: أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تنجي من النار دون الأخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه، أو لم تمهله المدة ليقولها، بل اخترمته المنية. ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ إذ قد ورد مفسرًا في الحديث الآخر: «من قال لا إله إلا الله»، و «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». وقد جاء هذا الحديث، وأمثاله كثيرة في ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف. فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث وفي رواية معاذ عنه ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وفي رواية عنه ﷺ : «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة»، وعنه ﷺ : «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله على النار»، ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان

стр. 220

ابن مالك، وزاد في حديث عبادة: «على ما كان من عمل»، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة»، و «إن زنى وإن سرق» وفي حديث أنس ﵁: «حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى»، وهذه الأحاديث كلها سردها مسلم ﵀ في كتابه (١)، فحكى عن جماعة من السلف ﵏، منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. وقال بعضهم: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه من قال الكلمة، وأدى حقها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصري. وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم، والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاري. وهذه التأويلات إنما هي إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه» (٢). ولا أدل على ذلك من حديث أبي طالب عند وفاته، قال إمام المحدثين، الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل

стр. 221

عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : «لأستغفرن لك ما لم أنه عنه»، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ونزلت ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]» (١). فهذا أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية قد فقها في دين الله، ما لم يفقهه أذناب المرجئة، فعلما -لعنة الله عليهما- أن النطق بكلمة التوحيد يعني: الانخلاع والبراءة والرغبة عن ملة الكفر، يعني: الانخلاع من الالتزام بكافة الشرائع المنسوخة والفاسدة إلى الالتزام بشرائع الإسلام وحده. يعني: التحول من ولاء إلى ولاء، ومن براء إلى براء آخر. يعني: الشهادة ببطلان كافة الملل والمذاهب الأخرى، والشهادة على أصحابها بالكفر في الدنيا، والخلود في النيران في الآخرة. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في تعليقه على حديث أبي طالب: «ولمعرفتهم معنى هذه الكلمة: نهوا أبا طالب، عن أن يقولها عند موته، لما قال له رسول الله ﷺ : «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»،

стр. 222

قال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ علموا أنه لو قالها لترك عبادة غير الله وأنكرها، لمعرفتهم ما دلت عليه من النفي والإثبات؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦]. وأما: هذه الأمة؛ فلما كثر الشرك فيهم، كما كثر في أولئك، وبنيت المساجد على القبور، وعبدت؛ وبنيت المشاهد على اسم من بنيت باسمه من الصالحين وعبدت، صاروا يقولون: لا إله إلا الله، والشرك قد قام في قلوبهم، واتخذوه دينًا، فأثبتوا ما نفته هذه الكلمة من عبادة غير الله، وأنكروا ما دلت عليه من الإخلاص» (١). وهنا يبرز سؤال: هب أن طاغوتًا من الطواغيت معلن بالكفر البواح، ثم قبل موته نطق بالشهادتين فهل يحكم له بالإسلام إذا كان منتسبًا لهذا الدين وقت تلبسه بالطغيان؟ والجواب: إن كان قد تبرأ من الكفر الذي كان واقعًا فيه قبل موته، ثم نطق بالشهادتين في آخر حياته فهذا نحكم له بالإسلام في الدنيا، ونرجو له النجاة في الآخرة.

стр. 223

وأما إذا لم يعلن البراءة الواضحة من الكفر والنواقض التي كان متلبسًا بها، فلا نحكم له بالإسلام إذا نطق بالشهادتين قبل موته. وإذا كان قد تاب في الباطن، ولم يعلنها في الظاهر لسبب يمنعه من هذا فهذا ينفعه عند الله في الآخرة، ولكن في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر. فهاهم مانعو الزكاة قاتلهم أبو بكر الصديق وأصحابه ﵃ قتال مرتدين، وهم ينطقون بقول: (لا إله إلا الله)، ولم تنفعهم لأنهم قد قاموا بنقضها، فقتلوا وهم ينطقون بها. وهذه كانت شبهة الفاروق عمر حتى أزالها بفضل الله صديق الأمة الأول أبو بكر ﵄. وقال قولته المشهورة: «والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه»، فجعل المبيح للقتال: مجرد المنع عن أداء الزكاة لا جحد وجوبها، وسوف يأتي ذلك بالتفصيل في أثناء شرح هذه الرسالة المباركة بحول الله وقوته.

стр. 224

فتأمل: أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، هل يكون هذا إلا في المعين؟ والله المستعان. وتأمل كلامه في اللات والعزى ومناة وما ذكر بعده يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح المنازل في باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسان «ديدنا له» إن قام، وإن قعد، وإن عثر، وإن استوحش، وهو لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال الله تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ

стр. 225

لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (١٧/ش). فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره. والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم (١٧/ش) ما أثقل هذه الآية على المشركين، الذين عبدوا مع الله غيره، ولم يخلصوا دينهم له سبحانه. فالله جل في علاه أعلمنا وأنبأنا: أن التوحيد دينه الصحيح المتقبل، وأن الشرك دين باطل مردود، ولو كان صاحبه يزعم أنه يتقرب به إلى الله زلفى، ويبتغي به عنده منزلة. فهذه حجة كفار قريش وأتباعهم لو كان المشركون يفقهون. قال الإمام ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- في بيان معنى الآية: «قوله تعالى: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، يعني: الخالص من الشرك، وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به. وقيل: المعنى لا يستحق الدين الخالص إلا لله.؟ ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: آلهة. ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى لقوله: المسيح ابن الله، وجميع عُباد الأصنام» (١).

стр. 226

عند الله، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له» (١) ثم ذكر الشيخ -يعني ابن القيم ﵀ فصلاً طويلاً في ذكر هذا الشرك الأكبر. ولكن تأمل قوله: «وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره» يتبين لك بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد (٢) وزعم أن كلام الشيخ في الفصل الثاني يدل عليها، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وذكر في آخر هذا الفصل أعني الفصل الأول في الشرك الأكبر -الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢]- إلى قوله: ﴿إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] (١٨/ش). (١٨/ش) لو فقه الناس دلالة هذه الآية العظيمة لعلموا بطلان الشرك، ولقطعت مواده وأسبابه وأصوله من قلوبهم، ومن على جوارحهم. فجميع المخلوقات من إنس وجن وملائكة وغيرهم، لا يملكون مثقال ذرة في هذا الكون العظيم، ولا يوجد لأحد منهم شرك فيه، فعلام إذًَا يدعون من دون الله؟!! فقد يقول أحد المشركين أرجو شفاعتهم؟ فالجواب: أنه لا يستطيع أحد مهما -علت مرتبته- أن يشفع في أحد إلا من بعد إذن الله.

стр. 227

والله -جل في علاه- لا يأذن إلا لموحد مؤمن أن يشفع في موحد عاص فكفى بنور هذه الآية تجريدًا للتوحيد، واجتثاثًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها. قال إمامنا، الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣]، فبين سبحانه أن من دعي من دون الله من جميع المخلوقات، من الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه، وأنه ليس له شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأنه ليس له عون يعاونه كما يكون للملك أعوان وظهراء، وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى. فنفى بذلك وجوه الشرك، وذلك أن من يدعون من دونه إما أن يكون مالكًا، وإما أن لا يكون مالكًا؛ وإذا لم يكن مالكًا، فإما أن يكون شريكًا، وإما أن لا يكون شريكًا. وإذا لم يكن شريكًا، فإما أن يكون معاونًا، وإما أن يكون سائلاً طالبًا، فالأقسام الأول الثلاثة وهي الملك والشركة والمعاونة منتفية. وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه. كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ

стр. 228

عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]» (١). وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع؛ والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده. فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا متنقلاً من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها» (٢).

стр. 229

(٢٠/ش) يا أهل البصيرة، ويا أصحاب القلوب الحية علموا أبناء الإسلام الجاهلية ليتقوها، عرفوهم الشرك ليستقيموا على التوحيد، بينوا لهم الكفر ليعتصموا بالإيمان، أخبروهم بالمعصية ليعضوا على الطاعة. دلوهم على المجاهدين في سبيل الله لينصروهم ويوالوهم، وعلى أئمة الكفر والزندقة ليكفروا بهم ويتبرأوا منهم. بينوا سبيل المجرمين والطواغيت ليجتمع أهل الإسلام على النكاية بهم وحربهم ... إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم.

стр. 230

وإن تتولوا عن البيان العظيم، فسوف يستبدل الله بكم غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. قال الله تعالى متوعدًا المدبرين عن دينه، الموالين لأعدائه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].

стр. 231

فصل وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ومنك وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن هكذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. ثم قال الشيخ -يعني ابن القيم رحمه الله تعالى- بعد ذكر الشرك الأكبر والأصغر. ومن أنواع هذا الشرك: سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره وإضافة نعمه إلى غيره. ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستعانة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن. والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانًا

стр. 232

تُعْبدُ، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه المؤمنين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا أو أنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم. ولله در خليله إبراهيم ﵇ حيث يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]. وما نجا مِنْ شَرَكِ هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله. انتهى كلامه (٢١/ش). (٢١/ش) هذا هو حال المشركين في كل زمان ومكان، عدلوا بالله غيره، واستبدلوا الشرك بالتوحيد، والكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة وحب المخلوق بحب الخالق، وخوف المخلوق بالخوف من الخالق .. حتى تملكهم الشرك، وأشربته قلوبهم قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] الآية. حتى بلغ الأمر بهم إلى درجة الاستهزاء بالتوحيد ودعاته، مع وجود الإصرار التام على المضي قدمًا في سبيل الشرك والتنديد، وبذل كل ما يملكون من مادي ومعنوي للصد، وللحد من انتشار وغلبة التوحيد على

стр. 233

النفوس، الذي هو أصل دين النبيين، وزبدة رسالة المرسلين -صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين-. قال ابن تيمية: «في الكلام على قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] تدل على أن الاستهزاء بالله كفر، وبالرسول كفر، من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر بالضرورة، فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطًا، فعلم أن الاستهزاء بالرسول كفر وإلا لم يكن لذكره فائدة، وكذلك الآيات. وأيضًا فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم. والضالون مستخفون بتوحيد الله تعالى بدعاء غيره من الأموات، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] الآية. فاستهزأوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك، وما زال المشركون يسبون الأنبياء، ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد، لما في أنفسهم من عظيم الشرك. وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك، لما عنده من الشرك. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فمن أحب مخلوقًا مثل ما يحب الله فهو مشرك، ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله.

стр. 234

فهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانًا تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله وعبادته، ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء، ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبًا، ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذبًا. وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى: أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره، أو غير قبره أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر، ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد، وكثير منهم يخربون المساجد، ويعمرون المشاهد فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وبآياته ورسوله، وتعظيمهم للشرك؟!! وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهاة لمشركي العرب، الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، ويقولون: الله غني وآلهتنا فقيرة. وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر، الذي يعظمه يبكي عنده، ويخشع، ويتضرع ما لا يحصل له مثله في الجمعة، والصلوات الخمس، وقيام الليل فهل هذا إلا من حال المشركين لا الموحدين؟!! ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات حصل له من الخشوع والحضور ما لا يحصل له عند الآيات، بل يستثقلونها، ويستهزئون بها، وبمن يقرؤها، مما حصل لهم به أعظم نصيب من قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.

стр. 235

والذين يجعلون دعاء الموتى أفضل من دعاء الله، منهم من يحكي: أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه، واستغاث بشيخه فأغاثه، وأن بعض المأسورين دعا الله فلم يخرجه، فدعا بعض الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وآخر قال: قبر فلان الترياق المجرب. ومنهم من إذا نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه، قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه، وقد قال تعالى للموحدين: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]» (١).

стр. 236

والمراد بهذا: أن بعض الملحدين نسب إلى الشيخ أن هذا شرك أصغر، وشبهته أنه ذكره في الفصل الثاني الذي ذكر في أوله الأصغر، وأنت رحمك الله تجد الكلام من أوله إلى آخره في الفصل الأول، والثاني صريحًا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة منها: أن دعاء الموتى والنذر لهم ليشفعوا له عند الله هو الشرك الأكبر، الذي بعث الله النبي ﷺ بالنهي عنه، فكفر من لم يتب منه وقاتله وعاداه، وآخر ما صرح به قوله آنفًا: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلى آخره. فهل بعد هذا البيان بيان إلا العناد، بل الإلحاد. ولكن تأمل قوله -أرشدك الله- وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين، إلى آخره، وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك الأكبر، وإن لم يعادهم فهو منهم وإن لم يفعله (٢١/ش). (٢١/ش) قال الإمام العلامة ابن تيمية في وجوب البراءة من الشرك وأهله حتى يصح إيمان العبد وإسلامه: «فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا من عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنًا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى

стр. 237

وقد ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين: أن من دعا علي بن أبي طالب ﵁ فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر (٢٣/ش). تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقال الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، وقال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، وقال الخليل وهو إمام الحنفاء، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩]» (١). (٢٣/ش) ما زال العلماء جيلاً بعد جيل، وقرنًا بعد قرن يقررون كفر من شك في كفر الكافر، وأنه ناقض من نواقض الإسلام يخرج صاحبه من الملة بالكلية. ولكن لهذا شروط منها: أ- أن يكون الكفر الذي وقع الكافر فيه كفرًا أكبر مجمعًا عليه، فلا يدخل في هذا الكفر المختلف فيه ألبتة. ب- أن يكون كفر هذا الكافر معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، بحيث يكون الشك فيه بمثابة الشك في نص صحيح ثابت بالتواتر.

стр. 238

جـ- أن تقام الحجة، وتزال الشبهة، فإن استمر الشك بعد ذلك حكم بالكفر على صاحبه. ولكن نريد أن نسجل هنا أمرًا مهمًا نصحًا للأمة، وبراءة للذمة: أن هناك بعض مناطات من الكفر الأكبر، فيها من الاستهزاء والسخرية والعناد لرب الأرض والسموات ما يجعل مجرد الشك فيها كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، ويكون صاحبها مرتدًا عن دين الإسلام. وفي بعضها من الجهل والغفلة وسوء الاعتقاد ما يصير مجرد الشك فيها خطرًا عظيمًا على دين صاحبه، وقد يذهبه بالكلية. فالحاصل: أن صور الشك في كفر الكافر ليست على درجة واحدة، وليست على رتب متساوية، حتى يكون الحكم فيها وعليها واحدًا. وهذا يدل على أن تكفير المشركين المستند إلى البرهان والدليل من أعظم دعائم الدين، فبه ينقمع الشرك وأهله، وبه ينفصل سبيل المؤمنين عن سبيل المجرمين، وبه يتحقق أجل أصول الملة، المتمثل في الكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك والمشركين. ولا أدل على ذلك من كون الشرع حكم على أن من شك في كفر الكافر يكون كافرًا مرتدًا. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في معرض الحديث عن متى يصح

стр. 239

التكفير، ومتى لا يصح: «وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفرًا بواحًا، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. فمن لم يكن من أهل عبادة الله تعالى، وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، مؤمنًا بما جاءت به رسله، مجتنبًا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه. والتكفير: بترك هذه الأصول وعدم الإيمان بها، من أعظم دعائم الدين، يعرفه كل من كانت له نهمة في معرفة دين الإسلام. وغالب ما في القرآن: إنما هو في إثبات ربوبيته تعالى، وصفات كماله، ونعوت جلاله، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وما أعد لأوليائه الذين أجابوا رسله في الدار الآخرة، وما أعد لأعدائه الذين كفروا به وبرسله، واتخذوا

стр. 240

من دونه الآلهة والأرباب، وهذا بيِّن بحمد الله» (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله من جني، أو إنسي، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك، أو أخوك. فأما من قال: أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة والقباب على القبور، وأمثال ذلك فهذا كاذب في قوله لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله ولم يكفر بالطاغوت» (٢). وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: «وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئًا، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لا بد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم. كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ

стр. 241

رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي ﷺ وهو على الحق، لكن: لا أتعرض اللات، والعزى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله ما عليَّ منهم، لم يصح إسلامه (١). وقال الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد -رحمهم الله تعالى- في أثناء جواب لهما: المسألة الحادية عشرة: رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم لكن لا أقدر أن أكفر أهل لا إله إلا الله، ولو لم يعرفوا معناها. ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أعترض للقباب، وأعلم أنها لا تنفع ولا تضر، ولكن ما أتعرضها. الجواب: أن الرجل لا يكون مسلمًا، إلا إذا عرف التوحيد ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول ﷺ فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه، وآمن به وبما جاء به. فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلا الله، ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلمًا، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ

стр. 242

بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]. والله : أوجب معاداة المشركين، ومنابذتهم، وتكفيرهم، فقال: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ الآيات [الممتحنة: ١] والله أعلم» (١). وقال عبد الرحمن بن حسن: «ووسم تعالى أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات، فلا بد من تكفيرهم أيضًا، وهذا هو مقتضى: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها. إلا بتكفير من جعل لله شريكًا في عبادته، كما في الحديث الصحيح: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله». وقوله: «وكفر بما يعبد من دون الله»: تأكيد للنفي، فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك، أو تردد، لم يعصم دمه وماله. فهذه الأمور هي تمام التوحيد، لأن لا إله إلا الله قيدت في الأحاديث بقيود ثقال، بالعلم، والإخلاص، والصدق، واليقين، وعدم الشك، فلا يكون

стр. 243

المرء موحدًا إلا باجتماع هذا كله، واعتقاده، وقبوله، ومحبته، والمعاداة فيه والموالاة» (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمهما الله تعالى-: «فإن جادل مجادل في أن عبادة القباب، ودعاء الأموات مع الله ليس بشرك، وأن أهلها ليسوا بمشركين بان أمره، واتضح عناده وكفره» (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى: «لو عرف العبد معنى: لا إله إلا الله لعرف أن من شك، أو تردد في كفر من أشرك مع الله غيره، أنه لم يكفر بالطاغوت» (٣). وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: «إن فعل مشركي الزمان عند القبور، مع دعاء أهل القبور، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والذبح والنذر لهم، وقولنا: إن هذا شرك أكبر، وأن من فعله فهو كافر، والذين يفعلون هذه العبادات عند القبور كفار بلا شك، وقول الجهال: إنكم تكفرون المسلمين فهذا ما عرف الإسلام، ولا التوحيد. والظاهر: عدم صحة إسلام هذا القائل، فإن لم ينكر هذه الأمور التي

стр. 244

يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئًا فليس بمسلم» (١). وإليكم نصوص العلماء في تكفير من شك في كفر الكافر، أو قال بالتوقف فيه، أو صحح مذهبه، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد بطلان كل دين سواه. قال محمد بن سحنون: «أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر» (٢). وقال الإمام القاضي عياض، وهو ينص على أنواع وجمل من النواقض: «وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب، أو خص حديثًا مجمعًا على نقله مقطوعًا به مجمعًا على حمله على ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم. ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك» (٣).

стр. 245

وقال العلامة الإمام ابن تيمية في معرض حديثه عن الرافضة الخبثاء: «أما من اقترن بسبه دعوى أن عليًا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبرائيل في الرسالة فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون: القرامطة، والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم. وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم، ولا في دينهم -مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك - فهذا هو الذي يستحق التأديب، والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك. وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم. وأما من لعن وقبح مطلقًا، فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرًا قليلاً، يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه كذب بما نصه القرآن في غير موضع، من: الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين.

стр. 246

فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسُّنة كفار، أو فساق، وأن هذه الآية التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا؛ ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارهم. وكفر هذا مما يعلم باضطرار من دين الإسلام. ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال، فإنه يتبين أنه زنديق» (١). وفي سؤال ورد على ابن تيمية في حكم من شك في كفر فرعون مستشهدًا هذا الشاك بقول الله تعالى في حق عن فرعون عند غرقه: ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] الآية. فأجاب -رحمه الله تعالى-: «الحمد لله كفر فرعون وموته كافرًا وكونه من أهل النار هو مما علم بالاضطرار من دين المسلمين، بل ومن دين اليهود والنصارى، فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه من أعظم الخلق كفرًا. ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر قصته في بسطها، وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره، واجترائه، وكونه أشد الناس عذابًا يوم القيامة. ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره، وكونه من أهل النار، فإنه يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًا؛ فضلاً عمن يقول:

стр. 247

أنه مات مؤمنًا. والشك في كفره، أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه، وأعظم من ذلك في أبي جهل، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ونحوهم، ممن تواتر كفرهم، ولم يذكر باسمه في القرآن» (١). وقال محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الإسلام العشرة: «الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر» (٢). وقال العلامة علي القاري في بيان حكم من شك أو توقف في كفر اليهود أو النصارى أو أهل الحلول والاتحاد: «فقد نص العلامة ابن المقري كما سبق: أن من شك في كفر اليهود والنصارى، وطائفة ابن عربي فهو كافر، وهو أمر ظاهر، وحكم باهر. وأما من توقف فليس بمعذور في أمره، بل توقفه سبب كفره. فقد نص الإمام الأعظم، والهمام الأقدم في الفقه الأكبر: أنه إذا أشكل على الإنسان شيء من دقائق علم التوحيد فينبغي له أن يعتقد ما هو الصواب عند الله تعالى، إلى أن يجد عالمًا فيسأله، ولا يسعه تأخير الطلب، ولا يعذر بالوقف فيه، ويكفر إن وقف انتهى.

стр. 248

وقد ثبت عن أبي يوسف أنه حكم بكفر من قال: لا أحب الدباء، بعدما قيل له: إنه كان يحبه سيد الأنبياء، فكيف بمن طعن في جميع الأنبياء، وادعى أن خاتم الأولياء أفضل من سيد الأصفياء، فإن كنت مؤمنًا حقًا، مسلمًا صدقًا، فلا تشك في كفر جماعة ابن عربي، ولا تتوقف» (١). وقال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «القرآن كلام الله من قال مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر» (٢). وقال الإمامان أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وهما يتحدثان عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ... ومن زعم: أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، كفرًا ينقل عن الملة؛ ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر» (٣). وقال محمد بن عبد الوهاب ﵀ مستحسنًا لقول واحد من الأعراب: «وما أحسن ما قاله واحد من البوادي لما قدم علينا، وسمع شيئًا من الإسلام،

стр. 249

قال: أشهد أننا كفار - يعني هو وجميع البوادي - وأشهد أن المطوع الذي يسمينا إسلامًا أنه كافر، وصلى الله على سيدنا محمد» (١). وقال الشيخ أبا بطين -رحمه الله تعالى-: «وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال» (٢). ونذكر هنا بعضًا من مناطات الكفر البواح، الذي لنا من الله فيه برهان، وسوف ترى أخي القارئ وجوب تكفير أصحابها، وإلا وقع «غالبًا» الكفر على الشاك، أو المتوقف في تكفيرهم. قال محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: «إن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذب النبي ﷺ ورجعوا إلى عبادة الأوثان وقالوا: لو كان نبيًا ما مات؛ ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة ظنًا أن النبي ﷺ أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك فصدقهم كثير من الناس. ومع هذا: أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر» (٣).

стр. 250

وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: «وأما قول من يقول: إن من تكلم بالشهادتين ما يجوز تكفيره، وقائل هذا القول لا بد أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله، في مثل من أنكر البعث، أو شك فيه مع إتيانه بالشهادتين، أو أنكر نبوة أحد من الأنبياء الذين سمَّاهم الله في كتابه، أو قال: الزنا حلال، أو نحو ذلك، فلا أظن يتوقف في كفر هؤلاء وأمثالهم إلا من يكابر ويعاند. فإن كابر وعاند وقال: لا يضر شيء من ذلك، ولا يكفر به من أتى بالشهادتين فلا شك في كفره، ولا كفر من شك في كفره، لأنه بقوله هذا مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، والأدلة على ذلك ظاهرة بالكتاب والسنة والإجماع. فمن قال: إن التلفظ بالشهادتين لا يضر معهما شيء، أو قال: من أتى بالشهادتين وصلى وصام لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين كما قدمنا، ونصوص الكتاب والسنة في ذلك كثيرة، مع الإجماع القطعي الذي لا يستريب فيه من له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن التقليد والهوى يعمي ويصم. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]» (١).
следующие страницы →