فيه: أن مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين.
وفيه: أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه
عليهم» (١).
وقال الإمام القرطبي مؤكدًا على أن النبي ﷺ قد بين من أول يوم التوحيد، وضده من الشرك والتنديد، وعاقبة كل منهما: «ولم يزل النبي ﷺ من أول مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على الإيمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة» (٢).
فالتوحيد ما زال معلومًا بين المشركين قبل بعثة النبي ﷺ ثم جهر به وبأحكامه من أول يوم من بعثته الشريفة، إلا أن بعض السفهاء أصروا على أن يكون التوحيد في غربة بعد بعثته، وأن صحابته الكرام ما زالوا يقعون في الشرك الأكبر واحدًا تلو الآخر، وسوف يعلمون في أرض المحشر من أولى بأطهر جيل عرفه التاريخ نحن أم هم؟!!
ولا تظن أخي القارئ أن في المسألة خلاف، فالقرآن فاصل بيننا وبينهم
стр. 177
في أن المشركين كانوا يعلمون أن النبي ﷺ بعث بوجوب التوحيد، وبحرمة ضده من الشرك والتنديد إلا أنهم أبوا أن يقروا بأنه دين الله لتكبر السادة، وجهل الأتباع الذين هم تبع لتقريرات السادة والكبراء فكيف بصحابة النبي ﷺ هل يليق بهم الجهل بأصل دينهم، الذي عرفه أبو جهل، وأبو لهب، وأمية بن خلف ونحوهم.
قال الإمام الطبري مبينًا علم المشركين بالتوحيد: «وقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، يقول: وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا: محمد ساحر كذاب أجعل محمد المعبودات كلها واحد يسمع دعاءنا جميعنا ويعلم عبادة كل عابد عبده منا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾: أي إن هذا لشيء عجيب.
كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، قال: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعًا إله واحد ما سمعنا بها في الملة الآخرة» (١).
ولقد كان مشركو قريش إذا سمعوا التوحيد كفروا به، وإذا سمعوا الشرك آمنوا به، فهل يعقل أن يكفروا ويؤمنوا بشيء لا يعلمونه!!!
قال الإمام الطبري، إمام المفسرين ﵀: (ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير).
وفي هذا الكلام متروك استغنى بدلالة الظاهر من ذكره عليه، وهو:
стр. 178
فأجيبوا: أن لا سبيل إلى ذلك، هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢]، فأنكرتم أن تكون الألوهية له خالصة، وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
(وإن يشرك به تؤمنوا) يقول: وإن يجعل لله شريك تصدقوا من جعل ذلك له: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ يقول: فالقضاء لله العلي على كل شيء الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرًا له اليوم» (١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى مؤكدًا على هذا المعنى في تفسير لقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤].
«يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله ﷺ بشيرًا ونذيرًا كما قال : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، وقال جل وعلا ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، أي بشر مثلهم وقال الكافرون: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟
أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله،
стр. 179
فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم.
فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك، وتجبروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٥، ٦]، وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه» (١).
فإذا عرفت هذا فأصغ سمعك لمجدد الدين في وقته، الإمام محمد بن عبد الوهاب، الذي اشتدت، وسوف تشتد محنته من أعداء الدين، ومن المشركين وأئمة الإرجاء الخبيث، اسمعه وهو يقرر علم المشركين، بدعوة النبي ﷺ ، فكيف بأصحابه الكرام، ثم انتهى إلى أنه لا خير في رجل جهال المشركين أعلم منه بـ (لا إله إلا الله)، قال رحمه الله تعالى: «إن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع
أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم
стр. 180
يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو الذي أحل دمائهم وأموالهم.
عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله.
فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرًا، أو قبرًا، أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو: الخالق الرزاق المدبر، فإنهم يقرن أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: السيد. فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله) والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها.
والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منه.
فإنه لما قال لهم قولوا: (لا إله إلا الله) قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني.
стр. 181
والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق، ولا يرزق ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله.
فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله» (١).
وقال الشيخ سليمان بن سحمان في ذات المعنى: «إن الكفار الذين كانوا على عهد النبي ﷺ ، كانوا يعرفون معنى لا إله إلا الله، وأنها تنفي جميع ما يعبد من دون الله، وتثبت العبادة لله وحده لا شريك له، ولهذا لما قال لهم رسول الله ﷺ : (قولوا لا إله إلا الله) قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾
[ص: ٥] فأبوا عن التلفظ بهذا.
وأما عباد القبور اليوم، فإنهم يشهدون: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ومع ذلك يدعون الأنبياء والأولياء والصالحين، ويستشفعون بهم في المهمات والملمات، ويلجؤون إليهم في جميع الطلبات والرغبات، ويطلبون منهم قضاء الحاجات، وكشف الكربات، وإغاثة اللهفان، ويزعم هذا (٢) وأضرابه من الجهال: أنهم مسلمون بمجرد التلفظ بالشهادتين، والانتساب إلى الإسلام، سبحانك هذا بهتان عظيم» (٣).
بعد هذا البيان لنقول: لكل من اتهم، أو جوز وقوع أي واحد من
стр. 182
الصحابة في الشرك الأكبر: الموعد بيننا: الوقوف بين يدي رب الأرض والسماوات.
وأما من جوز هذا على نبي الله موسى بن عمران ﵇ استنادًا منهم إلى إلقائه الألواح عند غضبه، كل هذا ليصحح إسلامًا مزيفًا للمشركين، الذين عدلوا بالله غيره ..
فقول هؤلاء أردأ وأخس من أن يرد عليهم، وكفى به فضحًا لعوراتهم المخزية، وسوف يعلمون حين تحشر البهائم: أي منقلب ينقلبون.
نعود فنقرر: أن الأدلة من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها قد أبانت: أن المشرك لا يعد من المسلمين، ولو كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وأن بعد هذا القول عن المقرر من الأدلة، كبعد الذين يريدون أن يجمعوا بين الشرك الأكبر والإسلام، وبين الكفر والإيمان في آن واحد، ويأبى الله ورسوله الحكم بالإسلام لمن أشرك برب الأرض والسماوات، وعدل به غيره، واتخذ إلهًا سواه.
стр. 183
(١)(٢) (١٣/ش) هذا هو أول شرك وقع على وجه الأرض، وكان الناس قبله مسلمين، ولربهم موحدين، حتى دخل عليهم الشيطان اللعين من باب الغلو في الصالحين، فلقد كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كاملة
стр. 184
على التوحيد والإسلام، وكان الناس متفقين عليه، ثم دب الشرك فيهم عندما انتشر الجهل بينهم، وتنسخ العلم بالتوحيد، فعند ذلك اختلف الناس فبعث الله النبيين ليحكموا بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، فنصوا على أن الشرك افتراء على الله، وأنه ذنب عظيم تجب التوبة منه، وإلا صار أهله من أصحاب النار خالدين فيها أبدًا.
وكذلك نص الأنبياء: على أن الجنة لا تدخلها إلا نفس موحدة لله بالعبادة، ومستسلمة له بالطاعة، وهكذا فصلوا في اختلاف الناس.
قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[البقرة: ٢١٣].
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» (١).
قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا»،
стр. 185
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار، عن محمد بن بشار، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (١)، وكذا روى أبو جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: كانوا على الهدى جميعًا فاختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، فكان أول نبي بعث نوحًا. وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس ﵄ أولاً.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: كانوا كفارًا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، والقول الأول عن ابن عباس ﵄ أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
стр. 186
(الشرك قبل قيام الحجة ذنب وسيئة وتجب التوبة منه بعد قيامها):
فأول شرك وقع على وجه الأرض كان بسبب الغلو في الصالحين، فأرسل الله نوحًا ﵇ لينذر قومه ويحذرهم العذاب الأليم على فعل الشرك، وأمرهم بالتوبة منه، وبين لهم أنه ذنب عظيم تجب التوبة منه، حتى ولو وقع هذا الذنب بسبب الجهل وعدم العلم.
وهكذا الأمر في كتاب الله من أوله إلى آخره، تخاطب الرسل أقوامها الذي عبدوا غير الله على أنهم مشركون، من قبل أن تقام عليهم الحجة، وتطالبهم بالتوبة من هذا الذنب العظيم، ولو كان أصحابه متردين في ظلمات الجهل، ويحسبون أنهم بفعله مهتدون، إلا أن العقاب على الشرك لا يكون إلا بعد قيام الحجة الرسالية.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: في بيان أن فعل الشرك ذنب عظيم، حتى ولو لم تقم الحجة على أصحابه، وأنه تجب التوبة منه بعد قيام الحجة، لأن حسن التوحيد وقبح الشرك أمر ثابت في النفوس، ومعلوم بالعقل.
قال رحمه الله تعالى: «وأيضًا أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه -أي قبل مجيء الرسالة- فلو كان كالمباح المستوي الطرفين، والمعفو عنه، وكفعل الصبيان والمجانين، ما أمر بالاستغفار والتوبة، فعلم أنه
стр. 187
كان من السيئات القبيحة، لكن الله لا يعاقب إلا بعد إقامة الحجة؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ١ - ٤].
فدل على أنها كانت ذنوبًا قبل إنذارها إياهم.
وقال عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وكذلك قال لوط ﵇ لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠].
فدل على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم، بخلاف قول من يقول: ما كانت فاحشة ولا قبيحة ولا سيئة حتى نهاهم عنها. ولهذا قال لهم: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وهذا خطاب لمن يعرفون قبح ما يفعلون ولكن أنذرهم بالعذاب.
стр. 188
وكذلك قول شعيب ﵇: ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]، بين أن ما فعلوه كان بخسًا لهم أشياءهم، وأنهم كانوا عاثين في الأرض مفسدين قبل أن ينهاهم، بخلاف قول المجبرة أن ظلمهم ما كان سيئة إلا لما نهاهم، وأنه قبل النهي كان بمنزلة سائر الأفعال، من الأكل والشرب وغير ذلك. كما يقولون في سائر ما نهت عنه الرسل، من الشرك والظلم والفواحش.
وهكذا إبراهيم الخليل ﵇ قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٢]، فهذا توبيخ على فعله قبل النهي، وقال أيضًا: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٦، ١٧]، فأخبر أنهم يخلقون إفكًا قبل النهي.
وكذلك قول الخليل ﵇ لقومه أيضًا: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * -إلى قوله- أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٨٥ - ٩٦].
فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم، ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أي: وخلق ما تنحتون فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه
стр. 189
بأيديكم وتدعون رب العالمين.
فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلم بالعقل لم يخاطبهم بهذا، إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعنى قبحه: كونه منهيًا عنه، لا لمعنى فيه كما تقوله المجبرة (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد، مبينًا كيفية وقوع الشرك في قوم نوح ﵇، والفوائد المترتبة على هذه القصة، والعبر المستفادة منها: «قوله في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عبدت» (٢).
قوله وفي الصحيح، أي: صحيح البخاري، وهذا الأثر اختصره المصنف ولفظ ما في البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال: «صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد.
стр. 190
أما «ود» فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما «سواع» فكانت لهذيل، وأما «يغوث» فكانت لمراد، ثم لبني غطيف، بالجرف عند سبأ، وأما «يعوق» فكانت لهمدان، وأما «نسر» فكانت لحمير لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين في قوم نوح إلى آخره (١).
وروى عكرمة والحاكم وابن إسحاق نحو هذا، قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة فصورهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم (٢) ...
قوله: «ونسي العلم» (٣) ورواية البخاري «وتنسخ» (٤) وللكشميهني «ونسخ العلم» (٥) أي: درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل، حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله.
قوله: «عبدت» لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وأمرهم بها، فصار هو
стр. 191
معبودهم في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وهذا يفيد الحذر من الغلو ووسائل الشرك ..
قوله: «ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم» أي: طال عليهم الزمان وسبب تلك العبادة والموصل إليها هو ما جرى من الأولين من التعظيم بالعكوف على قبورهم، ونصب صورهم في مجالسهم، فصارت بذلك أوثانًا تعبد من دون الله، كما ترجم (١) به المصنف -رحمه الله تعالى- فإنهم تركوا بذلك دين الإسلام، الذي كان أولئك عليه قبل حدوث وسائل هذا الشرك، وكفروا بعبادة تلك الصور، واتخذوهم شفعاء، وهذا أول شرك حدث في الأرض.
قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها (٢) اهـ.
قال ابن القيم ﵀: «وما زال يوحي الشيطان إلى عباد القبور ويلقي
стр. 192
إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب ثم ينقلها من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يُسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به ويستلم ويقبل ويحج إليه ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا ومنسكًا ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد وأن لا يعبد إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل هذه الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم، ولا قدر فغضب المشركون واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]، وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم وزعموا أنهم أولياء الله، وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾
[الأنفال: ٣٤]» اهـ كلام ابن القيم ﵀.
стр. 193
وفي القصة فوائد ذكرها المصنف ﵀.
ومنها: رد الشبه التي يسميها أهل الكلام عقليات ويدفعون بها ما جاء به الكتاب والسنة من توحيد الصفات، وإثباتها على ما يليق بجلال الله، وعظمته، وكبريائه.
ومنها: مضرة التقليد.
ومنها: ضرورة الأمة إلى ما جاء به رسول الله ﷺ علمًا وعملاً، بما يدل عليه الكتاب والسنة، فإن ضرورة العبد إلى ذلك فوق كل ضرورة» (١).
стр. 194
(١) (١٣/ش) قال الإمام البغوي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١].
«قال عكرمة: هم صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله، وقال
стр. 195
أبو عبيدة: هما كل معبود يعبد من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال عمر: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر.
وقال سعيد بن جبير وأبو العالية: الجبت: الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن. وروي عن عكرمة: الجبت بلسان الحبشة: شيطان.
وقال الضحاك: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، دليله قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرمادي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عوف العبدي، عن حيان، عن قطن بن قبيصة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (العيافة والطرق والطيرة من الجبت) (١).
وقيل: الجبت: كل ما حرم الله، والطاغوت: كل ما يطغي الإنسان» (٢).
стр. 196
وتأمل أيضًا ما ذكره في اللات والعزى ومناة، وجعله فعل المشركين معها هو بعينه الذي يفعل بدمشق وغيرها، وتأمل قوله على حديث ذات أنواط، هذا قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة، فكيف بما هو أطم من ذلك الشرك عينه؟
فهل للزائغ بعد هذا متعلق بشيء من كلام هذا الإمام؟ وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيغهم.
قال رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامة عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى (١) انتهى كلامه.
وهذا صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه،
стр. 197
(١٥/ش) هذا قيد مهم من كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب لكلام الإمام العلامة ابن تيمية، وهو أن عدم تكفير ابن تيمية للمعين حتى تقوم الحجة مخصوص بالمسائل الخفية لا الظاهرة.
وينضم إلى هذا كلام العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن، الذي نقلناه من قبل، وهو أن عدم تكفير ابن تيمية وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب للمعين ليس في الوقوع في الشرك الأكبر، لأنهم يقولون: نحن لا نكفر أحدًا من المسلمين وقع في أمر مكفر إلا بعد قيام الحجة، وهم قد نصوا على أن المشرك ليس من عداد المسلمين، لأن الإسلام هو ترك الشرك، والانخلاع منه إلى إفراد الله
بالعبادة.
وقال محمد بن عبد الوهاب مؤكدًا على هذا المعنى في رسالة بعث بها إلى أحمد بن عبد الكريم يحذره فيها من الامتناع عن تكفير المشركين، ويوضح له فيها منهج ابن تيمية في هذا، وأن كلام الشيخ في عدم تكفير المعين ليس في الشرك والردة، وأنه عام في المسائل الجزئيات، سواء كانت من الأصول أو الفروع ....
قال رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن
стр. 198
عبد الوهاب، إلى أحمد بن عبد الكريم، سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
أما بعد: وصل مكتوبك، تقرر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته، ثم ورد منك مراسلة، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ -أي ابن تيمية- أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام.
وعلى أي شيء يدل كلامه، من أن من عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى، وسب دين الرسول ﷺ بعدما شهد به، مثل سب أبي جهل، انه لا يكفر بعينه.
بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره مثل ابن فيروز وصالح بن عبد الله وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة، فضلاً عن غيرهما، هذا صريح واضح، في كلام ابن القيم الذي ذكرت، وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن، الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعدما أقر به، ودان بعبادة الأوثان بعدما أقر بها.
وليس في كلامي هذا مجازفة، بل أنت تشهد به عليهم، ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه، وأنا أخاف عليك من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]، والشبهة التي دخلت عليك، هذه البضيعة التي في يدك، تخاف تضيع أنت وعيالك إذا
تركت بلد المشركين، وشاك في رزق الله، وأيضًا قرناء السوء، أضلوك
стр. 199
كما هي عادتهم.
وأنت -والعياذ بالله- تنزل درجة درجة، أول مرة في الشك وبلد الشرك وموالاتهم والصلاة خلفهم، وبراءتك من المسلمين مداهنة لهم، ثم بعد ذلك طحت على ابن غنام وغيره، وتبرأت من ملة إبراهيم، وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين من غير إكراه، لكن خوفًا ومداراة.
وغاب عنك قوله تعالى في عمار بن ياسر وأشباهه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٦، ١٠٧].
فلم يستثن الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه.
والإكراه لا يكون على العقيدة بل على القول والفعل، فقد صرح بأن من قال المكفِّر أو فَعَلَه فقد كفر، إلا المكره بالشرط المذكور، وذلك: أن ذلك بسبب إيثار الدنيا، لا بسبب العقيدة.
فتفكر في نفسك، هل أكرهوك، وعرضوك على السيف مثل عمار، أم لا؟
وتفكر: هل هذا بسبب أن عقيدته تغيرت، أم بسبب إيثار الدنيا؟
ولم يبق عليك إلا رتبة واحدة، وهي: أنك تصرح مثل ابن رفيع، تصريحًا بمسبة دين الأنبياء، وترجع إلى عبادة العيدروس، وأبي حديدة،
стр. 200
وأمثالهما، ولكن الأمر بيد مقلب القلوب.
(نصيحة جليلة)
فأول ما أنصحك به: أنك تفكر، هل هذا الشرك الذي عندكم، هو الشرك الذي ظهر نبيك ﷺ ينهى عنه أهل مكة؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه؟ أم هذا أغلظ؟
فإذا أحكمت المسألة، وعرفت أن غالب من عندكم سمع الآيات، وسمع كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وأقر به، وقال: أشهد أن هذا هو الحق، ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب، ثم بعد ذلك يصرح بمسبة ما شهد أنه الحق، ويصرح بحسن الشرك واتباعه، وعدم البراءة من أهله.
فتفكر هل هذه مسألة مشكلة؟ أو مسألة الردة الصريحة التي ذكرها أهل العلم في الردة؟
ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت، كأنها أتت ممن لا يسمع ولا
يبصر.
أما استدلالك بترك النبي ﷺ ومن بعده، تكفير المنافقين وقتلهم، فقد صرح الخاص والعام، ببديهة العقل، لو يظهرون كلمة واحدة، أو فعلاً واحدًا من عبادة الأوثان، أو مسبة التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ ، أنهم يقتلون أشر قتلة.
فإن كنت تزعم: أن الذين عندكم، أظهروا اتباع الدين الذي تشهد أنه دين
стр. 201
الرسول ﷺ ، وتبرؤوا من الشرك بالقول والفعل، ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه، أو فلتات اللسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة فقل لي.
وإن كنت تزعم: أن الشرك الذي خرج عليه رسول الله ﷺ أكبر من هذا فقل لي.
وإن كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام لا يكفر، ولو أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سب دين الأنبياء، وسماه دين أهل العارض، وأفتى بقتل من أخلص لله الدين، وإحراقه، وحل ماله، فهذه مسألتك، وقد قررتها وذكرت: أن من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدًا، ولم يكفروه من أهل الملة.
(الأدلة الجلية على كفر وقتل من أتى بناقض من أهل القبلة)
أما ذكرت قول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠]-إلى قوله- ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦١].
واذكر قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]، إلى قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ ...﴾ [النساء: ٩١].
стр. 202
واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠].
واذكر ما صح عن رسول الله ﷺ أنه شخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه، ليقتله ويأخذ ماله (١).
فأي هذين أعظم؟ تزوج امرأة الأب؟ أو سب دين الأنبياء بعد معرفته؟
واذكر أنه قد همَّ بغزو بني المصطلق، لما قيل إنهم منعوا الزكاة، حتى كذب الله من نقل ذلك (٢).
واذكر قوله في أعبد هذه الأمة، وأشدهم اجتهادًا: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة» (٣).
واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم.
стр. 203
واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة وكفرهم وردتهم، لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا، والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة (١).
واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر ﵁، على أن
من زعم أن الخمر تحل للخواص، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا
стр. 204
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، مع كونه من أهل بدر (١).
وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر، وردتهم وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب ﵁ وهم أحياء، فخالفه ابن عباس في الإحراق، وقال: يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول، أخذوا العلم عن الصحابة.
واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم، على قتل الجعد بن درهم، وأمثاله، قال ابن القيم:
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع ادعائه الإسلام، وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام، لكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد، ملوك مصر وطائفتهم، وهم يعدون أنهم من أهل البيت، ويصلون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة
стр. 205
والمفتين، وأجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، يجب قتالهم (١) ولو كانوا مكرهين، مبغضين لهم.
واذكر كلامه -أي كلام ابن تيمية- في الإقناع وشرحه في الردة، كيف ذكروا أنواعًا كثيرة موجودة عندكم، ثم قال منصور: وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التوحيد نسأل الله العفو والعافية، هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر قتل الواحد منهم، وحكم ماله.
هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة، إلى زمن منصور، إن هؤلاء: يكفر أنواعهم لا أعيانهم؟
وأما عبارة الشيخ: التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة.
فإن كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه: أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن، مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ
стр. 206
يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].
وإذا كان كلام الشيخ ليس في الشرك والردة، بل في مسائل الجزئيات سواء كانت من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم في مسائل الصفات، أو مسألة القرآن، أو مسألة الاستواء، أو غير ذلك مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله، والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره ويرجحونه، ويسبون من خالفه.
فلو قدرنا أنها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين، مذهب رسول الله ﷺ ومن معه، ثم يحكي مذهب الأشعري ومن معه، فكلام الشيخ في هذا النوع، يقول: إن السلف كفروا النوع، وأما المعين، فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلا لم يكفر» (١).
وقال الشيخ عبد الله، والشيخ إبراهيم ابنا الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان -رحمهم الله تعالى-: «وقد ذكر شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، في غير موضع: أن نفي التكفير بالمكفرات، قوليها وفعليها فيما يخفى دليله، ولم تقم الحجة على فاعله، وأن النفي يراد به: نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة عليه، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة» (٢).
стр. 207
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «وشيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم
-رحمهما الله تعالى- قد صرحا في غير موضع أن الخطأ والجهل قد يغفرا لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة، في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته.
وأين التقوى وأين الاجتهاد، الذي يدعيه عباد القبور، والداعون للموتى والغائبين؟!!» (١).
стр. 208
(١) (١٥/ش) كم أدخل المتكلمون من الشر على المسلمين في أمور دينهم، وذلك بسبب إعراضهم عن دلالات نصوص الوحيين، وتكلفهم طرقًا للوصول إلى الحق -بزعمهم- لم ينزل الله بها سلطانًا، ولذلك شاعت الردة فيهم تارة عن أصل الدين، وتارة عن بعض شرائعه، وقد يظهر هذا بعضهم، ويكتمه آخرون خوفًا من سيف الشرع الحكيم.
стр. 209
وكان هدي السلف معهم متمثلاً في محاصرتهم لكبت شرهم، واستئصال بدعهم، حتى لا يشوشوا على العامة من المسلمين في أمور دينهم.
قال الإمام ابن تيمية ﵀: «في الرد على بعض أئمة أهل الكلام لما تكلموا في المتأخرين من أهل الحديث، وذموهم بقلة الفهم، وأنهم لا يفهمون معاني الحديث، ولا يميزون بين صحيحه من ضعيفه، ويفتخرون عليهم بحذقهم، ودقة علومهم فيها، فقال رحمه الله تعالى: لا ريب أن هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وقد رأيت من هذا عجائب.
لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل. فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر؛ ولك كل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.
وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها، تكلف هؤلاء من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر، وما أحسن قول الإمام أحمد: ضعيف الحديث خير من الرأي.
وقد أمر الشريخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاعه مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا.
مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحرًا في الفنون الكلامية والفلسفية
стр. 210
منه، وكان من أحسنهم إسلامًا، وأمثلهم اعتقادًا.
ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة سواء كانت حقًا أو باطلاً، إيمانًا أو كفرًا، لا تدرك إلا بذكاء وفطنة فلذلك يستجهلون من لم يشركهم في علمهم، وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم إذا كان منه قصور في الذكاء والبيان.
وهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩، ٣٠] الآيات.
فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم، وقد لا يحصل لكثير منهم منها ما يستفيد به الإيمان الواجب، فيكون كافرًا زنديقًا منافقًا جاهلاً ضالاً مضلاً ظلومًا كفورًا، ويكون من أكابر أعداء الرسل، ومنافقي الملة، من الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١].
وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق، ويكون مرتدًا، إما عن أصل الدين، أو بعض شرائعه، إما ردة نفاق، وإما ردة كفر.
وهذا كثير غالب، لا سيما في الأعصار والأمصار، التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق. فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال.
وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور
стр. 211
الظاهرة، التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدًا ﷺ بعث بها، وكفر من
خالفها.
مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة، والنبيين، وغيرهم. فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل معاداة اليهود، والنصارى، والمشركين، ومثل تحريم الفواحش، والربا، والخمر، والميسر ونحو ذلك.
ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين. وإن كانوا قد يتوبون من ذلك، ويعودون كرؤوس القبائل، مثل الأقرع، وعيينة، ونحوهم، ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه.
ففيهم من كان يتهم بالنفاق، ومرض القلب، وفيهم من لم يكن كذلك.
فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة؛ وتارة يعود إليها، ولكن مع مرض في قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق، لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة.
وقد ذكر ابن قتيبة عن ذلك طرفًا في أول مختلف الحديث، وقد حكى أهل المقالات بعضهم عن بعض من ذلك طرفًا، كما يذكره أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الباقلاني، وأبو عبد الله الشهرستاني، وغيرهم.
стр. 212
وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين، والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب، وأقام الأدلة على حسن ذلك، ومنفعته، ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام.
وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله، فضلاً أن يكون موصلاً لنعيم الآخرة» (١).
стр. 213
فتأمل هذا، وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله.
لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا.
على أن الذي نعتقده، وندين لله به، ونرجو أن يثبتنا عليه: أنه لو غلط هو، أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر، الذي بينه الله ورسوله، وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره، ولو غلط من غلط، فكيف -والحمد لله- ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافًا في هذه المسألة، وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه: ٥١]، أو حجة قريش: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ [ص: ٧].
قال الشيخ ﵀ في الرسالة السنية لما ذكر حديث
الخوارج (١)، ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم قال: فإذا كان
стр. 214
على عهد رسول الله ﷺ ، وخلفائه، ممن انتسب إلى الإسلام مَنْ مرق منه، مع عبادته العظيمة، حتى أمر ﷺ بقتاله، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام، أو السنة قد يمرق أيضًا من الإسلام في هذه الأزمنة وذلك
بأسباب:
منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].
وعلي بن أبي طالب حرَّق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خُدَّتْ لهم عند باب كندة فقذفهم فيها (١)، واتفق الصحابة على قتلهم لكن
стр. 215
ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء.
وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه.
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبها فإن تاب وإلا قُتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليُعبدَ وحده لا شريك له، ولا يُجعل معه إله آخر.
والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون صورهم، ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله رسله تنهى أن يُدعى أحدٌ من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة -ثم ذكر رحمه الله تعالى آيات ثم قال-: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ